← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطّت بالعلى هممي وجعلت الصبر سابغة ... فهي من قرني إلى قدمي فإذا ما الدّهر عاتبني ... لم يجدني كافرا نعمي التجارة والبيع والشراء قال: حدّثني محمد بن عبيد عن معاوية بن عمرو عن ابن إسحق عمّن حدّثه يرفعه قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت مرغمة ومرحمة ولم أبعث تاجرا ولا زرّاعا وإنّ شرّ هذه الأمّة التّجار والزرّاعون إلّا من شحّ عن دينه» . وفي حديث آخر رواه أبو معاوية عن الأعمش عن وائل بن داود عن سعيد بن جبير: سئل النبيّ، ﷺ ، أيّ الكسب أطيب قال: «عمل الرجل بيده وكلّ بيع مبرور» . حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا عون بن عمارة عن هشام بن حسّان عن الحسن أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: من تجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب فيه فليتحوّل منه إلى غيره. وقال: فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين ولا تلثّوا بدار معجزة «١» . وقال: إذا اشتريت بعيرا فاشتره عظيم الخلق فإن أخطأك خير لم يخطئك سوق. وقال: بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك. وقال الحسن: الأسواق موائد الله في الأرض فمن أتاها أصاب منها. ابن المبارك عن معمر عن الزّبيري قال: مرّ رسول الله، ﷺ ، برجل يبيع شيئا، فقال: «عليك بالسّوم أوّل السوق فإن الرّباح مع السماح» . وكان يقال:

стр. 352

إسمح يسمح لك. وفي بعض الحديث المرفوع: «أمر رسول الله، ﷺ ، الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدّجاج» . وقيل للزّبير: بم بلغت ما بلغت من اليسار؟ قال: لم أردّ ربحا ولم أستر عيبا. دخل ناس على معاوية فسألهم عن صنائعهم، فقالوا: بيع الرقيق. قال: بئس التّجار ضمان نفس ومؤونة ضرس. باع رجل ضيعة فقال للمشتري: أما والله لقد أخذتها ثقيلة المؤنة قليلة المنفعة، فقال: وأنت والله لقد أخذتها بطيئة الاجتماع سريعة التفرّق. واشترى رجل من رجل دارا فقال له المشتري: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة، فقال: وأنت لو صبرت بعتك الذراع بدرهم. حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ أنّ أبا سفيان بن العلاء باع غلاما له بثلاثين ألفا فقال عمر بن أبي زائدة: هذا أحمق، قالوا: كيف؟ قال: لأنّه لم يبلغ ثلاثين ألفا حتى أعطي قبل ذلك عشرون ألفا فكيف انتظر ولم يغتنمها. ورئي عبد الله بن جعفر يماكس «١» في درهم فقيل له: أتماكس في درهم وأنت تجود من المال بما تجود به؟ قال: ذلك مالي جدت به وهذا عقلي بخلت به. ابتاع ابن عمر شيئا فحثا له البائع على المكيال فقال له ابن عمر: أرسل يدك ولا تمسك على رأسه فإنّما لي ما يحمله المكيال. كان جرير بن عبد الله إذا اشترى شيئا قال لصاحبه: إن الذي أخذنا منك خير ممّا أعطيناك إذ أظنّ أنّه كذلك فأنت بالخيار. اشترى عمرو بن عبيد إزارا للحسن بستّة دراهم ونصف فأعطاه سبعة دراهم فقال الرجل: إنما بعته بستة دراهم ونصف، فقال عمرو: إني اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه درهما.

стр. 353

قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ عن أبي الزّناد قال: إذا عزب «١» المال قلّت فواضله، لا بلحة ولا بسرة ولا رطبة ولا كرنافة «٢» . ونحوه قول بعض الحجازيّين: [طويل] سأبغيك مالا بالمدينة إنّني ... أرى عازب الأموال قلّت فواضله قال عمر بن عبد الرحمن بن عوف: قسم سهل بن حنيف بيننا أموالنا وقال لي: يا بن أختي، إني أو ترك بالقرابة، اعلم أنّه لا مال لأخرق ولا عيلة على مصلح، وخير المال ما أطعمك لا ما أطعمته، وإن الرقيق جمال وليس بمال. قال زياد: ليس لذي ضعف مثل أرض عشر وليس لذي جاه مثل خراج وليس لتاجر مثل صامت. قال رجل لآخر: بكم تبيع الشاة؟ قال: أخذتها بستة وهي خير من سبعة وقد أعطيت بها ثمانية فإن كانت من حاجتك بتسعة فزن عشرة. كان يقال: خير المال عين خرّارة، في أرض خوّارة، تفجّرها الفارة، تسهر إذا نمت، وتشهد إذا غبت، وتكون عقبا إذا متّ. عبد الرزاق عن معمر عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب قال: إن الله إذا أبغض عبدا جعل رزقه في الصيّاح. وقال الفضيل مثل ذلك وقال: أما سمعت إلى أهل دار البطّيخ والملّاحين ودويّهم. قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الهجيميّ قال: حدّثنا المبارك بن سعيد عن برد بن سنان عن نافع عن ابن عمر أنّه كان لا يرى بالمكايسة والمماكسة في الشراء والبيع بأسا.

стр. 354

قال: حدثني محمد قال: حدّثني الأصبهانيّ عن يحيى بن أبي زائدة عن مجالد عن أبي بردة. قال: أتى عمر غلاما له يبيع الحلل، فقال له: إذا كان الثوب عاجزا فانشره وأنت جالس وإذا كان واسعا فانشره وأنت قائم. قال: فقلت له: الله الله يا عمر. قال: إنما هي السّوق. قال عبد الله بن الحسين: غلّة الدور مسكة وغلّة النخل كفاف وغلة الحبّ الغنى. قال أعرابيّ: [طويل] زيادة شيء تلحق النفس بالمنى ... وبعض الغلاء في التجارة أربح ولمّا بلغ عتبة بن غزوان أنّ أهل البصرة قد اتخذوا الضّياع وعمروا الأرضين كتب إليهم: لا تنهكوا وجه الأرض فإن شحمتها في وجهها. قال أعرابيّ: [طويل] وفي السّوق حاجات وفي النّقد قلّة ... وليس مقضي الحاج «١» غير الدّراهم قال ميمون بن ميمون: من اشترى الأشياء بنعت أهلها غبن حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعي قال: حدّثني شكر الحرشي قال: جاء الحسن بشاة فقال لي: بعها وابرأ من أنّها تقلب المعلف وتنزع الوتد من قبل البيع لئلا يقولوا ندم. قال الشاعر: [وافر] إذا ما تاجر لم يوف كيلا ... فصبّ على أنامله الجذام ابن الزيات «٢» في الطائيّ: [طويل] رأيتك سهل البيع سمحا وإنما ... يغالي إذا ما ظنّ بالشيء بائعه هو الماء إن أحميته طاب شربه ... ويكدر يوما أن تباح مشارعه

