← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

موضع سوطي، ولن أوتى بظالم ولا مظلوم إلا أوجعتهما ضربا، فكانوا يتعاملون، بالحق بينهم ولا يرتفعون إليه. قال بعض الشعراء «١» : [طويل] بني عمّنا، لا تذكروا الشّعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير «٢» القوافيا فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّة ... فنقبل ضيما أو نحكّم قاضيا «٣» ولكنّ حكم السيف فيكم مسلّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا فإن قلتم وإنّا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنّا أسأنا التقاضيا وقال آخر: [سريع] تفرح أن تغلبني ظالما ... والغالب المظلوم لو تعلم وكانوا يتوقّون ظلم السلطان إذا دخلوا عليه بأن يقولوا: «بسم الله إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا «٤» اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ «٥» أخذت سمعك وبصرك بسمع الله وبصره. أخذت قوّتك بقوّة الله. بيني وبينك ستر النبوّة الذي كانت الأنبياء تستتر به من سطوات الفراعنة. جبريل عن يمينه وميكائيل عن يسارك ومحمد أمامك والله مطلع عليك ويحجرك عني ويمنعني منك» . وقال بعض الشعراء: [وافر] ونستعدي الأمير إذا ظلمنا ... فمن يعدي إذا ظلم الأمير؟

стр. 142

وقال آخر: [وافر] إذا كان الأمير عليك خصما ... فلا تكثر فقد غلب الأمير وكتب رجل إلى صديق له: قد كنت أستعديك ظالما على غيرك فتحكم لي وقد استعديتك عليك مظلوما فضاق عني عدلك، وذكّرني قول القائل: [خفيف] كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهم وكربتي فأين الفرار؟ ونحوه: [منسرح] والخصم لا يرتجى النجاح له ... يوما إذا كان خصمه القاضي «١» حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: كان يقال: ما أعطي أحد قطّ النّصف «٢» فأباه إلا أخذ شرا منه. قال: وقال الأحنف: ما عرضت النّصفة قطّ على أحد فقبلها إلا دخلتني له هيبة ولا ردّها إلا اختبأتها في عقله. وقال البعيث «٣» : [طويل] وإني لأعطي النّصف من لو ظلمته ... أقرّ وطابت نفسه لي بالظّلم وقال الطائي «٤» : [طويل] يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية «٥» ... يمانية والأري بالضيم علقما إذا فرشوه النّصف نامت شذاته ... وإن رتعوا في ظلمه كان أظلما

стр. 143

وقال العباس بن عبد المطلب «١» : [طويل] أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدّما تركناهم ولا يستخلّون بعدها ... لذي رحم يوما من الدهر محرما بلغنا عن ضمرة عن ثور بن يزيد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمّاله: أمّا بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله عليك وفناء ما تؤتي إليهم وبقاء ما يؤتون إليك، والسلام. وسمع ابن سيرين رجلا يدعو على من ظلمه، فقال: أقصر يا هذا، لا يربح عليك ظالمك. قولهم في الحبس في الحديث المرفوع: «شكا يوسف ﵇ إلى الله، طول الحبس فأوحى الله إليه: من حبسك يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ «٢» ولو قلت: العافية أحبّ إليّ لعوفيت» . حدّثني عبد الرحمن بن عبد المنعم عن أبيه عن وهب قال: «إن يوسف ﵇ دعا لأهل السجن دعوة لم تزل تعرف لهم إلى اليوم، قال: اللهمّ، أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار» . فيقال: إنهم أعلم الناس بكل خبر في كل بلد.

стр. 144

وكتب على باب السجن: «هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وتجربة الصديق وشماتة الأعداء» . أنشدني الرياشيّ «١» : [بسيط] ما يدخل السّجن إنسان فتسأله ... ما بال سجنك إلا قال مظلوم وقال أعرابي: [طويل] ولمّا دخلت السجن كبّر أهله ... وقالوا: أبو ليلى الغداة حزين وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بأنّك تنزو «٢» ثمّ سوف تلين ويقال: إنّ قولهم «تنزو وتلين» رؤي مكتوبا على باب حبس فضربه الناس مثلا. وقال بعض المسجونين: [متقارب] وبتّ بأحصنها منزلا ... ثقيلا على عنق السالك «٣» وليس بضيف ولا في كرا «٤» ... ولا مستعير ولا مالك ولست بغضب ولا كالرّهون «٥» ... ولا يشبه الوقف عن هالك ولي مسمعان فأدناهما ... يغنّي ويسمع في الحالك وأقصاهما ناظر في السما ... عمدا وأوسخ من عارك «٦»

стр. 145

المسمع الأوّل قيده والثاني صاحب الحرس، ونحو قول الآخر: [متقارب] ولي مسمعان وزمّارة ... وظلّ مديد وحصن أمقّ «١» الزمّارة الغلّ، وأصل الزمّارة السّاجور. قال أبو عبيدة: اختصم خالد بن صفوان «٢» مع رجل إلى بلال بن أبي بردة «٣» ، فقضى للرجل على خالد، فقام خالد وهو يقول: [طويل] سحابة صيف عن قليل تقشّع «٤» فقال بلال: أما إنها لا تقشّع حتى يصيبك منها شؤبوب برد. وأمر به إلى الحبس، فقال خالد: علام تحبسني؟ فوالله ما جنيت جناية ولا خنت خيانة. فقال بلال: يخبرك عن ذلك باب مصمت وأقياد ثقال وقيّم يقال له حفص. قال الحجاج للغضبان بن القبعثري ورآه سمينا: ما أسمنك؟ قال: القيد والرّتعة «٥» ، ومن كان في ضيافة الأمير سمن.

