Полный текст (1 325 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
[من مجزوء الخفيف]
قل لمن يملك الملو ... ك وإن كان قد ملك
قد شربناك فاشربي ... وبعثنا إليك بك
أهدى رجل إلى عبيد بن الأخطل شاة مهزولة «١» ، فكتب إليه عبيد:
[من المتقارب]
وهبت لنا يا أخا منقر ... وعجل وأكرمها أوّلا «٢»
عجوزا أضرّ بها دهرها ... وأنزلها الذّلّ دار البلى
سلوحا حسبت بأن الرّعاء ... سقوها الغريقون والحنظلا «٣»
وأجدب من ثور زرّاعة ... أصاب على جوعه سنبلا «٤»
وأزهد من جيفة لم تدع ... لها الشمس من مفصل مفصلا
فأهوت يميني إلى جنبها ... فخلت حراقيقها جندلا «٥»
وأهوت يساري لعرقوبها ... فخلت عراقيبها مغزلا «٦»
فقلت أبيع فلا مشربا ... تؤدّى إليّ ولا مأكلا
أم اجعل من جلدها حنبلا ... فأقذر بحنبلها حنبلا «٧»
إذا هي مرّت على مجلس ... من العجب كبّر أو هلّلا
رأوا آية خلفها سائق ... يحثّ وإن هرولت هرولا
стр. 912
فكنت أمرت بها ضخمة ... بشحم ولحم قد استكملا
ولكنّ روحا عدا طوره ... وما كنت أحسب أن يفعلا «١»
فعضّ الذي خانني حاجتي ... بإست امّه بظرها الا غرلا «٢»
فلولا مكانك خضّبتها ... وعلّقت في جيدها جلجلا «٣»
فجاءت لكيما ترى حالها ... فتعلم أنّي بها مبتلى
سألتك لحما لصبياننا ... فقد زدتني فيهم عيّلا «٤»
فخذها وأنت بها محسن ... وما زلت بي محسنا مجملا
وبعث رجل إلى دعبل بأضحيّة «٥» ، فكتب إليه: [متقارب]
بعثت إليّ بأضحيّة ... وكنت حريّا بأن تفعلا
ولكنّها خرجت غثّة ... كأنك أرعيتها حرملا «٦»
فإن قبل الله قربانها ... فسبحان ربّك ما أعدلا
قيل لرجل قدم من مكة: كيف أثمان النّعال بمكة؟ قال: أثمان الجداء «٧» بالعراق.
وقال مسلم بن الوليد: [طويل]
جزى الله من أهدى التّرنج تحية ... ومنّ بما يهوى عليه وعجّلا «٨»
стр. 913
أتتنا هدايا منه أشبهن ريحه ... وأشبه في الحسن الغزال المكحّلا
ولو أنّه أهدى إليّ وصاله ... لكان إلى قلبي ألذّ وأوصلا
وكتب رجل إلى صديق له شرب دواء: [وافر]
تأنّق في الهديّة كلّ قوم ... إليك غداة شربك للدواء
فلمّا أن هممت به مدلا ... لموضع حرمتي بك والإخاء
رأيت كثير ما أهدي قليلا ... لعبدك فاقتصرت على الدّعاء
وكتب رجل إلى صديق له: وجدت المودّة منقطعة ما كانت الحشمة عليها متسلّطة، وليس يزيل سلطان الحشمة إلا المؤانسة، ولا تقع المؤانسة إلا بالبرّ والملاطفة.
العيادة
قال حدّثنا يزيد بن عمرو قال حدّثنا يزيد بن هارون قال حدّثنا شريك عن أبي نصير عن أنس بن مالك، قال: عاد رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار من رمد كان بعينه. ومن حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ : «ثلاثة لا يعادون صاحب الدّمّل والرمد والضرس» .
وحدّثني القاسم بن الحسن عن ابن الأصبهانيّ عن إسماعيل بن عيّاش عن أرطأة بن المنذر: أن أبا الدرداء عاد جارا له نصرانيا.
قال الشّعبيّ «١» : عيادة النّوكى «٢» أشدّ على المريض من وجعه.
стр. 914
وعن شيبان عن أبي هديّة عن أبي هلال قال: قال بكر بن عبد الله لقوم عادوه فأطالوا عنده: المريض يعاد، والصحيح يزار.
عاد قوم عليلا فأطالوا عنده، فقال لهم: إن كان لكم في الدار حقّ فخذوه وانصرفوا.
عاد رجل رقبة، فنعى رجالا اعتلّوا مثل علّته، فقال له رقبة: إذا دخلت على مريض فلا تنع إليه الموتى، وإذا خرجت من عندنا فلا تعد إلينا.
عاد أعرابيّ أعرابيّا فقال: بأبي أنت! بلغني أنك مريض، فضاق والله عليّ الأمر العريض، وأردت إتيانك فلم يكن بي نهوض؛ فلما حملتني رجلان، وليستا تحملان؛ أتيتك بجرزة «١» شيح ما مسّها عرنين قطّ «٢» ، فاشممها واذكر نجدا، فهو الشفاء بإذن الله.
قال كثيّر: [متقارب]
ألا تلك عزّة قد أقبلت ... تقلّب للبين طرفا غضيضا «٣»
تقول مرضت وما عدتنا ... فقلت لها لا أطيق النهوضا
كلانا مريضان في بلدة ... وكيف يعود مريض مريضا «٤»
وقال آخر «٥» : [بسيط]
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
стр. 915
وقال بشّار: [سريع]
لو كانت الفدية مقبولة ... لقلت بي لا بك حمّاكا «١»
وكتب آخر إلى عليل: [بسيط]
نبّئت أنّك معتلّ فقلت لهم ... نفسي الفداء له من كلّ محذور
يا ليت علّته بي غير أنّ له ... أجر العليل وأني غير مأجور
وكتب آخر إلى عليل: [طويل]
أقول بحقّ واجب لك لازم ... وإخلاص شكر لا يغيّره الدهر
بي السوء والمكروه لا بك كلّما ... أراداك كانا بي وكان لك الأجر
وقال آخر في مثله: [طويل]
فإن تك حمّى الغبّ شفّك وردها ... فعقباك منها أن يطول لك العمر «٢»
وقيناك! لو نعطى المنى فيك والهوى ... لكان بي الشكوى وكان لك الأجر
وفي الحديث المرفوع «حصّنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلايا بالدعاء» . وفي آخر أنه ﷺ قال يوما لأصحابه: «من أصبح منكم صائما؟ قال عمر: أنا، قال: فمن شيّع جنازة؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن عاد مريضا؟ قال عمر: أنا؛ قال: فمن فيكم تصدّق بصدقة؟ قال عمر: أنا؛ فقال ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» . وفي حديث آخر: أنه ﷺ قال:
إتمام عيادتكم المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على رأسه، أو يده، «في يده ويسأله كيف هو، وتمام تحياتكم المصافحة» .
стр. 916
وقال الشاعر: [طويل]
إن كنت في ترك العيادة تاركا ... حظّي فإني في الدّعاء لجاهد
فلربما ترك العيادة مشفق ... وأتى على غلّ الضمير الحاسد «١»
أبو حاتم قال حدّثنا العتبيّ عن أبيه قال: كان يقال: إذا اشتكى الرجل ثم عوفي ولم يحدث خيرا ولم يكفّ عن سوء، لقيت الملائكة بعضها بعضا وقالت: إن فلانا داويناه فلم ينفعه الدواء.
