← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وفد رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته؛ فقال له: ما أقدمك؟ قال: ما أقدمني عليك رغبة؛ قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرّغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدل أمير المؤمنين علينا وحسن سيرته فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر. وقال الفرزدق في عمرو بن عتبة: [بسيط] لولا ابن عتبة عمرو والرّجاء له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع لي مالا رآه لنا فجوده متعب شكري ومنّته ... وكلّما زدت شكرا زادني مننا يرمي بهمّته أقصى مسافتها ... ولا يريد على معروفه ثمنا هذا مثل قول الأعرابيّ: ما زال فلان يعطيني حتى ظننت أنه يودعني ماله. وما ضاع مال أورث المحامد. ويقال: خمسة أشياء ضائعة: سراج يوقد في شمس، ومطر جود في سبخة «١» ، وحسناء تزفّ إلى عنّين «٢» ، وطعام استجيد وقدّم إلى سكران، ومعروف صنع إلى من لا شكر له. وكان يقال: الشكر زيادة في النّعم وأمان من الغير. وقال أسماء بن خارجة «٣» : إذا قدمت المصيبة تركت التّعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء. بعث روح بن حاتم «٤» إلى كاتب له بثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: قد

стр. 1052

بعثت بها إليك، ولا أقلّلها تكبّرا، ولا أكثّرها تمنّنا، ولا أستثيبك عليها ثناء، ولا أقطع عنك بها رجاء. وفي كتاب للهند: لا ثناء مع كبر. وفيه: ستّة أشياء لا ثبات لها: ظلّ الغمام، وخلّة الأشرار، وعشق النساء، والمال الكثير، والسّلطان الجائر، والثناء الكاذب. والعرب تقول: «لا تهرف قبل أن تعرف» أي لا تطنبنّ في الثّناء قبل الاختبار. وكتب أبو نواس من الحبس إلى الفضل بن الربيع: [كامل] ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها نام الثّقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها قد كنت خفتك ثم آمنني ... من أن أخافك خوفك الله فعفوت عنّي عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها والبيت المشهور في هذا قول النّجاشيّ «١» : [بسيط] لا تحمدنّ امرأ حتى تجرّبه ... ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر «٢» وقال آخر في الاختبار: [كامل] إنّ الرجال إذا اختبرت طباعهم ... ألفيتهم شتّى على الأخبار لا تعجلنّ إلى شريعة مورد ... حتى تبيّن خطّة الإصدار «٣» وقال الرّياشيّ: أنشدني أبو العالية «٤» : [طويل]

стр. 1053

إذا أنا لم أشكر على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذمّما «١» ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لي الله المسامع والفما قال ابن التّوءم: كلّ من كان، جوده يرجع إليه؛ ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيّأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك، فليس يجب له عليك شكر. وإنما يوصف بالجود في الحقيقة ويشكر على النفع في حجّة العقل، الذي إن جاد عليك فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له. فإن شكرنا الناس على بعض ما جرى لنا على أيديهم، فلأمرين: أحدهما التعبّد؛ وقد أمر الله تعالى بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين وتعظيم من هو أسنّ منّا وإن كنّا أفضل منه. والآخر: لأن النفس ما لا تحصّل الأمور وتميّز المعاني، فالسابق إليها حبّ من جرى لها على يديه الخير وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها. ألا ترى أنّ عطيّة الرجل صاحبه لا تخلو أن تكون لله أو لغير الله؛ فإن كانت لله فثوابه على الله؛ وكيف يجب في حجّة العقل شكره وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما أعطاني؛ وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر؛ فإن كان كذلك فإنما جعلني سلّما إلى حاجته وسببا إلى بغيته؛ أو يكون إعطاؤه إياي طلبا للمكافأة؛ فإنما ذلك تجارة؛ أو يكون إعطاؤه لخوف يدي أو لساني أو اجترار معونتي ونصرتي، وسبيل هذا معروف؛ أو يكون إعطاؤه للرحمة والرّقة ولما يجد في فؤاده من العصر «٢» والألم، فإنّما داوى بتلك العطيّة من دائه ورفّه من خناقه «٣» .

стр. 1054

وكان محمد بن الجهم يقول: نحو هذا قول الشاعر: [متقارب] لعمرك ما النّاس أثنوا عليك ... ولا عظّموك ولا عظّموا ولا شايعوك على ما بلغ ... ت من الصالحات ولا قدّموا ولو وجدوا لهم مطعنا ... إلى أن يعيبوك ما جمجموا «١» ولكن صبرت لما ألزموك ... وجدت بما لم يكن يلزم وكان قراك إذا ما لقوك ... لسانا بما سرّهم ينعم «٢» وخفض الجناح ووشك النجاح ... وتصغير ما عظّم المنعم «٣» فأنت بفضلك ألجاتهم ... إلى أن يجلّوا وأن ينعموا وقال خلف بن خليفة الأقطع «٤» : [طويل] وفي اليأس من أن تسأل الناس راحة ... تميت بها عسرا وتحيي بها يسرا وليس يد أوليتها بغنيمة ... إذا كنت تبغي أن يعدّ شكرا غنى النفس يكفي النفس ما سدّ فاقة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا قال ابن عائشة: بلغني أنّ عبد الرحمن بن حسّان سأل بعض الولاة حاجة فلم يقضيها له، فسألها آخر فقضاها له؛ فقال: [طويل] ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولّى سواكم أجرها واصطناعها

стр. 1055

أبى لك كسب الحمد رأيّ مقصّر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها «١» إذا هي حثّته على الخير مرّة ... عصاها وإن همّت بشرّ أطاعها وقال ابن عائشة: قال رجل يوما لابن عيينة: ما شيء تحدثونه يا أبا محمد؟ قال: ما هو؟ قال: يقولون إن الله تعالى يقول: أيّما عبد كانت له إليّ حاجة فشغله الثناء عليّ عن سؤال حاجته، أعطيته فوق أمنيّته؛ فقال له: يابن أخي، وما تنكر من هذا! أما سمعت قول أميّة بن أبي الصّلت في عبد الله بن جدعان: [وافر] إذا أثنى عليه المرء يوما ... كافه من تعرّضه الثناء فكيف بأكرم الأكرمين!. وكان يقال: في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة: إن هو أعطاه حمد غير الذي أعطاه، وإن منعه ذمّ غير الذي منعه. حدّثنا الرّياشيّ قال: أنشدنا كيسان لدكين الراجز «٢» : [طويل] إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل «٣» إذا المرء لم يصرع عن اللؤم نفسه ... فليس إلى حسن الثناء سبيل «٤» وكان يقال: أوّل منازل الحمد السلامة من الذمّ.

