← Адаб

Адаб · id 23790

عيون الأخبار

ابن قتيبة

Полный текст (1 325 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

شهادته لك بكرم العقد، وصدق الودّ، وحسن المغيب، ورعاية حق التحرّم، وبعد الشيمة من شيم أهل الزمان إلا من عصم الله، وقليل ما هم، ولله أبواك لقد أوجداك. قد أجلّ الله خطرك عن الاعتذار، وأغناك في القول عن الاعتلال، وأوجب علينا أن نقنع بما فعلت، ونرضى بما أتيت وصلت أو قطعت، إذ وثقنا بحسن نيّتك ونقاء طويّتك، وألزمنا أن نأخذ أنفسنا لك بما لا نحمّلك مثله، ولا نلتمس منك مقابلة به. ما أخرّ كتبي عنك إلا ما أنا عليه من إيثار التخفيف بقطع الكتب، إلا عند حقّ يقع فأقضيه، أو نعمة تحدث فأهنّىء بها، والقصد للزيادة في البرّ بالزيارة في الغبّ، واستدعاء دوام الوداد بانتهاز فرص الوصل. وكتبت إلى محمد بن عبد الله بن طاهر: أمّا شكري للأمير على سالف معروفه فقد غار وأنجد. وأمّا ابتهالي إلى الله في جزائه عنّي بالحسنى فإخلاص النيّة عند مظانّ القبول. وأمّا أملي فأحياه على بعد العهد بلاؤه عندي، إذ كان ما تقدّم منه شافعا في المزيد، وفسحة وعده إياي عند مفارقتي له، إذ كان مؤذنا بالإنجاز. وأما زللي في التأخّر عما أوجب الله عليّ له، فمقرون بالعقوبة فيما حرمته من عزّ رياسته، ونباهة صحبته، وعلوّ الدرجة به، وإن كنت سائر أيام انقطاعي عنه معتلقا بسبب لا خيار معه. مكاتبتك- أعزّك الله- وأنا مجاورك ببلد دون السعي إليك مجلّا لقدرك مما أكبر. لاقيك بكتابي هذا فلان، وله عليّ حقّان؛ حقّ عمّ المسلمين فلزمني بلزومه لهم، وحق خصّني بالحرمة والعشرة. فرأيك في كذا إن سهل السبيل إلى ذلك ورحب، وإن يعق عائق فلست على جميل رأي عندي بمتّهم.

стр. 702

للمتفضّل أن يخصّ بفضله من يشاء؛ ولله الحمد ثم له فيما أعطي، ولا حجّة عليه فيما منع. مستعفى السلطان أحد ثلاثة: رجل آثر الله وما عنده، وأسأل الله توفيقه؛ ورجل عجز عن عمله فخاف بعجزه عواقب تقصيره، وأستعين الله؛ ورجل سمت به نفسه عن قليل هو فيه إلى كثير أمله. وأعوذ بالله من أن أدنّس نعمة الله بك عليّ وعلى سلفي قبلي بالتصدّي لمن لا يشبه دهره يومك، ولا أكثر جهده في المعروف أقلّ عفوك. كن كيف شئت، فإنّي واحد أمري خالصة سريرتي، أرى ببقائل بقاء سروري، وبتمام النعمة عليك تمامها عندي، فإنه ليس من نعمة يجدّدها الله لأمير المؤمنين في نفسه خاصّة إلا اتصلت برعيّته عامّة، وشملت المسلمين كافّة، وعظم بلاء الله عندهم فيها، ووجب عليهم شكره عليها؛ لأنّ الله جعل بنعمته تمام نعمتهم، وبسلامته هدوءهم واستقامتهم، وبتدبيره صلاح أمورهم وأمنهم، وبذبّه عن دينهم حفظ حريمهم، وبحياطته حقن دمائهم وأمن سبلهم، وبرعيته اتّساقهم وانتظامهم؛ فأطال الله بقاء أمير المؤمنين مؤيّدا بالنصر، معزّا بالتمكين، موصول الطلب بالظفر، ومدّة البقاء بالنعيم المقيم. فهمت كتابك ولم تعد في وعدك ووعيدك سبيل الراغب في ربّ عارفته، المحامي على سالف بلائه، المؤثر لاستتمام صنيعته، وإني لأرجو أن أكون على غاية ما عليه ذو نيّة حسنة في شكر مصطنعه، وعناية بأداء ما يلزمه لوليّ نعمته، ومراقبة لرئيسه في سرّ أمره وعلانيته، وإيثار للقليل من جميل رأيه على كثير المنافع مع سخطه. وليس مذهبي فيما أشرحه من العذر وأطيل بذكره الكتب، مذهب من يموّه بالاحتجاج ويحتال في الاعتذار، ومن تطمعه نفسه في سلامة النعمة مع فساد النيّة، وفي محمود العاقبة مع شره النفس،

стр. 703

وفي زيادة الحال مع التفريط في العمل. ولو كنت ممن سوّلت له نفسه ذلك سائر دهره، لقد وجب إلى أن يضطرّني إلى النزوع عنه تأديبك وتقويمك. وإني لمجتهد أن يكون أثر فعلي هو المخبر عني دون قولي، وأن يكون ما أمتّ به إليك ظاهر كفايتي دون ذمامي. لولا ما أنا بسبيله من العمل، وما في الإخلال به من تعريضه للانتشار ودخول الخلل، وعلمي بأن طاعة السلطان مقرونة بطاعة الأمير، وأنه لا فرق عنده بين الجاني على السلطان وعليه، لكنت الجواب راجلا معظّما لأمره، مكبرا لسخطه؛ وإن كان الله قد جعل عند الأمير من إيثار الحق والعمل به، وتقديم الرويّة قبل الإيقاع، والاستثناء «١» بمن وضح ذنبه وظهر جرمه دون من وقعت الشبهة في أمره، ما أمّنني بادرة غضبه ونازل سطوته. لم أكن أحسبني أحلّ عندك محلّ من جهل حظّه، وعدم تمييزه، وغبي عمّا عليه وعمّا له؛ إذ توهّمت عليّ أنّي أبيع خطيرا من رضاك، ونفيسا من رأيك، وشرفا باقيا على الأيام بطاعتك، وعدّة للنوائب أستظهر بها من نصرتك، بالثمن البخس الحقير من كذا، أو أن أستبدل بما أنا ذو فاقة إليه من عزّ كنفك ومنيع ذراك، ما قد وهب الله الغنى عنه بحمده. كان ورودك وشخوصك في وقتين انظويا عني، وكان مقامك في حال شغل منك ومني، ولذلك فقدتني في القاضين لحقك والمثابرين على لقائك. ورد كتابك مضمّنا من برّك وتطوّلك ما حسّن شكري، وأثقل ظهري، وأرتج عن مضاهاتك بمثله قولي؛ فذكرت به- إذ تحيرّت دون تأمّله، وضعفت