وقال أبو حاتم «٢» حدّثنا القحذميّ قال: أطلع «٣» معاوية في بئر بالأبواء «٤» فأصابته لقوة «٥» ، فاعتمّ بعمامة سوداء وسدلها على الشقّ الذي أصيب فيه، ثم أذن للناس فقال: أيّها الناس؛ إنّ ابن آدم بعرض بلاء: إمّا معاتب ليعتب، وإمّا معاقب بذنب، أو مبتلى ليؤجر، فإن عوتبت فقد عوتب الصالحون قبلي، وإنّي لأرجو أن أكون منهم؛ وإن عوقبت فقد عوقب الخطّاءون قبلي، وما آمن أن أكون منهم؛ وإن مرض عضو منّي فما أحصي صحيحي ولما عوفيت أكثر، ولو أن أمري إلى ما كان لي على ربّي أكثر مما أعطاني. وإنّي وإن كنت عاتبا على خاصّ منكم فإنّي حدب «٦» على جماعتكم، أحبّ صلاحكم. وقد أصبت بما ترون، فرحم الله امرأ دعا لي بعافية! فرفعوا أصواتهم بالبكاء والدعاء.
стр. 917
مرض أبو عمرو بن العلاء «١» مرضة، فأتاه أصحابه وأبطأ عنده رجل منهم؛ فقال: ما يبطىء بك؟ قال: أريد أن أساهرك؛ قال: أنت معافى وأنا مبتلى، فالعافية لا تدعك تسهر والمرض لا يدعني أنام، فاسأل الله أن يسوق إلى أهل العافية الشكر، وإلى أهل البلاء الصبر والأجر.
حدّثني عبد الرحمن عن الأصمعيّ قال: اشتكى رجل من الأعراب، فجعل الناس يدخلون عليه فيقولون: كيف أصبحت وكيف كنت؟ فلما أكثروا عليه قال: كما قلت لصاحبك.
قال: وقع رجل من أهل المدينة فوثئت «٢» رجلاه، فجعل الناس يدخلون عليه ويسألونه، فلما أكثروا عليه وأضجر كتب قصّته في رقعة، فكان إذا دخل عليه عائد وسأله دفع إليه الرقعة.
الهيثم بن عديّ قال: كان رجل من أهل السّواد محدودا «٣» لا يقصد في شيء إلا انصرف عنه، فغاب مرّة فأطال، فلما قدم أتاه الناس فجعلوا يسألونه عن حاله وما كان فيه، وكان فيه برم «٤» ، فأخذ رقعة فكتب فيها: [متقارب]
وما زلت أقطع عرض الفلاة ... من المشرقين إلى المغربين
وأطوي الفيافي أرضا فأرضا ... وأستمطر الجدي والفرقدين «٥»
وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفّي حنين «٦»
стр. 918
فقيرا وقيرا أخا عسرة ... بعدا من الخير صفر اليدين «١»
كئيب الصّديق بهيج العدوّ ... طويل الشّقا زاني الوالدين
وطرحها في مجلسه، فكلّ من سأله عن حاله دفع إليه الرقعة.
قال حدّثنا عبد الرحمن عن عمه أن نبطيّا «٢» وقع من موضع عال، فدخلوا يسألونه، كيف وقعت؟ فلما أكثروا عليه أخذ جرّة وألقاها من يده وقال: هكذا وقعت.
أبو الخطاب قال: كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته فصار آدر «٣» ، فدخلوا يسألونه ويهنئونه بذهاب حدبته، فجعل يقول: الذي جاء شرّ من الذي ذهب.
المدائنيّ قال: سقط ابن شبرمة القاضي عن دابّته فوثئت رجله، فدخل يحيى بن نوفل الحميريّ عليه فقال: [متقارب]
أقول غداة أتاني الخبير ... فدسّ أحاديثه الهينمه «٤»
لك الويل من مخبر ما تقول؟ ... أبن لي وعدّ عن الجمجمه «٥»
فقال خرجت وقاضي القضا ... ة مثقلة رجله مؤلمه
فقلت وضاقت عليّ البلاد ... وخفت المجلّلة المعظمه
فغزوان حرّ وأمّ الوليد ... إن الله عافى أبا شبرمه
جزاء لمعروفه عندنا ... وما عتق عبد له أو أمه؟
стр. 919
قال: وفي المجلس جار ليحيى بن نوفل يعرف منزله، فلما خرج تبعه وقال: يا أبا معمر، من غزوان وأم الوليد؟ فضحك وقال: أو ما تعرفهما؟ هما سنّوران في البيت.
قال حدّثنا الرّياشيّ عن أبي زيد قال دخلنا على أبي الدّقيش وهو شاك «١» ، فقلنا له: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد، ولقد أصبحت في شرّ زمان وشرّ أناس: من جاد لم يجد ومن وجد لم يجد.
قيل: لعمرو بن العاص وقد مرض مرة: كيف تجدك؟ قال أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي «٢» أكثر من رزئي «٣» ، فما بقاء الشيخ على هذا!.
سئل عليل عن حاله فقال: أنا مبلّ «٤» غير مستقلّ، ومتماثل غير متحامل.
وقيل لآخر: كيف تجدك؟ قال أجدني لم أرض حياتي لموتي.
وقيل لرجل من العجم: ما حالكم؟ قال: ما حال من يريد سفرا طويلا بلا زاد! وينزل منزلا موحشا بلا أنيس! ويقدم على جبّار قد قدّم العذر بلا حجّة!.
قيل لعكرمة: كيف حالك؟ قال: بشرّ، أصبحت أجرب مبسورا «٥» .
حدّثني أبو حاتم عن الأصمعيّ قال: قيل لشيخ من العبّاد: كيف أنت، وكيف أحوالك؟ فقال: ما كلّها كما أشتهي.
стр. 920
قيل لآخر: ما تشتكي؟ قال: تمام العدّة وانقضاء المدّة.
وبلغني عن معاوية بن قرّة قال: مرض أبو الدّرداء، فعاده صديق له فقال: أيّ شيء تشتكي؟ قال: ذنوبي؛ قال: فأيّ شيء تشتهي؟ قال: الجنّة؛ قال: فندعو لك بالطبيب؟ قال: هو أمرضني.
سئل رجل عن حاله فقال: [رجز]
كنّا إذا نحن أردنا لم نجد ... حتى إذا نحن وجدنا لم نرد
أرجف «١» الناس بعلّة معاوية وضعفه، فدخل عليه مصقلة بن هبيرة، فأخذ معاوية بيده ثم قال يا مصقل: [مجزوء الكامل المرفّل]
أبقى الحوادث من خلي ... لك مثل جندلة المراجم «٢»
قد رامني الأقوام قب ... لك فامتنعت من المظالم
فقال مصقلة: أمّا قول أمير المؤمنين: «أبقى الحوادث من خليللك» ، فقد أبقى الله منك جبلا راسيا وكلا مرعيا لصديقك وسمّا ناقعا لعدوّك. وأمّا قولك: «قد رامني الأقوام قبلك» ، فمن ذا يرومك أو يظلم! فقد كان الناس مشركين فكان أبو سفيان سيّدهم، وأصبح الناس مسلمين وأصبحت أميرهم؛ فأعطاه معاوية فخرج؛ فسئل عنه فقال: والله لغمزني غمزة «٣» كاد يكسر منها يدي وأنتم تزعمونه مريضا.
