← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فيمن لا يلزمني حقّه. وأعيذك بالله من بدار «١» إلى حكم يوجب الاعتذار، فإنّ الأناة «٢» سبيل أهل التّقى والنّهى؛ والظنّ والإسراع إلى ذوي الإخاء ينتجان الجفاء، ويميلان عن الوفاء إلى اللّفاء «٣» . قال إسماعيل بن عبد الله وهو يعتذر إلى رجل في آخر يوم من شعبان: والله فإنّي في غبّر «٤» يوم عظيم، وتلقاء ليلة تفترّ «٥» عن أيام عظام، ما كان ما بلغك. وقرأت في كتاب معتذر: إنك تحسن مجاورتك للنعمة، واستدامتك لها، واجتلابك ما بعد منها بشكر ما قرب، واستعمالك الصفح لما في عاقبته من جميل عادة الله عندك؛ ستقبل العذر على معرفة منك بشناعة الذنب، وتقيل العثرة «٦» وإن لم تكن على يقين من صدق النيّة، وتدفع السيئة بالتي هي أحسن. اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكي، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منّا عن الاعتذار، وأغنانا بالمودّة لك عن سوء الظن بك. وقال بعض الشعراء: [طويل] إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا ... إليك فلم تغفر له فلك الذنب كان الحسن بن زيد بن الحسن واليا للمنصور على المدينة، فهجاه ورد

стр. 982

ابن عاصم المبرسم فقال: [وافر] له حقّ وليس عليه حقّ ... ومهما قال فالحسن الجميل وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لأهلها وهو الرسول فطلبه الحسن فهرب منه، ثم لم يشعر إلا وهو ماثل بين يديه يقول: [وافر] سيأتي عذري الحسن بن زيد ... وتشهد لي بصفّين القبور قبور لو بأحمد أو عليّ ... يلوذ مجيرها حفظ المجير هما أبواك من وضعا تضعه ... وأنت برفع ما رفعا جدير فاسخفّ الحسن كرمه، فقام إليه فبسط له رداءه وأجلسه عليه. وفي كتاب لمعتذر: علوّ الرّتبة واتّساع القدرة وانبساط اليد بالسّطوة، ربما أنست ذا الحنق المحفظ «١» من الأحرار فضيلة العفو وعائدة الصّفح وما في إقالة المذنب واستبقائه من حسن السماع وجميل الأحدوثة، فبعثته على شفاء غيظه، وحرّكته، على تبريد غلّته، وأسرعت به إلى مجانبة طباعه وركوب ما ليس من عادته. وهمّتك تجلّ عن دناءة الحقد، وترتفع عن لؤم الظّفر. وفي فصل: نبت «٢» بي عنك غرّة الحداثة «٣» فردّتني إليك الحنكة، وباعدتني عنك الثقة بالأيام فأدنتني إليك الضرورة، ثقة بإسراعك إليّ وإن كنت أبطأت منك، وقبولك العذر وإن كانت ذنوبي قد سدّت عليك مسالك الصّفح؛ فأيّ موقف هو أدنى من هذا الموقف لولا أن المخاطبة فيه لك! وأيّ خطّة هي أودى بصاحبها من خطّة أنا راكبها لولا أنها في رضا لك!. أوقع «٤» الحجّاج يوما بخالد بن يزيد يعيبه وينتقصه وعنده عمرو بن عتبة:

стр. 983

فقال عمرو: إن خالدا أدرك من قبله وأتعب من بعده بقديم غلب عليه وحديث لم يسبق إليه؛ فقال الحجّاج معتذرا: يا بن عتبة، إنا لنسترضيكم بأن نغضب عليكم، ونستعطفكم بأن ننال منكم، وقد غلبتم على الحلم، فوثقنا لكم به، وعلمنا أنكم تحبون أن تحلموا، فتعرّضنا للذي تحبّون. قال المنصور لرجل أتاه نائبا معتذرا من ذنب: عهدي بك خطيبا فما هذا السكوت! فقال: يا أمير المؤمنين؛ لسنا وفد مباهاة «١» وإنما نحن وفد توبة، والتوبة تتلقّى بالاستكانة «٢» . وقع بين أبي مسلم وبين قائد له كلام، فأربى «٣» عليه القائد إلى أن قال له: يا لقيط! فأطرق أبو مسلم، فلما سكتت عنه فورة الغضب ندم وعلم أنه قد أخطأ واعتذر وقال: أيها الأمير، والله ما انبسطت حتى بسطتني ولا نطقت حتى أنطقتني فاغفر لي؛ قال: قد فعلت؛ فقال: إني أحبّ أن أستوثق لنفسي؛ فقال أبو مسلم: سبحان الله! كنت تسيء وأحسن، فلما أحسنت أسي!. قال الطّائي: [طويل] وكم ناكث للعهد قد نكثت به ... أمانيه واستخذى بحقّك باطله «٤» فحاط له الإقرار بالذنب روحه ... وجثمانه إذ لم تحطه قبائله «٥»

стр. 984

وقال آخر: [منسرح] وقال آخر: [منسرح] حتى متى لا تزال معتذرا ... من زلّة منك ما تجانبها لا تتّقي عيبها عليك ولا ... ينهاك عن مثلها عواقبها لتركك الذنب لا تقارفه ... أيسر من توبة تقاربها «١» قال أعرابيّ لابن عمّ له: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين ومن الآخر على شك؛ ليتمّ المعروف منّي إليك، ولتقوم الحجّة منّي عليك. عتب الإخوان والتباغض والعداوة حدّثني الزّياديّ قال حدّثنا عبد الوارث عن يزيد بن القاسم عن معاذة أنها سمعت هشام بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحلّ لمسلم أن يصارم «٢» مسلما فوق ثلاث، وأيّهما فعل فإنهما ناكثان «٣» عن الحقّ ما داما على صرمهما وإن ماتا لم يدخلا الجنة» . قال بعض الشعراء: [بسيط] سنّ الضّغائن آباء لنا سلفوا ... فلن تبيد وللآباء أبناء هذا مثل قول أبي بكر الصّدّيق ﵁: العداوة تتوارث. وقرأت في كتاب للهند: إذا كانت الموجدة عن علّة كان الرضا مرجوّا، وإذا كانت عن غير علة كان الرضا معدوما. ومن العجب أن يطلب الرجل رضا أخيه فلا يرضى، وأعجب من ذلك أن يسخطه عليه طلبه رضاه.

