← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومرضى إذا لوقوا حياء وعفّة ... وعند الحفاظ كاللّيوث الخوادر وقال آخر: [طويل] عليه من التقوى رداء سكينة ... وللحقّ نور بين عينيه ساطع وقال الشّعبي: تعايش الناس زمانا بالدّين والتّقوى، ثم رفع ذلك فتعايشوا بالحياء والتذمّم، ثم رفع ذلك فما يتعايش الناس إلا بالرغبة والرهبة، وأظنه سيجيء ما هو أشدّ من هذا. باب العقل حدّثني إسحاق بن إبراهيم الشّهيدي، قال: حدّثنا الحارث بن النّعمان، قال: حدّثنا خليد بن دعلج عن معاوية بن قرّة يرفعه، قال: «إن الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم يوم القيامة على قدر عقولهم» . مهديّ بن غيلان ابن جرير قال: سمعت مطرّفا يقول: عقول الناس على قدر زمانهم. حدّثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: وجدت في حكمة داود: ينبغي للعاقل أن لا يشغل نفسه عن أربع ساعات، ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها هو وإخوانه والذين ينصحون له في دينه ويصدقونه عن عيوبه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويحمد فإن هذه الساعة عون لهذه الساعات وفضل بلغة «١» واستجمام للقلوب. وينبغي للعاقل أن لا يرى إلا في إحدى ثلاث خصال: تزوّد لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذّة، في غير محرّم. وينبغي للعاقل أن يكون عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شانه. قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا هلال بن حقّ قال: قال عمرو بن العاص:

стр. 387

ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرّ ولكنه الذي يعرف خير الشّرين، وليس الواصل الذي يصل من يصله ولكنه الذي يصل من قطعه. وقال زياد: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع ولكنه الذي يحتال للأمر ألّا يقع فيه. قال معاوية لعمرو: ما بلغ من دهائك يا عمرو؟ قال عمرو: لم أدخل في أمر قطّ فكرهته إلا خرجت منه. قال معاوية: لكنّي لم أدخل في أمر قطّ فأردت الخروج منه. وقرأت في كتاب للهند: الناس حازمان وعاجز، فأحد الحازمين الذي إذا نزل به البلاء لم ينظر به وتلقّاه بحيلته ورأيه حتى يخرج منه، وأحزم منه العارف بالأمر إذا أقبل فيدفعه قبل وقوعه، والعاجز في تردّد وتثنّ حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا. وقال أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشّمس، ولو صوّر الحمق لأضاء معه اللّيل. قال بعض الحكماء: ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من العقل وما عصي الله بشيء أحبّ إليه من السّتر. أبو روق عن الضحّاك في قول الله : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا «١» قال: من كان عاقلا. ذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب فقال: كان أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع. حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد قال: قال إياس: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني ولا يخدع ابن سيرين ويخدع أبي ويخدع الحسن. قال غيره: وكان كثيرا ما ينشد: [متقارب] أبى لي البلاء وأنّي امرؤ ... إذا ما تثبّتّ لم أرتب وفي كتاب كليلة ودمنة: الأدب يذهب عن العاقل السّكر ويزيد الأحمق سكرا، كما أن النهار يزيد كلّ ذي بصر بصرا ويزيد الخفافيش سوء بصر.

стр. 388

وفيه: ذو العقل لا تبطره المنزلة والعزّ كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدّت عليه الريح، والسّخيف يبطره أدنى منزلة كالحشيش يحرّكه أضعف ريح. وقال تأبّط «١» شرّا في هذا المعنى: [طويل] ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب ولا أتمنّى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب «٢» وفي كتاب كليلة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع، وحسن العزاء عما لا يستطاع. وفيه: العاقل يقلّ الكلام ويبالغ في العمل ويعترف بزلّة عقله ويستقيلها كالرجل يعثر بالأرض وبها ينتعش. ويقال: كلّ شيء محتاج إلى العقل، والعقل محتاج إلى التّجارب. قال يحيى بن خالد: ثلاثة أشياء تدلّ على عقول الرجال: الكتاب، والرسول، والهدية. وكان يقال: دلّ على عقل الرجل اختياره، وما تمّ دين أحد حتى يتمّ عقله، وأفضل الجهاد جهاد الهوى. سئل أنو شروان: ما الذي لا تعلّم له، وما الذي لا تغيّر له، وما الذي لا مدفع له، وما الذي لا حيلة له. فقال: تعلّم العقل، وتغيّر العنصر، ودفع القدر، وحيلة الموت. وكان يقال: كتابك عقلك تضع عليه خاتمك. وقالوا: كتاب الرجل موضع عقله، ورسوله موضع رأيه. كان الحسن إذا أخبر عن رجل بصلاح قال: كيف عقله. وفي الحديث أن جبريل ﵇ أتى آدم ﵇ فقال له: إني أتيتك بثلاث فاختر واحدة، قال: وما هي يا جبريل؟ قال: العقل والحياء والدين. قال: قد اخترت العقل فخرج جبريل إلى الحياء والدين فقال: إرجعا فقد اختار العقل عليكما، فقالا: أمرنا أن

стр. 389

كون مع العقل حيث كان. كان يقال: العقل يظهر بالمعاملة وشيم الرجال تظهر بالولاية. ويقال: العاقل يقي ما له بسلطانه، ونفسه بماله، ودينه بنفسه. قال الحسن: لو كان للناس جميعا عقول لخربت الدنيا. خيّر رجل فأبى أن يختار وقال: أنا بحظّي أوثق منّي بعقلي فأقرعوا بيننا. باب الحلم والغضب قال: حدّثني الزّياديّ قال: حدّثنا حمّاد بن زيد عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال: اللهم، إنّي قد تصدّقت بعرضي على عبادك» . حدّثنا زياد بن يحيى قال: حدّثنا بشر بن المفضّل عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه» «١» . قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب، ثم أعاد عليه فقال: لا تغضب. قال: حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الشديد بالصّرعة «٢» إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . قال: حدّثنا حسين بن الحسن المروزيّ، قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: حدّثنا حبيب بن حجر القيسيّ قال: كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه

стр. 390

العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى مقدرة. وكان يقال: من حلم ساد ومن تفهّم ازداد. والعرب تقول: أحلم تسد. وقال: سمّي الله يحيى سيدا بالحلم. وقال عبد الملك بن صالح: الحلم يحيا بحياة السّؤدد. أغلظ رجل لمعاوية فحلم عنه، فقيل له: تحلم عن هذا! فقال: إنّي لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. شتم رجل الأحنف وألحّ عليه، فلما فرغ قال له: يا ابن أخي، هل لك في الغداء؟ فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثفال «١» . حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن بكر المزنيّ قال: جاء رجل فشتم الأحنف فسكت عنه، وأعاد فسكت، فقال: والهفاه! ما يمنعه من أن يردّ عليّ إلّا هواني عليه. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: أخبرنا عبد الله بن صالح من آل حارثة بن لأم، قال: نزلت برجل من بني تغلب فأتاني بقرى فانفلت منّي فقلت: [كامل] والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا فانقبضت فقال: كل أيها الرجل فإنما قلت كلمة مقولة. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ، قال: أسمع رجل الشعبيّ كلاما فقال له الشعبيّ: إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك. ومرّ بقوم ينتقصونه فقال: [طويل] هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت

