Полный текст (791 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
إذا نهى وأمر، ويستبين ببيّناته إذا استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء بمصابيحه إذا غمّ عليه في المشكلات؛ فإنه عروة الإسلام الوثقى، ومحجّته الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد، والكاشف لظلم الخطوب، والشافي من مرض القلوب، والهادي لمن ضلّ، والمتلافي لمن زلّ؛ فمن نجا به فقد فاز وسلم، ومن لها عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وأمره أن يحافظ على الصّلوات، ويدخل فيها في حقائق الأوقات، قائما على حدودها، متبعا لرسومها، جامعا فيها بين نيته ولفظه، متوقيا لمطامح سهوه ولحظه، منقطعا إليها عن كل قاطع لها، مشغولا بها عن كل شاغل عنها، متثبتا في ركوعها وسجودها، مستوفيا عدد مفروضها ومسنونها، موفّرا عليها ذهنه، صارفا إليها همه، عالما بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومعاقبه ومثيبه، لا تستر دونه خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا قضاها على هذه السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم أتبعها بدعاء يرتفع بارتفاعها، ويستمع باستماعها، لا يتعدّى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار، من استصفاح واستغفار، واستقالة واسترحام، واستدعاء لمصالح الدين والدنيا، وعوائد الآخرة والأولى؛ فقد قال الله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
وقال تعالى: وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وأمره بالسعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصلّيات الضاحية، بعد التقدم في فرشها وكسوتها، وجمع القوام والمؤذنين والمكبرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضّهم عليها، آخذين الأهبة، متنظفين في البزّة، مؤدّين لفريضة الطهارة، وبالغين في ذلك أقصى الاستقصاء، معتقدين خشية الله وخيفته، مدّرعين تقواه ومراقبته، مكثرين من دعائه وسؤاله، مصلين على محمد ﷺ وعلى آله، بقلوب على اليقين موقوفة، وهمم إلى الدين مصروفة، وألسن بالتقديس والتسبيح فصيحة، وآمال في المغفرة والرحمة فسيحة؛ فإن هذه المصلّيات والمتعبّدات بيوت الله التي فضلها، ومناسكه التي شرفها، وفيها
стр. 212
يتلى القرآن الكريم، ويتعوذ العائذون، ويتعبد المتعبدون، ويتهجد المتهجدون، وحقيق على المسلمين أجمعين من وال ومولى عليه أن يصونها ويعمرها، ويواصلها ولا يهجرها، وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ثم لنفسه، على الرسم الجاري فيها؛ قال الله تعالى في هذه الصلاة: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع
وقال في عمارة المساجد:
إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين.
وأمره أن يراعي أحوال من يليه من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه، ويطلق لهم الأرزاق، في أوقات الوجوب والاستحقاق، وأن يحسن في معاملتهم، ويجمل في استخدامهم، ويتصرّف في سياستهم بين رفق من غير ضعف، وخشونة في غير عنف، مثيبا لمحسنهم ما زاد بالإثابة في حسن الأثر، وسلم معها من دواعي الأشر، ومتغمدا لمسيئهم ما كان التغمد له نافعا، وفيه ناجعا، فإن تكرّرت زلّاته، وتتابعت عثراته، تناولته من عقوبته بما يكون له مصلحا، ولغيره واعظا، وأن يختص أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملم، والإطلاع على بعض المهم، مستخلصا مخايل صدورهم بالبسط والإناء، ومستشحذا بصائرهم بالإكرام والاجتباء؛ فإن في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع الصواب، وتحرّزا عن غلط الاستبداد، وأخذا بمجامع الحزامة، وأمنا من مفارقة الاستقامة، وقد حضّ الله على الشورى حيث قال لرسوله ﵊:
وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين.
وأمره بأن يصمد بما يتصل «١» بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباط المرابطين، ويقسم لها قسما وافرا من عنايته، ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته، ويختار لها أهل الجلد والشدة، وذوي البأس والنجدة، ممن عجمته الخطوب، وعركته الحروب، واكتسب دربة بخدع المتنازلين، وتجربة بمكايد المتقارعين، وأن يستظهر
стр. 213
بكشف عددهم، واعتبار عددهم، وانتخاب خيلهم، واستجادة أسلحتهم، غير مجمر بعثا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجّهه، بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ولا تمدهم، وترفّههم ولا تئودهم؛ فإن في ذلك من فائدة الإجمام، والعدل في الاستخدام، زينا، فليسوّبين رجال النوب فيما عاد عليهم بعز الظفر والنصر، وبعد الصيت والذكر، وإحراز النفع والأجر، ما يحق أن يكون الولاة به عاملين، وللناس عليه حاملين، وأن يكرر في أسماعهم، ويثبت في قلوبهم؛ مواعيد الله تعالى لمن صبر ورابط وسامح بالنفس من حيث لا يقدمون على تورط غرة، ولا يحجمون عن انتهاز فرصة، ولا ينكصون عن تورّد معركة، ولا يلقون بأيديهم إلى التّهلكة، فقد أخذ الله ذلك على خلقه، والمرء أمين على دينه، وأن يريح العملة فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثغور وحادثها وبناء حصونها ومعاقلها، واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلوفة فيها للمترتبين بها، والمترددين إليها، والحامين لها، وأن يبذل أمانة لمن طلبه، ويعرضه على من لم يطلبه، ويفي بالعهد إذا عاهد، وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ذمّة، ولا جارح أمانة، فقد أمر الله تعالى بالوفاء، فقال : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
ونهى عن النّكث؛ فقال عزّ من قائل:
فمن نكث فإنما ينكث على نفسه.
وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائمهم، فمن كان إقراره واجبا أقره، ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه، وأن ينظر في الشّرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف، ويختار لها من يخاف الله ويتقيه، ولا يجابي ولا يراقب فيه، ويتقدم إليهم بقمع الجهال، وردع الضّلّال، وتتبع الأشرار، وطلب الدّعّار، مستدلين على أماكنهم، متوغّلين إلى مكامنهم، متولجين عليهم في مظانهم، متوثقين ممن يجدونه منهم، منفذين أحكام الله تعالى فيهم، بحسب الذي يتبين من أمرهم، ويصح من فعلهم، في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها، ومهجة إن أفاظوها واستهلكوها، وحرمة إن استباحوها وانتهكوها؛ فمن استحق حدا من حدود الله المعلومة أقاموه عليه غير مخفّفين منه، وأحلّوه به غير مقصرين عنه، بعد ألّا يكون عليهم في الذي يأتونه حجة، ولا يعترضهم في وجوبه مشبهة، فإن الواجب في الحدود أن تقام بالبينات، وأن تدرأ بالشبهات، فأولى ما توخّاه رعاة الرعايا فيها ألّا يقدموا عليها مع
стр. 214
نقصان، ولا يتوقفوا عنها مع قيام الدليل، ومن وجب عليه القتل احتاط بما يحتاط به على مثله من الحبس الحصين، والتوثق الشديد، وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره، وشرح جنايته وثبوتها بإقرار يكون منه أو بشهادة تقع عليه، ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه؛ فإن أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهد، إلا ما أحاط به علما، وأتقنه فهما، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالجها شك، ولا يشوبها ريب، ومن ألمّ بصغيرة من الصغائر، ويسيرة من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ولم يتقدم له أختها، وعظه وزجره، ونهاه وحذّره، واستتابه وأقاله، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه، وجزاء له، فإن عاد تناوله من التقويم والتهذيب والتعزير والتأديب بما يرى أن قد كفى فيما اجترم، ووفى بما قدم؛ فقد قال الله تعالى: ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.