стр. 146

كان خالد «١» بن عبد الله حبس الكميت «٢» الشاعر فزارته امرأته في السجن فلبس ثيابها وخرج ولم يعرف فقال: [طويل] ولما أحلّوني بصلعاء صيلم ... بإحدى زبى ذي اللّبدتين أبي الشّبل «٣» خرجت خروج القدح «٤» قدح ابن مقبل «٥» ... على رغم اناف النوابح والمشلي «٦» عليّ ثياب الغانيات وتحتها ... عزيمة مرء أشبهت سلّة «٧» النّصل وكان خالد بن عبد الله حبس الفرزدق فقال: [طويل] وإني لأرجو خالدا أن يفكّني ... ويطلق عني مقفلات الحدائد فإن يك قيدي ردّ همّي فربما ... تناولت أطراف الهموم الأباعد وما من بلاء غير كلّ عشية ... وكلّ صباح زائر غير عائد يقول لي الحداد هل أنت قائم؟ ... وما أنا إلّا مثل آخر قاعد وقال بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسريّ «٨» حين حبس:

стр. 147

[طويل] لعمري لقد أعمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل فإن تحبسوا القسريّ لا تحبسوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل وقال بعض المسجونين: [طويل] أسجن وقيد واغتراب وعسرة ... وفقد حبيب! إنّ ذا لعظيم وإنّ امرأ تبقى مواثيق عهده ... على كل هذا، إنه لكريم وقال آخر مثله: [طويل] إلى الله أشكو إنه موضع الشكوى ... وفي يده كشف المصيبة والبلوى خرجنا من الدنيا ونحن من اهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة ... عجبنا وقلّنا: جاء هذا من الدنيا وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثنا ... إذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرؤية فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى وقال يزيد «١» بن المهلّب وهو في الحبس: يا لهفي على طلبة «٢» بمائة ألف وفرج في جبهة أسد. ودخل الفرزدق على المهلّب وهو محبوس فقال:

стр. 148

[منسرح] أصبح في قيدك السماحة وال ... جود وحمل الدّيات والحسب «١» فقال له: أتمدحني على هذه الحال؟ فقال: أصبتك رخيصا فاشتريتك «٢» . وحبس الرشيد أبا العتاهية فكتب إليه من الحبس بأبيات منها: [منسرح] تفديك نفسي من كل ما كرهت ... نفسك إن كنت مذنبا فاغفر يا ليت قلبي مصوّر لك ما ... فيه لتستيقن الذي أضمر فوقّع الرشيد في رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه رقعة أخرى. فيها: [وافر] كأنّ الخلق ركّب فيه روح ... له جسد وأنت عليه رأس أمين الله، إن الحبس بأس ... وقد وقّعت «ليس عليك بأس» فأمر بإطلاقه. الحجاب أبو حاتم عن العتبي عن أبيه أن عبد «٣» العزيز بن زرارة الكلابي وقف

стр. 149

على باب معاوية فقال: من يستأذن لي اليوم فأدخله غدا؟ وهو في شملتين، فلما دخل على معاوية قال: هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معوّلا إلا عليك. أمتطي الليل بعد النهار وأسم المجاهل بالآثار. يقودني نحوك رجاء وتسوقني إليك بلوى، والنفس مستطئة والاجتهاد عاذر. فأكرمه وقرّبه. فقال في ذلك. [وافر] دخلت على معاوية بن حرب ... وذلك إذ يئست من الدخول وما نلت الدخول عليه حتّى ... حللت محلّة الرّجل الذليل وأغضيت الجفون على قذاها ... ولم أسمع إلى قال وقيل فأدركت الذي أمّلت فيه ... بمكث والخطا زاد العجول وقال غير العتبي: لما دخل عبد العزيز بن زرارة على معاوية قال له: «إني رحلت إليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت ببابك أقواما قدّمهم الحظّ، وآخرين باعدهم الحرمان. وليس ينبغي للمتقدم أن يأمن ولا للمتأخر أن ييأس. وأول المعرفة الاختبار فابل واختبر» وفي حجّاب معاوية إياه يقول شاعر مضر «١» : [سريع] من يأذن اليوم لعبد العزيز ... يأذن له عبد عزيز غدا قال أبو اليقظان: كان عبد العزيز بن زرارة فتى العرب. استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه. فقيل له: حجبك أمير المؤمنين؟ فقال لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني. وحجب معاوية أبا الدرداء فقال

стр. 150

أبو الدرداء: من يغش سدد السلطان يقم ويقعد ومن صادف بابا عنه مغلقا وجد إلى جانبه بابا فتحا، إن دعا أجيب وإذا سأل أعطي. قال رجل لحاجبه: إنك عين أنظر بها وجنّة «١» أستنيم إليها، وقد ولّيتك بابي، فما تراك صانعا برعيتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك وأحملهم على قدر منازلهم عندك وأضعهم في إبطائهم عن زيارتك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم وأرتّبهم حيث وضعهم ترتيبك وأحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك. قال: قد وفّيت ما لك وما عليك إن صدّقته بفعل. وكان يقال: حاجب الرجل حارس عرضه. وقرأت في التاج أن أبرويز قال لحاجبه: «لا تقدّمنّ مستغيثا ولا تضعنّ ذا شرف بصعوبة حجاب ولا ترفعنّ ذا ضعة بسهولته. وضع الرجال مواضع أخطارهم، فمن كان مقدّما له الشرف ممن ازدرعه «٢» ولم يهدمه من بعد بنائه فقدّمه على شرفه الأوّل وحسن رأيه الآخر، ومن كان له شرف مقدّم فلم يصن ذلك إبلاغا به ولم يزدرعه تثميرا له فألحق بآبائه مهلة سبقهم في خواصهم، وألحق به في خاصته ما ألحق بنفسه. لا تأذن له إلا دبرا ولا تأذن له إلا سرارا «٣» . وإذا ورد عليك كتاب عامل من عمّالي فلا تحبسه عني طرفة عين إلا أن أكون على حال لا تستطيع الوصول إليّ فيها، وإن أتاك مدّع لنصيحة فاستكتبها سرّا ثم أدخله بعد أن تستأذن له. حتى إذا كان مني بحيث أراه فادفع إليّ كتابه، فإن أحمدت قبلت وإن كرهت رفضت، ولا ترفعنّ إليّ طلبة

стр. 151

طالب إن منعته بخّلني وإن أعطيته ازدراني، إلا بمؤامرة مني من غير أن تعلمه أنك قد أعلمتني وإن أتاك عالم يستأذن عليّ لعلم يزعم أنه عنده فاسأله: ما علمه ذلك؟ ثم استأذن له فإن العلم كاسمه، ولا تحجبنّ سخطة ولا تأذننّ رضا، أخصص بذلك الملك ولا تخصّ به نفسك» . الهيثم قال: قال خالد بن عبد الله لحاجبه: «لا تحجبنّ عنّي أحدا إذا أخذت مجلسي، فإن الوالي لا يحجب إلا عن ثلاث: عيّ يكره أن يطّلع عليه منه، أو ريبة، أو بخل فيكره أن يدخل عليه من يسأله» . ومنه أخذ ذلك محمود الورّاق «١» فقال: [طويل] إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردّ ذوي الحاجات دون حجابه ظننت به إحدى ثلاث وربّما ... نزعت بظنّ واقع بصوابه فقلت به مسّ من العيّ «٢» ظاهر ... ففي إذنه للناس إظهار ما به فإن لم يكن عيّ اللسان فغالب ... من البخل يحمي ما له عن طلابه «٣» فإن لم يكن هذا ولا ذا فريبة ... يصرّ عليها عند إغلاق بابه وقال بعض الشعراء: [مجزوء المديد] إعلمن إن كنت تعلمه ... أنّ عرض الملك حاجبه فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه وقال آخر: [سريع] كم من فتى تحمد أخلاقه ... وتسكن الأحرار في ذمّته قد كثّر الحاجب أعداءه ... وسلّط الذّمّ على نعمته