стр. 704

عن تحمّله، وعجزت عن الشكر عليه عند تمحّله- قول القائل: [كامل] أنت آمرؤ أوليتني نعما ... أوهت قوى شكري، فقد ضعفا لا تحدثنّ إليّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا «١» ألفاظ تقع في كتب الأمان هذا كتاب من فلان لفلان: إن أمّنتك على دمك ومالك ومواليك وأتباعك، لك ولهم ذمّة الله الموفى بها، وعهده المسكون إليه، ثم ذمّة الأنبياء الذين أرسلهم برسالته وأكرمهم بوحيه، ثم ذمم النجباء من خلائفه: بحقن دمك ومن دخل اسمه معك في هذا الكتاب، وسلامة مالك وأموالهم وكذا وكذا؛ فاقبلوا معروضه، واسكنوا إلى أمانه، وتعلّقوا بحبل ذمته، فإنه ليس بعدما وكّد من ذلك متوثّق لداخل في أمان إلا وقد اعتلقتم بأوثق عراه، ولجأتم إلى أحرز كهوفه، والسلام. وفي كتاب آخر: هذا كتاب من فلان: إن أمير المؤمنين، لما جعل الله عليه نيّته في إقالة العاثر واستصلاح الفاسد، رأى أن يتلافاك بعفوه، ويتغمد زلّاتك برحمه، ويبسط لك الأمان على ما خرجت إليه من الخلاف والمعصية: على دمك وشعرك وبشرك وأهلك وولدك ومالك وعقارك؛ فإن أنت أتيت وسمعت وأطعت، فأنت آمن بأمان الله على ما أمّنك عليه أمير المؤمنين، ولك بذلك

стр. 705

ذمّة الله وذمّة رسوله، إلا ما كان من حق قائم بعينه لمسلم أو معاهد، والله بذلك راع وكفيل، وكفى بالله وكيلا. وفي كتاب آخر : إن فلانا استوهب أمير المؤمنين ذنبك، وسأله أن يقبل توبتك وإنابتك، ويؤمّنك على دمك وشعرك وبشرك وأهلك وولدك ومالك وعقاراتك، على أن تسمع وتطيع وتشايع، وتوالي أولياءه، وتعادي أعداءه؛ فأجابه أمير المؤمنين إلى ذلك، لرأيه في العفو والصفح وما يحتسب في ذلك من الثواب والأجر، فأنت آمن بأمان الله على كذا لا تؤخذ بشيء مما سلف من أحداثك، ولا تتبع فيه بمكروه ما أقمت على الوفاء ولم تحدث حدثا تفسخ به أمانك وتجعل به سبيلا على نفسك، والله لك بذلك راع كفيل؛ وكفى به شهيدا. ألفاظ تقع في كتب العهود أمره بتقوى الله فيما أسند إليه وجعله بسبيله، وأن يؤثر الله وطاعته آخذا ومعطيا، وأعلمه أنّ الله سائله عمّا عمل به وجاز عليه، وأنّه خارج من دنياه خروجه من بطن أمّه إمّا مغبوطا محمودا، وإمّا مذموما مسلوبا، فليعتبر بمن كان قبله من الولاة الذين ولوا مثل ما ولي، أين صار بهم مرّ الليل والنهار، وما انقلبوا به من أعمالهم إلى قبورهم! ويتزوّد لنفسه الزاد النافع الباقي: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً «١» .

стр. 706

وفي فصل آخر : وقد ولّاك أمير المؤمنين ما ولّاك من أمور رعيّته، وأشركك فيما أشركك فيه من أمانته، ثقة بك، ورجاء لمتابعتك وإيثارك الحقّ وأهله، ورفضك الباطل وأهله؛ وعهد إليك في ذلك بما إن أخذت به أعانك الله وسدّدك، وإن خالفته خذلك وعاقبك. وفي الحج : فإنّ أمير المؤمنين قد اختارك من إقامة الحج لوفد الله وزور بيته، للأمر العظيم قدره، الشريف منزلته؛ فعليك بتقوى الله؛ وإيثار مراقبته، ولزوم الهدى المحمود والطريقة المثلى والسّيرة الجميلة التي تشبه حالك. فصل- فإن الله نزّه الإسلام عن كل قبيحة، وأكرمه عن كل رذيلة، ورفعه عن كل دنيّة، وشرّفه بكل فضيلة، وجعل سيماء أهله الوقار والسكينة. فصل- وإن أحقّ الناس بالازدياد في طاعته ومناصحته وأداء الأمانة في عمله من عظم حقّ الأمير عليه في الخاصّة بفضل الصنيعة من الأمير عنده، مع حق الله عليه في العامّة بحقّ الولاية. فصل- وكنت سيفا من سيوف الله، ونكلا «١» من أنكاله لأهل الشقاق، وشجى لمن ابتغى غير سبيل المؤمنين، قد أحكمتك التجارب وضرّستك الأمور، وفررت عن الذكاء وحلبت «٢» الدهر أشطره. فصل- أنت ابن الحرّية والمروّة، ومن لا يلحقه عار أبوّة ولا بنوّة.

стр. 707

فصل- قد التمست مواجهتك بشكرك ووصف ما أجنّ «١» لك وأخلص من ودّك وأجلّ من قدرك وأعتدّ من إحسانك، فلفتني عن ذلك تعذّر الخلوة مع انقباض وحشمة. فصل- قد أغنى الله بكرمك عن ذريعة إليك؛ وما تنازعني نفسي إلى استعانة عليك إلا أبى ذلك حسن الظنّ بالله فيك، وتأميل نجح الرغبة إليك دون الشفعاء عندك. فصل- مثلك تقرّب إلى الله بالتواضع لنعمته، والإغاثة لمستغيثه، والعائدة «٢» على راجيه بفضله. فصل- تبّا لمن يأتي رأيك! وقبحا لعزوب «٣» عقلك، وأفن «٤» تدبيرك! ما أبعد مذهبك في الخطأ، وأسوأ أثرك على السلطاه، وأقصر باعك عن النهوض! جزالة تعقدك، ومهانة تضرعك، وزهو يعلوك، ونخوة يشمخ لها عرنينك. لقد انصرف رأي أمير المؤمنين عنك، ودعوت له عتبك، وكشفت له عن قناع سترك، واجتررت إليك سخطته وعطفت نحوك موجدته، وكنت على نصيبك منه والضنّ بمنزلتك عنده أولى تقدّما وأقرب رشدا. والله الغنيّ الحميد. أصحاب السلطان ثلاثة: رجل يجعل الدنيا نصب عينه، ينصب فيها للخاصّة مكايده، ويرفع عن مصلحة العامّة همّته، يذهله عن التقوى الهوى، وتنسيه أيام القدرة العثرة، حتى تنصرم مدّته وتنقضي دولته، لم يرتهن بدنياه