стр. 355

حدّثت عن شيبان بن فرّوخ عن أبي الأشهب عن الحسن قال: كان رجل يتّجر في البحر ويحمل الخمر يأتي بها قوما، فعمد إليها فمزجها نصفين وأتاهم بها فباعها بحساب الصّرف واشترى قردا فحمله معه في السفينة، فلمّا لجّج في البحر لم يشعر إلّا وقد أخذ القرد الكيس وعلا على الصّاري وجعل يلقي دينارا في البحر ودينارا في السفينة حتى قسمه قسمين. قال رجل من الحاجّ: أتانا رجل من الأعراب بالرمل في طريق مكّة بغرارة «١» فيها كمأة، فقلنا له: بكم الغرارة؟ فقال: بدرهمين، فقلنا: لك ذلك، فأخذناها ودفعنا إليه الثمن، فلما نهض قال له رجل منا: في است المغبون عود، فقال: بل عودان وضرب الأرض برجله فإذا نحن على الكمأة قيام. قيل لأعرابيّ: ألا تشتري لابنك بطّيخة. فقال: لا، أو يبلغ من كساده أن يكون إذا تناول من بين يدي البقّال وأخذه وعدا رماه بأخرى ولم يعد خلفه. اشترى أعرابيّ غلاما فقال للبائع: هل فيه من عيب، فقال: لا، غير أنّه يبول في الفراش. فقال: ليس هذا بعيب، إن وجد فراشا فليبل فيه. الدّين قال ثابت قطنة: الدّين عقلة الشريف. وقال دليم «٢» : [طويل] الله لقّى من عرابة بيعة ... على حين كاد النّقد يعسر عاجله «٣» ولوى بنان الكفّ يحسب ربحه ... ولم يحسب المطل الذي أنا ماطله سيرضى من الرّبح الذي كان يرتجي ... برأس الذي أعطى وهل هو قابله؟ «٤»

стр. 356

عبد الرزاق عن ابن جريج قال: رآني عمر وأنا متقنّع، فقال: يا أبا خالد، إنّ لقمان كان يقول: القناع بالليل ريبة وبالنهار مذلّة، فقلت: إنّ لقمان لم يكن عليه دين. كتب يعقوب بن داود إلى بعض العبّاد يسأله القدوم عليه، فأتى محمد بن النضر الحارثيّ فاستشاره وقال: لعلّ الله يقضي ديني، فقال محمد بن النضر: لأن تلقى الله وعليك دين ولك دين خير من أن تلقاه وقد قضيت دينك وذهب دينك،. قال عياض بن عبد الله: الدّين راية الله في أرضه فإذا أراد أن يذلّ عبدا جعلها طوقا في عنقه. دخل عتبة بن عمرو على خالد القسريّ. فقال خالد يعرّض به: إنّ ههنا رجالا يدّانون في أموالهم فإذا فنيت ادّانوا في أعراضهم. فقال عتبة: إن رجالا تكون مروءاتهم أكثر من أموالهم فيدّانون «١» على سعة ما عند الله، فخجل خالد وقال: إنّك منهم ما علمت. وقال أعرابيّ يذكر غرماء «٢» له: [بسيط] جاءوا إليّ غضابا يلغطون معا ... يشفي أذاتهمو أن غاب أنصاري لما أبوا جهرة إلا ملازمتي ... أجمعت مكرا بهم في غير إنكار وقلت: إني سيأتيني غدا جلبي «٣» ... وإنّ موعدكم دار ابن هبّار وما أواعدهم إلا لأربثهم «٤» ... عني فيحرجني نقضي وإمراري وما جلبت إليهم غير راحلة ... تخدي برحلى وسيف جفنه عاري إن القضاء سيأتي دونه زمن ... فاطو الصحيفة واحفظها من الفار وقال آخر لغرمائه:

стр. 357

[وافر] ولو علّقتموني كلّ يوم ... برجلي أو يدي في المنجنيق «١» لما أعطيتكم إلا ترابا ... يطيّر في الخياشم والحلوق وقال آخر «٢» : [وافر] إذا جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم وأمّا بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبّح من غريم دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي. قال: جاء رجل من بني مخزوم إلى الحارث بن عبد الله بن نوفل وهو يقضي عن أخيه دينا فقال: إنّ لي على أخيك حقّا، قال: ثبّت حقّك تعطه. قال: أفمن ملاءة أخيك ووفائه ندّعي عليه ما ليس لنا؟ فقال: أمن صدقك وبرّك نقبل قولك بغير بينة؟. لزم سهل ابن هارون دين كثير، فقال أعرابي يوصيه بالتّواري عن غرمائه: [طويل] انزل أبا عمرو على حدّ قرية ... تربّع إلى سهل كثير السّلائق وخذ نفق اليربوع فاسلك طريقه ... ودع عنك إنّي ناطق وابن ناطق وكن كأبي قطب على كلّ رائع ... له باب دار ضيّق العرض سامق وأبو قطبة خنّاق كان بالكوفة مولى لكندة. حدّثني محمد بن عبيد. قال: حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير أنّ رجلا كان يبايع الناس ويداينهم، وكان له كاتب ومتجر، فيأتيه المعسر والمستنظر فيقول لكاتبه: أكلىء واستنظر ليوم يتجاوز

стр. 358

الله عنا فيه، فمات لا يعمل عملا غيره فغفر الله له. قال شقران القضاعيّ «١» : [طويل] لو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليّ لإنسان من الناس درهما ولكنّني مولى قضاعة كلّها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما بلغني عن يحيى بن أيّوب عن الأعمش عن إبراهيم. قال: أرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة درهم، فقال عبد الرحمن: أتستسلفني وعندك بيت المال، ألا تأخذ منه ثم تردّه؟ فقال عمر: إني أتخوّف أن يصيبني قدري، فتقول أنت وأصحابك: أتركوا هذا لأمير المؤمنين؟ حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أتسلّفها منك لما أعلم من شحّك فإذا متّ جئت فاستوفيتها من ميراثي. كتب أبو عبّاد المهلّبي «٢» إلى صديق له مكثر يستسلفه مالا، فاعتلّ عليه بالتعذّر وضيق الحال، فكتب إليه ابن عبّاد: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا. أبو اليقظان قال: كان الفضل «٣» بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر يعيّن «٤» الناس فإذا حلّت دراهمه ركب حمارا له يقال له شارب الريح فيقف على غرمائه ويقول: [طويل] بني عمّنا، ردّوا الدراهم إنما ... يفرّق بين الناس حبّ الدراهم

стр. 359

وكان رجل من بني الدّيل عسر القضاء فإذا تعلّق به غرماؤه فرّ منهم وقال: [وافر] فلو كنت الحديد لكسّروني ... ولكني أشدّ من الحديد فعيّنه الفضل فلما كان قبل المحلّ جاء فبنى معلفا على باب داره، وكان يقال للرجل عقرب فلقي كل واحد من صاحبه شدّة، فهجاه الفضل فقال. [سريع] قد تجرت في دارنا عقرب ... لا مرحبا بالعقرب التاجره إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النّعل لها حاضره كلّ عدوّ يتّقى مقبلا ... وعقرب تخشى من الدّابره إنّ عدوّا كيده في استه ... لغير ذي كيد ولا نائره قال بعضهم: ثلاثة من عازّهم عادت عزّته ذلّة: السلطان. والوالد، والغريم. وفي الحديث المرفوع: «لصاحب الحقّ اليد واللسان» . المدائني قال: ساير بعض خلفاء بني أمية رجلا وهو يحادثه ثم قطع حديثه واصفرّ لونه، فقال له الرجل: ما هذا الذي رأيت منك؟ قال: رأيت غريما لي، قال الشاعر: [طويل] إذا ما أخذت الدّين بالدّين لم يكن ... قضاء ولكن كان غرما على غرم وقال آخر: [وافر] أخذت الدّين أدفع عن تلادي ... وأخذ الدّين أهلك للتّلاد كان لرجل من يحصب على رجل من باهلة دين، فلما حل دينه هرب الباهليّ وأنشأ يقول: [طويل] إذا حلّ دين اليحصبيّ فقل له: ... تزوّد بزاد واستعن بدليل

