← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ويقال: ثلاثة أشياء تورث الهزال: شرب الماء على الرّيق، والنوم على غير وطاء «١» ، وكثرة الكلام برفع الصوت. ويقال: أربع خصال يهدمن العمر وربما قتلن: دخول الحمّام على بطنة، والمجامعة على الامتلاء، وأكل القديد «٢» الجافّ، وشرب الماء البارد على الرّيق؛ وقيل: ومجامعة العجوز. وفي الحديث: «ثلاثة أشياء تورث النّسيان أكل التّفّاح الحامض وسؤر الفأرة «٣» ونبذ القملة «٤» . وفي حديث آخر والحجامة في النّقرة «٥» والبول في الماء الراكد» . ويقال: أربعة أشياء تقصد إلى العقل بالإفساد: الإكثار من البصل، والباقلاء، والجماع، والخمار. وقال النّظّام: ثلاثة أشياء تخلق «٦» العقل وتفسد الذّهن: طول النّظر في المرآة، والاستغراب في الضّحك، ودوام النّظر إلى البحر. وكان يقال: عشاء الليل يورث العشا «٧» . ويروى في الحديث: «ترك العشاء مهرمة» . والعرب تقول: ترك العشاء يذهب بلحم الأليتين.

стр. 1157

باب الحمية قال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الدواء هو الأزم. يعني الحمية قال آخر: الحمية إحدى العلّتين. وقيل لجالينوس: إنك تقلّ من الطّعام؛ قال: غرضي من الطّعام أن آكل لأحيا، وغرض غيري من الطعام أن يحيا ليأكل. وقال العمّيّ «١» : من احتمى فهو على يقين من المكروه، وفي شكّ مما يأمل من العافية. وكان يقال: ليس الطبيب من حمى الملك ومنعه الشهوات، إنّما الطبيب من خلّاه وما يريد وساس بدنه «٢» . وقال بعض الشعراء: [طويل] وربّت حزم كان للسّقم علّة ... وعلّة برء الداء خبط المغفّل «٣» ويقال: الحمية للصحيح ضارّة كما أنها للعليل نافعة. وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ رأى صهيبا يأكل تمرا وبه رمد، فقال له: «أتأكل التمر وبك رمد؛ فقال: يا رسول الله، إنما أمضغ بهذه» «٤» . إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ «لا تكرهوا مرضاكم على الطّعام والشّراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم» .

стр. 1158

باب شرب الدواء قال عبد الله بن بكر السّهميّ: حدّثنا بعض أصحابنا يرفعه إلى النبيّ ﷺ قال: «من استقلّ «١» بدائه فلا يتداوينّ، فإنّه ربّ يورث الداء» . وكانت الحكماء تقول: إياك وشرب الدواء ما حملت صحّتك داءك. وقالوا: مثل شرب الدواء مثل الصابون للثوب ينقيه، ولكنه يخلقه ويبليه. عن يزيد بن الأصمّ قال: لقيت طبيب كسرى شيخا كبيرا قد أوثق حاجبيه بخرقة، وسألته عن دواء المشي «٢» ؛ قال: سهم يرمى به في جوفك أخطأ أو أصاب. قال أبقراط: الدواء من فوق، والدواء من تحت، والدواء لا فوق ولا تحت. وفسّره المفسّر فقال: من كان داؤه في بطنه فوق سرّته سقي الدواء، ومن كان داؤه تحت سرّته حقن، ومن لم يكن به داء لا من فوق ولا من تحت لم يسق الدواء، فإن الدواء إذا لم يجد داء يعمل فيه وجد الصحّة فعمل فيها. قال أبو اليقظان: كان عبد العزّى بن عبد المطّلب «٣» يشتكي عينه وهو مطرق أبدا؛ وكان يقول: ما بعيني بأس، ولكن كان أخي الحارث إذا اشتكت عينه يقول: اكحلوا عين عبد العزّى معي فيأمر من يكحلني معه ليرضيه بذلك فأمرض عيني. قال ابن أحمر «٤» حين شفي بطنه: [طويل]

стр. 1159

شربت الشّكاعى والتددت ألدّة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا «١» شربنا وداوينا وما كان ضارنا ... إذا الله حمّ المرء أن لا تداويا وفي الحديث: «داووا مرضاكم بالصّدقة وحصّنوا أموالكم بالزّكاة واستقبلوا أنواع البلايا بالدعاء» . الحدث والحقنة والتّخمة عن وهب قال قال لقمان لابنه: إن طول الجلوس على الخلاء يرفع الحرارة إلى الرأس، ويورث الباسور وتيجع «٢» له الكبد؛ فاجلس هوينى وقم هوينى. فكتبت حكمته على باب الحشّ «٣» . وكان يقال: إذا خرج الطعام قبل ستّ ساعات فهو مكروه، وإذا بقي أكثر من أربع وعشرين ساعة فهو مرض. وكان أبو ذفافة الباهليّ اشتكى، فأشار عليه الأطبّاء بالحقنة فامتنع؛ فأنشأ أعرابيّ يقول: [طويل] لقد سرّني- والله وقّاك شرّها-* نفارك منها إذ أتاك يقودها كفى سوءة ألّا تزال مجبّيا ... على شكوة وفراء في استك عودها «٤» وأشاروا على عبيد الله بن زياد بالحقنة فتفحّشها؛ فقالوا: إنما يتولّاها منك الطبيب؛ فقال: أنا بالصاحب آنس.

стр. 1160

قال المدائنيّ: سأل الحجّاج جلساءه: ما أذهب الأشياء للإعياء؟ فقال بعضهم: أكل التّمر، وقال بعضهم: الحمام، وقال بعضهم: التّمريخ «١» . وقال فيروز: أذهب الأشياء للإعياء قضاء الحاجة. وحدّثني بعض الأطبّاء أن رجلا شرب خبث الحديد المعجون فبقي في جوفه، فاشتدّ عليه وجعه؛ فسحقت له قطعة من المغناطيس وسقي إيّاه، فتعلّق بالخبث وخرج مع الغائط. قال: وقال تياذوق طبيب الحجّاج للحجّاج: إن اللحم على اللحم يقتل السّباع في البرّية. ثم قال لي جعفر: قالت جارية لنا: كان لي ظبيّ فمرّ بعجين قد هيّء للخشكنان «٢» ، فأكل منه فحفس- والحفس: الحبط وانتفاخ البطن- فسلخ فوجد قد شرق بالدم. وقال يونس (طبيب لنا) : هكذا يصاب الإنسان إذا بشم «٣» . الأصمعيّ: قال بعض الأعراب: اللهمّ إني أسألك ميتة كميتة أبي خارجة، وأكل بذجا «٤» ، وشرب معسّلا «٥» ، ونام في الشمس، فلقي الله شبعان ريّان دفآن. وقال آخر من الأعراب: اللهم اجعل التّخمة دائي وداء عيالي. قال ابن شبابة مولى بني أسد: من بال ولم يضرط كتبت استه من الكاظمين الغيظ.