стр. 708

شكرا ولا قدّم بها إلى معاده ذخرا. ورجل لا يحفل «١» مع صلاح الخاصّة ما دخل من الخلل في أمور العامّة، ولا مع وفور حظه ما أدخل النقص في حظ رعيته. ورجل حاول في ولايته إرضاء من ولي له وعليه، وأعانته النّية وخذلته الكفاية. وقد جمع الله لك الثقة والرضا ممن فوقك، والانقياد والمحبة ممن دونك، وأعاد إلى الناس بك عهد السلف الماضي وعمّر بك آثارهم، حتى كأنهم بك أحياء لم تخترمهم منيّة، وجميع لم تنصدع بينهم فرقة، فليهنئك أنّ من تقدّمك من أهل الفضل في السّيرة غير متقدّم لك، ومن معك مقصّر عنك، ومن دونك مقتف لأثرك. فلا زالت الأيام لك، ولا زالت النعم عنك، ولا انتقلت عرى الأمور وأزمّتها عن يدك. فصل- أبى طبع الزمان أن يسمح لنا بك، كما أبى ذلك في مثلك، فلم يزل حتى اعترض بمكروهه دونك، وكم من نعمة ذهلت عنها النفس حين أدبرت بخيرك، فإنّ تعلّق القلب بك على قدرك في مواهب الله وقدرها عندك. فصل- ولم تأت في جميع ما عدّدت من أياديك شيئا، وإن كان متناهيا إلى الغاية، مختارا كالأمنيّة، متجاوزا للاستحقاق، إلا وأنت فوقه والمأمول للزيادة فيه. وفي كتاب - إن كان ما خبّرني به فلان عن هزل فقد أحوجنا هزلك إلى الجدّ، ووقفنا موقف المعتذرين من غير ذنب، وإن كان عن حقيقة فقد ظهر لنا من ظلمك وتحريفك ما دلّ على زهدك منا في مثل الذي رغبنا منك فيه. فصل في كتاب العيد - كتابي إلى الأمير يوم كذا بعد خروجي فيه ومن قبلي من المسلمين إلى المصلّى وقضائنا ما أوجب الله علينا من صلاة العيد،

стр. 709

ونحن بخير حال اجتمع عليها فريق من المسلمين في عيد من أعيادهم ومجمع من مجامعهم؛ وكان مخرجنا إلى المصلّى أفضل مخرج، ومنصرفنا عنه أفضل منصرف، بما وهب الله من سكون العامّة وهدوئها وألفتها، واحتشاد الجند والشاكريّة «١» بأحسن الزّيّ والهيئة، وأظهر السلاح والعدّة. فالحمد لله على كذا، وهنأ الله الأمير كذا. فصل- القلب قرين وله حليف حيرة، أنظر بعين كليلة وأحضر بقلب غائب: إلى ورود كتابك بما تعتزمه. فأما النوم فلو مثل لعيني لنفرت إلفا للسّهاد. فصل في كتاب بيعة - فبايعوا لأمير المؤمنين ولفلان بعده على اسم الله وبركته وصنع الله وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة منبسطة لها أكفّكم، منشرحة بها صدوركم، سليمة فيها أهواؤكم، شاكرين لله على ما وفّق له أمير المؤمنين. عدّد معاوية على الأحنف ذنوبا؛ فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين، لم تردّ الأمور على أعقابها؟ أما والله إنّ القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، وإنّ السيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا؛ ولئن مددت لنا بشبر من غدر، لنمدّنّ إليك باعا من ختر «٢» ، ولئن شئت لتستصفينّ كدر قلوبنا بصفو حلمك؛ قال معاوية: إنّي أفعل. تقدّم رجل إلى سوّار، وكان سوّار له مبغضا، فقال سوّار في بعض ما يكلمه به: يا ابن اللّخناء «٣» ! فقال: ذاك خصمي؛ فقال له الخصم: أعدني

стр. 710

عليه «١» ، فقال له الرجل: خذ له بحقه وخذ لي بحقي؛ ففهم، وسأله أن يغفر له ما فرط منه إليه، ففعل. الأوزاعيّ قال: دخل خريم بن فاتك على معاوية، فنظر إلى ساقيه فقال: أيّ ساقين، لو كانتا على جارية عاتق «٢» ! فقال له خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين. الخطب تتبّعت خطب رسول الله ﷺ ، فوجدت أوائل أكثرها: «الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» . ووجدت في بعضها: «أوصيكم، عباد الله، بتقوى الله وأحثّكم على طاعته» . ووجدت في خطبة له بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس، إنّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم؛ إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه؛ فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت؛ والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار، ووجدت كلّ خطبة مفتاحها الحمد إلا خطبة العيد فإن مفتاحها التكبير. وتكبير الإمام قبل أن ينزل عن المنبر أربع عشرة تكبيرة.

стр. 711

خطبة «١» لأبي بكر الصدّيق ﵁ حدّثني أبو سهل قال: حدّثني الطّنافسيّ عن محمد بن فضيل قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن إسحاق عن عبد الله القرشيّ عن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر ﵁ فقال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وحده وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، والإلحاف بالمسألة؛ فإنّ الله أثنى على زكريّا وأهل بيته فقال: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً «٢» . ثم اعلموا أن الله قد ارتهن بحقّه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي. هذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه ولا يطفأ نوره، فصدّقوه وانتصحوه واستضيئوا منه ليوم الظّلمة. ثم اعلموا أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب علمه عنكم، فإن استطعتم ألّا ينقضي إلا وأنتم في عمل لله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله. فسابقوا في مهل؛ فإنّ قوما جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، والوحى الوحى «٣» والنجاء النجاء! فإنّ من ورائكم طالبا حثيثا مرّه، سريعا سيره. وفي غير هذه الرواية: أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم! قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدّموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة والسّعادة فيما بعد الموت. أين الجبّارون الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط! قد صاروا تحت

стр. 712

الصّخر والآكام. خطبة «١» لأبي بكر أيضا ﵁ رواها إبراهيم بن محمد من ولد أبي زيد القارىء. حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ثم قال: إنّ أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك. فرفع الناس رؤوسهم؛ فقال: ما لكم يا معشر الناس! إنّكم لطعّانون عجلون، إنّ الملك إذا ملك زهّده الله فيما في يده، ورغّبه فيما في يدي غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخّط الكثير، ويسأم الرخاء، وتنقطع عنه لذّة البهاء «٢» ، لا يستعمل العبرة ولا يسكن إلى الثقة، فهو كالدرهم القسيّ «٣» والسّراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه ونضب عمره وضحا ظلّه «٤» ، حاسبه الله فأشدّ حسابه وأقلّ عفوه. ألا إنّ الفقراء هم المرحومون، وخير الملوك من آمن بالله، وحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ . وإنكم اليوم على خلافة نبوّة، ومفرق محجّة، وسترون بعدي ملكا عضوضا، وأمّة شعاعا، ودما مفاحا «٥» . فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة؛ يعفو لها الأثر، وتموت السّنن، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن، والزموا الجماعة. وليكن الإبرام بعد التشاور، والصّفقة بعد طول التناظر، أي بلادكم «٦» خرسة فإن

