Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
وقيل لأعرابيّ كان في مجلس: فيم كنتم؟ قال: كنا في قدر تفور، وكأس تدور، وغناء يصور «١» ، وحديث لا يخور «٢» .
بلغني أن محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية كان نازلا بحلب على الهيثم بن يزيد التّنوخيّ، فبعث إلى ضيف له من عذرة فقال: حدّث أبا عبد الله ما رأيت في حاضرة المسلمين من أعاجيب الأعراس؛ قال: نعم، رأيت أمورا معجبة: منها أني رأيت قرية عاصم بن بكر الهلاليّ، فإذا أنا بدور متباينة، وإذا أخصاص «٣» منظّم بعضها إلى بعض، وإذا بها ناس كثير مقبلون ومدبرون وعليهم ثياب حكوا بها ألوان الزّهر، فقلت لنفسي: هذا أحد العيدين الأضحى أو الفطر؛ ثم رجع إليّ ما عزب «٤» عنّي من عقلي، فقلت: خرجت من أهلي في عقب صفر وقد مضى العيدان قبل ذلك؛ فبينما أنا واقف ومتعجّب أتاني رجل فأخذ بيدي فأدخلني دارا قوراء «٥» وأدخلني بيتا قد نجّد «٦» في وجهه فرش قد مهّدت وعليها شابّ ينال فروع شعره كتفيه، والناس حوله سماطان «٧» ؛ فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي يحكى لنا جلوسه وجلوس الناس حوله، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته؛ فجذب رجل بيدي وقال: اجلس فإن هذا ليس بالأمير؛ فقلت: ومن هو؟ قال: عروس؛ قلت؛ واثكل أمّاه! ربّ عروس رأيت بالبادية أهون على أصحابه من هن أمّه؛ فلم ألبث إذ دخلت الرجال عليها هنات «٨» مدوّرات من
стр. 1122
خشب وقضبان، أمّا ما خفّ فيحمل حملا، وأمّا ما ثقل فيدحرج، فوضعت أمامنا وتحلّق القوم حلقا حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثيابا وهممت عندها أن أسأل القوم خرقا أقطع منها قميصا، وذلك أني رأيت نسجا متلاحكا «١» لا تبين له سدى «٢» ولا لحمة؛ فلما بسط القوم أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا وإذا هو فيما زعموا صنف من الخبز لا أعرفه. ثم أتينا بطعام كثير من حلو وحامض وحارّ وبارد، فأكثرت منه وأنا لا أعرف ما في عقبه من التّخم والبشم «٣» . ثم أتينا بشراب أحمر في عساس «٤» ، فلما نظرت إليه قلت: لا حاجة لي فيه، أخاف أن يقتلني. وكان في جانبي رجل ناصح لي- أحسن الله جزاءه- كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابيّ، إنك قد أكثرت من الطّعام، وإن شربت الماء انتفخ بطنك- فلما ذكر البطن تذكرت شيئا كان أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي: قالوا: لا تزال حيّا ما دام شديدا (يعني البطن) فإذا اختلف فأوص- فلم أزل أتداوى به ولا أملّ من شربه، فتداخلني- نالك الخير- صلف «٥» لا أعرفه من نفسي، وبكاء لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله، واقتدار على أمر أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته ولو ساورت «٦» الأسد لقتلته، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه «٧» وهشم أنفه، وأهمّ أحيانا بأن أقول له: يابن
стр. 1123
الزانية؛ فبينما نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة: أحدهم قد علّق في عنقه جعبة فارسية مشنّجة «١» الطرفين دقيقة الوسط قد شبحت «٢» بالخيوط شبحا منكرا، وقد ألبست قطعة فرو كأنهم يخافون عليها القرّ. ثم بدر الثاني فاستخرج من كمّه هنة سوداء كفيشلة الحمار فوضع طرفها في فيه فضرط فيها فاستتمّ بها أمرهم، ثم حسب «٣» على حجرة فيها فاستخرج منها صوتا ملائما مشاكلا بعضه بعضا كأنه- علم الله- ينطق. ثم بدر الثالث عليه قميص وسخ وقد غرق شعره بالدّهن ومعه مرآتان فجعل يمري «٤» إحداهما على الأخرى مريا. ثم بدر الرابع عليه قميص قصير وسراويل قصير وخفّان أجذمان «٥» لا ساقين لهما، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب، ثم التبط بالأرض، فقلت: معتوه وربّ الكعبة! ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط «٦» القوم عندي، ورأيت الناس يحذوفونه بالدارهم حذفا منكرا. ثم أرسلت إلينا النساء أن أمتعونا من لهوكم، فبعثوا بهم إليهن. وبقيت الأصوات تدور في آذاننا. وكان معنا في البيت شابّ لا آبه له، فعلت الأصوات له بالدعاء، فخرج فجاء بخشبة عينها في صدرها فيها خويطات أربعة، فاستخرج من جنبها عودا فوضعه على أذنه، ثم زمّ الخيوط الظاهرة، فلما أحكمها وعرك آذانها حرّكها بمجسّة «٧» في يده، فنطقت وربّ الكعبة! وإذا هي أحسن قينة «٨» رأيتها قطّ وغنّى عليها
стр. 1124
فاستخفّني «١» في مجلسي حتى قمت فجلست بين يديه، فقلت: بأبي أنت وأمّي! ما هذه الدابّة؟ «٢» فلست أعرفها للأعراب وما خلقت إلّا حديثا! فقال: يا أعرابيّ.
هذا البربط «٣» الذي سمعت به؛ فقلت: بأبي أنت وأمي! فما هذا الخيط الأسفل؟
قال: زير؛ قلت: فما الذي يليه؟ قال: مثنى؛ قلت: فالثالث؟ قال: المثلث؛ قلت: فالرابع؟ قال البمّ؛ قلت: آمنت بالله أوّلا وبالبمّ ثانيا.
وقال الخريميّ: [طويل]
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وقال أرطاة بن سهيّة «٤» : [طويل]
وإنّي لقوّام إلى الضيف موهنا ... إذا أغدف السّتر البخيل المواكل «٥»
دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة منّي بما أنا فاعل
وما دون ضيفي من تلاد تحوزه ... لي النفس إلا أن تصان الحلائل «٦»
وقال آخر «٧» : [طويل]
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الأهل حتى تستقلّ مراجله «٨»
стр. 1125
يقول: يسوّىء خلقه حتى يطعم أضيافه، لإعجاله إياهم ولخوف تقصير يكون منهم.