стр. 1161

باب القيء عن جعفر بن سليمان أنّه قال لإنسان أكول يقيء إذا أكل: لا تفعل، فإن المعدة تضفر «١» إلى القيء كما تضفر الدّابّة إلى العلف، فلا ينضج الطعام. وأخذ مزبّد شاربا فاستنكه «٢» ، فأتي به الوالي فاستنكهوه، فقالوا نكهته لا تنبىء عنه، قال مزبّد: إن لم أقيء نبيذا فمن يضمن لي عشاء. رئي الجمّال يأكل فقيل له: ما تأكل؟ قال: قيء كلب في قحف «٣» خنزير. النّكهة سئل تياذوق عن البخر» فقال: دواؤه الزبيب يعجن بسعتر «٥» ثم يؤكل أسبوعين أو ثلاثة. فجرّب فذهب. وتقول الروم في الكرفس «٦» : إنه يطيّب الفم ويذهب البخر؛ ويحتاج إلى أكله من يشاهد السلطان ومحافل الناس وكان أكثر كلامه السّرار «٧» . قالت الأطباء: الجزر المشويّ والخبز المقلوّ بالزيت أو بالسمن إذا مضغ ورمي بثفله «٨» قاطع لرائحة البصل من الفم. والفوم إن أكله آكل فأحبّ أن يقطع رائحته مضغ ورق الزيتون الطّريّ وتمضمض «٩» بعده بالخلّ.

стр. 1162

والسّعد «١» قاطع لرائحة النبيذ من الفم. وحبّ الأترجّ «٢» مطيّب للنّكهة. والبخر لا يكاد يكون في الملّاحين لأكلهم الملّاح «٣» . وقرأت في الآيين «٤» : أن رئيس الحرم أمر جواري الملك ألّا يأكلن الثّوم والبصل والكرّاث واللّفّاح «٥» والحمّص الرّطب والمشمش؛ فإنه يورث البخر. باب المياه والأشربة قالت الأطبّاء: معرفة خفّة الماء بأن يكون سريع الغليان ويكون سريع البرد. وأحمد المياه ما كان قبالة المشرق ومجراه مجرى الشمال ومروره على الطين الأحمر وعلى الرمل. قالوا: وممّا يصفّي من الماء الكدر فيصفو سريعا أن يلقى فيه قطع من خشب السّاج «٦» أو قطع من آجرّ جديد. قال بعض المحدثين: [مخلع البسيط] يمنع امّه بالشّمال ... وماؤها البارد الزّلال يصيح فيها وقايتونا ... يجري به الثلج في مثال «٧»

стр. 1163

وقال صاحب الفلاحة: من أراد أن يعذب له الماء الزّعاق «١» جعله في قدر جديدة من خزف وغطّى فاها بأسحال «٢» ثم أوقد تحتها حتى تغلي ويحصل فيها نصف ذلك الماء ثم صفّاه وتركه، فإنه يجده شروبا «٣» . وقالوا: ماء دجلة يقطع شهوة الرجال ويذهب بصهيل الخيل ونشاطها، ومن لم يأكل الدسم عليه انحلّ عظمه ويبس جلده، وهو مع هذا أهضم للطعام من غيره من المياه وأسرعها بردا. قال: والنّيل يستقبل الشّمال وينضب في وقت زيادة الأودية ويزيد في وقت نقصانها. وزيادة أوّله وآخره معها؛ ولا تكون التماسيح إلا فيه؛ قال الشاعر [بسيط] أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنّما التمساح في النيل «٤» فمن رأى النيل رأيا العين من كثب ... فما أرى النيل إلا في البواقيل «٥» والسّقنقور «٦» أيضا لا يخرج إلا منه. وروى في الحديث عن الضحّاك بن مزاحم أنه قال قذف الفرات في

стр. 1164

المدّ رمّانة كأنّها البعير البارك، وتحدّث أهل الكتاب أنها من الجنّة. «١» وقال ابن ماسويه: ينبغي للماء الغليظ الذي ليس يعذب أن يطبخ حتى يذهب منه نصفه، ثم يطرح فيه السّويق أو الطين الأحمر فإنه يلطّفه ويذهب غائلته «٢» ويعذبه ويمنع كدره. قالت الأطباء: الفقّاع «٣» المتّخذ من دقيق الشعير نافع من الجذام «٤» . والجلّاب «٥» قاطع لكثرة دم الحيض، والسّكنجبين «٦» نافع من الذّبحة إذا كانت من حرارة، يشرب ويتغرغر به. باب اللّحمان وما شاكلها قالت الأطباء: لحم الماعز يورث الهمّ، ويحرّك السوداء «٧» ، ويورث النسيان، ويخبل الأولاد «٨» ، ويفسد الدم؛ وهو ضارّ لمن سكن البلاد الباردة. وأحمد اللّحمان ما خصي من المعز. والضأن نافع من المرّة السّوداء، إلا أن الممرورين الذين يصرعون، إذا أكلوا لحم الضأن اشتدّ بهم ذلك حتى يصرعوا في غير أوان الصّرع. وأوان الصّرع الأهلّة وأنصاف الشهور.

стр. 1165

قال الشاعر «١» : [وافر] كأنّ القوم عشّوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم «٢» قالوا: واللحم أقلّ الطعام نجوا «٣» . ولحم الدّجاج الهرم شرّ اللّحمان وأغلظها. والبيض إن سلق بالخلّ ثم أكل بالسّمّاق «٤» وحبّ الرمّان المفلّق والملح والمرّيّ «٥» عقل الطبيعة. والزبد إن طلي على منابت أسنان الطفل كان معينا على نباتها وطلوعها، والمخّ والدّماغ يفعلان ذلك. مضارّ الأطعمة ومنافعها الكمأة» والفطر «٧» - عن أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ خرج عليهم وهم يذكرون الكمأة وبعضهم يقول جدريّ «٨» الأرض، فقال: «الكمأة من المنّ «٩» وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنّة وهي شفاء من السّقم» .