стр. 713

الله سيفتح عليكم أقصاها كما فتح أدناها. خطبة «١» أبي بكر ﵁ يوم سقيفة بني ساعدة أراد عمر الكلام، فقال له أبو بكر: على رسلك. نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرمهم أحسابا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسّهم رحما برسول الله ﷺ ، أسلمنا قبلكم، وقدّمنا في القرآن عليكم «٢» ، فأنتم إخواننا في الدّين، وشر كاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدوّ؛ آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا؛ نحن الأمراء، وأنتم الوزراء؛ لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش، وأنتم محقوقون ألّا تنفسوا على إخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم. خطبة «٣» لأبي بكر ﵁ الهيثم عن مجالد عن الشّعبيّ قال: لما بويع أبو بكر الصدّيق ﵁، صعد المنبر فنزل مرقاة «٤» من مقعد النبيّ ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني وليت أمركم ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن وسنّ رسول الله ﷺ . اعلموا أيها الناس أنّ أكيس الكيس التّقى، وأنّ أحمق الحمق الفجور، وأنّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقّه، وأضعفكم عندي القويّ حتى آخذ منه الحقّ، إنما أنا متّبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت

стр. 714

فقوّموني. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. خطبة «١» لعمر بن الخطاب ﵁ قال: ولما ولي عمر صعد المنبر وقال: ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلا لمجلس أبي بكر، ثم نزل عن مجلسه مرقاة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إقرءوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله. إنه لم يبلغ حقّ ذي حقّ أن يطاع في معصية الله. ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم: إن استغنيت عففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف تقرّم البهمة الأعرابية. القضم لا الخصم «٢» . خطبة «٣» لعثمان بن عفّان ﵁ قال: ولما ولي عثمان صعد المنبر فقال: رحمهما الله، لو جلسا هذا المجلس ما كان بذلك من بأس، فجلس على ذروة المنبر فرماه الناس بأبصارهم، فقال: إن أوّل مركب صعب، وإن مع اليوم أيّاما، وما كنّا خطباء، وإن نعش لكم تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله تعالى.

стр. 715

خطبة «١» لعليّ بن أبي طالب ﵁ خطب فقال: أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت «٢» بوداع، وإنّ الآخرة قد أقبلت فأشرفت باطّلاع، وإن المضمار «٣» اليوم وغدا السّباق. ألا وإنكم في أيام أمل «٤» من ورائه أجل، فمن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله. ألا فاعملوا لله في الرّغبة كما تعملون له في الرّهبة «٥» . ألا وإنّي لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها. ألا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل «٦» ، ومن لم يستقم به الهدى جار به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظّعن «٧» ، ودللتم على الزاد «٨» ؛ وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل. خطبة «٩» عليّ ﵇ بعد مقتل عثمان ﵁ أيها الناس، كتاب الله وسنّة نبيكم. لا يدّعي مدّع إلّا على نفسه. شغل

стр. 716

من الجنّة والنار أمامه «١» ساع «٢» نجا، وطالب يرجو، ومقصّر في النار: ثلاثة؛ واثنان: ملك طار بجناحيه، وبنيّ أخذ الله بيديه، لا سادس. هلك من اقتحم، وردي من هوى. اليمين والشّمال مضلّة، والوسطى الجادّة «٣» : منهج عليه باقي الكتاب وآثار النبوّة. إن الله أدّب هذه الأمّة بأدبين: السّوط والسيف؛ فلا هوادة فيهما عند الإمام. فاستتروا ببيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم؛ والتوبة من ورائكم. من أبدى صفحته للحق هلك «٤» . قد كانت أمور ملتم عليّ فيها ميلة لم تكونوا عندي محمودين ولا مصيبين. والله أن لو أشاء أن أقول لقلت. عفا الله عمّا سلف. أنظروا، فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فارووا. حقّ وباطل، ولكلّ أهل. والله لئن أمّر الباطل لقديما فعل؛ ولئن أمّر «٥» الحقّ لربّ ولعلّ. ما أدبر شيء فأقبل. خطبة «٦» أيضا لعليّ ﵁ خطب عليّ حين قتل عامله بالأنبار فقال في خطبته:

стр. 717

يا عجبا من جدّ هؤلاء في باطلهم وفشلكم عن حقّكم! فقبحا لكم وترحا «١» حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون. إن أمرتكم بالمسير إليهم في الحرّ قلتم: حمارّة «٢» القيظ، أمهلنا حتى ينسلخ الحرّ، وإن أمرتكم بالمسير إليهم في الشتاء قلتم: أمهلنا حتى ينسلخ الشتاء هذا أوان قرّ «٣» ؛ كلّ هذا فرارا من الحرّ والقرّ، فأنتم والله من السيف أفرّ، يا أشباه الرجال ولا رجال! أحلام الأطفال وعقول ربّات الحجال «٤» ؛ أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم! هل منهم أحد أشدّ لها مراسا «٥» وأطول تجربة منّي؟ لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين فهأنا الآن قد نيّفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.

стр. 718

خطبة «١» لمعاوية ﵀ بلغني عن شعيب بن صفوان قال: خطب معاوية فقال: أيها الناس، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعدّ فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوّا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عمّا جهلنا، ولا نتخوّف قارعة حتى تحلّ بنا. فالناس أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلال حدّه ونضيض وفره «٢» ؛ ومنهم المصلت لسيفه والمجلب بخيله ورجله والمعلن بشرّه، قد أشرط «٣» نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب «٤» يقوده أو منبر يفرعه «٥» ، ولبئس المتجران تراهما لنفسك ثمنا ومما عند الله عوضا. ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن «٦» من شخصه وقارب من خطوه، وشمّر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة «٧» في نفسه وانقطاع من سببه، فقصّر به الحال عن أمله، فتحلّى باسم القناعة وتزيّن بلباس الزّهّاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى. وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد

стр. 719

نادّ «١» ، وخائف منقمع «٢» ، وساكت مكعوم «٣» ، وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقيّة، وشملتهم الذّلّة، فهم في بحر أجاج «٤» ، أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملّوا، وقهروا حتى ذلّوا، وقتلوا حتى قلّوا. فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة «٥» الجلم، واتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم. خطبة «٦» ليزيد بن معاوية بعد موت معاوية خطب فقال: إن معاوية كان حبلا من حبال الله، مدّه ما شاء أن يمدّه، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه؛ وكان دون من قبله وهو خير ممن بعده، ولا أزكّيه عند ربه، وقد صار إليه فإن يعف عنه فبرحمته، وإن يعاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر بعده، ولست أعتذر من جهل ولا أشتغل بطلب علم. وعلى رسلكم «٧» ! إذا كره الله أمرا غيرّه.