стр. 1056

قال عروة بن أذينة اللّيثيّ «١» : [منسرح] لا تتركن، إن صنيعة سلفت ... منك وإن كنت لا تصغّرها إلى امرىء، إن تقول إن ذكرت ... عندك في الجدّ لست أذكرها فإنّ إحياءها إماتتها ... وإنّ منّا بها يكدّرها وإن تولّى امرؤ بشكر يد ... فالله يجزي بها ويشكرها ويقال: أحيوا المعروف بإماتته. أبو سفيان الحميريّ قال: كان مسعدة الكاتب أبو عمرو بن مسعدة مولى لخالد القسريّ، وكان في ديوان الرسائل بواسط، وكان موجزا في كتبه، فكتب إلى صديق له: أما بعد، فإنه لن يعدمك من معروفك عندنا أمران: أجر من الله وشكر منّا. وخير مواضع المعروف ما جمع الأجر والشكر. والسلام. وكتب بعض الكتّاب إلى بعض العمّال: وما أتأمّل في وقت من الأوقات ولا يوم من الأيّام آثار أياديك لديّ، ومواقع معروفك عندي، إلّا نبّهني التأمّل على ما يحسر «٢» الشكر ويثقل الظهر، لأنك أنعشت من عثرة، وأنهضت من سقطة، وتلافيت نعمة كانت على شفا زوال ودروس» ، وتلقّيت ما ألقيت عليك من الكلّ بوجه طليق وباع رحيب. والسلام. الترغيب في قضاء الحاجة واصطناع المعروف حدّثني محمد بن عبيد قال حدّثنا داود بن المحبّر عن محمد بن الحسن الهمداني عن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جدّه عليّ بن أبي

стр. 1057

طالب رضوان الله عليه قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك معونة أخيه المسلم والسّعي معه في حاجته قضيت أو لم تقض كلّف أن يسعى في حاجة من لا يؤجر في حاجته. ومن ترك الحجّ لحاجة عرضت له لم تقض حاجته حتى يرى رءوس المحلّقين» . حدّثني محمد بن عبيد قال حدّثنا ابن عيينة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جدّه عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «اشفعوا «١» إليّ ويقضي الله على لسان نبيّكم ما شاء» . بلغني عن جعفر بن أبي جعفر المازنيّ عن ابن أبي السّريّ عن إبراهيم بن أدهم عن منصور بن المعتمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحببت أن يحبّك الله فازهد في الدنيا وإن أحببت أن يحبّك الناس فلا يقع في يدك من حطامها شيء إلا نبذته إليهم» «٢» . حدّثني محمد بن داود عن محمد بن جابر قال: قال ابن عيينة: ليس أقول لكم إلّا ما سمعت: قيل لابن المنكدر: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. وقيل: أيّ الدنيا أحبّ إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا زرير العطارديّ قال: صلّى بنا أبو رجاء العطارديّ العتمة ثم أوى إلى فراشه، فأتته امرأة فقالت: أبا

стр. 1058

رجاء، إنّ لطارق الليل حقّا، وإنّ بني فلان خرجوا إلى سفوان «١» وتركوا كتبهم وشيئا من متاعهم؛ فانتعل أبو رجاء وأخذ الكتب وأدّاها وصلّى بنا الفجر، وهو مسيرة ليلة للإبل، والناس يقولون: إنها أربعة فراسخ. حدّثني أحمد بن الخليل عن محمد بن سعيد قال حدّثنا ابن المبارك عن حميد عن الحسن قال: لأن أقضي حاجة لأخ أحبّ إليّ من أن أعتكف سنة. قال ابن عائشة: كان عمرو بن معاوية العقيليّ يقول: اللهم بلّغني عثرات الكرام. قال المأمون لمحمد بن عبّاد المهلّبيّ: أنت متلاف؛ فقال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظنّ بالله، يقول الله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ «٢» . وكان ابن عبّاس يقول: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متّكأ. هذا نحو قول النبيّ ﷺ : «المعروف يقي مصارع السّوء» . وكان ابن عبّاس يقول أيضا: ما رأيت رجلا أوليته معروفا إلّا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلا أوليته سوءا إلّا أظلم ما بيني وبينه. قال جعفر بن محمد: إنّ الحاجة تعرض للرجل قبلي فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها أو تأتيه وقد استبطأها فلا يكون لها عنده موقع. وقال الشاعر: [طويل] وبادر بسلطان إذا كنت قادرا ... زوال اقتدار أو غنى عنك يعقب «٣»

стр. 1059

وقال آخر في مثله: [متقارب] بدا حين أثرى بإخوانه ... ففكّك عنهم شباة العدم «١» وذكّره الحزم غبّ الأمور ... فبادر قبل انتقال النّعم «٢» وقرأت في كتاب للهند: من صنع المعروف لعاجل الجزاء، فهو كملقي الحبّ ليصيد به الطير لا لينفعه. قال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغبرّت قدماه في المشي إليّ إرادة التسليم عليّ؛ فأما الرابع فلا يكافئه عنّي إلا الله جلّ وعزّ؛ قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمر فبات ليلته يفكّر بمن ينزله، ثم رآني أهلا لحاجته فأنزلها بي. وقال سلّم بن قتيبة: ربّ المعروف أشدّ من ابتدائه «٣» . ويقال: الابتداء بالمعروف نافلة، وربّه فريضة. قيل لبزرجمهر: هل يستطيع أحد أن يفعل المعروف من غير أن يرزأ «٤» شيئا؟ قال: نعم، من أحببت له الخير وبذلت له الودّ، فقد أصاب نصيبا من معروفك. قال جعفر بن محمد: ما توسّل إليّ أحد بوسيلة هي أقرب به إلى ما يحبّ من يد سلفت منّي إليه، أتبعتها أختها لأحسن ربّها وحفظها؛ لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.