стр. 1166

الأصمعيّ عن بعض مشايخه قال: ثلاثة أشياء ربّما صرعت أهل البيت عن آخرهم: الجراد، ولحوم الإبل، والفطر. وتقول الأطبّاء: إنّ أردأ الفطر ما نبت تحت ظلال الشجر، وأردأ كلّه ما كان في ظلّ شجر الزيتون فإنّه قتّال. قالوا: والكمّثري إذا طبخ مع الفطر أذهب ضرره. قالوا: والفطر يورث الذّبحة «١» . قدم أعرابيّ المصر فأكل فطرا، فأصابته ذبحة، فقيل له: إن الطبيب بعث أن يحلب في فيك، فقال: ما زلت أسمع باللئيم الرّاضع «٢» ولا والله لا أكونه؛ قالوا: فتموت إذا؛ قال: وإن متّ. وتقول الأطباء: إن أكل آكل الفطر فأضرّ به، سقي الكرنب «٣» المعصور وسقي من خرء الدّجاج وزن درهمين مع خلّ وعسل مطبوخ وقيّء به. قالوا: والكمأة تورث وجع القولنج «٤» والسّكتة والفالج ووجع المعدة. قالوا: والذباب لا يقرب قدرا فيه كمأة. ومن أراد اتخاذ الكمأة اليابسة جعلها في الطين الحرّ يوما وليلة ثم غسلها واستعملها. بلغني عن فتى من أهل الكتاب أنه قال: كنا في طريق مكّة بالخزيميّة «٥» ، فأتانا أعرابيّ بكمأة في كساء قدر ما أطاق، فقلنا: بكم الكمأة؟

стр. 1167

قال: بدرهمين، فاشتريناها منه ودفعنا الثمن إليه، فلما نهض قال له بعضنا: «في است المغبون عود» «١» ؛ قال: بل عودان، وضرب الأرض برجله، فإذا نحن على الكمأة. قال بعض الشعراء: [رجز] جنيتها تملأ كفّ الجاني ... سوداء ممّا قد سقى السّواني «٢» كأنّها مدهونة بالبان «٣» وهذه صفة أجود الكمأة وأقلّها أذى. البصل والثّوم دخل داخل على نصر بن سيّار وحوله بنون له صغار، فقال: هل تدرون ما ولدي هؤلاء؟ هؤلاء بنو البصل؛ وكان يأكله نيئا ومشويّا ومطبوخا. والأطبّاء تقول في البصل: إنه يشهّي إلى الطعام إن أكل مشويّا أو نيئا، ويشهّي إلى الجماع. وإن دقّ وشمّ عطّس وشهّى الطعام. وإن اكتحل بمائه مع العسل جلا البصر. وإن وضع مع الملح والسّذاب «٤» على عضّة الكلب الذي ليس بكلب نفع. والإكثار منه يفسد العقل. والمسلوق منه يدرّ البول والدّمعة. العصافير إن أكلت بالزّنجبيل والبصل هيّجت شهوة الجماع وأكثرت المنيّ.

стр. 1168

عن طارق بن شهاب قال: بعث سليمان النبيّ ﵇ بعض عفاريته وبعث معه رجلا وقال: ردّه إليّ وانظر إلى صنيعه. فمرّ على أهل بيت يبكون فضحك، ودخل إلى السوق ونظر إلى الناس فرفع رأسه إلى السماء وهزّه، ونظر إلى الثّوم وهو يكال كيلا والفلفل وهو يوزن وزنا، فضحك. فلما ردّه إلى سليمان ﵇ وأخبره بما جرى منه، قال: لم ضحكت من أهل البيت؟ ولم هززت رأسك حين نظرت إلى السوق؟ ولم ضحكت من الثّوم والفلفل؟ قال: أمّا أهل البيت فإنّ الله أدخل ميّتهم الجنّة وهم يبكون عليه؛ ونظرت إلى الناس في السّوق والملائكة من فوق رؤوسهم، والناس يملون والملائكة سراعا يكتبون، فهززت رأسي؛ ونظرت إلى الثّوم وهو شفاء يكال كيلا، وإلى الفلفل وهو داء يوزن وزنا. وعن وهب «١» : أنّ سليمان ﵇ قال: مم كنت تضحك؟ قال إنّي مررت برجل يشتري خفّين ويقول لصاحبهما: شرطي عليك أن ألبسهما عشر سنين لا يتخرّقان «٢» ؛ فعجبت كيف شرط أمله ونسي أجله. ومررت بعجوز دهريّة «٣» تتكهّن وتخبر الناس بما لا يعلمون، والّذي سخّر لك الريح وأذلّ لك الجنّ وعبّد الشياطين إنيّ لأعلم في بيتها تحت فراشها مطمورة «٤» فيها قناطير من ذهب وفضّة وهي لا تدري ما تحتها، وقد ماتت هزلا «٥» وجوعا وحاجة. ومررت بأخرى دهريّة تتطبّب وكان بها مرّة داء، فأكلت البصل فصادفت منه برءا، فظنّت أنه حسم داءها وشفاها، فهي تصفه للناس من كل داء، وقد كانت في ظهرها ريح حبست منذ زمان

стр. 1169

فأكلت الثّوم أحدا وعشرين يوما فشفيت منه؛ فعجبت لها كيف تدع أن تصفه. ومررت برجل على شاطىء نهر يستقي منه في قلّة له ومعه بغلة، فلما سقى البغلة ملأ القلّة وربط البغلة بأذن القلّة وذهب لبعض حاجته، فنفرت البغلة وكسرت القلة؛ فجعل يلعن الشيطان، وبرّأ عقله ونسي فعله. ومررت بقوم يذكرون الله فاجتهدوا ونصبوا «١» وابتهلوا، فلما أظلّت الرحمة ملّة رجل منهم فقام، وجاء آخر لم ينصب معهم فجلس مجلسه، فنزلت الرحمة فدخل فيها معهم وحرمها الأوّل؛ فعجبت من سعادة هذا وشقاوة هذا. وتقول الأطبّاء: إنّ الثّوم إذا شوي بالنار ووضع على الضّرس المأكول ودلكت به الأسنان التي يعرض فيها الوجع من الرطوبة والريح، أذهب ما فيها بإذن الله من الوجع. قال: وهو ينفع من العطش الحادث من البلغم، ويقوم مقام التّرياق في لسع الهوامّ، والأمراض الباردة. وتقول الروم في الثّوم: إنه دواء لمن أصابه وجع السّقي «٢» في بطنه. وإن أكله من ظهر فيه حرّة «٣» من شرى «٤» أو غيره أبرأه. وإن دقّ الثّوم يابسا فأغلي بسمن ولبن ثم جعله من يشتكي ضرسه في فيه سخنا فأمسكه ساعة، ذهب وجع ضرسه؛ وهو نافع لمن اجتوى «٥» .