стр. 985

قال بعض المحدثين: [متقارب] فلا تله عن كسب ودّ العدوّ ... ولا تجعلنّ صديقا عدوّا ولا تغترر بهدوّ امرىء ... إذا هيج فارق ذاك الهدوّا وقال آخر: [من مجزوء الكامل المرفّل] احذر مودّة ما ذق ... شاب المرارة بالحلاوه «١» يحصي العيوب عليك أي ... ام الصداقة والعداوه وقال أبو الأسود الدّؤليّ: [طويل] إذا المرء ذو القربى وذو الضّغن أجحفت ... به سنة حلّت مصيبته حقدي «٢» وقال محمد بن أبان اللاحقي «٣» لأخيه إسماعيل: [وافر] تلوم على القطيعة من أتاها ... وأنت سننتها في الناس قبلي وقال آخر: [طويل] وروّعت حتى ما أراع من النّوى ... وإن بان جيرانّ عليّ كرام فقد جعلت نفسي على اليأس تنطوي ... وعيني على هجر الصديق تنام قال أحمد بن يوسف «٤» الكاتب: [خفيف] ما على ذا كنّا افترقنا بسندا ... دولا بيننا عقدنا الإخاء «٥»

стр. 986

نطعن الناس بالمثقّفة السّم ... ر على غدرهم وننسى الوفاء «١» قيل لأفلاطون: بماذا ينتقم الإنسان من عدوّه؟ قال: بأن يزداد فضلا في نفسه. وكان يقال: احذر معاداة الذليل، فربما شرق «٢» بالذّباب العزيز. كتب رجل من الكتّاب إلى صديق له تجنّى عليه: [متقارب] عتبت عليّ ولا ذنب لي ... بما الذنب فيه ولا شكّ لك وحاذرت لومي فبادرتني ... إلى اللوم من قبل أن أبدرك فكنّا كما قيل فيما مضى ... خذ اللّصّ من قبل أن يأخذك وقال آخر: [طويل] رأيتك لمّا نلت مالا، ومسّنا ... زمان ترى في حدّ أنيابه شغبا «٣» جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا ... فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا وقال آخر: [طويل] تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذي يرضي الأخلّاء بالبخل وجدّك لا يرضى إذا كان عاتبا ... خليلك إلّا بالمودّة والبذل متى تجمعي منّا كثيرا ونائلا ... قليلا يقطّع ذاك باقية الوصل كتب رجل إلى صديق له: [طويل]

стр. 987

لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالك «١» وقال آخر: [بسيط] إذا رأيت ازورارا من أخي ثقة ... ضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني فإن صددت بوجهي كي أكافئه ... فالعين غضبى وقلبي غير غضبان وقال إبراهيم بن العباس «٢» : [بسيط] وقد غضبت فما باليتم غضبي ... حتى انصرفت بقلب ساخط راضي وقال زهير «٣» : [وافر] وما يك في عدوّ أو صديق ... تخبّرك العيون عن القلوب وقال دريد «٤» : [وافر] وما تخفى الضغينة حيث كانت ... ولا النظر الصحيح من السقيم وقال ابن أبي خازم: [من مجزوء الخفيف] خذ من الدهر ما كفى ... ومن العيش ما صفا لا تلحّنّ بالبكاء ... على منزل عفا «٥» خلّ عنك العتاب إن ... خان ذو الودّ أو هفا عين من لا يحبّ وص ... لك تبدي لك الحفا وقال أعرابيّ يذكر أعداء: [بسيط]

стр. 988

يزمّلون جنين الضّغن بينهم ... والضّغن أشوه أو في وجهه كلف «١» إن كاتمونا القلى نمّت عيونهم ... والعين تظهر ما في القلب أو تصف «٢» وقال ابن أبي أميّة «٣» : [سريع] كم فرحة كانت وكم ترحة ... تخرّصتها لي فيك الظنون «٤» إذا قلوب أظهرت غير ما ... تضمره أنبتك عنها العيون وقال آخر: [هزج] أما تبصر في عين ... يّ عنوان الذي أبدي وقال آخر: [طويل] ومولى كأنّ الشمس بيني وبينه ... إذا ما التقينا ليس ممّن أعاتبه يقول: لا أقدر أن أنظر إليه، فكأن الشمس بيني وبينه. ومثله: [وافر] إذا أبصرتني أعرضت عنّي ... كأنّ الشمس من قبلي تدور وقال النّمر بن تولب في الإعراض «٥» : [طويل] فصدّت كأنّ الشمس تحت قناعها ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب أخذه أبو نواس فقال: [سريع] يا قمرا للنّصف من شهره ... أبدى ضياء لثمان بقين

стр. 989

يريد أنه أعرض بوجهه فبدا له نصفه. وقال آخر في الضغينة: [طويل] وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كما طرّ أوبار الجراب على النّشر «١» وقال آخر في نحوه «٢» : [طويل] وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا «٣» وقال الأخطل: [بسيط] إنّ الضغينة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حينا ثم ينتشر «٤» شمس العداوة حتى يستفاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «٥» وقرأت في كتاب للهند: ليس بين عداوة الجوهريّة صلح إلا ريثما ينتكث، كالماء إن أطيل إسخانه فإنه لا يمتنع من إطفاء النار إذا صبّ عليها. قال سعد بن أبي وقّاص لعمّار بن ياسر: إن كنا لنعدّك من أكابر أصحاب محمد ﷺ ، حتى إذا لم يبق من عمر إلا ظمء «٦» الحمار فعلت

стр. 990

وفعلت؛ قال: أيّما أحبّ إليك: مودّة على دخل «١» أو مصارمة جميلة؟ قال: مصارمة جميلة؛ قال: لله عليّ ألّا أكلّمك أبدا. وقال بعض الشعراء في صديق له تغيّر: [منسرح] إحولّ عنّي وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي «٢» . وقال المثتقّب العبدي «٣» : [وافر] ولا تعدي مواعد كاذبات ... تمرّ بها رياح الصيف دوني فإني لو تعاندني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني «٤» وقال الكميت: [طويل] ولكنّ صبرا عن أخ عنك صابر ... عزاء إذا ما النفس حنّ طروبها «٥» رأيت عذاب الماء إن حيل دونها ... كفاك لما لا بدّ منه شروبها «٦» وإن لم يكن إلا الأسنّة مركب ... فلا رأي للمجهود إلا ركوبها «٧» وقرأت في كتاب للهند: العدوّ إذا أحدث صداقة لعلة ألجأته إليها فمع ذهاب العلة رجوع العداوة، كالماء يسخن فإذا رفع عاد باردا. وقال محمد بن يزداد الكاتب: إذا لم تستطع أن تقطع يد عدوّك فقبّلها. قال الشاعر: [طويل]