وأمره أن يعطل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهرها من القبائح والمناكير، ويمنع من يجمع أهل الخنا فيها، ويؤلف شملها بها، فإنه شمل يصلحه التشتيت، وجمع يحفظه التفريق، وما زالت هذه المواطن الذميمة، والمطارح الدنية، داعية من يأوي إليها، ويعكف عليها، إلى ترك الصلوات، وإهمال المفترضات، وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات، وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها لله معصية، وفي إخرابها للخير مجلبة، والله تعالى يقول لنا معشر المؤمنين: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله
ويقول عزّ من قائل لغيرنا من المذمومين: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا.
وأمره أن يولي الحماية في هذه الأعمال، أهل الكفاية والعناية من الرجال، وأن يضم إليهم كلّ من خفّ ركابه، وأسرع عند الصريخ، مرتّبا لهم في المسالح وسادا بهم ثغر المسالك، وأن يوصيهم بالتيقظ، ويأخذهم بالتحفظ، ويزيح عللهم في علوفة خيلهم، والمقرر من أزوادهم وميرهم، حتى لا تثقل لهم على البلاد وطأة ولا يدعوهم إلى تحنقهم «١» وثلمهم حاجة، وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة،
стр. 215
ويبذرقوا القوافل صادرة وواردة، ويحرسوا الطريق ليلا ونهارا، ويتفصّوها رواحا وغدوّا، وينصبوا لأهل العبث الأرصاد، ويتكمنوا لهم بكل واد، ويتفرقوا عليهم حيث يكون التفرق مضيقا لفضائهم، ومؤديا إلى انفضاضهم، ويجتمعوا حيث يكون الاجتماع مطفئا لجمرتهم، وصادعا لمروتهم، ولا يخلوا هذه السبل من حماة لها، وسيارة فيها، يترددون في جوادّها، ويتعسفون في عواديها «١» ، حتى تكون الدماء محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة، والغارات مأمونة، ومن حصل في أيديهم من لص خاتل، وصعلوك خارب، ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم؛ امتثل في أمره أمر أمير المؤمنين الموافق لقول الله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
وأمره بوضع الرّصد على من يجتاز في أعماله من أبّاق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطرق التي استطرقوها، ومواليهم الذين أبقوا منهم، ونشزوا عنهم، وأن يردّوهم عليهم قهرا، ويعيدوهم إليهم صغرا، وأن ينشد الضالة ما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ربها بما جاز أن تحفظ، ويتجنّبوا الامتطاء لظهورها، والانتفاع بأوبارها، وألبان ما يجز ويحلب، وأن يعرّفوا اللّقطة، ويتّبعوا أثرها، ويشيعوا خبرها؛ فإذا حضر صاحبها وعلم أنّه مستوجبها سلّمت إليه، ولم يعترض فيها عليه، والله يقول:
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
ويقول رسول الله ﷺ : «ضالّة المؤمن حرق النّار» .
وأمره أن يوصي عماله بالشد على يد الحكام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام، وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقرين لها الذّابّين عنها المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطّواعية فيها، ومن خرج عن ذلك من ذي عقل ضعيف وحلم
стр. 216
سخيف، نالوه بما يردعه، وأحلّوا به ما يزعه، ومتى تقاعس متقاعس عن حضور مع خصم يستدعيه بأمر يوجبه الحكم إليه، أو التوى ملتو بحق يحصل عليه ودين يستقر في ذمته؛ قادوه إلى ذلك بأزمّة الصّغار وخزائم الاضطرار، وأن يحبسوا ويطلقوا بأقوالهم، ويثبتوا الأيدي في الأملاك والفروج، وينزعوا بقضاياهم؛ فإنهم أمناء الله في فصل ما يقضون، وبث ما يبثّون، وعن كتابه وسنة نبيه ﷺ يوردون ويصدرون، وقد قال الله : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب.
وأن يتوخّى بمثل هذه المعاملة عمال الخراج في استيفاء حقوق ما استعملوا عليه، واستنطاف بقاياهم فيه، والرياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم، وإحضارهم طائعين أو كارهين بين أيديهم؛ فمن آداب الله تعالى للعبد الذي يحق عليه أن يتخذها ويجعلها للرضا عنه سببا قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب.
وأمره أن يجلس للرعية جلوسا عامّا، وينظر في مظالمها نظرا تامّا؛ يساوي في الحق بين خاصها وعامها، ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها، وينصف المظلوم من ظالمه، والمغصوب من غاصبه، بعد الفحص والتأمل، والبحث والتبين، حتى لا يحكم إلا بعدل، ولا ينطق إلا بفصل، ولا يثبت يدا إلا فيما وجب تثبيتها فيه، ولا يقبضها إلا عما وجب قبضها عنه، وأن يسهل الإذن لجماعتهم، ويرفع الحجاب بينه وبينهم، ويوليهم من حصانة الكنف، ولين المنعطف، والاشتمال والعناية، والصون والرعاية؛ ما تتعادل به أقسامهم، وتتوازى منه أقساطهم، ولا يصل الركين منهم إلى استضامة ما تأخر عنه، ولا ذو السلطان إلى هضيمة من حل دونه، وأن يدعوهم إلى أحسن العادات والخلائق، ويحضهم على أحمد المذاهب والطرائق، ويحمل عنهم كله، ويمد عليهم ظله، ولا يسومهم عسفا، ولا يلحق بهم حيفا، ولا يكلفهم شططا، ولا يجشمهم مضلعا، ولا يثلم لهم معيشة، ولا يداخلهم في جريمة، ولا يأخذ بريئا بسقيم، ولا حاضرا بعديم؛
стр. 217
فإن الله ينهى أن تزر وازرة وزر أخرى، ويرفع عن هذه الرعية ما عسى أن يكون سنّ عليها من سنة ظالمة، وسلك بها من محجة جائرة، ويستقري آثار الولاة قبله عليها، فيما أزلفوه «١» من خير أو شر إليها؛ فيقر من ذلك ما طاب وحسن، ويزيل ما خبث وقبح فإنّ من غرس الخير يحظى بمعسول ثمره، ومن زرع الشر يصلى بممرور ريعه «٢» ، والله تعالى يقول: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون.
وأمره بأن يصون مال الخراج وأثمان الغلات ووجوه الجبايات موفّرا، ويزيد ذلك مثمرا، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها، وإجرائهم على صحيح الرسوم فيها؛ فإنه مال الله لذي به قوّة عباده، وحماية بلاده، ودرور حلبه، واتصال مدده، وبه يحاط الحريم، ويدفع العظيم، ويحمي الذّمار، ويذاد الأشرار، وأن يجعل افتتاحه إياه بحسب إدراك أصنافه، وعند حضور مواقيته وأحيانه، غير متسلف شيئا قبلها، ولا مؤخر لها عنها، وأن يخصّ أهل الطاعة والسلامة بالترقية لهم، وأهل الاستصعاب والامتناع بالتشديد عليهم؛ لئلا يقع إرهاق لمذعن، أو إهمال لطامع، وعلى المتولي لذلك أن يضع كلّا من الأمرين موضعه، ويوقعه موقعه، متجنبا إحلال الغلظة بمن لا يستحقها، وإعطاء الفسحة من ليس أهلها، والله تعالى يقول: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى.