стр. 1060

قال رجل من مجلس خالد بن عبد الله القسريّ؛ فقال خالد: إني لأبغض هذا الرجل وما له إليّ ذنب، فقال رجل من القوم: أوله أيّها الأمير معروفا ففعل، فما لبث أن خفّ على قلبه وصار أحد جلسائه. قال ابن عباس: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره وستره، فإنه إذا عجّله هنّأه، وإذا صغّره عظّمه وإذا ستره تمّمه. وقال الخريميّ في نحو هذا: [رمل] زاد معروفك عندي عظما ... أنّه عندك محقور صغير تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير وقال الطائيّ: [كامل] جود مشيت به الضّراء تواضعا ... وعظمت عن ذكراه وهو عظيم «١» أخفيته فخفيته وطويته ... فنشرته والشخص منه عميم «٢» وكان يقال: ستر رجل ما أولى، ونشر رجل ما أولي. وقال رجل لبنيه: إذا اتخذتم عند رجل يدا فانسوها. وقالوا: المنّة تهدم الصنيعة. قال الشاعر: [بسيط] أفسدت بالمنّ ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنّان قال رجل لابن شبرمة (٣) : فعلت بفلان كذا وفعلت به كذا؛ فقال: لا خير في المعروف إذا أحصي. وفي بعض الحديث: كلّ معروف صدقة وما أنفق الرجل على أهله ونفسه وولده صدقة وما وقى «٣» المرء به عرضه فهو صدقة وكلّ نفقة «٤» أنفقها فعلى

стр. 1061

الله خلفها مثلها إلا في معصية أو بنيان. وفي الحديث المرفوع «فضل جاهك تعود به على أخيك صدقة منك عليه ولسانك تعبّر به عن أخيك صدقة منك عليه وإماطتك «١» الأذى عن الطريق صدقة منك على أهله. وكان يقال: بذل الجاه زكاة الشرف. وقال بعض الشعراء: [طويل] وليس فتى الفتيان من راح واغتدى ... لشرب صبوح أو لشرب غبوق «٢» ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... لضرّ عدوّ أو لنفع صديق قال ابن عباس: لا يزهّدنّك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه. وقال حمّاد عجرد: [بسيط] إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيّا وهو مجهود «٣» إذا تكرّمت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود أورق بخير ترجي للنوال فما ... ترجى الثّمار إذا لم يورق العود «٤» بثّ النوال ولا تمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود «٥» والعرب تقول: من حقر حرم. حدّثني عبد الرحمن عن عمه قال: قال سلّم بن قتيبة «٦» : أحدهم يحقر

стр. 1062

الشيء فيأتي ما هو شرّ منه، يعني المنع. وقال الشاعر: [بسيط] وما أبالي إذا ضيف تضيّفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي جهد المقلّ إذا أعطاك مصطبرا ... ومكثر من غنى سيّان في الجود وفي الحديث المرفوع «أفضل الصّدقة جهد المقلّ» . وقال البريق الهذليّ «١» : [متقارب] أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه وكان خالد بن عبد الله يقول على المنبر: أيها الناس عليكم بالمعروف، فإنّ فاعل المعروف لا يعدم جوازيه «٢» ، وما ضعف الناس عن أدائه قوي الله على جوازيه، والبيت المشهور في هذا قول الحطيئة: [بسيط] من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس «٣» ويقال: إنه في بعض كتب الله . قال وهب بن منبّه: إن أحسن الناس عيشا من حسن عيش الناس في عيشه، وإنّ من ألّذ اللّذّة الإفضال على الإخوان وفي الحديث المرفوع «إنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت «٤» وما سوى ذلك فهو ملك الوارث» . وقال بشار: [رمل] أنفق المال ولا تشق به ... خير ديناريك دينار نفق «٥»

стр. 1063

قال بزرجمهر: إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى. أخذه بعض المحدثين فقال: فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسرا ... وأنفق على ما خيّلت حين تعسر «١» فلا الجود يفني المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر وفي كتاب كليلة: لا يعدّ عائشا من لا يشارك في غناه. مرّ الحسن برجل يقلّب درهما؛ فقال له: أتحبّ درهمك هذا؟ قال: نعم، قال: أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك. قال الربيع بن خيثم لأخ له: كن وصيّ نفسك ولا تجعل أوصياءك الرجال. وقال بعض الشعراء: [متقارب] سأحبس مالي على حاجتي ... وأوثر نفسي على الوارث أعاذل عاجل ما أشتهي ... أحبّ من المبطيء الرّائث «٢» قال عبيد الله بن عكراش: زمن خؤون «٣» ، ووارث شفون «٤» ؛ فلا تأمن الخؤون وكن وارث الشّفون. وقال أبو ذرّ: لك في مالك شريكان إذا جاءا أخذا ولم يؤامراك: الحدثان «٥» والقدر، كلاهما يمرّ على الغثّ والسمين، والورثة ينتظرون متى

стр. 1064

تموت فيأخذون ما تحت يديك وأنت لم تقدّم لنفسك؛ فإن استطعت ألّا تكون أخسّ الثلاثة نصيبا فافعل. وقال سعيد بن العاص في خطبة له: من رزقه الله رزقا حسنا فليكن أسعد الناس به فإنه إنما يترك لأحد رجلين: إمّا مصلح فلا يقلّ عليه شيء، وإمّا مفسد فلا يبقي له شيء. فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرفي الكلام. وقال حطائط بن يعفر: [طويل] ذريني أكن للمال ربّا ولا يكن ... لي المال ربّا تحمدي غبّه غدا «١» أريني جوادا مات هزلا لعلّتي ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا وقلت ولم أعي الجواب تبيّني ... أكان الهزال حتف زيد وأربدا «٢» قال أعرابيّ: الدراهم ميسم تسم حمدا أو ذمّا؛ فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له، وما كلّ من أعطي مالا أعطي حمدا، ولا كلّ عديم ذميم. وقال بعض المحدثين: [رمل] أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك حدّثني يزيد بن عمرو عن يزيد بن مروان قال: حدّثنا النعمان بن هلال عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «تنزل المعونة على قدر الموونة» . قال معاوية لوردان مولى عمرو بن العاص: ما بقي من الدنيا تلذّه؟ قال: العريض الطويل؛ قال: وما هو؟ قال: الحديث الحسن أو ألقى أخا قد

стр. 1065

نكبه الدهر فأجبره» ؛ قال: نحن أحقّ بهما منك؛ قال: إن أحقّ بهما منك من سبقك إليهما. وقال اعرابيّ: [طويل] وما هذه الأيام إلّا معارة ... فما استطعت من معروفها فتزوّد «٢» فإنك لا تدري بأيّة بلدة ... تموت ولا ما يحدث الله في غد يقولون لا تبعد، ومن يك بعده ... ذراعين من قرب الأحبّة يبعد وقال آخر: [سريع] إن كنت لا تبذل أو تسأل ... أفسدت ما تعطي بما تفعل قال بعضهم: مضى لنا سلف أهل تواصل، اعتقدوا مننا، واتّخذوا أيادي ذخيرة لمن بعدهم: كانوا يرون اصطناع المعروف عليهم فرضا، وإظهار البرّ حقّا واجبا، ثم حال الزمان بنشء اتخذوا مننهم صناعة، وبرّهم مرابحة، وأياديهم تجارة واصطناع المعروف مقارضة كنقد السّوق خذ منّي وهات. قال العتبيّ: وقع ميراث بين ناس من آل أبي سفيان وبني مروان، فتشاحّوا «٣» فيه، فلما انصرفوا أقبل عمرو بن عتبة على ولده، فقال لهم: إن لقريش درجا تزلق «٤» عنها أقدام الرجال، وأفعالا تخشع لها رقاب الأموال، وألسنا تكل معها الشّفار «٥» المشحوذة، وغايات تقصر عنها الجياد المنسوبة؛