стр. 991

لقد زادني حبّا لنفسي أنني ... بغيضّ إلى كلّ امرىء غير طائل إذا ما رآني قطّع الطرف دونه ... ودوني فعل العارف المتجاهل ملأت عليه الأرض حتّى كأنّها ... من الضّيق في عينيه كفّة حابل «١» قال عمر بن الخطاب ﵁: اعتزل عدوّك واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله. الهيثم عن ابن عيّاش قال: أخبرني رجل من الأزد قال: كنا مع أسد بن عبد الله بخراسان، فبينا نحن نسير معه وقد مدّ نهرفجاء «٢» بأمر عظيم لا يوصف، وإذا رجل بضربه الموج وهو ينادي: الغريق الغريق! فوقف أسد وقال: هل من سابح؟ فقلت: نعم، فقال: ويحك! الحق الرجل! فوثبت عن فرسي وألقيت عنّي ثيابي ثم رميت بنفسي في الماء، فما زلت أسبح حتى إذا كنت قريبا منه قلت: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم؟ قلت: إمض راشدا، فو الله ما تأخّرت عنه ذراعا حتى غرق: فقال ابن عياش: فقلت له: ويحك! أما اتقيت الله! غرّقت رجلا مسلما! فقال: والله لو كانت معي لبنة لضربت بها رأسه. طاف رجل من الأزد بالبيت «٣» وجعل يدعو لأبيه؛ فقيل له: ألا تدعو لأمّك؟ فقال: إنها تميميّة. وقرأت في كتاب للهند: جانب الموتور وكن أحذر ما تكون له ألطف ما يكون بك، فإنّ السلامة بين الأعداء توحّش بعضهم من بعض، ومن الأنس والثقة حضور آجالهم.

стр. 992

أراد الملك قتل بزرجمهر وأن يتزوّج ابنته بعد قتله؛ فقال: لو كان ملككم حازما ما جعل بينه وبين شعاره موتورة «١» . قال أبو حازم: لا تناصبنّ رجلا حتى تنظر إلى سريرته؛ فإن تكن له سريرة حسنة فإن الله لم يكن يخذله بعداوتك إياه، وإن كانت سريرته رديئة فقد كفاك مساويه، لو أردت أن تعمل بأكثر من معاصي الله لم تقدر. قال رجل: إني لأغتنم في عدوّي أن ألقي عليه النملة وهو لا يشعر لتؤذيه. وقال الأفوه الأوديّ «٢» : [وافر] بلوت الناس قرنا بعد قرن ... فلم أر غير خلّاب وقالي «٣» وذقت مرارة الأشياء جمعا ... فما طعم أمرّ من السؤال ولم أر في الخطوب أشدّ هولا ... وأصعب من معاداة الرجال وقال آخر: [وافر] بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون شماتة الأعداء بلع عمرو بن عتبة شماتة قوم به في مصائب؛ فقال: والله، لئن عظم

стр. 993

مصابنا بموت رجالنا لقد عظمت النعمة علينا بما أبقى الله لنا: شبّانا يشبّون «١» الحروب، وسادة يسدون المعروف، وما خلقنا ومن شمت بنا إلا للموت. قيل لأيوب النبيّ ﵇: أيّ شيء كان أشدّ عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. إشتكى يزيد بن عبد الملك شكاة شديدة وبلغه أنّ هشاما سرّ بذلك، فكتب إلى هشام يعاتبه، وكتب في آخر الكتاب: [طويل] تمنّى رجال أن أموت، وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد وقد علموا، لو ينفع العلم عندهم، ... متى متّ ما الداعي عليّ بمخلد منيّته تجري لوقت وحتفه ... يصادفه يوما على غير موعد فقال للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد «٢» وقال الفرزدق: [وافر] إذا ما الدّهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا أغير على رجل من الأعراب فذهب بإبله فقال: [وافر] لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعداء ذوي إحن «٣» ما سرّني أنّ إبلي في مباركها ... وأنّ شيئا قضاه الله لم يكن وقال عديّ بن زيد العباديّ: [خفيف] أرواح مودّع أم بكور ... لك فانظر لأيّ حال تصير

стр. 994

وابيضاض السواد من نذر المو ... ت فهل بعده لإنس نذير أيّها الشامت المعيّر بالدّه ... ر أأنت المبرّأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام أم أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام مجير أين كسرى كسرى الملوك أنو شر ... وان أم أين قبله سابور «١» وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور «٢» شاده مرمرفا وجلّله كل ... سا فللطّير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور وتبيّن ربّ الخورنق إذ أش ... رف يوما وللهدى تفكير «٣» سرّه حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسّدير «٤» فارعوى قلبه فقال وما غب ... طة حيّ إلى الممات يصير «٥» ثم بعد الفلاح والملك والنّع ... مة وارتهم هناك القبور ثم أضحوا كأنهم ورق جفّ ... فألوت به الصبّا والدّبور «٦» قال ابن الكلبي «٧» : لما قبض النبيّ ﷺ سمع بموته نساء من كندة وحضر موت فخضبن أيديهنّ وضربن بالدفوف، فقال رجل منهم: [كامل]

стр. 995

أبلغ أبا بكر إذا ما جئته ... أنّ البغايا رمن أيّ مرام أظهرن من موت النبيّ شماتة ... وخضبن أيديهنّ بالعلّام «١» فاقطع، هديت، كفّهنّ بصارم ... كالبرق أومض من متون غمام «٢» فكتب أبو بكر إلى المهاجر عامله، فأخذهنّ وقطّع أيديهنّ. وقرأت في كتاب ذكر فيه عدوّ: فإنه يتربّص بك الدوائر، ويتمنّى لك الغوائل، ولا يؤمّل صلاحا إلا في فسادك، ولا رفعة إلا في سقوط حالك والسلام. وجد بالأصل في آخر هذا الكتاب ما نصّه: آخر كتاب الإخوان، وهو الكتاب السابع من عيون الأخبار، تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدّينوريّ رحمة الله عليه. وكتبه الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن علي الواعظ الجزريّ، وذلك في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة. وصلّى الله على سيدنا محمد النبيّ وآله الطاهرين. وفي هذه الصفحة عينها وجد ما يأتي- وهو من زيادة الناسخ-: قيل قدم المهديّ أمير المؤمنين، وقيل الرشيد «٣» ، فتلقّاه الناس، وتلقّاه أبو دلامة «٤» في جملة الناس، فأنشده: [كامل]

стр. 996

إنّي نذرت لئن رأيتك سالما ... بقرى العراق وأنت ذو وفّر لتصلّينّ على النبيّ محمد ... ولتملأن دراهما حجرى فقال له أمير المؤمنين: أما الأولى فنعم. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وأما الأخرى فلست أفعل، فقال أبو دلامة: يا أمير المؤمنين ما نذرت إلا الاثنين، فضحك وأمر حتى ملؤا حجره دراهم. وقال شاعر «١» : [كامل] ولقد تنسّمت الرياح لحاجتي ... فإذا لها من راحتيك نسيم ولربّما استيأست ثم أقول لا ... إنّ الذي ضمن النجاح كريم

