Полный текст (791 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرا، ويروق كما رقت لطفا، ويفوح كما فاحت نشرا.
وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي:
يا سالبا قمر السّماء جماله ... ألبستني للحزن ثوب سمائه
أضرمت قلبي فارتمى بشرارة ... وقعت بخدّك فانطفت من مائه
وهذا المعنى دقيق جدا.
وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا.
وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت: ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنا فكذلك ازداد طيبا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، أو مر على النّيلوفر ليلا لتفتحت أحداقه.
والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتّح أوراقه، وإذا غربت عنه انضم، ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه تعجب.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت: الشيب إعدام للإيسار، وظلام للأنوار؛ وهو الموت الأول الذي يصلى نارا من الهم أشد وقودا من النار، ولئن قال قوم إنه جلالة فإنهم دقّوا به وما جلّوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلّوا وأضلّوا، وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلّوا، ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ولما فقد الشباب كان عنه عوضا ولا عوض عنه في فقده.
والمعنى المخترع ههنا في قولي: «وما أراه إلا محراثا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا» وهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ رأى
стр. 317
آلة حرث فقال: «ما دخلت هذه دار قوم إلّا ذلّوا» فأخذت أنا هذا ونقلته إلى الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، وإذا نزل بالإنسان أحدث عنه ذلا.
ومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت: وإذا كتبت مثالبه في كتاب اجتمع عليه بنات وردان، وحرم على أن أبدأ فيه بالبسملة لأنها من القرآن.
وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة، وهو مخترع لي.
وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ما أذكره، وهو: ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون والقرن عدوه عند الخصام.
وهذا معنى ابتدعته ابتداعا، ولم أسمعه لأحد من قبلي.
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت: وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسما لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم به إذ تضمّن للإسلام مزيدا، وقالوا: هذا يوم قد أسلم فلا نجعله لنا عيدا، وقد أفصح لهم لسانه لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام وأن أولياءه هم المسلمون.
وهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف القلم، فقلت: وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، وهو المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن صفاته أن شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع.
стр. 318
في هذه الأوصاف معان حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو قولي: «إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع» فإن هذا مما ابتكرته، وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة، فقال ﷺ : «أطع ولو عبدا حبشيّا مجدّعا ما أقام عليك كتاب الله» فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك، وهو أن القلم يجدع ويقمص لباس السواد فصار حبشيا أجدع، وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية، فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم، وأنا استخرجت المعنى من الخبر النبوي كما أريتك، وهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر ونبهت عليه في كتاب «الوشي المرقوم في حل المنظوم» وهذا كتاب ألفته في صناعة حل الشعر وغيره.
وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولا لم يقله أحد غيري، وهو أن المعاني المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة، فكما أنك إذا وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها وتقلبها ظهرا لبطن، وتنظر إلى أوائلها وأواخرها، وتعتبر أطرافها وأوساطها، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم؛ فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات الحسابية، إلا أن هذا لا يقع في كل معنى؛ فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه، والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق، ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم يأت مثله، وحينئذ إذا كتب فيه كتاب أو نظم فيه شعر فإن الكاتب والشاعر يعثران على مظنة الإبداع فيه، وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة وسأورد ههنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلا.
ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام، وأهديت إليه رطبا، وهو: خلّد الله دولة مولانا، وعمر لها مجدا وجنانا، وخوّلها السعادة عطاء حسابا، وأنشأ الليالي لخدمتها عربا أترابا، وأبقى شبيهتها بقاء لا يستحدث معه خضابا، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباها ولا أضرابا، وألقى البأس بين أعدائها وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابا، إذا أراد العبيد أن يهدوا لمواليهم قصّرت بهم يد وجدهم، وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم، لكن في الأشياء
стр. 319
المستطرفة ما يهدي وإن كان قدره خفيفا، ولولا اختلاف البلاد فيما يوجد بها لما كان شيء من الأشياء طريفا، وقد أهدى المملوك من الرطب ما يتجلّى في صفة الوارس، ويزهى بحسنه حتى كأنه لم يدنّس بيد لامس، وما سمي رطبا إلا لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد اليابس، وقد أثنى رسول الله ﷺ عليه ثناء جما، وفضّل شجرته على الشجر بأن سمّاها أمّا، ولئن عدم عرفا لذيذا فإنه لم يعد منظرا لذيذا ولا طعما، وله أوصاف أخرى هي لفضله بمنزلة الشهود، فمنها أنه أول غذاء يفطر عليه الصائم وأول غذاء يدخل بطن المولود، وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق بينهما سوى أنه من خلق الله وتلك من خلق الناس، وإذا أنصف واصفه قال: ما من ثمرة إلا وهي عنه قاصرة، ولو تفاخرت البلاد بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق به فاخرة، وها قد سار إلى باب مولانا وهو مجني المنابت سار إلى مجني الكرم، وملك الفاكهة وفد على ملك الشّيم، ولما استقلّت به الطريق أنشأ الحسد لغيره من الفواكه أربا، وما منها إلا من قال: يا ليتني كنت رطبا، ولئن كان من الثمرات التي تختلف في الصور والأسماء، ويفضل بعضها على بعض ويسقي بشراب واحد من الماء، فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها وهي مختلفة الوتيرة، ومن أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها، وتسمح لهم بالعطايا الكثيرة، وقد ضرب لها المملوك مثالا فقال هي:
كجنّة بربوة، بل ضرب لها ما ضرب للمثل النبوي، وهي نخلة بكبوة، ولا يختم كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعا، وزكا أصلا وفرعا، وتصرف في أساليب البلاغة فجاء به وترا وشفعا؛ والسلام.
وهذا كتاب غريب في معناه، وقد اشتمل على معان كثيرة؛ فمن جملتها أن الرطب مشتق من الرطب الذي هو ضد اليابس، ومن جملتها أن النبي ﷺ سمى النخلة أما فقال: «أمكم النخلة» ، ومن جملتها أنه كان ﷺ يفطر على رطبات فإن لم يجد فتمرات، ومن جملتها أنه كان يلوك التمرة ويحنّك بها المولود عند ميلاده، ولما ولد عبد الله بن الزبير جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه ووضعته في حجر رسول الله ﷺ فلاك تمرة ووضعها في فيه، ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد، إلا أنه من خلق الله وتلك من خلق الناس، ومن جملتها أن
стр. 320
العباس ﵁ قال: يا رسول الله؛ إن قريشا تذاكرت أحسابها فضربوا لك مثالا بنخلة بكبوة، وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني فليكتبه هكذا، وإلّا فليدع.
ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجّاب السلطان في حاجة عرضت لي، وأرسلت معها هدية من ثياب ودراهم، وهي:
ما من صديق وإن صحّت صداقته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقا ... لم يخش نبوة بوّاب ولا غلق
الهديّة مشتقة من الهدى، غير أنها ترفّ إلى القلب لا إلى الندى، وصهارتها أنفع من الصهارة، وكلما تردّدت كانت بكرا فهي لا تنفك عن البكارة، ومن خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في علاجه إلى مفتاح، وقد قيل: إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها، التي توصف بأن القنديل يضيء بزيتها، وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها، وتدلّ بكثرة دراهمها وثيابها، وتقول: أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها، وأحسن ما فيها أنها جاءت سرّا، لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى؛ فخذها يا مولاي واكشف نقابها، وأمط عنها جلبابها، وقد كانت منك حرة وهي الآن في حيّز المملكة، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية ويدعى [لها] بالبركة، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار، وناقل لها من دار إلى دار، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان، وأذكرت بحاجة مرسلها وحاش فطانة الكريم من النسيان، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه تسفر بين السائل والمسئول، وتنقل البعيد إلى درجة القريب والممنوع إلى درجة المبذول، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السّفارة ومنة الإنعام، وإن سمع بأن سعيا واحدا فاز بشكرين اثنين ففي مثل هذا المقام، ومن الناس من يقول: ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه، وهل ههنا إلا كلمات تقال والكلام ماعون لا رخصة في منعه، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال، وأن نقل الخطوات فيه أثقل من نقل
стр. 321
الجبال، وأن صاحب الحاجة يحظى بحلاوة النجاح والحاجب يلقى مرارة السؤال.
وهذا يقوله الخادم إيجابا لإحسان المولى الذي هو إحسان شامل، ولا يعلمه إلا عالم بفضله ولا يجهله إلا جاهل، والله تعالى يجعل الحاجات مغدوقة ببابه، حتى لا تنفك في الدنيا من إمداد شكره وفي الآخرة من إمداد ثوابه؛ والسلام.