وأمره أن يتخيّر عماله على الخراج والأعشار والضياع والجهبذة والصدقات والجوالي من أهل الظلف والنزاهة، والضبط والصيانة، والجزالة والشهامة، وأن يستظهر مع ذلك عليهم بوصية تعيها أسماعهم، وعهود يقلدها أعناقهم، بألّا يضيعوا حقّا، ولا يأكلوا سحتا، ولا يستعملوا ظلما، ولا يقارفوا غشما، وأن يقيموا العمارات، ويحتاطوا ويحترزوا من إتواء حق لازم، أو تعطيل رسم عادل، مؤدّين في جميع ذلك الأمانة، مجتنبين للخيانة، وأن يأخذوا جهابذتهم باستيفاء وزن المال على تمامه، واستجادة نقده على عياره، واستعمال الصحة في قبض ما يقبضوه،
стр. 218
وإطلاق ما يطلقون، وأن يوعزوا إلى سعاة الصدقات في أخذ الفرائض من سائمة مواشي المسلمين دون عاملتها، وكذلك الواجب فيها، وألّا يجمعوا فيها متفرقا، ولا يفرقوا مجتمعا، ولا يدخلوا فيها خارجا عنها، ولا يضيفوا إليها ما ليس منها، من فحل إبل، وأكولة راع، أو عقيلة مال؛ فإذا اجتبوها على حقها، واستوفوها على رسمها؛ أخرجوها في سبيلها، وقسموها على أهلها الذين ذكرهم الله في كتابه العزيز: إلّا المؤلّفة قلوبهم الذين ذكرهم الله في كتابه الكريم وسقط سهمهم؛ فإن الله تعالى يقول: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم
؛ وإلى جباة أهل الذمة أن يأخذوا منهم الجزية في المحرم من كل سنة، بحسب منازلهم في الأحوال، وذات أيديهم في الأموال، وعلى الطبقات المطبقة فيها، والحدود المعهودة لها، وألّا يأخذوها من النساء، ولا ممن لم يبلغ الحلم من الرجال، ولا من ذي سنّ عالية، ولا ذي علّة بادية، ولا فقير معدم، ولا مترهب متبتل، وأن يراعي جماعة هؤلاء العمال مراعاة يسرّها ويظهرها، ويلاحظهم ملاحظة يخفيها ويبديها؛ لئلا يزولوا عن الحق الواجب، أو يعدلوا عن السّنن اللاحب، فقد قال الله تعالى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسولا.
وأمره بأن يندب لعرض الرجال وإعطائهم، وحفظ جراياتهم، وأوقات إطعامهم، من يعرفه بالثقة في متصرفه، والأمانة فيما يجري على يده، والبعد عن الإسفاف إلى الدّنيّة، والاتباع للدناءة «١» ، وأن يبعثه على ضبط الرجال، وشيات الخيل، وتجديد العرض بعد الاستحقاق، وإيقاع الاحتياط في الإنفاق، فمن صحّ عرضه ولم يبق في نفسه شيء منهم من شك يعرض له أو ريبة يتوهمها أطلق أموالهم موفورة، وحصلها في أيديهم غير مثلومة، وأن يرد على بيت المال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال، ناسبا ذلك إلى جهته، موردا له على حقيقته، وأن يطالب الرجال بإحضار الخيل المختارة، والآلات المستكملة، على ما توجبه مبالغ أرزاقهم، وحسب منازلهم ومراتبهم، فإن أخّر أحدهم شيئا من ذلك قاصه به من
стр. 219
رزقه، وأغرمه مثل قيمته، فإن المقصّر فيه خائن لأمير المؤمنين، ومخالف لرب العالمين؛ إذ يقول سبحانه: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.
وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرب والطرز والحسبة على من تجتمع فيه آلات هذه الولايات من ثقة ودراية، وعلم وكتابة، ومعرفة ورواية، وتجربة وحنكة، وحصافة ومسكة، فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه، وتدانيه وتقاربه، وأن يتقدم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفظ فيمن يطلقون بيعه، ويمضون أمره، والتحرز من وقوع تخوّن فيه، أو إهمال له؛ إذ كان ذلك عائدا بتحصين الفروج، وتطهير الأنساب، وأن يبعدوا عنه أهل الريبة، ويقربوا أهل العفة، ولا يمضوا بيعا على شبهة، ولا عقدا على تهمة، وإلى ولاة العيار، بتخليص عين الدرهم والدينار؛ ليكونا مضروبين على البراءة من الغش، والنزاهة من المش «١» ، وبحسب الإمام المقدر بمدينة السلام، وحراسة السكك من أن تتداولها الأيدي الزغلة، وتتناقلها الجهات المنبية، وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب ذهبا وفضة، وإجراء ذلك على الرسم والسنة؛ وإلى ولاة الطرز أن يجروا الاستعمال في جميع المناسج على أتم النيقة، وأسلم الطريقة، وأحكم الصنعة، وأفضل الصحة، وأن يكتبوا اسم أمير المؤمنين على طرر الكسا والفرش، والأعلام والبنود، وإلى ولاة الحسبة بتصفح أحوال العوام في حرفهم ومتاجرهم، ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم، وأن يعايروا الموازين والمكاييل، ويفرزوها على التعديل والتكميل، ومن اطلعوا منه على حيلة أو تلبيس، أو غيلة أو تدليس، أو بخس ما يوفيه، واستفضال فيما يستوفيه؛ نالوه بغليظ العقوبة وعظمها، وخصوه بوجيعها وألمها، واقفين في ذلك عند الحد الذي يرونه لذنبه مجازيا، وفي تأديبه كافيا، فقد قال الله تعالى: ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.
стр. 220
هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، وقد وقفك على سواء السبيل، وأرشدك إلى واضح الدليل، وأوسعك تعليما وتحكيما، وأقنعك تعريفا وتفهيما «١» ، ولم يألك جهدا فيما عصمك وعصم على يدك، ولم يدخرك ممكنا فيما أصلح بك وأصلحك، ولا ترك لك عذرا في غلط تغلطه، ولا طريقا إلى تورط تتورطه، بالغا بك في الأوامر والزواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثّوهم عليه، مقيما لك على منجيات المسالك، صارفا لك عن مرديات المهالك، مريدا فيك ما يسلمك في دينك ودنياك، يعود بالحظ عليك في آخرتك وأولاك، فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن تجانفت واعوججت فقد فسدت وندمت، والأولى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك الزاكي، ومنبتك النامي وعودك الأنجب، وعنصرك الأطيب، أن تكون لظنّه محقّقا، ولمخيلته فيك مصدّقا، وأن تستزيده بالأثر الجميل قربا [من رب العالمين] وثوابا يوم الدين، وزلفى عند أمير المؤمنين، وثناء حسنا من المسلمين، فخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك بيدك على ما أعطى من مواثيقه، واجعل عهده مثالا تحتذيه، وإماما تقتفيه، واستعن بالله يعنك، واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته يخلص لك الحظ في معونتك، ومهما أشكل عليك من خطب، أو أعضل عليك من صعب، أو بهرك من باهر، أو بهظك من باهظ، فاكتب إلى أمير المؤمنين منهيا، وكن إلى ما يرد عليك [من جوابه متطلعا] إن شاء الله تعالى؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأما التقليد الذي أنشأته أنا فهو هذا: أما بعد، فإن أمير المؤمنين يبدأ بحمد الله الذي يكون لكل خطبة قيادا، ولكل أمر مهادا، ويستزيده من نعمه التي جعلت التقوى له زادا، وحملته عبء الخلافة فلم يضعف عنه طوقا ولم يأل فيه اجتهادا، وصغرت لديه أمر الدنيا فما تسوّرت له محرابا ولا عرضت عليه جيادا، وحققت فيه قول الله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا
، ثم يصلي على من أنزلت الملائكة لنصره أمدادا، وأسري به إلى السماء حتى ارتقى سبعا شدادا، وتجلى له ربه فلم يزغ منه بصرا ولا أكذب منه
стр. 221
فؤادا، ثم من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت أوراقا وأعوادا، وورثت النور المتين تلادا، ووصفت بأنها أحد الثقلين هداية وإرشادا، وخصوصا عمه العباس المدعو له بأن يحفظ نفسا وأولادا، وأن تبقى كلمة الخلافة فيهم خالدة لا تخاف دركا ولا تخشى نفادا.