стр. 997

كتاب الحوائج استنجاح الحوائج حدّثني أحمد بن الخليل قال حدّثنا محمد بن الخصيب قال حدّثني أوس ابن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل بن عبد الله بن بريدة عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : «استعينوا على الحوائج بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» . قال خالد بن صفوان: لا تطلبوا الحوائج في غير حينها، ولا تطلبوها إلى غير أهلها، ولا تطلبوا ما لستم له بأهل فتكونوا للمنع خلقاء. قال شبيب بن شيبة: إني لأعرف أمرا لا يتلاقى به اثنان إلّا وجب النّجح بينهما؛ فقال له خالد بن صفوان: ما هو؟ قال: العقل، فإنّ العاقل لا يسأل ما لا يجوز ولا يردّ عما يمكن، فقال له خالد: نعيت إليّ نفسي! إنّا أهل بيت لا يموت منا أحد حتى يرى خلفه. أبو اليقظان قال: كان بنو ربيعة- وهم من بين عسل بن عمرو بن يربوع- يوصون أولادهم فيقولون: استعينوا على الناس في حوائجكم بالتثقيل عليهم، فذاك أنجح لكم. قال الشاعر: [مديد] هيبة الإخوان مقطعة ... لأخي الحاجات عن طلبه

стр. 998

فإذا ما هبن ذا أمل ... مات ما أمّلت من سببه وقال أبو نواس: [طويل] وما طالب الحاجات ممّن يرومها ... من الناس إلا المصبحون على رجل تأنّ مواعيد الكرام فربّما ... أصبت من الإلحاح سمحا على بخل والبيت المشهور في هذا: [بسيط] إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا «١» أخلق بذي الصبر أن يحظي بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا «٢» لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة ... إذا استعنن بصبر أن ترى فرجا وقال آخر: [بسيط] إنّي رأيت، وللأيّام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر وقلّ من جدّ في أمر يطالبه ... واستصحب الصبر إلّا فاز بالظّفر والعرب تقول: «ربّ عجلة تهب ريثا» . يريدون أن الرجل قد يخرق ويعجل في حاجته فتتأخّر أو تبطل بذلك. وتقول: «الرّشف أنقع» . يريدون أن الشراب الذي يترشّف رويدا رويدا أقطع للعطش وإن طال على صاحبه. وقال عامر بن خالد بن جعفر ليزيد بن الصّعق: [رجز] إنّك إن كلّفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرّك منّي من خلق وكانوا يستنجحون حوائجهم بركعتين يقولون بعدهما: اللهم إنّي بك أستفتح، وبك أستنجح، وبمحمّد نبيك إليك أتوجّه، اللهم ذلّ لي صعوبته،

стр. 999

وسهّل لي حزونته «١» ، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عنّي من الشرّ أكثر مما أخاف. وقال القطاميّ: [بسيط] قد يدرك المتأنّي بعض جاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل «٢» عمرو بن بحر «٣» عن إبراهيم بن السّنديّ قال: قلت في أيام ولايتي الكوفة لرجل من وجوهها، كان لا يجفّ لبده ولا يستريح قلمه ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال وإدخال المرافق على الضعفاء وكان رجلا مفوّها، خبّرني عن الشيء الذي هوّن عليك النّصب وقوّاك على التعب ما هو؟ قال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار، في أفنان الأشجار؛ وسمعت خفق أوطار العيدان، وترجيع أصوات القيان الحسان؛ ما طربت من صوت قطّ طربى من ثناء حسن بلسان حسن على رجل قد أحسن، ومن شكر حرّ لمنعم حرّ، ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر. قال إبراهيم: فقلت: لله أبوك لقد حشيت كرما فزادك الله كرما، فبأيّ شيء سهلت عليك المعاودة والطلب؟ قال: لأني لا أبلغ المجهود ولا أسأل ما لا يجوز، وليس صدق العذر أكره إليّ من إنجاز الوعد، ولست لإكداء «٤» السائل أكره منّي للإجحاف «٥» بالمسؤول، ولا أرى الراغب أوجب عليّ حقّا للذي قدمّ من حسن ظنه من المرغوب إليه الذي احتمل من كلّه «٦» . قال إبراهيم: ما سمعت كلاما قطّ أشدّ موافقة

стр. 1000

لموضعه ولا أليق بمكانه من هذا الكلام. وقال مصعب: [كامل] في القوم معتصم بقوّة أمره ... ومقصّر أودى به التقصير لا ترض منزلة الذليل ولا تقم ... في دار معجزة وأنت خبير وإذا هممت فأمض همّك إنما ... طلب الحوائج كلّه تغرير «١» وكان يقال: إذا أحببت أن تطاع، فلا تسأل ما لا يستطاع. ويقال: الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء. الاستنجاح بالرّشوة والهديّة حدّثني زيد بن أخزم عن عبد الله بن داود قال: سمعت سفيان الثوريّ يقول: إذا أردت أن تتزوّج فأهد للأمّ. والعرب تقول: «من صانع «٢» لم يحتشم من طلب الحاجة» . قال ميمون بن ميمون: إذا كانت حاجتك إلى كاتب فليكن رسولك الطمع. وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: نعم الشيء الهديّة أمام الحاجة. وقال رؤبة «٣» : [رجز] لما رأيت الشّفعاء بلّدوا ... وسألوا أميرهم فأنكدوا «٤»

стр. 1001

نامستهم برشوة فأقردوا ... وسهّل الله بها ما شدّدوا «١» وقال آخر «٢» : [طويل] وكنت إذا خاصمت خصما كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم فلما تنازعنا الخصومة غلّبت ... عليّ وقالوا قم فإنك ظالم والعرب تقول في مثل هذا المعنى: «من يخطب الحسناء يعط مهرا» يريدون من طلب حاجة مهمّة بذل فيها. وقال بعض المحدثين: [بسيط] ما من صديق وإن تمّت صداقته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق «٣» إذا تلثّم بالمنديل منطلقا ... لم يخش نبوة بوّاب ولا غلق لا تكذبنّ فإنّ الناس مذ خلقوا ... لرغبة يكرمون الناس أو فرق «٤» وقال آخر: [سريع] ما أرسل الأقوام في حاجة ... أمضى ولا أنجح من درهم يأتيك عفوا بالذي تشتهي ... نعم رسول الرجل المسلم الاستنجاح بلطيف الكلام حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ «٥» : دخل أبو بكر الهجريّ على