وقال المدائنيّ: دخل كثيّر عزّة على عبد الملك بن مروان، فقال: يا أمير المؤمنين، لولا أنّ سرورك لا يتمّ بأن تسلم وأسقم لدعوت الله أن يصرف
стр. 921
ما بك إليّ، ولكن أسأل الله لك أيها الأمير العافية ولي في كنفك النعمة؛ فضحك وأمر له بمال؛ فقال: [كامل]
ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التّشكّي كان بالعوّاد
لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفي وتلادي «١»
وقال آخر: [منسرح]
لا تشكون دهرا صحت به ... إنّ الغنى في صحة الجسم
هبك الخليفة، كنت منتفعا ... بلذاذة الدنيا مع السّقم؟
إعتلّ المسور «٢» فجاءه ابن عباس يعوده نصف النهار؛ فقال المسور: يا أبا عباس «٣» هلّا ساعة غير هذه! قال ابن عباس: إنّ أحبّ الساعات إليّ أن أؤدّي فيها الحقّ أشقّها عليّ.
وكتب رجل إلى صديق له: كيف أنت؟ بنفسي أنت! وكيف كنت؟ لا زلت! وكيف قوتك ونشاطك؟ لا عدمتهما ولا عدمناهما منك، وأعادك الله إلى أحسن ما عوّدك! لولا عوائق يوجب العذر بها تفضّلك لم أدع تعرّف خبرك بالعين، فإنها أشفى للقلب وأنقع للغليل «٤» وأشدّ تسكينا للأعج الشوق «٥» .
وقرأت فصلا في كتاب: لئن تخلّفت عن عيادتك بالعذر الواضح من العلّة لما أغفل قلبي ذكرك ولا لساني فحصا عن خبرك في ممساك ومصبحك
стр. 922
وتنقّل الحال بك تبعث من تقسم جوارحه وصبك «١» وزاد في ألمها ألمك ومن تتصّل بك أحواله في السراء والضراء. ولما بلغتني إفاقتك كتبت مهنئا بالعافية مخبرا بالعذر، معفيا من الجواب إلا بخبر السلامة إرسالا.
وقال عبد بني الحسحاس «٢» : [طويل]
تجمّعن من شتّى ثلاث وأربع ... وواحدة حتّى بلغن ثمانيا
سليمى وسلمى والرّباب وزينب ... وهند ودعد والمنى وقطاميا
وأقبلن من بعض الخيام يعدنني ... ألا إنّ بعض العائدات دوائيا
وقال عبد الله بن مصعب الزّبيريّ: [كامل]
ما لي مرضت فلم يعدني عائد ... منكم ويمرض كلبكم فأعود
فسمّي «عائد الكلب» وولده الآن يسمّون «بني عائد الكلب» .
التعازي وما يتمثّل به فيها
وحدّثني محمد بن داود عن غسّان بن الفضل قال قال عبد الوهاب الثّقفيّ: أتاني ابن جريج بمكة يعزّيني عن بعض أهلي، فقال: إنه من لم يسل «٣» أهله إيمانا واحتسابا سلا كما تسلوا البهائم.
كتب إبراهيم بن يحيى الأسلميّ «٤» إلى المهديّ يعزّيه عن ابنته: أما بعد، فإن أحقّ من عرف حقّ الله فيما أخذ منه من عظّم حقّ الله عليه فيما
стр. 923
ابقى له. واعلم أنّ الماضي قبلك هو الباقي بعدك، وأنّ أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم عليهم من النعمة فيما يعافون منه.
ونحوه قول سهل بن هارون: التهنئة على آجل الثواب، أولى من التّعزية على عاجل المصيبة.
وقال بعض الشعراء: [كامل]
كم من يد لا يستقلّ بشكرها ... لله في ظلّ المكاره كامنه
وسقطت مقاديم فم معاوية فشقّ ذلك عليه، فقال له يزيد بن معمر السّلميّ: والله يا أمير المؤمنين، ما بلغ أحد سنّك إلا أبغض بعضه بعضا، ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك.
وقال صالح المرّي «١» لرجل يعزّيه: إن لم تكن مصيبتك أحدثت في نفسك موعظة فمصيبتك بنفسك أعظم. ونحوه: شرّ من المرزئة سوء الخلف عنها. ومثله قول الشاعر: [خفيف]
إن يكن ما به أصبت جليلا ... فلفقد العزاء فيه أجلّ
عزى شبيب بن شيبة المهديّ عن بانوقة «٢» ، فقال: يا أمير المؤمنين، ما عند الله خير لها مما عندك، وثواب الله خير لك منها.
عزّى رجل عبد الله بن طاهر «٣» عن ابنته فقال: أيها الأمير، ممّ تجزع؟: [بسيط]
стр. 924
الموت أكرم نزّال على الحرم
وقال جرير: [طويل]
وأهون مفقود إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنّعا
وقال آخر: [من الوافر]
ولم أر نعمة شملت كريما ... كنعمة عورة سترت بقبر
وعزّى رجل رجلا فقال: لا أراك الله بعد هذه المصيبة ما ينسيكها.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: [طويل]
تعزّ أمير المؤمنين فإنّه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد
هل ابنك إلّا من سلالة آدم ... لكلّ على حوض المنّية مورد
عزّى أبو بكر عمر ﵄ عن طفل أصيب به، فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك.
وقال محمود الوراق «١» : [متقارب]
يمثّل ذو اللبّ في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثّلا
رأى الهمّ يفضي إلى آخر ... فصيّر آخره أوّلا
وذو الجهل يأمن أيامه ... وينسى مصارع من قد خلا «٢»
فإن بدهته صروف الزمان ... ببعض مصائبه أعولا «٣»
ولو قدّم الحزم في أمره ... لعلّمه الصبر عند البلا
عزّى موسى بن المهديّ سليمان بن أبي جعفر عن ابن له، فقال:
أيسرّك وهو بليّة وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة!.
стр. 925
وعزّى رجل موسى بن المهديّ عن ابن له فقال: كان لك من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
توفّي سهيل بن عبد العزيز بن مروان، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عمّاله وأطنب في كتابه؛ فكتب إليه عمر: [طويل]
حسبي حياة الله من كلّ ميّت ... وحسبي بقاء الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيا ... فإنّ شفاء النفس فيما هنالك
كتب ابن السّمّاك «١» إلى الرشيد يعزّيه بابن له: أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك لله حين قبضه أكثر من شكرك له حين وهبه، فإنّه حين قبضه أحرز لك هبته، ولو سلم لم تسلم من فتنته؛ أرأيت حزنك على ذهابه وتلهّفك لفراقه! أرضيت الدار لنفسك فترضاها لابنك! أمّا هو فقد خلص من الكدر، وبقيت أنت معلّقا بالخطر. واعلم أن المصيبة مصيبتان إن جزعت، وإنما هي واحدة إن صبرت، فلا تجمع الأمرين على نفسك.
كتب عبد الله بن طاهر إلى أبي دلف «٢» : المصائب حالّة لا بدّ منها، فمنها ما يكون رحمة من الله ولطفا بعبده، وآية ذلك أن يوفّقه للصبر ويلهمه الرضا ويبسط أمله فيما عنده من الثواب الآجل والخلف العاجل. ومنها ما يكون سخطا وانتقاما، أوّله حزن وأوسطه قنوط وآخره ندامة، وهي المصيبة حقّا الجامعة لخسران الدنيا والآخرة. ولم تزل عادة الله عندك الإخلاف والإتلاف. وإن يك ما نالك الآن أعظم مما أتى عليك في مواضي الأيام،
стр. 926
فالأجر المأمول على قدر ذلك.
وكتب أبو دلف إليه: إن تكن المصيبة جلّت، فإنّ فيما أكرمني الله به من جميل رأي الأمير وما وضح للناس من فضل عنايته وابتدائه إيّاى بكتبه، ما عجّل العوض من المفقود.