وإذا استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة، وأسند القول فيها عن فصاحته المرسلة، فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفا لقرطاسه، واستدام سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من رأسه، وليس ذلك إلا لإفاضته في وصف المناقب التي كثرت فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها بالاختصار، وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد، ولا يستوعر سلوك أطوادها ومن العجب وجود السهل في سلوك الأطواد، وتلك مناقبك أيها الملك الناصر الأجل السيد الكبير العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثا بشكرك، ويباهي بك أولياءه تنويها بذكرك، ويقول: أنت الذي تستكفي فتكون للدولة سهمها الصائب، وشهابها الثاقب، وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب، وما ضرها وقد حضرت في نصرتها إذا كان غيرك هو الغائب، فاشكر إذا مساعيك التي أهلتك لما أهلتك، وفضلتك على الأولياء بما فضلتك، ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار، فلم تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار، وفرق بين من أمد بقلبه وبين من أمد بيده في درجات الأمداد، وما جعل الله القاعدين كالذين قالوا لو أمرتنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد، وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر منازعيها، وطمست على الدعوة الكاذبة التي كانت تدعيها، ولقد مضى عليها زمن ومحراب حقها محفوف من الباطل بمحرابين، ورأت ما رآه رسول الله ﷺ من السوارين اللذين أوّلهما كذابين، فمبصر منهما واحد تاه بمجرى أنهارها من تحته، ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته، ولعب بالدين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده ولا يوم سبته، وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم بالعمي والصمم، واتخذوه صنما بينهم ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجل أو صنم، فقمت أنت في وجه باطله حتى قعد، وجعلت في جيده حبلا من مسد، وقلت ليده تبت فأصبح وهو
стр. 222
لا يسعى بقدم ولا يبطش بيد، وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، وسامت فيه سائمته، فوضع بنية موضع الكعبة اليمانية، وقال: هذا ذو الخلصة الثانية، فأي مقاميك يعترف الإسلام بسبقه؟ أم أيها يقوم بأداء حقه؟ وههنا فليصبح القلم للسيف من الحساد، وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان له من الأنداد، ولم يحظ بهذه المزية إلا لأنه أصبح لك صاحبا، وفخر بك حتى طال فخرا عما عزّ جانبا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيا لما كان حدّه قاضبا.
وقد قلدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورا ونجدا، وما اشتملت عليه رعية وجندا، وما انتهت إليه أطرافها برا وبحرا، وما يستنقذ من مجاوريها مسالمة وقهرا، وأضاف إليها بلاد الشام، وما تحتوي عليه من المدن الممدنة، والمراكز المحصنة، مستثنيا منها ما هو بيد نور الدين إسمعيل بن نور الدين محمود ﵀، وهو حلب وأعمالها، فقد مضى أبوه عن آثار في الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه في الغابرين، وولده هذا قد هذّبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الرّبوة إلا من ذلك الجبل، فليكن له منك جار يدنو منه ودادا كما دنا أرضا، ويصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه بعضا.
والذي قدمناه من الثناء عليك ربما تجاوز بك درجة الاقتصاد، ولفتك عن فضيلة الازدياد، فإياك أن تنظر سعيك بالإعجاب، وتقول هذه بلاد أنا فتحتها بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب، ولكن اعلم أن الأرض لله ولرسوله ثم لخليفته من بعده، ولا منّة للعبد بإسلامه بل المنة لله بهداية عبده، وكم سلف من قبلك من لو رام ما رمته لدنا شاسعه، وأجاب مانعه، لكن ذخره الله لك لتحظى في الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه، فألق بيدك عند هذا القول إلقاء التسليم، وقل لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
وقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارا، وفي الوسم فخارا، وتناسب محل قلبك وبصرك وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبا وأبصارا، ومن جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق، ويشير إليك بأن الإنعام قد أطاف بك إطافة الأطواق بالأعناق، ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب يقضي
стр. 223
لصدرك بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمد يدك إلى العليا لا بضمها إلى الجناح، وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة، وهي التي لا مزيد عليها في الإحسان فيقال إنها الحسنى وزيادة، فإذا صارت إليك فانصب لها يوما يكون في الأيام كريم الأنساب، واجعله لها عيدا وقل هذا عيد الخلعة والتقليد والخطاب.
هذا، ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرا وأنت ناء عن الحضور، وتضنّ أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك والضنة من شيم الغيور، وهذه المكانة قد عرفتك نفسها وما كنت تعرفها، وما تقول إلا أنها لك صاحبة وأنت يوسفها، فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإن الأعمال بخواتيمها.
واعلم أنك قد تقلدت أمرا تعين به نفي الحلوم، ولا ينفك صاحبه عن عهدة الملوم، وكثيرا ما يرى حسناته يوم القيامة وهي مقتسمة بأيدي الخصوم، ولا ينجو من ذلك إلا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار، وعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي ﷺ : «يا أبا ذر، إني أحبّ لك ما أحب لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تولين مال يتيم» ، فانظر إلى هذا القول النبوي نظر من لم يخدع بحديث الحرص والآمال، ومثّل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها أليس مصيرها إلى زوال، والسعيد إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتخذ منها وهي السم دواء وقد تتخذ الأدوية من السموم، وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصباح، وهو كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح، والله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تباعتها التي لابستهم ولا بسوها، وأحصاها الله عليهم ونسوها، ولك أنت من هذا الدعاء حظ على قدر محلك من العناية التي جذبت بضبعك، ومحلك من الولاية التي بسطت من درعك، فخذ هذا الأمر الذي تقلدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان، وكن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان.
وملاك ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب، وقدر يوما منه بعبادة ستين عاما في
стр. 224
الحساب، ولم يأمر به آمر إلا زيد قوة في أمره، وتحصن به من عدوه ومن دهره، ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين الرحمن، ومع هذا فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه، وغلبت لمّة ملكه على لمة شيطانه، ومن أوكد فروضه أن تمحي السنن السيئة التي طالت مدد أيامها، ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها فلم يجعلوا أمدا لانحسار ظلامها، وتلك السنن هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة، ولا غني للأيدي الغنية إذا كانت ذات نفوس فقيرة، وكلما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرا زادها الله محقا، وقد استمرت عليها العوائد حتى ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسمّوها حقا، ولولا أن صاحبها أعظم الناس جرما لما أغلظ في عقابه، ومثلت توبة المرأة الغامدية بمتابه، وهل أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصما، ويصبح وهو مطالب بهم بما يعلم وبما لم يحط به علما؛ وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظلامات فتنحي على أبطالها «١» ، وتلحق أسماءها في المحو بأفعالها، حتى لا يبقى لها في العيان صور منظورة، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة، فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنة سوء سنتها يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده نهجا مسلوكا فجرى على مداه، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من لم يضق ذراعا، ونظر إلى الحياة الدنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعا، وأحمد الله تعالى على أن قيض للإمام هدى يقف بك على هداك، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عداك.