стр. 391

واستطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال: أستغفر الله من الذنب الذي سلّطت به عليّ. قال معاوية: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي. وقال معاوية لأبي جهم «١» العدويّ: أنا أكبر أم أنت يا أبا جهم؟ قال: لقد أكلت في عرس أمك هند، قال: عند أيّ أزواجها؟ قال: عند حفص بن المغيرة، قال: يا أبا جهم، إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيّ ويعاقب عقوبة الأسد، وإنّ قليله يغلب كثير الناس. وأبو الجهم هذا هو القائل في معاوية: [وافر] نميل على جوانبه كأنّا ... إذا ملنا نميل على أبينا نقلّبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرما ولينا سمع الأحنف رجلا ينازع رجلا في أمر فقال له الأحنف: لا أحسبك إلا ضعيفا فيما تحاول، فقال الرجل: ما على ظنّك خرجت من عند أهلي، فقال الأحنف لأمر ما قيل: إحذروا الجواب. جعل رجل جعلا لرجل على أن يقوم إلى عمرو بن العاص يسأله عن أمّه، فقام إليه وهو يخطب على منبر تنّيس، فقال له: أيها الرجل أخبرنا من أمّك، فقال: كانت امرأة من عنزة أصيبت بأطراف الرّماح فوقعت في سهم الفاكه بن المغيرة فاشتراها أبي فوقع عليها، إنطلق وخذ ما جعل لك على هذا. قال الشاعر: [بسيط] قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصمّ وأذني غير صمّاء نظر معاوية إلى ابنه يزيد وهو يضرب غلاما له، فقال له: أتفسد أدبك بأدبه فلم ير ضاربا غلاما له بعد ذلك. قيل ليحيى بن خالد: إنك لا تؤدّب

стр. 392

غلمانك ولا تضربهم، قال: هم أمناؤنا على أنفسنا فإذا نحن أخفناهم فكيف نأمنهم. وكان يقال: «الحليم مطيّة الجهول» . وذكر أعرابيّ رجلا فقال: كان أحلم من فرخ طائر. وفي الإنجيل: كونوا حلماء كالحيات وبلهاء كالحمام. قال بعض الشعراء: [بسيط] إني لأعرض عن أشياء أسمعها ... حتى يقول رجال إنّ بي حمقا أخشى جواب سفيه لا حياء له ... فسل «١» ، وظنّ أناس أنه صدقا قال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات وربّ غيظ قد تجرّعته مخافة ما هو أشدّ منه. قال أكثم بن صيفيّ: العزّ والغلبة للحلم. وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: أوّل عوض الحليم من حلمه أنّ الناس أنصاره على الجهول. وقال المنصور: عقوبة الحلماء التّعريض، وعقوبة السّفهاء التصريح. قال: حدّثني سهيل قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: بلغني أن رجلا قال لآخر: والله لئن قلت واحدة لتسمعنّ عشرا، فقال له الآخر: لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. قال: وبلغني أن رجلا شتم عمر بن ذرّ فقال له: يا هذا، لا تغرق في شتمنا ودع للصلح موضعا، فإنّي أمتّ مشاتمة الرجال صغيرا ولن أحييها كبيرا، وإني لا أكافىء من عصى الله فيّ بأكثر من أن أطيع الله فيه. وقال بعض المحدثين: [وافر] وإنّ الله ذو حلم ولكن ... بقدر الحلم ينتقم الزّنيم «٢» لقد ولّت بدولتك الليالي ... وأنت معلق فيها ذميم

стр. 393

وزالت لم يعش فيها كريم ... ولا استغنى بثروتها عديم فبعدا لا انقضاء له وسحقا ... فغير مصابك الحدث العظيم المدائني قال: كان شبيب بن شيبة يقول: من سمع كلمة يكرهها فسكت عنها انقطع عنه ما يكره، فإن أجاب عنها سمع أكثر مما يكره، وكان يتمثّل بهذا البيت: [طويل] وتجزع نفس المرء من وقع شتمة ... ويشتم ألفا بعدها ثم يصبر قاتل الأحنف في بعض المواطن قتالا شديدا، فقال له رجل: يا أبا بحر، أين الحلم قال: عند الحبى. وقال مسلم «١» بن الوليد: [طويل] حبى لا يطير الجهل في جنباتها ... إذا هي حلّت لم يفت حلّها ذحل أغضب زيد بن جبلة الأحنف، فوثب إليه فأخذ بعمامته وتناصبا، فقيل للأحنف: أين الحلم اليوم! فقال: لو كان مثلي أو دوني لم أفعل هذا به. كان يقال: آفة الحلم الضّعف. وقال الجعديّ «٢» : [طويل] ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا وقال إياس بن قتادة: [طويل] تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم وأنشد الرّياشيّ: [رجز] إني امرؤ يذبّ عن حريمي ... حلمي وتركي اللّوم للّئيم والعلم أحمى من يد الظّلوم

стр. 394

وقال الأحنف: أصبت الحلم أنصر لي من الرجال. قال أبو اليقظان: كان المتشمّس بن معاوية عمّ الأحنف يفضل في حلمه على الأحنف قبل، فأمره أبو موسى أن يقسم خيلا في بني تميم فقسمها، فقال رجل من بني سعد: ما منعك أن تعطيني فرسا ووثب عليه فمرش «١» وجهه، فقام إليه قوم ليأخذوه، فقال: دعوني وإياه، إني لا أعان على واحد، ثم انطلق به إلى أبي موسى، فلما رآه أبو موسى سأله عما بوجهه فقال: دع هذا ولكن ابن عمّي ساخط فاحمله على فرس، ففعل. قيل للأحنف: ما أحلمك قال: تعلّمت الحلم من قيس «٢» بن عاصم المنقري، بينا هو قاعد بفنائه محتب بكسائه، أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف وقيل له: هذا ابنك قتله ابن أخيك، فوالله ما حلّ حبوته حتى فرغ من كلامه، ثم التفت إلى ابن له في المجلس، فقال له: قم فأطلق عن ابن عملك ووار أخاك واحمل إلى أمه مائة من الإبل فإنها غريبة، ثم أنشأ يقول: [طويل] إني امرؤ لا شائن حسبي ... دنس يغيّره ولا أفن من منقر في بيت مكرمة ... والغصن ينبت حوله الغصن خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه، أعفّة لسن لا يفطنون لعيب جارهم ... وهموا لحفظ جواره فطن «٣» ثم أقبل على القاتل فقال: قتلت قرابتك، وقطعت رحمك، وأقللت

стр. 395

عددك، لا يبعد الله غيرك. وفي قيس بن عاصم يقول عبدة بن الطّبيب «١» ، إسلاميّ: [طويل] عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما تحيّة من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما وقال الأحنف: لقد اختلفنا إلى قيس بن عاصم في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه. شتم رجل الأحنف وجعل يتبعه حتى بلغ حيّه، فقال الأحنف: يا هذا، إن كان بقي في نفسك شيء فهاته وانصرف لا يسمعك بعض سفهائنا فتلقى ما تكره. شتم رجل الحسن وأربى عليه، فقال له: أمّا أنت فما أبقيت شيئا، وما يعلم الله أكثر. قال بعض الشعراء: [بسيط] لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتّى يذلّوا- وإن عزّوا- لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا صفح ذلّ ولكن صفح أحلام قال: حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: لا يكاد يجتمع عشرة إلا وفيهم مقاتل وأكثر، ويجتمع ألف ليس فيهم حليم. ابن عيينة قال: كان عروة ابن الزّبير إذا أسرع إليه رجل بشتم أو قول سيّء لم يجبه وقال: إنّي أتركك رفعا لنفسي عنك، فجرى بينه وبين عليّ بن عبد الله كلام، فأسرع إليه، فقال له عليّ: خفّض عليك أيها الرجل فإنّي أتركك اليوم لما كنت تترك له الناس. قال: حدثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: قال رجل: لمثل هذا اليوم كنت أدع الفحش على الرجال، فقال له خصمه: فإنّي أدع الفحش عليك