وفي كتاب آخر: لئن كانت المصيبة جلّت، إن فيما أبقى الله ببقاء الأمير عوضا وافيا وخلفا كافيا. وحقيق بمن عظمت النعمة عليه فيما أبقى الله أن يحسن عزاؤه عما أخذ منه. وأحقّ ما صبر عليه ما لا يستطاع دفعه.
وقرأت في كتاب لبعض الكتّاب في تعزية: أسأل الله أن يسدّ بك ما ثلمت «١» الأيام من مكانه، ويعمّر ما أخلت من مشاهده وأوطانه حتى لا يعفو الداثر «٢» ، وأن يستقبل لكم أيّامكم بأحسن ما أمضاها لمن مضى منكم، فيجعلكم الخلف الذي لا وحشة معه ولا وحشة عليه، ويتولّاكم ويتولانا فيكم بما هو أهله ووليّه.
وقرأت في كتاب تعزية: لا لوم على دمعة لا تملك أن تسفحها «٣» ، ولا على ألم في القلب لا يدفع أن يظهر فيك، ولا عذر في سواهما مما أحبط أجرك وأشمت عدوّك وضعّف رأيك، ولم يرجع إليك فائتا ولا إلى شقيقك بمكانه روحا ولا إلى من خلّف حفظا. واعلم أن فرق ما بين ذي العقل وذي الجهل في مصيبتيهما تعجّل العاقل من الصبر ما يتأجّل الجاهل.
وقرأت في كتاب تعزية: لو كانت النوائب مدفوعة عن أحد بكثرة من يقيه ذلك من إخوانه ويفديه منه بالأخصّ من أعزّته والأنفس من ماله، سلمت
стр. 927
من ملمّها، وكان سبقي إلى ذلك أبرز سبق، وحظّي بالتقدّم فيه أوفر حظّ.
وقرأت في كتاب: مصيبتك لي مصيبة، وما نالك من ألمها لي موجع.
ولو كان في الوسع أن أعلم كنه ما خامر قلبك من ألمها لحملت مثله على نفسي، فإني أحبّ أن أكون أسوتك في كل سارّ وغامّ، وألّا أتمتّع بأيام غمومك، ولا أقصّر فيها عن مقدار حالك.
وقرأت في كتاب: نسأل الله حسن الاستعداد لما نتوكّفه «١» ونتوقّع حلوله، وألّا يشغلنا بما يقلّ الانتفاع به وتعظم التّبعة فيه عمّا نحتاج إليه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا، وأن يجعل ما وهب لنا من الصبر والعزاء إيمانا وإيقانا، ولا يجعله ذهولا ونسيانا.
قال أسماء بن خارجة إذا قدمت المصيبة تركت التعزية، وإذا قدم الإخاء قبح الثناء.
قيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك! فقالت: إن فقدي إياه أمّنني من المصيبة بعده. ونحوه قول الشاعر «٢» : [طويل]
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
ومثله: [طويل]
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وقال أبو العتاهية: [كامل]
стр. 928
وكما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن
وفي الحديث: «من يرد الله به خيرا «١» يصب منه» .
ويقال: المصيبة الموجعة تدرّ «٢» ذكر الله في قلب المؤمن.
قال الأصمعيّ: مررت بأعرابيّة وبين يديها فتى في السّياق «٣» ، ثم رجعت ورأيت في يدها قدح سويق «٤» تشربه، فقلت لها: ما فعل الشابّ؟ فقالت:
واريناه؛ فقلت: فما هذا السّويق؟ فقالت: [طويل]
على كلّ حال يأكل القوم زادهم ... على البؤس والبلوى وفي الحدثان
قيل لأعرابيّ: كيف حزنك اليوم على ولدك؟ فقال: ما ترك حبّ الغداء والعشاء لي حزنا.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت فاله عمّا أصابك.
اشتكى بعض أهل محمد بن عليّ بن الحسين فجزع عليه، ثم أخبر بموته فسرّي «٥» عنه؛ فقيل له في ذلك، فقال: ندعو الله فيما نحبّ، فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما أحبّ.
لما مات عتبة بن مسعود قال عبد الله: إذا ما قضى الله فيه ما قضى فما أحبّ أني دعوته فأجابني.
قال رجل من طيّء: [طويل]
стр. 929
فلولا الأسى «١» ما عشت في الناس ساعة ... ولكن إذا ما شئت أسعدني مثلي
وقال آخر: [طويل]
إذا أنت لم تسل اصطبارا وحسبة ... سلوت على الأيام مثل البهائم «٢»
عزّى محمد بن الوليد بن عتبة الوليد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، ليشغلك ما أقبل من الموت إليك، عمّن هو في شغل مما دخل عليك، وأعدد لنزوله عدّة تكون لك حجابا من الجزع وسترا من النار. فقال يا محمد، أرجو ألا تكون رأيت غفلة تنبّه عليها ولا جزعا يستتر منه، وما توفيقي إلا بالله. فقال محمد: يا أمير المؤمنين، إنه لو استغنى أحد عن موعظة بفضل لكنته، ولكنّ الله يقول: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
«٣» .
وقال الطائي: [طويل]
ويفرح بالشيء المعار بقاؤه ... ويحزن لمّا صار وهو له ذخر
عليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس ... فإنّ ابنك المحمود بعد ابنك الصّبر
وقال أيضا: [طويل]
أمالك إنّ الحزن أحلام نائم ... ومهما يدم فالوجد ليس بدائم
تأمّل رويدا هل تعدّنّ سالما ... إلى آدم أم هل تعدّ ابن سالم
وقال آخر: [كامل]
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأن الدهر غير مخلّد
أو ما ترى أنّ الحوادث جمّة ... وترى المنية للعباد بمرصد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبيّ محمّد
стр. 930
عزّى رجل الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، كان لك الأجر لا بك، وكان العزاء منك لا عنك.
يعزّى أهل نجران بعضهم بعضا بهذا الكلام: لا يحزنكم الله ولا يفتنكم، أثابكم الله ثواب المتّقين وأوجب لكم الصلاة والرحمة.
عزّى بعض الزّبيريّين رجلا فقال: لا يصفر ربعك «١» ، ولا يوحش بيتك، ولا يضع أجرك، رحم الله متوفّاك، وأحسن الخلافة عليك.
قال بعض الشعراء: [طويل]
أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدى ... فدينا وأعطينا بكم ساكن الظهر «٢»
فيا ليت من فيها عليها وليت من ... عليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر
وقاسمني دهري بنيّ بشطره ... فلما توفّى شطره مال في شطري «٣»
فصاروا ديونا للمنايا ومن يكن ... عليه لها دين قضاه على عسر
كأنّهم لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر على قبر
وقد كنت حيّ الخوف قبل وفاتهم ... فلما توفّوا مات خوفي من الدهر «٤»
فلله ما أعطى ولله ما جزى ... وليس لأيام الرّزيّة كالصبر
فحسبك منهم موحشا فقد برّهم ... وحسبك منهم مسليا طلب الأجر
عزّى شبيب بن شيبة «٥» رجلا من اليهود فقال: أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل ملّتك.
