Полный текст (1 325 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
يقال: للكتاب بالفارسية «ديوان» أي شياطين، لحذقهم بالأمور ولطفهم فسمّي موضعهم باسمهم.
وقال آخر: إنما قيل لمدير الأمور عن الملك «وزير» من الوزر وهو الحمل يراد أنه يحمل عنه من الأمور مثل الأوزار وهي الأحمال، قال الله :
وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ
«١» أي أحمالا من حليهم، ولهذا قيل للإثم: وزر، شبّه بالحمل على الظهر، قال الله ﵎: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
«٢» .
وكان الناس يستحسنون لأبي نواس قوله: [طويل]
يا كاتبا، كتب الغداة يسبّني ... من ذا يطيق براعة الكتّاب؟
لم ترض بالإعجام حين سببتني ... حتى شكلت عليه بالإعراب
وأردت إفهامي فقد أفهمتني ... وصدقت فيما قلت غير محابي «٣»
وقال آخر: [سريع]
يا كاتبا تنثر أقلامه ... من كفّه درّا على الأسطر
وقال عديّ «٤» بن الرّقاع: [كامل]
صلى الاله على امرىء ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها
стр. 107
ومنه أخذ الكتّاب: وأتمّ نعمته عليك وزاد فيها عندك.
وقال حاتم طيء في معنى قولهم: متّ قبلك: [طويل]
إذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... يموت فكن أنت الذي تتأخّر
وقال جرير في معناه: [بسيط]
ردّي فؤادي وكوني لي بمنزلتي ... يا قبل نفسك لاقى نفسي التلف
كتب بعض الملوك إلى بعض الكتّاب كتابا دعا له فيه «بأمتع الله بك» ، فكتب إليه ذلك الكاتب «١» : [منسرح]
أحلت عما عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت في كتبك؟
أم هل ترى أنّ في التواضع ل ... لإخوان نقصا عليك في حسبك؟
أم كان ما كان منك عن غضب ... فأيّ شيء أدناك من غضبك؟
إنّ جفاء كتاب ذي مقة «٢» ... يكتب في صدره: وأمتع بك
стр. 108
وقال الأصمعي «١» في البرامكة: [متقارب]
إذا ذكر الشّرك في مجلس ... أنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك «٢»
وقال آخر: [مجتث مجزوء]
إن الفراغ دعاني ... إلى ابتناء المساجد
وإنّ رأيي فيها ... كرأي يحيى بن خالد
مرّ عبد الله بن المقفّع ببيت النار، فقال: [كامل]
стр. 109
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل «١»
وقال دعبل «٢» في أبي عبّاد: [كامل]
أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبّره أبو عبّاد
حنق على جلسائه بدواته ... فمرمّل ومضمّخ بمداد «٣»
وكأنه من دير هرقل مفلت ... حرد يجرّ سلاسل الأقياد
خيانات العمال
حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: ذكر لنا أن امرأة من قريش كان بينها وبين رجل خصومة فأراد أن يخاصمها إلى عمر فأهدت المرأة إلى عمر فخذ جزور ثم خاصمته إليه فوجّه القضاء عليها، فقال: يا أمير المؤمنين، إفصل القضاء بيننا كما يفصل فخذ الجزور «٤» . فقضى عليها عمر وقال: إياكم والهدايا. وذكر القصة.
قال إسحاق: كان الحجاج استعمل المغيرة بن عبد الله الثقفي على الكوفة فكان يقضي بين الناس، فأهدى إليه رجل سراجا من شبه «٥» وبلغ ذلك خصمه فبعث إليه ببغلة. فلما اجتمعا عند المغيرة جعل يحمل على صاحب
стр. 110
السراج وجعل صاحب السراج يقول: إنّ أمري أضوأ من السراج. فلما أكثر عليه قال: ويحك إن البغلة رمحت «١» السراج فكسرته.
حدّثنا إسحاق قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن الجريري عن أبي بصرة عن الربيع بن زياد الحارثي أنه وفد إلى عمر فأعجبته هيئته ونحوه، فشكا عمر طعاما غليظا يأكله. فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيّب وملبس ليّن ومركب وطيء لأنت.
فضرب رأسه بجريدة وقال: والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب أن فيك خيرا. ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟ إنما مثلنا كمثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم وقالوا أنفقها علينا. فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ قال الربيع: لا.
حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلّبه بعود في يده ويقول: والله إن الذي أدّى إلينا هذا لأمين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله يؤدّون إليك ما أدّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت.
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: لما أتي علي ﵇ بالمال أقعد بين يديه الوزّان والنقّاد فكوّم كومة من ذهب وكومة من فضة وقال:
يا حمراء ويا بيضاء إحمرّي وابيضّي وغرّي غيري. وأنشد: [سريع]
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن
стр. 111
إسماعيل بن أبي خالد عن عاصم قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث عاملا يشترط عليه أربعا: ألّا يركب البراذين «١» ، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل «٢» النّقيء، ولا يتخذ بوّابا. ومر ببناء يبني بحجارة وجصّ فقال: لمن هذا؟
فذكروا عاملا له على البحرين فقال: «أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها» وشاطره ماله. وكان يقول: «لي على كل خائن أمينان: الماء والطين» .
حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: حدّثنا قريش بن انس عن سعيد عن قتادة قال: جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى واليه: أن دع لأهل الخراج من أهل الفرات ما يتختمون به الذهب ويلبسون الطيالسة ويركبون البراذين وخذ الفضل.
حدّثنا محمد بن عبيد عن هوذة عن عوف عن ابن سيرين وإسحاق عن النضر بن شميل عن ابن عون عن ابن سيرين بمعناه قال: لما قدم أبو هريرة «٣» من البحرين قال له عمر: يا عدوّ الله وعدوّ كتابه، أسرقت مال الله؟ قال أبو هريرة: لست بعدوّ الله ولا عدوّ كتابه ولكني عدوّ من عاداهما ولم أسرق مال الله.
قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف درهم؟ قال: خيلي تناسلت وعطائي تلاحق وسهامي تتابعت فقبضتها منه. قال أبو هريرة: فلما صلّيت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين ثم قال لي عمر بعد ذلك: ألا تعمل؟ فقلت: لا.
قال: قد عمل من هو خير منك، يوسف. فقلت: يوسف نبيّ ابن نبيّ وأنا
стр. 112
ابن أميمة «١» أخشى ثلاثا واثنتين. قال: فهلا قلت خمسا؟ قلت: أخشى أن أقول بغير علم، وأحكم بغير حلم، وأخشى أن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي.