وقال دعبل: [طويل]
وإنّي لعبد الضيف من غير ذلّة ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد
وقال آخر «١» : [طويل]
لحافي لحاف الضّيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه الغزال المقنّع «٢»
أحدّثه، إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنّه سوف يهجع «٣»
وقال الفرزدق في العذافر: [طويل]
لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها ... بأكثر خيرا من خوان عذافر «٤»
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرى ... وحلّ على خبّازه بالعساكر «٥»
بعدّة يأجوج ومأجوج كلّهم ... لأشبعهم يوما غداء العذافر «٦»
وقال مسكين الدارميّ «٧» : [كامل]
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضرّ جارا لي أجاوره ... ألّا يكون لبابه ستر
стр. 1126
ضاف رجل من كلب أبا الرّمكاء الكلبيّ، ومع الرجل فضلة من حنطة، فراحت معزى أبي الرّمكاء، فحلب وشرب، ثم حلب وسقى ابنه، ثم حلب وسقى امرأته؛ فقال الرجل: ألا تسقون ضيفكم؟ فقال أبو الرّمكاء: ما فيها فضل؛ فاستخرج الرجل ما في عكمه «١» من طعام وقال: هل من رحى؟
فأسرعوا بها نحوه، فطحن وعجن وأوقد خبزته وأخرجها فنفضها، فإذا رسول أبي الرمكاء يقول: يقول لك أبو الرمكاء: لا عهد لنا بالخبز؛ فقال الرجل: ما فيها فضل، ثم أكل وارتحل، وقال: [طويل]
وبات أبو الرّمكاء لم يسق ضيفه ... من المحض ما يطوي عليه فيرقد «٢»
فقمت إلى حنّانة فوق أختها ... ونار وباتت وهي تورى وتوقد
فلما نفضت الخبز بالعود أقبلت ... رسائل تشكي الجوع والحيّ سهّد
وقال أبو الرّمكاء بالخبز عهده ... قديم له حول كريب مطرّد «٣»
فقلت ألا لا فضل فيها لباخل ... ولا مطمع حتى يلوح لنا الغد
فبات أبو الرّمكاء من فرط ريحها ... يئنّ كما أنّ السليم المسهّد «٤»
ذكر أعرابيّ قوما فقال: ألغوا من الصلاة الأذان، مخافة أن تسمعه الآذان، فيهلّ عليهم الضّيفان.
وقال بعضهم في ذلك: [وافر]
أقاموا الدّيدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للدّيدبان «٥»
فإن أبصرت شخصا من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان
стр. 1127
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يصلّون الصلاة بلا أذان
وقال زياد الأعجم: [طويل]
وتكعم كلب الحيّ من حشية القرى ... وقدرك كالعذراء من دونها ستر «١»
وقال آخر: [طويل]
وإنّي لأجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يضرى بنا فيعود «٢»
وقال آخر: [كامل]
أعددت للضّيفان كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من أرزن «٣»
ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... متشكيّا عضّ الزمان الألزن «٤»
رأى رجل الحطيئة وبيده عصا؛ فقال: ما هذه؟ قال: عجراء «٥» من سلم، قال: إنّي ضيف، قال: للضّيفان أعددتها.
وقال آخر: [بسيط]
وأبغض الضيف ما بي جلّ مأكله ... ألّا تنفّخه حولي إذا قعدا
ما زال ينفخ جنبيه وحبوته ... حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا «٦»
وقال حميد الأرقط «٧» يذكر ضيفا: [طويل]
إذا ما أتانا وراد المصر مرملا ... تأوّب ناري أصفر العقل قافل «٨»
стр. 1128
فقلت لعبديّ اعجلا بعشائه ... وخير عشاء الضيف ما هو عاجل
فقال وقد ألقى المراسي للقرى ... أبن لي ما الحجّاج بالناس فاعل «١»
فقلت لعمري ما لهذا طرقتنا ... فكل ودع الأخبار ما أنت آكل
تجهّز كفّاه فيحدر حلقه ... إلى الزّور ما ضمّت عليه الأنامل «٢»
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل «٣»
فما زال منه اللّقم حتى كأنّه ... من العيّ لمّا أن تكلّم باقل «٤»
وقال أيضا في نحو ذلك: [بسيط]
ومرملين على الأقتاب برّهم ... حقائب وعباء فيه بعرين «٥»
مقدمين أنوفا في عصائبهم ... هجنا، ألا جدعت تلك العرانين «٦»
يسطّرون لنا الأخبار إذ نزلوا ... وكلّ ما سطّروا للّقم تمكين
باتوا وجلّتنا الصهباء بينهم ... كأنّ أظفارهم فيها سكاكين «٧»
فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النوى تلقي المساكين «٨»
وقال أيضا في نحو ذلك: [طويل]
стр. 1129
وعاو عوى والليل مستحلس النّدى ... وقد ضجعت للغور تالية النجم «١»
فسلّم تسليم الصّديق ولم يكن ... صديقا لنا إلا ليأنس باللّقم
فقلت له والنار تأخذ صدره ... لقمت لسمت أو سريت على علم «٢»
وقال بعض الرّجّاز:
برّح بالعينين خطّاب الكثب «٣» ... يقول إنّي خاطب وقد كذب
وإنّما يطلب عسّا من حلب «٤»
وقال آخر: [بسيط]
إنّي لمثلكم من سوء فعلكم ... إن زرتكم أبدا إلّا معي زادي
وقال حمّاد عجرد: [متقارب]
حريث أبو الصّلت ذو خبرة ... بما يصلح المعدة الفاسده
تخوّف تخمة أضيافه ... فعوّدهم أكلة واحده
عن قتادة قال: قال زياد لغيلان بن خرشة «٥» : أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها «٦» ، لنحمد الله على النّعمة التي أصبحنا بها؛ فقال غيلان: حدّثني عمّي قال: توالت على العبر سنون تسع في الجاهليّة
стр. 1130
حطمت كلّ شيء «١» ، فخرجت على بكر «٢» لي في العرب. فمكثت سبعا لا أطعم شيئا إلا ما ينال منه بعيري أو من حشرات الأرض، حتى دفعت في اليوم السابع إلى حواء عظيم «٣» ، فإذا بيت جحش «٤» عن الحيّ، فملت إليه فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة (٥) ؛ فقالت: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى؛ فقالت: لو كان عندنا شيء لآثرناك به، والدّالّ على الخير كفاعله، حسّ «٥» هذه البيوت ثم انظر إلى أعظمها، فإن يك في شيء منها خير ففيه؛ ففعلت حتى دفعت اليه، فرحّب بي صاحبه وقال: من؟ قلت: طارق ليل يلتمس القرى؛ فقال: يا فلان، فأجابه، فقال: هل عندك طعام؟ فقال لا؛ فو الله ما وقر «٦» في أذني شيء كان أشدّ منه. قال: فهل عندك شراب؟ قال لا، ثم تأوّه فقال: بلي! قد بقّينا في ضرع الفلانة «٧» شيئا لطارق إن طرقك، قال: فأت به، فأتى العطن فابتعثها «٨» . فحدّثني عمي أنه شهد فتح أصبهان وتستر ومهرجان وكور الأهواز وفارس وجاهه عند السلطان وكثرة ماله وولده، قال: فما سمعت شيئا قطّ كان أشدّ من شخب «٩» تيك الناقة في تلك العلبة؛ حتى إذا ملأها وفاضت من جوانبها وارتفعت عليها شمكرة «١٠» كجمّة الشيخ «١١» ، أقبل بها
стр. 1131
يهوي نحوي، فعثر بعود أو حجر، فسقطت العلبة من يده، فحدّثني أنه أصيب بأبيه وأمّه وولده وأهل بيته فما أصيب بمصيبة أعظم من ذهاب العلبة. فلما رأى ذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما ودفع إليه مدية وقال: يا عبد الله اصطل واحتمل «١» . قال: فجعلت أهوي بالبضعة إلى النار فإذا بلغت إناها «٢» أكلتها، ثم مسحت ما في يدي من إهالتها «٣» على جلدي وقد كان قحل «٤» على عظمي حتى كأنّه شنّ «٥» . ثم شربت شربة ماء وخررت مغشيّا عليّ فما أفقت إلى السّحر. وقطع زياد الحديث وقال: لا عليك ألّا تخبرنا بأكثر من هذا، فمن المنزول به؟ قلت: أبو عليّ عامر بن الطّفيل.