стр. 1002

المنصور فقال: يا أمير المؤمنين نغض فمي «١» وأنتم أهل بيت بركة، فلو أذنت لي فقبّلت رأسك لعل الله يشدّد لي منه! فقال أبو جعفر: اختر منها ومن الجائزة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أهون عليّ من ذهاب درهم من الجائزة ألّا تبقى في فمي حاكّة «٢» . قال أبو حاتم: وحدّثنا الأصمعيّ عن خلف قال: كنت أرى أنّه ليس في الدنيا رقية إلا رقية الحيّات، فإذا رقية الخبز أسهل. يعني ما يتكلّفه الناس من الكلام لطلب الحيلة. قال رجل للفضل بن سهل يسأله: الأجل آفة الأمل، والمعروف ذخيرة الأبد، والبرّ غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخي القدرة؛ فأمر وهبا كاتبه أن يكتب الكلمات. ورفع إليه رقعة فيها: يا حافظ من يضيّع نفسه عنده، ويا ذاكر من ينسى نصيبه منه، ليس كتابي إذا كتبت استبطاء، ولا إمساكي إذا أمسكت استغناء؛ لكنّ كتابي إذا كتبت تذكرة لك، وإمساكي إذا أمسكت ثقة بك. وقال رجل لآخر: ما قصّرت بي همّة صيّرتني إليك، ولا أخّرني ارتياد دلّني عليك، ولا قعد بي رجاء حداني إلى بابك. وبحسب معتصم بك ظفر بفائدة وغنيمة، ولجء إلى موئل وسند. دخل الهذيل بن زفر «٣» على يزيد بن المهلّب «٤» في حمالات «٥» لزمته،

стр. 1003

فقال له: قد عظم شأنك عن أن يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تصنع شيئا من المعروف إلّا وأنت أكثر منه، وليس العجب أن تفعل، وإنما العجب من ألّا تفعل. قال الحمدوني «١» في الحسين بن أيوب والي البصرة: [بسيط] قل لابن أيّوب قد أصبحت مأمولا ... لا زال بابك مغشيّا ومأهولا إن كنت في عطلة فالعذر متّصل ... وصل إذا كنت بالسلطان موصولا شرّ الأخلّاء من ولّى قفاه إذا ... كان المولّى وأعطى البشر معزولا من لم يسمّن جوادا كان يركبه ... في الخصب قام به في الجدب مهزولا افرغ لحاجاتنا ما دمت مشغولا ... لو قد فرغت لقد ألفيت مبذولا وقال آخر: [طويل] ولا تعتذر بالشّغل عنّا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل وأتى رجل بعض الولاة، وكان صديقه، فتشاغل عنه، فتراءى له يوما؛ فقال: اعذرني فإنّي مشغول؛ فقال: لولا الشغل ما أتيتك. وكتب رجل إلى صديق له: قد عرضت قبلك حاجة، فإن نجحت بك فالفاني منها حظّي والباقي حظّك، وإن تعتذر فالخير مظنون بك والعذر مقدّم لك. وفي فصل آخر: قد عذرك الشّغل في إغفال الحاجة وعذرني في إنكارك.

стр. 1004

وفي فصل آخر: قد كان يجب ألّا أشكو حالي مع علمك بها، ولا أقتضيك عمارتها بأكثر من قدرتك عليها؛ فلربّما نيل الغنى على يدي من هو دونك بأدنى من حرمتي. وما أستصغر ما كان منك إلا عنك، ولا أستقلّه إلا لك. وقال آخر: إن رأيت أن تصفّد يدا «١» بصنيعة باق ذكرها جميل في الدهر أثرها، تغتنم غرّة الزمان «٢» فيها وتبادر فوت الإمكان بها، فافعل. قدم على زياد «٣» نفر من الأعراب فقام خطيبهم فقال: أصلح الله الأمير! نحن، وإن كانت نزعت بنا أنفسنا إليك وأنضينا «٤» ركائبنا نحوك التماسا لفضل عطائك، عالمون بأنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع؛ وإنما أنت ايّها الأمير خازن ونحن رائدون، فإن أذن لك فأعطيت حمدنا الله وشكرناك، وإن لم يؤذن لك فمنعت حمدنا الله وعذرناك، ثم جلس؛ فقال زياد لجلسائه: تالله ما رأيت كلاما أبلغ ولا أوجز ولا أنفع عاجلة منه، ثم أمر لهم بما يصلحهم. دخل العتّابيّ على المأمون، فقال له المأمون: خبّرت بوفاتك فغمّتني، ثم جاءتني وفادتك فسرتني؛ فقال العتابيّ: لو قسمت هذه الكلمات على أهل الأرض لوسعتهم؛ وذلك أنه لا دين إلا بك ولا دنيا إلا معك؛ قال: سلني، قال: يداك بالعطيّة أطلق من لساني.

стр. 1005

قال نصيب «١» لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كبرت سنّي ورقّ عظمي، وبليت ببنيّات نفضت عليهنّ من لوني فكسدن عليّ؛ فرقّ له عمر ووصله. سأل رجل أسد بن عبد الله فاعتلّ عليه؛ فقال: إني سألت الأمر من غير حاجة؛ قال: وما حملك على ذلك؟ قال: رأيتك تحبّ من لك عنده حسن بلاء، فأحببت أن أتعلّق منك بحبل مودّة. لزم بعض الحكماء باب بعض ملوك العجم دهرا فلم يصل إليه، فتلطّف للحاجب في إيصال رقعة ففعل، وكان فيها أربعة أسطر: السطر الأوّل الأمل والضّرورة أقدماني عليك. والسطر الثاني والعدم لا يكون معه صبر على المطالبة. والسطر الثالث الانصراف بلا فائدة شماتة للأعداء. والسطر الرابع فإمّا نعم مثمرة، وإمّا لا مريحة. فلما قرأها وقّع في كلّ سطر: زه «٢» ؛ فأعطي ستّة عشر ألف مثقال فضّة. دخل محمد بن واسع «٣» على قتيبة بن مسلم «٤» ، فقال له: أتيتك في حاجة رفعتها إلى الله قبلك، فإن تقضها حمدنا الله وشكرناك، وإن لم تقضها حمدنا الله وعذرناك؛ فأمر له بحاجته. وقال له أيضا في حاجة أخرى: إنّي

стр. 1006

أتيتك في حاجة، فإن شئت قضيتها وكنّا جميعا كريمين، وإن شئت منعتها وكنّا جميعا لئيمين. أتى رجل خالد بن عبد الله في حاجة، فقال له: أتكلّم بجرأة اليأس أم بهيبة الأمل؟ قال: بل بهيبة الأمل؛ فسأله حاجته فقضاها. وقال أبو سمّاك لرجل: لم أصن وجهي عن الطّلب إليك، فصن وجهك عن ردّي، وضعني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك. قال المنصور لرجل: ما بالك؟ قال: ما يكفّ وجهي ويعجز عن برّ الصّديق فقال: لقد تلطّفت للسؤال، ووصله. وقال المنصور لرجل أحمد منه أمرا: سل حاجتك فقال: يبقيك الله يا أمير المؤمنين؛ قال: سل، فليس يمكنك ذلك في كلّ وقت؛ فقال: ولم يا أمير المؤمنين! فوالله لا أستقصر عمرك ولا أرهب بخلك ولا أغتنم ما لك وإنّ سؤالك لزين، وإنّ عطاءك لشرف، وما على أحد بذل وجهه إليك نقص ولا شين، فأمر حتّى مليء فوه درّا. قال أبو العبّاس لأبي دلامة: سل حاجتك. قال: كلب؛ قال: لك كلب. قال: ودابّة أتصيد عليها؛ قال: ودابة. قال: وغلام يركب الدابّة ويصيد؛ قا: وغلام. قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه؛ قال: وجارية. قال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء عيال ولا بدّ من دار؛ قال: ودار. قال: ولا بدّ من ضيعة لهؤلاء؛ قال: قد أقطعتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأيّ شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: فأنا أقطعك ألفا وخمسمائة جريب من فيافى بني أسد؛ قال: قد جعلتها كلّها لك عامرة. قال: أقبلّ يدك؛ قال: أمّا هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا منها.