стр. 720

خطبة لعتبة بن أبي سفيان أبو حاتم عن العتبيّ قال: إحتبست كتب معاوية حتى أرجف «١» أهل مصر بموته ثم ورد كتابه بسلامته، فصعد عتبة المنبر والكتاب في يده فقال: يا أهل مصر، قال طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرّماح وظبات السيوف حتى صرنا شجي في لهواتكم «٢» ما تسيغنا حلوقكم، وأقذاء في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم. فحين اشتدت عرى الحق عليكم عقدا، واسترخت عقد الباطل منكم حلّا، أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين السلطان، وخضتم الحقّ إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث! فاربحوا أنفسكم إذا خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السارّ عنه والعهد القريب منه. واعلموا أنّ سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم؛ فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن؛ وأظهروا خيرا وإن أسررتم شرّا؛ فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون. وعلى الله نتوكّل وبه نستعين. خطبة «٣» لعتبة أيضا وبهذا الإسناد أنّ عتبة خطب أهل مصر حين هاجوا فقال. يا أهل مصر، خفّ على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذمّ الباطل وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها ولم ينفعه علمها. وإني والله لا

стр. 721

أداوي أدواءكم بالسيف ما اكتفيت بالسّوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدّرّة «١» ، ولا أبطىء عن الأولى إن لم تصلحوا عن الأخرى، ناجزا يناجز، ومن حذّر كمن بشّر فدعوا قال ويقول من قبل أن يقال فعل ويفعل؛ فإن هذا اليوم ليس فيه عقاب، ولا بعده عتاب. خطبة «٢» لعبد الله بن الزّبير خطب عبد الله بن الزّبير حين قتل أخوه مصعب «٣» فقال: الحمد لله الذي يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء. إنه لن يذلّ من كان الحقّ معه وإن كان فردا، ولن يعزّ من كان أولياء الشيطان حزبه وإن كان معه الأنام. أتانا خبر من قبل العراق أجزعنا وأفرحنا: قتل مصعب ﵀. فأما الذي أحزننا من ذلك فإنّ لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة به ثم يرعوي بعدها ذوو الرأي إلى جميل الصبر وكريم العزاء. وأما الذي أفرحنا من ذلك فعلمنا أنّ قتله شهادة، وأن ذلك لنا وله الخيرة. ألا إن أهل العراق أهل الشقاق والنفاق باعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه به. إنا والله ما نموت حبجا «٤» ولا نموت إلا قتلا، قعصا «٥» بالرماح تحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان؛

стр. 722

والله إن قتل رجل منهم في جاهليّة ولا إسلام. ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يبيد ذكره ولا يذلّ سلطانه فإن تقبل عليّ لا آخذها أخذ البطر الأشر، وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر «١» . ثم نزل. خطبة زياد البتراء «٢» حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ عن أبي بكر بن أبي عاصم ببعضها، وحدّثني أبي عن الهيثم بن عديّ، قال: لما قدم زياد أميرا على البصرة فنظر إلى أبياتها، قال: ربّ فرح بإمارتي لن تنفعه، وكاره لها لن تضرّه؛ فدخل وعليه قباء أبيض ورداء صغير، فصعد المنبر، فخطب الناس خطبة بتراء: لم يصلّ فيها على النبيّ ﷺ ، وكان أوّل من خطبها، ثم قال: أما بعد، فقد قال معاوية ما قد علمتم، وشهدت الشهود بما قد سمعتم، وإنما كنت امرأ حفظ الله منه ما ضيّع الناس، ووصل ما قطعوا. ألا وإنّا قد ولينا وولينا الوالون، وسسنا وساسنا السائسون، وإنا وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدّة في غير عنف، ولين في غير ضعف. وايم «٣» الله ما من كذبة أكبر شاهدا من كذبة إمام على منبر؛ فإذا سمعتموها منّي فاغتمزوها فيّ، واعلموا أنّ عندي أمثالها، وإذا رأيتموني آمر فيكم بالأمر فأنفذوه على أذلاله «٤» . وايم الله إنّ لي

стр. 723

فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كلّ امرىء منكم أن يكون من صرعاي. وايم الله لآخذنّ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، حتى تستقيم لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج سعد، فقد قتل سعيد «١» . فقام إليه عبد الله بن الأهتم التميميّ، فقال: أيها الأمير، أشهد أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب؛ فقال له: كذبت، ذاك نبيّ الله داود. ثم قام إليه الأحنف، فقال: إنما المرء بجدّه، والسيف بحدّه، والجواد بشدّه؛ وقد بلّغك جدّك أيها الأمير ما ترى؛ وإنما الحمد بعد البلاء، والثناء بعد العطاء، وإنا لا نثني حتى نبتلي. ثم قام إليه مرداس بن أديّة، فقال: قد سمعنا مقالتك أيّها الأمير، وإنّ خليل الله إبراهيم ﵇ أدّى عن الله غير الذي أدّيته، قال الله تعالى: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٢» ؛ وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر؛ فقال له: أسكت، فوالله ما أجد إلى ما أريد سبيلا، إلا أن أخوض إليه الباطل خوضا. ثم نزل. وقال في خطبة له أخرى «٣» : حرام عليّ الطعام والشراب حتى أسوّيها بالأرض هدما وإحراقا. إيّاي

стр. 724

ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وإيّاي ودعوى الجاهليّة، فإني لا أجد أحدا دعا بها إلّا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا، وأحدثنا لكل ذنب عقوبة؛ فمن غرّق قوما غرّقته، ومن أحرق قوما أحرقته، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيّا؛ فكفّوا أيديكم وألسنتكم أكفّ عنكم. وقد كانت بيني وبين أقوام منكم أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد، ومن كان مسيئا فلينزع. إنّي لو علمت أنّ أحدكم قد قتله السّلّ من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره؛ فأعينوا على أنفسكم واتنفوا أمركم. خطبة «١» للحجاج حين دخل البصرة دخل وهو متقلّد سيفا متنكّب قوسا عربية، فعلا المنبر فقال: [وافر] أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني «٢» إنّ أمير المؤمنين نكب «٣» عيدانه بين يديه، فوجدني أمرّها عودا وأصلبها

стр. 725

مكسرا، فوجّهني إليكم. ألا فوالله لأعصبنّكم «١» عصب السّلمة، ولألحونّكم «٢» لحو العود ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل «٣» ، حتى تستقيم لي قناتكم، وحتى يقول القائل: انج، سعد، فقد قتل سعيد «٤» . ألا وإياي وهذه الشّفعاء «٥» والزّرافات، فإنّي أوتى بأحد من الجالسين في زرافة إلا ضربت عنقه. هكذا حدّثنيه أحمد بن سعيد عن أبي عبيد في كتاب غريب الحديث. وقال لي غيره: هو إيّاي وهذه الشّفعاء والزّرافات. وقد فسّرت الحديث في كتابي المؤلّف في غريب الحديث. خطبة «٦» للحجاج أيضا أرجف الناس بموت الحجّاج، فخطب فقال: إنّ طائفة من أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، نزغ الشيطان بينهم، فقالوا: مات الحجاج ومات الحجاج! فمه! وهل يرجو الحجّاج الخير إلا بعد الموت! والله ما يسرّني ألّا أموت وأنّ لي الدنيا وما فيها! وما رأيت الله رضي بالتخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس. ولقد دعا الله العبد الصالح فقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي «٧» ، فأعطاه ذلك إلا البقاء.

