Полный текст (791 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
فسمي الظبي تولبا، والتولب: ولد الحمار.
هذا ما ذكره قدامة بن جعفر، وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابا لكانت حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل حقيقتها ما تقدم، وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحداهما الأخرى، وهذا المثال الذي مثل به قدامة لا تركّب في ألفاظه ولا في معانيه.
وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلا أنه لم يقسم المعاظلة إلى لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالا، كقول الفرزدق «١» :
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه
وهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظي، ألا ترى إلى تراكب معانيه بتقديم ما كان يجب تأخيره وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، وسيجيء شرح ذلك مستوفى في بابه من المقالة الثانية؛ إن شاء الله تعالى.
وإذ حققت القول في بيان المعاظلة والكشف عن حقيقتها فإني أتبع ذلك بتقسيم القسم اللفظي منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا، فأقول:
إني تأملته بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها نفسها، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام:
الأول منها:
يختص بأدوات الكلام، نحو من وإلى وعن وعلى، وأشباهها؛ فإن منها ما يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته، ومنها ما لا يسهل، بل يرد ثقيلا على اللسان، ولكل موضع يخصه من السبك.
стр. 282
فمما جاء منه قول أبي تمام «١» :
إلى خالد راحت بنا أرحبيّة ... مرافقها من عن كراكرها نكب «٢»
فقوله: «من عن كراكرها» من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به، على أنه قد وردت هاتان اللفظتان، وهما من وعن، في موضع آخر فلم يثقل النطق بهما، كقول القائل: من عن يمين الطّريق، والسبب في ذلك أنهما وردتا في بيت أبي تمام مضافتين إلى لفظة الكراكر، فثقّلت منهما، وجعلتهما مكروهتين كما ترى، وإلا فقد وردتا في شعر قطريّ بن الفجاءة فكانتا خفيفتين، كقوله «٣» :
ولقد أراني للرّماح دريئة ... من عن يميني مرّة وأمامي
والأصل في ذلك راجع إلى السبك، فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما لم يكن بهما من ثقل، كما جاءتا في بيت قطري، وإذا سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام.
ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضا «٤» :
كأنّه لاجتماع الرّوح فيه له ... في كلّ جارحة من جسمه روح
فقوله في بعد قوله فيه له مما لا يحسن وروده.
стр. 283
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:
وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
فقوله: «لها منها عليها» من الثقيل الثقيل الثقيل.
وكذلك قوله «١» :
تبيت وفودهم تسري إليه ... وجدواه الّتي سألوا اغتفار
فخلّفهم بردّ البيض عنهم ... وهامهم له معهم معار
وقوله: «وهامهم له معهم» مما يثقل النطق به، ويتعثّر اللسان فيه، لكنه أقرب حالا من الأول.
ومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام «٢» :
دار أجلّ الهوى عن أن ألمّ بها ... في الرّكب إلّا وعيني من منائحها
فقوله: «عن أن» في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به.
القسم الثاني
من المعاظلة اللفظية، تختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلق بتكرير الألفاظ، ولا بتكرير المعاني، مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة الثانية، وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، فيثقل حينئذ النطق به.
فمن ذلك قول بعضهم «٣» :
стр. 284
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
فهذه القافات والراآت كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل.
وكذا ورد قول الحريري في مقاماته:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه
فقوله: «وعاف عافى العرف عرفانه» من التكرير المشار إليه.
وكذلك ورد قوله أيضا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين والشين، فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها وأتى في الأخرى بالشين في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رقّى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما أعلم كيف خفي ما فيهما من القبح على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من الكلام.
ويحكى عن بعض الوعاظ أنه قال في جملة كلام أورده: جنى جنّات وجنات الحبيب، فصاح رجل من الحاضرين في المجلس وماد وتغاشى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعت حتى حدث بك هذا؟ فقال: سمعت جيما في جيم في جيم فصحت.
وهذا من أقبح عيوب الألفاظ.
ومما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
أتراها لكثرة العشّاق «١» ... كيف ترثي الّتي ترى كلّ جفن
راءها غير جفنها غير راقي «٢»
стр. 285
وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصرع التي تنوب في بعض الأيام.
ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم في قصيدته التي مطلعها:
داو خماري بكأس خمر «١» ... والزّهر والقطر في رباها
ما بين نظم وبين نثر «٢» ... حدائق كفّ كلّ ريح
حلّ بها خيط كلّ قطر «٣»
وهذا البيت يحتاج الناطق به إلى بركار يضعه في شدقه حتى يديره له.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس:
مللت مطال مولود مفدّى ... مليح مانع منّي مرادي
وهذه الميمات كأنها عقد متصلة بعضها ببعض.
وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرا في كلامه نثرا ونظما، وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق.
وأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخي: أنت المديح كبدا تريح، والمليح إن تجهّم المليح بالتّكليح، عند سائل تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك اللوح، وببابك المفتوح تستريح، وتريح ذا التبريح، وترفّه الطليح.
стр. 286
فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ فجاءكما تراءه من الثقل والغثاثة؟.
واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عدلوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرر الحرف عندهم أدغموه استحسانا فقالوا في جعل لك: جعلّك، وفي تضربونني، تضربونّي، وكذلك قالوا: استعدّ فلان للأمر؛ إذا تأهّب له، والأصل فيه استعدد، واستتبّ الأمر؛ إذا تهيأ، والأصل فيه استتبب، وأشباه ذلك كثير في كلامهم، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفا آخر غيره، فقالوا: أمليت الكتاب، والأصل فيه أمللت، فأبدلوا اللام ياء طلبا للخفة، وفرارا من الثقل، وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة فما ظنك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضا؟.