حدّثنا محمد بن داود عن نصر بن قديد عن إبراهيم بن المبارك عن مالك بن دينار أنه دخل على بلال بن أبي بردة وهو أمير البصرة فقال: أيها الأمير، إني قرأت في بعض الكتب: «من أحمق من السلطان ومن أجهل ممن عصاني ومن أعزّ ممن أعزّني. أيا راعي السوء، دفعت إليك غنما سمانا سحاحا «٢» فأكلت اللحم وشربت اللبن وائتدمت «٣» بالسّمن ولبست الصوف وتركتها عظاما تتقعقع «٤» » .
حدّثني محمد بن شبابة عن القاسم بن الحكم العرني القاضي قال:
حدّثني اسماعيل بن عيّاش عن أبي محمد القرشي عن رجاء بن حيوة عن ابن مخرمة قال: إني لتحت منبر عمر بن الخطاب ﵁ بالجابية حين قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، اقرئوا القرآن تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله. إنه لن يبلغ ذو حق في حقه أن يطاع في معصية الله. ألا إنه لن يبعّد من رزق الله ولن يقرّب من أجل أن يقول المرء حقا وأن يذكّر بعظيم. ألا وإني ما وجدت صلاح ما ولّاني الله إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم بما أنزل الله. ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال
стр. 113
إلا بثلاث: أن يؤخذ من حق، ويعطى في حق، ويمنع من باطل. ألا وإنما أنا في مالكم هذا كوالي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، تقرّم البهمة» «١» .
بلغني عن محمد بن صالح عن بكر بن خنيس عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه قال: «كان زياد إذا ولّى رجلا قال له: خذ عهدك وسر إلى عملك واعلم أنك مصروف رأس سنتك وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك وسلّمتك من معرّتنا «٢» أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويا استهنّا بقوّتك وأحسنّا على خيانتك أدبك فأوجعنا ظهرك وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرّتين «٣» ، وإن وجدناك أمينا قويا زدناك في عملك ورفعنا لك ذكرك وكثّرنا مالك وأوطأنا عقبك» .
قال العتبي: بعث إلى عمر بحلل فقسّمها فأصاب كلّ رجل ثوب فصعد المنبر وعليه حلّة، والحلة ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون؟ فقال سليمان: لا نسمع. قال: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: لأنك قسّمت علينا ثوبا ثوبا وعليك حلة. قال: لا تعجل يا أبا عبد الله. ثم نادى: يا عبد الله، فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر. قال: لبّيك يا أمير المؤمنين. قال:
نشدتك بالله. الثوب الذي ائتزرت به هو ثوبك؟ قال: اللهم نعم. فقال سليمان ﵁: أمّا الآن فقل نسمع.
стр. 114
بلغني عن حفص بن عمران الرازي عن الحسن بن عمارة عن المنهال ابن عمرو قال: قال معاوية لشداد بن عمرو بن أوس: قم فاذكر عليّا فتنقّصه فقام شدّاد فقال: «الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا غيره. على ذلك مضى أوّلهم وعليه يمضي آخرهم.
أيها الناس، إن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر، وإن السامع المطيع لا حجّة عليه وإن السامع العاصي لا حجة له. وإن الله، جل وعزّ، إذا أراد بالناس صلاحا عمّل عليهم صلحاءهم «١» وقضّى بينهم فقهاءهم وجعل المال في سمحائهم، وإذا أراد بالعباد شرا عمّل عليهم سفهاءهم وقضّى بينهم جهلاءهم وجعل المال عند بخلائهم. وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤها «٢» . نصحك، يا معاوية، من أسخطك بالحق وغشّك من أرضاك بالباطل» فقال له معاوية: إجلس. وأمز له بمال، وقال: ألست من السّمحاء؟ فقال: إن كان مالك دون مال المسلمين تعمّدت جمعه مخافة تبعته فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا، فنعم. وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته «٣» دونهم، أصبته اقترافا وأنفقته إسرافا، فإن الله، ، يقول: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
«٤» .
مرّ عمرو بن عبيد بجماعة عكوف «٥» ، فقال: ما هذا؟ قالوا: سارق
стр. 115
يقطع. فقال: لا إله إلا الله، سارق السر يقطعه سارق العلانية!.
ومر طارق صاحب شرطة خالد القسري بابن شبرمة، وطارق في موكبه فقال ابن شبرمة «١» :
[طويل]
أراها وإن كانت تحبّ كأنّها ... سحابة صيف عن قريب تقشّع «٢»
اللهم «٣» ، لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ابنه: أتذكر يوم مرّ بك طارق في موكبه وقلت ما قلت؟
فقال: يا بنيّ، إنهم يجدون مثل أبيك ولا يجد مثلهم أبوك. إنّ أباك أكل من حلوائهم وحط في أهوائهم.
ولي عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس المدينة سنتين فأحسن السيرة وعفّ عن أموال الناس ثم عزل فاجتمعوا إليه فأنشد لدرّاج الضّبابي «٤» :
[طويل]
فلا السجن أبكاني ولا القيد شفّني ... ولا أنني من خشية الموت أجزع
стр. 116
ولكنّ أقواما أخاف عليهم ... إذا متّ أن يعطوا الذي كنت أمنع «١»
ثم قال: والله ما أسفت على هذه الولاية ولكني أخشى أن يلي هذه الوجوه من لا يرعى لها حقها.
ووجدت في كتاب لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: «إني أشركتك في أمانتي ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدوّ قد حرب «٢» قلبت لابن عمك ظهر المجنّ «٣» بقراقه مع المفارقين وخذلانه مع الخاذلين واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ «٤» دامية المعزى» وفي الكتاب: «ضحّ «٥» رويدا فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي به ينادي المغترّ بالحسرة ويتمنّى المضيعّ التوبة والظالم الرجعة» .
وفي كتاب لعمر بن عبد العزيز إلى عديّ «٦» بن أرطاة: «غرّني منك
стр. 117
مجالستك القرّاء وعمامتك السوداء فلما بلوناك وجدناك على خلاف ما أمّلناك، قاتلكم الله! أما تمشون بين القبور؟» .