стр. 931
وقال العتبيّ: [منسرح]
ما عالج الحزن والحرارة في ال ... أحشاء من لم يمت له ولد «١»
فجعت با بنيّ ليس بينهما ... إلّا ليال ليست لها عدد «٢»
وكلّ حزن يبلى على قدم ال ... دّهر وحزني يجدّه الأبد «٣»
وقال أيضا: [متقارب]
لا يزجر الدهر عنا المنونا ... يبقّي البنات ويفني البنينا «٤»
وأنحى علّي بلا رحمة ... فلم يبق لي في جفوني جفونا «٥»
وكنت أبا سبعة كالبدور ... أفقّي بهم أعين الحاسدينا
فمرّوا على حادثات الزمان ... كمرّ الدراهم بالناقدينا
فأفنتهم واحدا واحدا ... إلى أن أبادتهم أجمعينا
وألقين ذاك إلى ضارح «٦» ... وألقين هذا إلى دافنينا
وما زال ذلك دأب الزما ... ن يفني الأوائل فالأولينا
وحتّى بكى لي حسّادهم ... فقد أقرحوا بالدموع الجفونا
وحسبك من حادث بامرىء ... ترى حاسديه له راحمينا
وكانوا على ظهرها أنجما ... فأضحوا إلى بطنها ينقلونا
فمن كان يسليه مرّ السنين ... فحزني يجدّده لي السّنونا
وممّا يسكّن وجدي بهم ... بأنّ المنون ستلقى المنونا
كان أبو بكر ﵁ إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة
стр. 932
ولا مع الجزع فائدة؛ الموت أهون مما قبله وأشدّ مما بعد؛ اذكروا فقد رسول الله ﷺ تصغر مصيبتكم؛ وعظّم الله أجركم.
وكان علي ﵁ إذا عزّى رجلا يقول: إن تجزع فأهل ذلك الرّحم، وإن تصبر ففي الله عوض من كل فائب؛ وصلّى الله على محمد، وعظّم الله أجركم.
وقال أعرابيّ: [طويل]
أيغسل رأسي أو تطيب مشاربي ... ووجهك معفور وأنت سليب
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن وارى التراب نسيب
وإني لأستحيي أخي وهو ميّت ... كما كنت أستحييه وهو قريب
وقال أعرابيّ: [طويل]
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا
وقال آخر: [طويل]
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وأجزع أن ينأى به بين ليلة ... فكيف ببين صار ميعاده الحشر
وقال آخر: [طويل]
وإنّا وإخوانا لنا قد تتابعوا ... لكالمغتدي والرائح المتهجّر «١»
وقال سليمان الأعجميّ: [مديد]
ربّ مغروس يعاش به ... عدمته كفّ مغترسه «٢»
стр. 933
وكذاك الدّهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
وتمثّل معاوية بن أبي سفيان يوما فقال: [طويل]
إذا سار من خلف امرىء وأمامه ... وأوحش من جيرانه فهو سائر
وقال آخر: [خفيف]
وإذا قيل مات يوما فلان ... راعنا ذاك ساعة ما نحير «١»
نذكر الموت عند ذاك وننسا ... إذا غيّبته عنّا القبور
وقال آخر: [وافر]
نراع من الجنائز قابلتنا ... ونلهو حين تخفى ذاهبات
كروعة ثلّة لمغار سبع ... فلما غاب ظلّت راتعات «٢»
وقال أبو نواس: [مجزوء الخفيف]
سبقونا إلى الرّحي ... ل وإنّا لبالأثر
وكتب رجل إلى بعض الأمراء في تعزية: الأمير أذكر لله من أي يذكّر به، وأعلم بما قضاه على خلقه من أن يدلّ عليه، وأسلك لسبيل الراشدين في التسليم لأمره والصبر على قدره والتنجّز لوعده، من أن ينبّه من ذلك على حظّه، أو أن يحتاج معزّيه عند حادث المصيبة إلى أكثر من الدعاء في قضاء حقّه. فزاده الله توفيقا إلى توفيقه، وأحضره رشده، وسدّد للصواب غرضه، وتولّاه بالحسنى في جميع أموره، إنه سميع قريب. وقد كان من حادث قضاء الله في المتوفّى ما أنقض وأرمض «٣» ، وفجع وأوجع، علما بما دخل على الأمير
стр. 934
من النقص، وعلى سروره من اللوعة، وعلى أنسه من الوحشة، إلى ما خصّني منه بماسّ الرّحم وأوشج القرابة. فأعظم الله للأمير الأجر، وأجزل له الذّخر، وعصمه باليقين، وأنجز له ما وعد الصابرين؛ ورحم المتوفّى ولقّاه الأمن والرّوح، وفسح له في المضجع، وجمعه وإيّاه بعد العمر الطويل في الدار التي لا خوف عليهم فيها ولا هم يحزنون.
وفي كتاب: نحن نحمد الله أيّها الأمير إذ أخذ على ما أبقى منك، وإذ سلب على ما وهب بك؛ فأنت العوض من كل فائت، والجابر لكلّ مصيبة، والمؤنس من وحشة كلّ فقد؛ وحقّ لمن كنت له وليّا وعضدا أن يشغله حمد الله على النعمة بك عن الجزع على غيرك.
وكتب سعيد بن حميد إلى محمد بن عبد الله: ليس المعزّى على سلوك السبيل التي سلكها الناس قبله والمضيّ على السنّة التي سنّها صالحوا السلف له؛ وقد بلغني ما حدث من قضاء الله في أمّ الأمير، فنالني من ألم الرّزيّة وفاجع المصيبة ما ينال خدمه الذين يخصّهم ما خصّه من النعم، ويتصرفون معه فيما تناوله الله به من المخن. فأعظم الله للأمير الأجر، وأجزل له المثوبة والذخر، ولا أراه في نعمة عنده نقصا، ووفّقه عند النعم للشكر الموجب للمزيد، وعند المحن للصبر المحرز للثواب، إنه هو الكريم الوهاب. ورحم الله الماضية رحمة من رضى سعيه وجازاه بأحسن عمله. ولو كانت السبيل إلى الشخوص «١» إلى باب الأمير سهلة، لكان الله قد أجلّ الأمير عن أن يعزّيه مثلي بالرسول دون اللقاء، وبالكتاب دون الشّفاه، ولكن الكتاب لقاء من لا سبيل له إلى الحركة، وقبول العذر عمّن حيل بينه وبين الواجب.
ولابن مكرم: وممّا حرّكني للكتاب تعزيتك بمن لا ترميك الأيام بمثل
стр. 935
الحادث فيه، ولا تعتاض ممّا كان الله جمعه لك عنده من الميل إليك والصبر على مكروه جفائك، مع ما كان الله أعاره من قوّة العقل وأصالة الرأي، ومدّ له من عنانه «١»
إلى قصوى الغايات، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أفاتتنا الأيام منه حين تمّ واستوى، وغالى في المروءة وتناهى، وعند الله يحتسب المصاب به؛ وعظّم الله لك فيه الأجر، ومهّل «٢» لك في العمر، وأجزل لك العوض والذّخر. فكلّ ماض من أهل فأنت سداد ثلمته «٣» وجابر رزيّته. وقد خلّف من أنت أحقّ الناس به من عجوز وليت تربيتك وحياطتك في طبقات سنّك، وولد ربوا في حجرك ونبتوا بين يديك، ليس لهم بعد الله مرجع سواك، ولا مقيل «٤» إلا في ذراك؛ فأنشدك الله فيهم فإنه أخرب أحوالهم بعمارة مروءته، وقطعهم بصلة فضله، والله يجزيه بجميل أثره ويخلفه فيهم بما هو أهله.
وفي فصل من كتاب: وقد جرى قضاء الله في هذه النازلة «٥» ما نطق عمّا نالك وأبقى عندك، وهو حقّ مثلها وقدر ملمّها «٦» .
وفي فصل آخر: لو كان ما يمسّك من أذى يشترى أو يفتدى، رجوت أن أكون غير باخل بما تضنّ به النفوس، وأن أكون سترا بينك وبين كل ملمّ ومحذور. فأعظم الله أجرك، وأجزل ذخرك، ولا خذل صبرك ولا فتنك؛ ولا جعل للشيطان حظّا فيك ولا سبيلا عليك.
