Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ: تمرنا جرد «١» فطس «٢» يغيب فيه الضّرس، كأن نواه ألسن الطير، تضع التمرة في فيك فتجد حلاوتها في كعبيك.
الأصمعيّ عن أبيه قال: أسر رجل رجلين في الجاهلية فخيّرهما بم بعشّيهما، فاختار أحدهما اللحم واختار الآخر التمر، فعشّيا وألقيا في الفناء وذلك في شتاء شديد، فأصبح صاحب اللحم خامدا وأصبح صاحب التمر تزرّ «٣» عيناه.
وقال غير الأصمعيّ: قيل لأعرابيّ: ما رأيك في أكل الجرّيّ «٤» ؟ قال:
تمرة نرسيانة «٥» غرّاء الطّرف صفراء السائر عليها مثلها زبدا أحبّ إليّ منها، ثم أدركه الورع فقال: وما أحرّمهما.
وقال بعض الأعراب: [طويل]
ألا ليت لي خبزا تسربل رائبا ... وخيلا من البرنيّ فرسانها الزّبد «٦»
قال: ورأى أعرابيّ دقيقا وتمرا فاشترى التمر؛ قيل له: كيف وسعر الدقيق والتمر واحد! قال: إنّ في التمر أدمه «٧» وزيادة حلاوة.
عن زياد النّميريّ قال: قالت عائشة: من أكل التمر وترا «٨» لم يضرّه.
стр. 1087
الأصمعيّ قال: حدّثني شيخ عالم قال: أطيب التمر صيحانيّة «١» مصلّبة.
الأصمعي قال: حدثني رجل من آل حزم قال: كان يقال: من خلا «٢» على التمر فالعجوة، ومن أكله على ثقل فالصّيحاني.
الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ يفضّل الرّطب على العسل: أتجعل عسلة في أخثاء «٣» البقر كعسلة في جوّ السماء لها محارس من جريد «٤» وذوائب «٥» من زمرّد!.
وقال الأصمعيّ: قيل لابن القدّاح: التمر أطيب؟ فدعا بأنواع التمر، فلمّا أكلوا قال: انظروا أيّ النوى أكثر؟ قالوا: نوى الصيحانيّ، قال: هو أطيب.
وقال الأصمعيّ: العرب تقول للبخيل الأكول: أبرما قرونا «٦» أي لا يخرج مع أصحابه شيئا ويأكل تمرتين تمرتين.
وقال النابغة يصف تمرا: [طويل]
صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر
سمع الحسن رجلا يعيب الفالوذج «٧» فقال: فتاب البرّ بلعاب النحل
стр. 1088
بخالص السّمن! ما عاب هذا مسلم. وقال لفرقد السّبخيّ: يا أبا يعقوب، بلغني أنك لا تأكل الفالوذج؛ فقال: يا أبا سعيد، أخاف ألّا أؤدّي شكره؛ فقال: يا لكع «١» ! وهل تؤدّي شكر الماء البارد «٢» في الصيف والحارّ في الشتاء! أما سمعت قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
«٣» .
الأصمعيّ قال: اختصم روميّ وفارسيّ في الطعام، فحكّما بينهما شيخا قد أكل طعام الخلفاء، فقال: أمّا الروميّ فذهب بالحشو والأحشاء، وأما الفارسيّ فذهب بالبارد والحلواء.
وعن الأصمعيّ قال: كنا عند الرشيد فقدّمت إليه فالوذجة، فقال: يا أصمعيّ حدّثنا بحديث مزرّد، فقلت: إنّ مزرّدا أخا الشمّاخ «٤» كان غلاما جشعا وكانت أمّه تؤثر عيالها بالطعام عليه وكان ذلك يحفظه «٥» ، فخرجت أمّه ذات يوم تزور بعض أهلها، فدخل مزرّد الخيمة وعمد إلى صاعي دقيق وصاع من تمر وصاع من سمن فجمعه ثم جعل يأكله وهو يقول: [طويل]
ولمّا غدت أمّي تمير بناتها ... أغرت على العكم الذي كان يمنع «٦»
стр. 1089
لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتربّع «١»
ودبّلت أمثال الأثافي كأنها ... رءوس نقاد قطّعت يوم تجمع «٢»
وقلت لبطني أبشر اليوم إنّه ... حمى أمّنا ممّا تحوز وترفع
فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع «٣»
فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، ثم قال: كلوا باسم الله، هذا يوم تشبع (يا أصمعىّ) «٤» .
قال: وكتب الحجاج إلى عامله بفارس: ابعث إليّ عسلا من عسل خلّار «٥» ، من النّحل الأبكار، من الدّستفشار «٦» ، الذي لم تمسّه النار.
وقال الأصمعيّ: كتب بعض الخلفاء إلى عامله بالطائف: أن أرسل إليّ بعسل أخضر في سقاء، أبيض في الإناء، من عسل النّدغ «٧» والسّحاء «٨» ، من حداب بني شبابة «٩» .
والعرب تصف العسل بالبرودة.
وفي حديث ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ سئل عن أفضل الشراب قال:
«الحلواء البارد يعني العسل» . وقال الأعشى: [هزج]
كما شيب بماء با ... رد من عسل النحل «١٠»
стр. 1090
ويقال: أجود العسل الذهبيّ الذي قطرت منه قطرة على وجه الأرض أستدار كما يستدير الزئبق ولم ينفش ولم يختلط بالأرض والتراب.
والروم تقول: أجوده ما يلطخ على فتيلة ثم تشعل فيه النار فيعلق.
وسئل ديمقراطيس العالم عما يزيد في العمر فقال: من أدام أكل العسل ودهن جسمه به زاد الله بذلك في عمره.
والعسل إن جعل فيه اللحم الطريّ بقي كهيئته حتى لا ينتن. ويقال:
من كان به داء قديم فليأخذ درهما حلالا وليشتر به عسلا ثم يشربه بماء سواء فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. وكان الحسن يعجبه إذا استمشى «١» الرجل أن يشرب اللبن والعسل.
ويزعم أصحاب الطبائع أن العسل إذا ديف «٢» بالماء وخلط معه زيت أو دهن سمسم نافع لمن شرب السّموم والأدوية القاتلة يتقيّأ به.
ميمون بن مهران عن ابن عبّاس قال- ولا أعلمه إلّا عن النبيّ ﷺ أنه قال: «أكرموا الخبز فإنّ الله سخّر له السموات والأرض» .
الأصمعيّ قال: كانت امرأة من بكر بن وائل تنزل الطّفاوة «٣» وكانت قد أدركت بعض أصحاب النبيّ ﷺ ، وكان العبّاد يغشونها في منزلها؛ فعاب عائب عندها السّويق، فقالت: لا تفعل! إنه طعام المسافر، وطعام العجلان «٤» ، وغذاء المبكّر، وبلغة المريض «٥» ، ويشدّ فؤاد الحزين، ويردّ من
стр. 1091
نفس الضّعيف؛ وهو جيّد في التّسمين ونقاوة البلغم، ومسمونه «١» يصفّي الدم، إن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا، وإن شئت كان خبزا.