стр. 152

حضر باب عمر بن الخطاب ﵁ جماعة منهم سهيل بن عمرو وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس فخرج الآذن فقال: أين صهيب؟ أين عمّار؟ أين سلمان؟ فتمعّرت «١» وجوه القوم. فقال واحد منهم: لم تتمعّر وجوهكم؟ دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر. وقال بعض الشعراء: [طويل] سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخفّ قليلا إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا وقال آخر لحاجب: [طويل] سأترك بابا أنت تملك إذنه ... وإن كنت أعمى عن جميع المسالك فلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رحلي مسرعا نحو مالك وكتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف: [طويل] لئن عدت بعد اليوم إني لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغى المكارم متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم؟ وقال آخر: [متقارب] ولست بمتّخذ صاحبا ... يقيم على بابه حاجبا إذا جئت قال له: حاجة ... وإن عدت ألفيته غائبا ويلزم إخوانه حقّه ... وليس يرى حقّهم واجبا فلست بلاقيه حتى الممات ... إذا أنا لم ألقه راكبا

стр. 153

وقال عبد الله «١» بن سعيد في حاجب الحجّاج «٢» وكان يحجبه دائما: [طويل] ألا ربّ نصح يغلق الباب دونه ... وغشّ إلى جنب السرير يقرّب وقال آخر: [سريع] ما ضاقت الأرض على راغب ... يطّلب الرزق ولا هارب بل ضاقت الأرض على طالب ... أصبح يشكو جفوة الحاجب وحجب رجل عن باب سلطان فكتب إليه: «نحن نعوذ بالله من المطامع الدنيّة والهمم القصيرة وابتذال الحرّية، فإن نفسي، والحمد لله، أبيّة ما سقطت وراء همّة ولا خذلها صبر عند نازلة ولا استرقّها طمع ولا طبعت على طبع وقد رأيتك ولّيت عرضك من لا يصونه ووصلت ببابك من يشينه وجعلت ترجمان عقلك من يكثر من أعدائك وينقص من أوليائك ويسيء العبارة عنك ويوجه وفد الذم إليك ويضغن قلوب إخوانك عليك إذ كان لا يعرف لشريف قدرا ولا لصديق منزلة، ويزيل المراتب عن جهل بها وبدرجاتها فيحطّ العليّ إلى مرتبة الوضيع ويرفع الدنيّ إلى مرتبة الرفيع ويحتقر الضعيف لضعفه وتنبو عينه عن ذي البذاذة «٣» ويميل إلى ذي اللباس والزينة ويقدّم على الهوى ويقبل الرّشا» .

стр. 154

وقال بشار، وقيل هو لغيره: [كامل] تأبي خلائق خالد «١» وفعاله ... إلّا تجنّب كلّ أمر عائب فإذا أتيت الباب وقت غدائه ... أذن الغداء برغم أنف الحاجب وهذا ضدّ قول الآخر: [سريع] إذا تغدّى فرّ بوّابه ... وارتدّ من غير يد بابه ومات من شهوة ما يحتسي ... عياله طرّا وأصحابه وقال آخر: [خفيف] يا أميرا على جريب «٢» من الأر ... ض له تسعة من الحجّاب قاعدا في الخراب يحجب عنه ... ما سمعنا بحاجب في خراب! وقال آخر «٣» : [طويل] على أي باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه «٤» وقال الطائي: [بسيط] يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب

стр. 155

وقال أيضا: [كامل] ومحجّب حاولته فوجدته ... نجما عن الرّكب العفاة شسوعا أعدمته لمّا عدمت نواله ... شكري فرحنا معدمين جميعا وقال آخر: [خفيف] قد أطلنا بالباب أمس القعودا ... وجفينا به جفاء شديدا وذممنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا المولى عذرنا العبيدا وحجب رجل فكتب: [طويل] أبا جعفر، إن الولاية إن تكن ... منبّلة قوما فأنت لها نبل فلا ترتفع عنّا لشيء وليته ... كما لم يصغّر عندنا شأنك العزل وكتب رجل من الكتّاب في هذا المعنى إلى صديق له: «إن كان ذهولك «١» عنا لدنيا أخضلت «٢» عليك سماؤها وأرتبت بك «٣» ديمها فإن أكثر ما يجري في الظن بك بل في اليقين منك أنك أملك ما تكون لعنانك أن يجمح بك ولنفسك، أن تستعلي عليك إذا لانت لك أكنافها وانقاد في كفّك زمامها؛ لأنك لم تنل ما نلت خلسا ولا خطفا، ولا عن مقدار جرف إليك غير حقك وأمال نحوك سوى نصيبك. فإن ذهبت إلى أنّ حقك قد يحتمل في قوّته وسعته أن تضمّ إليه الجفوة والنّبوة فيتضاءل في جنبه ويصغر عن كبيره فغير مدفوع عن ذلك. وايم «٤» الله لولا ما بليت به النفس من الظّنّ بك وأن مكانك منها لا

стр. 156

يسدّه غيرك لسخت عنك وذهلت عن إقبالك وإدبارك ولكان في جفائك ما يردّ من غرّتها ويبرّد من غلتها، ولكنه لما تكاملت النعمة لك تكاملت الرغبة فيك» . أبو حاتم عن العتبيّ قال: قال معاوية لحصين بن المنذر وكان يدخل عليه في أخريات الناس: يا أبا ساسان، كأنه لا يحسن إذنك. فأنشأ «١» يقول: [طويل] كلّ خفيف الشأن يسعى مشمّرا ... إذا فتح البوّاب بابك إصبعا ونحن الجلوس الماكثون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا وقال بعض الشعراء في بشر بن مروان: [طويل] بعيد مردّ العين ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي «٢» باب دار ولا ستر ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم «٣» سود أو صقالبة حمر ولكنّ بشرا يسّر الباب للتي ... يكون له في غبّها الحمد والأجر وقال بشر: [طويل] فلا تبخلا بخل ابن قرعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين إذا جئته في العرف أغلق بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كل معروف عليك يمين؟

