Полный текст (791 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم؛ فقلت: وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمى لمن جنى عليه زمانه، وجار لمن بعد عنه جيرانه.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يعمى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح دنياه ما استدل به على صلاح أخراه، فهو المركب المنجّي، والعمل المرجوّ لا المرجّي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم» .
ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتاب إلى بعض الإخوان وذلك وصف بعض المنعمين، فقلت: نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يمن نقيبته وأمانة غيبه بين أمّ معبد وأبي عبيدة.
ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: الكتب وإن عدّها قوم عرضا من الأعراض، وتقالوها حتى قالوا هي سواد في بياض؛ فإن لها عند الإخوان وجها وسيما، ومحلا كريما، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميم حميما، ومن أحسنها كتاب سيدنا ... ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
ومن هذا القسم قول أبي تمام «١» :
أيّام تدمي عينه تلك الدّما ... فيها وتقمر لبّه الأقمار
وكذلك قوله «٢» :
стр. 247
بيض
فهنّ إذا رمقن سوافرا ... صور وهنّ إذا رمقن صوار «١»
وكذلك قوله «٢» :
بدر أطالت فيك بادرة النّوى ... ولعا وشمس أولعت بشماس «٣»
وكذلك قوله «٤» :
كادوا النّبوّة والهدى فتقطّعت ... أعناقهم في ذلك المضمار
جهلوا فلم يستكثروا من طاعة ... معروفة بعمارة الأعمار
وكذلك قوله «٥» :
إنّ الرّماح إذا غرسن بمشهد ... فجنى العوالي في ذراه معالي
стр. 248
وكذلك قوله «١» :
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا نعمة أحسنت أن تتطوّلا «٢»
وكذلك قوله «٣» :
أيّ ربع يكذّب الدّهر عنه ... وهو ملقى على طريق اللّيالي
بين حال جنت عليه وحول ... فهو نضو الأحوال والأحوال
شدّ ما استنزلتك عن دمعك الأ ... ظعان حتّى استهلّ صوب العزالي
أيّ حسن في الذّاهبين تولّى ... وجمال على ظهور الجمال
ودلال مخيّم في ذرى الخيم ... وحجل معصّم في الحجال
فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية جاءت تبعا.
стр. 249
ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة:
وكم لك من يوم رفعت بناءه ... بذات جفون أو بذات جفان
وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري:
قسمت صروف الدّهر بأسا ونائلا ... فمالك موتور وسيفك واتر
وهذا من المليح النادر.
ومن هذا القسم قول البحتري «١» :
جدير بأن تنشقّ عن ضوء وجهه ... ضبابة نقع تحتها الموت ناقع
وكذلك قوله «٢» :
نسيم الرّوض في ريح شمال ... وصوب المزن في راح شمول
وذم أعرابي رجلا فقال: كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الإفضال.
القسم الرابع
من المشبه بالتجنيس، ويسمى المعكوس، وذلك ضربان:
أحدهما: عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف.
فالأول كقول بعضهم: عادات السّادات سادات العادات؛ وكقول الآخر: شيم الأحرار أحرار الشيم.
стр. 250
ومن هذا النوع مما ورد شعرا قول الأضبط بن قريع من شعراء الجاهلية «١» :
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثّوب غير لابسه ... ويلبس الثّوب غير من قطعه
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي «٢» :
فلا مجد في الدّنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدّنيا لمن قلّ مجده
وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذم فيها الزمان:
أسفّ بمن يطير إلى المعالي ... وطار بمن يسفّ إلى الدّنايا
وكذلك قول الآخر:
إنّ اللّيالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار
فقصارهنّ من الهموم طويلة ... وطوالهنّ من السّرور قصار
وأحسن من هذا كله وألطف قول ابن الزقاق الأندلسي:
غيّرتنا يد الزّما ... ن فقد شبت والتحى
فاستحال الضّحى دجا ... واستحال الدّجا ضحى
وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب التّبديل، وذلك اسم مناسب لمسماه؛ لأن مؤلّف الكلام يأتي بما كان مقدّما في جزء كلامه الأول مؤخّرا في الثاني، وبما كان مؤخرا في الأول مقدّما في الثاني، ومثله قدامة بقول بعضهم: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك.
стр. 251
ومن هذا القسم قوله تعالى: «يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي» *
وكذلك ورد قول النبي ﷺ : «جار الدّار أحقّ بدار الجار» .
وكتب علي بن أبي طالب ﵁ إلى عبد الله بن عباس ﵁ كتابا؛ فقال: أما بعد فإن الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه؛ فلا تكن بما نلت من دنياك فرحا، ولا بما فاتك منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، وكأن قد؛ والسلام.
وروي عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
أهنّ عوادي يوسف وصواحبه
أنكر عليه أبو سعيد الضّرير وأبو العميثل هذا الابتداء. وقالا: لم لا يقول ما يفهم؟ فقال: لم لا يفهما ما يقال؟ فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، وهو من التجنيس المشار إليه.
وقد جاءني شيء منه، كقولي في فصل من كتاب يتضمن فتحا، وهو: فكم كان من افتراع عذرة الحصن من افتراع عذرة حصان، وكم حيز به من سنان لحظ استرقّه لحظ سنان.
وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلا، وتوسعه العفاة أملا، وترى الخول به ملوكا والملوك خولا، وطاعته هي محكّ الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى:
«ليبلوكم أيكم أحسن عملا» *.
وكذلك ورد قولي أيضا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت: وقد صدّق الله لهجة المثني عليك أن يقول: إنك الرجل الذي تضرب به الأمثال، والمهذب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال، وإذا وازرت مملكة فقد حظيت منك بشد أزرها، وسد ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك بالفضل المتين، معانة بالقويّ الأمين.
стр. 252
وأما الضرب الثاني من هذا القسم، وهو عكس الحروف، فهو كقول بعضهم:
أهديت شيئا يقلّ لولا ... أحدوثة الفال والتّبرّك
كرسي تفاءلت فيه لمّا ... رأيت مقلوبه يسرّك
وكذلك قول الآخر:
كيف السّرور بإقبال وآخره ... إذا تأمّلته مقلوب إقبال «١»
وأجود من هذا كله قول الآخر:
جاذبتها والرّيح تجذب عقربا ... من فوق خد مثل قلب العقرب
وطفقت ألثم ثغرها فتمنّعت ... وتحجّبت عنّي بقلب العقرب
وإذا قلب لفظ عقرب صار برقعا.
وهذا الضرب نادر الاستعمال «٢» ؛ لأنه قلّ ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها صوابا.