القسم الثالث من المعاظلة:
أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضا؛ فمنها ما يختلف بين ماض ومستقبل، ومنها ما لا يختلف.
فالأول كقول القاضي الأرّجاني في أبيات يصف فيها الشمعة، وفيها معنى هو له مبتدع، ولم يسمع من غيره، وذلك أنه قال عن لسان الشمع: إنه ألف العسل وهو أخوه الذي ربّي معه في بيت واحد، وإن النار فرقت بينه وبينه، وإنه نذر أن يقتل نفسه بالنار أيضا من ألم الفراق، إلا أنه أساء العبارة؛ فقال «١» :
بالنّار فرّقت الحوادث بيننا ... وبها نذرت أعود أقتل روحي
стр. 287
فقوله «نذرت أعود [أقتل] » من المعاظلة المشار إليها.
وأما ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية: فكقول أبي الطيب المتنبي «١» :
أقل أنل أقطع احمل علّ سلّ أعد ... زد هشّ بشّ تقضّل أدن سرّصل «٢»
فهذه ألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: افعل افعل، هكذا إلى آخر البيت، وهذا تكرير للصيغة وإن لم يكن تكريرا للحروف، إلا أنه أخوه، ولا أقول ابن عمه، وهذه ألفاظ متراكبة متداخلة، ولو عطفها بالواو لكانت أقرب حالا، كما قال عبد السلام بن رغبان «٣» :
فسد النّاس فاطلب الرّزق بالسّيف وإلّا فمت شديد الهزال احل وامرر وضرّ وانفع ولن واخشن وأبرر ثمّ انتدب للمعالي.
стр. 288
ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي الطيب المتقدم ذكره.
فإن قيل: إنك جعلت ما كان واردا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلة، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم، كقوله تعالى: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد»
ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله.
فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته؛ فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلا؛ لتراكبه وثقله على النطق، وقد عرّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلا مما لا يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن تأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عقد متصلة، فحينئذ يثقل المنطق بها، ويكره موقعها من السمع، كبيت أبي الطيب المتنبي، وأما هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم، ألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فرق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلا بين ثنتين، وهما «خذوهم واحصروهم»
، وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: «اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم»
ولم يقل اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضا فقيل: «واقعدوا لهم كل مرصد»
لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة الأمر فيها أربع مرار، وهذه رموز ينبغي أن يتنبه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا.
القسم الرابع من المعاظلة:
وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة، كقولهم:
سرج فرس غلام زيد، وإن زيد على ذلك قيل: لبد سرج فرس غلام زيد، وهذا أشد قبحا وأثقل على اللسان، وعليه ورد قول ابن بابك الشاعر في مفتتح قصيدة له:
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
стр. 289
القسم الخامس من المعاظلة:
أن ترد صفات متعددة على نحو واحد، كقول أبي تمام في قصيدته التي مطلعها:
ما لكثيب الحمى إلى عقده «١»
فقال يصف جملا:
سأخرق الخرق بابن خرقاء ... كالهيق إذا ما استحمّ من نجده «٢»
مقابل في الجديل صلب القرا ... لو حكّ من عجبه إلى كتده «٣»
تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزئلّه أجده «٤»
فالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها.
وكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحا:
ومرّ تهفو ذؤابتاه على ... أسمر متن يوم الوغى جسده «٥»
стр. 290
مارنه لدنه مثقّفه ... عرّاصه في الأكفّ مطّرده «١»
وهذا كالأول في قبحه وثقله، فقاتله الله!! ما أمتن شعره! وما أسخفه في بعض الأحوال!.
وعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضا يصف الممدوح:
إليك عن سيل عارض خضل الشّؤبوب ... يأتي الحمام من نضده «٢»
مسفّه ثرّه مسحسحه ... وابله مستهلّه جرده «٣»
ولو لم يكن لأبي تمام من القبيح الشنيع إلا هذه الأبيات لحطّت من قدره.
وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي «٤» :
دان بعيد محب مبغض بهج ... أغرّ حلو ممرّليّن شرس «٥»
стр. 291
ند أبيّ غر واف أخي ثقة ... جعد سريّ ندب رضى ندس «١»
وهذا كأنه سلسلة بلا شك، وقليلا ما يوجد في أشعار الشعراء، ولم أجده كثيرا إلا في شعر الفرزدق، وتلك معاظلة معنوية، وسيأتي بيانها في بابها، وهذه معاظلة لفظية، وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرا.
النوع الثامن في المنافرة بين الألفاظ في السبك
وهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه، وغاية ما يقال: إنه ينبغي ألّا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها، ثم يكتفي بها القول، من غير بيان ولا تفصيل، حتى إنه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة، وكل منهما نوع مفرد برأسه له حقيقة تخصّه، إلا أنهما قد اشتبها على علماء البيان، فكيف على جاهل لا يعلم.
وقد بيّنت هذا النوع وفصّلته عن المعاظلة، وضربت له أمثلة يستدلّ بها على أخواتها وما يجري مجراها.
وجملة الأمر أن مدار سبك الألفاظ على هذا النوع والذي قبله دون غيرهما من تلك الأنواع المذكورة؛ لأن هذين النوعين أصلا سبك الألفاظ، وما عداهما فرع عليهما، وإذا لم يكن الناثر أو الناظم عارفا بهما فإن مقاتله تبدو كثيرا.
وحقيقة هذا النوع الذي هو المنافرة: أن يذكر لفظ أو ألفاظ يكون غيرها مما هو في معناها أولى بالذكر.
стр. 292
وعلى هذا فإن الفرق بينه وبين المعاظلة أن المعاظلة هي التراكب والتداخل إما في الألفاظ أو في المعاني، على ما أشرت إليه، وهذا النوع لا تراكب فيه، وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه.