стр. 360

سيصبح فوقي أقتم الرأس واقعا ... بقالي قلا أو من وراء دبيل «١» قال المحدّث بهذا: فحدّثني من رآه بقالي قلا أو بدبيل وهو مصلوب وقد وقعت عليه عقاب. وقف أبو فرعون الأعرابيّ على باب قوم يسألهم، فحلفوا له: ما عندهم شيء يعطونه، فقال: استقرضوا لنا شيئا، فقالوا: ما يقرضنا أحد شيئا، فقال أبو فرعون: ذلك لأنكم تأخذون ولا تعطون، أو قال ولا تقضون. أتى قوم عباديّا فقالوا: نحبّ أن تسلف فلانا ألف درهم وتؤخره بها سنة، قال: هاتان حاجتان وسأقضي لكم إحداهما، وإذا أنا فعلت فقد أنصفت، أنا أؤخرّه ما شاء. كتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل له عليه دين. قد آن للحقّ الذي عندك أن يرجع إلى أهله، وتستغفر الله تعالى من حبسه. اختلاف الهمم والشهوات والأماني اجتمع عبد الله بن عمر وعروة بن الزّبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال لهم مصعب: تمنّوا فقالوا: إبدأ أنت. فقال: ولاية العراق وتزوّج سكينة ابنة الحسين وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فنال ذلك وأصدق كلّ واحدة خمسمائة ألف درهم وجهّزها بمثلها. وتمنى عروة بن الزّبير الفقه وأن يحمل عنه الحديث فنال ذلك. وتمنّى عبد الملك الخلافة فنالها. وتمنى عبد الله بن عمر الجنة. قال قتيبة بن مسلم لحصين بن المنذر: ما السّرور؟ قال: امرأة حسناء،

стр. 361

ودار قوراء «١» ، وفرس مرتبط بالفناء. وقيل لضرار بن الحسين: ما السّرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لعبد الملك «٢» بن صالح: ما السّرور؟ فقال: [مجزوء الكامل] كلّ الكرامة نلتها ... إلّا التحية بالسلام يريد أنه لم يسلّم عليه بالخلافة. وأخذه من قول الآخر: [مجزوء الكامل] من كلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلّا التحيّه يريد الملك. قيل لعبد الملك بن الأهتم: ما السّرور؟ فقال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء، مع القدرة والنماء. وقال آخر: [خفيف] أطيب الطيّبات قتل الأعادي ... واختيال على متون الجياد وأياد حبوتهنّ كريما ... إنّ عند الكريم تزكو الأيادي قيل للفضل بن سهل: ما السّرور؟ فقال: توقيع جائز وأمر نافذ. وقال يزيد بن أسد يوما: أيّ شيء أسرّ للقلوب؟ فقالوا: رجل هوي زمانا ثم قدر، فقال: إن هذا السّرور. وقال آخر: رجل طلب الولد زمانا فلم يولد له ثم بشّر بغلام، فقال يزيد: أسرّ من هذا كلّه قفلة على غفلة. قيل لبعض الحكماء: تمنّ، فقال: محادثة الإخوان، وكفاف من عيش يسدّ خلّتي ويستر عورتي، والانتقال من ظلّ إلى ظل. قيل لآخر: ما بقي من ملاذّك؛ قال: مناقلة الإخوان الحديث على التّلاع العفر في الليالي القمر. قيل لامرىء القيس: ما

стр. 362

أطيب عيش الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة «١» ، بالطّيب مشبوبة، بالشحم مكروبة. وقيل لطرفة مثل ذلك فقال: مطعم شهيّ وملبس دفيّ، ومركب وطيّ. وقيل للأعشى مثل ذلك، فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية «٢» . وقال طرفة «٣» : [طويل] ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدي فمنهنّ سبقي العاذلات بشربة ... كميت «٤» متى ما تعل بالماء تزبد وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الطّراف المعمّد وكرّي إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا نبّهته المتورّد وقال أبو نواس: [مجزوء الكامل] قلت بالقفص ليحيى ... ونداماي نيام يا رضيعي ثدي أمّ ... ليس لي عنه فطام إنّما العيش سماع ... ومدام وندام فإذا فاتك هذا ... فعلى العيش السلام وقال سحيم «٥» : [منسرح] تقول حدراء: ليس فيك سوى ال ... خمر معاب يعيبه أحد فقلت: أخطأت، بل معاقرتي ال ... خمر وبذلي فيها الذي أجد

стр. 363

هو السّناء الذي سمعت به ... لا سبد محتدي ولا لبد «١» ويحك لولا الخمور لم أحفل ال ... عيش ولا أن يضمّني لحد هي الحيا والحياة واللهو لا ... أنت ولا ثروة ولا ولد وقال أبو الهنديّ «٢» : [متقارب] تركت الخمور لأربابها ... وأصبحت أشرب ماء قراحا وقد كنت حينا بها معجبا ... كحبّ الغلام الفتاة الرّداحا وما كان تركي لها أنّني ... يخاف نديمي عليّ افتضاحا ولكنّ قولي له مرحبا ... وأهلا مع السّهل وانعم صباحا وقال آخر: [خفيف] اسقني بالكبير إنّي كبير ... إنّما يشرب الصغير الصغير لا يغرّنك يا عبيد خشوعي ... تحت هذا الخشوع فسق كثير كان ابن عائشة ينشد: [رجز] لمّا رأيت الحظّ حظّ الجاهل ... ولم أر المغبون غير العاقل رحّلت عنسا من كروم بابل ... فبتّ من عقلي على مراحل وقال آخر: [طويل] شربنا من الدّاذيّ «٣» حتى كأننا ... ملوك لهم برّ العراقين والبحر فلمّا انجلت شمس النهار رأيتنا ... تولّى الغنى عنّا وعاودنا الفقر

стр. 364

قال بعضهم: العيش كله في كثرة المال وصحة البدن وخمول الذكر. وكان يقال: ليس السّرور للنفس بالجدة، «١» إنما سرور النفس بالأمل. قال يزيد بن معاوية: ثلاث تخلق العقل وفيها دليل على الضّعف: سرعة الجواب؛ وطول التمنّي، والاستغراب في الضحك. وكان يقال: المنى والحلم أخوان. وسئل ابن أبي بكرة: أيّ شيء أدوم إمتاعا؟ فقال: المنى. وقال الشاعر: [بسيط] إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطا ... إنّ المنى رأس أموال المفاليس وقال آخر: [سريع] ما فاتني منك فإنّ المنى ... تدنيه منّي فكأنّا معا وقال آخر: [سريع] وإنّ لوّا ليس شيئا سوى ... تسلية اللّوماء بالباطل وقال بعض الأعراب: [طويل] منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا أمانيّ من سعدى عذابا كأنما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا وقال بشّار: [طويل] كررنا أحاديث الزمان الذي مضى ... فلذّ لنا محمودها وذميمها وقال المجنون «٢» : [طويل] أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوا ... بذي سلم، لا جادكنّ ربيع «٣»

стр. 365

وخيماتك اللّاتي بمنعرج اللّوى ... بلين بلى لم تبلهنّ ربوع فقدتك من نفس شعاع فطالما ... نهيتك عن هذا وأنت جميع فقرّبت لي غير القريب وأشرفت ... إليك ثنايا ما لهنّ طلوع وقال ابن الدّمينة «١» : [بسيط] يا ليتنا فردا وحش ندور معا ... نرعى المتان ونخفى في نواحيها «٢» أو ليت كدر القطا حلّقن بي وبها ... دون السماء فعشنا في خوافيها أكثرت من ليتنا لو كان ينفعني ... ومن منى النفس لو تعطى أمانيها وقال كثيّر «٣» : [طويل] فيا ليتنا، يا عزّ «٤» ، من غير ريبة ... بعيران نرعى في الفلاة ونعزب نكون لذي مال كثير يضيعنا ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب وقال جران «٥» العود: [طويل] ألا ليتنا طارت عقاب لنا معا ... لها سبب عند المجرّة أو وكر وقال مالك «٦» بن أسماء: [طويل] ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى ... أنيقا وبستانا من النّور حاليا أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا

стр. 366

وأنشدنا الرّياشيّ: [طويل] نهاري نهار الناس حتّى إذا دجا ... لي الليل ملّتني هناك المضاجع أقضّي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهمّ بالليل جامع «١» وأنشد أبو زيد: [طويل] كأنّي، إذ أسعى لأظفر، طائر ... مع النجم في جوّ السماء يطير فتى متلهّى بالمنى في خلائه ... وهنّ وإن حسّنتهنّ غرورا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: زعم شيخ من بني القحيف قال: تمنّيت دارا فمكثت أربعة أشهر مغتما للدّرجة أين أضعها. قال الوليد بن عبد الملك لبديح «٢» المغني: خذ بنا في التمنّي فوالله لأغلبنّك. قال: والله لا تغلبني أبدا. قال: بلى. قال بديح: فإني أتمنّى كفلين من العذاب، وأن يلعنني الله لعنا كثيرا فخذ ضعفي ذلك. قال: غلبتني، لعنك الله. قيل لمزبد: أيسرّك أنّ هذه الجنة لك؟ قال: وأضرب عشرين سوطا. قالوا: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء. الأصمعيّ عن مبشّر بن بشير أن رجلا كان يطلبه الحجّاج فمرّ بساباط «٣» فيه كلب بين حبّين «٤» يقطر عليه ماؤهما. فقال: يا ليتني مثل هذا الكلب، فما لبث ساعة أن مرّ بالكلب في عنقه حبل، فسأل عنه، فقالوا: جاء كتاب

стр. 367

الحجّاج يأمر فيه بقتل الكلاب. قال مدينيّ لكوفيّ: ما بلغ من حبك لرسول الله ﷺ ؟ فقال: وددت أنّى وقيته ولم يكن وصل إليه يوم أحد ولا غيره شيء من المكروه إلّا كان بي دونه. قال المدينيّ: وددت أن أبا طالب كان أسلم فسرّ به رسول الله ﷺ وأنّي كافر. تمنّى ابن أبي عتيق أن يهدى له مسلوخ يتخذ منه طعاما، فسمعته جارة له فظنّت أنه قد أمر أن يشترى له، فانتظرت إلى وقت الطعام ثم جاءت تدقّ الباب، وقالت: شممت ريح قدوركم فجئت لتطعموني، فقال ابن أبي عتيق: جيراني يشمّون ريح الأماني. وفي كتاب للهند أن ناسكا كان له عسل وسمن في جرّة، ففكّر يوما فقال: أبيع الجرّة بعشرة دراهم، وأشتري خمسة أعنز فأولدهنّ في كلّ سنة مرتين؛ ويبلغ النتّاج في سنين مائتين، وأبتاع بكل أربع بقرة، وأصيب بذرا فأزرع، وينمى المال في يدي؛ فأتّخذ المساكن والعبيد والإماء والأهل ويولد لي ابن فأسميه كذا وآخذه بالأدب، فإن هو عصاني ضربت بعصاي رأسه وكانت في يده عصا فرفعها حاكيا للضرب، فأصابت الجرّة فانكسرت، وانصبّ العسل والسمن على رأسه. ابن الكلبيّ قال: كان رجل من ولد عمر بن الخطاب إذا كان مسرورا قال: [خفيف] ليت أيّامنا ببرقة «١» خاخ ... ولياليك، يا طويل، تعود

стр. 368

وإذا كان مغتمّا قال: [طويل] ترى الشيء مما تتّقي فتخافه ... وما لا ترى مما يقي الله أكثر الأصمعيّ عن أبيه قال: قال زياد: أيّ الناس أنعم؟ قالوا: معاوية. قال: فأين ما يلقى من الناس! قالوا: فأنت. قال: فأين ما ألقى من الثغور والخراج! قالوا: فمن؟ قال: شابّ له سداد من عيش، وامرأة قد رضيها ورضيته، لا يعرفنا ولا نعرفه، فإن عرفناه أفسدنا عليه دينه ودنياه. التواضع قال: حدّثني محمد بن خالد بن خداش قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال: قال رجاء بن حيوة: قام عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فأصلح من السّراج فقلت: يا أمير المؤمنين، لم لا أمرتني بذلك، أو دعوت له من يصلحه؟ فقال: قمت وأنا عمر وعدت وأنا عمر. قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: كتب محمد بن كعب فانتسب وقال: القرظيّ، فقيل له: أو الأنصاريّ. فقال: أكره أن أمنّ على الله بما لم أفعل. قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا عبد الله بن مسلمة عن يعقوب بن حمّاد المدني عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه قال: كان عمر بن الخطاب إذا سافر لا يقوم في الظلّ، وكان يراحلنا رحالنا ويرحّل رحله وحده. وقال ذات يوم: [سريع] لا يأخذ الليل عليك بالهمّ ... إذ البسن له القميص واعتمّ «١»

стр. 369

وكن شريك نافع وأسلم ... ثم اخدم الأقوام حتى تخدم وروى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فأصابته رعدة فقال النبيّ ﷺ : «هوّن عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» «١» . قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: جلس الأحنف على باب دار، فمرّت به ساقية فوضعت قربتها وقالت: يا شيخ، احفظ قربتي حتى أعود ومضت، فأتاه الآذن وقال: انهض. فقال: إن معي وديعة، وأقام حتى جاءت. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن جرير بن حازم عن الزّبير بن الحارث عن أبي لبيد، قال: مرّ بنا زياد وهو أمير البصرة ومعه رجل أو رجلان وهو على بغلة قد طوّق الحبل في عنقها تحت اللجام. الأصمعيّ قال: قال يحيى بن خالد: الشريف إذا نقّر «٢» تواضع والوضيع إذا نقّر تكبّر. الأصمعيّ قال: لا أراه أخذه إلا من كيس غيره. حدّثنا حسين بن حسن المروزيّ قال؛ حدّثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيّوب عن عمارة بن غزيّة عن عبد الله بن عروة بن الزّبير قال: إلى الله أشكو حمدي ما لا آتي، وذمّي ما لا أترك. قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن أبي نعيم عن مندل عن حميد عن أنس قال: مرّ النبيّ ﷺ وأنا في غلمان فسلم علينا. وحدّثني أحمد بن الخليل عن عمر بن عامر عن شعبة عن جابر عن طارق التّيميّ عن جرير بن عبد الله البجليّ قال: مرّ رسول الله ﷺ بنسوة فسلّم عليهن.