وهذه البلاد المنوطة بطرفك تشتمل على أطراف متباعدة، وتفتقر في سياستها إلى أيد متساعدة، ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام، وأولو تدبيرات السيوف والأقلام، وكل من هؤلاء ينبغي أن يقف على باب الاختيار، ويسلط عليه شاهدا عدل من أمانة الدرهم والدينار، فما أضلّ الناس شيء كحب المال الذي فورقت من أجله الأديان، وهجرت بسببه الأولاد والإخوان، وكثيرا ما نرى الرجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان، فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك فاضرب عليه بالأرصاد،
стр. 225
ولا ترض بما عرفته من مبدإ حاله فإن الأحوال تنتقل منتقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب ﵁ بالربيع بن زياد.
وكذلك اؤمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف مواظبين، وينهوا عن المنكر محاسبين، ويعلموا أن ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم الله الغالبين، وليبدأوا أولا بأنفسهم فيعدلوا بها عن هواها، ويأمروها بما يأمرون به سواها، ولا يكونوا ممن هدى إلى طريق البر وهو عنه حائد، وانتصب لطلب المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد، فما تنزل بركات السماء إلا على من خاف مقام ربه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه، وإذا صلحت الولاة صلحت الرعية بصلاحهم، وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كل قوم إلا بمصباحهم، ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانا في الاصطحاب، وجيرانا في الاقتراب، وأعوانا في توزع الحمل الذي يثقل على الرقاب، فالمسلم أخو المسلم وإن كان عليه أميرا، وأولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل الله عليه كثيرا، وليست الولاية لمن يستجدّ بها كثرة اللفيف، ويتولاها بالوطء العنيف، ولكنها لمن يمال على جوانبه، ويؤكل من أطايبه، ولمن إذا أغضب لم ير للغضب عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله لم يلق الإلحاف بخلق الضجر، وإذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول والنظر، فذلك الذي يكون في أصحاب اليمين، والذي يدعى بالحفيظ العليم والقويّ الأمين، ومن سعادة المرء أن تكون ولاته متأدبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه، وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسنات مثبتة في كتابه.
وبعد هذه الوصية فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأم الولود، ولطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجنود، وتيقظت لنصره والعيون رقود، وهي التي تسبغ لها الآلاء، ولا يتخطاها البلاء، ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، والرغبة في المغفرة لما تقدم وتأخر من ذنبه، وتلك هي الصّدقة التي فضل الله بها بعض عباده لمزية إفضالها، وجعلها سببا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها، وهو يأمرك أن تتفقد أحوال الفقراء الذين قدرت عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق، فأولئك أولياء الله الذين
стр. 226
مسّتهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا، وينبغي أن يهيئ لهم من أمرهم مرفقا، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقا، وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلا إعلاما بأنها من المهمّ الذي يستقبل ولا يستدبر، ويستكثر منه ولا يستكثر، وهذا يعد من جهاد النفس في بذل المال، ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال، وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ما تجعل السيف في ملازمته أخا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا، ومن صفاته أنه العمل المحبوّ بفضل الكرامة، الذي ينمي بعد صاحبه إلى يوم القيامة، وبه تمتحن طاعة الخالق على المخلوق، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو المختص دونها برتبة الخلوق، ولولا فضله لما كان محسوبا بشطر الإيمان، ولما جعل الله الجنة له ثمنا وليست لغيره من الأثمان، وقد علمت أن العدو هو جارك الأدنى، والذي يبلغك وتبلغه عينا وأذنا، ولا تكون للإسلام نعم الجار حتى تكون له بئس الجار، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار، وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحا، أو تطرق أرضه مماسيا أو مصابحا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنّضير، وعلى الخصوص البيت المقدس فإنه تلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم، والذي توجّهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم، وقد أصبح وهو يشكو طول المدة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته، فانهض إليه نهضة توغل في قرحه، وتبدّل صعب قياده بسمحه، وإن كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه، وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملا فحميت موارده، أو متهدما فرفعت قواعده، ومن أهمها ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة، وخطة مخوفة، والعدو قريب منه على بعده، وكثيرا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه برعده، فينبغي أن يرتب بهذه الثغور رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها، ويكون قتالها لأن تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كل منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار، ومع هذا لا بد لها من أصطول يكثر عدده، ويقوي مدده، فإنه العدة التي
стр. 227
تستعين بها على كشف الغمّاء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه أخو الجيش السليماني فذاك يسير على متن الريح وهذا على متن الماء، ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم والمطار، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة الأعمار؛ فإذا أشرعت قيل جبال متعلقة بقطع من الغيوم، وإذا نظر إلى أشكالها قيل إنها أهلة غير أنها تهتدي في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يغالى في جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمر عليها أمير يلقى البحر بمثله من سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها ولكن قتلها بخبره، وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه وزحمتها مناكبه، وممن يذل الصعب إذا هو ساسه وإن لان جانبه، وهذا هو الرجل يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرياسة، وإن كان في الساقة ففي الساقة أو كان في الحراسة ففي الحراسة، ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه.
واعلم أنه قد أخل من الجهاد بركن يقدح في عمله، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله، وذلك هو قسم الغنائم فإن الأيدي قد تداولته بالإجحاف، وخلطت جهادها فيه بغلوها فلم ترجع بالكفاف، والله قد جعل الظلم في تعدّي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة، ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه وبأسه شرباس، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه ثم نهمله إهمال مضيع ولا إهمال ناس، والذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه، وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدا أنكالا وجحيما، وطعاما ذا غصة وعذابا أليما.
فتصفح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات محكمات، وتحبب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كلماتها، وابن لك منها مجدا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها، وهذا التقليد ينطق عليك بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها، وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها خيرة الله التي تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه، ثم قال: اللهم إني أشهدك على من قلدته شهادة تكون
стр. 228
عليه رقيبة، وله حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر الحق التي فيها موعظة وذكرى، وهي لمن تبعها هدى ورحمة وبشرى، وإذا أخذ بها بلج بحجته يوم يسأل عن الحجج، ولم يختلج دون رسول الله ﷺ على الحوض في جملة من يختلج، وقيل لا حرج عليك ولا إثم إن نجوت من ورطات الاسم والحرج، والسلام.
وهذا الذي ذكرته من كلامي وكلام الصابي في هذه التقاليد الأربعة لم أقصد به الوضع من الرجل، وإنما ذكرت ما ذكرته لبيان موضع السجع الذي يثبت على المحك، ولا شك أن هذا الوصف المشار إليه في فقر الأسجاع لم يكن مقصودا في الزمن القديم، إما لمكان عسره، أو لأنه لم يتنبه له، وكيف أضع من الصابي وعلم الكتابة قد رفعه وهو إمام هذا الفن والواحد فيه؟ ولقد اعتبرت مكاتباته فوجدته قد أجاد في السلطانيات كل الإجادة، وأحسن كل الإحسان، ولو لم يكن له سوى كتابه الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن بويه إلى سبكتكين عند خروجه عليه ومجاهرته إياه بالعصيان لاستحق به فضيلة التقدم، كيف وله من السلطانيات ما أتى فيه بكل عجيبة؟ لكنه في الإخوانيات مقصّر وكذلك في كتب التعازي.