стр. 1066

ولو كانت الدنيا لهم ضاقت عن سعة أحلامهم، ولو احتفلت ما تزيّنت إلا بهم. ثم إنّ ناسا منهم تخلّقوا بأخلاق العوامّ، فصار لهم رفق باللؤم وخرق «١» في الحرص، لو أمكنهم قاسموا الطير أرزاقها، إن خافوا مكروها تعجّلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمة أخّروا عليها الشكر، أولئك أنضاء «٢» فكر الفقر وعجزة حملة الشكر. قال بعض الحجازيّين: [متقارب] فلو كنت تطلب شأو الكرام ... فعلت كفعل أبي البختري «٣» تتّبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكبثر القناعة والاستعفاف حدّثني شيخ لنا عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن محمد بن قيس عن عبد الرحمن ابن يزيد عن ثوبان «٤» قال: قال رسول الله ﷺ : من يتقبّل لي بواحدة وأتقبّل له بالجنة فقال ثوبان: أنا يا رسول الله، قال: لا تسأل الناس شيئا فكان ثوبان إذا سقط سوطه من يده نزل فأخذه ولم يسأل أحدا أن يناوله إياه. وحدّثني أيضا عن عبد الرحمن المحاربيّ عن الأعمش عن مجاهد قال: قال عمر ﵁: ليس من عبد إلا وبينه وبين رزقه حجاب، فإن اقتصد أتاه رزقه وإن اقتحم هتك الحجاب ولم يزد في رزقه.

стр. 1067

وحدّثني أيضا عن وكيع عن سفيان عن أسامة بن زيد عن أبي معن الإسكندرانيّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الصّفا الزّلّال «١» الذي لا تثبت عليه أقدام العلماء الطمع» . وقال ﵇: «إن روح القدس نفث في روعي «٢» أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا «٣» في الطلب» . قال ابن حازم: [بسيط] للنّاس مال ولي مالان ما لهما ... إذا تحارس أهل المال أحراس ما لي الرضا بالذي أصبحت أملكه ... وما لي اليأس ممّا يملك الناس أخذ هذا من قول أبي حازم المدنيّ، وقال له بعض الملوك: ما مالك؟ قال: الرضا عن الله، والغنى عن الناس. وقال بشّار بن بشر «٤» : [طويل] وإنّي لعفّ عن فكاهة جارتي ... وإني لمشنوء إليّ اغتيابها «٥» إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زءورا ولم تأنس إليّ كلابها «٦» ولم أك طلّابا أحاديث سرّها ... ولا عالما من أيّ حوك ثيابها وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءآت الأمور اجتنابها إذا سدّ باب عنك من دون حاجة ... فذرها لأخرى ليّن لك بابها وقال ابن أبي حازم: [مخلع البسيط]

стр. 1068

أوجع من وخزة السّنان ... لذي الحجا وخزة اللسان «١» فاسترزق الله واستعنه ... فإنه خير مستعان وإن نبا منزل بحرّ ... فمن مكان إلى مكان «٢» لا يثبت الحرّ في مكان ... ينسب فيه إلى الهوان الحرّ حرّ وإن تعدّت ... عليه يوما يد الزّمان حدّثني محمد بن داود عن جابر بن عثمان الحنفيّ عن يوسف بن عطية قال حدّثني المعلّى بن زياد القردوسي: أن عامر بن عبد قيس العنبريّ كان يقول: أربع آيات من كتاب الله إذا قرأتهنّ مساء لم أبال على ما أمسي، وإذا تلوتهنّ صباحا لم أبال على ما أصبح: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ «٣» . وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ «٤» . وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها «٥» . سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً «٦» . حدّثني عبد الرحمن عن بشر بن مصلح قال قال إبراهيم بن أدهم «٧» : لا تجعل بينك وبين الله منعما عليك، وعدّ النّعم منه عليك مغرما «٨» . حدّثني الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال: أبرع بيت قالته العرب بيت أبى

стр. 1069

ذؤيب الهذليّ «١» : [كامل] والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع قال أبو حاتم عن الأصمعيّ قال حدّثنا أبو عمرو الصّفّار عن الحجاج بن الأسود قال: احتاجت عجوز من العجز القدم، قال: فجزعت إلى المسألة، ولو صبرت لكان خيرا لها. ولقد بلغني أن الإنسان يسأل فيمنع، ويسأل فيمنع، والصّبر منتبذ ناحية يقول: لو صرت إليّ لكفيتك. وكان يقال: أنت أخو العزّ ما التحفت القناعة، ويقال: اليأس حرّ والرّجاء عبد. وقال بعض المفسّرين في قول الله : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً «٢» قال: بالقناعة. وقال سعد بن أبي وقّاص لابنه عمر: يا بنيّ إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإن لم تكن لك قناعة فليس يغنيك مال. وقال عروة بن أذينة «٣» : [بسيط] لقد علمت- وما الإسراف في طمع-* أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني «٤» وقال أبو العتاهية: [رجز] إن كان لا يغنيك ما يكفيكا ... فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا

стр. 1070

وقال بعضهم: الغنى والفقر يجولان في طلب القناعة فإذا وجداها قطناها «١» . حجّت أعرابية على ناقة لها، فقيل لها: أين زادك؛ قلت: ما معي إلا ما في ضرعها. وقال الشاعر: [كامل] يا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غد وغد من لم يكن لله متّهما ... لم يمس محتاجا إلى أحد وقال أردشير: خير الشّيم القناعة، ونماء العقل بالتعلّم. وقال النّمر بن تولب: [كامل] ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرّغائب فارغب لا تغضبنّ على امرىء في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب «٢» وقال أبو الأسود: [طويل] ولا تطمعن في مال جار لقربه ... فكلّ قريب لا ينال بعيد وقال كعب بن زهير «٣» . [بسيط] قد يعوز الحازم المحمود نيّته ... بعد الثّراء ويثري العاجز الحمق فلا تخافي علينا الفقر وانتظري ... فضل الذي بالغنى من فضله نثق وشكا رجل إلى قوم ضيقا فقال له بعضهم: شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.