وكان غسّان بن عبد الحميد كاتب سليمان بن عليّ يقول لجاريته:
خوّضي «٢» لنا سيوقا فأخثريه «٣» ، فإنّ الرجل لا يستحي أن يزداد ماء فيرقّقه، ويستحي أن يزداد سويقا فيخثره به.
مرّ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بعبد الحميد بن علّي وهو في مزرعته وقد عطش، فاستسقاه فخاض له سويق لوز فسقاه إياه؛ فقال عبد الله: [وافر]
شربت طبرزذا «٤» بغريض مزن ... ولكنّ الملاح بكم عذاب
وما هو بالطّبرزذ طاب لكن ... بمسّك إنّه طاب الشراب
وأنت إذا وطئت تراب أرض ... يطيب إذا مشيت به التراب
لأن نداك ينفي المحل عنها ... وتحييها أياديك الرّطاب
وقال الحسن: لا تسقوا نساءكم السّويق، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فاحفظوهنّ.
وقال الرّقاشيّ: السّمنة للنّساء غلمة «٥» وهي للرجال غفلة.
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تردّ: اللّبن والسّواك «٦» .
стр. 1092
والدّهن» .
الرّياشيّ قال: سمعت أبا يزيد يقول: رأيت رجلا كأنّ أسنانه الذّهب لشربه اللّبن حارا.
الأصمعيّ عن ذي الرّمّة أنه قال: إذا قلت للرّجل: أيّ اللّبن أطيب؟
فإن قال: قارص «١» ، فقل: عبد من أنت «٢» ؟ وإن قال: الحليب، فقل: ابن من أنت؟.
مرّ رجل من قريش بامرأة من العرب في بادية، فقال: هل من لبن يباع؟ فقالت: إنك لئيم أو قريب عهد بقوم لئام وكان يقال: اللبن أحد اللّحمين.
وقال بعض المدنيين: من تصبّح «٣» بسبع موزات وبقدح من لبن إبل أوارك «٤» تجشّأ «٥» بخور الكعبة.
وقف معاوية على امرأة فقال: هل من قرى؟ فقالت: نعم، قال: وما هو؟ قالت: خبز خمير ولبن فطير «٦» وماء نمير «٧» ، والعرب تقول: إنّ الرّثيئة تفثأ الغضب. والرّثيئة: اللبن الحامض يحلب عليه الحليب، وهو أطيب اللبن.
قال بعض الأعراب:
وإذا خشيت على الفؤاد لجاجة ... فاضرب عليه بجرعة من رائب
стр. 1093
وعن مطر الورّاق: أنّ نبيّا من الأنبياء شكا إلى الله تعالى الضعف، فأوحى الله إليه: أن اطبخ اللبن باللحم، فإنّ القوّة فيهما.
وصف أعرابيّ خصب البادية فقال: كنت أشرب رثيئة «١» تجرّها الشّفتان جرّا، وقارصا إذا تجشّأت جدع أنفي، ورأيت الكمأة «٢» تدوسها الإبل بمناسمها، وخلاصة «٣» يشمّها الكلب فيعطس.
وتقول الأطّباء: إنّ اللبن إذا سخّن بالنار وسيط «٤» بعدود من عيدان شجر التّين راب من ساعته. وقالوا: وإن أراد صاحبه ألّا يروب وإن كان فيه روبة جعل فيه شيئا من الحبق، وهو الفوذنج «٥» النهريّ، فإنه يبقى كهيئته.
أخبار من أخبار العرب في مآكلهم ومشاربهم
المعلّى الرّبعيّ قال: مكثت ثلاثا لا أذوق طعاما ولا أشرب فيهنّ شرابا فدعوت الله تعالى، وإذا دعا العبد الله بقلب صادق كانت معه من الله عين بصيرة، فدفعت إلى ذئبين في جفر «٦» ، فرميتهما فقتلتهما، ثم أتيت جفرا فيه ماء فاستقيت، ثم أتيتهما وإذا هما على مهيد يتيهما «٧» ، وإذا لهما نخفة- يعني شبه الزّفير- فاشتويت واحتذيت «٨» وادّهنت.
стр. 1094
قال ابن قرفة (شيخ من سليم) : أضافني رجل من الأعراب فجاءني بقدر جماع «١» ضخمة ليس فيها شيء من طعام إلا قطع لحم، فإذا بضعة «٢» تنماتّ «٣» في فمي، وبضعة كأنّها بضع ساق، وبضعة كأنها شحم زخم «٤» ؛ فقلت: ما هذا؟ فقال: إني رجل صيّاد، جمعت بين ذئب وظبي وضبع.
قال مدنيّ لأعرابيّ: ما تأكلون وما تدعون؟ قال: نأكل ما دبّ ودرج إلا أمّ حبين؛ فقال المدنيّ: ليهنىء أمّ حبين «٥» العافية.
قعد على مائدة الفضل بن يحيى «٦» رجل من بني هلال بن عامر، فذكروا الضّبّ ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمّه وتابعه القوم، فغاظ الهلاليّ ما سمع منهم، ولم يكن على المائدة عربيّ غيره، ثم لم يلبث أن أتي الفضل بصحفة فيها فراخ الزّنابير، فلم يشكّ الأعرابيّ أنها ذبّان البيوت، فقال حين خرج: [طويل]
وعلج يعاف الضبّ لؤما وبطنة ... وبعض إدام العلج هام ذباب «٧»
ولو أنّ ملكا في الملا ناك أمّه ... لقالوا لقد أوتيت فصل خطاب
وقال أبو الهندي «٨» (رجل من العرب] : [متقارب]
стр. 1095
أكلت الضّباب فما عفتها ... وإنّي لاشهى قديد الغنم «١»
ولحم الخروف حنيذا وقد ... أتيت به فاترا في الشّبم «٢»
فأمّا البهطّ وحيتانكم ... فما زلت منها كثير السّقم «٣»
وقد نلت منها كما نلتم ... فلم أر فيها كضبّ هرم
ولا في البيوض كبيض الدّجاج ... وبيض الدجاج شفاء القرم «٤»
ومكن الضّباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم «٥»
وقال بعض الأعراب: [سريع]
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضّبّ يعدو بالواد «٦»
ونزل رجل من العرب برجل من الأعراب فقدّم إليه جرادا؛ فقال:
لحى الله بيتا ضمّني بعد هجعة ... إليه دجوجيّ من الليل مظلم «٧»
فأبصرت شيخا قاعدا بفنائه ... هو العنز إلّا أنه يتكلّم
أتانا ببرقان الدّبى في إنائه ... ولم يك برقان الدّبى لي مطعم «٨»
فقلت له غيّب إناءك واعتزل ... فهل ذاق هذا، لا أبالك، مسلم
وقال بعض العباسيين: [خفيف]
стр. 1096
ليت شعري متى تخبّ بي النا ... قة نحو العذيب فالصّنين «١»
محقبا زكرة وخبز رقاق ... وجبينا وقطعة من نون «٢»
وقال بعض الأعراب: [طويل]
أقول له يوما وقد راح صحبتي ... ترى أبتغي من صيده وأخاتله «٣»
فلما التقت كفّي على فضل ذيله ... وشالت شمالي زايل الضّبّ باطله «٤»
فأصبح محنوذا نضيجا وأصبحت ... تمشّى على القيزان حولا حلائله «٥»
شديد اصفرار الكشيتين كأنما ... تطلّى بورس بطنه وشواكله «٦»
فذلك أشهى عندنا من نتاجكم ... لحى الله شاريه وقبّح آكله «٧»
وبنو أسد تعيّر بأكل الكلاب؛ قال الفرزدق: [طويل]
إذا أسديّ جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله
وتعيّر أيضا بأكل لحوم الناس، كما قال الشاعر «٨» : [وافر]
إذا ما ضفت ليلا فقعسيّا ... فلا تأكل له أبدا طعاما
فإنّ اللحم إنسان فدعه ... وخير الزاد ما منع الحراما
стр. 1097
قال رجل: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار، فسألت عنهم فقالوا:
صادوا حيّات فهم يشتوونها ويأكلونها، فأتيتهم فرأيت رجلا منهم قد أخرج حيّة من الجمر ليأكلها فامتنعت عليه، فجعل يمدّها كما يمدّ عصيب «١» لم ينضج، فما صرفت بصري عنه حتّى لبج «٢» به فمات، فسألت عن شأنه فقيل لي:
عجل عليها قبل أن تنضج وتعمل في سمّها النار.