стр. 726

فما عسى أن يكون أيها الرجل! وكلكم ذلك الرجل!. كأنّي والله بكلّ حيّ منكم ميّتا، وبكل رطب يابسا، ونقل في ثياب أكفانه إلى ثلاث أذرع طولا في ذراع عرضا، وأكلت الأرض لحمه ومصّت صديده، وانصرف الحبيب من ولده يقسم الخبيث من ماله؛ إن الذين يعقلون يعلمون ما أقول، ثم نزل. خطبة «١» أخرى للحجاج حين أراد الحج خطب فقال: أيها الناس إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني هذا «٢» ، وأوصيته بخلاف ما أوصى به رسول الله ﷺ في الأنصار؛ إن رسول الله أوصى أن يقبل من محسنهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم؛ وإني أمرته ألّا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة لا يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي، ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصّحابة! ألا وإنيّ معجّل لكم الجواب: لا أحسن الله لكم الخلافة، ثم نزل. خطبة «٣» للحجاج أيضا خطب فقال في خطبته: سوطي سيفي، فنجاده «٤» في عنقي، وقائمه في يدي، وذبابه قلادة لمن اغترّ بي! فقال الحسن: بؤسا لهذا! ما أغرّه بالله!. وحلف رجل بالطلاق أنّ الحجاج في النار، ثم أتى امرأته فمنعته نفسها؛ فأتى ابن سيرين «٥» يستفتيه؛ فقال: يا ابن أخي، امض فكن مع أهلك، فإنّ

стр. 727

الحجّاج إن لم يكن في النار لم يضرّك أن تزني. خطبة «١» لعمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: حدّثني أبو سهل عن إسحاق بن سليمان عن شعيب بن صفوان عن رجل من آل سعيد بن العاص، قال: كان آخر «٢» خطبة خطب بها عمر بن عبد العزيز ﵀ أن حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإنّ لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله وحرم جنّة عرضها السموات والأرض. ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم وخاف، وباع نافدا بباق، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان؟ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وستكون من بعدكم للباقين كذلك، حتى تردّ إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيّعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه، حتى تغيبّوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير موسّد ولا ممهّد، قد فارق الأحباب وباشر التراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، غنيّ عما ترك فقير إلى ما قدّم. فاتّقوا الله قبل انقضاء مواقيته ونزول الموت بكم! أما إني أقول هذا وما أعلم أنّ عند أحد من الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه. ثم رفع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله. خطبة لخالد بن عبد الله يوم عيد خطب فذكر الله وجلاله ثم قال: كنت كذلك ما شئت أن تكون، لا يعلم

стр. 728

كيف أنت إلا أنت، ثم ارتأيت أن تخلق الخلق، فماذا جئت به من عجائب صنعك، والكبير والصغير من خلقك، والظاهر والباطن من ذرّك: من صنوف أفواجه وأفراده وأزواجه؟ كيف أدمجت قوائم الذّرّة والبعوضة إلى ما هو أعظم من ذلك من الأشباح التي امتزجت بالأرواح؟. وخطب «١» يوما فسقطت جرادة على ثوبه فقال: سبحان من الجرادة من خلقه، أدمج قوائمها، وطوّقها «٢» جناحها، ووشّى جلدها، وسلّطها على ما هو أعظم منها. خطبة للحجاج خطب فقال: أيها الناس، احفظوا فروجكم، وخذوا الأنفس بضميرها، فإنها أسوك «٣» شيء إذا أعطيت، وأعصى شيء إذا سئلت. وإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. خطبة «٤» سليمان بن عبد الملك خطب فقال: إنّ الدار دار غرور ومنزل باطل، تضحك باكيا وتبكي ضاحكا، وتخيف آمنا وتؤمّن خائفا، وتفقر مثريا وتثري مقترا، ميّالة غرّارة لعّابة بأهلها. عباد الله، اتّخذوا كتاب الله إماما، وارتضوا به حكما، واجعلوه لكم قائدا، فإنه ناسخ لما كان قبله ولم ينسخه كتاب بعده. اعلموا، عباد الله، أنّ هذا القرآن يجلو كيد الشيطان كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفّس ظلام الليل إذا عسعس «٥» .

стр. 729

خطبة «١» يزيد بن الوليد بعد قتله الوليد حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، والله ما خرجت أشرا ولا بطرا «٢» ولا حرصا على الدنيا ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها إن لم يرحمني الله، ولكن خرجت غضبا لله ودينه، داعيا إلى الله وإلى سنّة نبيّه، لمّا هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور أهل التقوى، وظهر الجبّار «٣» العنيد، المستحلّ لكل حرمة، والراكب لكل بدعة، الكافر بيوم الحساب، وإنه لابن عمّي في النّسب وكفيئي «٤» في الحسب؛ فلمّا رأيت ذلك استخرت الله في أمره وسألته ألّا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى أراح الله منه العباد، وطهرّ منه البلاد، بحوله وقوّته لا بحولي وقوّتي. أيها الناس، إنّ لكم عليّ ألّا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري «٥» نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجا ولا ولدا، ولا أنقله من بلد إلى بلد حتى أسدّ فقر ذلك البلد وخصاصة «٦» أهله، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه. ولا أجمّركم «٧» في بعوثكم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكّم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن

стр. 730

بلادهم وأقطع به نسلهم. ولكم عليّ إدرار العطاء في كل سنة والرزق في كل شهر، حتى يستوي بكم الحال فيكون أفضلكم كأدناكم. فإن أنا وفيت لكم فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة والمكانفة «١» ، وإن لم أف لكم فلكم أن تخلعوني إلا أن تستتيبوني، فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدا يقوم مقامي ممن يعرف بالصّلاح يعطيكم من نفسه مثل الذي أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه، فأنا أوّل من بايعه ودخل في طاعته. أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. فلما بويع مروان نبشه وصلبه. وكانوا يقرؤون في الكتب: يا مبذّر الكنوز ويا سجّادا بالأسحار، كانت ولايتك لهم رحمة وعليهم حجّة، أخذوك فصلبوك. خطبة «٢» أبي حمزة الخارجيّ خطب أبو حمزة الخارجيّ بمكة فذكر رسول الله ﷺ ، ثم أبا بكر وعمر ﵄ بما هم أهله، ثم قال: وولي عثمان فسار ستّ سنين بسيرة صاحبيه وكان دونهما، ثم سار في الستّ الأواخر بما أحبط به الأوائل، ثم مضى لسبيله. وولي عليّ فلم يبلغ من الحقّ قصدا ولم يرفع له منارا، ثم مضى لسبيله، ثم ولي معاوية لعين رسول الله وابن لعينه، اتّخذ عباد الله خولا «٣» ، ومال الله دولا، ودينه دغلا، ثم مضى لسبيله، فالعنوه لعنه الله. ثم ولي يزيد بن معاوية، يزيد الخمور، ويزيد القرود، ويزيد الفهود، الفاسق في بطنه والمأبون

стр. 731

في فرجه. ثم اقتصّهم خليفة خليفة. فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عن ذكره. ثم ذكر يزيد بن عبد الملك فقال: يأكل الحرام، ويلبس الحلّة بألف دينار، قد ضربت فيها الأبشار، وهتكت الأستار، حبابة عن يمينه وسلامة «١» عن يساره تغنّيانه، حتى إذا أخذ الشراب فيه كلّ مأخذ قدّ ثوبه ثم التفت إلى إحداهما فقال: ألا أطير؟ نعم! طر إلى النار. ثم ذكر أصحابه فقال: شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر «٢» ، ينظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وجباههم، واستقلّوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السّهام قد فوّقت «٣» ، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، مضى الشابّ منهم قدما، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضّبت محاسن وجهه بالدماء، فأسرعت إليه سباع الأرض وانحطّت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبها في جوف الليل من خوف الله! وكم من كفّ زايلت معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله! ثم قال: أوّه أوّه «٤» وبكى ثم نزل. خطبة «٥» لقطريّ الخارجيّ ذكر فيها الذين قالوا: من أشدّ منّا قوّة، فقال: حملوا إلى قبورهم فلا

стр. 732

يدعون ركبانا، وأنزلوا «١» فلا يدعون ضيفانا، وجعلوا لهم من الضّريح أجنانا «٢» ، ومن التراب أكفانا، ومن الرّفات جيرانا؛ فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما، إن أخصبوا لم يفرحوا، أو أقحطوا لم يقنطوا؛ جميع أوحاد، وجيرة أبعاد، لا يزورون ولا يزارون «٣» . فاحذروا ما حذّركم الله، وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بحبله. وفي خطبة «٤» ليوسف بن عمر : اتقوا الله عباد الله! فكم من مؤمّل أملا لا يبلغه، وجامع مالا لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، أصابه حراما ورّثه عدوّا، إحتمل إصره «٥» وباء بوزره، وورد على ربّه آسفا لاهفا، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وفي خطبة «٦» للحجاج : قال مالك بن دينار: سمعته على المنبر يقول: امرأ «٧» زوّر عمله، امرأ حاسب نفسه، امرأ فكّر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه، وامرأ كان عند

стр. 733

هواه زاجرا، وعند همّه آمرا، أخذ بعنان قلبه كما يأخذ بخطام «١» جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفّه. خطبة للمنصور «٢» خطب المنصور بمكة فقال: أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده وتبصيره، وخازنه على فيئه أعمل فيه بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، قد جعلني عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني عليها أقفلني. فارغبوا إلى الله واسألوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه، إذ يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٣» أن يوفّقني للصّواب والرشاد، ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم. خطبة لداود بن عليّ خطب فقال: أحرز لسان رأسه، اتّعظ امرؤ بغيره، اعتبر عاقل قبل أن يعتبر به، فأمسك الفضل من قوله وقدّم الفضل من عمله: ثم أخذ بقائم سيفه فقال: إنّ بكم داء هذا دواؤه، وأنا زعيم لكم بشفائه، وما بعد الوعيد إلّا الإيقاع.

стр. 734

خطبة لداود بن عليّ أيضا لما قام أبو العبّاس في أوّل خلافته على المنبر قام بوجه كورقة المصحف فاستحيا فلم يتكلّم؛ فنهض داود بن عليّ حتّى صعد المنبر، فقال المنصور: فقلت في شيخنا وكبيرنا ويدعو إلى نفسه فلا يختلف عليه اثنان، فانتضيت سيفي وغطّيت ثوبي وقلت: إن فعل ناجزته؛ فلما رقي عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس، ثم قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فعله، ولأثر الفعال عليكم أجدى من تشقيق «١» المقال، وحسبكم بكتاب الله ممتثلا فيكم، وابن عمّ رسول الله خليفة عليكم. والله قسما برّا لا أريد إلّا الله به ما قام هذا المقام أحد بعد رسول الله أحقّ به من عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا، فليظنّ ظانّكم وليهمس هامسكم. قال أبو جعفر: ثم نزل وشمت «٢» سيفي. خطبة «٣» لأعرابيّ أمّا بعد، فإن الدنيا دار بلاء والآخرة دار بقاء، فخذوا أيها الناس لمقرّكم من ممرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، ففي الدنيا أحييتم ولغيرها خلقتم. أقول قولي هذا. والمستغفر الله، والمدعوّ له الخليفة ثم الأمير جعفر بن سليمان.

стр. 735

خطبة «١» المأمون يوم الجمعة الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبه على خلقه، أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده، والتنجّز لوعده، والخوف لوعيده؛ فإنه لا يسلم إلا من اتّقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه. فاتّقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم، وترحّلوا «٢» فقد جدّ بكم «٣» ، واستعدّوا للموت فقد أظلّكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا، وعلموا أنّ الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا؛ فإنّ الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى؛ ما بين أحدكم وبين الجنّة والنار إلا الموت أن ينزل به. وإنّ غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة الواحدة لجديرة بقصر المدّة، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحريّ «٤» بسرعة الأوبة، وإنّ قادما يحلّ بالفوز أو بالشّقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فاتّقى عبد ربّه، ونصح نفسه، وقدّم توبته، وغلب شهوته، فإنّ أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكّل به: يزيّن له المعصية ليركبها، ويمنّيه التوبة ليسوّفها، حتى تهجم عليه منيّته أغفل ما يكون عنها. فيا لها حسرة على ذي غفلة: أن يكون عمره عليه حجّة، أو تؤدّيه أيامه «٥» إلى شقوة! نسأل الله أن