القسم الخامس
من المشبه بالتجنيس، ويسمى المجنّب، وذاك أن يجمع مؤلف الكلام بين كلمتين إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها، كقول بعضهم:
أبا العبّاس لا تحسب بأنّي ... لشيء من حلى الأشعار عاري
فلي طبع كسلسال معين ... زلال من ذرا الأحجار جاري
وهذا القسم عندي فيه نظر؛ لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس، ألا ترى أن التجنيس هو اتّفاق اللفظ واختلاف المعنى، وههنا لم يتفق إلا جزء من اللفظ، وهو أقله، وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل
стр. 253
الفواصل المسجوعة، وهذا هو كذلك؛ لأن العين والراء تساويا في البيت الأول في قوله الأشعار وعار والجيم والراء في البيت الثاني في قوله الأحجار وجار.
القسم السادس
من المشبه بالتجنيس، وهو ما يساوي وزنه تركيبه غير أن حروفه تتقدم وتتأخر، وذلك كقول أبي تمام «١» :
بيض الصّفائح لا سود الصّحائف في ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
فالصفائح والصحائف مما تقدمت حروفه وتأخرت.
وقد ورد في الكلام المنثور، كقوله ﷺ في فضيلة تلاوة القرآن الكريم:
«يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرأ» فقوله ﷺ : «اقرأ وارق» من التجنيس المشار إليه في هذا القسم.
النوع الثالث في الترصيع
وهو مأخوذ من ترصيع العقد، وذاك أن يكون فى أحد جانبي العقد من اللآلئ مثل ما في الجانب الآخر، وكذلك نجعل هذا في الألفاظ المنثورة من الأسجاع، وهو أن تكون كل لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساوية لكل لفظة من ألفاظ الفصل الثاني في الوزن والقافية، وهذا لا يوجد في كتاب الله تعالى؛ لما هو عليه من زيادة التكلف؛ فأما قول من ذهب إلى أن في كتاب الله منه شيئا ومثله بقوله تعالى: «إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم»
فليس الأمر كما وقع له؛ فإن لفظه (لفي) قد وردت في الفقرتين معا، وهذا يخالف شرط الترصيع الذي شرطناه، لكنه قريب منه، وأما الشعر فإني كنت أقول: إنه لا يتّزن على هذه الشريطة، ولم أجده في أشعار العرب؛ لما فيه من تعمّق الصنعة وتعسف الكلفة، وإذا جيء به في الشعر لم يكن عليه محض الطلاوة التي تكون إذا جيء به في
стр. 254
الكلام المنثور، ثم إني عثرت عليه في شعر المحدثين، ولكنه قليل جدا؛ فمن ذلك قول بعضهم:
فمكارم أوليتها متبرّعا ... وجرائم ألغيتها متورّعا «١»
فمكارم بإزاء جرائم، وأوليتها بإزاء ألغيتها، ومتبرعا بإزاء متورعا.
وقد أجاز بعضهم أن يكون أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفا لما يقابله من الفصل الثاني، وهذا ليس بشيء؛ لمخالفته حقيقة الترصيع.
فمما جاء من هذا النوع منثورا قول الحريري في مقاماته: «فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه» ؛ فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول مساوية لألفاظ الفصل الثاني وزنا وقافية؛ فجعل يطبع بإزاء يقرع، والأسجاع بإزاء الأسماع، وجواهر بإزاء زواجر، ولفظه بإزاء وعظه.
ومما جاءني من هذا النوع ما ذكرته في جواب كتاب إلى بعض الإخوان، وهو: قد أعدت الجواب ولم أستعر له نظما ملفّقا، ولا جلبت إليه حسنا منمّقا، بل أخرجته على رسله، وغنيت بصقال حسنه عن صقله، فجاء كما تراه غير ممشوط ولا مخطوط، فهو يرفل في أثواب بذلته، وقد حوى الجمال بجملته، والحسن ما وشته فطرة التصوير، لا ما حشته فكرة التزوير.
والترصيع في قولي: «وشته فطرة التصوير» و «حشته فكرة التزوير» .
وكذلك ورد قولي في فصل من الكلام يتضمن تثقيف الأولاد؛ فقلت: من قوّم أود أولاده، ضرّم كمد حسّاده؛ فهذه الألفاظ متكافئة في ترصيعها، فقوّم بإزاء ضرّم، وأود بإزاء كمد، وأولاده بإزاء حساده.
وكذلك قول بعضهم في الأمثال المولدة التي لم ترد عن العرب، وهو: من أطاع غضبه أضاع أدبه؛ فأطاع بإزاء أضاع، وغضبه بإزاء أدبه.
стр. 255
وقد ورد هذا الضرب كثيرا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم بن نباتة ﵀:
فمن ذلك قوله في أول خطبة: الحمد لله عاقد أزمّة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمة الغرور بقواصم مكره، وموفّق عبيده لمغانم ذكره، ومحقّق مواعيده بلوازم شكره؛ فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنا وقافية، والتي جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن؛ فإن مواعيد تخالف وزن عبيد، ولا تخالف قافيتها التي هي الدال.
ومن ذلك قوله أيضا في جملة خطبة: أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم، كلا! والله ما أشخصوا لتقروا، ولا نغّصوا لتسرّوا، ولا بد أن تمروا حيث مروا، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغتروا؛ وهذا الكلام فيه أيضا ما في الذي قبله من صحة الوزن والقافية وصحة القافية دون الوزن.
وكذلك قوله أيضا في خطبة أخرى: أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النّحيب على ابيضاض اللّمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم.
وأما ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضا فكقول ذي الرمة «١» :
كحلاء في برج صفراء في دعج ... كأنّها فضّة قد مسّها ذهب «٢»
وصدر هذا البيت مرصع، وعجزه خال من الترصيع؛ وعذر الشاعر في ذلك واضح؛ لأنه مقيد بالوقوف مع الوزن والقافية، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على
стр. 256
حرف الباء؛ ولو رصع هذا البيت الترصيع الحقيقي لكان يلزمه أن يأتي بألفاظه على حرفين حرفين أحدهما الباء، أو كان يقسم البيت نصفين ويماثل بين ألفاظ هذا النصف وهذا النصف، وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر.
وأرباب هذه الصناعات قد قسموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين، وهذه القسمة لا أراها صوابا؛ لأن حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون الثاني.
ومما جاء من هذا القسم الثاني قول الخنساء «١» :
حامي الحقيقة محمود الخليفة مه ... ديّ الطّريقة نفّاع وضرّار
وكذلك قول الآخر «٢» :
سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت من الكرم
النوع الرابع في لزوم ما لا يلزم
وهو من أشقّ هذه الصناعة مذهبا، وأبعدها مسلكا، وذاك لأن مؤلفه يلتزم ما لا يلزمه، فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه إنما هو السجع الذي هو تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها، وهذا فيه زيادة على ذلك،
стр. 257
وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفا واحدا، وهو في الشعر أن تتساوى الحروف التي قبل روى الأبيات الشعرية.
وقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في ذلك كتابا، وسماه كتاب اللزوم، فأتى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذم.
وسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها.
فمن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب في فصل يتضمن ذم جبان، فقلت: إذا نزل به خطب ملكه الفرق، وإذا ضلّ في أمر لم يؤمن إلا إذا أدركه الغرق.
ومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضا، ويصون أحدهما نفسا والآخر عرضا، وأعجب ما فيهما أنهما تؤأمان، غير أن هذا مستنتج من ضمير القلب وهذا من نطق اللسان؛ فاللزوم ههنا في الراء والضاد.
وكذلك ورد قولي في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة، فقلت: وقد علم من شيم الديوان العزيز أنه يسرّ بامتداد الأيدي إلى بابه، وإذا أغبّ أحدها في المسألة نهاه عن إغبابه، حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف، ولا يده الكريمة من الإسعاف؛ فاللزوم ههنا في لفظتي «بابه» و «إغبابه» .
ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أيضا، وهو: ومهما شدّ به عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خوّلته، ولا يقوى تصعّد السحب إلا بكثرة غيثها الذي أنزلته، وغير خاف أن عبيد الدولة لها كالعمد من طرافها، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيّد السيف إلا بقائمه، ولا ينهض الجناح إلا بقوادمه؛ فاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي «طراف» و «أطراف» .
ومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك الأفضل علي بن يوسف أهنئه بملك مصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فقلت: المملوك يهنئ مولانا بنعمة الله المؤذنة باستخلاصه واحتبائه، وتمكينه حتى بلغ أشدّه واستخرج كنز
стр. 258
آبائه، ولو أنصف لهنّأ الأرض منه بوابلها، والأمة بكافلها، وخصوصا أرض مصر التي خصت بشرف سكناه، وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه.
وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على كلمات اللزوم فيها.
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج: أن لقيط بن زرارة تزوج بنت قيس بن خالد بن ذي الجدين، فحظيت عنده وحظي عندها، ثم قتل فآمت بعده وتزوجت زوجا غيره، فكانت كثيرا ما تذكر لقيطا، فلامها على ذلك؛ فقالت: إنه خرج في يوم دجن وقد تطيّب وشرب، فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه نضح دم، فضمّني ضما، وشمّني شمّة، فليتني متّ ثمّة، فلم أر منظرا كان أحسن من لقيط، فقولها: «ضمني ضمة، وشمني شمة، فليتني مت ثمة» من الكلام الحلو في باب اللزوم، ولا كلفة عليه.
وهكذا فليكن؛ فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة، وما ينبغي لمؤلف الكلام أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متكلفا؛ ومثاله في هذا المقام كمن أخذ موضوعا رديئا فأجاد فيه صنعته؛ فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل الأصل، فأضاع جودة الصنعة في رداءة الموضوع.
وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان؛ فمما جاء من ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء:
بنت عن الدّنيا ولا بنت لي ... فيها ولا عرس ولا أخت
وقد تحمّلت من الوزر ما ... تعجز أن تحمله البخت
إن مدحوني ساءني مدحهم ... وخلت أنّي في الثّرى سخت
وله من ذلك الجيد، كقوله:
لا تطلبنّ بآلة لك حاجة ... قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السّما كان السّماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
стр. 259
وهذا بين الاسترسال وبين الكلفة.
وأما ما تكلف له تكلفا ظاهرا وإن أجاد فقوله:
تنازع في الدّنيا سواك وما له ... ولا لك شيء في الحقيقة فيها «١»
ولكنّها ملك لربّ مقدّر ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها
ولم تحظ من ذاك النّزاع بطائل ... من الأمر إلّا أن تعدّ سفيها «٢»
فيا نفس لا تعظم عليك خطوبها ... فمتّفقوها مثل مختلفيها «٣»
تداعوا إلى النّزر القليل فجالدوا ... عليه وخلّوها لمغترفيها
وما أمّ صلّ أو حليلة ضيغم ... بأظلم من دنياك فاعترفيها
تلاقي الوفود القادميها بفرحة ... وتبكي على آثار منصرفيها «٤»
وما هي إلّا شوكة ليس عندها ... وجدّك إرطاب لمختر فيها «٥»
كما نبذت للطّير والوحش رازم ... فألقت شرورا بين مختطفيها
تناؤت عن الإنصاف من ضيم لم ... يجد سبيلا إلى غايات منتصفيها «٦»
стр. 260
فأطبق فما عنها وكفّا ومقلة ... وقل لغويّ النّاس فاك لفيها «١»
ومن ذلك «٢» :
أرى الدّنيا وما وصفت ببرّ ... إذا أغنت فقيرا أرهقته «٣»
إذا خشيت لشر عجّلته ... وإن رجيت لخير عوّقته «٤»
حياة كالحبالة ذات مكر ... ونفس المرء صيد أعلقته
فلا يخدع بحيلتها أريب ... وإن هي سوّرته ونطّقته «٥»
أذاقته شهيّا من جناها ... وصدّت فاه عمّا ذوّقته
وقد ورد للعرب شيء من ذلك إلا أنه قليل؛ فمما جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة «٦» :
إنّ الّتي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النّعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها
حجبت تحيّتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضّمير إلى الفؤاد فسلّها
وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه:
ومما يجري هذا المجرى قول حجر بن حيّة العبسي من شعر الحماسة أيضا «٧» :
стр. 261
ولا أدوّم قدري بعدما نضجت ... بخلا فتمنع ما فيها أثافيها «١»
حتّى تقسّم شتّى بين ما وسعت ... ولا يؤنّب تحت اللّيل عافيها
ومما ورد من ذلك أيضا قول طرفة بن العبد البكري «٢» :
ألم تر أنّ المال يكسب أهله ... فضوحا إذا لم يعط منه نواسبه
أرى كلّ مال لا محالة ذاهبا ... وأفضله ما ورّث الحمد كاسبه
وكذلك قول الفرزدق «٣» :
وغيّر لون راحلتي ولوني ... تردّيّ الهواجر واعتمامي «٤»
أقول لها إذا ضجرت وعضّت ... بموركة الوراك مع الزّمام «٥»
علام تلفّتين وأنت تحتي ... وخير النّاس كلّهم أمامي «٦»
وكذلك قوله أيضا «٧» :
стр. 262
منع الحياة من الرّجال ونفعها ... حدق تقلّبها النّساء مراض
وكأنّ أفئدة الرّجال إذا رأوا ... حدق النّساء لنبلها أغراض
وإذا شئت أن تعلم مقادير الكلام وكان لك ذوق صحيح فانظر إلى هذا العربي في كلامه السهل الذي كأنه ماء جار، وانظر إلى ما أوردته لأبي العلاء المعري؛ فإن أثر الكلفة عليه باد ظاهر.