стр. 1071

وقال هشام بن عبد الملك لسالم بن عبد الله ودخلا الكعبة: سلني حاجتك، قال: أكره أن أسأل في بيت الله غير الله. ورأى رجلا يسأل في الموقف فقال: أفي مثل هذا الموضع تسأل غير الله !. وقال ابن المعذّل «١» : [طويل] تكلّفني إذلال نفسي لعزّها ... وهان عليها أن أهان لتكرما تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت سليه ربّ يحيى بن أكثما «٢» وقال ابن عباس: المساكين لا يعودون مريضا ولا يشهدون جنازة، وإذا سأل الناس الله سألوا الناس. وكان الحسن يطرد السّؤّال يوم الجمعة، ولا يرى لهم جمعة. وقال بعض الشعراء: [بسيط] حبّ الرياسة داء لا دواء له ... وقلّ ما تجد الراضين بالقسم» وقال محمود الورّاق: [كامل] شاد الملوك قصورهم وتحصّنوا ... عن كلّ طالب حاجة أو راغب غالوا بأبواب الحديد لعزّها ... وتنوّقوا في قبح وجه الحاجب «٤» وإذا تلطّف للدّخول إليهم ... راج تلقّوه بوعد كاذب فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضّراعة طالبا من طالب

стр. 1072

وجد على ميل «١» في طريق مكّة: [هزج] ألا يا طالب الدّنيا ... دع الدنيا لشانيكا إلى كم تطلب الدنيا ... وظلّ الميل يكفيكا «٢» قال مطرّف بن عبد الله لابن أخيه: إذا كانت لك إليّ حاجة فاكتب بها رقعة فإني أضنّ بوجهك عن ذلّ السؤال. وقال أبو الأسود: وإنّ أحقّ الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والوجه وافر «٣» وكان معاوية يتمثّل بهذين البيتين: [مجزوء الكامل المرفّل] وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خالي أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال وقال آخر: [طويل] أبا مالك لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك سيب الله فالله أوسع «٤» فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قلت هاتوا أن يميلوا فيمنعوا والمشهور في هذا قول عبيد «٥» : [مخلع البسيط] من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب قال سليمان لأبي حازم: سل حوائجك؛ فقال: قد رفعتها إلى من لا

стр. 1073

تخذل الحوائج دونه. قال بعض المفسّرين في قول الله : وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ «١» أي المخلوق يرزق فإذا سخط قطع رزقه، والله يسخط ولا يقطع. وقال الشاعر: [بسيط] لا تضرعنّ لمخلوق على طمع ... فإنّ ذلك وهن منك بالدّين «٢» واسترزق الله رزقا من خزائنه ... فإنّما هو بين الكاف والنون «٣» وقال الخليل بن أحمد «٤» : [بسيط] أبلغ سليمان أنّي عنه في سعة ... وفي غنى غير أنى لست ذا مال «٥» شحّا بنفسي، إنّي لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال «٦» فالرزق عن قدر لا الضّعف يمنعه ... ولا يزيدك فيه حول محتال «٧» وقال المعلوط: [طويل] متى ما ير الناس الغنيّ وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد «٨» وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن حظوظ قسّمت وجدود «٩» وقال آخر: [طويل]

стр. 1074

يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه وقال أبو الأسود «١» : [منسرح] ليتك آذنتني بواحدة ... تجعلها منك سائر الأبد تحلف ألّا تبرّني أبدا ... فإنّ فيها بردا على كبدي إن كان رزقي إليك فارم به ... في ناظري حيّة على رصد «٢» وقال عمر بن الخطّاب ﵁: حرفة يقال فيها خير من مسألة الناس. وقال سعيد بن العاص: موطنان لا أستحيي من العيّ «٣» فيهما: عند مخاطبتي جاهلا، وعند مسألتي حاجة لنفسي. حدّثني محمد بن عبيد عن أبي عبد الله عن محمد بن عبد الله بن واصل قال: جاء رجل إلى شريح يستقرض دراهم؛ فقال له شريح: حاجتك عندنا فأت منزلك فإنّها ستأتيك، إنّي لأكره أن يلحقك ذلّها. حدّثني الرّياشيّ عن الأصمعيّ عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته فقال: إيّاكم والمسألة، فإنها آخر كسب الرجل. وقال بعض المحدثين: [طويل] عوّدت نفسي الضّيق حتى ألفته ... وأحرجني حسن العزاء إلى الصّبر ووسّع قلبي للأذى الأنس بالأذى ... وقد كنت أحيانا يضيق به صدري وصيّرني يأسي من الناس راجيا ... لسرعة لطف الله من حيث لا أدري

стр. 1075

وقال آخر: [مجزوء الرجز] حسبي بعلمي لو نفع ... ما الذّلّ إلّا في الطّمع من راقب الله نزع ... عن قبح ما كان صنع «١» ما طار شيء فارتفع ... إلّا كما طار وقع الحرص والإلحاح لما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتابا: إذا كان القدر حقّا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثّقة بكلّ أحد عجز، وإذا كان الموت لكل أحد راصدا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. وقال بعض الشعراء: [كامل] من عفّ خفّ على الصّديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول وفي كتاب للهند: لا يكثر الرجل على أخيه الحوائج؛ فإنّ العجل إذا أفرط في مصّ أمه نطحته ونحّته. وقال عديّ بن زيد: [سريع] قد يدرك المبطىء من حظّه ... والرزق قد يسبق جهد الحريص وقال ابن المقفّع: الحرص محرمة، والجبن مقتلة، فانظر فيما رأيت وسمعت أمن قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا، وانظر من يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحقّ أن تسخو نفسك له بالعطيّة أم من يطلب ذلك

стр. 1076

بالشّره «١» والحرص. وقال الشاعر: [بسيط] كم من حريص على شيء ليدركه ... وعلّ إدراكه يدني إلى عطبه «٢» وقال آخر: [متقارب] وربّ ملحّ على بغية ... وفيها منيّته لو شعر «٣» والعرب تقول في الرجل الملحّ في الحوائج الذي لا تنقضي له حاجة إلا سأل أخرى: [بسيط] لا يرسل السّاق إلّا ممسكا ساقا وأصل المثل في الحرباء، إذا اشتدّ عليه حرّ الشمس لجأ إلى شجرة ثم توقّى في أغصانها، فلا يرسل غصنا حتّى يقبض على آخر. وقال الشاعر: [بسيط] أنّى أتيح له حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلّا ممسكا ساقا «٤» وفي كتاب كليلة: لا فقر ولا بلاء كالحرص والشّره، ولا غنى كالرّضا والقناعة، ولا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق. قال ابن المقفع: الحرص والحسد بكرا الذنوب «٥» وأصل المهالك؛ أمّا الحسد فأهلك إبليس، وأما الحرص فأخرج آدم من الجنّة.