стр. 370

قال: حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرني معمر قال: قلت لجار لعطاء السّلميّ: من كان يخدم عطاء؟ قال: مخنّثون كانوا في الدار يستقون له وضوءه. فقلت: أيوضّئه مخنّثون! فقال: هو كان يظنهم خيرا منه. الأصمعيّ عن رجل عن البتّي قال: آذى ابن لمحمد بن واسع رجلا، فقال له محمد: أتؤذيه وأنا أبوك وإنما اشتريت أمّك بمائة درهم. قال عامر بن الظّرب العدوانيّ: يا معشر عدوان، إن الخير ألوف عروف عزوف، وإنه لن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حكيما حتى صحبت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبّدت لكم. قال عروة بن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف. كان يقال: اسمان متضادّان بمعنى واحد: التواضع والشرف. وقال بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة. وقال الوليد: خدمة الرجل أخاه شرف. وقال عبد الله «١» بن طاهر: [وافر] أميل مع الذّمام على ابن عمّي ... وأحتمل الصديق على الشقيق وإن ألفيتني ملكا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق أفرّق بين معروفي ومنّي ... وأجمع بين مالي والحقوق وقال آخر: [طويل] وإني لعبد الضّيف من غير ذلّة ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد «٢»

стр. 371

ويقال: كلّ نعمة محسود عليها إلّا التواضع. قال المسيح ﵇ لأصحابه: إذا اتّخذكم الناس رؤوسا فكونوا أذنابا. اعتمّ هشام بن عبد الملك فقام الأبرش ليسوّي عمامته، فقال هشام: مه إنا لا نتخذ الإخوان خولا. كان عمر بن الخطاب يلقط النّوى ويأخذ النّكث من الطريق، فإذا مرّ بدار رمى بها فيها وقال: انتفعوا بهذا. قال يوسف بن أسباط: يجزي قليل الورع من كثير العلم، ويجزي قليل التواضع من كثير الاجتهاد. وقال بكر بن عبد الله: إذا رأيت أكبر منك فقل: سبقني بالإسلام والعمل الصالح فهو خير منّي، وإذا رأيت أصغر منك فقل: سبقته بالذنوب والمعاصي فهو خير منّي، وإذا رأيت إخوانك يكرمونك فقل: نعمة أحدثوها، وإذا رأيت منهم تقصيرا فقل: بذنب أحدثته. قال عبد الملك ابن مروان: أفضل الرجال من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوّة. قال ابن السّمّاك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك خير لك من شرفك. وقال عبد الملك بن مروان: ثلاثة من أحسن شيء: جود لغير ثواب، ونصب «١» لغير دنيا، وتواضع لغير ذلّ. قال إبراهيم النّخعيّ: كان رسول الله ﷺ يجيب دعوة العبد ويركب الحمار ردفا. الأعمش عن أنس: كان رسول الله ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السّنخة «٢» فيجيب. قال غيره: وكان لا يأكل متّكئا ويأكل بالحضيض، ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» قال أوس ابن الحدثان: رأيت أبا هبيرة وهو أمير المدينة راكبا على حمار عري يقول: الطريق الطريق، قد جاء الأمير. قال حفص بن غياث: رأيت الأعمش خارجا إلى العيد على حمار

стр. 372

مقطوع الذنب قد سدل رجليه من جانب. المدائنيّ قال: بينا عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر إذ أحسّ من نفسه بريح خرجت منه، فقال: أيها الناس إني قد ميّلت بين أن أخافكم في الله وبين أن أخاف الله فيكم، فكان أن أخاف الله فيكم أحبّ إليّ، ألا وإني قد فسوت، وهأنذا أنزل لأعيد الوضوء. كان يقال: من لم يستح من الحلال قلّت كبرياؤه وخفّت موازينه. قال معاوية: ما منا أحد إلا فتّش عن جائفة أو منقّلة «١» خلا عمر بن الخطاب. المنقّلة الشجة التي يخرج منها العظام، والجائفة التي تبلغ جوف الدماغ. يحيى بن آدم عن محمد بن طلحة عن أبي حمزة قال: قال إبراهيم: لقد تكلّمت ولو وجدت بدّا ما تكلمت، وإنّ زمانا تكلمت فيه لزمان سوء. كان رجل من خثعم ردي فقال في نفسه: [كامل] لو كنت أصعد في التكرّم والعلا ... كتحدّري أصبحت سيّد خثعم فباد أهل بيته حتى ساد فقال: [كامل] خلت الدّيار فسدت غير مسوّد ... ومن الشّقاء تفرّدي بالسؤّدد أنشدني أبو حاتم عن الأصمعيّ في مثله: [طويل] إنّ بقوم سوّدوك لحاجة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد قال يحيى بن خالد: لست ترى أحدا تكبّر في إمارته إلّا وهو يعلم أن الذي نال فوق قدره، ولست ترى أحدا يضع نفسه في إمارة إلّا وهو في نفسه أكثر مما نال في سلطانه. ومثله، قيل لعبيد الله بن بسّام: فلان غيرّته الإمارة، فقال: إذا ولي الرجل ولاية فرآها أكثر منه تغيّر، وإذا ولي ولاية يرى أنه أكثر منها لم يتغيّر. ويقال: التواضع مع السخافة والبخل أحمد من السخاء والأدب مع الكبر، فأعظم بنعمة عفّت من صاحبها بسيّئتين، وأقبح بسيئة حرمت

стр. 373

صاحبها حسنتين. وفي بعض كتب العجم: علامة الأحرار، أن يلقوا بما يحبون ويحرموا أحبّ إليهم من أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا؛ فانظر إلى خلّة أفسدت مثل الجود فاجتنبها، وانظر إلى خلّة عفّت مثل البخل فالزمها. كان يقال: الشرف في التواضع، والعزّ في التّقوى، والغنى في القناعة. أبو الحسن قال: خطب سلمان إلى عمر فأجمع على تزويجه، فشقّ ذلك على عبد الله ابن عمر وشكاه إلى عمرو بن العاص فقال: أنا أردّه عنك، فقال: إن رددته بما يكره أغضبت أمير المؤمنين، قال: عليّ أن أردّه عنك راضيا، فأتى سلمان فضرب بين كتفيه بيده، ثم قال: هنيئا لك أبا عبد الله، هذا أمير المؤمنين يتواضع بتزويجك، فالتفت إليه مغضبا وقال، أبي يتواضع! والله لا أتزوّجها أبدا. وقال المرّار بن منقذ العدويّ «١» : [بسيط] يا حبّذا، حين تمسي الريح باردة ... وادي أشيّ وفتيان به هضم «٢» مخدّمون، كرام في مجالسهم، ... وفي الرحال، إذا لاقيتهم، خدم وما أصاحب قوما ثم أذكرهم ... إلّا يزيدهمو حبّا إليّ هم «٣» ابن المبارك عن ذرّ عن الشعبيّ قال: ركب زيد بن ثابت، فدنا عبد الله

стр. 374

ابن عباس ليأخذ بركابه، فقال: لا تفعل يا ابن عمّ رسول الله، فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فقال زيد: أرني يدك، فأخرج يده فقبّلها زيد، ثم قال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا ﵇. قال عبد الله بن مسعود: رأس التواضع أن تبدأ من لقيت بالسّلام، وأن ترضى بالدّون من المجلس. ابن أبي الزّناد عن أبيه أن العبّاس بن عبد المطّلب لم يمرّ قطّ بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلّا ترجّلا حتى يجوزهما إجلالا له أن يمرّ وهما راكبان وهو يمشي. كان سلمان يتعوّذ بالله من الشيطان والسلطان والعلج «١» إذا استعرب. المدائنيّ قال؛ سلّم رجل على حسّان بن أبي سنان فدعا له، فقيل: أتدعو لمثل هذا! فقال: إن مما يفضلني به أن يرى أنّى خير منه. قال عبد الله بن شدّاد: أربع من كنّ فيه فقد برىء من الكبر: من اعتقل العنز، وركب الحمار «٢» ، ولبس الصوف، وأجاب دعوة الرجل الدّون. باب الكبر والعجب حدّثني إبراهيم بن مسلم قال: حدّثنا أبو السّكين قال: حدّثني عمّ أبي زحر بن حصن قال: قال رجل للحجّاج: أصلح الله الأمير، كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل لو كان الله بلّغني أربعة فتقرّبت بدمائهم إليه. قال: ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، ولي سجستان فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلمّا عزل دخل مسجد البصرة فبسط الناس له أرديتهم فمشى عليها، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون. وعبيد الله بن زياد بن ظبيان