стр. 1007

قال عبد الملك لرجل: ما لي أراك واجما «١» لا تنطق؟ قال: أشكو إليك ثقل الشّرف؛ قال: أعينوه على حمله. رأى زياد على مائدته رجلا قبيح الوجه كثير الأكل، فقال له: كم عيالك؟ قال: تسع بنات؛ قال: أين هنّ منك؟ قال: أنا أجمل منهنّ وهنّ آكل منّي؛ قال: ما أحسن ما تلطّفت في السؤال وفرض له وأعطاه. وقفت عجوز على قيس بن سعد فقال: أشكو إليك قلّة الجرذان؛ قال: ما أحسن هذه الكناية! املؤا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا. وقال بعض القصّاص في قصصه: اللهم أقلّ صبياننا وأكثر جرذاننا. كان سليمان بن عبد الملك يأخذ الوليّ بالوليّ والجار بالجار؛ فدخل عليه رجل وعلى رأسه وصيفة روقة «٢» ، فنظر إليها: فقال سليمان: أأعجبتك؟ قال: بارك الله لأمير المؤمنين فيها! قال: هات سبعة أمثال في الاست وخذها؛ فقال: «صرّ عليه الغزو استه» «٣» . قال: واحد. قال: «است البائن أعلم» «٤» ؛ قال اثنان. قال: «است لم تعوّد المجمر تحترق» «٥» ؛ قال: ثلاثة.

стр. 1008

قال: الحرّ يعطي والعبد يبجع باسته» «١» ؛ قال: أربعة. قال: «استي أخبثى» «٢» » ! قال: خمسة. قال: «عاد سلاها في استها» «٣» ؛ قال: ستة. قال: «لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت» «٤» ؛ قال: ليس هذا من ذاك؛ قال: أخذت الجار بالجار كما يفعل أمير المؤمنين! قال: خذها. قال يزيد بن المهلّب لسليمان في حمالة «٥» كلّمه فيها: يا أمير المؤمنين، والله لحمدها خير منها، ولذكرها أحسن من جمعها، ويدي مبسوطة بيدك فابسطها لسؤالها. قطع عبد الملك بن مروان عن آل أبي سفيان أشياء كان يجريها عليهم، لتباعد كان بينه وبين خالد بن يزيد بن معاوية؛ فدخل عليه عمرو بن عتبة فقال: يا أمير المؤمنين، أدنى حقّك متعب وتقصّيه فادح، ولنا مع حقّك علينا حقّ عليك، لقرابتنا منك وإكرام سلفنا لك؛ فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليك، وضعنا بحيث وضعتنا الرّحم منك، وزدنا بقدر ما زادك الله؛ فقال: أفعل، وإنما يستحقّ عطيّتي من استعطاها، فأمّا من ظنّ أنه يستغني بنفسه فسنكله إليها «٦» ، يعرّض بخالد؛ فبلغ ذلك خالدا، فقال: أمّا عمرو فقد أعطى

стр. 1009

من نفسه أكثر مما أخذ، أو بالحرمان يتهدّدني! يد الله فوق يده مانعة، وعطاؤه دونه مبذول. أتى رجل يزيد بن أبي مسلم برقعة يسأله أن يرفعها إلى الحجّاج؛ فنظر فيها يزيد فقال: ليست هذه من الحوائج التي ترفع إلى الأمير؛ فقال له الرجل: فإني أسألك أن ترفعها، فلعلّها توافق قدرا فيقضيها وهو كاره؛ فأدخلها وأخبره بمقالة الرجل؛ فنظر الحجاج في الرّقعة، وقال ليزيد: قل للرجل: إنها وافقت قدرا وقد قضيناها ونحن كارهون. دخل بعض الشعراء «١» على بشر بن مروان فأنشده: [كامل] أغفيت عند الصّبح نوم مسهّد ... في ساعة ما كنت قبل أنامها فرأيت أنك رعتني بوليدة ... مغنوجة حسن عليّ قيامها وببدرة حملت إليّ وبغلة ... دهماء مشرفة يصلّ لجامها «٢» فدعوت ربي أن يثيبك جنّة ... عوضا يصيبك بردها وسلامها فقال له بشر: في كل شيء أصبت إلا في البغلة فإني لا أملك إلّا شهباء «٣» : فقال: إني والله ما رأيت إلّا شهباء. قال رجل لمعاوية: أقطعني البحرين، قال: إني لا أصل إلى ذلك. قال: فاستعملني على البصرة؛ قال: ما أريد عزل عاملها. قال: تأمر لي بألفين؛ قال: ذاك لك. فقيل له: ويحك! أرضيت بعد الأوليين بهذا! قال: اسكتوا لولا الأوليان ما أعطيت هذه. جاء أعرابيّ إلى بعض الكتّاب فسأله. فأمر الكاتب غلامه بيمينه أن

стр. 1010

يعطيه عشرة دراهم وقميصا من قمصه؛ فقال لأعرابيّ: [خفيف] حوّل العقد بالشمال أبا الأص ... بغ واضمم إلى القميص قميصا إن عقد اليمين يقصر عنّي ... وأرى في قميصكم تقليصا يقول: حوّل عقد اليمين وهو عشرة إلى عقد الشمال وهو مائة «١» . سأل أعرابيّ فقال في مسألته: لقد جعت حتى أكلت النّوى المحرق ولقد مشيت حتى انتعلت الدّم وحتى سقط من رجلي بتخص «٢» لحم وحتى تمنّيت أنّ وجهي حذاء لقدمي، فهل من أخ يرحمنا؟. وسأل آخر قوما فقال: رحم الله امرأ لم تمجج أذناه كلامي، وقدّم لنفسه معاذا من سوء مقامي، فإنّ البلاد مجدبة، والحال مصعبة، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والعدم عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء أحد الصدقتين فرحم الله امرأ أمر بمير «٣» ، ودعا بخير، فقال له رجل من القوم: ممّن الرجل؟ فقال: اللهم غفرا ممن لا تضرّك جهالته، ولا تنفعك معرفته؛ ذلّ الإكتساب، يمنع من عزّ الانتساب. سأل أعرابيّ رجلا فحرمه؛ فقال: علام تحرمني! فو الله ما زلت قبلة لأملي لا تلقتني عنك المطامع، فإن قلت: قد أحسنت بدءا، فما ينكر لمثلك أن يحسن عودا!.