وممن قصد من العرب قصيدة كله من اللزوم كثيّر عزّة، وهي القصيدة التي أولها:
خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثمّ احللا حيث حلّت «١»
وهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتا، وهي مع ذلك سهلة لينة تكاد تترقرق من لينها وسهولتها، وليس عليها من أثر الكلفة شيء، ولولا خوف الإطالة لأوردتها بجملتها.
وقد ذكر بعضهم من هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة، وهو «٢» :
وفيشة ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من ترف وطيش «٣»
إذا بدت قلت أمير الجيش ... من ذاقها يعرف طعم العيش
وهذا ليس من باب اللزوم؛ لأن اللزوم هو أن يلتزم الناظم والناثر ما لا يلزمه؛ كقولنا: شرق، وفرق؛ مثلا؛ فإنه لو قيل بدلا من ذلك شرق وحنق لجاز ذلك، وفي
стр. 263
هذه الأبيات لا يقع الأمر كذلك؛ لأنه لو قيل: طيش وعرش لما جاز، وهذا يقال له الردف في الشعر، وهو الياء والواو قبل حرف الروي، وإذا جيء بذلك في الشعر وفي الكلام المنثور لا يقال إنه التزام ما لا يلزم؛ لأن الملتزم ما لا يلزم له مندوحة في العدول إلى غيره، وههنا لا مندوحة.
ومن لطيف ذلك ما يروى لامرأة من البصرة مجنت بأبي نواس، فقالت:
إنّ جري حزنبل حزابيه ... إذا قعدت فوقه نبابيه
كالأرنب الجاثم فوق الرّابيه
وكذلك ورد قول أبي تمام «١» ، وهو:
خدم العلا فخدمنه وهي الّتي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدم
فإذا ارتقى في قلّة من سود ... قالت له الأخرى بلغت تقدّم
وعلى هذا الأسلوب قوله أيضا «٢» :
ولو جرّبتني لوجدت خرقا ... يصافي الأكرمين ولا يصادي «٣»
جديرا أن يكرّ الطّرف شزرا ... إلى بعض الموارد وهو صادي «٤»
وله من أبيات تتضمن مرثية «٥» :
стр. 264
لقد فجعت عتّابه وزهيره ... وتغلبه أخرى اللّيالي ووائله «١»
ومبتدر المعروف تسري هباته ... إليهم ولا تسري إليهم غوائله
طواه الرّدى طيّ الرّداء وغيّبت ... فضائله عن قومه وفواضله
طوى شيما كانت تروح وتغتدي ... وسائل من أعيت عليه وسائله
فيا عاضا للعرف أقلع مزنه ... ويا واديا للجود جفّت مسايله
ألم ترني أنزفت عيني على أبي ... محمّد النّجم المشرّق آفله «٢»
وأخضلتها فيه كما لو أتيته ... طريد اللّيالي أخضلتني نوافله «٣»
وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب، وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء؛ فإن حسن هذا مطبوع، وحسن ذاك مصنوع، وكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع المذكورة أولا؛ فإن الألفاظ إذا صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع وكانت غير مستجلبة ولا متكلفة جاءت غير محتاجة إلى التألف، ولا شك أن صورة الخلقة غير صورة التخلق.
فإن قيل: ما الفرق بين المتكلّف من هذا الأنواع وغير المتكلف؟.
قلت في الجواب: أما المتكلف فهو الذي يأتي بالفكرة والروية، وذلك أن ينضى الخاطر في طلبه، ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره، وغير المتكلف يأتي مستريحا من ذلك كله، وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته أو الخطيب أو الكاتب في إنشاء خطبته أو كتابته، فبينا هو كذلك إذا سنح له نوع من هذه الأنواع بالاتفاق لا بالسعي والطلب؛ ألا ترى أن قول أبي نواس في مثل هذا الموضع:
أترك الأطلال لا تعبأ بها ... إنّها من كلّ بؤس دانيه
وانعت الرّاح على تحريمها ... إنّما دنياك دار فانيه
стр. 265
من عقار من رآها قال لي ... صيدت الشّمس لنا في آنيه
وعلى هذه السهولة واللطافة ورد قوله أيضا:
كم من غلام ذي تحاسين ... أفسده ناطف ياسين
وهذا ياسين كان يبيع الناطف ببغداد.
وحكى إبراهيم البندنيجي قال: رأيت شيخا ضعيفا يبيع ناطفا، فقلت له: يا شيخ، أما زلت في الصناعة؟ قال: مذ كنت، ولكن الحال كانت واسعة والسلعة نافقة، وكنت ممن يشار إليّ، حتى قال أبو نواس فيّ، وأنشد هذا البيت.
فانظر أيها المتأمل ما أحلى لفظ أبي نواس في لزومه، وما أعراه عن الكلفة، وكذلك فلتكن الألفاظ في اللزوم وغيره.
واعلم أنه إذا صغّرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من فواصل الكلام المنثور فإن ذلك ملحق باللزوم، ويكون التصغير عوضا عن تساوي الحروف التي قبل روى الأبيات الشعرية والحروف التي قبل الفاصلة من النثر؛ فمن ذلك قول بعضهم:
عزّ على ليلى بذي سدير ... سوء مبيتي ليلة الغمير
مقضّبا نفسي في طمير ... تنتهز الرّعدة في ظهيري «١»
يهفو إليّ الزّور من صديري ... ظمآن في ريح وفي مطير
وازر قر ليس بالغرير ... من لد ما ظهر إلى سحير «٢»
حتّى بدت لي جبهة القمير ... لأربع خلون من شهير
стр. 266
وهذا من محاسن الصنعة في هذا الباب فاعرفه.
وأحسن منه ما ورد عن أبي نواس وعن عنان جارية النطاف، وله معها حكايات كثيرة غير هذه، فقال أبو نواس:
أما ترقّي لصب ... يكفيه منك نظيره «١»
فقالت عنان:
إيّاي تعني بهذا ... عليك فاجلد عميره
فقال أبو نواس:
أخاف إن رمت هذا ... على يدي منك غيره
فالبيتان الأول والثاني من هذا الباب، والثالث جاء تبعا.
وقد ورد في القرآن الكريم شيء من اللزوم إلا أنه يسير جدا.
فمن ذلك قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق»
وقوله تعالى: «والطور وكتاب مسطور»
وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة: «فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون» .
وربما وقع بعض الجهال في هذا الموضع؛ فأدخل فيه ما ليس منه؛ كقوله تعالى: «إن المتقين في جنات ونعيم، فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم»
وهذا لا يدخل في باب اللزوم؛ لأن الأصل فيه نعم وجحم.