стр. 375

التميميّ، حزب أهل البصرة أمر فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد: أكثر الله فينا أمثالك. فقال: لقد كلّفتم الله شططا. ومعبد ابن زرارة، وكان ذات يوم جالسا في طريق، فمرّت به امرأة فقالت: يا عبد الله، كيف الطريق إلى موضع كذا، فقال: لهدّ عبد الله! أنا لهدّ؛ أراد: كفى بك أنا، يريد الفخر. وأبو سماك الأسديّ، أضلّ راحلته فالتمسها الناس فلم يجدوها، فقال: والله لئن لم يردد عليّ راحلتي لا صلّيت له أبدا، فالتمسها الناس حتى وجدوها، فقالوا: قد ردّ الله عليك راحلتك فصلّ، فقال: إن يمينى كانت صرّى «١» . قال أبو حاتم عن الأصمعيّ عن كردين المسمعيّ. قيل لرجل متكبّر: هل مرّت بك أحمرة؟ فقال للسائل: تلك دوّاب لا يراها عمّك. قال: وقال كردين: رآني ابن ميادة الشاعر فأعجبته لما رأى من جلدي وبياني. فقال: ممن أنت؟ قلت: من بكر بن وائل، فقال: وفي أيّ الأرض يكون بكر بن وائل؟. قال أبو اليقظان: جلس رافع بن جبير بن مطعم في حلقة العلاء بن عبد الرحمن الخرقيّ وهو يقرىء الناس. فلما فرغ قال: أتدرون لم جلست إليكم؟ قالوا: لتسمع، قال: لا، ولكن أردت التّواضع لله بالجلوس إليكم. قال: ومرّ محمد بن المنذر بن الزّبير بن العوّام في حاجة له، فانقطع قبال «٢» نعله، فنزع الأخرى بقدمه ومضى وتركهما ولم يعرّج عليهما. قال بعض الشعراء: [طويل] وأعرض عن ذي المال حتى يقال لي ... قد احدث هذا نخوة وتعظّما وما بي كبر «٣» عن صديق ولا أخ ... ولكنّه فعلي إذا كنت معدما

стр. 376

قيل لبعضهم: ما الكبر. قال: حمق لم يدر صاحبه أين يضعه. قال معاوية بن أبي سفيان: قدم علقمة بن وائل الحضرميّ على رسول الله ﷺ فأمرني رسول الله أن أنطلق به إلى منزل رجل من الأنصار أنزله عليه، وكان منزله في أقصى المدينة، فانطلقت معه وهو على ناقة له وأنا أمشي في ساعة حارّة وليس عليّ حذاء، فقلت: إحملني با عمّ من هذا الحرّ فإنه ليس عليّ حذاء، فقال: لست من أرادف الملوك، قلت: إنّي ابن أبي سفيان، قال: قد سمعت رسول الله ﵇ يذكر ذلك، قال قلت: فألق إليّ نعلك، قال: لا تقبلها قدماك ولكن امش في ظلّ ناقتي فكفاك بذلك شرفا، وإن الظلّ لك لكثير. قال معاوية: فما مرّ بي مثل ذلك اليوم قطّ ثم أدرك سلطاني فلم أؤاخذه بل أجلسته معي على سريري هذا. قال ابن يسار «١» : [متقارب] لو لحظ الأرض لي والد ... تطأطأت الأرض من لحظته وقال آخر: [طويل] أتيه على جنّ البلاد وإنسها ... ولو لم أجد خلقا لتهت على نفسي أتيه فما أدري من التّيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسي فإن زعموا أنّي من الأنس مثلهم ... فما لي عيب غير أني من الأنس وكان عند الرّستميّ قوم من التّجار فحضرت الصلاة فنهض ليصلّي فنهضوا فقال: ما لكم ولهذا وما أنتم منه! الصّلاة ركوع وسجود وخضوع، وإنما فرض الله هذا يريد به المتكبّرين والمتجبّرين والملوك والأعاظم مثلي ومثل فرعون ذي الأوتاد ونمروذ وأنو شروان. وكان يقال: من رضي عن نفسه

стр. 377

كثر الساخطون عليه. قال الحسن: ليس بين العبد وبين ألّا يكون فيه خير إلّا أن يرى أن فيه خيرا. رأى رجل رجلا يختال في مشيته ويتلفّت في أعطافه، فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي. قيل لعبد الله ابن المبارك: رجل قتل رجلا فقلت إني خير منه، فقال: ذنبك أشدّ من ذنبه. قال الأحنف: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبّر. ابن عليّة عن صالح بن رستم عن رجل عن مطرّف، قال: لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. وقال هشام بن حسان. سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك. قال أبو حازم: إن الرجل ليعمل السيئة ما عمل حسنة قطّ أنفع له منها وإنّه ليعمل الحسنة ما عمل سيئّة قط أضرّ عليه منها. قال الشاعر: [طويل] أمّا ابن فروة يونس فكأنّه ... من كبره أير الحمار القائم ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم قال المسعوديّ: [طويل] مسّا تراب الأرض منها خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر ولا تعجبا أن ترجعا فتسلّما ... فما خشي الأقوام شرّا من الكبر ولو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال عندي في ستر فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلحّ ويستشري الأصمعي قال: قال رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلا تحوّل داؤه فيّ، يريد أني أتكبّر عليه. وقال آخر: ماتاه أحد قطّ عليّ مرتين، يريد إذا تاه مرة لم أعاوده. قال الشاعر: [بسيط] يا مظهر الكبر إعجابا بصورته ... أنظر خلاءك إن النّتن تثريب

стр. 378

لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبّان ولا شيب هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة ... وهو بخمس من الأقذار مضروب؟ أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرمصة والثغر ملعوب «١» يا ابن التراب ومأكول التراب غدا ... أقصر فإنك مأكول ومشروب دفع أردشير الملك إلى رجل كان يقوم على رأسه كتابا، وقال له: إذا رأتني قد اشتدّ غضبي فادفعه إليّ، وفي الكتاب: أمسك فلست بإله إنما أنت جسد يوشك أن يأكل بعضه بعضا ويصير عن قريب للدّود والتراب. كان للسّنديّ والي الجسر غلام صغير قد أمره بأن يقوم إليه إذا ضرب الناس بالسّياط فيقول له: ويلك يا سنديّ، أذكر القصاص. كتب إبراهيم «٢» بن العباس إلى محمد بن عبد الملك «٣» : [طويل] أبا جعفر، عرّج على خلطائكا ... وأقصر قليلا عن مدى غلوائكا فإن كنت قد أعطيت في اليوم رفعة ... فإنّ رجائي في غد كرجائكا «٤» قال لي بعض أصحابنا وأحسبه محمد بن عمر: سمعت رجلا ينشد: [متقارب] ألا ربّ ذي أجل قد حضر ... طويل التمنّي قليل الفكر إذا هزّ في المشي أعطافه ... تبيّنت في منكبيه البطر