وهو ينقسم قسمين: أحدها: يوجد في اللفظة الواحدة، والآخر: في الألفاظ المتعددة.
فأما الذي يوجد في اللفظة الواحد فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله بغيره مما هو في معناه، سواء كان ذلك نثرا أو نظما.
وأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره في الشعر، بل يمكن ذلك في النثر خاصة؛ لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن.
فمما جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي «١» :
فلا يبرم الأمر الّذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الّذي هو يبرم
فلفظة «حالل» نافرة عن موضعها، وكانت له مندوحة عنها؛ لأنه لو استعمل عوضا عنها لفظة «ناقض» فقال:
فلا يبرم الأمر الّذي هو ناقض ... ولا ينقض الأمر الّذي هو يبرم
لجاءت اللفظة قارّة في مكانها، غير قلقة ولا نافرة.
وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعرّي أنه كان يتعصّب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه «الشاعر» ويسمي غيره من الشعراء باسمه، وكان يقول: ليس في شعره لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها فيجيء حسنا مثلها؛ فيا ليت شعري أما وقف على هذا البيت المشار إليه، لكن الهوى كما يقال أعمى؛ وكان أبو العلاء أعمى العين خلقة وأعماها عصبيّة، فاجتمع له العمى من جهتين.
стр. 293
وهذه اللفظة التي هي «حالل» وما يجري مجراها قبيحة الاستعمال، وهي فكّ الإدغام في الفعل الثلاثي، ونقله إلى اسم الفاعل، وعلى هذا فلا يحسن أن يقال:
بلّ الثوب فهو بالل، ولا سلّ السيف فهو سالل، ولا أن يقال: همّ بالأمر فهو هامم، ولا خطّ الكتاب فهو خاطط، ولا حنّ إلى كذا فهو حانن، وهذا لو عرض على من لا ذوق له لأدركه وفهمه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي الطيب، لكن لا بد لكل جواد من كبوة.
وأنشد بعض الأدباء بيتا لدعبل، وهو:
شفيعك فاشكر في الحوائج إنّه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فقلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح؛ لأنه سبكه قلقا نافرا، وتلك الفاء التي في قوله: «شفيك فاشكر» كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش، فقال: لهذه الفاء في كتاب الله أشباه، كقوله تعالى: «يا أيها المدثر.
قم فأنذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر»
فقلت له: بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ظاهر يدرك بالعلم، أولا، وبالذوق ثانيا؛ أما العلم فإن الفاء في (وربك فكبر وثيابك فطهر) هي الفاء العاطفة؛ فإنها واردة بعد (قم فأنذر) وهي مثل قولك: امش فأسرع، وقل فأبلغ، وليست الفاء التي في «شفيعك فاشكر» كهذه الفاء؛ لأن تلك زائدة لا موضع لها، ولو جاءت في السورة كما جاءت دعبل- وحاش لله من ذلك- لابتدئ الكلام، فقيل: ربك فكبر وثيابك فطهر؛ لكنها لما جاءت بعد (قم فأنذر) حسن ذكرها فيما يأتي بعدها (وربك فكبر وثيابك فطهر) ؛ وأما الذوق فإنه ينبو عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها، ولا يوجد ذلك في الفاء الواردة في السورة، فلما سمع ما ذكرته أذعن بالتسليم.
ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظما كان أو نثرا لا يتفطن لها إلا الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة.
ومن هذا القسم وصل همزة القطع، وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل، لكن وصل همزة القطع أقبح؛ لأنه أثقل على اللسان.
стр. 294
فمما ورد من ذلك قول أبي تمام «١» :
قراني اللها والودّ حتّى كأنّما ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي
فأصبح يلقاني الزّمان من اجله ... بإعظام مولود ورأفة والد «٢»
فقوله: «من اجله» وصل الهمزة القطع.
وعليه ورد قول أبي الطيب المتنبي «٣» :
توسّطه المفاوز كلّ يوم ... طلاب الطّالبين لا الانتظار
فقوله: «لا الانتظار» كلام نافر عن موضعه.
ومن هذا القسم أن يفرق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدم ذكره، كقول البحتري «٤» :
حلفت لها بالله يوم التّفرّق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلّق
تقديره: «من قلبي المتعلق بها» فلما فصل بين الموصوف الذي هو قلبي والصفة التي هي المتعلّق بالضمير الذي هو بها قبح ذلك، ولو كان قال: «من قلب بها متعلّق» لزال ذلك القبح وذهبت تلك الهجنة.
стр. 295
ومن هذا القسم أيضا أن تزاد الألف واللام في اسم الفاعل، ويقام الضمير فيه مقام المفعول، كقول أبي تمام «١» :
فلو عاينتهم والزّائريهم ... لما مزت البعيد من الحميم «٢»
فقوله: «الزائري» اسم فاعل، وقوله: «هم» الذي هو الضمير في موضع المفعول، تقديره الزائرين أرضهم أو دارهم أو الزائرين إياهم؛ فاستعمال هذا مع الألف واللام قبيح جدا، وإذا حذفتا زال ذلك القبح، وقد استعملها الشعراء المتقدمون كثيرا.
ومما جاء من القسم الثاني الذي يوجد في الألفاظ المتعددة قول أبي الطيب أيضا «٣» :
لا خلق أكرم منك إلّا عارف ... بك راء نفسك لم يقل لك هاتها «٤»
فإن عجز هذا البيت نافر عن مواضعه، وأمثال هذا في الأشعار كثير.
стр. 296
المقالة الثانية في الصناعة المعنوية
وهي تنقسم إلى قسمين: الأول منها في الكلام على المعاني مجملا، والثاني في الكلام عليها مفصلا.
وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملة لما نحن بصدد ذكره ههنا، فأقول:
اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان، غير أن ذلك الحصر كليّ لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني وما يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم، ولا يفتقر إليه؛ فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمرّ شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله، ومع هذا فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا.
فإن قيل: إن ذلك البدويّ كان له ذلك طبعا وخليقة، والله فطره عليه كما فطر ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة؛ فإنه فطر الترك على الإحسان في الرمي والإصابة فيه من غير تعليم، وكذلك فطر أهل الصين على الإحسان في صنعة اليد فيما يباشرونه من مصوغ أو خشب أو فخّار أو غير ذلك، وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة، وهذا لا نزاع فيه، فإنه مشاهد.
فالجواب عن ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر وخطيب تحضّروا وسكنوا البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم والشعر، وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في شعر العرب ولا نطقوا بها.
فإن قلت: إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه.
стр. 297
قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئا منه، ولا مسلم بن الوليد، ولا أبو تمام، ولا البحتري، ولا أبو الطيب المتنبي، ولا غيرهم، وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد، وابن العميد، والصابي، وغيرهم، فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا؛ فإني لم أعلم شيئا مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب، وإذا وقفت على رسائلي ومكاتباتي وهي عدّة مجلدات، وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم والنثر بنجوة من ذلك كله، وأنه لا يحتاج إليه أبدا؛ وفي كتابي هذا ما يغنيك، وهو كاف.
ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي بن سنا في الخطابة والشعر، وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يسمى اللاغوذيا، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته؛ فإنه طوّل فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونان، وكل الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئا، ثم مع هذا جميعه فإن معوّل القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئا من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان والنتيجة له ببال، ولو أنه أفكر أولا في المقدمتين والنتيجة ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه، بل أقول شيئا آخر، وهو: أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع توضع ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: فقاقع ليس لها طائل، كأنها شعر الأبيوردي.
وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني فإني راجع إلى شرح ما أجملته، فأقول:
стр. 298
أما القسم الأول: فإن المعاني فيه على ضربين: أحدهما: يبتدعه مؤلف الكلام من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه، وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الطارئة، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالا للمتوشح لهذه الصناعة.
فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين «١» :
بكروا وأسروا في متون ضوامر ... قيدت لهم من مربط النّجّار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الأسفار
وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة؛ لشاهد الحال الحاضرة.
وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار:
ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه ... حتّى اصطلى سرّ الزّناد الواري
نارا يساور جسمه من حرّها ... لهب كما عصفرت شقّ إزار
طارت لها شعل يهدّم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار
فصّلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكلّ فقار
مشبوبة رفعت لأعظم مشرك ... ماكان يرفع ضوءها للسّاري
صلّى لها حيّا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجّار
وهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال.
وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال:
كم عزيز أباده فغدا ير ... كب عودا مركّبا في عود
стр. 299
أسلمته إلى الرّقاد رجال ... لم يكونوا عن وترهم برقود
تحسد الطّير فيه ضبع البوادي ... وهو في غير حالة المحسود
غاب عن صحبه فلا هو موجو ... د لديهم وليس بالمفقود
وكأنّ امتداد كفّيه فوق ال- ... جذع في محفل الرّدى المشهود
طائر مدّ مستريحا جناحي- ... هـ استراحات متعب مكدود
أخطب النّاس راكبا فإذا أر ... جل خاطبت منه عين البليد
وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود، إلا أن فيها مأخوذا من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري، وهو قوله «١» :
نصبته حيث ترتاب الرّياح به ... وتحسد الطّير فيه أضبع البيد «٢»
لكن البحتري زاد في ذلك زيادة حسنة، وهي قوله: «وهو في غير حالة المحسود» .
ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى، وهو قوله «٣» :
وزائرتي كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلّا في الظّلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
стр. 300
كأنّ الصّبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام
وقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى.
ومن بديع ما أتى به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان كان مخيما بأرض ديار بكر على مدينة ميّافارقين، فعصفت الريح بخيمته، فتطيّر الناس لذلك، وقالوا فيه أقوالا، فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة أولها:
أينفع في الخيمة العذّل «١»
فمنه ما أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله:
تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل
وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذّبّل
وكيف تقوم على راحة ... كأنّ البحار لها أنمل
فليت وقارك فرّقته ... وحمّلت أرضك ما تحمل
فصار الأنام به سادة ... وسدتهم بالّذي يفضل
رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل
وأنّ لها شرفا باذخا ... وأنّ الخيام بها تخجل
فلا تنكرنّ لها صرعة ... فمن فرح النّفس ما يقتل
ولو بلّغ النّاس ما بلّغت ... لخانتهم حولك الأرجل
ولمّا أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنّك لا ترحل
فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
وعرّف أنّك من همّه ... وأنّك في نصره ترفل
стр. 301
فما العاندون وما أمّلوا ... وما الحاسدون وما قوّلوا
هم يطلبون فمن أدركوا ... وهم يكذبون فمن يقبل
وهم يتمنّون ما يشتهون ... ومن دونه جدّك المقبل
هذه الأبيات قد اشتملت على معان بديعة، وكفى المتنبي فضلا أن يأتي بمثلها، وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر.
وقرأت في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، فقال فيما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله «١» :
تدار علينا الرّاح في عسجديّة ... حبتها بأنواع التّصاوير فارس
قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدّريها بالقسيّ الفوارس «٢»
فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
هـ وقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى وقولهم فيه: إنه معنى مبتدع.
ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديما وحديثا، إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بابداعه، وما أعلم أنا ما أقول لها ولأبي «٣» سوى أن أقول: قد تجاوز بهم حد الإكثار، ومن الأمثال السائرة: بدون هذا يباع الحمار، وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا هذا المعنى؛ فإنه لا كبير كلفة فيه؛ لأن أبا نوس رأى كأسا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره، والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة؛ فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء
стр. 302
يسيرا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلا بقدر القلانس التي على رءوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.
وكذلك ورد قوله في الخمر أيضا:
يا شقيق النّفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم تنم
فاسقني الخمر الّتي اختمرت ... بخمار الشّيب في الرّحم
وهذا معنى مخترع لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصور.
وبلغني أنه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هرون ﵀، فقيل:
إنه يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض على وجهها، فقال الأصمعي: إن أبا نواس ألطف خاطرا من هذا، وأسد غرضا، فاسألوه، فأحضر وسئل، فقال: إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيها بالقطنة، وهي أصل العنقود؛ فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن الرجل ألطف خاطرا وأسد غرضا.
وقد جاء لابن حمديس الصقلي في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره، وهو من الحسن واللطافة في الغاية القصوى، وذلك قوله:
كأنّما أدهم الظّلماء حين نجا ... من أشهب الصّبح ألقى نعل حافره
وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر، إلا أنه أبدع في التشبيه.
وأمثال هذا كثيرة في أقوال المجيدين من الشعراء.
وجملة الأمر في ذلك أن الشاعر أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة ثم يستنبط لها ما يناسبها من المعاني، كما فعل النابغة في مدح النعمان وقد أتاه وفد من الوفود فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم «١» ، فلما رفدهم جعل عطاء ذلك الميت
стр. 303
على قبره، حتى جاء أهله وأخذوه، فقال النابغة في ذلك «١» :
حباء شقيق فوق أحجار قبره ... وما كان يحبى قبله قبر وافد
وهذا بيت من جملة أبيات، فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى؟.
وكذلك ورد قول أخت جسّاس زوجة كليب؛ فإنه لما قتل جساس كليبا اجتمع النساء إليها وندبنه، فتحدث بعضهم إلى بعض، وقلن: هذه ليست ثاكلة، وإنما هي شامتة؛ فإنّ أخاها هو القاتل، فنمّ ذلك إليها، فقالت:
يا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللّوم حتّى تسألي
فإذا أنت تبيّنت الّذي ... يوجب اللّوم فلومي واعذلي
إنّ أختا لامرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعلي «٢»
جلّ عندي فعل جسّاس فوا ... حسرتا عمّ انجلت أو تنجلي
فعل جسّاس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن أجلي
لو بعين فقئت عين سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل
يا قتيلا قوّض الدّهر به ... سقف بيتيّ جميعا من عل
هدّم البيت الّذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأوّل
يشتفي المدرك بالثّأر وفي ... دركي ثأري ثكل مثكلي
стр. 304
إنّني قاتلة مقتولة ... ولعلّ الله أن يرتاح لي
وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت، فكيف امرأة وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها.
واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع.
فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد:
تنافس اللّيل فيه والنّهار معا ... فقمّصاه بجلباب من المقل
وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه.
وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت معنى غريبا، فقال:
ونقّطته حباء كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرّمل بالحدق
وهذا معنى غريب لم أسمع بمثله في مقصده الذي قصد من أجله، وقليلا ما يقع هذا في الكلام المنظوم والمنثور، وهو موضع ينبغي أن توضع اليد عليه، ويتنبه له، وكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى.
وقد جاءني شيء من ذلك في الكلام المنثور.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان، وهو: أقبلت ربائب الكناس، في مخضرّ اللّباس، فقيل: إنما يخترن الخضرة من الألوان، ليصح تشبيههن بالأغصان.
وهذا معنى غريب، وربما يكون قد سبقت إليه، إلا أنه لم يبلغني، بل ابتدعته ابتداعا.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد؛ فذكرت القتال بالمنجنيق، وهو: فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت المنجنيقات فأنشأت سحبا صعبة القياد، مختصّة بالرّبا دون الوهاد، فلم تزل تقذف السور بوبل من جلمودها، وتفجوّه برعودها قبل بروقها وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلا، والعامر بلقعا مخلى.
стр. 305
وفي هذا معنيان غريبان: أحدهما: أن هذه السحب تخصّ الربا دون الوهاد، والآخر: أن رعودها قبل بروقها، وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، فقلت: إذا تخلّق المرء بخلق البأس والندى لم يخف عرضه دنسا، كما أن الماء إذا بلغ قلّتين لم يحمل نجسا.
وهذا المعنى مبتدع لي، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ :
«إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا» .
ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة، فقلت: مفازة لا توطأ بأجفان ساهر، ولا تقتل باقتحام خابر، ولولا مسير الهلال من فوقها لما عرفت تمثال حافر.
ومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه، وكان ذلك في زمن الشتاء فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورا، فقلت:
وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين الخنادق، والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النّقيّ وعسى أن تكون أرض محشره.
والمعنى المخترع من هذا الكلام قولي: «والأرض كأنها قرصة النّقيّ وعسى أن تكون أرض محشره» وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ : «إنّكم تحشرون على أرض بيضاء كقرصة النّقيّ» يريد الخبزة البيضاء «١» ولما كان الثلج على الأرض مماثلا لذلك ومشابها له استنبطت أنا له هذا المعنى المخترع، فجاء كما تراه، وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحل.
وأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، فقلت: ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العبّاس، وهي خير دولة أخرجت للزمن كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشّباب
стр. 306
إلا تفاؤلا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوّة من أبكار السعادة بالحبّ الذي لا يسلى والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما لم تخطّ به الأقلام في خطها ولا أجالته الخواطر في أفكارها.