والياء هي من حروف المد واللين، فلا يعتد بها ههنا.
ومن هذا الباب قوله تعالى: «وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود» .
стр. 267
وكذلك ورد قوله تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير، وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير» .
وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: «يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا» .
وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: «قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد، قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد» .
ولا تجد أمثال ذلك في القرآن إلا قليلا.
النوع الخامس في الموازنة
وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وأن يكون صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنا، وللكلام بذلك طلاوة ورونق، وسببه الاعتدال؛ لأنه مطلوب في جميع الأشياء، وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلة وقعت من النفس موقع الاستحسان، وهذا لا مراء فيه لوضوحه.
وهذا النوع من الكلام هو أخو السجع في المعادلة دون المماثلة؛ لأن في السجع اعتدالا وزيادة على الاعتدال، وهي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على حرف واحد، وأما الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع، ولا تماثل في فواصلها؛ فيقال إذا: كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعا، وعلى هذا فالسجع أخص من الموازنة.
стр. 268
فمما جاء منها قوله تعالى: «وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط المستقيم»
فالمستبين والمستقيم على وزن واحد.
وكذلك قوله تعالى في سورة مريم ﵍: «واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا، ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا، فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا» .
وكذلك قوله تعالى في سورة طه: «من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا، خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا» .
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة حم عسق: «والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب، يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد، الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز، من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم، ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير»
، وهذه الآيات جميعها على وزن واحد؛ فإن «شديد» و «قريب» و «بعيد» و «عزيز» و «نصيب» و «أليم» و «كبير» كل ذلك على وزن فعيل، وإن اختلف حروف المقاطع التي هي فواصلها.
وأمثال هذا في القرآن كثير، بل معظم آياته جارية على هذا النهج، حتى إنه لا تخلو منه سورة من السور، ولقد تصفّحته فوجدته لا يكاد يخرج منه شيء عن السجع والموازنة.
стр. 269
وأما ما جاء من هذا النوع شعرا فقول ربيعة بن ذؤابة «١» :
إن يقتلوك فقد ثلت عروشهم ... بعتيبة بن الحرث بن شهاب
بأشدّهم بأسا على أصحابه ... وأعزّهم فقدا على الأصحاب «٢»
فالبيت الثاني هو المختص بالموازنة؛ فإن بأسا وفقدا على وزن واحد.
النوع السادس في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها
وهو من هذه الصناعة بمنزلة علية، ومكانة شريفة، وجلّ الألفاظ اللفظية منوطة به، ولقد لقيت جماعة من مدّعي فن الفصاحة، وفاوضتهم وفاوضوني، وسألتهم وسألوني، فما وجدت أحدا منهم تيقّن معرفة هذا الموضع كما ينبغي، وقد استخرجت فيه أشياء لم أسبق إليها، وسيأتي ذكرها ههنا.
أما اختلاف صيغ الألفاظ فإنها إذا نقلت من هيئة إلى هيئة؛ كنقلها مثلا من وزن من الأوزان إلى وزن آخر وإن كانت اللفظة واحدة، أو كنقلها من صيغة الاسم إلى صيغة الفعل، أو من صيغة الفعل إلى صيغة الاسم، أو كنقلها من الماضي إلى المستقبل أو من المستقبل إلى الماضي، أو من الواحد إلى التثنية أو إلى الجمع أو إلى النسب أو إلى غير ذلك؛ انتقل قبحها فصار حسنا، وحسنها صار قبحا.
فمن ذلك لفظة «خود» فإنها عبارة عن المرأة الناعمة، وإذا نقلت إلى صيغة الفعل قيل خوّد على وزن فعّل- بتشديد العين- ومعناها أسرع، يقال: خوّد
стр. 270
البعير؛ إذا أسرع؛ فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة، وقد وردت في النظم والنثر كثيرا، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة، كقول أبي تمام «١» :
وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النّعام رأى الظّلام فخوّدا
وهذا يقال عليه أشباهه وأنظاره، إلا أن هذه اللفظة التي هي خود قد نقلت عن الحقيقة إلى المجاز، فخف عنها ذلك القبح قليلا؛ كقول بعض شعراء الحماسة «٢» :
أقول لنفسي حين خوّد رألها ... رويدك لمّا تشفقي حين مشفق
رويدك حتّى تنظري عمّ تنجلي ... غيابة هذا البارق المتألّق «٣»
والرّأل: النعام، والمراد به ههنا أن نفسه فرّت وفزعت، وشبه ذلك بإسراع النعام في فراره وفزعه، ولما أورده على حكم المجاز خفّ بعض القبح الذي على لفظة خوّد، وهذا يدرك بالذوق الصحيح، ولا خفاء بما بين هذه اللفظة في إيرادها ههنا وإيرادها في بيت أبي تمام؛ فإنها وردت في بيت أبي تمام قبيحة سمحة، ووردت ههنا بين بين.
ومن هذا النوع لفظة ودع وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها على اللسان، ومع ذلك فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة، ولكنها تستعمل مستقبلة، وعلى صيغة الأمر، فتجيء حسنة، أما الأمر فكقوله تعالى: «فذرهم يخوضوا ويلعبوا» *
«٤» ولم تأت في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة؛ وأما كونها
стр. 271
مستقبلة فكقول النبي ﷺ وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم: «لو مدّ لنا الشّهر لواصلنا وصالا يدع له المتعمّقون تعمّقهم» وقال أبو الطيب المتنبي «١» :
تشقّكم بقناها كلّ سلهبة ... والضّرب يأخذ منكم فوق ما يدع «٢»
وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذا ولا حسن له، كقول أبي العتاهية:
أثروا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئا من الثّروة الّتي جمعوا
وكان ما قدّموا لأنفسهم ... أعظم نفعا من الّذي ودعوا
وهذا غير حسن في الاستعمال، ولا عليه من الطلاوة شيء، وهذه لفظة واحدة لم يتغير من حالها شيء، سوى أنها نقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير.
وكذلك لفظة وذر، فإنها لا تستعمل ماضية، وتستعمل على صيغة الأمر، كقوله تعالى: «ذرهم يأكلوا ويتمتعوا»
وتستعمل مستقبلة أيضا، كقوله تعالى:
«سأصليه سقر، وما أدراك ما سقر، لا تبقى ولا تذر»
فهي لم ترد في القرآن إلا على هاتين الصيغتين، وكذلك في فصيح الكلام غير القرآن، وأما إذا جاءت على صيغة الماضي فإنها لا تستعمل، وهي أقبح من لفظة ودع، لأن لفظة ودع قد استعملت ماضية، وهذه لم تستعمل.