стр. 1170

الكرّاث قالت الأطباء: الكرّاث النّبطيّ إذا أدمن كانت فيه أحلام رديئة، وولّد بخارا في الرأس رديئا. وإن صبّ في مائه خلّ ودقاق كندر «١» واستعط «٢» به سكّن الصّداع. وإن سلق أو طحن وأكل أو ضمّد به البواسير العارضة من الرطوبة نفع منها. وماء الكرّاث إذا خلط بمثله من ألبان النساء ودهن الورد والكندر وكحّل به عين من أصابته غشاوة في عينه فلم يبصر ليلا نفعه. وأكل البصل نافع لذلك أيضا. الكرنب والقنّبيط قالوا: الكرنب معين على الإكثار من النبيذ إذا أكل، وهو مدرّ للبول. وقالت الروم: بين الكرنب والكرم عداوة؛ ولا يكاد يصلح الكرم والكرنب إذا تجاورا. قالت الأطباء: إن احتملت المرأة بزر الكرنب بعد الحيض أسهل المنيّ وأفسده ولم يكن معه حمل، وشرب مائه مع الشّيح الأرمنيّ غير المطبوخ أو ماء التّرمس المنقع «٣» مخرج لحبّ القرع «٤» من البطن. والقسط «٥» أيضا خاصّة بزره يفسد المنيّ إذا احتملته المرأة بعد طهرها؛ ومقدار ما يحتمل وزن درهمين. وتقول الروم: الكرنب إن طبخ وخلط ماؤه بالحندقوق «٦» وسقي المرأة

стр. 1171

التي تأخّر حيضها حاضت لحينها. قالوا: وإذا خلط ماء الكرنب بالبنج «١» كان نافعا للسّعال. قال أبو محمد: سكوت إلى حنين الطبيب علّة كنت أجدها في حلقي لا أكاد أبتلع معها ريقي؛ فقال: هي بيّنة في عينك. فتغرغر بعقيد العنب مع خمير ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث مرات؛ ففعلت ذلك يوما واحدا فذهب. قالوا: وإذا دقّ الكرنب وخلط به شيء من زاج «٢» الأساكفة وشيء من خلّ، فأوجف «٣» ذلك بالخطميّ» ، ثم طلي به برص أو جرب نفع بإذن الله تعالى. السّلجم «٥» والفجل تقول الأطباء في الفجل: إنّه مهيّج للجماع زائد في المنيّ، وبزره نافع من السموم قالوا: والفجل هاضم للطعام، فإن أكل بزره بعسل كان دواء من السّعال والفواق «٦» ؛ وإذا شدخت «٧» قطعة فجل فطرحت على عقرب ماتت؛ وماؤه وبزره للسموم بمنزلة التّرياق «٨» . وإذا طلى أحد يده بمائه ثم قبض على

стр. 1172

حيّة أو غيرها من الهوامّ لم يضارّ ذلك الموضع. قالوا: وإن دقّ بزره مع الكندر «١» وطلي به البهق الأسود «٢» في الحمّام أذهبه. وإن شرب ماء ورقه نفع من الأرقان «٣» الحادث من الطّحال. الباذنجان قالوا: والباذنجان مكلف «٤» للوجه يورث داء السّرطان والأورام الصّلبة. وحدّثني أبي عن أبي الحارث جمّيز أنه سمعه يقول في الباذنجان: لا آكله، لون العقرب وشبه المحجمة. قيل له: فقد رأيناك تأكله على خوان فلان! قال: كان ميتة وأنا مضطرّ. الخيار والقثّاء قالوا؛ شمّ الخيار نافع لمن أصابه الغشي «٥» من الحرارة. وبزر القثّاء إذا شربه من به حمّى الأسى «٦» نفعه. وإن أصابت رضيعا حمّى فألزقت به خيارتين تمسّان جلده إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله، أقلعت الحمّى عنه. السّلق قالوا: والسّلق إن دقّ مع أصله وعصر ماؤه وغسل به الرأس ذهب بالأتربة وأطال الشعر.

стр. 1173

الهليون «١» قالوا: والهليون مدرّ للبول، نافع من القولنج. القرع قالوا: إذا شوي القرع بالنار ثم عصر فجعل من مائه في أذن من اشتكى أذنه نفعه. وإن دهنت منابت شعر اللّحية بدهن القرع المرّ، وقثّاء الحمار «٢» مذابا فيه شيح أرمنيّ أسرع فيها نبات الشّعر. البقول قالوا: والجرجير زائد في الباه «٣» والإنعاظ «٤» مدرّ للبول. وتذكر الروم أنّ من أكل الجرجير ثم ضرب بالسياط هوّن عليه بعض ذلك الجلد. قالوا: وهو ينفع من ذفر الإبطين «٥» إذا أكل على الريق وطلي الإبطان بمائه. وتزعم الروم أنّ ماءه ينفع من عضّة ابن عرس. وقال بعض الأطباء: إن ذرّ بزر الجرجير مدقوقا في البيض وحشي كان ذلك زائدا في الباه والإنعاظ زيادة بيّنة. قال أبو حاتم عن القحذميّ قال: أكله أعرابيّ فأنعظ شهرا، فقال الفرزدق يفخر به: [طويل] ومنّا التميميّ الذي قام أيره ... ثلاثين يوما ثم زادهم عشرا

стр. 1174

قالوا: والسّذاب «١» قاطع لشهوة الجماع. وقالت الروم: إن أكلت امرأة حامل أربعة مثاقيل كلّ يوم بماء سخن أو نبيذ خمسة عشر يوما أسقطت ولدها. وقال بعض الشعراء: [مجتث] كم نعمة للسّذاب ... جليلة في الرّقاب الناس عنها غفول ... إلّا ذوي الألباب فالحمد لله شكرا ... لولا مكان السّذاب لغيّب الأرض نسل ال ... مغنّيات القحاب قالوا: والبقلة الحمقاء «٢» إذا مضغت أذهبت الطّرش، وإذا أكلت أذهبت شهوة الجماع. والروم تقول: إن نظر ناظر عند رؤية الهلال إلى الهندباء فحلف بإله القمر ألّا يأكل هندباء ولا لحم فرس، سلّم في كلّ شهر يحلف فيه من وجع الضرس. قالت الأطباء: الخسّ إذا أكل على الريق نافع لتغيير الماء ومن يتأذّى باحتلام. وإذا شرب بزره بماء قطع شهوة الجماع. قالوا: والخردل إن أكثر من أكله أورث ضعفا في البصر، وهو مكثّر للّبن مدرّ للبول، وهو نافع من الصّرع. وإن اكتحل بمائه بعد أن يغلى عليه

стр. 1175

ويصفّى جلا البصر الضعيف من الرطوبة. وتزعم الروم أن ماءه يصلح للأطفال من الحمّى إذا أصابتهم. وهو يفسد الذهن ويورث النّسيان ويضعف البصر. قالت الأطباء: النّعناع يسكّن القيء، وينفع من الفواق الحادث من البلغم إذا شرب مع النّمام «١» . وتقول الروم: الحبق «٢» الذي على شطوط الأنهار نافع للرّمد إذا دقّ ونخل واكتحل به، وإن مضغه ماضغ ووضعه على عينه نفعه. وأما الفوذنج «٣» النّهري- فإنه يدرّ الطّمث «٤» . وإن أخذ من الفوذنج الجبليّ أوقيّة وطبخ بنصف رطل من ماء حتى يبقى الثلث ويشرب، سهّل السّوداء. وقالت الأطباء: الحندقوق «٥» يورث وجع الحلق، ويذهب بضرره من يأكل بعده الكزبرة الرّطبة والبقلة الحمقاء والهندباء. والطّرخون «٦» يؤكل مع الكرفس. قالوا: والراسن «٧» ينفع من قطار البول إذا كان من برد، ويقوّي المثانة.