стр. 396

اليوم لما تركته أنت له قبل اليوم. وأغلظ عبد لسيده، فقال: إني أصبر لهذا الغلام على ما ترون لأروض نفسي بذلك، فإذا صبرت للمملوك على المكروه كانت لغير المملوك أصبر. كلّم عمر بن عبد العزيز رجلا من بني أميّة وقد ولدته نساء بني مرّة فعاب عليه جفاء رآه منه، فقال: قبّح الله شبها غلب عليك من بنيّ مرّة، وبلغ ذلك عقيل بن علّفة المرّيّ وهو بجنفاء من المدينة على أميال في بلد بني مرّة، فركب حتى قدم على عمر وهو بدير سمعان، فقال: هيه يا أمير المؤمنين! بلغني أنك غضبت على فتى من بني أبيك، فقلت: قبح الله شبها غلب عليك من بني مرّة، وإني أقول: قبّح الله ألأم طرفيه، فقال عمر: دع، ويحك، هذا وهات حاجتك. فقال: والله ما لي حاجة غير حاجته، وولّى راجعا من حيث جاء، فقال عمر: يا سبحان الله! من رأى مثل هذا الشيخ؟ جاء من جنفاء ليس إلّا يشتمنا ثم انصرف! فقال له رجل من بني مرّة: إنه والله يا أمير المؤمنين ما شتمك وما شتم إلا نفسه، نحن والله ألأم طرفيه. المدائني قال: لما عزل الحجاج أمية بن عبد الله عن خراسان أمر رجلا من بني تميم فعابه بخراسان وشنّع عليه، فلما قفل لقيه التميميّ فقال: أصلح الله الأمير لا تلمني فإني كنت مأمورا، فقال: يا أخا بني تميم أو حدّثتك نفسك أنّي وجدت عليك؟ قال: قد ظننت ذاك، قال: إن لنفسك عندك قدرا!. كان يقال: طيّروا دماء الشباب في وجوههم. ويقال: الغضب غول الحلم. ويقال: القدرة تذهب الحفيظة. وكتب كسرى أبرويز إلى ابنه شيرويه من الحبس: إن كلمة منك تسفك دما، وإنّ كلمة أخرى منك تحقن دما، وإن سخطك سيوف مسلولة على من سخطت عليه، وإنّ رضاك بركة مستفيضة على من رضيت عنه، وإنّ نفاذ أمرك مع ظهور كلامك، فاحترس في غضبك

стр. 397

من قولك أن يخطىء ومن لونك أن يتغيّر ومن جسدك أن يخفّ، وإن الملوك تعاقب قدرة وحزما، وتعفو تفضّلا وحلما، ولا ينبغي للقادر أن يستخفّ ولا للحليم أن يزهو، وإذا رضيت فأبلغ بمن رضيت عنه يحرص من سواه على رضاك، وإذا سخطت فضع من سخطت عليه يهرب من سواه من سخطك، وإذا عاقبت فانهك «١» لئلا يتعرّض لعقوبتك، واعلم أنك تجلّ عن الغضب وأن غضبك يصغر عن ملكك، فقدّر لسخطك من العقاب كما تقدّر لرضاك من الثواب. قال محمد «٢» بن وهيب: [طويل] لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج فمن رام تقويمي فإني مقوّم ... ومن رام تعويجي فإني معوّج وما كنت أرضى الجهل خدنا «٣» وصاحبا ... ولكنني أرضى به حين أخرج ألا ربّما ضاق الفضاء بأهله ... وأمكن من بين الأسنّة مخرج وإن قال بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا، والذلّ بالحرّ أسمج وقال ابن المقفع: لا ينبغي للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته، ولا يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد، ولا يبخل لأنه لا يخاف الفقر، ولا يحقد لأن خطره قد جلّ عن المجازاة. قال سويد بن الصامت «٤» :

стр. 398

[كامل] إني إذا ما الأمر بيّن شكّه ... وبدت بصائره لمن يتأمّل أدع التي هي أرفق الحالات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل أتى عمر بن عبد العزيز رجل كان واجدا عليه، فقال: لولا أني غضبان لعاقبتك، وكان إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام، فإذا أراد بعد ذلك أن يعاقبه عاقبه، كراهة أن يعجل عليه في أوّل غضبه. وأسمعه رجل كلاما فقال له: أردت أن يستفزّني الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك اليوم ما تناله منّي غدا، انصرف رحمك الله. قال لقمان الحكيم: ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. وقال لابنه: إن أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه، فإن أنصفك في غضبه وإلّا فدعه. خطب معاوية يوما فقال له رجل: كذبت، فنزل مغضبا فدخل منزله، ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماء، فصعد المنبر فقال: أيها الناس، إنّ الغضب من الشيطان، وإن الشيطان من النار، فإذا غضب أحدكم فليطفئه بالماء، ثم أخذ في الموضع الذي بلغه من خطبته. وفي الحديث المرفوع: «إذا غضب أحدكم فإن كان قائما فليقعد وإن كان قاعدا فليضطجع» . وقال الشاعر: [بسيط] احذر مغايظ أقوام ذوي أنف ... إن المغيظ جهول السيف مجنون وقال عمر بن عبد العزيز: متى أشفي غيظي؟ أحين أقدر فيقال لي: لو عفوت، أو حين أعجز فيقال لي: لو صبرت؟. والعرب تقول: «إن الرّثيئة مما

стр. 399

يفثأ الغضب» «١» والرثيئة اللبن الحامض يصبّ عليه الحليب، وهو أطيب اللبن. كان المنصور ولّى سلم بن قتيبة البصرة وولى مولى له كور البصرة والأبلّة «٢» ، فورد كتاب مولاه أنّ سلما ضربه بالسّياط، فاستشاط المنصور وقال: عليّ تجرّأ سلم! لأجعلنّه نكالا، فقال ابن عيّاش- وكان جريئا عليه-: يا أمير المؤمنين، إن سلما لم يضرب مولاك بقوّته ولا قوّة أبيه، ولكنك قلّدته سيفك وأصعدته منبرك، فأراد مولاك أن يطأطىء منه ما رفعت ويفسد ما صنعت، فلم يحتمل ذلك. يا أمير المؤمنين، إنّ غضب العربيّ في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسان أو يد، وإن غضب النّبطي في استه، فإذا غضب وخرىء «٣» ذهب غضبه، فضحك أبو جعفر وقال: فعل الله بك يا منتوف وفعل، فكفّ عن سلم. كان يقال: إياك وعزّة الغضب فإنها مصيّرتك إلى ذلّ الاعتذار. قال بعض الشعراء: [بسيط] الناس بعدك قد خفّت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش قال: كنت مع رجل فوقع في إبراهيم. فأتيت إبراهيم فأخبرته وقلت: والله لهممت به، فقال: لعلّ الذي غضبت له لو سمعه لم يقل شيئا.