فتأمل أيها الناظر في كتابي هذا إلى ما اشتملت عليه هذه الرقعة من المعاني حتى تعلم كيف تضع يدك «١» فيما تكتبه.
ومن ذلك رقعة أخرى كتبتها في هذا المعنى المتقدم ذكره، وأرسلت معها هدية من المسك، وهي: الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان، ويدخل على القلوب من غير استئذان، وقد قيل: أخت السحر في ملاطفة قصدها، غير أنها لا تحتاج إلى نفثها ولا إلى عقدها، وما من قلب إلا وصورتها تجلي عليه في سرقة، ولولا شرف مكانها لما حلّلت للنبي ﷺ مع تحريم الصدقة، ولها صفات غير هذه كريمة الأخطار، حسنة لدى الأسماع والأبصار، ومن أحسنها أنها تستجدّ ودّا، وتجعل قربا ما كان بعدا «٢» . وتقول لنا الإحنة: يا نار كوني بردا، ولهذا قيل: تهادوا تحابّوا، ولا شك أنها وصلة بين المودات فإذا تواصل الناس تقاربوا، وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا كتمه ذاع، وإذا خزنه ضاع، وقد شبّه به الجليس الصالح بعدد أسباب الانتفاع، ومما زاد مزية على مزيته أنه وشيم المولى توأمان، غير أن شيمته تنتمي إلى كرم محتدها وهو ينتمي إلى سرر الغزلان، فإذا ورد على مجلسه قيل:
هذا عطر ورد على جونة عطار، وعرف له حق المشاركة فإن أدنى الشرك في الشيم جوار، وقد نطق الخبر النبوي بأنه أحد الثلاثة التي لا تردّ على من أهداها، وإذا نظر إلى محصول بقائها وفائدتها وجد أطولها عمرا وأجداها، وهذا يحكم على المولى بقبول ما استرسل الخادم في إرساله، وإذا سأل غيره في قبول هديته كفاه نص الخبر مؤنة سؤاله؛ والسلام.
стр. 322
وهذه الرقعة أحسن من التي قبلها؛ فمما اشتملت عليه من المعاني قولي:
«وما من قلب إلا وصورتها تجلى عليه في سرقة، ولولا شرف مكانها لما حللت للنبي ﷺ مع تحريم الصدقة» وهذا المعنيان مستخرجان من خبرين نبويين:
أحدهما: أن النبي ﷺ قال: «جاءني جبريل ﵇ ومعه سرقة من حرير» يعني حريرة بيضاء «وفيها صورة عائشة» رضي الله تعالى عنها وقال: «هذه زوجتك في الدّنيا والآخرة» والخبر الآخر أن النبي ﷺ قال: «حرّمت عليّ الصّدقة، وأحلّت لي الهديّة» .
ومما اشتملت عليه أيضا قولي: «وقد أرسل الخادم منها شيئا إذا كتمه ذاع وإذا خزنه ضاع» وهذه مغالطة حسنة؛ لأن المسك إذا كتم ذاعت رائحته، وإذا خزن ضاع: أي فاح، ويقال: ضاع الشيء؛ إذا ذهب، فالمغالطة ههنا في الجمع بين الضدين.
وكذلك قولي: «وقد شبه الجليس الصالح» وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا، وذاك أنه قال ﷺ : «مثل الجليس الصّالح مثل حامل المسك، إمّا أن يحذيك، وإمّا أن تبتاع منه، وإمّا أن تجد منه عرفا طيّبا، ومثل جليس السوء مثل نافخ الكير، إمّا أن يحرق ثوبك، وإمّا أن تجد منه رائحة كريهة» .
ومما اشتملت عليه من المعاني أيضا قولي: «إنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها» وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضا، وهو قوله ﷺ : «ثلاثة لا تردّ:
الطّيب، والرّيحان، والدّهن» .