стр. 1176

قالوا: والكشوث «١» يذهب بالأرقان. قالوا: وعنب الثعلب قاطع لدم الحيض إن شرب أو احتمل. وقالوا؛ الكرفس «٢» إذا طبخ وشرب كان دواء من وجع الكليتين ومن الأسر «٣» . باب الحبوب والبزور تقول الأطبّاء في حبّ الفلفل: إذا خلط بالسّمسم وعجن بعسل الطّبرزذ «٤» يزيد في الجماع. والعرب تزعم أنّ الحبّة الخضراء وشرب ألبان الإيّل عليها تبعث الشّهوة. قال جرير: [طويل] أجعثن «٥» قد لاقيت عمران شاربا ... على الحبّة الخضراء ألبان إيّل «٦» والحمّص زائد في الجماع، مكثر للمنيّ، محسّن للّون، زائد في لبن المرضع، يدرّ دم الحيض، وإن خلط بالباقلاء أسمن. الأصمعيّ قال: قلت لابن أبي عطارد: بلغني أنّ أباك كان ذا منزلة من ابن سيرين، فما حفظت عنه؟ قال قال أبي: قال لي ابن سيرين: يا أبا عطارد، إن سويق العدس بارد وهو يدفع الدّم.

стр. 1177

قالت الأطبّاء: إنّ الخردل نافع من حمّى الرّبع «١» والحميات المتقادمة ووجع الأرحام ويجفّف من البلغم، وينزل الرطوبة من الرأس، وإن أكل مع السّلق المسلوق نفع من الصّرع، وإن طلي البرص به زال. وقالت الأطبّاء: الحرف «٢» يخرج حبّ القرع من البطن، وينفع من عرق النّسا «٣» ووجع الورك. وإن سخّن بالماء الحارّ وشرب منه وزن أربعة دراهم أو خمسة أسهل الطبيعة «٤» ونفع من القولنج. وقال رجل من قدماء الأطبّاء في الباقلاء: إنه إذا أدمن أكلّ «٥» البصر، وأحال الأحلام أضغاثا «٦» لا ينتفع بها ولا يجد عابر الرؤيا إلى تأويلها سبيلا. ودهن الشّاهدانج «٧» نافع لوجع الأذن العارض من البرد والعلل المتقادمة منها. باب الفاكهة عن معمر بن خثم عن جدّته قالت: سمعت عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول: إذا أكلتم الرّمّان فكلوه بشحمه فإنه دباغ للمعدة، وذلك يوم الجمعة على المنبر.

стр. 1178

الأصمعيّ: قيل لأعرابيّ: لم تبغض الرمّان؟ قال: لأنه مبخرة مجفرة مجعرة «١» . قال: وقال يحيى بن خالد: شيئان يورثان القمل: التّين اليابس إذا أكل، وبخار اللّبان «٢» إذا تبخّر به. وقالت الأطبّاء: ورق الخوخ وأقماعه إن دقّ وعصر وشرب أسهل حبّ القرع والدّيدان والحيّات المتولّدة في البطن، وإن صبّ ماء ورقه في الأذن أمات الدّيدان فيها، وإن تدلّك بورقه بعد النّورة «٣» قطع ريحها. وحمّاض الأترجّ «٤» إن لطخ به الكلف والقوب «٥» أذهبه. وحبّ الأترجّ نافع من السّموم. وورق التّفّاح الغضّ إن دقّ بالرّفق أيّاما خمسة أو ستة ثم ضمد به الوشم «٦» قلعه من غير أن يقرح موضعه. عن الزّهريّ قال: حدّثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: «من بات وفي بطنه جزرة أو جزرتان أو ثلاث أمن القولنج والدّبيلة «٧» » . والفستق: إن دقّ وشرب بالمطبوخ الشديد نفع من لسع الهوامّ.

стр. 1179

واللّفّاح «١» : سمّ، وربما قتل آكله. وتدفع مضرّته بالقيء بالشّراب والعسل والإسهال وشمّ الفلفل والخردل والجندبادستر «٢» والسّذاب والتّعطّس. قال وحدّثني شيخ من الدّهاقين «٣» عالم بأيام العجم: أن بزرجمهر قال لأهل الحبس: سلوا الملك أن يرزقكم مكان الأدم الأترجّ، ليكون القشر لطيبكم، ولحمته لفاكهتكم، والحمّاض لصباغكم، والحبّ لدهنكم. فكان ذلك أوّل ما عرفت به حكمته. باب مصالح الطعام قال رئيس من رؤساء الطبّاخين: العجين يملك. وفي الحديث المرفوع: «أملكوا «٤» العجين فإنه أحد الرّيعين» . السّويق: يغسل بالماء الحارّ مرّات ثم بالبارد ويشرب. والملح: يتقبّل به الطبيخ. والخلّ: ينضج العدس ويصلحه للأكل. الباقلي: ينقع ثم يطبخ. ولا يؤكل من الفاكهة إلا ما نضج على شجره، ويلقى ثفله وعجمه «٥» ، ويؤكل على ريق النّفس. والعنب: يقطف ويمهل أيّاما ثم يؤكل. ولا يؤكل من القنّب «٦» إلا لبّه.

стр. 1180

ولا يؤكل من الرأس إلا أسنانه «١» وعيونه. الباذنجان: يشقّ ويحشى بالملح، ويترك ساعة في الماء البارد، ثم يصبّ عنه ويعاد إلى الماء مرارا، ثم يسلق بعد ذلك. الكبر «٢» : يؤكل بالخلّ بعد غسله بالماء من الخلّ. الزيتون: يؤكل وسط الطعام ويصبّ في الخل. ويؤكل من الأشترغاز «٣» خلّه ولا يعرض لجسمه. والكمأة: تنصّف ويقشر عنها قشرها، وتسلق بالماء والملح ثم تستعمل بالسّعتر «٤» والفلفل، وتقلى بالزّيت الرّكابي «٥» ، وكذلك الفطر. السّلق والكرنب: يسلقان بالماء والملح، ويصبّ ماؤها ثم يستعملان. والبقول: تمسح ثم تؤكل ولا تغسل بالماء. وأحمد التّمور الهيرون «٦» . وأحمد البسور الجيسران «٧» . وما اصفرّ أحمد مما اسودّ. وخير السّمك الشّبّوط والبنانيّ والميّاح «٨» . ولا يؤكل السمك الطّريّ إلا