قال ابن أحمر «١» يذكر عمّال الصّدقة: [بسيط]
إنّ العياب التي يخفون مشرجة ... فيها البيان ويلوى عندك الخبر
فابعث إليهم فحاسبهم محاسبة ... لا تخف عين على عين ولا أثر
هل في الثماني من السبعين مظلمة ... وربّها بكتاب الله مصطبر
وقال عبد الله بن همّام السّلولي «٢» : [طويل]
أقلّي عليّ اللوم يا أم مالك ... وذمّي زمانا ساد فيه الفلاقس «٣»
وساع مع السلطان ليس بناصح ... ومحترس من مثله وهو حارس «٤»
قدم بعض عمال السلطان من عمل فدعا قوما فأطعمهم وجعل يحدّثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال الله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
«٥» . قال بعض الشعراء: [بسيط]
ما ظنّكم بأناس خير كسبهم ... مصرّح السّحت سمّوه الإصابات
وقال أبو نواس في إسماعيل «٦» بن صبيح: [طويل]
стр. 118
بنيت بما خنت الإمام سقاية ... فلا شربوا إلّا أمرّ من الصّبر «١»
فما كنت إلّا مثل بائعة استها ... تعود على المرضى به طلب الأجر»
يريد معنى الحديث أن امرأة كانت في بني إسرائيل تزني بحب الرمّان وتتصدّق به على المرضى.
وقال فيه «٣» أيضا لمحمد الأمين: [طويل]
ألست أمين الله سيفك نقمة ... إذا ماق يوما في خلافك مائق «٤» ؟
فكيف بإسماعيل يسلم مثله ... عليك ولم يسلم عليك منافق؟
أعيذك بالرحمن من شرّ كاتب ... له قلم زان وآخر سارق
وقال فيه أيضا: [طويل]
ألا قل لإسماعيل إنّك شارب ... بكأس بني ماهان ضربة لازم «٥»
أتسمن أولاد الطّريد «٦» ورهطه ... بإهزال آل الله من نسل هاشم؟
وتخبر من لاقيت أنّك صائم ... وتغدو بفرج مفطر غير صائم؟
فإن يسر إسماعيل في فجراته ... فليس أمير المؤمنين بنائم
стр. 119
ولي حارثة «١» بن بدر «سرّق» فكتب إليه أنس الدّؤلي «٢» : [طويل]
أحار «٣» بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وبار تميما إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق «٤»
فإنّ جميع الناس إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى وإمّا مصدّق
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل: هاتوا حقّقوا، لم يحقّقوا
ولا تحقرن، يا حار، شيئا أصبته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق
فلما بلغت حارثة قال: لا يعمى عليك الرشد.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن جويرية بن أسماء قال: قال فلان:
«إن الرجل ليكون أمينا فإذا رأى الضّياع خان» .
قرأت في كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: «اجعل عقوبتك على اليسير من الخيانة كعقوبتك على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترأ عليك في الكبير. وأبرد البريد في الدرهم ينقص من الخراج، ولا تعاقبنّ على شيء كعقوبتك على كسرة ولا ترزقنّ على شيء كرزقك على إزجائه «٥» ، واجعل أعظم رزقك فيه وأحسن ثوابك عليه حقن دم المزجي
стр. 120
وتوفير ماله من غير أن يعلم أنك أحمدت أمره حين عفّ واعتصم من أن يهلك» .
وقرأت في التاج أن أبرويز قال لصاحب بيت المال: «إني لا أحتملك على خيانة درهم ولا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم، لأنك إنما تحقن بذلك دمك وتعمر به أمانتك فإنك إن خنت قليلا خنت كثيرا. واحترس من خصلتين: النقصان فيما تأخذ، والزيادة فيما تعطي. واعلم أني لم أجعل أحدا على ذخائر الملك وعمارة المملكة والعدّة إلا وأنت آمن عندي من موضعه الذي هو فيه وخواتيمه التي هي عليها، فحقّق ظني في اختياري إياك أحقق ظنّك في رجائك لي، ولا تتعوّض بخير شرا ولا برفعة ضعة ولا بسلامة ندامة ولا بأمانة خيانة» . وكان يقال: «كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة» .
قدم معاذ من يمن بعد وفاة رسول الله ﷺ على أبي بكر ﵁ فقال له: إرفع حسابك. فقال: أحسابان، حساب من الله وحساب منكم؟ لا والله لا ألي لكم عملا أبدا.
ذكر أعرابي رجلا خائنا فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقما وإن فلانا يحسوها حسوا.
قال بعض السلاطين لعامل له: «كل قليلا تعمل طويلا والزم العفاف يلزمك العمل، وأياك والرّشى «١» يشتد ظهرك عند الخصام» .
стр. 121
القضاء
حدّثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا بشر بن المفضّل بن لاحق قال:
حدّثنا المغيرة بن محمد عن عمر بن عبد العزيز قال: «لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال: يكون عالما قبل أن يستعمل «١» ، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرثّع «٢» ، منصفا للخصم، محتملا للأئمة» .
حدّثني علي بن محمد قال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق الأنصاري عن عبد الله بن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن علي ﵇ أنه قال: «ذمّتي رهينة وأنا به زعيم لمن صرحت له العبر ألّا يهلك على التقوى زرع قوم ولا يظمأ على التقوى سنخ «٣» أصل ألا وإن أبغض خلق الله إلى الله رجل قمش «٤» جهلا غارّا بأغباش «٥» الفتنة عميا بما في عقد الهدنة سماه أشباهه من الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما. بكّر فاستكثر، ما قلّ منه فهو خير مما كثر حتى إذا ما ارتوى من اجن «٦» واكتنز من غير طائل قعد بين الناس قاضيا لتخليص ما التبس على غيره، إن نزلت به إحدى المبهمات هيّا حشوا «٧» رثّا من رأيه، فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت. لا يعلم إذا أخطأ، لأنه لا يعلم أأخطأ أم أصاب، خبّاط عشوات ركّاب جهالات «٨» ، لا يعتذر مما
стр. 122
لا يعلم فيسلم ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع، يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام. لا مليء والله بإصدار ما ورد عليه ولا أهل لما قرّظ به» .
قال ابن شبرمة «١» : [كامل]
ما في القضاء شفاعة لمخاصم ... عند اللبيب ولا الفقيه الحاكم
أهون عليّ إذا قضيت بسنّة ... أو بالكتاب برغم أنف الراغم
وقضيت فيما لم أجد أثرا به ... بنظائر معروفة ومعالم
الهيثم عن ابن عيّاش عن الشّعبي قال: كان أوّل قاض قضى لعمر بن الخطاب بالعراق سلمان بن ربيعة الباهلي، ثم شهد القادسية وكان قاضيا بها، ثم قضى بالمدائن، ثم عزله عمر واستقضى شرحبيل على المدائن، ثم عزله واستقضى أبا قرّة الكندي فاختطّ الناس الكوفة وقاضيهم أبو قرّة. ثم استقضى شريح بن الحارث الكندي «٢» فقضى خمسا وسبعين سنة إلا أن زيادا أخرجه مرة إلى البصرة واستقضى مكانه مسروق بن الأجدع سنة حتى قدم شريح فأعاده ولم يزل قاضيا حتى أدرك الفتنة في زمن ابن الزبير فقعد ولم يقض في الفتنة. فاستقضى عبد الله بن الزبير رجلا مكانه ثلاث سنين فلما قتل ابن الزبير أعيد شريح على القضاء فلقي رجل شريحا في الطريق فقال: يا أبا أمية، قضيت والله بجور، قال: وكيف ذاك؟ ويحك! قال: كبرت سنّك واختلط عقلك وارتشى ابنك، فقال شريح: لا جرم، لا يقولها أحد بعدك.