قال بعض الشعراء يهجو قوما: [كامل]
وتراهم قبل الغداء لضيفهم ... يتخلّلون صبابة للزّاد «٦»
وقال آخر «٧» : [مجزوء الكامل المرفّل]
استبق ودّ أبي المقا ... تل حين تأكل من طعامه
سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه
فتراه من خوف النزي ... ل به يروّع في منامه
стр. 1132
فإذا مررت ببابه ... فاحفظ رغيفك من غلامه
وقال آخر «١» : [بسيط]
صدّق أليّته إن قال مجتهدا ... لا والرغيف، فذاك البرّ من قسمه «٢»
قد كان يعجبني لو أنّ غيرته ... على جراذقه كانت على حرمه «٣»
إن رمت قتلته فافتك بخبزته ... فإنّ موقعها من لحمه ودمه
قلت لرجل كان يأكل مع أبي دلف: كيف كان طعامه؟ قال: كان على مائدته رغيفان بينهما نقرة جوزة؛ وقال: [وافر]
أبو دلف يضيّع ألف ألف ... ويضرب بالحسام على الرغيف
أبو دلف لمطبخه قتار ... ولكن دونه ضرب السيوف «٤»
وقال أبو الشّمقمق «٥» : [وافر]
رأيت الخبز عزّ لديك حتّى ... حسبت الخبز في جوّ السحاب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذّباب
وقال دعبل: [خفيف]
إنّ من ضنّ بالكنيف على الضي ... ف بغير الكنيف كيف يجود! «٦»
ما رأينا ولا سمعنا بحشّ ... قبل هذا لبابه إقليد «٧»
стр. 1133
إن يكن في الكنيف شيء تخبّا ... هـ فعندي إن شئت فيه مزيد
ولهذا الشعر قصة قد ذكرتها في باب الشعراء «١» .
قال أبو محمد: شوى لجعفر بن سليمان الهاشميّ دجاج ففقد فخذ من دجاجة، فأمر فنودي في داره: من هذا الذي تعاطى فعقر «٢» والله لا أخبز في هذا التنّور شهرا أو يردّ! فقال ابنه الأكبر: أتؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا!.
قال بعض الشعراء «٣» : [سريع]
يا تارك البيت على الضيف ... وهاربا منه من الخوف
ضيفك قد جاء بخبز له ... فارجع فكن ضيفا على الضيف
وقال أبو نواس «٤» : [مجزوء الرّمل]
خبز إسماعيل كلوش ... ي إذا ما شقّ يرفا «٥»
عجبا من أثر الصن ... عة فيه كيف يخفى
إن رفّاءك هذا ... أحذق الأمة كفّا
فإذا قابل بالنص ... ف من الجردق نصفا «٦»
стр. 1134
مثل ما جاء من التّن ... ور ما غادر حرفا
أحكم الصنعة حتى ... لا يرى موضع إشفى «١»
وله في الماء أيضا ... عمل أبدع ظرفا
مزجه العذب بماء ال ... بئر كي يزداد ضعفا
فهو لا يشرب منه ... مثل ما يشرب صرفا «٢»
عن عبد العزيز بن عمران قال: نزلت ببيت ابن هرمة فقلت: انحروا لنا جزورا؛ فقالت: والله ما هي عندنا؛ فبقرة، قالت لا؛ قلت: فشاة، قالت لا؛ قلت: فدجاجة، قالت لا، فأين قول أبيك: [منسرح]
لأمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلّا قريبة الأجل «٣»
قالت: ذاك أفناها. فبلغ ابن هرمة ما قالت، قال: أشهد أنها ابنتي، وأشهد أن داري لها دون الذكور من أولادي.
قال ابن أبي فنن «٤» : [منسرح]
لا أشتم الضيف ولكنّني ... أدعو له بالقرب من طوق «٥»
بقرب من إن زاره زائر ... مات إلى الخبز من الشوق
دخل على ابن لرجل من الأشراف داخل وبين يديه فراريج، فغطّى الطبق بمنديله وأدخل رأسه في جيبه وقال للداخل عليه: كن في الحجرة الأخرى حتى أفرغ من بخوري.
стр. 1135
وفيما أجاز لنا عمرو بن بحر من كتبه قال: دخل رجل على رجل قد تغذّى مع قوم ولم ترفع المائدة قال لهم: كلوا وأجهزوا على الجرحى.
يريد: كلوا ما كسر ونيل منه ولا تعرضوا إلى الصحيح.
قال: وقال لقوم يؤاكلونه: يزعمون أن خبزي صغار! أيّ ابن زانية يأكل من هذا رغيفين!. قال: ويقول لزائره إذا أطال عنده المكث: تغدّيت اليوم؟
فإن قال نعم، قال: لولا أنك تغدّيت لغدّيتك بطعام طيّب. وإن قال لا، قال:
لو كنت تغدّيت لسقيتك خمسة أقداح. فلا يكون له على الوجهين لا قليل ولا كثير.
وحكي عن أبي نواس أنه قال: قلت لرجل من أهل خراسان: لم تأكل وحدك؟ قال: ليس عليّ في هذا الموضع سؤال؛ إنما السؤال على من أكل مع الجماعة، لأن ذاك تكلّف وأكلي وحدي هو الأكل الأصليّ.