стр. 1181

حارّا بالخردل في الشتاء، وفي الصيف بالخلّ وبالأبازير «١» . وأقلّ السّمك أذى الممقور «٢» . وشرّ السمك كباره السماريس «٣» . وخير السماريس البيض، وأكلها خير من أكل الحمر، وشرّها السّود. وخير البيض بيض الشّوابّ «٤» من الدّجاج، ولا خير في بيض الهرمة. وأخفّ البيض الرقيق، وأثقله البيض الصلب. ولا يعرض من الرأس للدّماغ ولا للسان، ولا الغلصمة «٥» ولا الخراطيم. ولحم العنق خفيف سريع الإنهضام. وفي الحديث المرفوع: «العنق هادية «٦» الشاة وهي أبعدها من الأذى» . والفقّاع «٧» : يشرب قبل الطّعام ولا يشرب بعده. واللّبن: لا يؤكل ولا يشرب إلا بعد وضع الشاة بشهر ونحوه. والباقليّ «٨» ؛ يؤكل بعد الفوذنج «٩» فإنه يذهب بنفخته. اللوبياء: يؤكل بعده الخردل الرّطب، ويشرب بعده ماء الرّمّان

стр. 1182

والسّكنجبين «١» المعمول بالسّكر. الهريسة «٢» : تؤكل بالفلفل الكثير والمرّيّ «٣» ولا يجعل فيها السّمن. والمضيرة «٤» : تطبخ بالفوذنج والسّذاب والكرفس. الزّيت الرّكابيّ: إذا خلط بالخلّ أو أغلي على النار ثم رفعت رغوته عاد كالمغسول. وفي الحديث: أن عمر ﵁ قال: عليكم بالزّيت، فإن خفتم ضرره فأثخنوه بالماء فإنه يصير كالسّمن. عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالشّجرة التي نادى الله منها موسى ﵇ زيت الزّيتون ادّهنوا به فإنه شفاء من الباسور» . الخردل: يعجن بالخلّ ويغسل بالماء ورماد البلّوط أو رماد الكرم مرارا بعد أن ينعم دقّه ونخله، ثم يغسل بالماء القراح ويرشّ بالماء حتى تخرج رغوته ويكثر خلّه، ويخلط معه اللّوز الحلو أو ماء الرّمان الحامض وماء الزّبيب. صورة ما جاء بخاتمة الجزء التاسع من النسخة الخطية التي نقل عنها الأصل الفتوغرافي. تمّ كتاب الطعام وهو الكتاب التاسع من عيون الأخبار لابن قتيبة، ويتلوه في الكتاب العاشر كتاب النساء. والحمد لله ربّ العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد وآله أجمعين. وكتبه الفقير إلى رحمة الله تعالى إبراهيم بن عمر بن محمد بن عليّ

стр. 1183

الجزريّ الواعظ، في شهور سنة أربع وتسعين وخمسمائة هجرية. نجز كتاب الطعام ويتلوه في الجزء العاشر كتاب النساء. جاء بعد خاتمة الجزء التاسع من النسخة الخطية التي نقل عنه الأصل الفتوغرافي ما يأتي: قال الأصمعيّ: دخلت على هارون الرشيد وبين يديه بدرة «١» ، فقال: يا أصمعيّ، إن حدّثتني بحديث في العجز «٢» فأضحكتني وهبتك هذه البدرة؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ بينا أنا في صحارى الأعراب في يوم شديد البرد والرّيح وإذا بأعرابيّ قاعد على أجمة «٣» وهو عريان، قد احتملت الرّيح كساءه، فألقته على الأجمة؛ فقلت له: يا أعرابيّ؛ ما أجلسك هاهنا على هذه الحالة؟ فقال: جارية وعدتها يقال لها سلمى، أنا منتظر لها؛ فقلت: وما يمنعك من أخذ كسائك؟ فقال: العجز يوقفني عن أخذه، فقلت له: فهل قلت في سلمى شيئا؟ فقال: نعم؛ فقلت: أسمعني لله أبوك! فقال: لا أسمعك حتى تأخذ كسائي وتلقيه عليّ؛ قال: فأخذته فألقيته عليه، فأنشأ يقول: [وافر] لعلّ الله أن يأتي بسلمى ... فيبطحها ويلقيني عليها ويأتي بعد ذاك سحاب مزن ... تطهّرنا ولا نسعى إليها «٤» فضحك الرشيد حتى استلقى على ظهره، وقال: أعطوه البدرة، فأخذها الأصمعيّ وانصرف. ويروى أن الحسن بن زيد لما ولي المدينة قال لابن هرمة: إني لست

стр. 1184

كمن باعك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمّك، فقد رزقني الله بولادة نبيّه ﵇ الممادح وجنّبني المقابح، وإنّ من حقّه عليّ ألّا أغضي «١» على تقصير في حقّ ربّه. وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنّك حدّا للخمر وحدّا للسكر «٢» ، ولأزيدنّ لموضع حرمتك بي. فليكن تركك لها لله تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم؛ فنهض ابن هرمة «٣» وهو يقول: [وافر] نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدّبني بآداب الكرام «٤» وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام وكيف تصبّري عنها وحبّي ... لها حبّ تمكّن في عظامي أرى طيب الحلال عليّ خبثا ... وطيب النفس في خبث الحرام ذكر هذا الخبر أبو العباس المبرّد في كتاب الكامل.

стр. 1185

الجزء الرابع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب النساء في أخلاقهن وخلقهن وما يختار منهن وما يكره عن مجاهد عن يحيى بن جعدة قال قال رسول الله ﷺ : «تنكح المرأة لدينها وحسبها وحسنها فعليك بذات الدّين تربت يداك» «١» ثم قال: «ما أفاد رجل بعد الإسلام خيرا من امرأة ذات دين تسرّه إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه في نفسها وماله إذا غاب عنها» . وعن عائشة ﵂ قالت: لا تدخل المرأة على زوجها في أقلّ من عشر سنين. قالت عائشة: وأدخلت على رسول الله ﷺ وأنا بنت تسع سنين. الأصمعيّ قال: أخبرنا شيخ من بني العنبر قال: كان يقال: النساء ثلاث: فهيّنة ليّنة عفيفة مسلمة تعين أهلها على العيش ولا تعين العيش على أهلها، وأخرى وعاء للولد، وأخرى «غلّ قمل» «٢» يضعه الله في عنق من يشاء