стр. 379

قال: فغدوت عليه لأكتب تمام القصيدة فوجدته قد مات. المدائنيّ قال: رأيت فلانا مولى باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة ثم رأيته بعد ذلك راجلا في سفر، فقلت له: أراجل في هذا الموضع؟ قال: نعم، إني ركبت حيث يمشي الناس فكان حقّا على الله أن يرجلني حيث يركب الناس. وقال أبو نواس في جعفر بن يحيى البرمكي: [طويل] وأعظم زهوا من ذباب على خرء ... وأبخل من كلب عقور على عرق ولو جاء غير البخل من عند جعفر ... لما وضعوه النّاس إلا على حمق وقال آخر: [متقارب] ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب «١» قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة، قال: أخشى ألّا يحمل الجسر شرفي. وقيل له: البس شيئا فإن البرد شديد، فقال: حسبي يدفئني. قال أبو اليقظان: كان الحجّاج استعمل بلالا الضّبيّ على جيش وأغزاه قلاع فارس، وكان يقال لذلك الجيش: بيبي «٢» ، سمّى بذلك لأنه فرض فرضا من أهل البصرة فكان أهلوهم وأمهاتهم يأتونهم يقولون: بيبي. وفي جيشه قال الشاعر: [طويل] إلى الله أشكو أنّني بتّ حارسا ... فقام بلاليّ فبال على رجلي فقلت لأصحابي اقطعوها فإنني ... كريم وإنّي لن أبلّغها رحلي

стр. 380

مدّ أعرابي يده في الموقف وقال: اللهمّ إن كنت ترى يدا أكرم منها فاقطعها. قال نوح: سمعت الحجّاج بن أرطاة يقول: قتلني حبّ الشرف. وقيل له: ما لك لا تحضر الجماعة؟ قال: أكره أن يزحمني البقّالون. كان جذيمة الأبرش- وهو الوضّاح سمّي بذلك لبرص كان به- لا ينادم أحدا ذهابا بنفسه، وقال: أنا أعظم من أن أنادم إلا الفرقدين «١» ، فكان يشرب كأسا ويصبّ لكلّ واحد منهما في الأرض كأسا، فلما أتاه مالك «٢» وعقيل بابن أخته الذي استهوته الشياطين قال لهما: إحتكما، فقالا له: منادمتك، فنادماه أربعين سنة يحادثانه فيها ما أعادا عليه حديثا. وفيهما يقول متمّم «٣» بن نويرة: [طويل] وكنّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قيل لن نتصدّعا «٤» وقال الهذليّ: [طويل] ألم تعلمي أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل «٥» قيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب إلا أنك معجب، قال: أفأعجبكم؟ قالوا: نعم قال: فأنا أحقّ أن أعجب بما يكون منّي. ويقال: للعادة سلطان

стр. 381

على كلّ شيء، وما استنبط الصواب مثل المشاورة، ولا حصّنت النّعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر. باب مدح الرجل نفسه وغيره قال الله حكاية عن يوسف: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ «١» . وقال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . وقال للأنصار: «والله ما علمتكم إلّا تقلّون عند الطمع وتكثرون عند الفزع» . وذكر أعرابيّ قوما فقال: والله ما نالوا بأطراف أناملهم شيئا إلا وقد وطئناه بأخامص أقدامنا، وإنّ أقصى مناهم لأدنى فعالنا. ابن إدريس عن إسمعيل بن أبي خالد، قال: كنت أمشي مع الشّعبيّ وأبي سلمة، فسأل الشّعبيّ أبا سلمة: من أعلم أهل المدينة؟ فقال: الذي يمشي بينكما، يعني نفسه. وقال الشّعبيّ: ما رأيت مثلي، وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم منّي بشيء إلا لقيته. قال معاوية لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقل. الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن قال: ذمّ الرجل نفسه في العلانية مدح لها في السرّ. كان يقال: من أظهر عيب نفسه فقد زكّاها. الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله قال: إذا أثنيت على الرجل بما فيه في وجهه لم تزكّه. قال عمر بن الخطاب: المدح ذبح. ويقال المدح وافد الكبر. وقال عليّ بن الحسين: لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشرّ ما لا يعلم، ولا يصطحب اثنان على غير طاعة الله إلا أوشكا أن يفترقا على غير طاعة الله. قال وهب بن منبّه: إذا سمعت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا.

стр. 382

تأمن أن يقول فيك من الشرّ ما ليس فيك. ويقال في بعض كتب الله : عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح! ولمن قيل فيه الشرّ وليس فيه كيف يغضب! وأعجب من ذلك من أحبّ نفسه على اليقين وأبغض الناس على الظّنون!. وكان يقال: لا يغلبنّ جهل غيرك بك علمك بنفسك. وقال أعرابيّ: كفى جهلا أن يمدح المادح بخلاف ما يعرف الممدوح من نفسه، وإنّي والله ما رأيت أعشق للمعروف «١» منه. قال ابن المقفع: إيّاك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حبّ المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثّلم يقتحمون عليك منها، وبابا يفتتحونك منه، وغيبة يغتابونك بها ويضحكون منك لها. واعلم أنّ قابل المدح كمادح نفسه، والمرء جدير أن يكون حبّه المدح هو الذي يحمله على ردّه، فإن الرادّ له ممدوح والقابل له معيب. وقال البعيث «٢» : [طويل] ولست بمفراح إذا الدّهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب ولا أتمنّى الشرّ والشّرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب «٣» ويعتدّه قوم كثير تجارة ... ويمنعني من ذاك ديني ومنصبي فإنّ مسيري في البلاد ومنزلي ... لبالمنزل الأقصى إذا لم أقرّب قول الممدوح عند المدحة حدّثني سهل بن محمد عن الأصمعيّ قال: كان أبو بكر يقول عند المدحة: اللهمّ أنت أعلم بي منّي بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.

стр. 383

قال: حدّثنا الرّياشي عن الأصمعيّ عن حمّاد بن سلمة قال: أثنى رجل على علّي بن أبي طالب كرّم الله وجهه في وجهه، وكان تهمة، فقال عليّ: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك. قيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك! فقال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا، وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامّين وإن أكثروا، فيا أسفا على ما فرّطت ويا سوءتا ممّا قدّمت. كان رسول الله، ﷺ ، لا يقبل الثناء إلا من مكافىء. ومن أحسن ما قيل في مدح الرجل نفسه قول أعشى «١» بني ربيعة: [طويل] ما أنا في أهلي ولا في عشيرتي ... بمهتضم حقّي ولا قارع سنّي ولا مسلم مولاي عند جناية ... ولا خائف مولاي من سوء ما أجني وإنّ فؤادا بين جنبيّ عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني وفضّلني في الشّعر واللّب أنّني ... أقول على علم وأعلم ما أعني فأصبحت إن فضّلت مروان وابنه ... على الناس قد فضّلت خير أب وابن «٢» وقال آخر: [طويل] إذا المرء لم يمدحه حسن فعاله ... فمادحه يهذي وإن كان مفصحا وقال آخر: [طويل] لعمر أبيك الخير إنّي لخادم ... لصحبي وإنّي إن ركبت لفارس

стр. 384

وقال آخر: [طويل] ونحن ضياء الأرض ما لم نسر بها ... غضابا، وإن نغضب فنحن ظلامها وأنشد الحسن البصريّ قول الشاعر: [رجز] لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله قال الحسن: ما مدح رجل هجي قومه. وقال أبو الهندام «١» : [وافر] يقولون الحديد أشندّ شيء ... وقد ثني الحديد وما ثنيت تخرّ الأرض إن نوديت باسمي ... وتنهدّ الجبال إذا كنيت ومدح النفس في الشّعر كثير، وهو فيه أسهل منه في الكلام المنثور. باب الحياء حدّثني أبو مسعود الدّارميّ، قال: حدّثني جدّي خراش عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «الحياء شعبة من الإيمان» . وروى ابن نمير عن الأحوص ابن حكيم، قال: حدّثني أبو عون المدنيّ قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: قال رسول الله ﷺ : «قلّة الحياء كفر» . وروى جرير بن حازم عن يعلى ابن حكيم عن رجل عن ابن عمر، قال: الحياء والإيمان مقرونان جميعا فإذا رفع أحدهما ارتفع الآخر. وكان يقال: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيا منه. ذكر أعرابيّ رجلا فقال: لا تراه الدّهر إلا وكأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، فإن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت إليه أحسن وكأنه المسيء. وقالت ليلى «٢» الأخيليّة:

стр. 385

[كامل] ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما «١» حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس «٢» زعيما ونحوه قول الآخر إلّا أنه في التواضع: [بسيط] يبدو فيبدو ضعيفا من تواضعه ... ويكفهرّ فيلفى الأسود اللّحما وقال أبو دهبل الجمحيّ «٣» : [كامل] إنّ البيوت معادن فنجاره ... ذهب وكلّ جدوده ضخم «٤» متهلّل بنعم للّاء مجانب ... سيّان منه الوفر والعدم نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا وليس بجسمه سقم عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم حدّثنا أبو الخطاب قال: حدّثنا المعتمر، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يحدّث عن واصل بن حيّان عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: كان آخر ما حفظ من كلام النّبوة «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» . قال الشاعر «٥» : [طويل] تخالهمو للحلم صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر

стр. 386

ومرضى إذا لوقوا حياء وعفّة ... وعند الحفاظ كاللّيوث الخوادر وقال آخر: [طويل] عليه من التقوى رداء سكينة ... وللحقّ نور بين عينيه ساطع وقال الشّعبي: تعايش الناس زمانا بالدّين والتّقوى، ثم رفع ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس إلا بالرغبة والرهبة، وأظنه سيجيء ما هو أشدّ من هذا. باب العقل حدّثني إسحاق بن إبراهيم الشّهيدي، قال: حدّثنا الحارث بن النّعمان، قال: حدّثنا خليد بن دعلج عن معاوية بن قرّة يرفعه، قال: «إن الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم» . مهديّ بن غيلان ابن جرير قال: سمعت مطرّفا يقول: عقول الناس على قدر زمانهم. حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: وجدت في حكمة داود: ينبغي للعاقل أن لا يشغل نفسه عن أربع ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها هو وإخوانه والذين ينصحون له في دينه ويصدقونه عن عيوبه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويحمد فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات وفضل بلغة «١» واستجمام للقلوب. وينبغي للعاقل أن لا يرى إلا في إحدى ثلاث خصال: تزوّد لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذّة، في غير محرّم. وينبغي للعاقل أن يكون عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شانه. قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا هلال بن حقّ قال: قال عمرو بن العاص:

стр. 387

ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرّ ولكنه الذي يعرف خير الشّرين، وليس الواصل الذي يصل من يصله ولكنه الذي يصل من قطعه. وقال زياد: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع ولكنه الذي يحتال للأمر ألّا يقع فيه. قال معاوية لعمرو: ما بلغ من دهائك يا عمرو؟ قال عمرو: لم أدخل في أمر قطّ فكرهته إلا خرجت منه. قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه. وقرأت في كتاب للهند: الناس حازمان وعاجز، فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم ينظر به وتلقّاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردّد وتثنّ حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشّمس، ولو صوّر الحمق لأضاء معه اللّيل. قال بعض الحكماء: ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من العقل وما عصي الله بشيء أحبّ إليه من السّتر. أبو روق عن الضحّاك في قول الله : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «١» قال: من كان عاقلا. ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب فقال: كان أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع. حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: قال إياس: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني ولا يخدع ابن سيرين ويخدع أبي ويخدع الحسن. قال غيره: وكان كثيرا ما ينشد: [متقارب] أبى لي البلاء وأنّي امرؤ ... إذا ما تثبّتّ لم أرتب وفي كتاب كليلة ودمنة: الأدب يذهب عن العاقل السّكر ويزيد الأحمق سكرا، كما أن النهار يزيد كلّ ذي بصر بصرا ويزيد الخفافيش سوء بصر.

стр. 388

وفيه: ذو العقل لا تبطره المنزلة والعزّ كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدّت عليه الريح، والسّخيف يبطره أدنى منزلة كالحشيش يحرّكه أضعف ريح. وقال تأبّط «١» شرّا في هذا المعنى: [طويل] ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب ولا أتمنّى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب «٢» وفي كتاب كليلة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع، وحسن العزاء عما لا يستطاع. وفيه: العاقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بزلّة عقله ويستقيلها كالرجل يعثر بالأرض وبها ينتعش. ويقال: كلّ شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التّجارب. قال يحيى بن خالد: ثلاثة أشياء تدلّ على عقول الرجال: الكتاب، والرسول، والهدية. وكان يقال: دلّ على عقل الرجل اختياره، وما تمّ دين أحد حتى يتمّ عقله، وأفضل الجهاد جهاد الهوى. سئل أنو شروان: ما الذي لا تعلّم له، وما الذي لا تغيّر له، وما الذي لا مدفع له، وما الذي لا حيلة له. فقال: تعلّم العقل، وتغيّر العنصر، ودفع القدر، وحيلة الموت. وكان يقال: كتابك عقلك تضع عليه خاتمك. وقالوا: كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه. كان الحسن إذا أخبر عن رجل بصلاح قال: كيف عقله. وفي الحديث أن جبريل ﵇ أتى آدم ﵇ فقال له: إني أتيتك بثلاث فاختر واحدة، قال: وما هي يا جبريل؟ قال: العقل والحياء والدين. قال: قد اخترت العقل فخرج جبريل إلى الحياء والدين فقال: إرجعا فقد اختار العقل عليكما، فقالا: أمرنا أن

стр. 389

كون مع العقل حيث كان. كان يقال: العقل يظهر بالمعاملة وشيم الرجال تظهر بالولاية. ويقال: العاقل يقي ما له بسلطانه، ونفسه بماله، ودينه بنفسه. قال الحسن: لو كان للناس جميعا عقول لخربت الدنيا. خيّر رجل فأبى أن يختار وقال: أنا بحظّي أوثق منّي بعقلي فأقرعوا بيننا. باب الحلم والغضب قال: حدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا حمّاد بن زيد عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال: اللهم، إنّي قد تصدّقت بعرضي على عبادك» . حدّثنا زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه» «١» . قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب. قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الشديد بالصّرعة «٢» إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . قال: حدّثنا حسين بن الحسن المروزيّ، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: حدّثنا حبيب بن حجر القيسيّ قال: كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه

стр. 390

العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى مقدرة. وكان يقال: من حلم ساد ومن تفهّم ازداد. والعرب تقول: أحلم تسد. وقال: سمّي الله يحيى سيدا بالحلم. وقال عبد الملك بن صالح: الحلم يحيا بحياة السّؤدد. أغلظ رجل لمعاوية فحلم عنه، فقيل له: تحلم عن هذا! فقال: إنّي لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. شتم رجل الأحنف وألحّ عليه، فلما فرغ قال له: يا ابن أخي، هل لك في الغداء؟ فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثفال «١» . حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المزنيّ قال: جاء رجل فشتم الأحنف فسكت عنه، وأعاد فسكت، فقال: والهفاه! ما يمنعه من أن يردّ عليّ إلّا هواني عليه. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرنا عبد الله بن صالح من آل حارثة بن لأم، قال: نزلت برجل من بني تغلب فأتاني بقرى فانفلت منّي فقلت: [كامل] والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا فانقبضت فقال: كل أيها الرجل فإنما قلت كلمة مقولة. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ، قال: أسمع رجل الشعبيّ كلاما فقال له الشعبيّ: إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. ومرّ بقوم ينتقصونه فقال: [طويل] هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
следующие страницы →