وكنّا عند داود بن أبي داود بواسط أيام ولايته كسكر «١» ، فأتته من البصرة هدايا، وكان فيها زقاق دو شاب «٢» ، فقسمها بيننا، فكلّنا أخذ ما أعطي، غير الحزاميّ، فأنكرنا ذلك وقلنا: إنما يجزع الحزاميّ من الإعطاء وهو عدوّه، فأما الأخذ فهو ضالّته وأمنيّته؛ فإنه لو أعطي أفاعي سجستان، وثعابين مصر، وجرّارات «٣» الأهواز لأخذها، إذ كان اسم الأخذ واقعا عليها؛ فسألناه عن سبب ذلك، فتعسّر قليلا ثم باح بسرّه وقال: وضعته «٤» أضعاف ربحه، وأخذه من أسباب الإدبار؛ قلت: أوّل وضائعه احتمال ثقل السّكر؛ قال: هذا لم يخطر
стр. 1136
ببالي قطّ، ولكن أوّل ذاك كراء الحمّال «١» ، فإذا صار إلى المنزل صار سببا لطلب العصيدة والارزّة والستندفود «٢» ، فإن بعته فرارا من هذا البلاء صيّرتموني شهرة «٣» ، وإن أنا حبسته ذهب في العصائد وأشباهها، وجذب ذلك شراء السّمن، ثم جذب السمن غيره، وصار هذا الدّوشاب علينا أضرّ من العيال؛ وإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الحبّ «٤» وإلى شراء الماء وإلى كراء من يوقد تحته؛ فإن ولّيت ذلك الخادم اسودّ ثوبها وغرّمتنا ثمن الأشنان «٥» والصابون، وازدادت في الطّعم على قدر الزيادة في العمل؛ فإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلف «٦» منها عوضا بوجه من الوجوه، لأن خلّ الدّاديّ «٧» يخضب اللّحم ويغيّر الطّعم ويسوّد المرقة ولا يصلح إلا للاصطباغ. وإن سلم- وأعوذ بالله- وجاد وصفا لم نجد بدّا من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه؛ فإن قعدت في البيت أشربه لم يمكن ذلك إلا بترك سلاف «٨» الفارسيّ المعسّل، والدّجاج المسمّن، وجداء كسكر «٩» وفاكهة الجبل والنّقل الهشّ والرّيحان الغضّ، عند من لا يغيض «١٠» ماله، ولا تنقطع مادّته، وعند من لا يبالي على أي قطريه «١١» سقط مع فوت الحديث المؤنس والسّماع الحسن؛ وعلى أنّى إن جلست في البيت أشربه لم يكن بدّ من واحد، وذلك
стр. 1137
الواحد لا بدّ له من لحم بدرهم، ونقل بطسّوج «١» ، وريحان بقيراط «٢» ، ومن أبزار للقدر وحطب للوقود؛ وهذا كله غرم وشؤم وحرمان وحرفة «٣» وخروج من العادة الحسنة. فإن كان النديم غير موافق فأهل السجن أحسن حالا مني، وإن كان موافقا فقد فتح الله على ما لي به بابا من التّلف، لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال غيري ممّن هو فوقي. فإذا علم الصديق أن عندي داذيّا «٤» أو نبيذا دقّ على الباب دقّ المدلّ، فإن حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء. وإن بدا لي في استحسان حديث الناس كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني الصالحين، وصرت من إخوان الشياطين؛ والله تقدّست أسماؤه يقول: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
«٥» ؛ فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكتسب منّي؛ وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم به فكيف إذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ، وبأن أوكّل ولا آكل! أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة، ومن الحور بعد الكور «٦» ؛ ولو كان هذا في الحداثة كان أهون. هذا الدّوشاب دسيس من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود، وهو الحلاوة التي تعقب المرارة. ما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّني فهو يحتال لي الحيل!.
وحكي عن الحارثيّ أنه قال: الوحدة خير من جليس السوء، وجليس السوء خير من أكيل السوء؛ لأن كلّ أكيل جليس وليس كل جليس أكيلا؛ فإن
стр. 1138
كان لا بدّ من المؤاكلة ولا بدّ من المشاركة فمع من لا يستأثر عليّ بالمخ، ولا ينتهز بيضة «١» البقيلة؛ ولا يلتقم كبد الدجاج، ولا يبادر إلى دماغ السّلّاءة «٢» ، ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركيّ «٣» ، ولا ينتزع شاكلة «٤» الحمل، ولا يبتلع سرّة السّمك، ولا يعرض لعيون الرءوس، ولا يستولى على صدور الدّرّاج «٥» ، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره، ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا ينتهك أستار الناس بأن يشتهي ما عسى ألّا يكون موجودا؛ فكيف تصلح الدنيا ويطيب العيش بمن إذا رأى جزوريّة «٦» التقط الأكباد والأسنمة «٧» ، وإذا عاين بقريّة استولى على العراق «٨» والقطنة «٩» ، وإن عاين بطن سمكة اخترق كلّ شيء فيه، وإن أتوا بجنب شواء اكتسح ما عليه، ولا يرحم ذا سنّ لضعفه، ولا يرقّ على حدث لحدّة شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت الحال.
وأشدّ من كل ما وصفنا أنّ الطبّاخ ربّما أتى باللون الظريف الطّريف، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص صغير الحجم، فيقدّمه حارّا
стр. 1139
ممتنعا، وربما كان من جوهر بطيء الفتور، وأصحابنا في سهول ازدراد الحارّ عليهم في طبائع النّعام، وأنا في شدّة الحارّ عليّ في طباع السّباع، فإن نظرت «١» إلى أن يمكن أتوا على آخره، وإن أنا بادرت مخافة الفوت وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره؛ والحارّ بما قتل وربما أعقم وربما أبال الدم. قال: وعوتب على تركه إطعام الناس معه وهو يتخذ فيكثر، فقال: أنتم لهذا أترك مني، فإن زعمتم أنني أكثر مالا وأعدّ، عدّة، فليس بين حالي وحالكم من التفاوت أن أطعم أبدا وتأكلوا أبدا، فإذا أتيتم من أموالكم من البذل على قدر احتمالكم، علمت أنكم الخير أردتم، وإلى تزييني ذهبتم، وإلا فإنّكم إنّما تحلبون حلبا لكم شطره «٢» .
قال: كان أبو ثمامة أفطر ناسا وفتح بابه فكثر عليه الناس، فقال: إن الله لا يستحي من الحقّ، وكلّكم واجب الحق، ولو استطعنا أن نعمّكم بالبرّ كنتم فيه سواء ولم يكن بعضكم أولى به من بعض؛ كذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم أحقّ بالحرمان والاعتذار إليه من بعض، ومتى قرّبت بعضكم وفتحت بابي لهم وباعدت الآخرين، لم يكن في إدخال البعض عذر، ولا في منع الآخرين حجّة؛ فانصرفوا ولم يعودوا.
قال: وكان محمد بن أبي المؤمّل يقول: قاتل الله رجلا كنّا نؤاكلهم، ما رأيت قصعة رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل، وكانوا يعلمون أن إحضار
стр. 1140
الجدى إنما هو شيء من آيين «١» الموائد الرّفيعة، وإنما جعل كالقافية وكالخاتمة وكالعلامة لليسر والفراغ، ولم يحضر للتفريق والتخريب، وأن أهله لو أرادوا به سوءا لقدّموه لتقع الحدّة به؛ ولذلك قال أبو الحارث جمّيز «٢» حين رآه لا يمسّ: هذا المدفوع عنه.
ولقد كانوا يتحامون بيضة البقيلة «٣» ، ويدعها كلّ واحد لصاحبه، وأنت اليوم إذا أردت أن تمتّع عينيك بنظرة واحدة منها ومن بيضة السّلّاءة «٤» لم تقدر على ذلك.
وكان يقول: الآدام أعداء الخبز، وأعداها له المالح؛ فلولا أن الله أعان عليها بالماء وطلب آكله له لأتى على الحرث والنّسل.