стр. 1186

ويفكّه عمن يشاء. والرجال ثلاثة: فهيّن ليّن عفيف مسلم، يصدر الأمور مصادرها، ويوردها مواردها، وآخر ينتهي إلى رأي ذي الّلبّ والمقدرة فيأخذ بأمره، وينتهي إلى قوله، وآخر حائر بائر «١» ، لا يأتمر لرشد، ولا يطيع مرشدا. عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب ﵇ قال: خير نسائكم العفيفة في فرجها، الغلمة لزوجها «٢» . وعن عروة بن الزّبير قال: ما رفع أحد نفسه بعد الإيمان بالله بمثل منكح صدق، ولا وضع نفسه بعد الكفر بمثل منكح. سوء. ثم قال: لعن الله فلانة، ألفت «٣» بني فلان بيضا طوالا فقلبتهم سودا قصارا. قال بعض شعراء بني أسد: [طويل] وأوّل خبث الماء خبث ترابه ... وأوّل خبث القوم خبث المناكح قال الأصمعيّ قال ابن زبير؛ لا يمنعكم من تزوّج امرأة قصيرة قصرها، فإنّ الطويلة تلد القصير، والقصيرة تلد الطويل؛ وإيّاكم والمذكّرة «٤» فإنها لا تنجب. أبو عمرو بن العلاء قال قال رجل: لا أتزوّج امرأة حتى أنظر إلى ولدي منها، قيل له: كيف ذاك؟ قال: أنظر إلى أبيها وأمّها فإنها تجرّ بأحدهما «٥» . عن ابن أبي مليكة أنّ عمر قال: يا بني السائب، إنكم قد أضويتم «٦»

стр. 1187

فانكحوا في النزائع «١» . الأصمعيّ قال: قال رجل: بنات العمّ أصبر، والغرائب أنجب «٢» ، وما ضرب رؤوس الأبطال كابن أعجميّة «٣» . عن أوفى بن دلهم أنه كان يقول: النساء أربع، فمنهنّ معمع «٤» لها شيئها أجمع، ومنهن تبع تضرّ ولا تنفع، ومنهنّ صدع «٥» تفرّق ولا تجمع، ومنهن غيث همع «٦» إذا وقع ببلد أمرع «٧» . قال الأصمعيّ: فذكرت بعض هذا الحديث لأبي عوانة «٨» . فقال: كان عبد الله بن عمير يزيد فيه: ومنهن القرثع «٩» : وهي التي تلبس درعها مقلوبا، وتكحل إحدى عينيها وتدع الأخرى. عن عليّ بن زيد قال قال عمر بن الخطّاب ﵁: ثلاث من الفواقر «١٠» : جار مقامة، إن رأى حسنة سترها، وإن رأى سيئة أذاعها؛ وامرأة إن دخلت لسنتك «١١» ، وإن غبت عنها لم تأمنها؛ وسلطان إن أحسنت لم يحمدك، وإن أسأت قتلك.

стр. 1188

الأصمعيّ قال: حدّثنا جميع بن أبي غاضرة- وكان شيخا مسنّا من أهل البادية من ولد الزّبرقان بن بدر من قبل النساء- قال: كان الزبرقان يقول: احبّ كنائني «١» إليّ الذليلة في نفسها، العزيزة في رهطها، البرزة «٢» الحيّية التي في بطنها غلام ويتبعها غلام. وأبغض كنائني إليّ الطّلعة الخبأة «٣» ، التي تمشي الدّفّقى «٤» وتجلس الهبنقعة «٥» ، الذليلة في رهطها، العزيزة في نفسها، التي في بطنها جارية وتتبعها جارية. بلغني عن خالد بن صفوان أنه قال: من تزوّج امرأة فليتزوّجها عزيزة في قومها، ذليلة في نفسها، أدّبها الغنى وأذلّها الفقر. حصانا من جارها «٦» ما جنة على زوجها «٧» . وقال الفرزدق يصف نساء: [كامل] يأنسن عند بعولهنّ إذا خلوا ... وإذا هم خرجوا فهنّ خفار «٨» وقال خالد بن صفوان لدلال «٩» : اطلب لي بكرا كثيّب «١٠» أو ثيبّا كبكر، لا

стр. 1189

ضرعا «١» صغيرة ولا عجوزا كبيرة لم تقرّ فتحنن ولم تفت فتمحن «٢» ، قد عاشت في نعمة وأدركتها حاجة. فخلق النعمة معها وذلّ الحاجة فيها، حسبي من جمالها أن تكون ضخمة من بعيد، مليحة من قريب وحسبي من حسبها أن تكون واسطة في قومها، ترضى مني بالسّنّة، إن عشت أكرمتها وإن متّ ورّثتها. وقال رجل لصاحب له: ابغني امرأة بيضاء البياض، سوداء السواد، طويلة الطول، قصيرة القصر. يريد: كلّ شيء منها أبيض فهو شديد البياض، وكلّ شيء منها أسود فهو شديد السواد، وكذلك الطول والقصر. وقال آخر: ابغني امرأة لا تؤهّل دارا (أي لا تجعل دارها آهلة بدخول الناس عليها) ، ولا تؤنس جارا (أي لا تؤنس الجيران بدخولها عليهم) ، ولا تنفث نارا أي لا تنمّ وتغري بين الناس. قال الأصمعيّ قال أعرابيّ لابن عمّه: اطلب لي امرأة بيضاء، مديدة «٣» فرعاء «٤» . جعدة «٥» ، تقوم فلا يصيب قميصها منها إلا مشاشة «٦» منكبيها، وحلمتى ثدييها ورانفتي «٧» أليتيها ورضاف «٨» ركبتيها، إذا استلقت فرميت تحتها

стр. 1190

بالأترجّة «١» العظيمة نفذت من الجانب الآخر، فقال له ابن عمه: وأنّى بمثل هذه إلّا في الجنان!. ونحو قوله في الأترجّة قول أمّ زرع: خرج أبو زرع والأوطاب «٢» تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان تحت خصرها برمّانتين فطلقّني ونكحها. وقال آخر: ابغني امرأة شقّاء مقّاء «٣» ، طويلة الإلقاء «٤» ، منهوسة الفخذين «٥» ، نافحة الصّقلين «٦» . أنشد ابن الأعرابيّ: [طويل] إذا كنت تبغي أيّما بجهالة ... من الناس فانظر من أبوها وخالها «٧» فإنّهما منها كما هي منهما ... كقدّك نعلا إن أريد مثالها فإنّ الذي ترجو من المال عندها ... سيأتي عليه شؤمها وخبالها «٨» كان يقال: البكر كالذّرة تطحنها وتعجنها وتخبزها، والثّيّب عجالة «٩» راكب تمر وسويق. وقال ابن الأعرابيّ: طلّق زياد امرأته حين وجدها لثغاء «١٠» ، وقال: أخاف