وعندي فيه رأي لم يره أحد غيري، ولي فيه قول لم يقله أحد سواي، وذاك أن عقل الرجل في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته، وسأبين ذلك فأقول: لينظر الناظر في هذين التقليدين اللذين أرودتهما له، فإنه يرى وصايا وشروطا واستدراكات، وأوامر ما بين أصل وفرع وكل وجزء وقليل وكثير، ولا نرى ذلك في كلام غيره من الكتاب، إلا أنه عبّر عن تلك الوصايا والأوامر والشروط والاستدراكات بعبارة في بعضها ما فيه من الضعف والركة، وقد قيل: إن زيادة العلم على المنطق هجنة، وزيادة المنطق على علم خدعة، ومع هذا فإني أقرّ للرجل بالتقدم، وأشهد له بالفضل.
وإذ فرغت مما أردت تحقيقه في هذا الموضع، فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره من الكلام على السجع، وقد تقدم من ذلك ما تقدم، وبقي ما أنا ذاكر ههنا.
وهو أن السجع قد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الفصلان متساويين
لا يزيد أحدهما على الآخر، كقوله
стр. 229
تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر
وقوله تعالى: والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا
ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء حتى كأنها أفرغت في قالب واحد، وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة، وهو أشرف السجع منزلة؛ للاعتدال الذي فيه.
القسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول ،
لا طولا يخرج به عن الاعتدال خروجا كثيرا؛ فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبا.
فمما جاء من ذلك قوله تعالى: بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا، وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا
ألا ترى أن الفصل الأول ثمان لفظات، والفصل الثاني والثالث تسع تسع.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا
وأمثال هذا في القرآن كثيرة.
ويستثنى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاثة فقر؛ فإن الفقرتين الأوليين يحسبان في عدة واحدة، ثم باقي الثلاثة فينبغي أن تكون طويلة طولا يزيد عليهما؛ فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات تكون الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشرة.
مثال ذلك ما ذكرته في وصف صديق فقلت: الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم يعاملك معاملة حالف، وإذا بلّغته أذنه وشاية أقام عليها حد سارق أو قاذف؛ فالأولى والثانية ههنا أربع لفظات أربع لفظات لأن الأولى: «لم يعتض عنك بخالف» والثانية: «ولم يعاملك معاملة حالف» وجاءت الثالثة عشر لفظات. وهكذا ينبغي أن يستعمل ما كان من هذا القبيل؛ وإن زادت الأولى والثانية عن هذه العدة
стр. 230
فتزاد الثالثة بالحساب، وكذلك إذا نقصت الأولى والثانية عن هذه العدة، فافهم ذلك وقس عليه.
إلا أنه لا ينبغي أن تجعله قياسا مطردا في السجعات الثلاث أين وقعت من الكلام، بل تعلم أن الجواز يعم الجانبين من التساوي في السجعات الثلاث ومن زيادة السجعة الثالثة، ألا ترى أنه قد ورد ثلاث سجعات متساويات في القرآن الكريم، كقوله تعالى: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود
فهذه السجعات كلها من لفظتين لفظتين، ولو جعلت الثالثة منها خمس لفظات أو ستا لما كان ذلك معيبها.
القسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول ،
وهو عندي عيب فاحش، وسبب ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا عن الأول، فيكون كالشيء المبتور؛ فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها.
وإذ انتهينا إلى ههنا وبيّنّا أقسام السجع ولبّه وقشوره فسنقول فيه قولا كلّيّا، وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان:
أحدهما: يسمى السجع القصير، وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ألفاظ قليلة، وكلما قلّت الألفاظ كان أحسن، لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع، وهذا الضرب أوعر السجع مذهبا، وأبعده متناولا، ولا يكاد استعماله يقع إلا نادرا.
والضرب الآخر: يسمى السجع الطويل، وهو ضد الأول؛ لأنه أسهل متناولا.
وإنما القصير من السجع أوعر مسلكا من الطويل لأن المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عزّ مواتاة السجع فيه؛ لقصر تلك الألفاظ، وضيق المجال في استجلابه، وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه ويستجلب له السجع من حيث وليس، كما يقال، وكان ذلك سهلا.
стр. 231
وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظ.
وأما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى:
والمرسلات عرفا، فالعاصفات عصفا
وقوله تعالى: يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر
، ومنه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة.
وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل.
فمما جاء منه قوله تعالى: والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى
وقوله تعالى: اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر.
وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضا في الطول؛ فمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة إلى اثنتي عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة.
كقوله تعالى: ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور
فالأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة.
وكذلك قوله تعالى: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين روف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.
ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها؛ كقوله تعالى: إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور.
стр. 232
ومن السجع الطويل أيضا ما يزيد على هذه العدة المذكورة، وهو غير مضبوط.
واعلم أن التصريع في الشعر بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور، وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها، وشبه البيت المصرّع بباب له مصراعان متشاكلان.
وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون، وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين الكلام؛ فأما إذا كثر التصريع في القيدة فلست أراه مختارا؛ إلا أنّ هذه الأصناف من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها إنما يحسن منها في الكلام ما قلّ وجرى مجرى الغرّة من الوجه، أو كان كالطراز من الثوب، فأما إذا تواترت وكثرت فإنها لا تكون مرضية؛ لما فيها من أمارات الكلفة وهو عندي ينقسم إلى سبع مراتب، وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد غيري:
فالمرتبة الأولى:- وهي أعلى التصريع درجة- أن يكون كل مصراع من البيت مستقلّا بنفسه في فهم معناه غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه، ويسمى التصريع الكامل، وذلك كقول امرئ القيس «١» :
أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل ... وإن كنت قد أزمعت هجرا فأجملي
فإن كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه غير محتاج إلى ما يليه.
وعليه ورد قول المتنبي «٢» :
إذا كان مدح فالنّسيب المقدّم ... أكلّ فصيح قال شعرا متيّم
стр. 233
المرتبة الثانية: أن يكون المصراع الأول مستقلا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه، فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطا به، كقول امرئ القيس «١» :
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، لكن لما جاء الثاني صار مرتبطا به.
وكذلك ورد قول أبي تمام «٢» :
ألم يأن أن تروى الظّماء الحوائم ... وأن ينظم الشّمل المبدّد ناظم
وعليه ورد قول المتنبي «٣» :
الرّأي قبل شجاعة الشّجعان ... هو أوّل وهي المحلّ الثّاني
المرتبة الثالثة: أن يكون الشاعر مخيرا في وضع كل مصراع موضع صاحبه، ويسمى التصريع الموجّه، وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي:
من شروط الصّبوح في المهرجان ... خفّة الشّرب مع خلوّ المكان
فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأول ثانيا ومصراعه الثاني أولا؛ وهذه المرتبة كالثانية في الجودة.
المرتبة الرابعة: أن يكون المصراع الأول غير مستقل بنفسه، ولا يفهم معناه إلا بالثاني، ويسمى التصريع الناقض، وليس بمرضي ولا حسن.
стр. 234
فمما ورد منه قول المتنبي «١» :
مغاني الشّعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الرّبيع من الزّمان
فإن المصراع الأول لا يستقل بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع الثاني.