المدائني قال: قدم رجل من عبس، ضرير محطوم الوجه «٧» ، على
стр. 936
الوليد؛ فسأله عن سبب ضرّه، فقال: بتّ ليلة في بطن واد ولا أعلم على الأرض عبسيّا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل فأذهب ما كان لي من أهل ومال وولد إلا صبيا رضيعا وبعيرا صعبا، فندّ «١» البعير والصبيّ معي فوضعته واتّبعت البعير لأحبسه، فما جاوزت إلّا ورأس الذئب في بطنه قد أكله، فتركته وأتبعت البعير، فاستدار فرمحني رمحة حطم بها وجهي وأذهب عيني، فأصبحت لا ذا مال ولا ذا ولد. فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة ليعلم أنّ في الناس من هو أعظم بلاء منه؛ وكان عروة بن الزّبير أصيب بابن له وأصابه الداء الخبيث في إحدى رجليه فقطعها، فكان يقول: كانوا أربعة- يعني بنيه- فأبقيت ثلاثة وأخذت واحدا، وكنّ أربعا- يعني يديه ورجليه- فأخذت واحدة وأبقيت ثلاثا. أحمدك، لئن كنت أخذت لقد أبقيت، ولئن كنت أبقيت لقد عافيت.
وشخص إلى المدينة فأتاه الناس يبكون ويتوجّعون؛ فقال: إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد أودى «٢» ، وإن كنتم تعدّونني للّسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا.
وقال عليّ بن الجهم: [سريع]
من سبق السّلوة بالصبر ... فاز بفضل الحمد والأجر
يا عجبا من هلع جازع ... يصبح بين الذمّ والوزر
مصيبة الإنسان في دينه ... أعظم من جائحة الدهر «٣»
وقال بعض الشعراء «٤» : [مجزوء الرمل]
ليت شعري ضلّة ... أيّ شيء قتلك «٥»
стр. 937
والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك
كلّ شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
ليت نفسي قدّمت ... للمنايا بدلك
أيّ شيء حسن ... للفتى لم يك لك
وقال آخر: [مجزوء الكامل المرفّل]
غرّ امرؤ منّته نف ... س أن تدوم له السلامه
هيهات! أعيا الأوّلي ... ن دواء دائك يا دعامه
وقالت صفيّة الباهليّة في أخيها: [بسيط]
كنّا كغصنين في جرثومة سموا ... حينا بأحسن ما تسمو له الشجر «١»
حتّى إذا قيل قد طالت فرزعهما ... وطاب قنواهما واستنظر الثمر «٢»
أخنى على واحدي ريب الزمان ولا ... يبقي الزمان على شيء ولا يذر «٣»
كنّا كأنجم ليل وسطنا قمر ... يجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر
ومن هذا أخذ الطائيّ قوله: [طويل]
كأنّ بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
وقال آخر: [طويل]
لكلّ أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد «٤»
وما إن يزال رسم دار قد اخلقت ... وبيت لميت بالفناء جديد
هم جيرة الأحياء أمّا جوارهم ... فدان وأمّا الملتقى فبعيد
стр. 938
وقال آخر: [بسيط]
لا يبعد الله أقواما لنا ذهبوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد «١»
وقال النابغة: [بسيط]
حسب الخليلين أنّ الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي
وقال آخر: [طويل]
وقد كنت أرجو أن أملّاك حقبة ... فحال قضاء الله دون رجائيا «٢»
ألا ليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا
وقال آخر: [طويل]
لعمرك ما وارى التراب فعاله ... ولكنه وارى ثيابا وأعظما «٣»
فضالة بن شريك: [وافر]
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بفادحة سمدن لها سمودا «٤»
فردّ شعورهنّ السود بيضا ... وردّ وجوههن البيض سودا
وقال آخر: [كامل]
أمّا القبور فإنّهنّ أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
عمّت مصيبته فعمّ هلاكه ... فالناس فيه كلّهم مأجور
ردّت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور «٥»
стр. 939
منصور النّمري «١» : [طويل]
فإن يك أفنته الليالي فأوشكت ... فإنّ له ذكرا سيفني اللياليا
وقال طفيل «٢» يذكر الموت: [طويل]
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تقلّب
وقال هشام أخو ذي الرّمّة: [طويل]
تعزّيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع «٣»
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع «٤»
وفي فصل من كتاب لبعض الكتّاب: لست أحتاج مع علمك بما في الصبر عند نازل المصيبة من الفضيلة، وما في الشكر عن حادث النعمة من الحظ، إلى أكثر من الدعاء في قضاء الحقّين، ولا إلى إخبارك عمّا أنا عليه من الارتماض «٥» لضرّائك والجذل «٦» بسرائك، لمعرفتك بشركتي لك واتصال حالك بى في الأمرين.
التهاني
حدّثني زيد بن أخزم قال حدّثنا أبو قتيبة قال حدّثنا ميمون قال حدّثنا أبو عبد الله النّاجي قال: كنت عند الحسن، فقال رجل: ليهنئك الفارس؛ فقال:
стр. 940
لعله يكون بغّالا «١» ، ولكن قال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشدّه، ورزقت برّه.
قال مجاهد: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لمتزوّج قال: «على اليمن والسعادة والطير الصالح والرزق الواسع والموّدة عند الرحمن» .
قال أبو الأسود لرجل يهنّئه بتزويج: باليمن والبركة، وشدّة الحركة، والظفر في المعركة.
وكان رسول الله ﷺ ينهى أن يقال: «بالرّفاء والبنين» «٢» .
وكان يقال: إن أوّل من هنّأ وعزّى في مقام واحد عطاء بن أبي صيفىّ الثّقفيّ، عزّى يزيد بن معاوية بأبيه وهنّأه بالخلافة، ففتح للناس باب الكلام، فقال: أصبحت زرئت خليفة وأعطيت خلافة الله. قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه؛ ووليت الرياسة، وكنت أحقّ بالسياسة؛ فاحتسب عند الله أعظم الرزيّ، واشكر الله على أعظم العطيّة. وعظّم الله في أمير المؤمنين أجرك، وأحسن على الخلافة عونك.
وقالت أعرابيّة للمنصور في طريق مكة بعد وفاة أبي العبّاس: أعظم الله أجرك في أخيك؛ لا مصيبة على الأمة أعظم من مصيبتك، ولا عوض لها أعظم من خلافتك.
قال الحجّاج لأيّوب بن القرّيّة: اخطب عليّ هند بنت أسماء، ولا تزد على ثلاث كلمات. فأتاهم فقال: أتيتكم من عند من تعلمون، والأمير معطيكم ما تسألون، أفتنكحون أم تردّون؟ قالوا: بل أنكحنا وأنعمنا. فرجع
стр. 941
ابن القرّيّة إلى الحجّاج فقال: أقرّ الله عينك، وجمع شملك، وأنبت ريعك؛ على الثبات والنبات، والغنى حتى الممات؛ جعلها الله ودودا ولودا، وجمع بينكما على البركة والخير.
كتب بعض الكتّاب إلى رجل يهنئه بدار انتقل إليها: بخير منتقل، وعلى أيمن طائر، ولأحسن إبّان «١» ، أنزلك الله عاجلا وآجلا خير منازل المفلحين.