стр. 400

باب العزّ والذلّ والهيبة أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا عمر بن السّكن قال: قال سليمان ابن عبد الملك ليزيد بن المهلّب: فيمن العزّ بالبصرة؟ فقال: فينا وفي حلفائنا من ربيعة، فقال عمر بن عبد العزيز: ينبغي أن يكون العزّ فيمن تحولف عليه يا أمير المؤمنين. قالت قريبة: إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذّلّة. قال رجل من قريش لشيخ منهم: علّمني الحلم، قال: هو، يا ابن أخي، الذلّ، أفتصبر عليه؟. وقال الأحنف: ما يسرّني بنصيبي من الذلّ حمر النّعم، فقال له رجل: أنت أعزّ العرب، فقال: إن الناس يرون الحلم ذلا، فقلت ما قلت على ما يعلمون. وقرأت في كتاب للهند أن الريح العاصف تحطم دوح الشجر ومشيّد البنيان ويسلم عليها ضعيف النبت للينه وتثّنيه. ويقال في المثل: «تطأطأ لها تخطئك» ، وقال زيد «١» بن عليّ بن الحسين حين خرج من عند هشام مغضبا: ما أحبّ أحد قطّ الحياة إلا ذلّ؛ وتمثّل: [سريع] شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو «٢» حداد قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد وقال المتلمس «٣» :

стр. 401

[بسيط] إن الهوان، حمار البيت يعرفه ... والمرء ينكره والجسرة الأجد «١» ولا يقيم بدار الذلّ يعرفها ... إلا الحمار حمار الأهل والوتد وقال الزّبير «٢» بن عبد المطلب: [بسيط] ولا أقيم بدار لا أشدّ بها ... صوتي إذا ما اعترتني سورة الغضب وقال آخر: [طويل] إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب وقال العباس «٣» بن مرداس: [طويل] أبلغ، أبا سلم، رسولا نصيحة ... فإن معشر جادوا بعرضك فابخل وإن بوّؤوك منزلا غير طائل ... غليظا فلا تنزل به وتحوّل ولا تطعمن ما يعلفونك إنّهم ... أتوك على قربانهم بالمثمّل أراك إذن قد صرت للقوم ناضحا ... يقال له بالغرب أدبر وأقبل وقال آخر: [متقارب] فأبلغ لديك بني مالك ... على نأيها وسراة الرّباب بأنّ امرأ أنتمو حوله ... تحفّون قبّته بالقباب يهين سراتكمو عامدا ... ويقتلكم مثل قتل الكلاب فلو كنتمو إبلا أملحت «٤» ... لقد نزعت للمياه العذاب

стр. 402

ولكنكم غنم تصطفى ... ويترك سائرها للذئاب وقال آخر: [بسيط] تالله لولا انكسار الرمح قد علموا ... ما وجدوني ذليلا كالذي أجد قد يحطم الفحل قسرا بعد عزّته ... وقد يردّ على مكروهه الأسد وقال بعض العبديين: [متقارب] ألا أبلغا خلّتي راشدا ... وصنوي قديما إذا ما اتّصل بأنّ الدّقيق يهيج الجليل ... وأنّ العزيز إذا شاء ذلّ وأنّ الحزامة أن تصرفوا ... لحيّ سوانا صدور الأسل فإن كنت سيّدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل وقال البعيث «١» : [وافر] ولو ترمى بلؤم بني كليب ... نجوم الليل ما وضحت لساري ولو لبس النهار بنو كليب ... لدنّس لؤمهم وضح النهار وما يغدو عزيز بني كليب ... ليطلب حاجة إلا بجار جاور ابن سيابة مولى بني أسد قوما فأزعجوه، فقال لهم: لم تزعجوني من جواركم؟ فقالوا: أنت مريب، فقال: فمن أذلّ من مريب ولا أحسن جوارا. أبو عبيدة عن عوانة قال: إذا كنت من مضر ففاخر بكنانة وكاثر بتميم وألق بقيس، وإذا كنت من قحطان فكاثر بقضاعة وفاخر بمذحج وألق بكلب، وإذا كنت من ربيعة ففاخر بشيبان وألق بشيبان وكاثر بشيبان. كان يقال: من أراد عزّا بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فليخرج من ذلّ معصية الله إلى عز طاعة

стр. 403

الله. قيل لرجل من العرب: من السيد عندكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه وإذا أدبر اغتبناه. ونحوه قول مسلم «١» : [طويل] وكم من معدّ في الضمير لي الأذى ... رآني فألقى الرّعب ما كان أضمرا وقال أيضا: [بسيط] يا أيها الشاتميّ عرضي مسارقة ... أعلن به، أنت إن أعلنته الرجل ومن أحسن ما قيل في الهيبة: [بسيط] في كفّه خيزران ريحها عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم «٢» وقال ابن هرمة «٣» في المنصور: [طويل] له لحظات عن حفافي «٤» سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل فأمّ الذي آمنت امنة الرّدى ... وأمّ الذي أوعدت بالثّكل ثاكل كريم له وجهان وجه لدى الرّضا ... أسيل، ووجه في الكريهة باسل «٥» وليس بمعطي العفو عن غير قدرة ... ويعفو إذا ما أمكنته المقاتل وقال آخر في العفو بعد القدرة: [مجزوء الكامل] أسد على أعدائه ... ما إن يلين ولا يهون فإذا تمكّن منهم ... فهناك أحلم ما يكون

стр. 404

وقال آخر «١» في مالك بن أنس: [كامل] يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان هدي التّقّي وعزّ سلطان التّقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان وقال آخر «٢» : [كامل] وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرّقاب نواكس «٣» الأبصار وقال أبو نواس: [سريع] أضمر في القلب عتابا له ... فإن بدا أنسيت من هيبته المدائني قال: قال ابن شبرمة القاضي لابنه: يا بنيّ، لا تمكّن الناس من نفسك، فإنّ أجرأ الناس على السباع أكثرهم لها معاينة. قيل لأعرابيّ: كيف تقول: استخذأت أو استخذيت؟ قال: لا أقوله، قيل: ولم؟ قال: لأن العرب لا تستخذي. وكان يقال: إصفح أو اذبح. باب المروءة في الحديث المرفوع: قام رجل من مجاشع إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ألست أفضل قومي؟ فقال: «إن كان لك عقل فلك فضل، وإن كان لك خلق فلك مروءة، وإن كان لك مال فلك حسب، وإن كان لك تقى فلك

стр. 405

دين» وفيه أيضا: «إن الله يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها» . روى كثير بن هشام عن الحكم بن هشام الثّقفيّ قال: سمعت عبد الملك بن عمير يقول: إن من مروءة الرجل جلوسه ببابه. قال الحسن: لا دين إلا بمروءة. قيل لابن هبيرة: ما المروءة؟ قال: إصلاح المال، والرّزانة في المجلس، والغداء والعشاء بالفناء. قال إبراهيم: ليس من المروءة كثرة الالتفات في الطريق ولا سرعة المشي. ويقال: سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن. قال معاوية: المروءة ترك اللذة. وقال لعمرو: ما ألذّ الأشياء؟ فقال عمرو: مر أحداث قريش أن يقوموا، فلما قاموا قال: إسقاط المروءة. قال جعفر بن محمد عن أبيه: قال قال رسول الله ﷺ : ورّوا لذوي المروءات عن عثراتهم، فوالذي نفسي بيده إنّ أحدهم ليعثر وإنّ يده لفي يد الله. كان عروة ابن الزبير يقول لولده: يا بنيّ، إلعبوا، فإنّ المروءة لا تكون إلا بعد اللعب. قيل للأحنف. ما المروءة؟ فقال: العفّة والحرفة. قال محمد بن عمران التّيمي: ما شيء حملا عليّ من المروءة، قيل: وأيّ شيء المروءة؟ قال: لا تعمل شيئا في السرّ تستحي منه في العلانية. وقال زهير في نحو هذا: [كامل] السّتر دون الفاحشات، ولا ... يلقاك دون الخير من ستر وقال آخر: [طويل] فسرّي كإعلاني، وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا قال عمر بن الخطاب: تعلّموا العربية فإنها تزيد في المروءة، وتعلّموا النسب فربّ رحم مجهولة قد وصلت بنسبها. قال الأصمعيّ: ثلاثة تحكم