стр. 123
فأتى الحجاج فقال: والله لا أقضي بين اثنين. قال: والله لا أعفيك أو تبغيني رجلا. فقال شريح: عليك بالعفيف الشريف أبي بردة بن أبي موسى.
فاستقضاه الحجاج وألزمه سعيد بن جبير كاتبا ووزيرا.
وروى الثوري عن علقمة بن مرثد أنه لقي محارب بن دثار «١» وكان على القضاء فقال له: يا محارب، إلى كم تردّد الخصوم؟ فقال له: إني والخصوم كما قال الأعشى: [طويل]
أرقت وما هذا السهاد المؤرّق ... وما بي من سقم وما بي معشق
ولكن أراني لا أزال بحادث ... أغادى بما لم يمس عندي وأطرق
حدّثني إسحق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: كنت جالسا عند إياس بن معاوية فأتاه رجل فسأله عن مسألة فطوّل فيها، فقال إياس: إن كنت تريد الفتيا فعليك بالحسن معلمي ومعلم أبي، وإن كنت تريد القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى- وكان على قضاء البصرة يومئذ- وإن كنت تريد الصلح فعليك بحميد «٢» الطويل، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: حطّ شيئا، ويقول لصاحبك: زده شيئا حتى نصلح بينكما، وإن كنت تريد الشغب فعليك بصالح السّدوسي، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: إجحد ما عليك. ويقول لصاحبك: إدّع ما ليس لك وادّع بيّنة غيّبا.
قرأت في الآيين: «ينبغي للحاكم أن يعرف القضاء الحقّ العدل
стр. 124
والقضاء العدل غير الحق والقضاء الحق غير العدل ويقايس بتثبّت ورويّة ويتحفّظ من الشبهة» . والقضاء الحق العدل عندهم قتل النفس بالنفس، والقضاء العدل غير الحق قتل الحر بالعبد، والقضاء الحق غير العدل الدية على العاقلة.
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أخي الأصمعي قال: حدثني عمي الأصمعي قال: قال أعرابي لقوم يتنازعون: هل لكم في الحق أو فيما هو خير من الحق؟ فقيل: وما يكون خيرا من الحق؟ قال: التحاطّ «١» والهضم، فإنّ أخذ الحق كله مرّ.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في شيء فحكّما رجلا له في المخطىء هوى، فقال للمخطىء: من يقول بقولك أكثر.
الهيثم بن عدي قال: تقدّمت كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث وأخوها الوليد إلى عبد الملك بن عمير وهو قاضي الكوفة، وكان ابنه عمرو بن عبد الملك يرمى بها فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي «٢» : [طويل]
أتاه رفيق بالشهود يسوقهم ... على ما ادّعت من صامت المال والخول «٣»
فأدلى وليد عند ذاك بحقّه ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل
ففتّنت القبطيّ حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في السّور الطّول
فلو كان من في القصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطيّ فينا على عمل
стр. 125
له حين يقضي للنساء تخاوص «١» ... وكان وما منه التخاوص والحول
إذا ذات دلّ كلّمته لحاجة ... فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرّق «٢» عينيه ولاك «٣» لسانه ... يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
فكان عبد الملك بن عمير يقول: والله لربما جاءتني السعلة أو التنحنح وأنا في المتوضّأ فأكفّ عن ذلك.
وقال ابن مناذر «٤» في خالد بن طليق وكان قد ولي قضاء البصرة:
[سريع]
قل لأمير المؤمنين الذي ... من هاشم في سرّها واللّباب
إن كنت للسّخطة عاقبتنا ... بخالد فهو أشدّ العقاب
كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله وهذا عذاب
يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطىء فتيا مرّة بالصواب
وقال فيه: [مجزوء الرمل]
جعل «٥» الحاكم يا للن ... ناس من آل طليق
ضحكة يحكم في النا ... س برأي الجاثليق «٦»
стр. 126
أيّ قاض أنت في النّق ... ص وتعطيل الحقوق
يا أبا الهيثم ما أن ... ت لهذا بخليق
لا ولا أنت لما حم ... ملت منه بمطيق
أراد عديّ بن أرطاة بكر بن عبد الله المزني على القضاء فقال له بكر:
والله ما أحسن القضاء، فإن كنت كاذبا أو صادقا فما يحلّ لك أن توليني.
وروى عبد الرزاق عن معمر قال: لما عزل ابن شبرمة عن القضاء قال له والي اليمن: اختر لنا رجلا نوليه القضاء. فقال له ابن شبرمة: ما أعرفه.
فذكر له رجل من أهل صنعاء فأرسل إليه فجاء، فقال له ابن شبرمة: هل تدري لم دعيت؟ قال: لا. قال: إنك قد دعيت لأمر عظيم، للقضاء. قال:
ما أيسر القضاء! فقال له ابن شبرمة: نسألك عن شيء يسير منه؟ قال: سل.
قال له ابن شبرمة: ما تقول في رجل ضرب بطن شاة حامل «١» فألقت ما في بطنها؟ فسكت الرجل، فقال له ابن شبرمة: إنا بلوناك فما وجدنا عندك شيئا.
فقيل له: ما القضاء فيها؟ قال ابن شبرمة: تقوّم حاملا وتقوّم حائلا ويغرم قدر ما بينهما.
حدّثني عبد الله بن محمد الخلنجي قال: كان يحيى «٢» بن أكثم يمتحن من يريدهم للقضاء، فقال لرجل: ما تقول في رجلين زوّج كل واحد منهما الآخر أمّه فولد لكل واحد من امرأته ولد، ما قرابة ما بين الوالدين؟ فلم يعرفها، فقال له يحيى: كل واحد من الولدين عمّ الآخر لأمه.
стр. 127
ودخل رجل من أهل الشام على عبد الملك بن مروان فقال: إني تزوجت امرأة وزوجت ابني أمّها ولا غنى بنا عن رفدك. فقال له عبد الملك:
إن أخبرتني ما قرابة ما بين أولادكما إذا أولدتما، فعلت. قال: يا أمير المؤمنين، هذا حميد بن بحدل قد قلدته سيفك ووليته ماوراء بابك فسله عنها، فإن أصاب لزمني الحرمان، وإن أخطأ اتسع لي العذر. فدعا بالبحدلي فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك ما قدمتني على العلم بالأنساب ولكن على الطعن بالرّماح، أحدهما عمّ الآخر والآخر خاله.