المرتبة الخامسة: أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطا وقافية، ويسمى التصريع المكرر، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: أقرب حالا من الآخر، فالأول أن يكون بلفظة حقيقية لا مجاز فيها، وهو أنزل الدرجتين؛ كقول عبيد بن الأبرص «٢» :
فكلّ ذي غيبة يثوب ... وغائب الموت لا يثوب
القسم الآخر: أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها؛ كقول أبي تمام «٣» :
فتى كان شربا للعفاة ومرتعا ... فأصبح للهنديّة البيض مرتعا
المرتبة السادسة: أن يذكر المصراع الأول ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها
стр. 235
في أول المصراع الثاني، ويسمى التصريع المعلّق؛ فمما ورد منه قول امرئ القيس «١» :
ألا أيّها اللّيل الطّويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فإن المصراع الأول معلق على قوله: «بصبح» ؛ وهذا معيب جدا.
وعليه ورد قول المتنبي «٢» :
قد علّم البين منّا البين أجفانا ... تدمى وألّف في ذا القلب أحزانا
فإن المصراع الأول معلق على قوله: «تدمى» .
المرتبة السابعة: أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته، ويسمى التصريع المشطور، وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها.
فمن ذلك قول أبي نواس:
أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عدت عن الجحود
فصرع بحرف الباء في وسط البيت، ثم قفاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل إلا قليلا نادرا.
стр. 236
النوع الثاني في التجنيس
اعلم أن التجنيس غرّة شادخة في وجه الكلام، وقد تصرّف العلماء من أرباب هذه الصناعة فيه فغرّبوا وشرّقوا، لا سيما المحدثين منهم، وصنف الناس فيه كتبا كثيرة، وجعلوه أبوابا متعددة، واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض؛ فمنهم عبد الله بن المعتز، وأبو علي الحاتمي، والقاضي أبو الحسين الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغيرهم.
وإنما سمي هذا النوع من الكلام مجانسا لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد.
وحقيقته أن يكون اللفظ واحدا والمعنى مختلفا، وعلى هذا فإنه هو: اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقي في شيء، إلا أنه قد خرج من ذلك ما يسمى تجنيسا، وتلك تسمية بالمشابهة لا لأنها دالة على حقيقة المسمى بعينه.
وعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبّه به فأجرى مجراه فوجدته ينقسم إلى سبعة أقسام: واحد منها يدل على حقيقة التجنيس؛ لأن لفظه واحد لا يختلف، وستة أقسام مشبهة.
فأما القسم الأول
فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله تعالى: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة
وليس في القرآن الكريم سوى هذه الآية، فاعرفها، ويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجلي زمامه فقال رسول الله ﷺ : «خلّوا بين جرير والجرير» أي: دعوا زمامه.
стр. 237
ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام «١» :
فأصبحت غرر الأيّام مشرقة ... بالنّصر تضحك عن أيّامك الغرر
فالغرر الأولى استعارة من غرر الوجه، والغرر الثانية مأخوذة من غرة الشيء أكرمه؛ فاللفظ إذا واحد والمعنى مختلف.
وكذلك قوله «٢» :
من القوم جعد أبيض الوجه والنّدى ... وليس بنان يجتدى منه بالجعد
فالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السّبط؛ فأحدهما يوصف به السخي، والآخر يوصف به البخيل.
وكذلك قوله «٣» :
بكلّ فتى ضرب يعرّض للقنا ... محيّى محلّى حليه الطّعن والضّرب
فالضّرب: الرجل الخفيف، والضّرب بالسيف في الحرب.
وكذلك قوله «٤» :
عداك حرّ الثّغور المستضامة عن ... برد الثّغور وعن سلسالها الخصب
стр. 238
فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضا البلد الذي على تخوم العدو.
ثم قال في هذه القصيدة:
كم أحرزت قضب الهنديّ مصلتة ... تهتزّ من قضب تهتزّ في كثب
بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت ... أحقّ بالبيض أبدانا من الحجب
فالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلق به أحد.
وكذلك قوله «١» :
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب
فلفظ الصدور في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف.
وكذلك قوله «٢» :
عامي وعام العيس بين وديقة ... مسجورة وتنوفة صيهود «٣»
وعداك: صرفك، والثغور الثانية: مواضع المخافة في البلاد، والثغور الأولى: جمع ثغر، وهو الفم، والخصب: وقع في بعض نسخ الديوان بالخاء المعجمة، وفي بعضها بالحاء المهملة، وفسرت تفسيرا بعيدا.
стр. 239
حتّى أغادر كلّ يوم بالفلا ... للطّير عيدا من بنات العيد «١»
فالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام.
وقد أكثر أبو تمّام من التجنيس في شعره؛ فمنه ما أغرب فيه فأحسن؛ كالذي ذكرته، ومنه ما أتى به كريها مستثقلا، كقوله «٢» :
ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت ... من المنّية رشقا وابلا قصفا «٣»
وكقوله «٤» :
يا مضغنا خالدا لك الثّكل إنّ ... خلّد حقدا عليك في خلده «٥»
وكقوله «٦» :
وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزر ... أنجاهم منك في الهيجا ولا سند «٧»
стр. 240
وكقوله «١» :
مهلا بني مالك لا تجلبنّ إلى ... حيّ الأراقم دؤلول ابنة الرّقم «٢»
ثم قال فيها:
من الرّدينيّة اللّائي إذا عسلت ... تشمّ بوّ الصّغار الأنف ذا الشّمم «٣»
وكقوله «٤» :
قرّت بقرّان عين الدّين واشتترت ... بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما «٥»
وله من هذا الغث البارد المتكلف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد أوردنا منه قليلا يستدلّ به على أمثاله.
ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:
عبّاس عبّاس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والرّبيع ربيع
стр. 241
وكذلك قوله:
فقل لأبي العبّاس إن كنت مذنبا ... فأنت أحقّ النّاس بالأخذ بالفضل
فلا تجحدوني ودّ عشرين حجّة ... ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل
وعلى هذا النّهج ورد قول البحتري «١» :
إذا العين راحت وهي عين على الهوى ... فليس بسرّ ما تسرّ الأضالع
فالعين: الجاسوس؛ والعين: معروفة.
وكذلك ورد قول بعضهم:
وترى سوابق دمعها فتواكفت ... ساق تجاوب فوق ساق ساقا
فالساق: ساق الشجرة، والساق: القمري من الطيور.
وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعرّي في قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها:
لوزارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن في حفر الأجداث أحيانا
ثم قال في أبياتها:
تقول: أنت امرؤ جاف مغالطة ... فقلت: لا هوّمت أجفان أجفانا «٢»
وكذا قال في آخرها:
لم يبق غيرك إنسانا يلاذ به ... فلا برحت لعين الدّهر إنسانا
стр. 242
ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابا، وسماه «رد الأعجاز على الصدور» خارجا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، فمما أورده الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم:
ونشري بجميل الصّنع ... ذكرا طيّب النّشر
ونفري بسيوف الهند ... من أسرف في النّفر
وبحري في شرى الحمد ... على شاكلة البحر
وكذلك قول بعضهم في الشيب:
يا بياضا أذرى دموعي حتّى ... عاد منها سواد عيني بياضا
وكذلك قول البحتري:
وأغرّ في الزّمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل
كالهيكل المبنيّ إلّا أنّه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل
وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينصب نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي «١» ذكرناها داخلا في الآخر؛ فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه، وهو أشهر من فلق الصباح.