стр. 1011

قال ابن أبي عتيق «١» : دخلت على أشعب وعنده متاع حسن وأثاث، فقلت له: ويحك! أما تستحي أن تسأل وعندك ما أرى! فقال: يا فديتك! معي والله من لطيف السؤال ما لا تطيب نفسي بتركه. قال الصّلتان العبديّ «٢» : [متقارب] نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا ننقضي تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي إذا ليلة هرّمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي وقال آخر: [بسيط] وحاجة دون أخرى قد سنحت بها ... جعلتها للّتي أخفيت عنوانا «٣» كتب دعبل إلى بعض الأمراء: [منسرح] جئتك مستشفعا بلا سبب ... إليك إلّا بحرمة الأدب فاقض ذمامي فإنّني رجل ... غير ملحّ عليك في الطلب من يعتمد في الحاجة ويستسعى فيها روى هشيم عن عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مصعب قال: قال رسول الله ﷺ : اطلبوا الحوائح إلى حسان الوجوه» .

стр. 1012

وفي حديث آخر: «اعتمد لحوائجك الصّباح الوجوه، فإنّ حسن الصورة أوّل نعمة تتلقّاك من الرجل» . قالت امرأة من ولد حسّان بن ثابت: [طويل] سل الخير أهل الخير قدما ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريب «١» ومن المشهور قول بعض المحدثني: [خفيف] حسن ظنّ إليك أكرمك الل ... هـ دعاني فلا عدمت الصّلاحا ودعاني إليك قول رسول الل ... هـ إذا قال مفصحا إفصاحا إن أردتم حوائجا عند قوم ... فتنقّوا لها الوجوه الصّباحا «٢» وقال آخر: [كامل] إنّا سألنا قومنا فخيارهم ... من كان أفضلهم أبوه الأوّل أعطى الذي أعطى أبوه قبله ... وتبخّلت أبناء من يتبخّل وقال خالد بن صفوان: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها، وأشدّ من المصيبة سوء الخلف «٣» منها. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: مسلم بن قتيبة: لا تطلبنّ حاجتك إلى كذّاب فإنه يقرّبها وهي بعيد ويبعّدها وهي قريب» ، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك، ولا إلى رجل له عند من تسأله الحاجة مأكلة «٥» ، فإنه لا يؤثرك على نفسه.

стр. 1013

أنشدنا الرّياشيّ لأبي عون: [وافر] ولست بسائل الأعراب شيئا ... حمدت الله إذ لم يأكلوني وقال ميمون بن ميمون: لا تطلبنّ إلى لئيم حاجة، فإن طلبت فأجّله حتى يروض نفسه. هارون بن معروف عن ضمرة عن عثمان بن عطاء، قال: عطاء الحوائج عند الشباب أسهل منها عند الشيوخ؛ ثم قرأ قول يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ «١» وقول يعقوب: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ «٢» . وقال بشار: [متقارب] إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبّه لها عمرا ثم نم فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم «٣» يلذّ العطاء وسفك الدّماء ... فيغدو على نعم أو نقم وقال أبو عبّاد الكاتب: لا تنزل مهمّ حوائجك بالجيّد اللسان، ولا المتسرّع إلى الضمان، فإنّ العجز مقصور على المتسرّع؛ ومن وعد ما يعجز عنه فقد ظلم نفسه وأساء إلى غيره؛ ومن وثق بجودة لسانه ظنّ أنّ في فصل بيانه ما ينوب عن عذره وأن وعده يقوم مقام إنجازه. وقال أيضا: عليك بذي الحصر البكيّ «٤» ، وبذي الخيم «٥» الرضيّ، فإنّ مثقالا من شدّة الحياء والعيّ،

стр. 1014

أنفع في الحاجة من قنطار من لسان سليط ذكيّ، وعليك بالشّهم النّدب «١» الذي إن عجز أيأسك، وإن قدر أطعمك. قال بعض الشعراء: [كامل] لا تطلبنّ إلى لئيم حاجة ... واقعد فإنك قائما كالقاعد يا خادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات! تضرب في حديد بارد وقال آخر: [طويل] إذا الشافع استقصى لك الجهد كلّه ... وإن لم تنل نجحا فقد وجب الشّكر وقال آخر «٢» : [كامل] وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنّها من ماله «٣» ذكر أعرابيّ رجلا، فقال: كان والله إذا نزلت به الحوائج قام إليها ثم قام بها، ولم تقعد به علّات النفوس «٤» . قال الشاعر: [بسيط] ما إن مدحتك إلّا قلت تخدعني ... ولا استنتك إلا قلت مشغول ابن عائشة «٥» قال: كان شبيب بن شيبة رجلا شريفا يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم، فكان إذا أراد الركوب تناول من الطعام شيئا ثم ركب؛ فقيل له. إنك تباكر الغداء! فقال: أجل! أطفىء به فورة جوعي، وأقطع به

стр. 1015

خلوف «١» فمي، وأبلع به قضاء حوائجي، فخذ من الطعام ما يذهب عنك النّهم؛ ويداوي من الخوى «٢» . قال بعض المحدثين: [طويل] لعمرك ما أخلقت وجها بذلته ... إليك ولا عرّضته للمعاير «٣» فتى وفرت أيدي المحامد عرضه ... وخلّت لديه ماله غير وافر وقال آخر: [طويل] أتيتك لا أدلي بقربى ولا يد ... إليك سوى أنّي بجودك واثق فإن تولني عرفا أكن لك شاكرا ... وإن قلت لي عذرا أقل أنت صادق «٤» وقال رجل لآخر في كلامه: أيدينا ممدودة إليك بالرغبة، وأعناقنا خاضعة لك بالذّلّة، وأبصارنا شاخصة إليك بالشكر؛ فافعل في أمورنا حسب أملنا فيك، والسلامه. الإجابة إلى الحاجة والردّ عنها قال رجل للعبّاس بن محمد: إنّي أتيتك في حاجة صغيرة؛ قال: اطلب لها رجلا صغيرا. وهذا خلاف قول عليّ بن عبد الله بن العبّاس لرجل قال له: إني أتيتك في حاجة صغيرة، فقال له عليّ بن عبد الله: هاتها، إنّ الرجل لا يصغر عن كبير أخيه ولا يكبر عن صغيره.