стр. 1077

وفي كتاب كليلة: خمسة حرصاء، المال أحبّ إليهم من أنفسهم: المقاتل بالأجرة، وحفّار القنيّ «١» والأسراب، والتّاجر يركب البحر، والحاوي يلسع يده الحيّة، والمخاطر على شرب السمّ. دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بمال عليه وقيّد، فقال له: يا أبا يحيى، أما ترى ما نحن فيه من هذه القيود! فرفع مالك رأسه فرأى سلّة، فقال: لمن هذه؟ قال: لي، قال: فأمر بها أن تنزل، فأنزلت فوضعت بين يديه، فإذا دجاج وأخبصة «٢» ، فقال مالك: هذه وضعت القيود في رجلك. كان أشعب يقول: أنا أطمع وأمّي تيقن «٣» فقلّ ما يفوتنا. وقال النابغة «٤» : [كامل] واليأس عمّا فات يعقب راحة ... ولربّ مطعمة تعود ذباحا «٥» وقال أبو عليّ الضرير: [وافر] فإنّي قد بلوتكم جميعا ... فما منكم على شكري حريص وأرخصت الثّناء فعفتموه ... وربّتما غلا الشيء الرّخيص فعفت نوالكم ورغبت عنه ... وشرّ الزاد ما عاف الخصيص «٦» وقال أعرابيّ: [خفيف] أيّها الدّائب الحريص المعنّى ... لك رزق وسوف تستوفيه

стр. 1078

قبح الله نائلا ترتجيه ... من يدي من تريد أن تقتضيه إنّما الجود والسّماح لمن يع ... طيك عفوا وماء وجهك فيه «١» لا ينال الحريص شيئا فيكفي ... هـ وإن كان فوق ما يكفيه فسل الله وحده ودع النا ... س وأسخطهم بما يرضيه لا ترى معطيا لما منع الل ... هـ ولا مانعا لما يعطيه وجد بالأصل بآخر هذا الجزء ما يأتي: آخر كتاب الحوائج، وهو الكتاب الثامن من عيون الأخبار لابن قتيبة رحمة الله عليه. وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد ابن عليّ الواعظ الجزريّ وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة. والحمد لله ربّ العالمين، وصلاته وسلامه على سيّدنا محمد النبيّ وآله أجمعين. ويتلوه الكتاب التاسع وهو كتاب الطعام، والله الموفّق للصّواب. وفيه كذلك- وهو من زيادات النسّاخ-: في الاستعفاف: [سريع] عليك باليأس من الناس ... إنّ غنى نفسك في اليأس كم صاحب قد كان لي وامقا ... إذ كان في حالة إفلاس» أقول لو قد نال هذا الغنى ... صيّرني منه على الرّاس حتى إذا ما صار فيما اشتهي ... وعدّه النّاس من النّاس قطّع بالصدّ حبال الصّفا ... منّي ولمّا يرض بالقاسي «٣» وقال آخر وقد أحسن «٤» : [مجزوء الرّمل]

стр. 1079

إنّ للمعروف أهلا ... وقليل فاعلوه أهنأ المعروف ما لم ... تبتذل فيه الوجوه أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدّهر أخوه فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّك فوه إنما يعرف الفض ... ل من الناس ذووه لو رأى الناس نبيّا ... سائلا ما وصلوه وكتب أبو العيناء «١» إلى أبي القاسم بن عبيد الله بن سليمان رقعة يقول فيها: أنا- أعزّك الله- وولدي وعيالي زرع من زرعك، إن سقيته راع «٢» وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى. وقد مسّني منك جفاء بعد برّ وإغفال بعد تعهّد، فشمت عدوّ، وتكلّم حاسد، ولعبت بي ظنون؛ وانتزاع العادة شديد. ثم كتب في آخرها: [رمل] لا تهنّي بعد إكرامك لي ... فشديد عادة منتزعه وقال آخر: [بسيط] ما لي معاش سوى ضدّ المعاش فلا ... أغدو إلى عمل إلّا بلا أمل وليس لي شغل يجدي عليّ إذا ... فكرت فيه وما أنفكّ من شغل كلّ امرىء رائح غاد إلى عمل ... وما أروح ولا أغدو إلى عمل ولست في الناس موجودا كبعضهم ... وإنّما أنا بعض الناس في المثل وقال آخر: [سريع] المرء بعد الموت أحدوثة ... يفنى وتبقى منه آثاره

стр. 1080

يطويه من أيّامه ما طوى ... لكنّه تنشر أسراره وأحسن الحالات حال امرىء ... تطيب بعد الموت أخباره يفنى ويبقى ذكره بعده ... إذا خلت من شخصه داره وقال حبيب الطائي: [بسيط] وما ابن آدم إلّا ذكر صالحة ... أو ذكر سيّئة يسري بها الكلم أما سمعت بدهر باد أمّته ... جاءت بأخبارها من بعدها أمم في البخل: [متقارب] طرقت أناسا على غرّة ... فذقت من العيش جهد البلاء «١» فأمّا القديد وأشباهه ... فذاك مفاتيحه في السماء «٢» وأما السّويق ففي عيبة ... يشمّ ويدعى له بالبقاء «٣» ومن حاول الخبز قالوا له ... أتذكر شيئا خبي للدّواء «٤»

стр. 1081

كتاب الطعام صنوف الأطعمة قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ رحمة الله عليه: قال عمر بن الخطاب ﵁ للأحنف: أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: الزّبد والكماة «١» ؛ فقال عمر: ما هما بأحبّ الأطعمة إليه، ولكنه يحبّ الخصب للمسلمين. قال الأصمعيّ: قال رجل في مجلس الأحنف: ليس شيء أبغض إليّ من التمر والزّبد: فقال الأحنف: ربّ ملوم لا ذنب له. عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال الحجّاج لجلسائه: ليكتب كلّ رجل في رقعة أحبّ الطعام إليه ويجعلها تحت مصلّاى؛ فإذا في الرّقاع كلّها الزّبد والتمر. عن الأصمعيّ قال قال مدنيّ: الكبادات «٢» أربع: العصيدة «٣» والهريسة والحيسة «٤» والسّميذة «٥» .