стр. 406

لهم بالمروءة حتى يعرفوا: رجل رأيته راكبا، أو سمعته يعرب، أو شممت منه رائحة طيبة. وثلاثة تحكم عليهم بالدناءة حتى يعرفوا: رجل شممت منه رائحة نبيذ في محفل، أو سمعته يتكلم في مصر عربيّ بالفارسية، أو رأيته على ظهر الطريق ينازع في القدر. قال ميمون ابن ميمون: أوّل المروءة طلاقة الوجه، والثاني التودّد، والثالث قضاء الحوائج. وقال: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب أبيه. قال مسلمة بن عبد الملك: مروءتان ظاهرتان: الرّياسة والفصاحة. وقال عمر بن الخطاب: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة. قالوا: كان الرجل إذا أراد أن يشين جاره طلب الحاجة إلى غيره. وقال بعض الشعراء: [بسيط] نوم الغداة وشرب بالعشيّات ... موكّلان بتهديم المروءات باب اللباس حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس، قال: كل ما شئت والبس ما شئت إذا ما أخطأك شيئان: سرف أو مخيلة. قال: حدّثني يزيد بن عمرو قال: حدّثنا المنهال بن حمّاد عن خارجة ابن مصعب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه، قال: كانت ملحفة رسول الله ﷺ التي يلبس في أهله مورّسة «١» حتى إنها لتردع «٢» على جلده. حدّثني أبو الخطّاب قال: حدّثنا أبو عتّاب قال: حدّثنا المختار بن نافع عن إبراهيم التيميّ عن أبيه عن عليّ قال: رأيت لعمر بن الخطاب، رضي الله

стр. 407

عنه، إزارا فيه إحدى وعشرون رقعة من أدم ورقعة من ثيابنا. حدّثنا الزّياديّ قال: حدّثنا عبد الوارث بن سعيد عن الجريريّ عن ابن عباس، قال: رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت وإزاره مرقوع بأدم. نظر معاوية إلى النخّار العذريّ الناسب في عباءة فازدراه في عباءة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلّمك وإنما يكلّمك من فيها. قال سحيم «١» بن وثيل: [طويل] ألا ليس زين الرّحل قطعا يمزّق ... ولكنّ زين الرّحل يا ميّ راكبه وقال آخر [منسرح] إيّاك أن تزدري الرجال فما ... يدريك ماذا يكنّه الصّدف نفس الجواد العتيق باقية ... يوما وإن مسّ جسمه العجف والحرّ حرّ وإن ألمّ به الض ... رّ وفيه العفاف والأنف وقال آخر من المحدثين: [بسيط] تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي قد يلوح الفجر في السّدف «٢» وزادها عجبا أن رحت في سمل «٣» ... وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصّدف حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ أنّ ابن عون اشترى برنسا من عمر بن أنس بن سيرين فمرّ على معاذة العدويّة، فقال: أمثلك يلبس هذا! قال: فذكرت ذلك لابن سيرين فقال: ألا أخبرتها أن تميما الداريّ اشترى حلّة بألف يصلّي فيها؟ حدّثني أحمد بن الخليل قال: حدّثنا مصعب بن عبد الله من ولد عبد

стр. 408

الله بن الزبير عن أبيه قال: أخبرني إسماعيل بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ عليه ثوبان مصبوغان بالزعفران: رداء وعمامة. حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا علي بن عاصم قال: أخبرنا أبو إسحاق الشّيباني قال: رأيت محمد بن الحنفية واقفا بعرفات على برذون «١» عليه مطرف خزّ أصفر. حدّثني الريّاشيّ عن الأصمعيّ عن حفص بن الفرافصة قال: أدركت وجوه أهل البصرة، شقيق بن ثور فمن دونه وانيتهم في بيوتهم الجفان والعسسة فإذا قعدوا بأفنيتهم لبسوا الأكسية وإذا أتوا السلطان ركبوا ولبسوا المطارف. قدم حمّاد بن أبي سليمان البصرة فجاءه فرقد السّبخيّ وعليه ثياب صوف فقال حماد: ضع نصرانيتك هذه عنك، فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم فيخرج علينا وعليه معصفرة ونحن نرى أن الميتة قد حلّت له. وروى زيد بن الحباب عن الثّوريّ عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان أن ابن عباس كان يرتدي رداء بألف. قال معمر: رأيت قميص أيوب يكاد يمسّ الأرض، فكلمته في ذلك فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في تذييل القميص وإنها اليوم في تشميره. حدّثني أبو حاتم عن الأصمعي قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: جاء سيّار أبو الحكم إلى مالك بن دينار في ثياب اشتهرها «٢» مالك، فقال له مالك: ما هذه الشّهرة؟ فقال له سيّار: أتضعني عندك أم ترفعني؟ قال: بل تضعك، قال: أراك تنهاني عن التواضع، فنزل مالك فقعد بين يديه.

стр. 409

قال أبو يعقوب الخريميّ: أراد جعفر بن يحيى يوما حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعيّ فدفع إلى خادم كيسا فيه ألف دينار وقال: إني سأنزل في رجعتي إلى الأصمعيّ وسيحدّثني ويضحكني فإذا ضحكت فضع الكيس بين يديه، فلما رجع ودخل عليه رأى حبّا «١» مكسور الرأس وجرّة مكسورة العنق وقصعة مشعّبة وجفنة أعشارا ورآه على مصلّى بال وعليه برّكان «٢» أجرد فغمز غلامه ألّا يضع الكيس بين يديه ولم يدع الأصمعيّ شيئا مما يضحك الثّكلان إلا أورده عليه فما تبسّم وخرج، فقال لرجل كان يسايره: «من استرعى الذئب ظلم» ، ومن زرع سبخة «٣» حصد الفقر، فإني والله لو علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل لما حفلت نشره له باللسان، وأين يقع مدح اللسان من مدح آثار الغنى؛ لأن اللسان قد يكذب والحال لا تكذب. ولله درّ نصيب «٤» حيث يقول: [طويل] فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «٥» ثم قال له: أعلمت أن ناووس أبرويز أمدح لأبرويز من شعر زهير لآل سنان. قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: رأيت مشيخة بالمدينة في زيّ الفتيان لهم الغدائر وعليهم المورّد والمعصفر «٦» وفي أيديهم المخاصر وبها أثر الحنّاء، ودين أحدهم أبعد من الثريّا إذا أريد دينه. ذمّ ابن التوءم رجلا فقال: رأيته

стр. 410

مشحّم النعل درن الجورب «١» مغضّن الخفّ دقيق الخزامة. أنشد ابن الأعرابي «٢» : [طويل] فإن كنت قد أعطيت خزّا تجرّه ... تبدّلته من فروة وإهاب فلا تأيسن أن تملك الناس إنّني ... أرى أمّة قد أدبرت لذهاب قال أيوب: يقول الثوب: أطوني أجمّلك. هشام بن عروة عن أبيه قال: يقول المال: أرني صاحبي أعمّر، ويقول الثوب: أكرمني داخلا أكرمك خارجا. ويقال: لكل شيء راحة، فراحة البيت كنسه، وراحة الثوب طيّه. قيل لأعرابيّ: إنك تكثر لبس العمامة، فقال: إن عظما فيه السّمع والبصر لجدير أن يكنّ من الحرّ والقرّ. ويقال: حبى العرب حيطانها، وعمائمها تيجانها. وذكروا العمامة عند أبي الأسود الدؤلي فقال: جنّة في الحرب، ومكنّة في الحرّ والقرّ، وزيادة في القامة، وهي بعد عادة من عادات العرب. وقال طلحة ابن عبيد الله: الدّهن يذهب البؤس، والكسوة تظهر الغنى، والإحسان إلى الخادم مما يكبت الله به العدوّ. أبو حاتم قال: حدّثنا العتبيّ قال: سمعت أعرابيا يقول: لقد رأيت بالبصرة برودا كأنما نصحت «٣» بأنوار الربيع وهي تروع، واللّابسوها أروع. قال يحيى بن خالد للعتّابيّ في لباسه- وكان لا يبالي ما لبس-: يا أبا عليّ، أخزى الله امرأ رضي أن يرفعه هيئتاه من جماله وماله، فإنما ذلك حظّ الأدنياء من الرجال والنساء، لا والله حتى يرفعه أكبراه: همّته ونفسه، وأصغراه: قلبه