ومن ذلك رقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقعة من عاشق إلى معشوق، وهي:
وإذا قيل من نحبّ تخطّا ... ك لساني وأنت في القلب ذاكا
يا من لا أسميه، ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه، لا تكن ممن أوتي ملكا فلم ينظر في زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغترّ بقول
стр. 323
من رأى الحسن للاساءة ماحيا «١» ، واعلم أن اللاحي يقول: كفى بالتذلل لاحيا، وكثيرا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقصان في المحدود، وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسّم على أربابها، ولا ينتظر أن يحول الحول في إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقّون لها قسم واحد ولا يقال:
إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشدّ أسرا من رقبة تتحرّر بالكتاب، فأخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأتّ لطالب منى ومطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملتني بها مرة ساخرا ومرة ساحرا، ومن الأقوال السائرة أن الغرّ تجعله التجربة ماهرا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه علما، وتبصّره وإن كان كما يقال أعمى، وقد كذب القائل:
عرّضن للّذي تحبّ بحبّ ... ثمّ دعه يروضه إبليس
فإن كانت الرياضة كما قيل لإبليس فما أراه صنعا في الذي صنع، وأراك استعصيت عليه استعصاء القارح وأنت جذع، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من البناء، أو أنك مستثنى في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له عائب، وعليه عاتب، فأين نفثاته التي هي أخدع من الحبائل، وأين قوله: لآتينّهم عن الأيمان والشمائل، وأين جنوده المسترقة ما في السّماء، التي تجري من بني آدم مجرى الدماء، وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره؛ فإن أدركته النخوة بأني أستهزئ بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه حتى أعلم أنه قادر على حل عقاله، وإلّا فليخف رأسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على البحر فليقوّض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه ولكنه في الأصفر ونقشه، وها أنا قد بعثت منه ما يجعل العزم محلولا، والود مبذولا، وما أقول إلا
стр. 324
أني بعثت معشوقا إلى معشوق، وكلاهما محلّه القلب بل القلب من حبهما مخلوق، وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه وإن لم يكن شكله من شكله، وما وصف واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصافه وأحسنها أنه لم ير ذو وجهين وجيها سواه، لا جرم أنه إذا سفر في أمر «١» تلطّف في فتح أبوابه، وتناول وعره بسهله وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت ألّا يكون في سفارته صادقا، أو أنه كان يمضي سفيرا ويعود عاشقا، فليس على الحسن أمانة، وفي مثله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها، ورأت مالا يحتمله كاهل جهدها، ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه وبين المرام، وهذا الذي منعني أن أرسل إلا كيسا وكتابا، فأحدهما يكون في السفارة والآخر على السر حجابا، والسلام إن شاء الله تعالى.
وفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره؛ فالأول: ما ذكرته في قسم الصدقات وفكّ الرقاب، والثاني: ما ذكرته في وصف الدينار وهو أنه وجيه ذو وجهين؛ وقال النبي ﷺ : «ذو الوجهين لا يكون وجيها» وهذا معنى لم يسبقني أحد إليه، وقد وصف الحريري الدينار في مقامة من مقاماته ولم يظفر بهذا المعنى ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله، والثالث أني بعثت معشوقا إلى معشوق.
ومن ذلك ما كتبته، وكان توفيت زوجة بعض الملوك وتوفي معها ولد لها وهو طفل صغير، وكان بينهما يومان، وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضا، فكتب إليه من الأطراف المجاورة يعزونه، وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون كاتبا، وعرض عليّ نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها، فوجدتها كتبا باردة غثة لا تعرب عن الحادثة، بل بينها وبينها بعد المشرقين، ومن شرط الكتاب أن يكون الكتاب مضمنا فض المعنى المقصود، والتعازي مختلفة الأنحاء: فتعازي النساء غير تعازي الرجال، وهي من مستصعبات فنّ الكتابة والشعر، وتعازي الرجال أيضا تختلف، فلا يعزّى بالميت على فراشه كما يعزّى بالميت قتيلا، ولا يعزّى بالقتيل كما يعزّى بالغريق، وهكذا يجري الحكم في
стр. 325
المعاني جميعها، وهذا شيء لا يتنبه له إلا الراسخون في هذا الفن من أرباب النثر والنظم، وسألني ذلك الرجل عن هذه التعزية المشار إليها في المرأة وولدها الصغير، وقال: أحب أن أعلم كيف تكون، فأمليت عليه ثلاثة كتب، كل كتاب يتضمّن معنى لا يتضمنه الكتاب الآخر.
فمما جاء منها كتاب أنا ذاكره ههنا، وهو: أشجى التعازي ما أتبع فيه المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الأخبية وسعد السّعود، وكل منهما يعظم حزنا كما يعظم مكانا، وهذا يحسر عن الوجوه خمرا وهذا يلقي عن الرءوس تيجانا، ولم يوفّهما حقّهما من بكي ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدى أحدهما بصاحبه فعاش درهما المفدي بالذهب.