стр. 157

وقال ابن هرمة «١» يمدح: [كامل] هشّ إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدّب الخدّام وإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيّهما أخو الأرحام وكتب رجل إلى بعض الملوك: [وافر] إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل فكتب إليه الآخر: [وافر] إذا كان الجواد قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب وقال عبيد الله «٢» بن عكراش: [طويل] وإني لأرثي للكريم إذا غدا ... على طمع عند اللئيم يطالبه وأرثي له من مجلس عند بابه ... كمرثيتي للطّرف «٣» والعلج راكبه وكتب عبد الله بن أبي عيينة «٤» إلى صديق له: [وافر] أتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال السّتر دونك والحجاب ولست بساقط في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذّباب

стр. 158

أبو حاتم عن عبد الله بن مصعب الزبيري قال: كنا بباب الفضل «١» بن الربيع وهم يأذنون لذوي الهيئات والشارات وأعرابي يدنو فكلما دنا طرح. فقام ناحية وأنشأ يقول: [بسيط] رأيت آذننا يعتام «٢» بزّتنا ... وليس للحسب الزاكي بمعتام ولو دعينا على الأحساب قدّمني ... مجد تليد وجدّ «٣» راجح نامي متى رأيت الصقور الجدل يقدمها ... خلطان من رخم قرع ومن هام؟ دخل شريك الحارثي على معاوية فقال له معاوية: من أنت؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، ما رأيت لك هفوة قبل هذه، مثلك ينكر مثلي من رعيته! فقال له معاوية: إن معرفتك متفرقة، أعرف وجهك إذا حضرت في الوجوه، وأعرف اسمك في الأسماء إذا ذكرت، ولا أعلم أن ذلك الاسم هو هذا الوجه، فاذكر لي اسمك تجتمع معرفتك. إستأذن رجلان على معاوية فأذن لأحدهما وكان أشرف منزلة من الآخر، ثم أذن للآخر فدخل عليه فجلس فوق صاحبه. فقال معاوية: إن الله قد ألزمنا تأديبكم كما ألزمنا رعايتكم، وأنّا لم نأذن له قبلك ونحن نريد أن يكون مجلسه دونك. فقم لا أقام الله لك وزنا. دخل أبو مجلز «٤» على عمر بن عبد العزيز حين أقدمه من خراسان، فلم

стр. 159

يقبل عليه. فلما خرج قال له بعض من حضر المجلس. هذا أبو مجلز. فردّه واعتذر إليه وقال: إني لم أعرفك. قال: يا أمير المؤمنين، فهلا أنكرتني؟. قال أشجع «١» السلمي يذكر باب محمد بن منصور بن زياد «٢» : [مجزوء الهزج] على باب ابن منصور ... علامات من البذل جماعات وحسب البا ... ب فضلا كثرة الأهل وكانت العرب تتعوّذ بالله من قرع الفناء ومن قرع المراح. وقال بعض الشعراء: [كامل] مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأنّ بابك مجمع الأسواق أرجوك أم خافوك أم شاموا الحيا «٣» ... بحراك «٤» فانتجعوا من الآفاق وقال آخر: [سريع] يزدحم الناس على بابه ... والمشرب العذّب كثير الزحام وقال آخر: [رجز] إن النّدى حيث ترى الضّغاطا يعني الزحام. وقال بشار: [خفيف] ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذّ طعم العطاء

стр. 160

يسقط الطير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء دقّ رجل على عمر بن عبد العزيز الباب فقال عمر: من هذا؟ قال: أنا قال عمر: ما نعرف أحدا من إخواننا يسمّى أنا. خرج شبيب بن شيبة من دار الخلافة يوما فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ فقال: رأيت الداخل راجيا ورأيت الخارج راضيا. قال أبو العتاهية: [متقارب] إذا اشتدّ دوني حجاب امرىء ... كفيت المؤونة حجّابه حجب أعرابي على باب السلطان فقال: [طويل] أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولا يكرم النفس الذي لا يهينها «١» وقال جرير: [كامل] قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب «٢» وقال آخر: [طويل] لما وردت الباب أيقنت أننا ... على الله والسلطان غير كرام «٣» وقال أبو القمقام «٤» الأسدي:

стр. 161

[بسيط] أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام أدخلت قبلي قوما لم يكن لهم ... من قبل أن يلجوا الأبواب قدّامي لو عدّ بيت وبيت كنت أكرمهم ... بيتا وأبعدهم من منزل الذّام فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلت ... بباب دارك أذلوها بأقوام التلطّف في مخاطبة السلطان وإلقاء النصيحة إليه العتبي قال: قال عمرو بن عتبة للوليد حين تنكّر له الناس: يا أمير المؤمنين، إنك تنطقني بالأنس بك وأنا أكفت ذلك بالهيبة لك. وأراك تأمن أشياء أخافها عليك، أفأسكت مطيعا أم اقول مشفقا؟ فقال: كلّ مقبول منك، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه. ونعود فنقول؛ فقتل بعد أيام. وفي إلقاء النصيحة إليه: قرأت في كتاب للهند أن رجلا دخل على بعض ملوكهم فقال له: أيها الملك، نصيحتك واجبة في الحقير الصغير بله «١» الجليل الخطير ولولا الثقة بفضيلة رأيك واحتمالك ما يسوء موقعه من الأسماع والقلوب في جنب صلاح العاقبة وتلافي الحادث قبل تفاقمه لكان خرقا مني أن أقول، وإن كنا إذا رجعنا إلى أن بقاءنا موصول ببقائك وأنفسنا معلقة بنفسك لم أجد بدّا من أداء الحق إليك وإن أنت لم تسألني أو خفت ألّا تقبل مني، فإنه يقال: من كتم السلطان نصحه والأطباء مرضه والإخوان بثّه فقد خان نفسه.

стр. 162

الخفوت في طاعته قال بعض الخلفاء لجرير بن يزيد: إني قد أعددتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعدّ لك منّي قلبا معقودا بنصيحتك ويدا مبسوطة بطاعتك وسيفا مشحوذا على عدّوك فإذا شئت فقل. وفي مثله: قال إسحاق بن إبراهيم قال لي جعفر بن يحيى اغد عليّ لكذا. فقلت: أنا والصبح كفرسي رهان. وفي مثله: أمر بعض الأمراء رجلا بأمر فقال له: أنا أطوع لك من اليد وأذلّ لك من النّعل. وقال آخر: أن أطوع لك من الرّداء وأذلّ لك من الحذاء. التلطّف في مدحه قال خالد بن عبد الله القسري «١» لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته، فإنك قد زنتها، ومن كانت شرفته فإنك قد شرّفتها، فأنت كما قال القائل: [خفيف] وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّر حسن وجهك زينا فقال عمر: أعطي صاحبكم مقولا ولم يعط معقولا. وكتب بعض الأدباء إلى بعض الوزراء: «إن أمير المؤمنين منذ استخلصك لنفسه فنظر بعينك وسمع بأذنك ونطق بلسانك وأخذ وأعطى بيدك وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانك وتسليطه الرأي على الهوى فيك بعد أن ميّل بينك وبين الذين سموا لرتبتك وجروا إلى غايتك فأسقطهم مضمارك وخفّوا في ميزانك ولم يزدك رفعة إلا ازددت لله تواضعا، ولا بسطا وإيناسا إلا ازددت له هيبة وإجلالا، ولا تسليطا ونمكينا إلا ازددت