قال رجل من الأعراب لولده: اشتروا لي لحما، فاشتروه فطبخه حتى تهرّى «٣» ، وأكل منه حتى انتهت نفسه، وشرعت إليه عيون ولده فقال: ما أنا بمطعمه أحدا منكم إلا من أحسن وصف أكله: فقال الأكبر منهم: آكله يا أبت حتى لا أدع لذرّة فيه مقيلا؛ قال: لست بصاحبه. فقال الآخر: آكله حتى لا يدرى ألعامه هو أم لعام أوّل؛ قال: لست بصاحبه. فقال الأصغر: أدقّه يا أبت دقا وأجعل إدامه المخّ؛ قال: أنت صاحبه، هو لك.
بينا أعرابيّ يسير وهو يوضع «٤» بعيره إذ سقط بعيره فنحره وأكله، فأنشأ يقول: [رجز]
إنّ السّعيد من يموت جمله ... يشبع لحما ويقلّ عمله
ومرّ رجل من سلول بفتيان يشربون فشرب معهم؛ فلما أخذ منه الشراب قام إلى بعيره فنحره، وقال: [رمل]
علّلاني إنّما الدّنيا علل ... ودعاني من ملام وعذل
وانشلا ما اغبرّ من قدريكما ... واسقياني أبعد الله الجمل «٥»
стр. 1098
آداب الأكل والطعام
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الأكل في السّوق دناءة» . وعن عبد الرحمن بن عراك قال: بلغني أنه من غسل يده قبل الطعام كان في سبعة من الرّزق حتى يموت.
عن الحسن أنه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللّمم «١» .
وعنه قال: قيل لسمرة بن جندب: إنّ أباك أكل طعاما كاد يقتله؛ قال:
لو مات ما صلّيت عليه.
وعن شرحبيل بن مسلم قال: قال أبو الدّرداء: بئس العون على الدّين قلب نخيب «٢» ، وبطن رغيب «٣» ، ونعظ شديد «٤» .
أكل الجارود «٥» مع عمر طعاما، ثم قال: يا جارية هات الدّستورد «٦» ؛ فقال عمر: امسح باستك أو ذر «٧» .
قال جعفر: كنّا نأتي فرقدا السّبخيّ ونحن شببة «٨» فيعلّمنا: إنّ من
стр. 1099
ورائكم زمانا شديا، فشدّوا الأزر «١» على أنصاف البطون، وصغّروا اللّقم، وشدّدوا المضغ، ومصّوا الماء مصّا. وإذا أكل أحدكم فلا يحلّنّ إزاره فتتّسع أمعاؤه. وإذا جلس أحدكم ليأكل فليقعد على أليتيه، وليلزق بطنه بفخذيه، وإذا فرغ فلا يقعد وليجىء وليذهب؛ واحتموا «٢» فإنّ من ورائكم زمانا شديدا.
وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : «ساقي القوم آخرهم شربا» .
وعن الجارود بن أبي سبرة قال: قال لي بلال بن أبي بردة: أتحضر طعام هذا الشيخ- يعني عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر-؛ فقلت: إيها «٣» والله؛ فقال: حدّثني عنه. فقلت: نأتيه وكان سكّيتا «٤» ، إن حدّثنا أحسن الحديث، وإن حدّثناه أحسن الاستماع، فإذا حضر الغداء جاء خبّازه فمثل بين يديه؛ فيقول: ما عندك؟ فيقول: بطّة بكذا، ودجاجة بكذا وكذا. قال: وما يريد بذاك؟ قلت: كي يحبس «٥» كلّ إنسان نفسه إلى ما يشتهي، فإذا وضع الخوان «٦» خوّى «٧» تخوية الظليم «٨» فما له إلا موضع متّكئه فيجدّ ويهزل، حتى إذا رآهم قد فتروا وكلّوا «٩» أكل معهم أكل الجائع المقرور «١٠» حتى ينشّطهم بأكله.
стр. 1100
وكان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع كمل: أن يكون حلالا، وأن تكثر عليه الأيدي، وأن يفتتح باسم الله، ويختتم بحمد الله.
وكان يقال: سمّوا إذا أكلتم ودنّوا وسمّتوا «١» .
قال أپرويز لصاحبي طعامه وشرابه: إني سلّطتكما على المعشية، وأشركتكما في الحياة، وجعلتكما أمينين على نفسي، وولّيتكما من طعامي وشرابي ما التوسعة فيه مروءة والتضييق فيه دناءة؛ فاجعلاه في فضله على ما سواه كفضلي على من سواي، وفي كثرته ككثرة من معي على من مع غيري. ولا يشهدنّ طعامي الذي آكل عين تراه ولا نفس تحسّه ولا يد تداوله خلا نفسا واحدة؛ وإنما أفردته بذلك لتستحكم الحجّة فيه على من أضاع، وتنقطع الشبهة فيه عمن غفل، ولأجعل صاحب ذاك رهنا بدم نفسه إن هو قصّر في صنعه أو أوقع بغائلة «٢» .
الأصمعيّ قال حدّثني ابراهيم بن صالح: أنه كان له جام «٣» من حبّ رمّان مدقوق يسفّ منه بين كل لونين ملعقة حتى يعرف اختلاف الألوان.
وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر من كتبه قال: كان أبو عبد الرحمن الثّوريّ يقعد ابنه معه على خوانه يوم الرأس، ثم يقول: إياك ونهم الصبيان وأخلاق النوائح، ودع «٤» عنك خبط الملّاحين والفعلة، ونهش الأعراب والمهنة، وكل من بين يديك؛ فإنّ حظّك الذي وقع وصار إليك. واعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف أو لقمة كريمة أو بضعة شهيّة «٥» ، فإنما ذلك للشيخ
стр. 1101
المعظّم والصبيّ المدلّل، ولست واحدا منهما. وأنت قد تأتي الدعوات، وتجيب الولائم، وتدخل منازل الإخوان، وعهدك باللحم قريب، وإخوانك أشدّ قرما «١» إليه منك، وإنما هو رأس واحد فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضا. وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم؛ فإن الله يبغض أهل البيت اللّحمين «٢» .