وكان يقول: ما بال الرجل إذا قال: اسقني ماء أتاه بقلّة على قدر الرّيّ «٥» أو أصغر، وإذا قال؛ أطعمني شيئا أو هات لفلان طعاما، أتاه من الخبز بما يفضل عن الجماعة، والطعام والشّراب أخوان. أما إنه لولا رخص الماء وغلاء الخبز لما كلبوا «٦» على الخبز وزهدوا في الماء؛ والناس أشدّ شيء تعظيما للمأكول إذا كثر ثمنه وكان قليلا في منبته وعنصره. هذا الجزر الصافي والباقلاء الأخضر أطيب من كمّثرى خراسان والموز البستاني، وهذا
стр. 1141
الباذنجان أطيب من الكمأة، ولكنهم لقصر هممهم وأذهانهم في التقليد والعادة لا يشتهون إلّا على قدر الثمن.
وكان يقول: لو شرب الناس الماء على طعامهم لما اتّخموا. وذلك أن الرجل لا يعرف مقدار ما أكل حتى ينال من الماء شيئا، لأنه ربما كان شبعان وهو لا يدري. وفي قول الناس: ماء دجلة أمرأ «١» من ماء الفرات، وماء مهران «٢» أمرأ من ماء نهر بلخ «٣» ؛ وفي قول العرب: هذا ماء نمير يصلح عليه المال دليل على أن الماء يمرىء؛ حتى قالوا: إن الماء الذي يكون عليه النّفاطات «٤» أمرأ من الماء الذي تكون عليه القيّارات «٥» . فعليكم بشرب الماء على الغداء فإنّ ذلك أمرأ «٦» .
قال وكان الثّوريّ يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرّطب وتعوّدوا ابتلاعه، فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفىء الكليتين بذلك الشّحم؛ واعتبروا ذلك ببطون الصّفايا «٧» وجميع ما يعتلف النّوى. والله ما حملتم أنفسكم على قضم الشّعير واعتلاف القتّ «٨» لوجدتموها سريعة القبول، وقد يأكل الناس القتّ قدّاحا «٩» ، والشّعير فريكا «١٠» ، ونوى البسر الأخضر١»
، ونوى
стр. 1142
العجوة «١» ؛ وإنما بقيت عليكم الآن عقبة؛ أنا أقدر أن أبتلع النوى وأعلفه الشّاء، ولكن أقول هذا بالنظر لكم.
وكان يقول لهم: كلوا الباقلاء بقشوره، فإن الباقلاء يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن لم يأكلني بقشوري فأنا آكله؛ فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم، وأكلا لما جعل أكلا لكم.
قال: وحمّ هو وعياله فلم يقدروا على أكل الخبز، فربح أقواتهم في تلك الأيام؛ ففرح وقال: لو كان في منزل سوق الأهواز ونطاة «٢» خيبر رجوت أن أستفضل في كلّ سنة مائة دينار.
قال: ودعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في [شهر رمضان] «٣» ، فلما وضعت المائدة أقبل عليهم ثم قال لهم: لا تعجلوا، فإنّ العجلة من عمل الشيطان. ثم وقف وقفة ثم قال: وكيف لا تعجلون والله تعالى يقول: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا
«٤» . اسمعوا ما أقول لكم، فإن فيه حسن المؤاكلة والتبعّد من الأثرة، والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة: إذا مدّ أحدكم يده ليستقي ماء فأمسكوا أيديكم حتى يفرغ، فإنكم تجمعون عليه خصالا: منها أنكم تنغّصون عليه في شربه، ومنها أنه إذا أراد اللّحاق بكم فلعلّه يتسرّع إلى لقمة حارّة فيموت، وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص وعلى عظم اللقم. ولهذا قال بعضهم وقد قيل له: لم تبدأ بأكل اللحم؟ قال: لأن اللّحم ظاعن والثريد مقيم. وأنا وإن كان الطعام طعامي فإني كذلك أفعل؛
стр. 1143
فإذا رأيتم فعلى يخالف قولي فلا طاعة لي عليكم. وقال بعضهم: فربما نسي بعضنا فمدّ يده وصاحبه يشرب، فيقول له: يدك يا ناسي، ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل.
قال: فأتانا بأرزّة «١» أحدنا أن يعدّ حباتها لعدّها، لتفرّقها، وقلّتها، وهي مقدار نصف سكرّجة «٢» ؛ فوقعت في فمي قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتا حين مضغتها، فقال: اجرش يا أبا كعب.
قال: وكنا نسمع باللئيم الراضع، وهو الذي يرضع الحلب فلا يحلبه في الإناء لئلّا يسمع صوت الحلب- وقال بعضهم: لئلا يضيع من اللبن شيء- ثم رأيت أبا سعيد المدائني قد صنع أعظم من ذلك: ارتضع من دنّ خلّا حتى فني ولم يخرج منه شيء.
قال: وكان الكنديّ لا يزال يقول للساكن من سكّاننا-[وربما قال] «٣» للجار- إنّ في داري امرأة بها حبل، والوحمى «٤» ربما أسقطت من ريح القدر الطيّبة، فإذا طبختم فردوا شهوتها بغرفة أو بلعقة فإن النفس يردّها اليسير، وإن لم تفعل ذلك وأسقطت فعليك غرّة «٥» : عبد أو أمة.
وقال بعضهم: نزلنا دارا بالكراء للكنديّ على شروط، فكان في شرطه
стр. 1144
على السكّان أن يكون له روث الدابّة، وبعر الشاة، ونشوار «١» العلوقة؛ وألّا يخرجوا عظما ولا يخرجوا كناسة، وأن يكون له نوى التمر، وقشور الرمّان، والغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته؛ وكان في ذلك يتنزّل «٢» عليهم، فكانوا لطيبه وإفراط بخله يحتملون ذلك.
وقال دعبل: أقمنا يوما عند سهل بن هارون، فأطلنا الحديث حتى اضطّره الجوع إلى أن دعا بغدائه، فأتي بصحفة عدمليّة «٣» فيها مرق لحم ديل عاس «٤» هرم ليس قبلها ولا بعدها غيرها، لا تحزّ «٥» فيه السكين، ولا تؤثّر فيه الأضراس، فاطّلع في القصعة وقلّب بصره فيها، فأخذ قطعة خبز يابس فقلب بها جميع ما في الصفحة ففقد الرأس، فبقي مطرقا ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام وقال: أين الرأس؟ قال: رميت به؛ قال: ولم؟ قال: ما ظننت أنك تأكله ولا تسأل عنه «٦» ! قال: ولأيّ شيء ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت «٧» من يرمي برجله فيكف من يرمي برأسه! والرأس رئيس، وفيه الحواسّ الخمس، ومنه يصيح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه عرفه الذي يتبرّك به، وفيه عينه التي يضرب بها المثل فيقال: شراب كعين الديك «٨» ودماغه عجب لوجع الكلية، ولن ترى عظما قطّ أهشّ من عظم رأسه؛ فإن كان من نبل أنك لا تأكله فإنّ عندنا من يأكله. أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن الساق
стр. 1145
ومن العنق!. انظر أين هو. قال: لا والله لا أدري أين هو، رميت به؛ قال:
لكني أدري أنّك رميت به في بطنك، والله حسبك.