стр. 163

عن الدنيا عزوفا، ولا تقريبا إلا ازددت من العامة قربا. ولا يخرجك فرط النصح للسلطان عن النظر لرعيته، ولا إيثار حقّه عن الأخذ لها بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمّن ما عليه، ولا تشغلك جلائل الأمور عن التفقّد لصغارها، ولا الجذل بصلاحها واستقامتها عن استشعار الحذر وإمعان النظر في عواقبها» . وفي مدحه: دخل العماني الراجز على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخفّ «١» ساذج، فقال له الرشيد: يا عماني، إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور «٢» وخفّان دمالقان «٣» فبكّر إليه من الغد وقد تزيّا بزيّ الأعراب ثم أنشده وقبّل يده وقال: يا أمير المؤمنين، قد، والله، أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبّلت يده وأخذت جائزته ثم يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ثم السفّاح ثم المنصور ثم المهدي. كلّ هؤلاء رأيت وجوههم وقبّلت أيديهم وأخذت جوائزهم، إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء والسادة والرؤساء، والله ما رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا أنعم كفّا ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. فأعظم له الجائزة على شعره وأضعف له على كلامه وأقبل عليه فبسطه حتى تمنّى جميع من حضر أنه قام ذلك المقام. وفي المديح: كتب الفضل بن سهل إلى أخيه الحسن بن سهل فقال: «إن الله قد جعل جدّك عاليا وجعلك في كل خير مقدما وإلى غاية كل فضل سابقا وصيّرك، وإن نأت بك الدار، من أمير المؤمنين وكرامته قريبا، وقد جدّد

стр. 164

لك من البرّ كيت وكيت. وكذا يحوز الله لك من الدين والدنيا والعز والشرف أكثره وأشرفه إن شاء الله» . وفي مدحه: قال الرشيد يوما لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، المديح فيك دون قدرك والشعر فيك فوق قدري، ولكنّي أستحسن قول العتّابيّ «١» : [بسيط] ماذا يرى قائل يثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديس وتطهير فتّ المدائح إلا أنّ ألسننا ... مستنطقات لما تخفي الضمائير في عترة لم تقم إلا بطاعتهم ... من الكتّاب ولم تقض المشاعير هذي يمينك في قرباك صائلة ... وصارم من سيوف الهند مأثور وفي مدحه: كتب بعض الكتّاب إلى بعض الأمراء: «إن من النعمة على المثني عليك أنه لا يخاف الإفراط ولا يأمن التقصير ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب ولا ينتهي به المدح إلى غاية إلا وجد في فضلك عونا على تجاوزها. ومن سعادة جدّك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المشايعين ومساعدة النيّة على ظاهر القول» . وفي مثله كتب بعض الأدباء إلى الوزير: «مما يعين على شكرك كثرة المنصتين له، ومما يبسط لسان مادحك أمنه من تحمّل الإثم فيه وتكذيب السامعين له» . وفي مثل ذلك: لمّا عقد معاوية البيعة ليزيد قام الناس يخطبون فقال لعمرو بن سعيد: قم يا أبا أمية. فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما

стр. 165

بعد فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه وأجل تأمنونه، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم، جذع قارح سوبق فسبق وموجد فمجد وقورع فخرج فهو خلف أمير المؤمنين ولا خلف منه» فقال معاوية: أوسعت يا أبا أمية فاجلس. وفي مثل ذلك: قال رجل للحسن بن سهل: «أيها الأمير، أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السؤدد وحيّرني فيها كثرة عددها فليس إلى ذكر جميعها سبيل، وإن أردت ذكر واحدة اعترضت أختها إذ لم تكن الأولى أحق بالذكر منها، فلست أصفها إلا بإظهار العجز عن صفتها» . وفي مثل ذلك: كتب آخر إلى محمد بن عبد الملك «إن مما يطمعني في بقاء النعمة عليك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك أنك أخذتها بحقها واستوجبتها بما فيك من أسبابها، ومن شأن الأجناس أن تتواصل وشأن الأشكال أن تتقاوم، والشيء يتغلغل في معدنه ويحنّ إلى عنصره، فإذا صادف منبته ولزّ في مغرسه ضرب بعرقه وسمق بفرغه وتمكّن الإقامة وثبت ثبات الطبيعة» . وفي مثل ذلك: كتب آخر إلى بعض الوزراء: «رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على ناظر، وأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك» . وفي مثله كتب العتّابي إلى خالد بن يزيد: «أنت، أيها الأمير، وارث سلفك وبقية أعلام أهل بيتك، المسدود بك ثلمهم والمجدّد بك قديم شرفهم

стр. 166

والمنبّه بك أيام صيتهم والمنبسط بك آمالنا والصائر بك أكالنا «١» والمأخوذ بك حظوظنا، فإنه لم يحمل من كنت وارثه، ولا درست آثار من كنت سالك سبيله ولا امّحت معاهد من خلفته في مرتبته» . وفي شكره: قرأت في التاج قال بعض الكتاب للملك: «الحمد لله الذي أعلقني سببا من أسباب الملك ورفع خسيستي بمخاطبته وعزّز ركني من الذّلة به وأظهر بسطتي في العامّة وزيّن مقاومتي في المشاهدة وفقأ عني عيون الحسدة وذلّل لي رقاب الجبابرة وأعظم لي رغبات الرعيّة وجعل لي به عقبا يوطأ وخطرا يعظّم ومزية تحسن، والذي حقّق فيّ رجاء من كان يأملني وظاهر به قوة من كان ينصرني وبسط به رغبة من كان يسترفدني، والذي أدخلني من ظلال الملك في جناح سترني، وجعلني من أكنافه في كنف اتسع عليّ» . وفي شكره وتعداد نعمه: قرأت في سير العجم أن أردشير لما استوثق له أمره جمع الناس وخطبهم خطبة بليغة حضّهم فيها على الألفة والطاعة وحذّرهم المعصية وصنّف الناس أربعة أصناف، فخّر القوم سجّدا وتكلّم متكلّمهم مجيبا فقال: «لا زلت أيها الملك محبوا من الله بعزّة النصر ودرك الأمل ودوام العافية وحسن المزيد، ولا زلت تتابع لديك النّعم وتسبغ عندك الكرامات والفضل حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها ولا تنقطع زهرتها في دار القرار التي أعدّها الله لنظرائك من أهل الزّلفى عنده والحظوة لديه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر زائدين زيادة البحور والأنهار حتى تستوي أقطار الأرض كلّها في علوّك عليها ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الشمس ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما

стр. 167

اتصل بأنفسنا اتصال النسم، فجمعت الأيدي بعد افتراقها والكلمة بعد اختلافها وألّفت بين القلوب بعد تباغضها وأذهبت الإحن والحسائك بعد استعار نيرانها، وأصبح فضلك لا يدرك بوصف ولا يحدّ بتعداد، ثم لم ترض بما عمّمتنا به من هذه النّعم وظاهرت من هذه الأيادي حتى أحببت توطيدها والإستيثاق منها وعملت لنا في دوامها كعملك في إقامتها وكفلت من ذلك ما نرجو نفعه في الخلوف والأعقاب، وبلغت همّتك لنا فيه حيث لا تبلغ همم الآباء للأولاد، فجزاك الله الذي رضاه تحرّيت وفي موافقته سعيت أفضل ما التمست ونويت» . وفي مثله: قال خالد بن صفوان لوال دخل عليه: «قدمت فأعطيت كلّا بقسطه من نظرك ومجلسك وصلاتك وعدلك حتى كأنك من كل أحد أو كأنك لست من أحد» . وفي شكره: كتب بعض الكتّاب إلى الوزير يشكر له: «من شكر لك عن درجة رفعته إليها أو ثروة أفدته إياها فإن شكري إياك على مهجة أحييتها وحشاشة تبقّيتها ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه» . وفي شكره: قرأت في كتاب: «ولكل نعمة من نعم الدنيا حدّ تنتهي إليه ومدى توقف عنده وغاية في الشكر يسمو إليها الطّرف خلا هذه النعمة التي فاتت الوصف وطالت الشكر وتجاوزت كل قدر وأتت من وراء كل غاية وجمعت من أمير المؤمنين مننا جمّة أبقت للماضين مننا وللباقين فخر الأبد وردّت عنا كيد العدوّ وأرغمت عنا أنف الحسود وبسطت لنا عزا نتداوله ثم نخلفه للأعقاب فنحن نلجأ من أمير المؤمنين إلى ظلّ ظليل وكنف كريم وقلب عطوف ونظر رؤوف، فكيف يشكر الشاكر منا وأين يبلغ اجتهاد مجتهدنا ومتى نؤدّي ما يلزمنا ونقضي المفترض علينا؟ وهذا كتاب أمير المؤمنين الذي لو لم

стр. 168

تكن له ولآبائه الراشدين عند من مضى لنا ومن غيرنا إلا ما ورد من صنوف كرامته وأياديه ولطيف ألفاظه ومخاطبته، لكان في ذلك ما يحسّن الشكر ويستفرغ المجهود» . التلطف في مسألة العفو قال كسر ليوشت «١» المغنيّ وقد قتل فهلوذ «٢» حين فاقه وكان تلميذه: «كنت أستريح منه إليك ومنك إليه فأذهب شطر تمتّعي حسدك ونغل صدرك» ثم أمر أن يلقى تحت أرجل الفيلة فقال: أيها الملك، إذا قتلت أنا شطر طربك وأبطلته وقتلت أنت شطره الآخر وأبطلته، أليس تكون جنايتك على طربك كجنايتي عليه؟ قال كسرى: دعوه، ما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من طول المدّة. وفي العفو أيضا: قال رجل للمنصور: «الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين» . وفي العفو: جلس الحجاج يقتل أصحاب عبد الرحمن، فقام إليه رجل منهم فقال: أيها الأمير، إنّ لي عليك حقا. قال: وما حقك عليّ؟ قال: سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عنك. قال: ومن يعلم ذاك؟ فقال الرجل: أنشد الله رجلا سمع ذاك إلا شهد به. فقام رجل من الأسرى فقال: قد كان ذاك أيها الأمير. فقال: خلّوا عنه. ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ قال: لقديم بغضي إياك. قال: ويخلّى هذا لصدقه.

стр. 169

وفي العفو: أسر معاوية يوم صفّين رجلا من أصحاب عليّ صلوات الله عليه، فلما أقيم بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكن منك. قال: لا تقل ذاك فإنها مصيبة. قال: وأيّة نعمة أعظم من أن يكون الله أظفرني برجل قتل في ساعة واحدة جماعة من أصحابي. إضربا عنقه. فقال: اللهم أشهد أن معاوية لم يقتلني فيك ولا لأنك ترضى قتلي، ولكن قتلني في الغلبة على حطام هذه الدنيا، فإن فعل فافعل به ما هو أهله، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله. فقال: قاتلك الله! لقد سببت فأوجعت في السب ودعوت فأبلغت في الدعاء. خلّيا سبيله. وفي مثله. أخذ عبد الملك بن مروان سارقا فأمر بقطع يده فقال: [طويل] يدي، يا أمير المؤمنين، أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالا يشينها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها فأبى إلّا قطعها، فدخلت عليه أمّه فقال: يا أمير المؤمنين، واحدي وكاسبي. فقال: بئس الكاسب! هذا حدّ من حدود الله. فقال: اجعله من الذنوب التي تستغفر الله منها. فعفا عنه. وفي مثله: أخذ عبد الله بن علي أسيرا من أصحاب مروان فأمر بضرب عنقه فلما رفع السيف ليضرب به ضرط الشامي فوقع العمود بين يدي الغلام ونفرت دابة عبد الله فضحك وقال: إذهب فأنت عتيق استك. فالتفت إليه وقال: أصلح الله الأمير! رأيت ضرطة قطّ أنجت من الموت غير هذه؟ قال:

стр. 170

لا، قال هذا والله الإدبار. قال: وكيف ذاك؟ قال: ما ظنك بنا وكنا ندفع الموت بأسنّتنا فصرنا ندفعه اليوم بأستاهنا. وفي مثله: خرج النعمان «١» بن المنذر في غبّ سماء فمرّ برجل من بني يشكر جالسا على غدير ماء، فقال له: أتعرف النعمان؟ قال اليشكري: أليس ابن سلمى؟ قال: نعم. قال: والله لربما أمررت يدي على فرجها. قال له: ويحك، النعمان بن المنذر! قال: قد خبرتك. فما انقضى كلامه حتى لحقته الخيل وحيّوه بتحية الملك. فقال له: كيف قلت؟ قال: أبيت اللعن، إنك، والله، ما رأيت شيخا أكذب ولا ألأم ولا أوضع ولا أعضّ ببظر أمه من شيخ بين يديك. فقال النعمان: دعوه، فأنشأ يقول: [مجزوء كامل] تعفو الملوك عن العظي ... م من الذنوب لفضلها ولقد تعاقب في اليسي ... ر وليس ذاك لجهلها إلا ليعرف فضلها ... ويخاف شدّة نكلها وفي مثله: لمّا أخذ المأمون إبراهيم بن المهدي استشار أبا إسحاق والعباس في قتله فأشارا به، فقال له المأمون: قد أشارا بقتلك. فقال إبراهيم: أما أن يكونا قد نصحا لك في عظم الخلافة وما جرت به عادة السياسة فقد فعلا، ولكنك تأبى أن تستجلب النصر إلا من حيث عوّدك الله. وكان في اعتذاره إليه أن قال: إنه وإن بلغ جرمي استحلال دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغانني عفوه ولي بعدهما شفعة الإقرار بالذنب وحقّ الأبوة

стр. 171

بعد الأب. فقال المأمون: لو لم يكن في حق سببك حقّ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أمّلت حسن تنصّلك ولطف توصّلك. وكان إبراهيم يقول بعد ذلك: والله ما عفا عني المأمون صلة لرحمي ولا محبة لاستحيائي ولا قضاء لحق عمومتي، ولكن قامت له سوق في العفو فكره أن يفسدها بي. ومن أحسن ما قيل في مثله قول العتّابي «١» : [كامل] رحل الرجاء إليك مغتربا ... حشدت عليه نوائب الدهر ردّت إليك ندامتي أملي ... وثنى إليك عنانه شكري وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري وقول علي «٢» بن الجهم للمتوكل: [متقارب] عفا الله عنك ألا حرمة ... تعوذ بعفوك أن أبعدا لئن جلّ ذنب ولم أعتمده ... لأنت أجلّ وأعلى يدا ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا؟ أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى وفي مثله. وجد بعض الأمراء على رجل فجفاه واطّرحه حينا ثم دعا به ليسأله عن شيء فرآه ناحلا شاحبا. فقال له: متى اعتللت؟ فقال: [سريع] ما مسّني سقم ولكنني ... جفوت نفسي إذ جفاني الأمير فعاد له.

стр. 172

وقال آخر: [طويل] ألا إنّ خير العفو عفو معجّل ... وشرّ العقاب ما يجاز به القدر وكان يقال: بحسب العقوبة أن تكون على مقدار الذنب. وفي العفو: قال بعضهم: إن عاقبت جازيت وإن عفوت أحسنت والعفو أقرب للتقوى. ونحوه: قال رجل لبعض الأمراء: أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي إلّا نظرت في أمري نظر من برئي أحبّ إليه من سقمي وبراءتي أحبّ إليه من جرمي. ونحوه قول آخر: قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة. وفي مثله: أتى الأحنف بن قيس «١» مصعب بن «٢» الزّبير فكلّمه في قوم حبسهم، فقال، أصلح الله الأمير: إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم، فخلّاهم. وفي مثله: أمر معاوية بعقوبة روح «٣» بن زنباع فقال له روح: أنشدك الله، يا أمير المؤمنين، أن تضع مني خسيسة أنت رفعتها أو تنقض مني مرّة «٤»

стр. 173

أنت أبرمتها أو تشمت بي عدوا أنت وقمته «١» وإلّا أتى حلمك وعفوك على جهلي وإساءتي. فقال معاوية: خلّيا عنه. ثم أنشد: [طويل] إذا الله سنّى عقد أمر تيسّرا وفي مثله. أمر عمر بن عبد العزيز بعقوبة رجل قد كان نذر إن أمكنه الله منه ليفعلنّ به وليفعلن. فقال له رجاء «٢» بن حيوة: قد فعل الله ما تحب من الظفر فافعل ما يحب الله من العفو. وفي مثله: قال ابن القرّيّة «٣» للحجاج في كلام له: أقلني عثرتي وأسغني ريقي فإنه لا بد للجواد من كبوة ولا بد للسيف من نبوة ولا بد للحليم من هفوة. فقال الحجاج: كلّا، والله حتى أوردك جهنّم. ألست القائل برستقباذ «٤» : تغدّوا الجدي قبل أن يتعشّاكم. وفي مثله: أمر عبد الملك بن مروان بقتل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فاعف له فإنك به تعان وإليه تعود. فخلّى سبيله. وفي مثله. قال خالد بن عبد الله لسليمان بعد أن عذبه بما عذّبه به: إن القدرة تذهب الحفيظة وقد جلّ قدرك عن العتاب ونحن مقرّون بالذنب، فإن

стр. 174

تعف فأهل العفو وإن تعاقب فبما كان منا. فقال: أمّا حتّى تأتي الشام راجلا فلا عفو. وفي مثله: ضرب الحجاج أعناق أسارى أتي بهم، فقال رجل منهم: والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في المكافأة. فقال الحجاج: أفّ لهذه الجيف! أما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا! وكفّ عن القتل. وفي مثله: أخذ مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه. فقال: أيها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلّق بأطرافك وأقول: أي ربّ سل مصعبا فيم قتلني. قال: أطلقوه. قال: إجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. قال: أعطوه مائة ألف. قال: بأبي أنت وأمي، أشهد الله أنّ لابن قيس «١» الرّقيّات منها خمسين ألفا. قال: ولم؟ قال: لقوله فيك: [خفيف] إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت يخشى ولا كبرياء تتّقي الله في الأمور وقد أفل ... لح من كان همّه الإتقاء فضحك مصعب، وقال: أرى فيك موضعا للصنيعة، وأمره بلزومه وأحسن إليه فلم يزل معه حتى قتل. وفي مثله: قال عبد الله «٢» بن الحجاج الثعلبي لعبد الملك بن مروان:

стр. 175

هربت إليك من العراق. قال: كذبت، ليس إلينا هربت، ولكنك هربت من دم الحسين وخفت على دمك فلجأت إلينا. ثم جاء يوما آخر فقال: [كامل] أدنوا لترحمني وترتق «١» خلّتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع؟ ونحوه قول الآخر: [خفيف] كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهمو كربتي فأين الفرار «٢» ؟ وفي مثله: قنّع الحجاج رجلا في مجلسه ثلاثين سوطا وهو في ذلك يقول: [طويل] وليس بتعزير الأمير خزاية ... عليّ إذا ما كنت غير مريّب «٣» ونحوه: [طويل] وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر، لا عار بما فعل الدهر وفي مثله: مر الحسن البصري برجل يقاد منه. فقال للوليّ: يا عبد الله، إنك لا تدري لعل هذا قتل وليّك وهو لا يريد قتله، وأنت تقتله متعمدا، فانظر لنفسك. قال: قد تركته لله. وفي مثله: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: رمي الحجاج فقال: أنظروا من هذا؟ فأومأ رجل بيده ليرمي. فأخذ فأدخل عليه وقد ذهبت روحه. قال عيسى بصوت ضعيف يحكي الحجاج: أنت الرّامينا منذ الليلة؟ قال: نعم أيها الأمير. قال، ما حملك على ذلك؟ قال:

стр. 176

الغيّ، والله، واللؤم. قال: خلّوا عنه. وكان إذا صدق انكسر. وفي مثله: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي عن عثمان الشحّام قال: أتي الحجاج بالشّعبي فقال له: أخرجت علينا يا شعبي؟ قال: أجدب بنا الجناب وأحزن بنا المنزل واستحلسنا الخوف واكتحلنا السهر وأصابتنا خزية لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء. فقال الحجاج: لله أبوك. ثم أرسله. وفي مثله: أتي موسى بن المهدي برجل كان قد حبسه فجعل يقرّعه بذنوبه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك وإقراري بما تعتدّه عليّ يلزمني ذنبا لم أجنه، ولكني أقول: [طويل] فإن كنت ترجو بالعقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر وفي مثله: قال الحسن بن سهل لنعيم بن حازم وقد اعتذر إليه من ذنب عظّمه: على رسلك أيها الرجل، تقدّمت لك طاعة وتأخّرت لك توبة، وليس لذنب بينهما مكان، وما ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو. وفي الدعاء له: قال رجل لبعض الأمراء: «إني لو كنت أعرف كلاما يجوز ألقى به الأمير غير ما جرى على ألسن الناس، لأحببت أن أبلغ ذلك فيما أدعو به له وأعظّم من أمره، غير أن أسأل الله الذي لا يخفى عليه ما تحتجب به الغيوب من نيات القلوب أن يجعل ما يطّلع عليه مما تبلغه نيتي في إرادته للأمير أدنى ما يؤتيه إياه من عطاياه ومواهبه» . وفي الدعاء له: قرأت في كتاب رجل من الكتاب «لا زالت أيامك ممدودة بين أمل لك تبلغه وأمل فيك تحقّقه حتى تتملّى من الأعمار أطولها وترقى من الدرجات أفضلها» .

стр. 177

وفي الدعاء: دخل محمد بن عبد الملك «١» بن صالح على المأمون حين قبضت ضياعه فقال: السلام عليك أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك سليل نعمتك وابن دولتك وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن له في الكلام؟ قال: نعم. فتكلّم بعد حمد الله والثناء عليه. فقال: «نستمتع الله لحياطة ديننا ودنيانا ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك يا أمير المؤمنين ونسأله أن يزيد في عمرك من أعمارنا وفي أثرك من آثارنا ويقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا. هذا مقام العائذ بظلّك الهارب إلى كنفك وفضلك الفقير إلى رحمتك وعدلك» ثم تكلّم في حاجته. وفي شكر السلطان وفي حمده: قدم رجل على سليمان بن عبد الملك في خلافته فقال له: ما أقدمك عليّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أقدمني عليك رغبة ولا رهبة. قال: وكيف ذاك؟ قال: أما الرغبة فقد وصلت إلينا وفاضت في رحالنا وتناولها الأقصى والأدنى منّا، وأما الرّهبة فقد أمنّا بعدلك، يا أمير المؤمنين، علينا وحسن سيرتك فينا من الظلم، فنحن وفد الشكر. وفي حمده: كتب بعض الكتّاب إلى وزير: «كلّ مدى يبلغه القائل بفضلك والواصف لأيامك والشاكر للنعمة الشاملة بك قصد أمم «٢» عند الفضائل الموفورة لك والمواهب المقسومة للرعية بك، فواجب على من عرف قدر النعمة بك أن يشكرها وعلى من أظله عزّ أيامك أن يستديمه وعلى من حاطته دولتك أن يدعو الله ببقائها ونمائها، فقد جمع الله بك الشّتات وأصلح بها الفساد وقبض الأيدي الجائرة وعطف القلوب النافرة، فأمّنت سرب البريء وخفضت جأشه وأخفت سبل الجاني وأخذت عليه مذاهبه ومطالعه ووقفت

стр. 178

بالخاصّة والعامة على قصد من السيرة أمنوا بها من العثار والكبوة» . وفي حضّه على شكر الله، ، قال شبيب بن شيبة «١» للمهدي: إن الله، ، لم يرض أن يجعلك دون أحد من خلقه، فلا ترض بأن يكون أحد أشكر له منك والسلام. تم كتاب السلطان، ويتلوه كتاب الحرب

стр. 179

كتاب الحرب اداب الحرب ومكايدها قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن هشام والأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنّوا لقاء العدوّ فعسى أن تبتلوا بهم ولكن قولوا: اللهمّ اكفنا وكفّ عنّا بأسهم، وإذا جاءوكم يعزفون ويزحفون ويصيحون فعليكم الأرض جلوسا، ثم قولوا: اللهمّ أنت ربّنا وربّهم، ونواصينا ونواصيهم بيدك، فإذا غشوكم فثوروا في وجوههم» . حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن عبد العزيز عمن حدّثه أنّ أبا الدّرداء قال: أيها الناس: عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم. حدّثنا القاسم بن الحسن عن الحسن بن الربيع عن ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا بعث أمراء الجيوش أوصاهم بتقوى الله العظيم، ثم قال عند عقد الألوية: بسم الله وعلى عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. لا تجبنوا عند اللقاء ولا تمثّلوا عند القدرة ولا تسرفوا عند الظهور ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا.

стр. 180

وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزّحفان وعند حمّة النّهضات «١» وفي شنّ الغارات. ولا تغلّوا عند الغنائم ونزّهوا الجهاد عن عرض الدنيا وابشروا بالرّباح في البيع الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم. استشار قوم أكثم «٢» بن صيفيّ في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، واعلموا أن كثرة الصّياح من الفشل والمرء يعجز لا محالة. تثبّتوا فإن أحزم الفريقين الرّكين «٣» ، وربّت عجلة تعقب ريثا «٤» ، واتّزروا للحرب وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف عليه. وقال بعض الحكماء: قد جمع الله لنا أدب الحرب في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا
следующие страницы →