وغرابة هذا المعنى ظاهرة، ولم يأت بها أحد قبلي.
وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابا من أبواب المسجد الأقصى بالبيت المقدس، وبنى الحجاج بابا إلى جانبه، فجاءت صاعقة فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك، فتطير لذلك، وشقّ عليه، فبلغ ذلك الحجاج فكتب إليه كتابا: بلغني كذا وكذا، فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبّل منه، وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قرّبا قربانا فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر؛ فلما وقف عبد الملك على كتابه سرّي عنه. وهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم، وهو من المعاني المناسبة لما ذكرت فيه؛ ويكفي الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد لاستخراج مثل ذلك.
وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة فإنها أصعب مثالا مما يستخرج بشاهد الحال، ولأمر مّا كان لأبكارها سرّ لا يهجم على مكامنه إلا جنان الشّهم، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دقّ فهمه حتى جلّ عن دقة الفهم، وللهجوم على عذارى المعاني المحميّة بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ، وليس يقوم به إلا الفذ ولا أقول الأفذاذ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء، ويبرز فيها صورا يركبها كيف يشاء؟ ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر، وأخذ فيه بالعين دون الأثر، علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام، فكيف بمواقف الأقدام، وليست المعاني فيه إلا كالأرواح، ولا الألفاظ إلا كالأجسام، فمن شاء أن يخلق خلقا من الكلام فليأت به على صورة الأناسيّ لا على صورة الأنعام، فإن من القول الغانية التي هي أحسن من الغانية، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية.
فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس «١» :
стр. 307
شرابك في السّراب إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التّراب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزئة الذباب
فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع، ويحكى عن الرشيد هرون ﵀ أنه قال: لم يهج باد ولا حاضر بمثل هذا الهجاء.
ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد «١» :
تنال بالرّفق ما تعيا الرّجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل
ومن هذا الباب قول علي بن جبلة:
تكفّل ساكن الدّنيا حميد ... فقد أضحت له الدّنيا عيالا
كأنّ أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا
وهذا معنى دندن حوله الشعراء، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه.
وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعا للمعاني، وقد عدّت معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد على عشرين معنى.
وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير؛ فإني أنا عددت معانيّ المبتدعة التي وردت في مكاتباتي فوجدتها أكثر من هذه العدة، وهي مما لا أنازع فيه، ولا أدافع عنه؛ فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله «٢» :
стр. 308
يأيّها الملك النّائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السّماء ترجّي حين تحتجب
وكذلك قوله»
:
رأينا الجود فيك وما عرضنا ... لسجل منه بعد ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمّت ... فدلّتنا على مطر قريب
وكذلك قوله في الهجاء «٢» :
وأنت تدير قطب رحا عليّا ... ولم نر للرّحا العلياء قطبا
ترى ظفرا بكلّ صراع قرن ... إذا ما كنت أسفل منه جنبا «٣»
وكذلك قوله «٤» :
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النّار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وكذلك قوله «٥» :
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في النّدى والبأس
стр. 309
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس
وكذلك قوله «١» :
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالي
وكذلك له في الشيب «٢» :
شعلة في المغارق استودعتني ... في صميم الفؤاد ثكلا صميما
يستثير الهموم ما اكتنّ منها ... صعدا وهي تستثير الهموما
فالبيت الثاني من المعاني المخترعة، وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل الدور، وهذا من إغراب أبي تمام المعروف.
وهذا القدر كاف من جملة معانيه؛ فإنا لم نستقصها ههنا.
ومن هذا الباب قول ابن الرومي «٣» :
стр. 310
كلّ امرئ مدح امرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أساء هجاءه
لو لم يقدّر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه
وكذلك قوله «١» :
عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب
فإنّ الدّاء أكثر ما تراه ... يكون من الطّعام أو الشّراب
وكذلك قوله:
لما تؤذن الدّنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطّفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها وإنّه ... لأوسع ممّا كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدّنيا استهلّ كأنه ... بما هو لاق من أذاها يهدّد
стр. 311
وكذلك قوله:
رددت عليّ مدحي بعد مطل ... وقد دنست ملبسه الجديدا
وقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرّديدا
وهل للحيّ في أكفان ميت ... لبوس بعدما امتلأت صديدا
وقد ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله «١» :
أجزني إذا أنشدت مدحا فإنّما ... بشعري أتاك المادحون مردّدا
ودع كلّ صوت بعد صوتي فإنّني ... أنا الصّائح المحكيّ والآخر الصّدى
فالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديما وحديثا، لكن البيت الثاني في التمثيل الذي مثله ليس لأحد إلا له.
وكذلك قوله «٢» :
بهجر سيوفك أغمادها ... تمنّى الطّلى أن تكون الغمودا «٣»
إلى الهام تصدر عن مثله ... ترى صدرا عن ورود ورودا «٤»
стр. 312
وكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض «١» :
قصدت من شرقها ومغربها ... حتّى اشتكتك الرّكاب والسّبل
لم تبق إلّا قليل عافية ... قد وفدت تجتديكها العلل
وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديما وحديثا فلم أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعدّ معنى مخترعا، لا، بل لم أجد من أقوالهم شيئا مرضيا، ما عدا المتنبي؛ فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد، وهذا البيت الثاني من هذين البيتين معنى مخترع له؛ وقد أحسن فيه كل الإحسان.