وحكي عن رجل أنه قال: مررت ببعض طرقات الكوفة، فإذا رجل يخاصم جارا له فقلت: ما بالكما تختصمان؟ فقال أحدهما «١» : لا والله إلّا أنّ صديقا لي زارني فاشتهى عليّ رأسا، فاشتريته وتغدّينا به وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمّل بها «٢» عند جيراني، فجاء هذا فأخذها وتركها على باب داره يوهم أنه اشتراه.
قال: وتناول رجل من بين يدي أمير من الأمراء بيضة وهو معه، فقال:
خذها فإنها بيضة العقر «٣» ولم يأذن له بعد ذلك.
قال: وقدّمت مائدة لرجل عليها أرغفة على عدد الرءوس ورغيف زائد يوضع على الصّحاف، فلما أنفد القوم خبزهم التفت إلى رجل إلى جانبه فقال: اكسر هذا الرغيف وفرّقه بينهم، فتغافل، فأعاد عليه، فقال: يبتلى على يد غيري.
قال المدائنيّ: كان للمغيرة بن عبد الله الثّقفيّ وهو على الكوفة جدي يوضع على مائدته بعد الطعام لا يمسّه وهو ولا غيره، فقدم أعرابيّ يوما فأكل لحمه وتعرّق «٤» عظامه؛ فقال، يا هذا، أتطالب هذا البائس بذحل «٥» ؟! هل نطحتك أمّه! قال: وأبيك إنك لشفيق عليه! هل أرضعتك أمّه!.
стр. 1146
قال المدائني: كان لزياد بن عبد الله الحارثيّ جدي لا يمسّه أحد، فعشّى في شهر رمضان قوما فيهم أشعب، فعرض أشعب يوما للجدي من بين القوم، فقال زياد حين رفعت المائدة: أما لأهل السجن إمام يصلّي بهم؟
قالوا: لا؛ قال: فليصلّ بهم أشعب؛ قال أشعب: أو غير ذلك أيها الأمير؟
قال: وما هو؟ قال: لا آكل لحم جدي أبدا.
قال: وكان المغيرة بن عبد الله الثّقفيّ يأكل وأصحابه تمرا فانطفأ السراج، وكانوا يلقون النّوى في طست، فسمع صوت نواتين؛ فقال: من ذا يلعب بالكعبتين؟ «١» .
قال الأعشى «٢» : [طويل]
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم سغب يبتن خمائصا «٣»
وقال آخر «٤» [بسيط]
وضيف عمرو وعمرو ساهران معا ... فذاك من كظّة والضيف من جوع «٥»
وقال آخر [بسيط]
وجيرة لا ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يبلغنا ما تنضج النار
وقال سماعة بن أشول: [طويل]
نزلنا بسهم والسماء تلفّنا ... لحى الله سهما ما أدقّ وألأما «٦»
стр. 1147
فلما رأينا أنه عاتم القرى ... بخيل ذكرنا ليلة الهضب كردما «١»
فقمنا وحمّلنا على الأين والوجى ... جلالا بأوصال الرّديفين مرجما «٢»
يدقّ خراطيم القنان كأنّما ... يدقّ بصوّان الجلاميد ختما «٣»
فجئنا وقد باض الكرى في عيوننا ... فتى من عيون المعرقين مسلّما «٤»
تناخ إليه هجمة واتكيّة ... رعت بالجواء البقل حولا مجرّما «٥»
كأنّ بأحقيها إذا ما تنغّمت ... مزادا سقا فيه المزوّة معصما «٦»
فبات رفيقي بعد ما ساء ظنّه ... بمنزلة من آخر الليل مكرما
ولو أنها لم يدفع العيس زمّها ... رأى بعضها من بعض أنسائها دما «٧»
وقال حميد الأرقط: [طويل]
ومستنبح بعد الهدوء وقد جرت ... له حرجف نكباء والليل عاتم «٨»
رفعت له مخلوطة فاهتدى بها ... يشبّ لها ضوء من النار جاحم «٩»
فأطعمته حتى غدا وكأنّما ... تنازعه في أخدعيه المحاجم «١٠»
стр. 1148
كزمهان يفطو المشي لو جعلت له ... رعايا الحمى لم يلتفت وهو قائم «١»
حريص على التسليم لو يستطيعه ... فلم يستطع لما غدا وهو عائم «٢»
وقال الأعشى «٣» : [وافر]
إذا حلّت معاوية بن عمرو ... على الأطواء خنّقت الكلابا «٤»
وقال آخر «٥» : [طويل]
أيا بنة عبد الله وابنة مالك ... ويابنة ذي البردين والفرس الورد «٦»
إذا ما عملت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني غير آكله وحدي
بعيدا قصيّا أو قريبا فإنني ... أخاف مذمّا الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد «٧»
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وقال مرّة بن محكان السّعدي «٨» [بسيط]
فقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا ... غدّي بنيك فلن تلفيهم حقبا «٩»
أدعى أباهم ولم أقرف بأمّهم ... وقد هجعت ولم أعرف لهم نسبا «١٠»
وقال حمّاد عجرد: [سريع]
стр. 1149
زرت امرأ في بيته مرّة ... له حياء وله خير «١»
يكره أن يتخم إخوانه ... إنّ أذى التّخمة محذور
ويشتهي أن يؤجروا عنده ... بالصوم والصائم مأجور
وقال بعض المحدثين: [وافر]
أبو نوح نزلت عليه يوما ... فغدّاني برائحة الطعام
وجاء بلحم لا شيء سمين ... فقدّمه على طبق الكلام
فلما أن رفعت يدي سفاني ... مداما بعد ذاك بلا مدام
فكان كمن سقى الظمآن آلا ... وكنت كمن تغدّى في المنام «٢»
وقال عروة بن الورد «٣» : [كامل]
إنّي امروؤ عافي إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد «٤»
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترى ... بجسمي مسّ الحقّ والحقّ جاهد «٥»
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد «٦»
باب القدور والجفان
ذكر الفرزدق عقبة بن جبّار المنقري وقدره فقال [بسيط]
стр. 1150
لو أن قدرا بكت من طول محبسها ... على الحفوف بكت قدر ابن جبّا «١»
ما مسّها دسم مذ فضّ معدنها ... ولا رأت بعد نار القين من نار «٢»
وقال: [وافر]
كأنّ تطلّع التّرغيب فيها ... عذار يطّلعن إلى عذار «٣»
وقال الكميت: [متقارب]
كأنّ الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا «٤»
وقال آخر «٥» : [طويل]
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يفصّل «٦»
وقال ابن الزّبير «٧» يمدح أسماء بن خارجة: [طويل]
ترى البازل البختيّ فوق خوانه ... مقطّعة أعضاؤه ومفاصله «٨»
وقال الرّقاشيّ: [طويل]