وقال ابن الرّقاع «٢» لمتزوّج: [كامل]
قمر السماء وشمسها اجتمعا ... بالسّعد ما غابا وما طلعا
ما ورات الأستار مثلهما ... فيمن رأيناه ومن سمعا
دام السّرور له بها ولها ... وتهنّا طول الحياة معا
وكتب رجل إلى صديق له يهنئه بالدخول على أهله: قد بلغني ما هيّأ الله لك من اجتماع الشّمل، بضمّ الأهل؛ فشركتك في النعمة، وكنت أسوتك في السرور، وشاهدك بقلبي، ومثّلت ما أنت فيه لعيني، فحللت بذلك محلّ المعاين للحال وزينتها، فهنيئا هنأك الله ما قسم لك، وبالرّفاء والبنين، وعلى طول التعمير والسنين.
وكتب آخر من الكتّاب إلى عامل: نحن من السرور، بما قد استفاض من جميل أثرك فيما تلي من أعمالك، وخطمك «٣» وزمّك إيّاها بحزمك وعزمك، وانتياشك أهلها من جور من وليهم قبلك، وسرورهم بتطاول
стр. 942
أيّامك والكون في ظلّ جناحك، في غاية من تخصّه وتعمّه نعمك، وتجول به الحال حيث جالت بك. فالحمد لله الذي جعل العاقبة لك، ولم يردد علينا آمالنا منكوسة فيك، كما ردّها على غيرنا في غيرك. وهنيئا هنأك الله نعمه خاصّها وعامّها، وأوزعك شكرها، وأوجب لك بالشكر أحسن المزيد فيها.
وكتب رجل من الكتّاب إلى نصرانيّ قد أسلم يهنئه: الحمد لله الذي أرشد أمرك، وخصّ بالتوفيق عزمك، وأوضح فضيلة عقلك، ورجاحة رأيك؛ فما كانت الآداب التي حويتها، والمعرفة التي أوتيتها؛ لتدوم بك على غواية وديانة شائنة «١» لا تليق بلبّك، ولا يبرح ذوو الحجا من موجبي حقّك ينكرون إبطاءك عن حظّك وتركك البدار «٢» إلى الدّين القيّم الذي لا يقبل الله غيره ولا يثيب إلا به، فقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
«٣» ، وقال:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
«٤» . والحمد لله الذي جعلك في سابق علمه ممن هداه لدينه، وجعله من أهل ولايته، وشرّفه بولاء خليفته. وهنأك الله نعمته، وأعانك على شكره؛ فقد أصبحت لنا أخا ندين بمودّته وموالاته بعد التأثّم من خلطتك «٥» ومخالفة الحقّ بمشايعتك؛ فإنّ الله يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ
«٦» .
وكتب رجل من الكتّاب تهنئة بحجّ: الحمد لله على تمام مهاجرك، وسلامة بدأتك ورجعتك، وإعظامه المنّة بأوبتك؛ وشكر الله سعيك،
стр. 943
وبرّحجّك، وتقبّل نسكك؛ وجعلك ممّن قلبه مفلحا منجحا، قد ربحت صفقته، ولم تبر تجارته «١» ، ولا أعدمك نية تفضل عملك، وتوفيقا يحوط دينك، وشكرا يرتبط نعمتك؛ فهنأكم الله النعمة، وجمعكم في دار الخلافة، وجعلكم ساسة الأمّة والمتقدّمين عند الإمام- أيده الله بالطاعة والنصيحة- فإنّكم زين السلطان، وعمدة الإخوان، وأضداد أكثر أهل الزمان.
وكتب إلى رجل عن صديق له يهنّئه بفطام مولود: أنا- أعزّك الله- لما حمّلني الله من أياديك، وأودعني من إحسانك، وألزمني من شكرك، آخذ نفسي بمراعاة أمورك، وتفقّد أحوالك، وتعرّف كلّ ما يحدثه الله عندك، لأقابله بما يلزمني، وأقضي الحقّ فيه عنّي بمبلغ الوسع ومقدار الطاقة، وإن كانا لا يبلغان واجبك، ولا يستقلّان بثقل عارفتك. وكلّ ما نقّل الله الفتى وبلّغه من أحوال البلوغ ورقّاه فيه من درجات النموّ، فنعمة من الله حادثة تلزم الشكر، وحقّ يجب قضاؤه بالتهنئة. وكتب إليّ وكيلي المقيم ببابك يذكر ما وهبه الله من سلامته عند الفطام، وصلاح جسمه عند الطعام، وسلوته عن أوّل الغذاء، وسرورك ومن يليك بما وهب الله في هذه الحال من عافيته وحسن المدافعة عنه؛ فأكثرت لله الحمد، وأسهبت «٢» في الدعاء والرغبة، وتصدّقت عنه بما أرجو أن يتقبّله؛ وكتبت مهنّئا بتجدّد النعمة عندكم فيه. فالحمد لله المتطوّل «٣» علينا قبله بما هو أهله، والمجري لنا فيما يوليك على حسن عادته. وهنأك الله النعم، وصانها عندك من الغير «٤» ، وحرسها بالشكر، وبلغ
стр. 944
بالفتى أقصى مبالغ الشرف، وجعلك من الأمل فيه والرجاء له على العيان واليقين، بمنّه وفضله.
وكتب بعض الكتّاب تهنئة بحجّ إلى صاحبه: الحقّ للسادة عند ما يجدّده الله لهم من نعمه في الدعاء، من جلائل حقوقهم على أوليائهم. وقد خصّ الله حقّك بما لا يسعني معه ادّخار مجهود في تعظيمه وشكره. ولولا أنّ الطاعة من حدوده، لم أنتظر إذنك لي في تلقّيك راجلا بالأوبة، إذ كان الكتاب بها دون السعير بأبلغ نصيب من التقصير. وأنا أسأل الله الذي أوفدك إلى بيته الحرام، وعمر بك مشاهده العظام؛ وأوردك حرمه سالما، وأصدرك «١» عنه غانما؛ ومنّ بك على أوليائك وخدمك، أن يهنئك بما أنعم به عليك في بدأتك ورجعتك؛ بتقبّل السعي ونجح الطّلبة وتعريف الإجابة.
وكتب بعض الكتّاب تهنئة بولاية: فإنه ليس من نعمة يجدّدها الله عندك، والصنع الجميل تحدثه لك الأيّام، إلّا كان ارتياحي له واستبشاري به واعتدادي بما يهب الله لك من ذلك، حسب حقّك الذي توجبه، وبرّك الذي أشكره، وإخائك الذي يعزّ ويجلّ عندي موقعه؛ فجعل الله ذلك فيه وله، ووصله بتقواه وطاعته. وبلغني خبر الولاية التي وليتها، فكنت شريكك في السرور وعديلك «٢» في الارتياح، فسألت الله أن يعرّفك يمنها وبركتها، ويرزقك خيرها وعادتها، ويحسن معونتك على صالح نيّتك في الإحسان إلى أهل عملك والتألّف لهم، واستعمال العدل فيهم، ويرزقك محبتهم وطاعتك، ويجعلهم خير رعيّة.
وكتب رجل إلى معزول: فإنّ أكثر الخير فيما يقع بكره العباد، لقول الله
стр. 945
عزّ وجلّ: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
«١» . وقال أيضا: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
«٢» . وعندك بحمد الله من المعرفة بتصاريف الأمور، والاستدلال بما كان منها على ما يكون، مغنى عن الإكثار في القول. وقد بلغني انصرافك عن العمل على الحال التي انصرفت عليها من رضا رعيّتك ومحبّتهم وحسن ثنائهم وقولهم، لما بقيت من الأثر الجميل عند صغيرهم وكبيرهم، وخلّفت من عدلك وحسن سيرتك في الداني منهم والقاصي من بلدهم؛ فكانت نعمة الله عليك في ذلك علينا، نعمة جلّ قدرها ووجب شكرها. فالحمد لله على ما أعطاك، ومنح فيك أولياءك وأرغم به أعداك، ومكّن لك من الحال عند من ولّاك؛ فقد أصبحنا نعتدّ صرفك عن عملك منحا مجدّدا، يجب به تهنئتك، كما يجب التوجّع لغيرك.