стр. 1082

عن الأصمعيّ عن حزم قال: قال مالك بن حقبة لحسّان بن الفريعة: ما تزوّدت إلينا؟ قال: الحيس؛ قال: ثلاثة أسقية في وعاء. قال الأصمعيّ: قال بعض الأعراب: أشتهي ثريدة «١» دكناء من الفلفل، رقطاء «٢» ، من الحمّص، ذات حفافين «٣» من اللحم، لها جناحان من العراق «٤» ، أضرب فيها ضرب وليّ السّوء في مال اليتيم. وقال ابن الأعرابيّ: يقال: أطيب اللحم عوّذه، أي أطيبه ما ولي العظم، كأنه عاذ به. عن أبي عبيدة قال: مرّ الفرزدق بيحيى بن الحصين بن المنذر الرّقاشيّ، فقال له: هل لك يا أبا فراس في جدي سمين ونبيذ زبيب جيّد؟ فقال الفرزدق: وهل يأبى هذا إلا ابن المراغة «٥» ! يعني جريرا. وقال الأحوص «٦» لجرير: ما تحبّ أن يعدّلك؟ قال: شواء وطلاء «٧» وغناء؛ قال: قد أعدّت لك. وقال مدني لصديق له: والله أشتهي كشكيّة «٨» ، ومدّ بها صوته فخرجت

стр. 1083

منه ريح؛ فقال له: ما أسرع ما لفحتك يابن عمّ. وعن الأصمعيّ قال: قال شيخ من أهل المدينة: أتيت فلانا فأتاني بمرقة كان فيها مسقّى «١» ، فلم أر فيها إلا كبدا طافية، فغمست يدي فوجدت مضغة «٢» ، فمددتها فلامتدّت حتى كأني أزمر في ناي. أدخل أعرابيّ على كسرى ليتعجّب من جفائه وجهله؛ فقال له: أيّ شيء أطيب لحما؟ قال: الجمل. قال: فأيّ شيء أبعد صوتا؟ قال: الجمل. قال: فأيّ شيء أنهض بالحمل الثقيل؟ قال: الجمل. قال كسرى: كيف يكون لحم الجمل أطيب من البطّ والدّجاج والفراخ والدّرّاج «٣» والجداء؟ قال: يطبخ لحم الجمل بماء وملح، ويطبخ ما ذكرت بماء وملح حتى يعرف فضل ما بين الطعمين. قال: كيف يكون الجمل أبعد صوتا ونحن نسمع الصوت من الكركيّ «٤» من كذا وكذا ميلا؟ قال الأعرابيّ: ضع الكركيّ في مكان الجمل وضع الجمل في مكان الكركيّ حتّى تعرف أيّهما أبعد صوتا. قال كسرى: كيف تزعم أنّ الجمل أحمل للحمل الثقيل والفيل يحمل كذا وكذا رطلا؟ قال: ليبرك الفيل ويبرك الجمل وليحمل على الفيل حمل الجمل، فإن نهض به فهو أحمل للأثقال. عن جعفر بن سليمان قال: شيئان لا يزيدهما كثرة النفقة طيبا: الطّيب والقدر، ولكن تطيّبهما إصابة القدر. وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر الجاحظ من كتبه «٥» قال: كان أبو عبد

стр. 1084

الرحمن الثوريّ يعجب بالرءوس ويصفها ويسمّي الرأس عرسا لما تجمّع فيه من الألوان الطيّبة وكان يسميه مرّة الجامع ومرّة الكامل، ويقول: الرأس شيء واحد وهو ذو ألوان عجيبة وطعوم مختلفة، وكلّ قدر وكلّ شواء فإنما هو شيء واحد، والرأس فيه الدّماغ وطعمه مفرد، والعينان وطعمهما مفرد وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخر العين وطعمها على حدة، على أنه هذه الشّحمة خاصّة أطيب من المخّ وأنعم من الزّبد وأدسم من السّلاء «١» ، ثم يعدّ أسقاطه «٢» كلها. ويقول: الرأس سيّد البدن، وفيه الدّماغ وهو معدن العقل، ومنه يتفرّق العصب الذي فيه الحس، وبه قوام البدن، وإنما القلب باب العقل؛ كما أنّ النفس هي المدركة والعين هي باب الألوان، والنفس هي السامعة الذائقة وإنما الأنف والأذن بابان. ولولا أنّ العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه؛ وفي الرأس الحواسّ الخمس. وكان ينشد: همو ضربوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثمّ سائري «٣» وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر لمكان زيادة الدماغ، ولا يشتريه إلا يوم السبت لأن الرءوس يوم السبت أكسد، للفضلات التي تبقى في منازل التجار عن يوم الجمعة. وكان إذا فرغ من غدائه يوم الرأس، عمد إلى القحف «٤» والى اللّحيين «٥» فوضعه قرب بيوت النمل والذرّ، فإذا اجتمعن عليه أخذه ونفضه في طست فيه ماء، ولا يزال يعيد ذلك على تلك المواضع حتى

стр. 1085

يقلع النمل والذرّ من داره، فإذا فرغ من ذلك ألقاه من الحطب فاستوقده في التّنّور. الأصمعيّ قال: قال أبو صوّارة أو ابن دقّة: الأرز الأبيض بالسّمن المسليّ بالسكر الطّبرزد» ، ليس من طعام أهل الدنيا. قال: وقال أبو صوّارة أو ابن دقّة: أطول الليالي ثلاث: ليلة العقرب، وليلة الهريسة، وليلة جدّة إلى مكة. الأصمعيّ عن جعفر بن سليمان قال: قال أبو كامل مولي عليّ ﵁: أطعموني حفنة زبد ثم اختموا سراويلي ثلاثا. وقال رجل للثّوريّ في الحديث: إن الله يبغض البيت اللّحم؛ فقال: ليس هو الذي يؤكل فيه اللحم، وإنما هو الذي يؤكل فيه لحوم الناس. عن أبي الصّدّيق «٢» الناجي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «خير تمراتكم البرني «٣» يذهب بالداء ولا داء فيه» . وعن ابن عمر عن عمر أنه قال: يا غلام أنضج العصيدة تذهب حرارة الزيت. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «بيت ليس فيه تمر جياع أهله» . شيخ من أهل البادية قال: أضافنا فلان فأتانا بحنطة كأنها مناقير الغربان، وتمر كأنه أعناق الوزّ يوحل «٤» فيه الضّرس.