стр. 1151
لنا من عطاء دهماء جونة ... تناول بعد الأقربين الأقاصيا «١»
جعلت ألالا والرّجام وطخفة ... لها فاستقلّت فوقهنّ الأثافيا «٢»
مؤدّية عنّا حقوق محمد ... إذا ما أتانا يابس الجنب طاويا
أتى ابن يسير كي ينفّس كربه ... إذا لم يرح وافى مع الصبح غاديا
فأجابه ابن يسير: [طويل]
وثرماء ثلماء النّواحي ولا يرى ... بها أحد عيبا سوى ذاك باديا «٣»
إذا انقاض منها بعضها لم تجد لها ... رءوبا لما قد كان منها مدانيا «٤»
وإن حاولوا أن يشعبوها فإنها ... على الشّعب لا تزداد إلّا تداعيا «٥»
معوّذة الإرجال لم توف مرقبا ... ولم تمتط الجون الثلاث الأثافيا «٦»
ولا اجترعت من نحو مكة شقّة ... إلينا ولا جازت بها العيس واديا «٧»
ولكنّها في أصلها موصليّة ... مجاورة فيضا من البحر جاريا
أتتنا تزجّيها المجاذيف نحونا ... وتعقب فيما بين ذاك المزاديا «٨»
стр. 1152
يقول لمن هذي القدور التي أرى ... تهيل عليها الرّيح تربا وسافيا «١»
فقالوا ولن يخفى على كلّ ناظر ... قدور رقاش إن تأمّل دانيا
فقلت متى باللحم عهد قدوركم ... فقالوا إذا ما لم يكنّ عواريا «٢»
من اضحى إلى أضحى وإلّا فإنها ... تكون بنسج العنكبوت كما هيا
فلما استبان الجهد لي في وجوههم ... وشكواهم أدخلتهم في عياليا
ينادي ببعض بعضهم عند طلعتي ... ألا أبشروا هذا اليسيريّ جائيا
وقال أبو نواس: [طويل]
ودهماء تثفيها رقاش إذا شتت ... مركّبة الآذان أمّ عيال «٣»
يغصّ بحيزوم البعوضة صدرها ... وتنزلها عفوا بغير جعال «٤»
لو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا ... لأخرجت ما فيها بعود خلال «٥»
هي القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كلّ هزال «٦»
وقال أيضا: [طويل]
رأيت قدور الناس سودا من الصّلى ... وقدر الرّقاشيّين زهراء كالبدر «٧»
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزّلا ... لأحرجت ما فيها على طرف الظّفر
يثبّتها للمعتفى بفنائهم ... ثلاث كحظّ الثاء من نقط الحبر «٨»
стр. 1153
تروح على حيّ الرّباب ودارم ... وسعد وتعروها قراضبة الفزر «١»
وللحيّ عمرو نفحة من سجالها ... وتغلب والبيض اللهاميم من بكر «٢»
إذا ما بنادى بالرحيل سعى بها ... أمامهم الحوليّ من ولد الذّرّ «٣»
وقال أبو عبيدة: كان لعبد الله بن جدعان جفنة يأكل منها القائم والراكب. وذكر غيره أنه وقع فيها صبيّ فغرق.
وقال الأشعر «٤» : [متقارب]
وأنت مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مرّ «٥»
وقد علم الضيف والطارقون ... بأنّك للضيف جوع وقرّ «٦»
سأل يحيى بن خالد أبا الحارث جمّيزا عن طعام رجل، فقال: أما مائدته فمقنة «٧» وأما صحافه فمنقورة من حبّ الخشخاش، وبين الرغيف والرغيف نقرة جوزة «٨» ، وبين اللون واللون فترة نبيّ «٩» . قال: فمن يحضرها؟
قال: الكرام الكاتبون. قال: فيأكل معه أحد؟ قال: نعم، الذّباب. قال:
فلهذا ثوبك مخرّق ولا يكسوك وأنت معه وبفنائه؟! قال أبو الحارث: جعلت فداءك، والله لو ملك بيتا من بغداد إلى الكوفة مملوءا إبرا، في كل إبرة
стр. 1154
خيط، ثم جاءه جبريل وميكائيل معهما يعقوب يضمنان «١» عنه إبر يخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر «٢» ، ما أعطاهم.
وقال بعضهم [بسيط]
ولو عليك اتّكالي في الغذاء إذا ... لكنت أوّل مدفون من الجوع
سياسة الأبدان بما يصلحها من الطعام وغيره
قال الحجّاج لتياذوق «٣» متطبّبه: صف لي صفة آخذ بها في نفسي ولا أعدوها، قال تياذوق: لا تتزوّج من النساء إلّا شابّة، ولا تأكل من اللحم إلا فتيّا، ولا تأكله حتى ينعم طبخه، ولا تشربنّ دواء إلا من علّة، ولا تأكل من الفاكهة إلا نضيجها، ولا تأكل طعاما إلا أجدت مضغه، وكل ما أحببت من الطعام واشرب عليه، وإذا شربت فلا تأكل عليه شيئا، ولا تحبس الغائط والبول، وإذا أكلت بالنهار فنم، وإذا أكلت بالليل فتمشّ ولو مائة خطوة.
روى عبد العزيز بن عمران عن الحليس بن حيّان الأشجعيّ قال حدّثني أبي عن شيوخ من أشجع قال: سألمنا يهود خيبر: بم صححتم بخيبر؟ قالوا:
بشرب الخمر، وأكل الفوم، وسكون اليفاع «٤» ، وتجنّب بطون الأودية، والخروج من خيبر عند طلوع الفجر وسقوطه.
قال الحجّاج للحكم بن المنذر بن الجارود: أخبرني عن صفاء لونك وغلظ قصرتك «٥» ، أشرب اللبن فهو منه؟ قال: لا؛ قال: ولم؟ قال: لأنه منتنة
стр. 1155
منفخة. قال: فما شرابك؟ قال: نبيذ الدّقل «١» في الصيف ونبيذ العسل في الشتاء.
قال عبد الملك لأعرابي: إنك حسن الكدنة «٢» : قال: إني أدفىء رجليّ في الشتاء، وأغفل غاشية الغمّ»
، وآكل عند الشهوة.
عن عليّ ﵁ أنه قال: من ابتدأ غذاءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعا من البلاء. ومن أكل كلّ يوم سبع تمرات عجوة قتلت كلّ داء في بطنه. ومن أكل كلّ يوم إحدى وعشرين زبيبة حمراء لم ير في بدنه شيئا يكرهه. واللحم ينبت اللحم. والثريد طعام العرب. ولحم البقر داء «٤» ، ولبنها شفاء، وسمنها دواء. والشّحم يخرج مثليه من داء. ولم يستشف الناس بشيء أفضل من الرّطب. والسّمك يذيب الجسد، وقراءة القرآن «٥» والسواك يذهب البلغم. ومن أراد البقاء- ولا بقاء- فليباكر الغداء، وليقلّل غشيان النّساء، ويخفّف الرداء، وليلبس الحذاء. قيل: وما خفّة الرّداء في البقاء؟ قال: قلّة الدّين.
قيل لرجل: إنك لحسن السّخنة «٦» ؛ فقال: آكل لباب البرّ بصغار المعز، وأدّهن بحام «٧» البنفسج، وألبس الكتّان.