قال ابن سيرين: كنا عند أبي عبيدة بن أبي حذيفة في قبّة له وبين يديه كانون له فيه نار فجاءه رجل فجلس معه على فراشه فسارّه بشيء لا ندري ما هو، فقال له أبو عبيدة: ضع لي إصبعك في هذه النار. فقال له الرجل:
سبحان الله! تأمرني أن أضع لك أصبعي في هذه النار! فقال له أبو عبيدة:
أتبخل عليّ بأصبع من أصابعك في نار الدنيا وتسألني أن أضع لك جسدي كله في نار جهنم؟ قال: فظننا أنه دعاه إلى القضاء.
كان يقال: «ثلاث إذا كنّ في القاضي فليس بكامل: إذا كره اللوائم، وأحبّ المحامد، وكره العزل. وثلاث إذا لم تكن فيه فليس بكامل: يشاور وإن كان عالما، ولا يسمع شكيّة من أحد حتى يكون معه خصمه، ويقضي إذا علم» .
قالوا: «ويحتاج القاضي إلى العدل في لحظه ولفظه وقعود الخصوم بين يديه وألا يقضي وهو غضبان ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر» .
قال الشعبي: حضرت شريحا ذات يوم وجاءته امرأة تخاصم زوجها
стр. 128
فأرسلت عينيها «١» فبكت فقلت: يا أبا أمية، ما أظنها إلا مظلومة. فقال: يا شعبي، إنّ إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون «٢» .
بلغني عن كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس. سلام عليك، أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلّم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين الناس إلا صلحا أحل حراما أو حرّم حلالا، ولا يمنعنّك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق لا يبطله شيء. واعلم أن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس فيه قرآن ولا سنّة، واعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور عند ذلك ثم اعمد لأحبّها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى. إجعل لمن ادّعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه فإن أحضر بيّنة أخذ بحقه وإلا استحللت عليه القضاء. والمسلمون عدول في الشهادة إلا مجلودا «٣»
في حدّ أو مجرّبا عليه شهادة زور أو ظنيّنا في ولاء أو قرابة. إن الله تولّى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبيّنات. وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن الذخر، فإنه من صلحت سريرته فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن
стр. 129
تزيّن للدنيا بغير ما يعلم الله منه شانه الله، والسلام» .
وقال سلمة «١» بن الخرشب لسبيع التغلبي في شأن الرّهن التي وضعت على يديه في قتلى عبس وذبيان: [منسرح]
أبلغ سبيعا وأنت سيدنا ... قدما وأوفى رجالنا ذمما
أنّ بغيضا «٢» وأنّ إخوتها ... ذبيان قد ضرّموا الذي اضطرما
نبّئت أن حكّموك بينهم ... فلا تقولنّ بئس ما حكما
إن كنت ذا عرفة بشأنهم ... تعرف ذا حقّهم ومن ظلما
وتنزل الأمر في منازله ... حكما وعلما وتحضر الفهما
فاحكم فأنت الحكيم بينهم ... لن يعدموا الحقّ باردا صتما «٣»
واصدع أديم السواء بينهم ... على رضا من رضي ومن رغما
إن كان مالا فمثل عدّته ... مال بمال وإن دما فدما
هذا وإن لم تطق حكومتهم ... فانبذ إليهم أمورهم سلما «٤»
وأنشد عمر بن الخطاب شعر زهير بن أبي سلمى، فلما بلغ قوله:
[وافر]
فإن الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
جعل عمر يتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها ويقول: لا يخرج الحق من إحدى ثلاث إما يمين أو محاكمة أو حجّة.
стр. 130
وقال ابن أبي ليلى «١» الفقيه في عبد الله بن شبرمة «٢» : [متقارب]
وكيف ترجّى لفصل القضاء ... ولم تصب الحكم في نفسكا
وتزعم أنك لابن الجلاح «٣» ... وهيهات دعواك من أصلكا
عبد الله بن صالح العجلي قال: خرج شريك «٤» وهو على القضاء يتلقى الخيزران «٥» وقد أقبلت تريد الحج، فأتى، شاهي «٦» فأقام بها ثلاثا ولم تواف فخفّ زاده وما كان معه من الخبز فجعل يبلّه بالماء ويأكله بالملح، فقال العلاء بن المنهال «٧» الغنوي: [الوافر]
فإن كان الذي قد قلت حقّا ... بأن قد أكرهوك على القضاء
فما لك موضعا في كل يوم ... تلقّى من يحجّ من النساء
مقيما في قرى شاهي ثلاثا ... بلا زاد سوى كسر وماء
يزيد الناس خيرا كلّ يوم ... فترجع يا شريك إلى وراء
وقال فيه أيضا: [وافر]
فليت أبا شريك كان حيّا ... فيقصر حين يبصره شريك
стр. 131
ويترك من تدرّيه علينا ... إذا قلنا له: هذا أبوك «١»
وأنشد لبعض الشعراء في بعض الحكام: [كامل]
أبكي وأندب بهجة الإسلام ... إذ صرت تقعد مقعد الحكّام
إن الحوادث ما علمت كثيرة ... وأراك بعض حوادث الأيام
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثني القاسم بن الفضل قال: حدّثني رجل من بني جرير أن رجلا منهم خاصم رجلا إلى سوّار بن عبد الله فقضى على الجريري، فمر سوّار ببني جرير فقام إليه الجريري فصرعه وخنقه وجعل يقول: [سريع]
رأيت أحلاما فعبّرتها ... وكنت للأحلام عبّارا
رأيتني أخنق ضبّا «٢» على ... جحر وكان الضّبّ سوّارا
في الشهادات
حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال لي أيوب: إن من أصحابي من أرجو دعوته ولا أجيز شهادته. قال: وقال سوّار: ما أعلم أحدا أفضل من عطاء السّلمي، ولو شهد عندي على فلسين لم أجز شهادته. يذهب إلى أنه ضعيف الرأي ليس بالحازم إلّا أنه لا يطعن عليه في دينه وأمانته. قال:
وشهد أبو عمرو بن العلاء عند سوّار على نسب فقال سوّار: وما يدريك أنه ابنه؟ قال: كما أعلم أنك سوّار بن عبد الله بن عنزة بن نقب. قال: وشهد
стр. 132
رجل عند سوّار في دار قد ادّعاها رجل قال: أشهد أنها له من الماء إلى السماء. وشهد آخر فقال للكاتب: أكتب شهادتهما. فقال: أيّ شيء أكتب؟
فقال: كلّ شيء يخرج الدار من يد هذا ويجعلها في ملك هذا فاكتبه. قال أبو حاتم: بلغني أنه إنما قيل شهادة عربية وما أشبهه. قال: وشهد رجل عند سوّار، فقال له: ما صناعتك؟ قال: أنا مؤدّب. قال: فإنّا لا نجيز شهادتك.