стр. 1086

الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ: تمرنا جرد «١» فطس «٢» يغيب فيه الضّرس، كأن نواه ألسن الطير، تضع التمرة في فيك فتجد حلاوتها في كعبيك. الأصمعيّ عن أبيه قال: أسر رجل رجلين في الجاهلية فخيّرهما بم بعشّيهما، فاختار أحدهما اللحم واختار الآخر التمر، فعشّيا وألقيا في الفناء وذلك في شتاء شديد، فأصبح صاحب اللحم خامدا وأصبح صاحب التمر تزرّ «٣» عيناه. وقال غير الأصمعيّ: قيل لأعرابيّ: ما رأيك في أكل الجرّيّ «٤» ؟ قال: تمرة نرسيانة «٥» غرّاء الطّرف صفراء السائر عليها مثلها زبدا أحبّ إليّ منها، ثم أدركه الورع فقال: وما أحرّمهما. وقال بعض الأعراب: [طويل] ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد «٦» قال: ورأى أعرابيّ دقيقا وتمرا فاشترى التمر؛ قيل له: كيف وسعر الدقيق والتمر واحد! قال: إنّ في التمر أدمه «٧» وزيادة حلاوة. عن زياد النّميريّ قال: قالت عائشة: من أكل التمر وترا «٨» لم يضرّه.

стр. 1087

الأصمعيّ قال: حدّثني شيخ عالم قال: أطيب التمر صيحانيّة «١» مصلّبة. الأصمعي قال: حدثني رجل من آل حزم قال: كان يقال: من خلا «٢» على التمر فالعجوة، ومن أكله على ثقل فالصّيحاني. الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ يفضّل الرّطب على العسل: أتجعل عسلة في أخثاء «٣» البقر كعسلة في جوّ السماء لها محارس من جريد «٤» وذوائب «٥» من زمرّد!. وقال الأصمعيّ: قيل لابن القدّاح: التمر أطيب؟ فدعا بأنواع التمر، فلمّا أكلوا قال: انظروا أيّ النوى أكثر؟ قالوا: نوى الصيحانيّ، قال: هو أطيب. وقال الأصمعيّ: العرب تقول للبخيل الأكول: أبرما قرونا «٦» أي لا يخرج مع أصحابه شيئا ويأكل تمرتين تمرتين. وقال النابغة يصف تمرا: [طويل] صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر سمع الحسن رجلا يعيب الفالوذج «٧» فقال: فتاب البرّ بلعاب النحل

стр. 1088

بخالص السّمن! ما عاب هذا مسلم. وقال لفرقد السّبخيّ: يا أبا يعقوب، بلغني أنك لا تأكل الفالوذج؛ فقال: يا أبا سعيد، أخاف ألّا أؤدّي شكره؛ فقال: يا لكع «١» ! وهل تؤدّي شكر الماء البارد «٢» في الصيف والحارّ في الشتاء! أما سمعت قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ «٣» . الأصمعيّ قال: اختصم روميّ وفارسيّ في الطعام، فحكّما بينهما شيخا قد أكل طعام الخلفاء، فقال: أمّا الروميّ فذهب بالحشو والأحشاء، وأما الفارسيّ فذهب بالبارد والحلواء. وعن الأصمعيّ قال: كنا عند الرشيد فقدّمت إليه فالوذجة، فقال: يا أصمعيّ حدّثنا بحديث مزرّد، فقلت: إنّ مزرّدا أخا الشمّاخ «٤» كان غلاما جشعا وكانت أمّه تؤثر عيالها بالطعام عليه وكان ذلك يحفظه «٥» ، فخرجت أمّه ذات يوم تزور بعض أهلها، فدخل مزرّد الخيمة وعمد إلى صاعي دقيق وصاع من تمر وصاع من سمن فجمعه ثم جعل يأكله وهو يقول: [طويل] ولمّا غدت أمّي تمير بناتها ... أغرت على العكم الذي كان يمنع «٦»

стр. 1089

لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتربّع «١» ودبّلت أمثال الأثافي كأنها ... رءوس نقاد قطّعت يوم تجمع «٢» وقلت لبطني أبشر اليوم إنّه ... حمى أمّنا ممّا تحوز وترفع فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع «٣» فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، ثم قال: كلوا باسم الله، هذا يوم تشبع (يا أصمعىّ) «٤» . قال: وكتب الحجاج إلى عامله بفارس: ابعث إليّ عسلا من عسل خلّار «٥» ، من النّحل الأبكار، من الدّستفشار «٦» ، الذي لم تمسّه النار. وقال الأصمعيّ: كتب بعض الخلفاء إلى عامله بالطائف: أن أرسل إليّ بعسل أخضر في سقاء، أبيض في الإناء، من عسل النّدغ «٧» والسّحاء «٨» ، من حداب بني شبابة «٩» . والعرب تصف العسل بالبرودة. وفي حديث ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ سئل عن أفضل الشراب قال: «الحلواء البارد يعني العسل» . وقال الأعشى: [هزج] كما شيب بماء با ... رد من عسل النحل «١٠»

стр. 1090

ويقال: أجود العسل الذهبيّ الذي قطرت منه قطرة على وجه الأرض أستدار كما يستدير الزئبق ولم ينفش ولم يختلط بالأرض والتراب. والروم تقول: أجوده ما يلطخ على فتيلة ثم تشعل فيه النار فيعلق. وسئل ديمقراطيس العالم عما يزيد في العمر فقال: من أدام أكل العسل ودهن جسمه به زاد الله بذلك في عمره. والعسل إن جعل فيه اللحم الطريّ بقي كهيئته حتى لا ينتن. ويقال: من كان به داء قديم فليأخذ درهما حلالا وليشتر به عسلا ثم يشربه بماء سواء فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. وكان الحسن يعجبه إذا استمشى «١» الرجل أن يشرب اللبن والعسل. ويزعم أصحاب الطبائع أن العسل إذا ديف «٢» بالماء وخلط معه زيت أو دهن سمسم نافع لمن شرب السّموم والأدوية القاتلة يتقيّأ به. ميمون بن مهران عن ابن عبّاس قال- ولا أعلمه إلّا عن النبيّ ﷺ أنه قال: «أكرموا الخبز فإنّ الله سخّر له السموات والأرض» . الأصمعيّ قال: كانت امرأة من بكر بن وائل تنزل الطّفاوة «٣» وكانت قد أدركت بعض أصحاب النبيّ ﷺ ، وكان العبّاد يغشونها في منزلها؛ فعاب عائب عندها السّويق، فقالت: لا تفعل! إنه طعام المسافر، وطعام العجلان «٤» ، وغذاء المبكّر، وبلغة المريض «٥» ، ويشدّ فؤاد الحزين، ويردّ من
следующие страницы →