وكتب رجل من الكتاب في تهنئة بحجّ: لولا أنّ عوائق أشغال يوجب العذر بها تفضّلك ويبسطه احتمالك، لكنت مكان كتابي هذا مهنّئا لك بالأوبة، ومجدّدا بك عهدا، ومحييا نفسي بالنظر إليك. وأنا أسأل الله أن يشكر سعيك، ويتقبّل حجّك، ويثبت في علّيين أثرك، ولا يجعله من الوفادة «٣» إليه آخر عهدك.
وكتب بعض الكتّاب: لا مهنّىء أولى ما يكون مهنّئا، تعظيما لنعمه فيما جدّد الله لك يا مولاي بالولاية، منّي؛ إذ كنت أرجو بها انضمام نشري، وتلافي الله بعنايتك المتشتّت من أمري. فهنأك الله تجدّد النعم، وبارك لك
стр. 946
في الولاية، وافتتحها لك بالصّنع الجميل، وختمها لك بالسلامة، إنه سميع قريب.
باب شرار الإخوان
ذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: ذاك رجل ليس له صديق في السرّ ولا عدوّ في العلانية.
وقال الشاعر: [طويل]
وإنّ من الخلّان من تشحط النّوى ... به وهو داع للوصال أمين «١»
ومنهم صديق العين أمّا لقاؤه ... فحلو وأمّا غيبه فظنون «٢»
أقبل عيينة بن حصن إلى المدينة قبل إسلامه، فلقيه ركب خارجون منها؛ فقال: أخبروني عن هذا الرجل (يعني النبي ﷺ ، فقالوا: الناس فيه ثلاثة رجال: رجل أسلم فهو معه يقاتل قريشا وأفناء العرب «٣» ، ورجل لم يسلم فهو يقاتله، ورجل يظهر الإسلام إذا لقي أصحابه ويظهر لقريش أنه معهم إذا لقيهم؛ فقال: ما يسمّى هؤلاء؟ قالوا: المنافقون؛ قال: فاشهدوا أنّي منهم، فما فيمن وصفتم أحزم من هؤلاء.
وكان رجل يدعو فيقول: اللهم اكفني بوائق «٤» الثقات، واحفظني من الصّديق.
وكتب رجل على باب داره: جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا، فأمّا
стр. 947
أصدقاءنا فلا جزوا ذلك، فإنا لم نؤت قطّ إلا منهم «١» .
وكتب إبراهيم بن العبّاس «٢» إلى محمد بن عبد الملك الزّيات:
[متقارب]
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا «٣»
وقد كنت أشكو إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذمّ الزمانا
وكنت أعدّك للنائيات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وقال محمد بن مهديّ: [منسرح]
كان صديقي وكان خالصتي ... أيّام نجري مجاري السّوق
حتى إذا راح والملوك معا ... عدّ اطّراحي من صالح الخلق «٤»
خلّيت ثوب الفراق في يده ... وقلت هذا الوداع فانطلق
لبسته لبسة الجديد على ال ... قرّ وفارق فرقة الخلق «٥»
وقال آخر: [بسيط]
إذا ما رأيت امرأ في حال عسرته ... مواصلا لك ما في ودّه خلل «٦»
فلا تمنّ له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل
وكتب رجل إلى صديق أعرض عنه: لولا أني أشفقت من أشتات ظنّي في إجابتك إلى ما يعلم الله براءتي منه فيك ولك لمعجبك «٧» ولكفيتك مؤنتي،
стр. 948
ثقة بأنّ ازديادك من معرفة الناس ستردّك إليّ؛ فإن رجعت قبلت وتمسّكت واغتبطت، وإن أصررت لم أتبع مولّيا، ولم آس «١» على مدبر، ولم أسامح نفسي على تعلّقها بك، ولم أساعدها على نزاعها إليك. فكم من زمان تركتك فيه وسومك «٢» ثم أبى قلبي ذلك، فكررت وعطفت أسى على أيّامي معك وما توكّد بيني وبينك. وما من كرّة لي إليك إلا وهي داعية إلى ما أكرهه من استخفافك ونفورك. ولو فهمت ما استحققت به عليك ما أشكوه لخفّ محمل ما يكون منك عليّ ولأجبت في عتباك ورضاك.
وفي جواب كتاب: وقد وزعني «٣» ما ضربته لي من الأمثال في كتابك عن استبطائك. على أنّي لا أستزيد إلا من أحتاج إلى صلاحه وأرغب في بقيّته؛ وقد قيل: [سريع]
يأبين إلّا جفوة وظلما ... من كثرة الوصل تجنّى الجرما «٤»
وفي كلّ ما أجبتني ظلمت في معارضتي عن مسخي جوابك بإيحاشي «٥» ، وفي اعتدادك عليّ بما أنت جانيه وعليك الحجة فيه. وما أنكر الخلاف بين الأب وابنه والأخ وشقيقه إذا وقعت المعاملة، ولذلك سبب لا أعرفه بيني وبينك قطّ، فإني لم أخالفك ولم أشاححك «٦» ولم أنازعك ولم أعارض نعمك بلا ولا أمرك بنهي.
стр. 949
وقال الحسن بن وهب: [طويل]
سأكرم نفسي عنك حسب إهانتي ... لها فيك إذ قرّت وكفّ نزاعها «١»
هي النّفس ما كلّفتها قطّ خطّة ... من الأمر إلّا قلّ منه امتناعها
صدقت لعمري أنت أكبر همّها ... فأجهدها إذ قلّ منك انتفاعها
هب انّي أعمى فأتت الشمس طرفه ... وغيّب عنه نورها وشعاعها
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: [طويل]
رأيت فضيلا كان شيئا ملفّفا ... فكشّفه التمحيص حتى بدا ليا «٢»
فأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
فلا زاد ما بيني وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلّا تماديّا
فلست براء عيب ذي الودّ كلّه ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
وكتب أيضا إلى بعض إخوانه: أما بعد: فقد عاقني الشكّ فيك عن عزيمة الرأي في أمرك؛ ابتدأتني بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّلك في إخائك، وآيسني «٣» آخرك من وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من وشاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
وكتب رجل إلى صديق له: نحن نستكثرك باعتزالك، ونستديم صلتك،
стр. 950
بجفائك، ونرى الزيادة في الغمّ أدوم لجميل رأيك. ومثله قول كثيّر: [الطويل]
وإن سحطت يوما بكيت وإن دنت ... تدلّلت واستكثرتها باعتزالها «١»
ونحوه قول الكميت «٢» :
وقد يخذل المولى دعائي ويجتذي ... أذاتي وإن يعدل به الضيم أغضب
فأونس من بعض الصّديق ملالة ال ... دنوّ- فأستبقيهم- بالتجنّب «٣»
وقال آخر: [السريع]
إنّك ما أعلم ذو ملّة ... يذهلك الأدنى عن الأقدم
وقال عبد الرحمن بن حسّان «٤» : [البسيط]
لا خير في الودّ ممّن لا تزال له ... مستشعرا أبدا من خيفة وجلا «٥»
إذا تغيّب لم تبرح تسيء به ... ظنّا وتسأل عمّا قال أو فعلا
وقال مرّة بن محكان «٦» : [متقارب]
ترى بيننا خلقا ظاهرا ... وصدرا وعدوّا ووجها طليقا
ونحوه قول المرّار: [الطويل]
كذب تخرّصه عليّ لقومه ... سلم اللسان محارب الإسرار «٧»
следующие страницы →