وكان يقال: مدمن اللحم كمدمن الخمر.
ورأى رجل رجلا يأكل لحما، فقال: لحم يأكل لحما، أفّ لهذا عملا!.
وكان عمر يقول: إيّاكم وهذه المجازر، فإنّ لها ضرواة كضراوة الخمر «٣» .
يا بنيّ عوّد نفسك الأثرة «٤» ومجاهدة الهوى والشهوة، ولا تنهش نهش السّباع، ولا تخضم خضم البراذين «٥» ، ولا تدمن الأكل إدمان النّعاج، ولا تلقم لقم الجمال؛ فإن الله تعالى جعلك إنسانا وفضّلك، فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعا. واحذر سرعة الكظّة وسرف البطنة «٦» .
قال بعض الحكماء: إذا كنت بطينا فعدّ نفسك من الزّمني «٧» . وقال الأعشى: [خفيف]
стр. 1102
والبطنة ممّا تسفّه الأحلاما «١»
واعلم أنّ الشّبع داعية البشم «٢» ، وأنّ البشم داعية السّقم، وأنّ السقم داعية الموت، فمن مات بهذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة، وهو مع هذا قاتل نفسه، وقاتل نفسه الأم من قاتل غيره.
يا بنيّ، والله ما أدّى حقّ الركوع والسجود ذو كظّة، ولا خشع لله ذو بطنة، والصوم مصحّة، والوجبات «٣» عيش الصالحين.
أي بنيّ، لأمر مّا طالت أعمار الهند، وصحّت أبدان الأعراب. فلله درّ الحارث ابن كلدة «٤» حيث يزعم أنّ الدواء هو الأزم «٥» ، وأنّ الداء إدخال الطعام إثر الطعام.
أي بنيّ، لم صفت أذهان الأعراب، وصحّت أبدان الرّهبان، مع طول الإقامة في الصوامع حتى لم تعرف النّقرس «٦» ولا وجع المفاصل ولا الأورام، إلّا لقلّة الرّزء «٧» وخفّة الزاد. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحّة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح المعي»
وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة!.
стр. 1103
أي بنيّ، لم صار الضبّ أطول شيء ذماء «١» إلّا لأنّه يتبلّغ بالنسيم؛ ولما قال الرسول ﷺ «إنّ الصوم وجاء» «٢» إلّا ليجعله حجازا «٣» دون الشهوات. افهم تأديب الله، فإنه لم يقصد به إلّا إلى مثلك.
أي بني، قد بلغت تسعين عاما نغض «٤» لي سنّ، ولا انتشر «٥» لي عصب ولا عرفت ذنين أنف «٦» ، ولا سيلان عين، ولا سلس «٧» بول؛ ما لذلك علّة إلّا التخفيف من الزاد. فإن كنت تحبّ الحياة فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تريد الموت فار يبعد الله إلّا من ظلم نفسه.
وقال أبو نهشل «٨» : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة «٩» ، في ذراع كأنه جمّارة «١٠» ، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة. إلّا خصّصتني بها، فزوّجتها وصرت أجلس معي على المائدة ابنا لي فيبرز كفّا كأنها كرنافة «١١» ، في ذراع كأنه كربة «١٢» ، فو الله ما إن تسبق عيني إلى لقمة طيّبة إلّا سبقت يده إليها.
وقال بعضهم: غلبت بطنتي فطنتي.
стр. 1104
قال عمرو بن العاص لمعاوية يوم تحكّم الحكمان: أكثروا الطعام، فو الله ما بطن «١» قوم قطّ إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا.
وكان يقال: أقلل طعاما تحمد مناما.
الأصمعيّ قال: كان يقال: ليس لشبعة خير من جوعة تحفزها «٢» .
دعا عبد الملك بن مروان إلى الغداء رجلا فقال: ما فيّ فضل؛ فقال عبد الملك: ما أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يبقى فيه فضل! فقال: يا أمير المؤمنين، عندي مستزاد، ولكن أكره أن أصير إلى الحال التي استقبحها أمير المؤمنين.
وقال لشيخ: ما أحسن أكلك؟ قال: عملي منذ ستين سنة.
وقال الحسن: إنّ ابن آدم أسير الجوع، صريع الشبع.
وسأل عبد الملك أبا الزعيرة فقال: هل اتّخمت قطّ؟ قال لا؛ قال:
وكيف ذاك؟ قال: لأنا إذا طبخنا أنضجنا، وإذا مضغنا دقّقنا، ولا نكظّ «٣» المعدة ولا نخليها.
وقال الأحنف: جنّبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه، وإنّ من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه.
стр. 1105
الأصمعيّ قال: بلغني أنّ أقواما لبسوا المطارف «١» العتاق، والعمائم الرّقاق؛ وأوسعوا دورهم، وضيقّوا قبورهم؛ وأسمنوا دوابّهم، وهزّلوا دينهم؛ طعام أحدهم غصب، وخادمه سخرة، يتّكىء على شماله، ويأكل من غير ماله؛ حتى إذا أدركته الكظّة قال: يا جارية هاتي حاطوما «٢» ؛ ويلك! وهل تحطم إلا دينك! أين مساكينك! أين يتاماك! أين ما أمرك الله به! أين أين!.
قال بعض الحكماء: مدار صلاح الأمور في أربع: الطعام لا يؤكل إلّا على شهوة، والمرأة لا تنظر إلا إلى زوجها، والملك لا يصلحه إلا الطاعة، والرعيّة لا يصلحها إلا العدل.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ : «من أكل من سقط المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده وولد ولده من الحمق» .
وقيل لأعرابيّ: أتحسن أن تأكل الرأى؟ قال: نعم، أبخص عينيه «٣» ، وأسحي «٤» ، خدّيه، وأفكّ لحييه، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج منّي إليه.
وكانوا يكرهون أكل الدماغ؛ ولذلك يقول قائلهم: أنا من قبيلة تبقى المخّ في الجماجم.
دعبل قال: يا بنيّ، لا تأكل ألية الشاة لأنها طبق الاست وقريب من الجواعر «٥» .
قال بعض الشعراء: [طويل]
إذا لم أرى إلّا لآكل أكلة ... فلا رفعت يمنى يديّ طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام «٦»
стр. 1106
عبد الملك بن عمير عن عمه عن الأصمعيّ قال: لا تخرج يا بنيّ من منزلك حتى تأخذ حلمك «١» . يعني حتى تتغذّى. وقال هلال بن جشم «٢» : [طويل]
وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
وقرأت في الآيين «٣» : أن رجلا من خدم دار المملكة أوصى ابنه فقال:
إذا أكلت فضمّ شفتيك، ولا تتلفّتنّ يمينا وشمالا. ولا تتّخذنّ خلالك قصبا «٤» .
ولا تلقمنّ بسكين أبدا، وإذا كان في يدك سكّين وأردت التقاما فضعها على مائدتك ثم التقم. ولا تجلس فوق من هو أسنّ منك وأرفع منزلة. ولا تتخلّل بعود آس «٥» . ولا تمسح بثياب بدنك. ولا ترق ماء وأنت قائم. ولا تحفر أرضا بأظفارك. ولا تجلس على حائط أو باب أو تكتب عليهما فتلعن، ولا تسترح على أسكفّة «٦» فتجهّل، ولا تستنج بمدر «٧» فيورثك البواسير، ولا تمتخط حيث يسمع امتخاطك، ولا تبصق في الأماكن المنظّفة.