قال ولم؟ قال؟ لأنك تأخذ على تعليم القرآن أجرا. قال: وأنت تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرا. قال: إني أكرهت على القضاء. قال: يا هذا، القضاء أكرهت عليه فهل أكرهت على أخذ الرزق؟ قال: هلمّ شهادتك.
فأجازها. قال: وشهد الفرزدق عند بعض القضاة فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس، وزيدونا. فقيل له حين انصرف: إنه، والله، ما أجاز شهادتك. قال:
وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصنة. وجاء أبو دلامة «١» ليشهد عند ابن أبي ليلى فقال في مجلسه ذلك: [طويل]
إن القوم غطّوني تغطّيت دونهم ... وإن يحثوا عني ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ... ليعلم ما تخفيه تلك النّبائث «٢»
فأجاز شهادته وحبس المشهود عليه عنده وأعطاه قيمة الشيء.
أتى رجل ابن شبرمة بقوم يشهدون له على قراح فيه نخل، فشهدوا وكانوا عدولا فسألهم: كم في القراح من نخلة؟ قالوا: لا نعلم. فردّ شهادتهم. فقال له رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فأعلمنا: كم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم.
стр. 133
وقال بعض الشعراء: [منسرح]
والخصم لا يرتجى النجاة له ... يوما إذا كان خصمه القاضي
قدّم رجل خصما له إلى زياد في حق له عليه، فقال: إن هذا الرجل يدلّ بخاصّة ذكر أنها له منك. قال: نعم. وسأخبرك بما ينفعه عندي من خاصّته: إن يكن الحقّ له عليك آخذك أخذا عنيفا، وأن يكن الحق لك عليه أقض عليه ثم أقض عنه.
وقال أبو اليقظان: كان عبيد الله بن أبي بكرة «١» قاضيا وكان يميل في الحكم إلى إخوانه. فقيل له في ذلك. فقال: وما خير رجل لا يقطع من دينه لإخوانه؟
قال المدائني: كان بين طلحة بن عبيد الله والزبير مدارأة «٢» في واد بالمدينة. قال: فقالا: نجعل بيننا عمرو بن العاص، فأتياه فقال لهما: أنتما في فضلكما وقديم سوابقكما ونعمة الله عليكما تختلفان! وقد سمعتما من رسول الله ﷺ مثل ما سمعت وحضرتما من قوله مثل الذي حضرت فيمن اقتطع شبرا من أرض أخيه بغير حق أنه يطوّقه «٣» من سبع أرضين! والحكم أحوج إلى العدل من المحكوم عليه وذلك لأن الحكم إذا جار رزىء دينه والمحكوم عليه إذا جير عليه رزىء عرض الدنيا، إن شئتما فأدليا بحجتكما وإن شئتما فأصلحا ذات بينكما. فاصطلحا وأعطى كل واحد منهما صاحبه الرضا.
стр. 134
وكان السّنديّ بن شاهك لا يستحلف المكاري ولا الحائك ولا الملّاح ويجعل القول قول المدّعي مع يمينه، ويقول: اللهمّ، إني أستخيرك في الجمّال ومعلّم الصبيان.
وقال أبو البيداء: سمعت شيخا من الأعراب يقول: نحن بالبادية لا نقبل شهادة العبد ولا شهادة العذيوط «١» ولا المغذّى ببوله. قال أبو البيداء:
فضحكت والله حتى كدت أبول في ثوبي.
وقيل لعبيد الله بن الحسن العنبري: أتجيز شهادة رجل عفيف تقيّ أحمق؟ قال: لا، وسأريكم. أدعوا لي أبا مودود حاجبي، فلما جاء قال له:
أخرح حتى تنظر ما الريح؟ فخرج ثم رجع فقال: شمال يشوبها شيء من الجنوب. فقال: أتروني كنت مجيزا شهادة مثل هذا؟.
قال الأعمش: قال لي محارب بن دثار «٢» : وليت القضاء فبكى أهلي وعزلت عنه فبكوا، فما أدري مم ذاك؟ فقلت له: وليت القضاء فكرهته وجزعت منه فبكى أهلك، وعزلت عنه فكرهت العزل وجزعت منه فبكى أهلك. فقال: إنه لكما قلت.
قدم إياس بن معاوية الشام وهو غلام فقدّم خصما له إلى قاض لعبد الملك بن مروان وكان خصمه شيخا كبيرا. فقال له القاضي: أتقدّم شيخا كبيرا؟ فقاله إياس: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟
قال: ما أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره بالخبر فقال: اقض حاجته وأخرجه من الشام لا يفسد عليّ الناس.
стр. 135
قال أعرابي لخصم له: «ولله لئن هملجت «١» إلى الباطل إنك عن الحق لقطوف» .
باب الأحكام
حدّثني عبدة بن عبد الله قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي قال: سمعت الزبير بن الحارث يحدّث عن عكرمة عن أبي هريرة قال: «قضى رسول ﷺ إذا اختلف الناس في الطرق أنها سبع أذرع» .
حدّثني يزيد بن عمرو عن محمد بن موسى عن إبراهيم بن حنتم عن غزال بن مالك الغفاري عن أبيه عن جدّه قال: «كفل النبي ﵇ رجلا في تهمة» .
قال وحدّثني أيضا عن إبراهيم بن حنتم عن غزال بن مالك عن أبيه عن جدّه قال: قال أبو هريرة: «حبس النبي ﷺ في التهمة حبسا يسيرا حتى استبرأ» .
حدّثني يزيد قال: حدّثني الوليد عن جرير بن حازم عن الحسن: «أنّ رسول الله ﷺ صلب رجلا على جبل يقال له: رباب» وقال لي رجل بالمدينة:
هو ذو رباب.
حدّثني أحمد بن الخليل عن سليمان بن حرب عن جرير عن يعلى بن حكيم عن أبيه عن ابن عباس قال: «أتى ماعز بن مالك النبيّ ﷺ فقال: «إني زنيت يا رسول ﷺ . فقال: لعلك مسست أو لمست أو غمزت. فقال: لا، بل زنيت. فأعادها عليه ثلاثا، فلما كان في الرابعة رجمه» .