ومما ابتدعه بإجماع قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي مطلعها:
مغاني الشّعب طيبا في المغاني «٢»
قال عند ذكره:
فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان
ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان
وكان ابنا عدوّ كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان
أي: جعل الله ابني عدو كاثراه يعني ابني عضد الدولة كياءي حروف تصغير إنسان؛ فإن ذلك زيادة، وهو نقص في المقدار، إلا أن سبك هذا البيت قد شوّهه وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته.
стр. 313
ومن معانيه المبتدعة قوله «١» :
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال
وأحسن من ذلك قوله «٢» :
صدمتهم بخميس أنت غرّته ... وسمهريّته في وجهه غمم
فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم
وهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برّز فيها على الشعراء.
ومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم:
وقد أشقّ الحجاب الصّعب مأربه ... دوني وآبى ولوجا فيه إن طرقا «٣»
كالطّيف يأبى دخول الجفن منفتحا ... وليس يدخله إلّا إذا انطبقا
ورأيت ابن حمدون البغدادي صاحب كتاب التذكرة قد أورد هذين البيتين في كتابه، وقال: قد أغرب هذا الشاعر، ولكنه خلط وجرى على عادة الشعراء؛ لأن
стр. 314
الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس؛ وهذا كلام من لم يطعم من شجرة الفصاحة والبلاغة، وليس مثله عندي إلا كما يحكى عن ملك الروم إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو «١» :
كأنّ العيس كانت فوق جفني ... مناخاة فلمّا ثرن سالا
فسأل عن المعنى ففسر له، فقال: ما سمعت بأعذب من هذا الشاعر: أرأيت من أناخ الجمل على عينه لا يهلكه.
ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم:
تخيّره الله من آدم ... فما زال منحدرا يرتقي
وكذلك قول الآخر:
بأبي غزال غازلته مقلتي ... بين الغوير وبين شطّي بارق
عاطيته واللّيل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتّى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئا وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق
وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفّت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصا، والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرّت الأبصار بفضل الأسماع.
ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانا يقال له ابن طليل احترقت داره:
стр. 315
انظر إلى الأيّام كيف تسوقنا ... طوعا إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليل قطّ بداره ... نارا وكان هلاكها بالنّار
وكذلك ورد قول ابن قلاقس من شعراء مصر:
زد رفعة إن قيل أنغ ... ض وانخفض إن قيل أثرى
كالغصن يدنو ما اكتسى ... ثمرا وينأى ما تعرّى
وهذا من المعاني الدقيقة.
ومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار، وهو:
عيون تبر كأنّما سرقت ... سواد أحداقها من الغسق
فإن دجا ليلها بظلمته ... ضممن من خوفها على السّرق
وهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله، وهو من اللطافة على ما لا خفاء به.
ومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا:
لا تضع من عظيم قدر وإن كن ... ت مشارا إليه بالتّعظيم
فالشّريف العظيم ينقص قدرا ... بالتّعدّي على الشّريف العظيم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتّحريم
ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلا:
غدرت به زرق الأسنّة بعدما ... قد كنّ طوع يمينه وشماله
فليحذر البدر المنير نجومه ... إذ بان غدر مثالها بمثاله
وكذلك جاء قول بعض المغاربة في الخمر وكاساتها:
ثقلت زجاجات أتتنا فرّعا ... حتّى إذا ملئت بصرف الرّاح
خفّت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخفّ بالأرواح
стр. 316
وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا، ويروق كما رقت لطفا، ويفوح كما فاحت نشرا.
وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي:
يا سالبا قمر السّماء جماله ... ألبستني للحزن ثوب سمائه
أضرمت قلبي فارتمى بشرارة ... وقعت بخدّك فانطفت من مائه
وهذا المعنى دقيق جدا.
وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا.
وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت: ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا فكذلك ازداد طيبا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، أو مر على النّيلوفر ليلا لتفتحت أحداقه.
والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتّح أوراقه، وإذا غربت عنه انضم، ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه تعجب.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت: الشيب إعدام للإيسار، وظلام للأنوار؛ وهو الموت الأول الذي يصلى نارا من الهم أشد وقودا من النار، ولئن قال قوم إنه جلالة فإنهم دقّوا به وما جلّوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلّوا وأضلّوا، وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلّوا، ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ولما فقد الشباب كان عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده.
والمعنى المخترع ههنا في قولي: «وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا» وهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ رأى
стр. 317
آلة حرث فقال: «ما دخلت هذه دار قوم إلّا ذلّوا» فأخذت أنا هذا ونقلته إلى الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، وإذا نزل بالإنسان أحدث عنه ذلا.
ومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت: وإذا كتبت مثالبه في كتاب اجتمع عليه بنات وردان، وحرم على أن أبدأ فيه بالبسملة لأنها من القرآن.
وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة، وهو مخترع لي.
وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ما أذكره، وهو: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون والقرن عدوه عند الخصام.
وهذا معنى ابتدعته ابتداعا، ولم أسمعه لأحد من قبلي.
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت: وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسما لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم به إذ تضمّن للإسلام مزيدا، وقالوا: هذا يوم قد أسلم فلا نجعله لنا عيدا، وقد أفصح لهم لسانه لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام وأن أولياءه هم المسلمون.
وهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف القلم، فقلت: وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، وهو المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن صفاته أن شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع.
стр. 318
في هذه الأوصاف معان حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو قولي: «إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع» فإن هذا مما ابتكرته، وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة، فقال ﷺ : «أطع ولو عبدا حبشيّا مجدّعا ما أقام عليك كتاب الله» فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك، وهو أن القلم يجدع ويقمص لباس السواد فصار حبشيا أجدع، وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية، فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم، وأنا استخرجت المعنى من الخبر النبوي كما أريتك، وهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر ونبهت عليه في كتاب «الوشي المرقوم في حل المنظوم» وهذا كتاب ألفته في صناعة حل الشعر وغيره.
وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولا لم يقله أحد غيري، وهو أن المعاني المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة، فكما أنك إذا وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها وتقلبها ظهرا لبطن، وتنظر إلى أوائلها وأواخرها، وتعتبر أطرافها وأوساطها، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم؛ فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات الحسابية، إلا أن هذا لا يقع في كل معنى؛ فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه، والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق، ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم يأت مثله، وحينئذ إذا كتب فيه كتاب أو نظم فيه شعر فإن الكاتب والشاعر يعثران على مظنة الإبداع فيه، وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة وسأورد ههنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلا.
ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام، وأهديت إليه رطبا، وهو: خلّد الله دولة مولانا، وعمر لها مجدا وجنانا، وخوّلها السعادة عطاء حسابا، وأنشأ الليالي لخدمتها عربا أترابا، وأبقى شبيهتها بقاء لا يستحدث معه خضابا، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباها ولا أضرابا، وألقى البأس بين أعدائها وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابا، إذا أراد العبيد أن يهدوا لمواليهم قصّرت بهم يد وجدهم، وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم، لكن في الأشياء
стр. 319
المستطرفة ما يهدي وإن كان قدره خفيفا، ولولا اختلاف البلاد فيما يوجد بها لما كان شيء من الأشياء طريفا، وقد أهدى المملوك من الرطب ما يتجلّى في صفة الوارس، ويزهى بحسنه حتى كأنه لم يدنّس بيد لامس، وما سمي رطبا إلا لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد اليابس، وقد أثنى رسول الله ﷺ عليه ثناء جما، وفضّل شجرته على الشجر بأن سمّاها أمّا، ولئن عدم عرفا لذيذا فإنه لم يعد منظرا لذيذا ولا طعما، وله أوصاف أخرى هي لفضله بمنزلة الشهود، فمنها أنه أول غذاء يفطر عليه الصائم وأول غذاء يدخل بطن المولود، وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق بينهما سوى أنه من خلق الله وتلك من خلق الناس، وإذا أنصف واصفه قال: ما من ثمرة إلا وهي عنه قاصرة، ولو تفاخرت البلاد بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق به فاخرة، وها قد سار إلى باب مولانا وهو مجني المنابت سار إلى مجني الكرم، وملك الفاكهة وفد على ملك الشّيم، ولما استقلّت به الطريق أنشأ الحسد لغيره من الفواكه أربا، وما منها إلا من قال: يا ليتني كنت رطبا، ولئن كان من الثمرات التي تختلف في الصور والأسماء، ويفضل بعضها على بعض ويسقي بشراب واحد من الماء، فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها وهي مختلفة الوتيرة، ومن أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها، وتسمح لهم بالعطايا الكثيرة، وقد ضرب لها المملوك مثالا فقال هي:
كجنّة بربوة، بل ضرب لها ما ضرب للمثل النبوي، وهي نخلة بكبوة، ولا يختم كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعا، وزكا أصلا وفرعا، وتصرف في أساليب البلاغة فجاء به وترا وشفعا؛ والسلام.
وهذا كتاب غريب في معناه، وقد اشتمل على معان كثيرة؛ فمن جملتها أن الرطب مشتق من الرطب الذي هو ضد اليابس، ومن جملتها أن النبي ﷺ سمى النخلة أما فقال: «أمكم النخلة» ، ومن جملتها أنه كان ﷺ يفطر على رطبات فإن لم يجد فتمرات، ومن جملتها أنه كان يلوك التمرة ويحنّك بها المولود عند ميلاده، ولما ولد عبد الله بن الزبير جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه ووضعته في حجر رسول الله ﷺ فلاك تمرة ووضعها في فيه، ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد، إلا أنه من خلق الله وتلك من خلق الناس، ومن جملتها أن
стр. 320
العباس ﵁ قال: يا رسول الله؛ إن قريشا تذاكرت أحسابها فضربوا لك مثالا بنخلة بكبوة، وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني فليكتبه هكذا، وإلّا فليدع.
ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجّاب السلطان في حاجة عرضت لي، وأرسلت معها هدية من ثياب ودراهم، وهي:
ما من صديق وإن صحّت صداقته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقا ... لم يخش نبوة بوّاب ولا غلق
الهديّة مشتقة من الهدى، غير أنها ترفّ إلى القلب لا إلى الندى، وصهارتها أنفع من الصهارة، وكلما تردّدت كانت بكرا فهي لا تنفك عن البكارة، ومن خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في علاجه إلى مفتاح، وقد قيل: إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها، التي توصف بأن القنديل يضيء بزيتها، وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها، وتدلّ بكثرة دراهمها وثيابها، وتقول: أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها، وأحسن ما فيها أنها جاءت سرّا، لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى؛ فخذها يا مولاي واكشف نقابها، وأمط عنها جلبابها، وقد كانت منك حرة وهي الآن في حيّز المملكة، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية ويدعى [لها] بالبركة، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار، وناقل لها من دار إلى دار، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان، وأذكرت بحاجة مرسلها وحاش فطانة الكريم من النسيان، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه تسفر بين السائل والمسئول، وتنقل البعيد إلى درجة القريب والممنوع إلى درجة المبذول، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السّفارة ومنة الإنعام، وإن سمع بأن سعيا واحدا فاز بشكرين اثنين ففي مثل هذا المقام، ومن الناس من يقول: ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه، وهل ههنا إلا كلمات تقال والكلام ماعون لا رخصة في منعه، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال، وأن نقل الخطوات فيه أثقل من نقل
следующие страницы →