وأجلس معاوية على مائدته رجلا يؤاكله، فأبصر في لقمته شعرة، فقال:
خذ الشعرة من لقمتك؛ فقال له الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر الشعرة في لقمتي! والله لا أكلت معك أبدا ثم خرج الأعرابيّ وهو يقول:
[طويل]
стр. 1107
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وكان سعيد بن جبير إذا فرغ من طعامه قال: اللهمّ أشبعت وأرويت فهنئنا، وأكثرت وأطبت فزدنا.
الجوع والصوم
قيل لبعض الحكماء: أيّ الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم.
وكان يقال: نعم الإدام الجوع، ما ألقيت إليه قبله.
قال لقمان لابنه: يا بنيّ، كل أطيب الطعام، ونم على أوطأ «١» الفراش.
يقول: أكثر الصيام، وأطل بالليل القيام.
اشتاق أعرابيّ بالبصرة إلى البادية فقال: [بسيط]
أقول بالمصر لمّا ساءني شبعي ... ألا سبيل إلى أرض بها جوع
ألا سبيل إلى أرض بها عرس ... جوع يصدّع منه الرأس برقوع «٢»
وقال آخر: [بسيط]
وعادة الجوع فاعلم عصمة وغنى ... وقد يزيدك جوعا عادة الشّبع
العتبيّ قال: قلت لرجل من أهل البادية: يا أخي، إني لأعجب من أن فقهاءكم أظرف من فقهائنا، وعوامّكم أظرف من عوامّنا، ومجانينكم أظرف من مجانيننا، قال: وما تدري لم ذاك؟ قلت لا؛ قال: من الجوع؛ ألا ترى أن العود إنما صفا صوته لخلوّ جوفه!.
стр. 1108
وقيل لبعض حكماء الرّوم: أيّ وقت الطعام فيه أطيب وأفضل؟ قال:
أمّا لمن قدر فإذا جاع، وأمّا لمن لم يقدر فإذا وجد.
ونظر أعرابيّ إلى قوم يلتمسون هلال شهر رمضان، فقال: أما والله لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابي عيش أغبر «١» .
وقيل لآخر: ألا تصوم البيض من شعبان! فقال: بين يديها ثلاثون كأنها القباطيّ» .
وقيل لمدني: بم تتسحّر الليلة؟ فقال: باليأس من فطور القابلة.
الرّياشيّ قال: قيل لأعرابيّ: اشرب، فقال: إنى لا أشرب على ثميلة «٣» . وقال: [طويل]
إذا لم يكن قبل النبيذ ثريدة ... مبقّلة صفراء شحم جميعها «٤»
فإنّ نبيذ الصّرف إن كان وحده ... على غير شيء أوجع الكبد جوعها «٥»
قدم أعرابيّ على ابن عمّ له بالحضر، فأدركه شهر رمضان؛ فقيل له:
أبا عمرو لقد أتاك شهر رمضان؛ قال: وما شهر رمضان؟ قالوا: الإمساك عن الطعام؛ قال: أبالليل أم بالنهار؟ قالوا: لا، بل بالنهار؛ قال: أفيرضون بدلا من الشهر؟ قالوا: لا؛ قال: فإن لم أصم فعلوا ماذا؟ قالوا: تضرب وتحبس؛ فصام أياما فلم يصبر، فارتحل عنهم وجعل يقول: [طويل]
يقول بنو عمّي وقد زرت مصرهم ... تهيّأ أبا عمرو لشهر صيام
فقلت لهم هاتوا جرابي ومزودي ... سلام عليكم فاذهبوا بسلام «٦»
стр. 1109
فبادرت أرضا ليس فيها مسيطر ... عليّ ولا منّاع أكل طعام
وأدرك أعرابيّا شهر رمضان فلم يصم؛ فعذلته «١» امرأته في الصوم، فزجرها وأنشأ يقول: [طويل]
أتأمرني بالصّوم لا درّ درّها ... وفي القبر صوم يا أميم طويل
دعا عبد الله بن الزبير الحسين فحضر وأصحابه، فأكلوا ولم يأكل؛ فقيل له: ألا تأكل! فقال: إنّي صائم، ولكن تحفة الصائم «٢» ؛ قيل: وما هي؟ قال:
الدّهن والمجمر «٣» .
أخبار من أخبار الأكلة
الأصمعيّ قال: قال رجل: أحبّ أن أرزق ضرسا طحونا، ومعدة هضوما، وسرما نثورا «٤» .
عن إسحاق بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: رأيت عمر يلقى إليه الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه «٥» .
وقال بعض الشعراء: [بسيط]
همّ الكريم كريم الفعل يفعله ... وهمّ سعد بما يلقي إلى المعده
وقيل لرجل رئي سمينا: ما أسمنك؟ قال: أكلي الحارّ، وشربي القارّ «٦» ، واتكائي على شمالي، وأكلي من غير مالي.
стр. 1110
وقيل لآخر: ما أسمنك؟ قال: قلّة الفكرة، وطول الدّعة «١» ، والنّوم على الكظّة «٢» .
قال الحجّاج للغضبان بن القبعثري في حبسه: ما أسمنك؟ قال: القيد والدّعة «٣» ، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
وقال آخر لرجل رآه سمينا: أرى عليك قطيفة «٤» من نسج أضراسك.
وقيل لآخر: إنك لحسن الشّحمة ليّن البشرة؛ فقال: آكل لباب البرّ بصغار المعز، وأدّهن بدهن البنفسج، وألبس الكتّان.
قيل لميسرة الأكول وأنا أسمع: كم تأكل في كلّ يوم؟ قال: من مالي أو من مال غيري؟ قالوا: من مالك؛ قال: دونان «٥» ؛ قالوا: فمن مال غيرك؟
قال: اخبز واطرح.
والعرب تقول: «العاشية تهيج الآبية» «٦» . يريدون أنّ الذي لا يشتهي أن يأكل، إذا نظر إلى من يأكل هاجه ذلك على الأكل.
قال جرير: [كامل]
وبنو الهجيم سخيفة أحلامهم ... ثطّ اللّحى متشابهوا الألوان «٧»
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان
стр. 1111
متأبّطين بنيهم وبناتهم ... صعر الأنوف لريح كل دخان «١»
قعد رجل على مائدة المغيرة، وكان منهوما، وجعل ينهش ويتعرّق؛ فقال المغيرة: ناولوه سكّينا؛ فقال الرجل: كلّ امرىء سكّينه في رأسه وقيل لأعرابيّ: ما لكم تأكلون اللحم وتدعون الثريد؟ فقال: لأن اللحم ظاعن «٢» والثريد باق.
وقيل لآخر: ما تسمّون المرق؟ قال: السّخين؛ قال: فإذا برد؟ قال: لا ندعه يبرد.
قال أبو اليقظان «٣» : كان هلال بن أسعر التّميميّ، من بني دارم بن مازن، شديدا أكولا؛ يزعمون أنه أكل جملا إلا ما حمل على ظهره منه. وأكل مرّة فصيلا «٤» ، وأكلت امرأته فصيلا، فلما ضاجعها لم يصل إليها؛ فقالت:
كيف تصل إليّ وبيننا بعيران!.