وربما جهل بعض الناس فأدخل في التجنيس ما ليس منه؛ نظرا إلى مساواة اللفظ دون اختلاف المعنى؛ فمن ذلك قول أبي تمام «٢» :
أظنّ الدّمع في خدّي سيبقي ... رسوما من بكائي في الرّسوم
وهذا ليس من التجنيس في شيء؛ إذا حدّ التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف
стр. 243
المعنى، وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معا، وهذا مما ينبغي أن ينبه عليه ليعرف.
ومن علماء البيان من جعل له اسما سمّاه به، وهو الترديد: أي أن اللفظة الواحدة ردّدت فيه.
وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابا أفرده بالذكر فيه.
وأما الأقسام الستة المشبهة بالتجنيس؛ فالقسم الأول منها: أن تكون الحروف متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، فمما جاء من ذلك قول النبي ﷺ : «اللهمّ كما حسّنت خلقي حسّن خلقي» ألا ترى أن هاتين اللفظتين متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ لأن تركيب الخلق والخلق من ثلاثة أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلا أنهما قد اختلفا في الوزن، إذ وزن الخلق فعل بفتح الفاء، ووزن الخلق فعل بضم الفاء.
ومن هذا القسم قول بعضهم: «لا تنال غرز المعالي إلّا بركوب الغرر واهتبال الغرر» .
وقال البحتري «١» :
وفرّ الحائن المغرور يرجو ... أمانا أيّ ساعة ما أمان «٢»
يهاب الإلتفات وقد تهيّا ... للحظة طرفه طرف السّنان «٣»
وكذلك ورد قول الآخر:
قد ذبت بين حشاشة وذماء ... ما بين حرّ هوى وحرّ هواء
стр. 244
القسم الثاني
من المشبه بالتجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير، وإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس.
فمما جاء قوله تعالى: «وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة»
فإن هاتين اللفظتين على وزن واحد؛ إلا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد، وكذلك قوله تعالى: «وهم ينهون عنه وينأون عنه»
وكذلك قوله تعالى: «ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون» .
وعلى نحو من هذا ورد قول النبي ﷺ : «الخيل معقود بنواصيها الخير» وقال بعضهم: لا تنال المكارم إلّا بالمكاره.
وقال أبو تمام «١» :
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب «٢»
وقال البحتري «٣» :
من كلّ ساجي الطّرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور «٤»
стр. 245
وكذلك قوله «١» :
شواجر أرماح تقطّع بينهم ... شواجن أرحام ملوم قطوعها
القسم الثالث من المشبه بالتجنيس ،
وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: «والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق»
وقوله تعالى: «وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا»
وكذلك ورد قوله ﷺ : «المسلم من سلم النّاس من لسانه ويده» .
ودخل ثعلب صاحب كتاب الفصيح على أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، ومجلسه غاصّ، فجلس إلى جانبه، ثم أقبل عليه، وقال: أخاف أن أكون ضيّقت عليك، على أنه لا يضيق مجلس بمتحابين ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين؛ فقال له أحمد: الصّديق لا يحاسب والعدوّ لا يحتسب له، وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، والتجنيس في كلام أحمد ﵀ في قوله: «يحاسب ويحتسب له» .
وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفّة الطبع؛ لا ثقل التطبع.
فمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن ذكر الجهاد فقلت: وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلّعت أن يقال لها اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع الذباب والنسور، وما ذاك إلا لأن العدو إذا طلب تقمص ثوب إذلاله، وتنصّل من صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله.
стр. 246
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم؛ فقلت: وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمى لمن جنى عليه زمانه، وجار لمن بعد عنه جيرانه.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يعمى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح دنياه ما استدل به على صلاح أخراه، فهو المركب المنجّي، والعمل المرجوّ لا المرجّي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم» .
ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتاب إلى بعض الإخوان وذلك وصف بعض المنعمين، فقلت: نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يمن نقيبته وأمانة غيبه بين أمّ معبد وأبي عبيدة.
ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: الكتب وإن عدّها قوم عرضا من الأعراض، وتقالوها حتى قالوا هي سواد في بياض؛ فإن لها عند الإخوان وجها وسيما، ومحلا كريما، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميم حميما، ومن أحسنها كتاب سيدنا ... ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
ومن هذا القسم قول أبي تمام «١» :
أيّام تدمي عينه تلك الدّما ... فيها وتقمر لبّه الأقمار
وكذلك قوله «٢» :
стр. 247
بيض
فهنّ إذا رمقن سوافرا ... صور وهنّ إذا رمقن صوار «١»
وكذلك قوله «٢» :
بدر أطالت فيك بادرة النّوى ... ولعا وشمس أولعت بشماس «٣»
وكذلك قوله «٤» :
كادوا النّبوّة والهدى فتقطّعت ... أعناقهم في ذلك المضمار
جهلوا فلم يستكثروا من طاعة ... معروفة بعمارة الأعمار
وكذلك قوله «٥» :
إنّ الرّماح إذا غرسن بمشهد ... فجنى العوالي في ذراه معالي
стр. 248
وكذلك قوله «١» :
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا نعمة أحسنت أن تتطوّلا «٢»
وكذلك قوله «٣» :
أيّ ربع يكذّب الدّهر عنه ... وهو ملقى على طريق اللّيالي
بين حال جنت عليه وحول ... فهو نضو الأحوال والأحوال
شدّ ما استنزلتك عن دمعك الأ ... ظعان حتّى استهلّ صوب العزالي
أيّ حسن في الذّاهبين تولّى ... وجمال على ظهور الجمال
ودلال مخيّم في ذرى الخيم ... وحجل معصّم في الحجال
فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية جاءت تبعا.
стр. 249
ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة:
وكم لك من يوم رفعت بناءه ... بذات جفون أو بذات جفان
وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري:
قسمت صروف الدّهر بأسا ونائلا ... فمالك موتور وسيفك واتر
وهذا من المليح النادر.
ومن هذا القسم قول البحتري «١» :
جدير بأن تنشقّ عن ضوء وجهه ... ضبابة نقع تحتها الموت ناقع
وكذلك قوله «٢» :
نسيم الرّوض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول
وذم أعرابي رجلا فقال: كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الإفضال.
القسم الرابع
من المشبه بالتجنيس، ويسمى المعكوس، وذلك ضربان:
أحدهما: عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف.
فالأول كقول بعضهم: عادات السّادات سادات العادات؛ وكقول الآخر: شيم الأحرار أحرار الشيم.
стр. 250
ومن هذا النوع مما ورد شعرا قول الأضبط بن قريع من شعراء الجاهلية «١» :
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثّوب غير لابسه ... ويلبس الثّوب غير من قطعه
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي «٢» :
فلا مجد في الدّنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدّنيا لمن قلّ مجده
وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذم فيها الزمان:
أسفّ بمن يطير إلى المعالي ... وطار بمن يسفّ إلى الدّنايا
وكذلك قول الآخر:
إنّ اللّيالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار
فقصارهنّ من الهموم طويلة ... وطوالهنّ من السّرور قصار
وأحسن من هذا كله وألطف قول ابن الزقاق الأندلسي:
غيّرتنا يد الزّما ... ن فقد شبت والتحى
فاستحال الضّحى دجا ... واستحال الدّجا ضحى
وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب التّبديل، وذلك اسم مناسب لمسماه؛ لأن مؤلّف الكلام يأتي بما كان مقدّما في جزء كلامه الأول مؤخّرا في الثاني، وبما كان مؤخرا في الأول مقدّما في الثاني، ومثله قدامة بقول بعضهم: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك.
следующие страницы →