стр. 136
حدّثني شبابة عن القاسم بن الحكم عن الثوري عن علي بن الأقمر عن يزيد بن أبي كبشة أن أبا الدرداء أتي بامرأة سرقت، فقال: أسرقت؟ قولي:
لا.
حدّثني سهل بن محمد قال: حدّثني الأصمعي قال: جاءوا زيادا بلصّ وعنده جماعة فيهم الأحنف، فانتهروه وقالوا: اصدق الأمير. فقال الأحنف:
إن الصدق أحيانا معجزة. فأعجب ذلك زيادا وقال: جزاك الله خيرا.
حدّثني شبابة عن القاسم بن الحكم عن إسماعيل بن عيّاش عمن حدّثه عن ابن عباس قال: «جزّ الرأس واللّحية لا يصلح في العقوبة لأن الله، ، جعل حلق الرأس نسكا لمرضاته» .
حدّثني شبابة عن القاسم عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز قال:
«إياكم والمثلة «١» في العقوبة جزّ الرأس واللحية» .
حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا سلم بن قتيبة قال:
حدّثنا يونس عن أبي بكر بن حفص بن عمر قال: كان مروان بن الحكم أمير المدينة فقضى في رجل فزّع رجلا فضرط بأربعين درهما.
حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود قال: «لا يحلّ في هذه الأمة غلّ ولا صفد ولا تجريد ولا مدّ» .
حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعي قال: كان عامر بن الظّرب العدواني حكم العرب، فنزل به قوم يستفتونه في خنثى «٢» له جارية يقال لها خصيلة.
стр. 137
وربما لامها في الإبطاء في الرعي وفي الشيء يجده عليها. فقال: يا خصيلة، لقد حبست هؤلاء القوم وريّثتهم حتى أسرعت في غنمي. قالت وما يكن عليك من ذلك؟ أتبعه مباله. فقال لها: «مسيّ خصيل بعدها أو روّحي» .
قال: وأتي ابن زياد بإنسان له قبل وذكر ولا يدرى كيف يورّث «١» فقال:
من لهذا؟ فقالوا: أرسل إلى جابر بن زيد. فأرسل إليه، فجاء يرسف في قيوده فقال: ما تقول في هذا؟ فقال: ألزقه بالجدار فإن بال عليه فهو ذكر، وإن بال في رجليه فهو أنثى.
حدثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا سلم بن قتيبة قال:
حدّثنا قيس بن الربيع عن أبي حصين أنّ رجلا كسر طنبورا لرجل فخاصمه إلى شريح «٢» ، فقال شريح: لا أقضي في الطنبور بشيء.
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن أبيه قال: قال لي أبو العجاج: يا ابن أصمع، والله لئن أقررت لألزمنّك. أي لا تقرّ.
حدثني أبو حاتم عن الأصمعي عن أبيه عن معمر قال: ردّ رجل على رجل جارية اشتراها منه، فخاصمه إلى إياس «٣» بن معاوية، فقال له: بم تردّها؟ قال له: بالحمق. فقال لها إياس: أيّ رجليك أطول؟ فقالت: هذه.
فقال: أتذكرين ليلة ولدت؟ قالت: نعم. فقال إياس: ردّ ردّ.
حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو داود عن قيس عن أبي حصين قال:
стр. 138
رأيت الشّعبيّ يقضي على جلد أسد.
الظلم
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب قال: حدّثني الأصمعيّ قال:
أخبرنا بعض أشياخ البصرة أن رجلا وامرأته اختصما إلى أمير من أمراء العراق وكانت المرأة حسنة المتنقّب قبيحة المسفر «١» ، وكان لها لسان فكأن العامل مال معها فقال: يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوّجها ثم يسيء إليها! فأهوى زوجها إلى النّقاب فألقاه عن وجهها فقال العامل: عليك اللعنة! كلام مظلوم ووجه ظالم «٢» .
وأنشد الرياشيّ «٣» في نحو هذا: [طويل]
رأيت أبا الحجناء في الناس جائرا ... ولون أبي الحجناء لون البهائم
تراه على ما لاحه من سواده ... وإن كان مظلوما له وجه ظالم
أبو حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: كان رجل من العرب في الجاهلية إذا رأى رجلا يظلم ويعتدي يقول: فلان لا يموت «٤» سويّا. فيرون ذلك حتى مات رجل ممن قال ذلك فيه فقيل له: مات فلان سويا. فلم يقبل حتى تتابعت الأخبار. فقال: إن كنتم صادقين: فإن لكم دارا سوى هذه تجازون فيها.
стр. 139
كتب رجل من الكتّاب إلى سلطان: «أعيذك بالله من أن تكون لاهيا عن الشكر محجوبا بالنعم صارفا فضل ما أوتيت من السلطان إلى ما تقلّ عائدته وتعظم تبعته من الظلم والعدوان، وأن يستزلّك الشيطان بخدعه وغروره وتسويله فيزيل عاجل الغبطة وينسيك مذموم العاقبة، فإن الحازم من يذكر في يومه المخوف من عواقب غده ولم يغرّه طول الأمل وتراخي الغاية ولم يضرب في غمرة من الباطل ولا يدري ما تتجلّى به مغبّتها. هذا إلى ما يتبع الظالم من سوء المنقلب وقبيح الذكر الذي لا يفنيه كرّ الجديدين «١» واختلاف العصرين» .
حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا معاوية بن عمرو قال: حدّثنا أبو إبراهيم السقّاء عن ليث عن مجاهد قال: «يؤتى بمعلم الصبيان يوم القيامة فإن كان عدل بين الغلمان وإلا أقيم مع الظلمة» . وكان معاوية يقول: إني لأستحيي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله. وقال بلال: «إني لأستحيي أن أظلم وأحرج أن أظلم» . وكان يقال: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيّض له من يظلمه.
كتب رجل إلى سلطان: «أحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه وأولاهم بالإنصاف من بسطت بالقدرة يداه» .
ذكر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب: إني لا أجد في كتاب الله المنزّل أنّ الظلم يخرب الديار. فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن، قال الله، : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
«٢» .
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: كان فرعان وهو من بني
стр. 140
تميم لا يزال يغير على إبل الناس فيأخذ منها ثم يقاتلهم عليها إلى أن أغار على رجل فأصاب له جملا، فجاء الرجل فأخذ بشعره فجذبه فبرك، فقال الناس: كبرت والله يا فرعان. فقال: لا والله ولكن جذبني جذبة محقّ. وكان سديف بن ميمون مولى اللهبيين يقول: اللهمّ قد صار فيئنا دولة «١» بعد القسمة وإمارتنا غلبة بعد المشورة وعهدنا ميراثا بعد الاختيار للأمة. واشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة وحكّم في أبشار المسلمين أهل الذمة وتولى القيام بأمورهم فاسق كلّ محلّة. اللهمّ وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهايته واجتمع طريده. اللهمّ فأتح له يدا من الحق حاصدة تبدد شمله وتفرّق أمره ليظهر الحقّ في أحسن صوره وأتم نوره.