الأصمعيّ قال: دعا عبّاد بن أخضر هلال بن أسعر إلى وليمة، فأكل مع الناس حتى فرغوا، ثم أكل ثلاث جفان تصنع كلّ جفنة لعشرة أنفس؛ فقال له: شبعت؟ قال لا؛ فأتوه بكل خبز في البيت فلم يشبع، فبعثوا إلى الجيران؛ فلمّا اختلفت ألوان الخبز علم أنه قد أضرّ بهم فأمسك؛ فقالوا: هل لك في تمر شهريز «٥» بلبن؟ فأتوه به فأكل منه قواصر «٦» ؛ فقالوا له: أشبعت؟ قال: لا؛
стр. 1112
قالوا: فهل لك في السّويق؟ قال: نعم؛ فأتوه بجراب ضخّم مملوء؛ فقال:
هل عندكم نبيذ؟ قالوا: نعم؛ قال: أعندكم تور «١» تغتسلون فيه من الجنابة؟
فأتي به فغسله وصبّ السّويق وصبّ عليه النبيذ، فما زال يفعل ذلك حتى فني.
الشّمردلّ وكيل آل عمرو بن العاص قال: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف وقد عرفت شجاعته، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز وأيوب ابنه بستانا لعمرو؛ قال: فجال في البستان ساعة ثم قال: ناهيك بمالكم هذا مالا لولا جرار فيه! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنها ليست بجرار ولكنها جرب الزّبيب؛ فجاء حتى ألقى صدره على غصن، ثم قال: ويلك يا شمردل! أما عندك شيء تطعمني؟ قلت: بلى والله! إن عندي لجديا تغدو عليه بقرة وتروح أخرى؛ قال: اعجل به؛ فأتيته به كأنه عكّة «٢» ، وتشمّر فأكل ولم يدع ابنه ولا عمر حتى أبقى فخذا. فقال: يا أبا حفص هلمّ؛ قال: إنّي صائم؛ ثم قال: ويلك يا شمردل! أما عندك شيء؟ فقلت: بلى والله! دجاجات ست كأنهنّ رئلان «٣» النّعام، فأتيته بهنّ، فكان يأخذ رجل الدجاجة حتى يعري عظمها ثم يلقيها بفيه «٤» حتى أتى عليهنّ. ثم قال: ويلك! أما عندك شيء؟ فقلت: بلى والله! إن عندي لحريرة كقراضة الذّهب «٥» ، فقال: اعجل بها؛ فأتيته بعسّ «٦» يغيب فيه الرأس، فجعل يتلقّمها «٧» بيده ويشرب، فلما فرغ تجشّأ كأنه صاح في
стр. 1113
جبّ «١» ؛ ثم قال: يا غلام، أفرغت من غدائنا؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال:
نيّف وثمانون قدرا؛ قال: فأتني بها قدرا قدرا؛ فأتاه بها وبقناع»
عليه رقاق؛ فأكثر ما أكل من قدر ثلاث لقم وأقلّ ما أكل لقمة، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، وأذن للناس ووضعت الخوانات فجعل يأكل مع الناس.
الخطّابيّ عن الدّيرانيّ أنه قال: إني لأعرف الطعام الذي يأكله سليمان؛ قال: لما استخلف سليمان «٣» قال لي: تقطع عنّي ألطافك التي كنت تلطفني بها قبل أن أستخلف؛ فأتيته بزنبيلين أحدهما بيض والآخرتين؛ فقال:
لقّمنيه، فجعلت أقشر البيضة وأقرنها بالتينة حتى أكل الزّنبيلين.
العننيّ عن أبيه قال: كان عبيد الله بن زياد يأكل كلّ يوم أربع جرادق أصبهانية «٤» وجبنا قبل غدائه.
وعن سلّم بن قتيبة قال: عددت للحجاج أربعا وثمانين لقمة في كلّ لقمة رغيف من خبز «٥» الماء فيه ملء كفّه سمك طريّ.
وكان لعبد الرحمن بن أبي بكرة ابن أكول؛ فقال له معاوية «٦» : ما فعل ابنك التّلقامة؟ قال «٧» : اعتلّ؛ قال: مثله لا يعدم علّة.
стр. 1114
أكل أبو الأسود الدؤليّ وأقعد معه أعرابيا فرأى له لقما منكرا؛ فقال له.
ما اسمك؟ قال: لقمان؛ قال: صدق أهلك، إنك لقمان.
ولد لابن أبي ليلى غلام فعمل الأخبصة للجيران، فلما أكلوا قام مساور الورّاق «١» فقال: [كامل]
من لا يدسّم بالثريد سبالنا ... بعد الثّريد فلا هناه الفارس «٢»
وقال العجيف «٣» في أمّه: [بسيط]
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها ... إمّا إلى جنّة إمّا إلى نار «٤»
ليست بشبعى وإن أسكنتها هجرا ... ولا بريّا ولو حلّت بذي قار «٥»
تلهّم الوسق مشدودا أشظّته ... كأنّما وجهها قد طلي بالقار «٦»
خرقاء في الخير لا تهدى لوجهته ... وهي صناع الأذى في الأهل والجار «٧»
رأى أبو الحارث جمّيز سلّة بين يدي رجل من الملوك، فقال له:
جعلت فداك، أيّ شيء في تلك السّلّة؟ فقال: بظر أمّك، قال: فأعضّني «٨» به.
стр. 1115
قيل للحارثيّ: لم لا تؤاكل الناس؟ فقال: لو لم أترك مؤاكلتهم إلا لنزوعي عن الأسواريّ لتركتها، ما ظنّكم برجل نهش بضعة لحم بقر فانقلع ضرسه وهو لا يدري. وكان إذا أكل ذهب عقله وجحظت «١» عيناه وسكر وسدر «٢» وتربّد «٣» وجهه وغضب ولم يسمع ولم يبصر، فلما رأيته وما يعتريه ويعتري الطعام منه صرت لا آذن له إلا ونحن نأكل الجوز والتمر والباقلّى «٤» ؛ ولم يفجأني قطّ وأنا آكل تمرا إلا استفّه «٥» سفّا وزدا «٦» به زودا، ولا وجده كنيزا «٧» إلا وتناول القطعة منه كجمجمة الثّور كدمها «٨» كدما، ونهشها طولا وعرضا، ورفعا وخفضا، حتى يأتي عليها؛ ثم لا يقع عضّه إلا على الأنصاف والأثلاث؛ ولا رمى بنوان قطّ، ولا نزع قمعا «٩» ، ولا نفى عنه قشرا، ولا فتّشه مخافة السوس والدود.
وقال بعض الشعراء: [وافر]
تبيت تدهده القرّان حولي ... كأنّك عند رأسي عقربان «١٠»
فلو أطعمتني حملا سمينا ... شكرتك والطعام له مكان
وقال بعض الأعراب: [طويل]
وإنّ طعاما ضمّ كفّي وكفّها ... لعمرك عندي في الحياة مبارك
стр. 1116
فمن أجلها أستوعب الزاد كلّه ... ومن أجلها أهوي يدي فأدارك
وقال آخر: [متقارب]
عريض البطان جديد الخوان ... قريب المراث من المرتع «١»
فنصف النهار لكرياسه ... ونصف لمأكله أجمع «٢»
الأصمعيّ قال: قيل لأعرابيّ: ما يعجبك من هذا القند «٣» ؟ قال: يعجبني خضده وبرده. قال الأصمعيّ: الخضد: المضغ والأكل الشديد.