وههنا فلينعم الخائضون في هذا الفن نظرهم، ويعلموا أن في الزوايا خبايا، وإذا أنعموا الفكر في أسرار الألفاظ عند الاستعمال، وأغرقوا في الاعتبار والكشف؛ وجدوا غرائب وعجائب.
стр. 272
ومن هذا النوع لفظة الأخدع، فإنها وردت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما حسنة رائقة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصّمّة بن عبد الله من شعراء الحماسة «١» :
تلفّتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا «٢»
وكقول أبي تمام «٣» :
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
ألا ترى أنه وجد لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على السمع والكراهة في النفس أضعاف ما وجد لها من بيت الصمة بن عبد الله من الروح والخفة والإيناس والبهجة، وليس سبب ذلك إلا أنها جاءت موحّدة في أحدهما مثنّاة في الآخر، وكانت حسنة في حالة الإفراد، مستكرهة في حالة التثنية، وإلا فاللفظة واحدة، وإنما اختلاف صيغتها فعل بها ما ترى.
ومن هذا النوع ألفاظ يعدل عن استعمالها من عير دليل يقوم على العدول عنها، ولا يستفتي في ذلك إلا الذوق السليم، وهذا موضع عجيب لا يعلم كنه سره.
فمن ذلك لفظة اللب الذي هو العقل، لا لفظة اللب الذي تحت القشر، فإنها لا تحسن في الاستعمال إلا مجموعة، وكذلك وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وهي مجموعة، ولم ترد مفردة، كقوله تعالى: «وليتذكر أولوا الألباب»
стр. 273
و «إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب»
وأشباه ذلك، وهذه اللفظة الثلاثية خفيفة على النطق، ومخارجها بعيدة، وليست بمستثقلة ولا مكروهة وقد تستعمل مفردة بشرط أن تكون مضافة أو مضافا إليها؛ أما كونها مضافا إليها فكقولنا:
لا يعلم ذلك إلا ذو لب، وإن في ذلك لعبرة لذي لب، وعليه ورد قول جرير:
إنّ العيون الّتي في طرفها حور ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتّى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا
وأما كونها مضافة فكقول النبي ﷺ في ذكر النساء: «ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الحازم من إحداكنّ يا معشر النّساء» ؛ فإن كانت هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة؛ ولا تجد دليلا على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح، وإذا تأملت القرآن الكريم ودققت النظر في رموزه وأسراره وجدت مثل هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد كلفظة كوب، فإنها وردت في القرآن مجموعة، ولم ترد مفردة، وهي وإن لم تكن مستقبحة في حال إفرادها فإن الجمع فيها أحسن، لكن قد ترد مفردة مع ألفاظ أخر تندرج معهن فيكسوها ذلك حسنا ليس لها؛ وذلك كقولي في جملة أبيات أصف بها الخمر وما يجري معها من آلاتها:
ثلاثة تعطي الفرح ... كأس وكوب وقدح
ما ذبح الذّوق بها ... إلّا وللهمّ ذبح
فلما وردت لفظة الكوب مع الكأس والقدح على هذا الأسلوب حسنها، وكأنه جلاها في غير لباسها الذي كان لها إذ جاءت بمفردها.
وكذلك وردت لفظة رجا بالقصر، والرّجا: الجانب، فإنها لم تستعمل موحّدة وإنما استعملت مجموعة، كقوله تعالى: «والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية»
فلما وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبا من الحسن لم يكن لها في حال كونها موحّدة، وقد تستعمل موحدة بشرط الإضافة، كقولنا: رجا البئر.
стр. 274
ولربما أخطأ بعض الناس في هذا الموضع وقاس عليه ما ليس بمقيس؛ وذلك أنه وقف على ما ذكرته ههنا واقف؛ وكذلك قد وردت لفظة الصوف في القرآن الكريم، ولم ترد إلا مجموعة، كقوله تعالى: «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين»
وهذا بخلاف ما وردت عليه في شعر أبي تمام «١» :
كانوا برود زمانهم فتصدّعوا ... فكأنّما لبس الزّمان الصّوفا
وهذا ليس كالذي أشرت إليه؛ فإن لفظة الصوف لفظة حسنة مفردة ومجموعة، وإنما أزرى بها في قول أبي تمام أنها جاءت مجازيّة في نسبتها إلى الزمان.
وعلى هذا النهج وردت لفظة خبر وأخبار؛ فإن هذه اللفظة مجموعة أحسن منها مفردة، ولم ترد في القرآن إلا مجموعة.
وفي ضد ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردا ولم يرد مجموعا، كلفظة الأرض؛ فإنها لم ترد في القرآن إلا مفردة فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة معها في كل موضع من القرآن، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل: «ومن الأرض مثلهن»
في قوله تعالى: «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن» .
ومما ورد من الألفاظ مفردا فكان أحسن مما يرد مجموعا لفظة البقعة، قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: «فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله»
والأحسن استعمالها مفردة لا مجموعة، وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون مضافة كقولنا: بقاع الأرض، أو ما جرى مجراها.
стр. 275
وكذلك لفظة طيف، في ذكر طيف الخيال؛ فإنها لم تستعمل إلا مفردة، وقد استعملها الشعراء قديما وحديثا فلم يأتوا بها إلا مفردة، لأن جمعها جمع قبيح؛ فإذا قيل طيوف كان من أقبح الألفاظ وأشدها كراهة على السمع، ويا لله العجب من هذه اللفظة ومن أختها عدة ووزنا وهي لفظة ضيف؛ فإنها تستعمل مفردة ومجموعة، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق، وهذا مما لا يعلم السر فيه؛ والذوق السليم هو الحاكم في الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما.
وأما جمع المصادر فإنه لا يجيء حسنا، والإفراد فيه هو الحسن، ومما جاء في المصادر مجموعا قول عنترة «١» :
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحقّ له الفقود
قوله: الفقود جمع مصدر من قولنا: فقد يفقد فقدا، واستعمال مثل هذه اللفظة غير سائغ ولا لذيذ، وإن كان جائزا، ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ واقفون مع الحسن، لا مع الجواز.
وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم؛ فإن صاحب هذه الصناعة يصرف الألفاظ بضروب التصريف، فما عذب في فمه منها استعمله، وما لفظه فمه تركه، ألا ترى أنه يقال: الأمّة بالضم عبارة عن الجمع الكثير من الناس، ويقال: الإمة بالكسر وهي النعمة، فإن الأمة بالضم لفظة حسنة، وبالكسر ليست بحسنة، واستعمالها قبيح.