стр. 1191

أن يجيء ولدي ألثغ، وقال: [رجز] لثغاء تأتي بحيفس ألثغ ... تميس في الموشي والمصبّغ» ويقال: المرأة غلّ فانظر ماذا تضع في عنقك؛ وهو من قول ابن المقفّع: الدّين رقّ، فانظر عند من تضع نفسك. أنشد ابن الأعرابيّ: [طويل] أحبّ الخلاويّ النزيه من الهوى ... وأكره أن أسقى على عطش فضلا «٢» يقول: أكره المرأة التي أكثرت الأزواج وإن كنت مضطرّا إليها. وعن خالد الحذّاء قال: خطبت امرأة من بني أسد فجئت لأنظر إليها وبيني وبينها رواق يشفّ «٣» ، فدعت بجفنة «٤» مملوءة ثريدا مكلّلة باللحم فأتت على آخرها، وأتت بإناء مملوء لبنا أو نبيذا فشربته حتى كفأته «٥» على وجهها، ثم قالت: يا جارية ارفعي السّجف «٦» فإذا هي جالسة على جلد أسد وإذا شابة جميلة، فقالت: يا عبد الله: أنا أسدة من بني أسد على جلد أسد وهذا مطعمي ومشربي، فإن أحببت أن تتقدّم فافعل، فقلت: استخير الله وأنظر، فخرجت ولم أعد. وعن أنس قال قال رسول الله ﷺ وأمّ سليم تنظر إلى امرأة فقال: «شمّي

стр. 1192

عوارضها «١» وانظري إلى عقبها» . وقال النابغة: [بسيط] ليست من السّود أعقابا إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما «٢» وقال الأصمعيّ: إذا اسودّ عقب المرأة اسودّ سائرها. تزوّج عليّ بن الحسين أمّ ولد لبعض الأنصار، فلامه عبد الملك في ذلك، فكتب إليه: إن الله قد رفع بالإسلام الخسيسة وأتمّ النقيصة، وأكرم به من اللؤم فلا عار على مسلم، هذا رسول الله ﷺ قد تزوّج أمته وامرأة عبده، فقال عبد الملك: إن عليّ بن الحسين يتشرّف من حيث يتّضع الناس. الأصمعيّ قال: كان أهل المدينة يكرهون اتّخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم عليّ بن الحسين والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبد الله بن عمر، ففاقوا أهل المدينة فقها وورعا فرغب الناس في السّراري «٣» . وقال مسلمة بن عبد الملك: عجبنا من رجل أحفى «٤» شعره ثم أعفاه، أو قصّر شاربه ثم أطاله، أو كان صاحب سراريّ فاتّخذ المهيرات «٥» . قال رجل من أهل المدينة: لا تشتمنّ امرأ في أن تكون له ... أمّ من الروم أو سوداء عجماء

стр. 1193

فإنما أمّهات الناس أوعية ... مستودعات وللأحساب آباء وربّ واضحة ليست بمنجبة ... وربما أنجبت للفحل سوداء «١» بلغني أن رجلا شاور حكيما في التّزوّج فقال له: افعل، وإيّاك والجمال الفائق، فإنه مرعى أنيق، فقال: ما نهيتني إلّا عما أطلب، فقال: أما سمعت قول القائل: [بسيط] ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا ... إلا وجدت به آثار منتجع «٢» وقال عمر بن الوليد للوليد بن يزيد: إنك لمعجب بالإماء، قال: وكيف لا أعجب بهنّ وهنّ يأتين بمثلك. ويروى عن أبي الدّرداء أنه قال: خير نسائكم التي تدخل قيسا وتخرج ميسا «٣» وتملأ بيتها أقطا «٤» وحيسا، وشرّ نسائكم السّلفعة «٥» ، التي تسمع لأضراسها قعقعة «٦» ، ولا تزال جارتها مفزّعة. وقد فسرت هذا في كتاب غريب الحديث. وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: أيّ النساء أشهى؟ قال: المؤاتية لما تهوى، قال: فأيّ النساء أسوأ؟ قال: المجانبة لما ترضى؛ قال معاوية: هذا والله النّقد، قال عقيل؛ بالميزان العادل.

стр. 1194

الأكفاء من الرجال عن أبي هريرة قال قال النبي ﷺ : «إذا جاءكم من ترضون خلقه وخلقه فزوّجوه إنكم إلّا تفعلوه تكن قتنة في الأرض وفساد عريض» . وعن الحسن عن سمرة عن النبيّ ﷺ قال: الحسب المال والكرم التقوى. وعن أنس قال: قالت أمّ حبيبة: يا رسول الله، المرأة منّا يكون لها الزوجان في الدنيا فتموت فلأيّهما تكون في الآخرة؟ قال: «لأحسنهما خلقا يا أمّ حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» . عن عطيّة بن قيس قال: خطب معاوية أمّ الدّرداء فقالت: قال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ : «المرأة لآخر زوجيها» فلست بمتزوّجة بعد أبي الدرداء حت أتزوّجه في الجنة إن شاء الله تعالى. ويقال: إنما حرم أزواج النبيّ ﷺ على من بعده لأنّهنّ أزواجه في الجنّة. عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنّهنّ يحببن ما تحبّون. ابن الأعرابيّ قال: قيل لابنة الخسّ «١» : ألا تتزوّجين؟ فقالت: بلى، لا أريده أخا فلان ولا ابن فلان ولا الظريف المتظرّف ولا السمين الألحم «٢» ، ولكن أريده كسوبا إذا غدا، ضحوكا إذا أتى. وكان أبوها قد كفّ بصره فقال: ما بال ناقتك؟ قالت: عينها «٣» هاجّ وملؤها راج «٤» وتمشي وتفاج «٥» ؛ فقال: يا بنيّة اعقليها، فعقلتها. فقال: ما صنعت حتى اضطرمت «٦» .

стр. 1195

قيل لأعرابيّ: فلان يخطب فلانة، قال: أموسر من عقل ودين؟ قالوا: نعم، قال: فزوّجوه. عن عيسى بن عمر قال: قال رجل لأعرابيّ: أمنكحي أنت؟ قال: لا، قال: ولم؟ لأنك أصبح اللّحية «١» . وكان عقيل بن علّفة غيورا، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه «٢» ، وكانت لعقيل إليه حوائج، فقال له: إن كنت لا بدّ فاعلا فجنّبني هجناءك «٣» . وخطب إليه إبراهيم بن هشام بن إسماعيل- وكان إبراهيم بن هشام والي المدينة وخال هشام بن عبد الملك- فردّه لأنه كان أبيض شديد البياض، فقال: [وافر] رددت صحيفة القرشيّ لمّا ... أبت أعراقه إلا احمرارا وقال رجل من الأعراب: [طويل] يسمّوننا الأعراب والعرب اسمنا ... واسماؤهم فينا رقاب المزاود «٤» يعني العجم يسمّون الحمراء. ابن الأعرابيّ قال: قال عبد الملك بن مروان لامرأة من قريش تزوّجت
следующие страницы →