стр. 411

ولسانه. وفي الحديث المرفوع: «إن الله إذا أنعم على عبد نعمة أحبّ أن يرى أثرها عليه» . قال حبيب بن أبي ثابت: أن تعزّ في خصفة خير لك من أن تذلّ في مطرف «١» ، وما اقترضت من أحد خير من أن أقترض من نفسي. قال عمرو «٢» بن معد يكرب: [مجزوء الكامل] ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن ردّيت «٣» بردا إن الجمال معادن ... وموارث أورثن مجدا وقال ابن هرمة «٤» [منسرح] لو كان حولي بنو أميّة لم ... ينطق رجال إذا هموا نطقوا إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... أو ركبوا ضاق عنهم الأفق كم فيهمو من أخ وذي ثقة ... عن منكبيه القميص منخرق تجهّمن «٥» عوّذ النساء إذا ... ما احمرّ تحت القوانس «٦» الحدق فريحهم عند ذاك أندى من ال ... مسك وفيهم لخابط ورق قال: حدّثني أحمد بن إسماعيل قال: رأيت على أبي سعد المخزوميّ الشاعر كردوانيا مصبوغا بسواد، فقلت له: يا أبا سعد، هذا خزّ؟ فقال: لا، ولكنه دعيّ على دعيّ، وكان أبو سعد دعيّا في بني مخزوم، وفيه يقول أبو البرق:

стр. 412

[مجزوء الهزج] لما تاه على الناس ... شريف يا أبا سعد فته ما شئت إذ كنت ... بلا أصل ولا جدّ وإذا حظّك في النسب ... ة بين الحرّ والعبد وإذ قاذفك المفح ... ش في أمن من الحدّ قال عمر بن عبد العزيز لمؤدّبه: كيف كانت طاعتي إياك وأنت تؤدّبني؟ قال: أحسن طاعة، قال: فأطعني الآن كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك. وكيع قال: راح الأعمش إلى الجمعة وقد قلب فروة جلدها على جلده وصوفها إلى خارج، وعلى كتفيه منديل الخوان «١» مكان الرّداء. قال: حدّثني أبو الخطاب عن أبي داود عن قيس عن أبي حصين قال: رأيت الشعبي يقضي على جلد. قال الأحنف: استجيدوا النّعال فإنها خلاخيل الرجال. أبو الحسن المدائنيّ قال: دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم في مدرعة صوف فقال له قتيبة: ما يدعوك إلى لبس هذه؟ فسكت، فقال له قتيبة: أكلّمك فلا تجيبني! قال: أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي، أو أقول فقرا فأشكو ربّي. قال ابن السّمّاك لأصحاب الصوف: والله إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم لقد أحببتم أن يطّلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لها فقد هلكتم. وقال بعض المحدثين يعتذر من أطمار عليه: [طويل] فما أنا إلا السّيف يأكل جفنه «٢» ... له حلية من نفسه وهو عاطل

стр. 413

التّختّم قال: حدّثني أبو الخطاب زياد بن يحيى الحسّانيّ قال: حدّثنا عبد الله ابن ميمون قال: حدّثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: إن النبيّ ﷺ تختّم في يمينه. قال: حدّثنا أبو الخطّاب قال: حدّثنا سهل بن حماد قال: حدّثنا أبو خلدة خالد بن دينار قال: سألت أبا العالية ما كان نقش خاتم النبيّ ﷺ ؟ قال: «صدق الله» قال: فألحق الخلفاء بعد «صدق الله» «محمد رسول الله» . قال أبو الخطاب: حدّثنا أبو عتّاب «١» قال: حدّثنا سالم بن عبد الأعلى عن نافع عن ابن عمر: أن النبيّ ﷺ كان إذا أراد أن يذكر الشيء أوثق في خاتمة خيطا. حدّثني أبو الخطاب: قال حدّثنا عبد الله بن ميمون قال: حدّثنا جعفر ابن محمد عن أبيه أنّ خاتم عليّ كان من ورق نقشه «نعم القادر الله» كان على خاتم عليّ بن الحسين بن عليّ «علمت فاعمل» . كان نقش خاتم صالح بن عبيد الله بن عليّ «تبارك من فخري بأني له عبد» ونقش خاتم شريح «الخاتم خير من الظن» . ونقش خاتم طاهر «وضع الخدّ للحقّ عزّ» . وكان لأبي نواس خاتمان: أحدهما عقيق مربع وعليه: [طويل] تعاظمني ذنبي فلما عدلته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما والآخر حديث صينيّ مكتوب عليه: «الحسن يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا» فأوصى عند موته أن يقلع الفصّ ويغسل ويجعل في فمه.

стр. 414

باب الطّيب قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النّهديّ قال: قال رسول الله ﷺ : «خير طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وخير طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» . حدّثنا القطعيّ قال: حدّثنا بشر عن ابن لهيعة قال: حدّثني بكير عن نافع أن ابن عمر كان يستجمر بعود غير مطرّى ويجعل معه الكافور ويقول: هكذا كان رسول الله يستجمر. قال: حدّثنا زياد بن يحيى قال: حدّثنا زياد بن الربيع عن يونس قال: قال أبو قلابة: كان ابن مسعود إذا خرج إلى المسجد عرف جيرانه ذاك بطيب ريحه. حدّثني القومسيّ قال: حدّثنا أبو نعيم عن شقيق عن الأعمش قال: قال أبو الضّحى: رأيت على رأس ابن الزبير من المسك ما لو كان لي كان رأس مال. قال: حدّثني أبو الخطاب قال: حدّثنا أبو قتيبة وأبو داود عن الحسن بن زيد الهاشميّ عن أبيه قال: رأيت ابن عباس حين أحرم والغالية على صلعته كأنها «١» الرّب. قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن عمرو بن عون عن خالد عن عمرو ابن يحيى عن محمد بن يحيى بن حبّان قال: كان عبد الله بن زيد يتخلّق بالخلوق «٢» ثم يجلس في المجلس.