ولي أعرابي بعض النواحي فجمع اليهود في عمله وسألهم عن المسيح فقالوا: قتلناه وصلبناه. فقال: فهل أديتم ديته؟ قالوا: لا. قال: فوالله لا تخرجون أو تؤدّوها. فلم يبرحوا حتى أدّوها.
كان أبو العاج على جوالى البصرة فأتي برجل من النصارى: فقال ما اسمك؟ فقال: بنداذ شهر بنداذ. فقال: اسم ثلاثة وجزية واحد! لا والله العظيم. قال: فأخذ منه ثلاث جزى.
ولي أعرابي تبالة «٢» فصعد المنبر فما حمد الله ولا أثنى عليه حتى قال:
إن الأمير، أعزنا الله وإياه، ولّاني بلادكم هذه، وإني والله ما أعرف من الحق
стр. 141
موضع سوطي، ولن أوتى بظالم ولا مظلوم إلا أوجعتهما ضربا، فكانوا يتعاملون، بالحق بينهم ولا يرتفعون إليه. قال بعض الشعراء «١» : [طويل]
بني عمّنا، لا تذكروا الشّعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير «٢» القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّة ... فنقبل ضيما أو نحكّم قاضيا «٣»
ولكنّ حكم السيف فيكم مسلّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا
فإن قلتم وإنّا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا
وقال آخر: [سريع]
تفرح أن تغلبني ظالما ... والغالب المظلوم لو تعلم
وكانوا يتوقّون ظلم السلطان إذا دخلوا عليه بأن يقولوا: «بسم الله إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
«٤» اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«٥» أخذت سمعك وبصرك بسمع الله وبصره. أخذت قوّتك بقوّة الله. بيني وبينك ستر النبوّة الذي كانت الأنبياء تستتر به من سطوات الفراعنة. جبريل عن يمينه وميكائيل عن يسارك ومحمد أمامك والله مطلع عليك ويحجرك عني ويمنعني منك» .
وقال بعض الشعراء: [وافر]
ونستعدي الأمير إذا ظلمنا ... فمن يعدي إذا ظلم الأمير؟
стр. 142
وقال آخر: [وافر]
إذا كان الأمير عليك خصما ... فلا تكثر فقد غلب الأمير
وكتب رجل إلى صديق له: قد كنت أستعديك ظالما على غيرك فتحكم لي وقد استعديتك عليك مظلوما فضاق عني عدلك، وذكّرني قول القائل:
[خفيف]
كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهم وكربتي فأين الفرار؟
ونحوه: [منسرح]
والخصم لا يرتجى النجاح له ... يوما إذا كان خصمه القاضي «١»
حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: كان يقال: ما أعطي أحد قطّ النّصف «٢» فأباه إلا أخذ شرا منه. قال: وقال الأحنف: ما عرضت النّصفة قطّ على أحد فقبلها إلا دخلتني له هيبة ولا ردّها إلا اختبأتها في عقله.
وقال البعيث «٣» : [طويل]
وإني لأعطي النّصف من لو ظلمته ... أقرّ وطابت نفسه لي بالظّلم
وقال الطائي «٤» : [طويل]
يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية «٥» ... يمانية والأري بالضيم علقما
إذا فرشوه النّصف نامت شذاته ... وإن رتعوا في ظلمه كان أظلما
стр. 143
وقال العباس بن عبد المطلب «١» : [طويل]
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدّما
تركناهم ولا يستخلّون بعدها ... لذي رحم يوما من الدهر محرما
بلغنا عن ضمرة عن ثور بن يزيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمّاله: أمّا بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله عليك وفناء ما تؤتي إليهم وبقاء ما يؤتون إليك، والسلام.
وسمع ابن سيرين رجلا يدعو على من ظلمه، فقال: أقصر يا هذا، لا يربح عليك ظالمك.
قولهم في الحبس
في الحديث المرفوع: «شكا يوسف ﵇ إلى الله، طول الحبس فأوحى الله إليه: من حبسك يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ
«٢» ولو قلت: العافية أحبّ إليّ لعوفيت» .
حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: «إن يوسف ﵇ دعا لأهل السجن دعوة لم تزل تعرف لهم إلى اليوم، قال:
اللهمّ، أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار» . فيقال: إنهم أعلم الناس بكل خبر في كل بلد.
стр. 144
وكتب على باب السجن: «هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وتجربة الصديق وشماتة الأعداء» .
أنشدني الرياشيّ «١» : [بسيط]
ما يدخل السّجن إنسان فتسأله ... ما بال سجنك إلا قال مظلوم
وقال أعرابي: [طويل]
ولمّا دخلت السجن كبّر أهله ... وقالوا: أبو ليلى الغداة حزين
وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنّك تنزو «٢» ثمّ سوف تلين
ويقال: إنّ قولهم «تنزو وتلين» رؤي مكتوبا على باب حبس فضربه الناس مثلا.
وقال بعض المسجونين: [متقارب]
وبتّ بأحصنها منزلا ... ثقيلا على عنق السالك «٣»
وليس بضيف ولا في كرا «٤» ... ولا مستعير ولا مالك
ولست بغضب ولا كالرّهون «٥» ... ولا يشبه الوقف عن هالك
ولي مسمعان فأدناهما ... يغنّي ويسمع في الحالك
وأقصاهما ناظر في السما ... عمدا وأوسخ من عارك «٦»
стр. 145
المسمع الأوّل قيده والثاني صاحب الحرس، ونحو قول الآخر:
[متقارب]
ولي مسمعان وزمّارة ... وظلّ مديد وحصن أمقّ «١»
الزمّارة الغلّ، وأصل الزمّارة السّاجور.
قال أبو عبيدة: اختصم خالد بن صفوان «٢» مع رجل إلى بلال بن أبي بردة «٣» ، فقضى للرجل على خالد، فقام خالد وهو يقول: [طويل]
سحابة صيف عن قليل تقشّع «٤»
فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد. وأمر به إلى الحبس، فقال خالد: علام تحبسني؟ فوالله ما جنيت جناية ولا خنت خيانة.
فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت وأقياد ثقال وقيّم يقال له حفص.
قال الحجاج للغضبان بن القبعثري ورآه سمينا: ما أسمنك؟ قال: القيد والرّتعة «٥» ، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
следующие страницы →