стр. 1156
ويقال: ثلاثة أشياء تورث الهزال: شرب الماء على الرّيق، والنوم على غير وطاء «١» ، وكثرة الكلام برفع الصوت.
ويقال: أربع خصال يهدمن العمر وربما قتلن: دخول الحمّام على بطنة، والمجامعة على الامتلاء، وأكل القديد «٢» الجافّ، وشرب الماء البارد على الرّيق؛ وقيل: ومجامعة العجوز.
وفي الحديث: «ثلاثة أشياء تورث النّسيان أكل التّفّاح الحامض وسؤر الفأرة «٣» ونبذ القملة «٤» . وفي حديث آخر والحجامة في النّقرة «٥» والبول في الماء الراكد» .
ويقال: أربعة أشياء تقصد إلى العقل بالإفساد: الإكثار من البصل، والباقلاء، والجماع، والخمار.
وقال النّظّام: ثلاثة أشياء تخلق «٦» العقل وتفسد الذّهن: طول النّظر في المرآة، والاستغراب في الضّحك، ودوام النّظر إلى البحر.
وكان يقال: عشاء الليل يورث العشا «٧» .
ويروى في الحديث: «ترك العشاء مهرمة» . والعرب تقول: ترك العشاء يذهب بلحم الأليتين.
стр. 1157
باب الحمية
قال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الدواء هو الأزم. يعني الحمية قال آخر: الحمية إحدى العلّتين.
وقيل لجالينوس: إنك تقلّ من الطّعام؛ قال: غرضي من الطّعام أن آكل لأحيا، وغرض غيري من الطعام أن يحيا ليأكل.
وقال العمّيّ «١» : من احتمى فهو على يقين من المكروه، وفي شكّ مما يأمل من العافية.
وكان يقال: ليس الطبيب من حمى الملك ومنعه الشهوات، إنّما الطبيب من خلّاه وما يريد وساس بدنه «٢» .
وقال بعض الشعراء: [طويل]
وربّت حزم كان للسّقم علّة ... وعلّة برء الداء خبط المغفّل «٣»
ويقال: الحمية للصحيح ضارّة كما أنها للعليل نافعة.
وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد، فقال له: «أتأكل التمر وبك رمد؛ فقال: يا رسول الله، إنما أمضغ بهذه» «٤» .
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام والشّراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم» .
стр. 1158
باب شرب الدواء
قال عبد الله بن بكر السّهميّ: حدّثنا بعض أصحابنا يرفعه إلى النبيّ ﷺ قال: «من استقلّ «١» بدائه فلا يتداوينّ، فإنّه ربّ يورث الداء» .
وكانت الحكماء تقول: إياك وشرب الدواء ما حملت صحّتك داءك.
وقالوا: مثل شرب الدواء مثل الصابون للثوب ينقيه، ولكنه يخلقه ويبليه.
عن يزيد بن الأصمّ قال: لقيت طبيب كسرى شيخا كبيرا قد أوثق حاجبيه بخرقة، وسألته عن دواء المشي «٢» ؛ قال: سهم يرمى به في جوفك أخطأ أو أصاب.
قال أبقراط: الدواء من فوق، والدواء من تحت، والدواء لا فوق ولا تحت. وفسّره المفسّر فقال: من كان داؤه في بطنه فوق سرّته سقي الدواء، ومن كان داؤه تحت سرّته حقن، ومن لم يكن به داء لا من فوق ولا من تحت لم يسق الدواء، فإن الدواء إذا لم يجد داء يعمل فيه وجد الصحّة فعمل فيها.
قال أبو اليقظان: كان عبد العزّى بن عبد المطّلب «٣» يشتكي عينه وهو مطرق أبدا؛ وكان يقول: ما بعيني بأس، ولكن كان أخي الحارث إذا اشتكت عينه يقول: اكحلوا عين عبد العزّى معي فيأمر من يكحلني معه ليرضيه بذلك فأمرض عيني.
قال ابن أحمر «٤» حين شفي بطنه: [طويل]
стр. 1159
شربت الشّكاعى والتددت ألدّة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا «١»
شربنا وداوينا وما كان ضارنا ... إذا الله حمّ المرء أن لا تداويا
وفي الحديث: «داووا مرضاكم بالصّدقة وحصّنوا أموالكم بالزّكاة واستقبلوا أنواع البلايا بالدعاء» .
الحدث والحقنة والتّخمة
عن وهب قال قال لقمان لابنه: إن طول الجلوس على الخلاء يرفع الحرارة إلى الرأس، ويورث الباسور وتيجع «٢» له الكبد؛ فاجلس هوينى وقم هوينى. فكتبت حكمته على باب الحشّ «٣» .
وكان يقال: إذا خرج الطعام قبل ستّ ساعات فهو مكروه، وإذا بقي أكثر من أربع وعشرين ساعة فهو مرض.
وكان أبو ذفافة الباهليّ اشتكى، فأشار عليه الأطبّاء بالحقنة فامتنع؛ فأنشأ أعرابيّ يقول: [طويل] لقد سرّني- والله وقّاك شرّها-* نفارك منها إذ أتاك يقودها
كفى سوءة ألّا تزال مجبّيا ... على شكوة وفراء في استك عودها «٤»
وأشاروا على عبيد الله بن زياد بالحقنة فتفحّشها؛ فقالوا: إنما يتولّاها منك الطبيب؛ فقال: أنا بالصاحب آنس.
стр. 1160
قال المدائنيّ: سأل الحجّاج جلساءه: ما أذهب الأشياء للإعياء؟ فقال بعضهم: أكل التّمر، وقال بعضهم: الحمام، وقال بعضهم: التّمريخ «١» .
وقال فيروز: أذهب الأشياء للإعياء قضاء الحاجة.
وحدّثني بعض الأطبّاء أن رجلا شرب خبث الحديد المعجون فبقي في جوفه، فاشتدّ عليه وجعه؛ فسحقت له قطعة من المغناطيس وسقي إيّاه، فتعلّق بالخبث وخرج مع الغائط.
قال: وقال تياذوق طبيب الحجّاج للحجّاج: إن اللحم على اللحم يقتل السّباع في البرّية. ثم قال لي جعفر: قالت جارية لنا: كان لي ظبيّ فمرّ بعجين قد هيّء للخشكنان «٢» ، فأكل منه فحفس- والحفس: الحبط وانتفاخ البطن- فسلخ فوجد قد شرق بالدم. وقال يونس (طبيب لنا) : هكذا يصاب الإنسان إذا بشم «٣» .
الأصمعيّ: قال بعض الأعراب: اللهمّ إني أسألك ميتة كميتة أبي خارجة، وأكل بذجا «٤» ، وشرب معسّلا «٥» ، ونام في الشمس، فلقي الله شبعان ريّان دفآن.
وقال آخر من الأعراب: اللهم اجعل التّخمة دائي وداء عيالي.
قال ابن شبابة مولى بني أسد: من بال ولم يضرط كتبت استه من الكاظمين الغيظ.
следующие страницы →