стр. 415

وحدّثني أيضا عن سويد بن سعيد عن ضمام بن إسماعيل عن عمار بن غزيّة قال: لما أولم عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك أسرج في مسارجه تلك الليلة الغالية. قال: وحدّثني عن أبي عبد الرحمن المقرىء عن سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: قال النبيّ ﷺ : «لا تردّوا الطّيب فإنه طيّب الريح خفيف المحمل» . قال: حدّثني زيد بن أخزم قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: حدّثنا عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص «١» الطّيب في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم. إبراهيم بن الحكم عن أبيه قال: قال عكرمة: كان ابن عباس يطلي جسده بالمسك فإذا مرّ بالطريق قال الناس: أمرّ ابن عباس أم مرّ المسك؟. قال المسيّب «٢» بن علس يمدح بني شيبان: [متقارب] تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب وكالشّهد بالراح أحلامهم ... وأحلامهم منهما أعذب وكالمسك ترب «٣» مقاماتهم ... وترب قبورهمو أطيب أخذه العباس «٤» بن الأحنف فقال: [متقارب] وأنت إذا ما وطئت الترا ... ب صار ترابك للناس طيبا

стр. 416

وقال كعب «١» بن زهير يمدح قوما: [بسيط] ألمطعمون إذا ما أزمة أزمت ... والطّيبون ثيابا كلّما عرقوا وأنشد ابن الأعرابي «٢» : [طويل] خود «٣» يكون بها القليل تمسّه ... من طيبها عبقا يطيب ويكثر شكر الكرامة جلدها فصفا لها ... إنّ القبيحة جلدها لا يشكر حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: ذكر لأيوب هؤلاء الذين يتقشّفون فقال: ما علمت أن القذر من الدّين. باب المجالس والجلساء والمحادثة قال: حدّثني أحمد بن الخليل عن حبّان بن موسى قال: حدّثنا ابن المبارك عن معمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الرجل أحقّ بمجلسه إذا قام لحاجة ثم رجع» . وحدّثني أيضا عن سعيد بن سليمان عن إسحاق بن يحيى عن المسيّب ابن رافع عن عبد الله بن يزيد الخطميّ عن عبد الله بن الغسيل قال: قال رسول الله ﷺ : «المرء أحقّ بصدر بيته وصدر دابتّه وصدر فراشه، وأحقّ أن يؤمّ في بيته» . قال: حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ألقي لعليّ وسادة فجلس عليها وقال: إنه لا يأبى الكرامة إلا حمار. وفي الحديث المرفوع عن أبي موسى قال: قال

стр. 417

رسول الله ﷺ : «مثل الجليس الصالح مثل الدّاريّ «١» إن لم يحذك «٢» من طيبه علقك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل الكير «٣» إن لم يحرقك بشرار ناره علقك من نتنه» . قال أبو إدريس الخولانيّ: المساجد مجالس الكرام. قال الأحنف: أطيب المجالس ما سافر فيه البصر واتّدع «٤» فيه البدن، فأخذه عليّ ابن الجهم «٥» فقال: [متقارب] صحون «٦» تسافر فيها العيون ... وتحسر عن بعد أقطارها وقال المهلب: خير المجالس ما بعد فيه مدى الطّرف وكثرت فيه فائدة الجليس. قيل للأوسيّة: أيّ منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر. ونحوه قول عديّ «٧» بن زيد: [خفيف] كدمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الرّوض زهره مستنير حدّثنا سهل بن محمد قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: كان الأحنف إذا أتاه إنسان أوسع له، فإن لم يجد موضعا تحرّك ليريه أنه يوسع له. وكان آخر لا يوسع لأحد ويقول «ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل» «٨» .

стр. 418

قال ابن عباس: لجليسي عليّ ثلاثّ: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا تحدّث. وقال الأحنف: ما جلست مجلسا فخفت أن أقام عنه لغيري. وكان يقول: لأن أدعي من بعيد فأجيب أحبّ إليّ من أن أقصى من قريب. كان القعقاع بن شور إذا جالسه رجل فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوّه، وشفع له في حاجته، وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا. وقسم معاوية يوما آنية فضة ودفع إلى القعقاع حظّه منها، فآثر به القعقاع أقرب القوم إليه فقال: [وافر] وكنت جليس قعقاع «١» بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس ضحوك السنّ إن نطقوا بخير ... وعند الشرّ مطراق عبوس كان يقال: إياك وصدر المجلس فإنه مجلس قلعة. قيل لمحمد بن واسع: ألا تجلس متّكئا! فقال: تلك جلسة الآمنين. قال عمرو بن العاص: ثلاثة لا أملّهم: جليسي ما فهم عنّي، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حملت رجلي. وزاد آخر: وامرأتي ما أحسنت عشرتي. ذكر رجل عبد الملك بن مروان فقال: إنه لآخذ بأربع، تارك لأربع: آخذ بأحسن الحديث إذا حدّث، وبأحسن الاستماع إذا حدّث، وبأحسن البشر إذا لقي، وبأيسر المؤونة إذا خولف. وكان تاركا لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللّجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأبون. كان رجل من الأشراف إذا أتاه رجل عند انقضاء مجلسه قال: إنك

стр. 419

جلست إلينا على حين قيام منّا أفتأذن؟. قال الفضيل بن عياض للثوريّ: دلّني على من أجلس إليه، قال: تلك حالة لا توجد. قال مطرّف: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه، يريد: لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه. وقال سعيد بن سلم: إذا لم تكن المحدّث أو المحدّث فانهض. ونحوه قول ابن مسعود: حدّث القوم ما حدّجوك «١» بأبصارهم. قال زياد مولى عيّاش بن أبي ربيعة: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما رآني زحل عن مجلسه وقال: إذا دخل عليك رجل لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس. وقال ابن عباس: ما أحد أكرم عليّ من جليسي، إن الذباب يقع عليه فيشقّ عليّ. ذكر الشّعبيّ قوما فقال: ما رأيت مثلهم أشدّ تناوبا في مجلس ولا أحسن فهما عن محدّث. قال سليمان بن عبد الملك: قد ركبنا الفاره «٢» ووطئنا الحسناء ولبسنا اللين وأكلنا الطّيب حتى أجمنا «٣» ، ما أنا اليوم إلى شيء أحوج منّي إلى جليس أضع عنّي مؤونة التحفّظ فيما بيني وبينه. روى ابن أبي ليلى عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيى بن جعدة قال: قال عمر بن الخطاب: لولا أن أسير في سبيل الله أو أضع جبهتي في التراب لله أو أجالس قوما يلتقطون طيّب الحديث كما يلتقط طيّب الثمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله. قال عامر بن عبد قيس: ما اسى على شيء من العراق إلا على ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال آخر ما آسى من البصرة إلا على ثلاث: قصب السّكر، وليل الخرير، وحديث ابن

стр. 420

أبي بكرة. وقال المغيرة: كان يجالس إبراهيم صيرفيّ ورجل متّهم برأي الخوارج، فكان يقول لنا: لا تذكروا الرّبا إذا حضر هذا، ولا الأهواء إذا حضر هذا. وكان إمام مسجد الحرام لا يقول: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلا عند ختم القرآن في شهر رمضان من أجل اللهبيّين. كان يقال: محادثة الرجال تلقح ألبابها. وكان بعض الملوك في مسير له ليلا فقال لمن حوله: إنه لا يقطع سرى الليل بمثل الحديث فيه فلينفض كل رجل منكم بناجوشا «١» منه. قال معاوية لعمرو بن العاص: ما بقي من لذة الدنيا تلذّه؟ قال: محادثة أهل العلم، وخبر صالح يأتيني من ضيعتي. قال أبو مسهر: ما حدّثت رجلا قطّ إلا حدّثني إصغاؤه: أفهم أم ضيّع. باب الثّقلاء قال إبراهيم: إذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل. كان يقال: من خاف أن يثقل لم يثقل. قيل لأيوب: ما لك لا تكتب عن طاووس؟ فقال: أتيته فوجدته بين ثقيلين: ليث بن أبي سليم، وعبد الكريم بن أبي أميّة. قال الحسن: قد ذكر الله الثقل في كتابه قال: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا «٢» . كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال: اللهمّ اغفر له وأرحنا منه. وكتب رجل على خاتمه: أبرمت فقم، فكان إذا جلس إليه ثقيل ناوله إياه. قال بختيشوع «٣» للمأمون: لا تجالس الثقلاء فإنا نجد في الطب: مجالسة الثقيل حمّى الروح. قال بعض الشعراء:

стр. 421

[مجزوء الكامل] إنّي أجالس معشرا ... نوكى «١» أخفّهمو ثقيل قوم إذا جالستهم ... صدئت بقربهم العقول لا يفهموني قولهم ... ويدقّ عنهم ما أقول فهمو كثير بي وأع ... لم أنّني بهمو قليل أخبرنا النّوشجانيّ عن عمر بن سعيد بن القرشي قال: حدّثني صدقة بن خالد قال: أتيت الكوفة فجلست إلى أبي حنيفة، فقام رجل من جلسائه فقال: [متقارب] فما الفيل تحمله ميّتا ... بأثقل من بعض جلّاسنا «٢» فما حملت عنه شيئا. مرّ رجل بصديق له ومعه رجل ثقيل، فقال له: كيف حالك؟ فقال: [منسرح] وقائل كيف أنت؟ قلت له ... هذا لبسي فما ترى حالي؟ وقال بشّار «٣» : [خفيف] ربّما يثقل الجليس وإن كا ... ن خفيفا في كفّة الميزان ولقد قلت حين وتّد في الأر ... ض ثقيل أربى على ثهلان «٤»

стр. 422

كيف لم تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا سفيان! «١» ! وقال آخر: [منسرح] هل غربة الدار منك منجيتي ... إذا اغتدت بي قلائص ذمل «٢» وما أظنّ الفلاة منجيتي ... منك ولا الفلك أيها الرجل ولو ركبت البراق «٣» أدركني ... منك على نأي دارك الثّقل هل لك فيما ملكت نافلة ... تأخذه جملة وترتحل وقال أعرابيّ: [وافر] كأني عند حمزة في مقامي ... ألا حيّيت عنّا يا مدينا بلينا عنده حتى كأنّا ... ألا هبّي بصحنك فاصبحينا «٤» وقال آخر: [متقارب] «٥» ثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سرّه رغم أنفي ألم لطلعته وخرة في الحشا ... كوخز المشارط في المحتجم أقول له إذ بدا طالعا ... ولا حملته إلينا قدم فقدت خيالك لا من عمى ... وأذني كلامك لا من صمم قال سهيل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه وغمّك في سؤاله فألزمه

стр. 423

أذنا صمّاء وعينا عمياء. وكتب بعض الكتّاب في فصل من كتابه: ما آمن نزغ مستميح حرمته، وطالب حاجة وددته، ومثابر ثقيل حجبته، أو منبسط ناب قبضته، ومقبل بعنانه عليّ لويت عنه، فقد فعلت هذا بمستحقين وبتعذر الحال، فتثبت رحمك الله، ولا تطع كلّ حلّاف مهين. وقال بعض المحدثين للخليل: [متقارب] خرجنا نريد غزاة لنا ... وفينا زياد أبو صعصعه فستّة رهط به خمسة ... وخمسة رهط به أربعه باب البناء والمنازل الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ قال: قال السائب بن الأقرع لرجل من العجم: أخبرني عن مكان من القرية لا يخرب حتى أستقطع ذلك الموضع، فقال له: ما بين الماء إلى دار الإمارة، فاختطّ لثقيف ذلك الموضع، قال الهيثم بن عديّ: فبتّ عندهم فإذا ليلهم بمنزلة النهار. وقال قائل في الدار: ليكن أوّل ما تبتاع وآخر ما تبيع. وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر حين اختط داره ليبنيها: هي قميصك فإن شئت فوسّعه، وإن شئت فضيّقه. وأتاه وهو يبني داره التي ببغداد بقرب الدور، وإذا هم يبيضون حيطانها فقال: إعلم أنك تغطّي الذهب بالفضة، فقال جعفر: ليس في كلّ مكان يكون الذهب أنفع من الفضة، ولكن هل ترى عيبا؟ قال: نعم، مخالطتها دور السّوقة. دخل ابن التوءم على بعض البصريين وهو يبني دارا كثيرة الذرع،

стр. 424

واسعة الصحن، رفيعة السّمك، عظيمة الأبواب، فقال: إعلم أنك قد ألزمت نفسك مؤنة لا تطاق، وعيالا لا يحتمل مثلهم، ولا بد لك من الخدم والسّتور والفرش على حسب ما ابتليت به نفسك، وإن لم تفعل هجّنت رأيك. وقرأت في كتاب الآيين أنه كان يستقبل بفراش الملك ومجلسه المشرق، أو يستقبل بهما مهبّ الصّبا، وذلك أن ناحية المشرق وناحية الصّبا يوصفان بالعلوّ والارتفاع، وناحية الدّبور وناحية المغرب يوصفان بالفضيلة والانخفاض، وكان يستقبل بصدور إيوانات الملك المشرق أو مهبّ الدبور، ويستقبل بصدور الخلاء وما فيه من المقاعد مهبّ الصّبا، لأنه يقال: إنّ استقبال الصبّا في موضع الخلاء آمن من سحر السّحرة ومن ريح الجنّة. وكان عمر يقول: على كلّ خائن أمينان: الماء والطين. ومرّ ببناء يبنى بآجرّ وجصّ فقال: لمن هذا؟ قالوا: لفلان، فقال: تأبى الدراهم إلا أن تخرج أعناقها، وشاطره ماله. أبو الحسن قال: لما بلغ عمر أنّ سعدا وأصحابه قد بنوا بالمدر «١» قال: قد كنت أكره لكم البنيان بالمدر، فأمّا إذ قد فعلتم فعرّضوا الحيطان، وأطيلوا السّمك، وقاربوا بين الخشب. وقيل ليزيد بن المهلب: لم لا تبني بالبصرة دارا؟ فقال: لأني لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا، فإن كنت أسيرا فالسجن داري، وإن كنت أميرا فدار الإمارة داري. وقال: الصواب أن تتّخذ الدّور بين الماء والسّوق، وأن تكون الدور شرقية والبساتين غربية. قال بعض الشعراء: [سريع] بنو عمير مجدهم دارهم ... وكلّ قوم لهمو مجد

стр. 425

وقال آخر لأبي محمد اليزيدي: [سريع] قومي خيار غير ما أنّهم ... صولتهم منهم على جارهم ليس لهم مجد سوى مسجد ... به تعدّوا فوق أطوارهم لو هدم المسجد لم يعرفوا ... يوما ولم يسمع بأخبارهم وقال رجل من خزاعة: [مجزوء الكامل] فخر المسيّب بالمناره ... ومناره برحا «١» عماره فإذا تفاخرت القبا ... ئل من تميم أو فزاره حفلت عليك شيوخ ضب ... بة بالمسيّب والمناره مرّ رجل من الخوارج بدار تبنى فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا؟. وقالوا: كلّ مال لا يخرج بخروجك ولا يرجع برجوعك ولا ينتقل في الوجوه بانتقالك فهو كفيل. وقالت الحكماء من الروم: أصلح مواضع البنيان أن يكون على تلّ أو كبس «٢» وثيق ليكون مطلّا، وأحقّ ما جعلت إليه أبواب المنازل وأفنيتها وكواؤها المشرق واستقبال الصّبا، فإن ذلك أصلح للأبدان لسرعة طلوع الشمس وضوئها عليهم. ومن حسن التشبيه في البناء قول عليّ بن الجهم: [متقارب] صحون تسافر فيها العيون ... وتحسر عن بعد أقطارها وقبّة ملك كأن النجو ... م تصغي إليها بأسرارها
следующие страницы →