стр. 1016

قال رجل للأحنف «١» : أتيتك في حاجة لا تنكيك ولا ترزؤك «٢» ، قال: إذا لا تقضى! أمثلي يؤتى في حاجة لا تنكي ولا ترزأ!. جاء قوم إلى رجل يكلّمونه في حاجة لهم ومعهم رقبة، فقال لرقبة: تضمنونها؟ فقال له رقبة: جئناك نطلب منك فضل التوسّع «٣» فأدخلت علينا همّ الضّمان. أتى عمرو بن عبيد حفص بن سالم، فلم يسأله أحد من حشمه شيئا إلا قال: لا؛ فقال عمرو: أقلّ من قول: «لا» فإن لا ليست في الجنة. كان رسول الله ﷺ إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال: «يصنع الله» . قال عمر بن أبي ربيعة: [خفيف] إنّ لي حاجة إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد أي قد تضمّنته لك فهو في عنقي. سأل رجل قوما؛ فقال له رجل منهم: اللهمّ هذا سائلنا ونحن سؤّالك، وأنت بالمغفرة أجود منّا بالعطاء: ثم أعطاه. سأل رجل رجلا حاجة؛ فقال: اذهب بسلام؛ قال السائل: أنصفنا من ردّنا في حوائجنا إلى الله . قال رجل لثمامة: إن لي إليك حاجة؛ قال ثمامة: ولي إليك حاجة؛

стр. 1017

قال: وما هي؟ قال: لا أذكرها حتى تتضمّن قضائها؛ قال: قد فعلت؛ قال: حاجتي ألّا تسألني هذه الحاجة؛ قال: رجعت عما أعطيتك؛ قال ثمامة «١» : لكنّي لا أردّ ما أخذت. قال الجاحظ: تمشّى قوم إلى الأصمعيّ مع رجل اشترى منه ثمرة نخله، فناله فيها خسران وسألوه حسن النظر له؛ فقال الأصمعيّ: أسمعتم بالقسمة الضّيزى «٢» ! هي ما تريدون شيخكم عليه، اشترى منّي على أن يكون الخسران عليّ والربح له! اذهبوا فاشتروا لي طعام السّواد «٣» على هذا الوجه والشرط. ثم قال: هاهنا واحدة هي لكن دوني، ولا بدّ من الاحتمال لكن إذا لم تحتملوا لي، هذا ما مشيتم معه إلا وأنتم توجبون حقّه وتحبّون رفده، ولو كنت أوجب له مثل الذي توجبون لقد كنت أغنيته عنكم، ولكن لا أعرفه ولا يضرّنني بحقّ؛ فهلمّ فلنتوزّع هذا الخسران بيننا بالسوء؛ فقاموا ولم يعدوا، وأيس التاجر فخرج له من حقّه. قال يزيد بن عمير الأسيّدي لبنيه: يا بنيّ، تعلّموا الردّ فإنه أشدّ من الإعطاء، ولأن يعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف درهم أعظم له في أعينهم من أن يقسمها فيهم، ولأن يقال لأحدكم: بخيل وهو غني خير له من أن يقال: سخيّ وهو فقير.

стр. 1018

وقال إسحاق بن إبراهيم «١» : [كامل] النصر يقرئك السلام وإنّما ... أهدى السلام تعرّضا للمطمع فاقطع لبانته بيأس عاجل ... وأرح فؤادك من تقاضي الأضلع «٢» ذكر ثمامة محمد بن الجهم فقال: لم يطمع أحدا قطّ في ماله إلا ليشغله بالطمع فيه عن غيره، ولا شفع لصديق ولا تكلّم في حاجة متحرّم به، إلا ليلقّن المسؤول حجّة منع، وليفتح على السائل باب حرمان. كتب سهل بن هارون «٣» إلى موسى بن عمران: [كامل] إنّ الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي «٤» فامنعه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء لمخلف الوعد وألن له كنفا ليحسن ظنه ... في غير منفعة ولا رفد حتى إذا طالت شقاوة جدّه ... وعناؤه فاجبهه بالردّ «٥» قيل لحبّي المدينيّة: ما الجرج الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يردّه. قيل لها: فما الذلّ؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له. قيل: فما الشرف؟ قالت: اعتقاذ المنن في رقاب الرجال. قال معن بن زائدة «٦» : ما سألني قطّ أحد حاجة فرددته إلا رأيت الغنى

стр. 1019

في قفاه. روى عليّ بن مسهر عن هشام عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أعلمتم أن الطمع فقر، وأن اليأس غنى، وأن المرء إذا يئس من شيء استغنى عنه. وقال آخر في كلام له: كلّ ممنوع مستغنى عنه بغيره، وكلّ مانع ما عنده ففي الأرض غنى عنه. وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء عند غلائه. وقال بشار: والدرّ يترك من غلائه. قال شريح «١» : من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه عنها رجع حرّا وهما ذليلان: هذا بذلّ البخل، وهذا بذلّ الردّ. وقال بعضهم: من سألك لم يكرم وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن ردّه. وكان رسول الله ﷺ «لا يردّ ذا حاجة إلا بها أو بميسور من القول» . وقال أسماء بن خارجة: ما أحبّ أن أردّ أحدا عن حاجة؛ فإنه لا يخلوا من أن يكون كريما فأصونه، أو لئيما فأصون منه نفسي. وقال أعرابيّ سأل حاجة فردّ عنها: [بسيط] ما يمنع الناس شيئا كنت أطلبه ... إلّا أرى الله يكفي فقد ما منعوا

стр. 1020

أتى رجل الحسن بن عليّ ﵄ يسأله؛ فقال الحسن: إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح أو فقر مدقع أو حمالة مفظعة؛ فقال الرجل: ما جئت إلا في إحداهنّ، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى الرجل الحسين ابن علي ﵄ فسأله، فقال له مثل مقالة أخيه، فردّ عليه كما ردّ على الحسن؛ فقال: كم أعطاك؟ قال مائة دينار، فنقصه دينارا. كره أن يساوي أخاه. ثم أتى الرجل عبد الله بن عمر ﵄ فسأله فأعطاه سبعة دنانير ولم يسأله عن شيء؛ فقال الرجل له: إني أتيت الحسن والحسين، واقتصّ كلامهما عليه وفعلهما به؛ فقال عبد الله: ويحك! وأنّي تجعلني مثلهما! إنهما غرّا العلم غرّا المال «١» . حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جاء شيخ من بني عقيل إلى عمر ابن هبيرة، فمتّ بقرابة وسأله فلم يعطه شيئا؛ فعاد إليه بعد أيام فقال: أنا العقيليّ الذي سألك منذ أيام؛ فقال عمر: وأنا الفزاريّ الذي منعك منذ أيام؛ فقال: معذرة إلى الله! إني سألتك وأنا أظنك يزيد بن هبيرة المحاربيّ؛ فقال: ذاك الأم لك، وأهون بك عليّ، نشأ في قومك مثلي ولم تعلم به، ومات مثل يزيد ولا تعلم به! يا حرسيّ اسفع «٢» بيده. أتى عبد الله بن الزبير أعرابيّ «٣» يسأله، فشكا إليه نقب» ناقته واستحمله «٥» ؛ فقال له ابن الزبير: ارقعها بسبت «٦» واخصفها بهلب «٧» وافعل
следующие страницы →