قال خالد بن صفوان يوما لجاريته: يا جارية، أطعمينا جبنا، فإنه يشهّي الطعام ويهيج المعدة، وهو يعدّ من حمض العرب. قالت: ما عندنا منه شيء. قال: لأعلمك إنه والله، ما علمت، ليقدح في الأسنان ويستولي على البطن، وأنه من طعام أهل الذمّة.
كان يقال: إذا كثرت المقدرة، ذهبت الشهوة.
وقال بعض الظرفاء: [طويل]
زرعنا فلمّا سلّم الله زرعنا ... وأوفى عليه منجل بحصاد
بلينا بكوفيّ حليف مجاعة ... أضرّ علينا من دبى وجراد «٤»
عن نافع عن ابن عمر قال: «قال النبيّ ﷺ : من دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» .
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم فجاء مع
стр. 1117
الرسول فإنّ ذلك له إذن» . وعن مجاهد: أن ابن عمر كان إذا دعي إلى طعام وهو صائم يجيب، وكان يهيء اللقمة بيده ثم يقول: كلوا باسم الله فإني صائم. وعن أسماء بنت رفيد قالت: دخلنا على النبيّ ﷺ ، فأتي بطعام فعرض علينا فقلنا: لا نشتهيه، فقال: «لا تجمعنّ كذبا وجوعا» .
دعا رجل عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه إلى الطعام، فقال: نأتيك على ألّا تتكلّف ما ليس عندك، ولا تدّخر عنا ما عندك.
وكان يقول: شرّ الإخوان من تكلّف له «١» .
دعا رجل رجلا إلى الغداء ثم قال له: هذه بكر زيارة ولم نستعدد، فلعل تقصيرا فيما أحبّ بلوغه؛ فقال الآخر: حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلّف.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصليّ «٢» : أتاني الزبير بن دحمان يوما فسألته أن يقيم عندي، فقال: قد أرسل إليّ الفضل بن الربيع وليس يمكنني التخلّف عنه؛ فقلت له: [طويل]
أقم يا أبا العوّام ويحك نشرب ... ونله مع اللّاهين يوما ونطرب
إذا ما رأيت اليوم قد جاء خيره ... فخذه بشكر واترك الفضل يغضب
وقال بعض المحدثين: [خفيف]
نحن قوم متى دعينا أجبنا ... ومتى ننس يدعنا التطفيل «٣»
ونقل علّنا دعينا فغبنا ... وأتانا فلم يجدنا الرسول
стр. 1118
كان طفيل العرائس الذي ينسب اليه الطّفيليّون يوصي أصحابه فيقول لأحدهم: إذا دخلت عرسا فلا تتلفّت تلفّت المريب، وتخيّر المجالس، وأجد ثيابك، واعمل على أنها العقدة التي تستغل «١» . وإن كان العرس كثير الزحام فمر وانه «٢» . ولا تنظر في عيون أهل المرأة ولا عيون أهل الرجل، فيظنّ هؤلاء أنك من هؤلاء وهؤلاء أنك من هؤلاء. وإن كان البوّاب غليظا وقاحا «٣» فابدأ به ومره وانهه من غير أن تعنّف عليه، وعليك بكلام بين النصيحة والإدلال.
عرض رجل على رقبة الغداء؛ فقال: إن أقسمت عليّ وإلّا فدعني.
ومن أشعار الطّفيليّين: [سريع]
دعوت نفسي حين لم تدعني ... فالحمد لي لا لك في الدّعوه
وقلت دا أحسن من موعد ... إخلافه يدعو إلى جفوه «٤»
وقال آخر: [طويل]
إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن ... فأودى بما تقرى الضيوف الضّيافن «٥»
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلّي: [بسيط]
نعم الصديق صديق لا يكلّفني ... ذبح الدّجاج ولا شيّ الفراريج
يرضى بلونين من كشك ومن عدس ... وإن تشهّى فزيتون بطسّوج «٦»
كان سعيد بن أسعد الأنصاري إمام الجامع بالبصرة طفيليّا، فإذا كانت وليمة سبق الناس إليها، فربما بسط معهم البسط وخدم. فقيل له في ذلك
стр. 1119
فقال: إني أبادر برد الماء، وصفو القدور، ونشاط الخبّاز، وخلاء المكان، وغفلة الذّبّان، وجفاف المنديل.
وقيل لبعض الطفيليّين: كم اثنان في اثنين قال: أربعة أرغفة.
باب الضيافة وأخبار البخلاء على الطعام
عن المقدام «١» أبي كريمة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أيّما مسلم ضافه قوم فأصبح الضيف محروما كان له على كلّ مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله» .
روى ابن العجلان عن أبيه قال: قال أبو هريرة: إذا نزلت برجل ولم يقرك فقاتله. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «الخير أسرع إلى مطعم الطّعام من الشّفرة في سنام «٢» البعير» .
داود قال: قلت للحسن: إنك تنفق من هذه الأطعمة وتكثر، قال: ليس في الطعام سرف. وقال الثوريّ: ليس في الطعام ولا في النساء سرف.
عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنّ من السّنّة أن يمشي الرجل مع ضيفه إلى باب الدار» .
عن عبد الرحمن بن عباس قال: رأيت ابن عباس في وليمة فأكل وألقى للخبّاز درهما.
الأصمعيّ قال: سئل أقرى أهل اليمامة للضيف: كيف ضبطتم القرى؟
قال: بأنّا لا نتكلّف ما ليس عندنا.
стр. 1120
عن بعض النّسّاك قال: قد أعياني أن أنزل على رجل يعلم أني لست آكل من رزقه شيئا.
عن عون بن عبد الله قال: ضلّ رجل صائم في عام سنة «١» ، فابتلي برجل عند فطره وقد أتي بقرصين فألقى إليه أحدهما، ثم قال: ما هذا بمشبعه ولا بمشبعي، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان، وألقى إليه الآخر. فلما أوى إلى فراشه أتاه آت فقال: سل؛ فقال: أسأل المغفرة؛ قال:
قد فعل ذلك بك؛ قال: فإني أسأل أن يغاث الناس.
عن الحسن: أنّ رجلا جهده الجوع، ففطن له رجل من الأعيان، فلمّا أمسى أتى به رحله «٢» ، فقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟
قالت: نعم قال: فإذا قدّمت الطعام فأدني إلى السراج كأنك تصلحينه فأطفئيه، ففعلت وجاءت بثريدة كأنها قطاة «٣» فوضعتها بين أيديهما، ثم دنت إلى السراج كأنّها تصلحه فأطفأته، فجعل الأنصاريّ يضع يده في القصعة ثم يرفعها خالية؛ فأطلع على ذلك رسول الله ﷺ ؛ فلما أصبح الأنصاريّ صلّى مع الرسول ﷺ الفجر، فلما سلّم أقبل على الأنصاريّ وقال: «أنت صاحب الكلام الليلة؛ ففزع الأنصاريّ وقال: أيّ كلام يا رسول الله؟ قال: كذا وكذا:
قوله لامرأته؛ قال كان ذاك يا رسول الله؛ قال: فو الله لقد عجب الله من صنعكما الليلة» .