ورأيت صاحب كتاب الفصيح قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة؛ ويا ليت شعري! ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها؟ وكذلك قد اختار ألفاظا أخر ليست بفصيحة، ولا لوم عليه؛ لأن صدور مثل ذلك الكتاب عنه كثير، وأسرار الفصاحة لا تؤخذ من علماء العربية، وإنما تؤخذ منهم مسألة نحوية أو تصريفية، أو
стр. 276
نقل كلمة لغوية، وما جرى هذا المجرى؛ وأما أسرار الفصاحة فلها قوم مخصوصون بها. وإذا شذ عن صاحب كتاب الفصيح ألفاظ معدودة ليست بفصيحة في جملة كثيرة ذكرها من الفصيح فإن هذا منه كثير.
ومما يذكر في هذا الباب أنه يقال: سهم صائب؛ فإذا جمع الجمع الحسن الذي يعذب في الفم قيل: سهام صوائب وصائبات وصيّب؛ فإذا جمع الجمع الذي يقبح قيل: سهام صيب، على وزن كتب، قال أبو نواس:
ما أحلّ الله ما صنعت ... عينه تلك العشيّة بي
قتلت إنسانها كبدي ... بسهام للرّدى صيب
فقوله: «سهام صيب» من اللفظ الذي ينبو عنه السمع، ويحيد عنه اللسان، ومثله ورد قول عويف القوافي «١» من أبيات الحماسة:
ذهب الرّقاد فما يحسّ رقاد ... ممّا شجاك ونامت العوّاد
لمّا أتاني من عيينة أنّه ... أمست عليه تظاهر الأقياد «٢»
فقوله: «أقياد» في جمع قيد مما لا يحسن استعماله، بل الحسن أن يقال في جمعه: قيود، وكذلك قول مرة بن محكان التميمي من أبيات الحماسة، وذلك من جملة الأبيات المشهورة التي أولها «٣» :
يا ربّة البيت قومي غير صاغرة ... ضمّي إليك رحال القوم والقربا
فقال فيها:
ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت أم نبني لهم قببا
стр. 277
فإنه جمع قبّة على قبب، وذلك من المستبشع الكريه، والأحسن المستعمل هو قباب لا قبب، وكذلك يجري الأمر في غير هذا.
ومن المجموع ما يختلف استعماله، وإن كان متفقا في لفظة واحدة، كالعين الناظرة وعين الناس وهو النبيه فيهم؛ فإن العين الناظرة تجمع على عيون، وعين الناس تجمع على أعيان، وهذا يرجع فيه إلى الاستحسان، لا إلى جائز الوضع اللغوي.
وقد شذ هذا الموضع عن أبي الطيب المتنبي في قوله «١» :
والقوم في أعيانهم خزر ... والخيل في أعيانها قبل
فجمع العين الناظرة على أعيان، وكان الذوق يأبى ذلك، ولا تجد له على اللسان حلاوة وإن كان جائزا.
ولولا خوف الإطالة لأوردت من هذا النوع وأمثاله أشياء كثيرة، وكشفت عن رموز وأسرار تخفى على كثير من متعاطي هذا الفن؛ لكن في الذي أشرت إليه منبّه لأهل الفطانة والذكاء أن يحملوه على أشباهه وأنظاره.
وأعجب من ذلك كله أنك ترى وزنا واحدا من الألفاظ؛ فتارة تجد مفرده حسنا، وتارة تجد جمعه حسنا، وتارة تجدهما جميعا حسنين؛ فالأول نحو حبرور وهو فرخ الحبارى؛ فإن هذه اللفظة يحسن مفردها لا مجموعها؛ لأن جمعها على حبارير، وكذلك طنبور وطنابير، وعرقوب وعراقيب؛ وأما الثاني فنحو بهلول وبهاليل، ولهموم ولهاميم، وهذا ضد الأول؛ وأما الثالث فنحو جمهور وجماهير، وعرجون وعراجين، فانظر إلى الوزن الواحد كيف يختلف في أحواله مفردا ومجموعا؟ وهذا من أعجب ما يجيء في هذا الباب.
وهكذا قد جاءت ألفاظ على وزن واحد ثلاثية مسكنة الوسط وجميعها حسن في الاستعمال، وإذا أردنا أن نثقل وسطها حسن منها شيء دون شيء.
стр. 278
فمن ذلك لفظة الثّلث والرّبع إلى العشر فإن الجميع على وزن واحد، وإذا ثقلنا أوساطها فقلنا ثلث وربع وخمس، وكذلك إلى عشر؛ فإن الحسن من ذلك جميعه ثلاثة، وهي الثّلث والخمس والسّدس، والباقي وهو الرّبع والسّبع والثّمن والتّسع والعشر، ليس كالأول في حسنه، هذا، والجميع على وزن واحد وصيغة واحدة، والجميع حسن في الاستعمال قبل أن يثقل وسطه، ولما ثقل صار بعضه حسنا وبعضه غير حسن.
وكذلك تجد الأمر في أسماء الفاعلين كالثلاثي منها نحو فعل بفتح الفاء والعين وفعل بفتح الفاء وكسر العين وفعل بفتح الفاء وضم العين، فإن هذه الأوزان الثلاثة لها أسماء فاعلين، أما فعل بفتح الفاء والعين فليس له إلا اسم واحد أيضا وهو فاعل، لا غير، ولا يقع فيه اختلاف، وكذلك فعل بفتح الفاء وضم العين فليس له إلا اسم واحد أيضا، وهو فعيل، ولا يقع فيه اختلاف إلا ما شذ، لكن فعل بفتح الفاء وكسر العين يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانا واستقباحا، لأن له ثلاثة أوزان نحو فاعل وفعل وفعلان، تقول منه: حمد فهو حامد وحمد وحمدان، وقد جاء على وزنه فرح، تقول منه: فرح زيد فهو فرح، وهو الأحسن، ولا يحسن أن يقال: فارح، ولا فرحان، وإن كان جائزا، لكن فرحان أحسن من فارح، وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم فلا تستعمل إلا على فرح لا غير، كقوله تعالى:
«كل حزب بما لديهم فرحون» *
وكقوله تعالى: «إن الله لا يحب الفرحين»
وقد جاءت هذه اللفظة في شعر بعض شعراء الحماسة في باب المراثي «١» :
فما أنا من حزن وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
وهذا غير حسن، وإن جاز استعماله.
وعلى نحو منه يقال: غضب وهو غضبان، ولا يقال: غاضب، وإن كان
стр. 279
جائزا، وقد تقدم القول أنّا في تأليف الكلام بصدد استعمال الحسن والأحسن. لا بصدد استعمال الجائز وغير الجائز.
ومما يجري هذا المجرى قولنا: فعل وافتعل، فإن لفظة فعل لها موضع تستعمل فيه، ألا ترى أنك تقول: قعدت إلى فلان أحدّثه، ولا تقول: اقتعدت إليه، وكذلك تقول: اقتعدت غارب الجمل، ولا تقول: قعدت على غارب الجمل، وإن جاز ذلك، لكن الأول أحسن، وهذا لا يحكم فيه غير الذوق السليم، فإنه لا يمكن أن يقام عليه دليل.