стр. 736

يجعلنا وإيّاكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعته غفله، ولا تحلّ به بعد الموت فزعة؛ إنه سميع الدعاء، وبيده الخير، وإنه فعّال لما يريد. وفي خطبة «١» المأمون يوم الأضحى بعد التكبير الأوّل: إنّ يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظّم حرمته، ووفّق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله، وفدى فيه من الذّبح نبيّه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومتقدّم الأيام المعدودات من النّفر «٢» ؛ يوم حرام من أيّام عظام، في شهر حرام، يوم الحجّ الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن بتعظيمه، قال الله جلّ وعزّ: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ «٣» الآيات؛ فتقرّبوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظّموا شعائر الله واجعلوها من طيّب أموالكم وبصحّة التقوى من قلوبكم، فإنه يقول: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ «٤» ، ثم التكبير والتحميد والصلاة على النبيّ والوصية بالتقوى، ثم قال بعد ذكر الجنة والنار: عظم قدر الدارين وارتفع جزاء العملين «٥» وطالت مدّة الفريقين. الله الله! فوالله إنّه الجدّ لا اللّعب، وإنه الحقّ لا الكذب، وما هو إلا الموت والبعث والميزان والحساب والقصاص والصّراط ثم العقاب والثّواب، فمن نجا يومئذ فقد فاز،

стр. 737

ومن هوى يومئذ فقد خاب. الخير كلّه في الجنّة، والشرّ كله في النار. وفي خطبة «١» المأمون يوم الفطر بعد التكبير الأوّل: إنّ يومكم هذا يوم عيد وسنّة وابتهال ورغبة، يوم ختم الله به صيام شهر رمضان وافتتح به حجّ بيته الحرام، فجعله خاتمة الشهر وأوّل أيام شهور الحجّ، وجعله معقّبا لمفروض صيامكم ومتنفّل قيامكم، أحلّ فيه الطعام لكم وحرّم فيه الصيام عليكم؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم واستغفروه لتفريطكم، فإنه يقال، لا كبير مع استغفار، ولا صغير مع إصرار. ثم التكبير والتحميد وذكر النبيّ ﵇ والوصيّة بالتقوى. ثم قال: فاتقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، لم يحتضر «٢» الشكّ فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب عليكم، فإنه لا تستقل بعده عثرة، ولا تحظر قبله توبة. واعملوا أنه لا شيء قبله إلا دونه ولا شيء بعده إلا فوقه. ولا يعين على جزعه وعلزه «٣» وكربه، ولا يعين على القبر وظلمته وضيقه ووحشته وهول مطلعه ومسألة ملائكته، إلا العمل الصالح الذي أمر الله به. فمن زلّت عند الموت قدمه، فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقالته، ودعا من الرّجعة إلى ما لا يجاب إليه، وبذل من الفدية ما لا يقبل منه. فالله الله عباد الله! وكونوا قوما سألوا الرّجعة فأعطوها إذ منعها الذين حذّركم الله، واتّقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم. فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به، وما يملّ «٤» في صحيفته الحافظة لما عليه وله؛

стр. 738

فقد حكى الله لكم ما قال المفرّطون عندها إذ طال إعراضهم عنها، قال: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ «١» الآية. وقال: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ «٢» . ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها، فإنه كلّ ما لها ينهى عنها، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها. وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذمّ كتاب الله لها ونهي الله عنها، فإنه يقول: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ «٣» وقال: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ «٤» الآية. فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها، واعلموا أنّ قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله فحذروا مصارعها، وجانبوا خدائعها، وآثروا طاعة الله فيها، فأدركوا الجنّة بما تركوا منها. كلام من أرتجّ عليه حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: حدّثنا عيسى بن عمر قال: خطب أمير مرّة فانقطع فخجل، فبعث إلى قوم من القبائل عابوا ذلك ولفّهم «٥» وفيهم يربوعيّ جلد، فقال: اخطبوا؛ فقام واحد فمرّ في الخطبة، حتى إذا بلغ أما بعد قال: أما بعد أما بعد، ولم يدر ما يقول، ثم قال: فإنّ امرأتي طالق ثلاثا، لم أرد أن أجمع اليوم فمنعتني. وخطب آخر، فلما بلغ أما بعد بقي ونظر فإذا

стр. 739

إنسان ينظر إليه، فقال: لعنك الله! ترى ما أنا فيه وتلمحني ببصرك أيضا!. قال: وقال أحدهم: رأيت القراقير «١» من السّفن تجري بيني وبين الناس. قال: وصعد اليربوعيّ فخطب فقال: أمّا بعد، فوالله ما أدري ما أقول ولا فيم أقمتموني، أقول ماذا؟ فقال بعضهم: قل في الزيت؛ فقال: الزيت مبارك، فكلوا منه وادّهنوا. قال: فهو قول الشّطّار «٢» اليوم إذا قيل: لم فعلت ذا، فقل في شأن الزيت وفي حال الزيت. ولما أتى يزيد بن أبي سفيان الشام واليا لأبي بكر ﵁، خطب فأرتج «٣» عليه، فعاد إلى الحمد لله فأرتج عليه، فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج عليه، فقال: يا أهل الشّام، عسى الله أن يجعل من بعد عسر يسرا، ومن بعد عيّ بيانا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل. ثم نزل. فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه. صعد ثابت قطنة «٤» منبرا بسجستان فحمد الله ثم أرتج عليه، فنزل وهو يقول: [طويل] فإلّا أكن فيكم خطيبا فإنّني ... بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب فقيل له: لو قلتها على المنبر كنت أخطب الناس. وارتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فمكث ساعة ثم

стр. 740

قال: والله ولا أجمع عليكم عيّا ولؤما، من أخذ شاة من السّوق فهي له وثمنها عليّ. وارتج على خالد بن عبد الله القسريّ فقال: إنّ هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب «١» أحيانا، وربما طلب فأبى وكوبر فعسا «٢» ، فالتّأنّي لمجيّه، أيسر من التّعاطي لأبّيه؛ وقد يختلط من الجريء جنانه «٣» ، وينقطع من الذّرب «٤» لسانه، فلا يبطره ذلك ولا يكسره؛ وسأعود إن شاء الله. وارتج على معن بن زائدة فضرب المنبر برجله ثم قال: فتى حروب لا فتى منابر. وكان عبد ربّه اليشكريّ عاملا لعيس بن موسى على المدائن، فصعد المنبر فحمد الله وارتج عليه فسكت، ثم قال: والله إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمة، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدري، ولقد كنت وما في الأيّام يوم أحبّ إليّ من يوم الجمعة، فصرت وما في الأيام يوم أبغض إليّ من يوم الجمعة، وما ذلك إلّا لخطبتكم هذه. صعد روح بن حاتم المنبر، فلما رأى جمع الناس حصر «٥» ، فقال: نكّسوا
следующие страницы →