الأصمعيّ قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا قدم عليه بريد قال: هل رأيت في الناس العرسات؟ يعني الخصب للمسلمين.
стр. 1121
وقيل لأعرابيّ كان في مجلس: فيم كنتم؟ قال: كنا في قدر تفور، وكأس تدور، وغناء يصور «١» ، وحديث لا يخور «٢» .
بلغني أن محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية كان نازلا بحلب على الهيثم بن يزيد التّنوخيّ، فبعث إلى ضيف له من عذرة فقال: حدّث أبا عبد الله ما رأيت في حاضرة المسلمين من أعاجيب الأعراس؛ قال: نعم، رأيت أمورا معجبة: منها أني رأيت قرية عاصم بن بكر الهلاليّ، فإذا أنا بدور متباينة، وإذا أخصاص «٣» منظّم بعضها إلى بعض، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون وعليهم ثياب حكوا بها ألوان الزّهر، فقلت لنفسي: هذا أحد العيدين الأضحى أو الفطر؛ ثم رجع إليّ ما عزب «٤» عنّي من عقلي، فقلت: خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك؛ فبينما أنا واقف ومتعجّب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني دارا قوراء «٥» وأدخلني بيتا قد نجّد «٦» في وجهه فرش قد مهّدت وعليها شابّ ينال فروع شعره كتفيه، والناس حوله سماطان «٧» ؛ فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي يحكى لنا جلوسه وجلوس الناس حوله، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته؛ فجذب رجل بيدي وقال: اجلس فإن هذا ليس بالأمير؛ فقلت: ومن هو؟ قال: عروس؛ قلت؛ واثكل أمّاه! ربّ عروس رأيت بالبادية أهون على أصحابه من هن أمّه؛ فلم ألبث إذ دخلت الرجال عليها هنات «٨» مدوّرات من
стр. 1122
خشب وقضبان، أمّا ما خفّ فيحمل حملا، وأمّا ما ثقل فيدحرج، فوضعت أمامنا وتحلّق القوم حلقا حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثيابا وهممت عندها أن أسأل القوم خرقا أقطع منها قميصا، وذلك أني رأيت نسجا متلاحكا «١» لا تبين له سدى «٢» ولا لحمة؛ فلما بسط القوم أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه. ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض وحارّ وبارد، فأكثرت منه وأنا لا أعرف ما في عقبه من التّخم والبشم «٣» . ثم أتينا بشراب أحمر في عساس «٤» ، فلما نظرت إليه قلت: لا حاجة لي فيه، أخاف أن يقتلني. وكان في جانبي رجل ناصح لي- أحسن الله جزاءه- كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابيّ، إنك قد أكثرت من الطّعام، وإن شربت الماء انتفخ بطنك- فلما ذكر البطن تذكرت شيئا كان أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي: قالوا: لا تزال حيّا ما دام شديدا (يعني البطن) فإذا اختلف فأوص- فلم أزل أتداوى به ولا أملّ من شربه، فتداخلني- نالك الخير- صلف «٥» لا أعرفه من نفسي، وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله، واقتدار على أمر أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته ولو ساورت «٦» الأسد لقتلته، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه «٧» وهشم أنفه، وأهمّ أحيانا بأن أقول له: يابن
стр. 1123
الزانية؛ فبينما نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة: أحدهم قد علّق في عنقه جعبة فارسية مشنّجة «١» الطرفين دقيقة الوسط قد شبحت «٢» بالخيوط شبحا منكرا، وقد ألبست قطعة فرو كأنهم يخافون عليها القرّ. ثم بدر الثاني فاستخرج من كمّه هنة سوداء كفيشلة الحمار فوضع طرفها في فيه فضرط فيها فاستتمّ بها أمرهم، ثم حسب «٣» على حجرة فيها فاستخرج منها صوتا ملائما مشاكلا بعضه بعضا كأنه- علم الله- ينطق. ثم بدر الثالث عليه قميص وسخ وقد غرق شعره بالدّهن ومعه مرآتان فجعل يمري «٤» إحداهما على الأخرى مريا. ثم بدر الرابع عليه قميص قصير وسراويل قصير وخفّان أجذمان «٥» لا ساقين لهما، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه وربّ الكعبة! ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط «٦» القوم عندي، ورأيت الناس يحذوفونه بالدارهم حذفا منكرا. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم، فبعثوا بهم إليهن. وبقيت الأصوات تدور في آذاننا. وكان معنا في البيت شابّ لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة عينها في صدرها فيها خويطات أربعة، فاستخرج من جنبها عودا فوضعه على أذنه، ثم زمّ الخيوط الظاهرة، فلما أحكمها وعرك آذانها حرّكها بمجسّة «٧» في يده، فنطقت وربّ الكعبة! وإذا هي أحسن قينة «٨» رأيتها قطّ وغنّى عليها
стр. 1124
فاستخفّني «١» في مجلسي حتى قمت فجلست بين يديه، فقلت: بأبي أنت وأمّي! ما هذه الدابّة؟ «٢» فلست أعرفها للأعراب وما خلقت إلّا حديثا! فقال: يا أعرابيّ.
هذا البربط «٣» الذي سمعت به؛ فقلت: بأبي أنت وأمي! فما هذا الخيط الأسفل؟
قال: زير؛ قلت: فما الذي يليه؟ قال: مثنى؛ قلت: فالثالث؟ قال: المثلث؛ قلت: فالرابع؟ قال البمّ؛ قلت: آمنت بالله أوّلا وبالبمّ ثانيا.
وقال الخريميّ: [طويل]
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وقال أرطاة بن سهيّة «٤» : [طويل]
وإنّي لقوّام إلى الضيف موهنا ... إذا أغدف السّتر البخيل المواكل «٥»
دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة منّي بما أنا فاعل
وما دون ضيفي من تلاد تحوزه ... لي النفس إلا أن تصان الحلائل «٦»
وقال آخر «٧» : [طويل]
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الأهل حتى تستقلّ مراجله «٨»
стр. 1125
يقول: يسوّىء خلقه حتى يطعم أضيافه، لإعجاله إياهم ولخوف تقصير يكون منهم.
وقال دعبل: [طويل]
وإنّي لعبد الضيف من غير ذلّة ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد
وقال آخر «١» : [طويل]
لحافي لحاف الضّيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه الغزال المقنّع «٢»
أحدّثه، إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع «٣»
وقال الفرزدق في العذافر: [طويل]
لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها ... بأكثر خيرا من خوان عذافر «٤»
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرى ... وحلّ على خبّازه بالعساكر «٥»
بعدّة يأجوج ومأجوج كلّهم ... لأشبعهم يوما غداء العذافر «٦»
وقال مسكين الدارميّ «٧» : [كامل]
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرّ جارا لي أجاوره ... ألّا يكون لبابه ستر
следующие страницы →