وأما فعل وافعوعل فإنا نقول: أعشب المكان «١» ، فإذا كثر عشبه قلنا:
اعشوشب، فلفظة افعوعل للتكثير، على أني استقريت هذه اللفظة في كثير من الألفاظ فوجدتها عذبة طيبة على تكرار حروفها، كقولنا: اخشوشن المكان، واغرورقت العين، واحلولى الطعم، وأشباهها.
وأما فعلة نحو همزة ولمزة وجثمة ونومة ولكنة ولجنة، وأشباه ذلك؛ فالغالب على هذه اللفظة أن تكون حسنة، وهذا أخذته بالاستقراء، وفي اللغة مواضع كثيرة هكذا لا يمكن استقصاؤها.
فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ، وعليك أن تتفقّد أمثال هذه المواضع، لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها، فكثيرا ما يقع فحول الشعراء، والخطباء في مثلها، ومؤلف الكلام من كاتب وشاعر إذا مرّت به ألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح، فما يجد الحسن منها مجموعا جمعه، وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك من الألفاظ.
стр. 280
النوع السابع في المعاظلة اللفظية
والمعاظلة معاظلتان: لفظية، ومعنوية.
أما المعنوية:
فسيأتي ذكرها في باب التقديم والتأخير من المقالة الثانية، فليؤخذ من هناك.
وأما المعاظلة اللفظية:
- وهي المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ- وحقيقتها مأخوذة من قولهم: تعاظلت الجرادتان؛ إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمي الكلام المتراكب في ألفاظه أو في معانيه المعاظلة مأخوذا من ذلك، وهو اسم لائق بمسماه.
ووصف عمر بن الخطاب ﵁ زهير بن أبي سلمى فقال: كان لا يعاظل بين الكلام.
وقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة:
فقال قدامة بن جعفر الكاتب «١» : التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة، كقول أوس بن حجر «٢» :
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «٣»
стр. 281
فسمي الظبي تولبا، والتولب: ولد الحمار.
هذا ما ذكره قدامة بن جعفر، وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابا لكانت حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل حقيقتها ما تقدم، وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحداهما الأخرى، وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تركّب في ألفاظه ولا في معانيه.
وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلا أنه لم يقسم المعاظلة إلى لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالا، كقول الفرزدق «١» :
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه
وهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظي، ألا ترى إلى تراكب معانيه بتقديم ما كان يجب تأخيره وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، وسيجيء شرح ذلك مستوفى في بابه من المقالة الثانية؛ إن شاء الله تعالى.
وإذ حققت القول في بيان المعاظلة والكشف عن حقيقتها فإني أتبع ذلك بتقسيم القسم اللفظي منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا، فأقول:
إني تأملته بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها نفسها، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام:
الأول منها:
يختص بأدوات الكلام، نحو من وإلى وعن وعلى، وأشباهها؛ فإن منها ما يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته، ومنها ما لا يسهل، بل يرد ثقيلا على اللسان، ولكل موضع يخصه من السبك.
стр. 282
فمما جاء منه قول أبي تمام «١» :
إلى خالد راحت بنا أرحبيّة ... مرافقها من عن كراكرها نكب «٢»
فقوله: «من عن كراكرها» من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به، على أنه قد وردت هاتان اللفظتان، وهما من وعن، في موضع آخر فلم يثقل النطق بهما، كقول القائل: من عن يمين الطّريق، والسبب في ذلك أنهما وردتا في بيت أبي تمام مضافتين إلى لفظة الكراكر، فثقّلت منهما، وجعلتهما مكروهتين كما ترى، وإلا فقد وردتا في شعر قطريّ بن الفجاءة فكانتا خفيفتين، كقوله «٣» :
ولقد أراني للرّماح دريئة ... من عن يميني مرّة وأمامي
والأصل في ذلك راجع إلى السبك، فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما لم يكن بهما من ثقل، كما جاءتا في بيت قطري، وإذا سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام.
ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضا «٤» :
كأنّه لاجتماع الرّوح فيه له ... في كلّ جارحة من جسمه روح
فقوله في بعد قوله فيه له مما لا يحسن وروده.
стр. 283
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
فقوله: «لها منها عليها» من الثقيل الثقيل الثقيل.
وكذلك قوله «١» :
تبيت وفودهم تسري إليه ... وجدواه الّتي سألوا اغتفار
فخلّفهم بردّ البيض عنهم ... وهامهم له معهم معار
وقوله: «وهامهم له معهم» مما يثقل النطق به، ويتعثّر اللسان فيه، لكنه أقرب حالا من الأول.
ومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام «٢» :
دار أجلّ الهوى عن أن ألمّ بها ... في الرّكب إلّا وعيني من منائحها
فقوله: «عن أن» في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به.
القسم الثاني
من المعاظلة اللفظية، تختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلق بتكرير الألفاظ، ولا بتكرير المعاني، مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة الثانية، وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، فيثقل حينئذ النطق به.
فمن ذلك قول بعضهم «٣» :
стр. 284
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
فهذه القافات والراآت كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل.
وكذا ورد قول الحريري في مقاماته:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه
فقوله: «وعاف عافى العرف عرفانه» من التكرير المشار إليه.
وكذلك ورد قوله أيضا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين والشين، فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها وأتى في الأخرى بالشين في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رقّى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما أعلم كيف خفي ما فيهما من القبح على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من الكلام.
ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده: جنى جنّات وجنات الحبيب، فصاح رجل من الحاضرين في المجلس وماد وتغاشى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعت حتى حدث بك هذا؟ فقال: سمعت جيما في جيم في جيم فصحت.
وهذا من أقبح عيوب الألفاظ.
ومما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
أتراها لكثرة العشّاق «١» ... كيف ترثي الّتي ترى كلّ جفن
راءها غير جفنها غير راقي «٢»
стр. 285
وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصرع التي تنوب في بعض الأيام.
ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم في قصيدته التي مطلعها:
داو خماري بكأس خمر «١» ... والزّهر والقطر في رباها
ما بين نظم وبين نثر «٢» ... حدائق كفّ كلّ ريح
حلّ بها خيط كلّ قطر «٣»
وهذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتى يديره له.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس:
مللت مطال مولود مفدّى ... مليح مانع منّي مرادي
وهذه الميمات كأنها عقد متصلة بعضها ببعض.
وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرا في كلامه نثرا ونظما، وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق.
وأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخي: أنت المديح كبدا تريح، والمليح إن تجهّم المليح بالتّكليح، عند سائل تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك اللوح، وببابك المفتوح تستريح، وتريح ذا التبريح، وترفّه الطليح.
следующие страницы →