ولو كان خطبا واحدا خفّ كلمه ... ولكنّه خطب أعيد على خطب
وقد أصدر الخادم كتابه هذا ومن حقه أن يخرج في ثوب من الحداد، وأن يتعثر في أذيال كلمه والكتاب عنوان الفؤاد، وغاية ما يقول: أحسن الله عزاء المجلس السامي الملك الأجل السيد، على أن هذا الدعاء قد شهدت الحال بلحنه، وكيف يملك قلبه عزاء وقد أوثقه الهم في سجنه، وصار له ولدا دون ولده وخدنا دون خدنه، لكن يدعى له بامتداد البقاء، وأن تعامله الحوادث بعد هذه معاملة الإبقاء، ثم نتبع ذلك بطلب الجنة لمن نقلته المنايا عن أرائك الخدور، وجعلته في بطون القبور، ولمن فاجأت الأيام غصنه فقصفته، ولم يعش حتى عرف الدنيا ولا عرفته؛ فواها لهما وقد نزلا بمنزل عديم الإيناس، وإن كان مأهولا بأكثر الناس؛ فهو القريب دارا، البعيد مزارا، الذي حجب من اليأس بأمنع حجاب، وذهب عن الوجوه المنعمة لذل التراب، فمن كان مسعدا للمجلس فليأخذ بوله الجزع لا بعزيمة الاصطبار، وليقل: هذا حادث بان فيه تحامل الأقدار، وجرت همومه مجرى الخواطر من القلوب والرقاد من الأبصار، فالأسوة إلا فيه معدودة من الإحسان، والسّلوة إلا عنه داخلة في حيّز الإمكان، والخادم أولى من لقي المجلس فيه بالإسعاد، وقام بما يجب من قضاء حق الوداد، وفعل ما يفعله القريب الحاضر وإن كان على شقة من البعاد، وقد أرسل من ينوب عنه في التعزية وإن لم يكف
стр. 326
فيها المناب، وكما رخص العذر في قصر الصلاة فكذلك رخص في الاقتصار على الرسول والكتاب، وقد ودّ لو حضر بنفسه فاستسقى لذلك الضريح سحابا، وعقر عنده ركابا، وسأل الله له مغفرة وثوابا؛ والسلام.
في هذا الكتاب معنى غريب، وهو قولي: «سعد الأخبية» كناية عن المرأة، و «سعد السود» كناية عن ولدها؛ لأن سعد الأخبية اسم منزلة من منازل القمر، والأخبية: جمع خباء، ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية، فهي سعدها، وهذا من المعاني الغريبة في مثل هذا المقصد، وقد اتفق سعد الأخبية وسعد السعود معا، وهذا أيضا غريب.
ومن ذلك أني كتبت كتابا عن الملك الأفضل علي بن يوسف إلى أخيه الملك الظاهر غازي بن يوسف صاحب حلب، في أمر شخص كان أبوه صاحب مدينة تكريت، وتكريت هذه كان يتولاها قديما الأمير أيوب جد الملك الأفضل والملك الظاهر، وأولد بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما، وعلى عقب ولادته انتقل والده عن تكريت هو وعشيرته لأمر طرأ لهم، وجاء إلى الموصل، ثم إلى الشام، وهناك سعدوا، وكانت السعادة على يد صلاح الدين يوسف، فلما أردت أن أكتب هذا الكتاب علمت أنه مظنة المعاني المبتدعة؛ لأن الأمر المكتوب فيه غريب لم يقع مثله، فحينئذ كتبت هذا الكتاب، وهو: رفع الله شأن مولانا الملك الظاهر ولا زال الدهر فاخرا بمآثر سلطانه، ناظما مناقبه في جيده ومحامده في لسانه، ناسخا بمساعي دولته ما تقدم من مساعي آل بويه وآل حمدانه، كتاب الخادم هذا وارد من يد الأمير شمس الدين ابن صاحب تكريت، وهي أول أرض مسّ جلد الوالد ترابها، ورقمت بها السعادة على جبينه كتابها، ومنها ظهر نور البيت الأيوبي مشرقا، وأشام إذا خرج معرقا، وكفاه بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء، ويكفي صاحبها أن يقول لا أسقي حتى يصدر الرّعاء، وقد قرنها بوسيلة قصد الخدمة التي توجب لقاصدها ذماما، وتقول له: سلاما إذا قال سلاما، ثم ثلث هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذا بالسنة النبوية في الدعاء وعدده، وتفاؤلا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء من سعادة مقصده، ولا قدح في كرم الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب؛ فإن الله على كره قد استكثر إليه من أعمال الثواب، وكتاب
стр. 327
الخادم على انفراده كاف لحامله، ومكثر من حقوق وسائله، وقد صدر مخاطبا عن فحوى ضميره، فإنما تحقّ السفارة إذا قعد بكل طالب سعي سفيره، وهو مع ذلك خفيفة صفحته، وجيزة لمحته، وإذا وجد لدى مولانا معولا، فليس عليه أن يرد مطولا، إذ التعويل على نجح مصدره، لا على كثرة أسطره.
فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب، وأعطه حقه من التأمل، حتى ترى ما اشتمل عليه من المعاني، وانظر كيف ذكرت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث؛ أما المعنى الأول: فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها وأنها ولدت بتكريت، وهذا الرجل ينبغي أن يرعى بسببها، إذ كان أبوه صاحبها، وأما المعنى الثاني: فإنه قصد الخدمة الظاهرية، وهذا وسيلة ثانية توجب له ذماما، وأما المعنى الثالث: فإنه حرمة الكتاب الصادر على يده، ثم إني مثلت ذلك بالدعاء النبوي وبتثليث النجوم، فإن النبي ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثا، وإنما مثلت ذلك بالدعاء لأمرين: أحدهما:
أنه موضع سؤال وضراعة، والآخر: أن الكتاب وسيلة ثالثة، والدعاء ثلاث مرار، وأما تثليث النجوم فإن التثليث سعد، والتربيع نحس، وأحسن المعاني الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث، وأما الثاني فإنه متداول، فتأمل ما أشرت إليه، وإذا شئت أن تكتب كتابا فافعل كما فعلت في هذا الكتاب إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع.
واعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير أمر غريب الوقوع، وذلك يكون قليلا بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنّة المعاني المبتدعة.
ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها، وهو: فإذا تناولوها في أيديهم قيل: أهلة طالعة من أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مسوقة بأيدي أقدار، وتلك قسيّ وضعت للّعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال، وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصنعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما على بعد الشّتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا
стр. 328
حين تشدّ، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وتردّ، ولها نثار أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية الإهاب، وكأنما صيغت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا قذفتها إلى الأطيار قيل ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد، ولا يرى حينئذ إلا قتيل ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود، فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رءوسها.
هذا الفصل يشتمل على معان غريبة، منها قولي: «إنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد» ومنها قولي: «ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد» ؛ وكل هذا من المعاني التي تبتدع بالنظر إلى المقصد المكتوب فيه، فإنّ الكاتب إذا أفكر فيما لديه وتأمله وكان قادرا على استخراج المعنى والمناسبة بينه وبين مقصده جاء هكذا كما تراه، إلا أن القادر على ذلك من أقدره الله عليه؛ فما كان خاطر بحكيم، ولا كل من أوحى إليه بكليم، وفي الأقلام هاشم لمن ناوأه ومنها هشيم.
وسأنبه في هذا الموضع على طريق يسلك إلى شيء من المعاني المخترعة، وهو ما استخرجته وانفردت باستخراجه دون غيري، فإن المعاني المخترعة لم يتكلم فيها أحد بالإشارة إلى طريق يسلك فيها؛ لأن ذلك مما لا يمكن، ومن ههنا أضرب علماء البيان عنه، ولم يتكلموا فيه كما تكلموا في غيره، وكيف تتقيّد المعاني المخترعة بقيد أو يفتح إليها طريق تسلك وهي تأتي من فيض إلهي بغير تعليم؟
ولهذا اختص بها بعض الناثرين والناظمين دون بعض، والذي يخص بها يكون فذّا واحدا يوجد في الزمن المتطاول، ولما مارست أنا هذا الفن- أعني فن الكتاب- وقلبته ظهرا لبطن، وفتشت عن دفائنه وخباياه، وأكثرت من تحصيل مواده والأسباب الموصلة إلى الغاية منه؛ سنح لي في شيء من المعاني المخترعة طريق سلكته، وهو يستخرج من كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه صلوات الله عليه وسلامه، وقد تقدّم لي منه أمثلة في هذا الكتاب، وذلك أنه ترد الآية من كتاب الله، أو الحديث النبوي، والمراد بهما معنى من المعاني، فآخذ أنا ذلك وأنقله إلى معنى آخر؛ فيصير مخترعا لي.
стр. 329
وسأورد ههنا منه نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق الذي سلكته.
فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم؛ فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان والشكر، ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظلّ، وأشباه ذلك، والشكر كلمات تقال في التّنويه بذكر المحسن وإحسانه، والرّقيم هو الكتاب المكتوب، فهو والشكر متماثلان، والذي أتيت به قد أوردته، وهو فصل من كتاب إلى بعض المنعين:
الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظلّ عنده مقيما، وغدا بمطالبه زعيما، وأصبح بتواليه إليه مغرما كما أصبح له غريما، ولما تمثّل في الاشتمال عليه كهفا صار شكره فيه رقيما.
فانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع؛ لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقا تسلكه.
وأما الحديث النبوي فإني أخذت قصة قتلى بدر كأبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم ونقلتها إلى القلم، وذاك أن النبي ﷺ وقف على القليب الذي ألقاهم فيه وناداهم بأسمائهم فقال: يا عتبة، يا شيبة، يا أبا جهل، يا فلان، يا فلان؛ والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه، والذي أتيت به في وصف القلم هو أني قلت:
ولقد مرح القلم في يدي وحقّ له أن يمرح، وأبدع فيما أتى به وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح، ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر فلا ينتهي من خطبتها إلى فصلها، ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني أبا جهلها.
فالدّواة قليب، والقلم يقف عليه، والمعاني التي ينشئها من باب العلم، لا من باب الجهل؛ فتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدا، وهي مخترعة لي.
стр. 330
وهذا القدر كاف في طريق التعليم؛ فليحذ حذوه إن أمكن، والله الموفق للصواب.
وأما الضرب الآخر من المعاني:- وهو الذي يحتذى فيه على مثال سابق، ومنهج مطروق- فذلك جلّ ما يستعمله أرباب هذه الصناعة، ولذلك قال عنترة:
هل غادر الشّعراء من متردّم «١»
إلا أنه لا ينبغي أن يرسخ هذا القول في الأذهان؛ لئلا يؤيس من الترقي إلى درجة الاختراع، بل يعول على القول المطمع في ذلك، وهو قول أبي تمام «٢» :
لا زلت من شكري في حلّة ... لابسها ذو سلب فاخر
يقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأوّل للآخر
وعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا، لكن قد تقاصرت الهمم ونكصت العزائم، وصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وليته تبعه ولم يقصّر عنه تقصيرا فاحشا.
ووقفت على كتاب يقال له «مقدمة ابن أفلح البغدادي» قد قصرها على تفصيل أقسام علم الفصاحة والبلاغة، وللعراقيين بها عناية، وهم واصفون لها، ومكبون عليها، ولما تأمّلتها وجدتها قشورا لا لبّ تحتها؛ لأن غاية ما عند الرجل أن يقول: وأما الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلا، أو كقول الأعشى، أو غيرهما، ثم يذكر بيتا من الشعر أو أبياتا، وما بهذا تعرف حقيقة الفصاحة، حتى إذا وردت في
стр. 331
كلام عرفنا أنه فصيح بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيه، وكذلك يقول في غير الفصاحة.
ومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال: أما المعاني المبتدعة فليس للعرب منها شيء، وإنما اختصّ بها المحدثون، ثم ذكر للمحدثين معاني، وقال: هذا المعنى لفلان، وهو غريب، وهذا القول لفلان، وهو غريب، وتلك الأقوال التي خصّ قائليها بأنهم ابتدعوها قد سبقوا إليها؛ فإما أن يكون غير عارف بالمعنى الغريب، وإما أنه لم يقف على أقوال الناظمين والناثرين ولا تبحّر فيها حتى عرف ما قاله المتقدم، مما قاله المتأخر، وأما قوله: «إنه ليس للعرب معنى مبتدع وإنما هو للمحدثين» فيا ليت شعري من السابق إلى المعاني؟ من تقدّم زمانه أم من تأخر زمانه؟!.
وأنا أورد ههنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره، وذاك أنه قد ورد من المعاني أن صور المنازل تمثّلت في القلوب فإذا عفت آثارها لم تعف صورها من القلوب، وأول من أتى بذلك العرب، فقال الحرث بن خالد من أبيات الحماسة «١» :
إنّي وما نحروا غداة منى ... عند الجمار يؤدها العقل «٢»
لو بدّلت أعلى مساكنها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها بما ضمنت ... منّي الضّلوع لأهلها قبل»
ثم جاء المحدثون من بعده فانسحبوا على ذيله وحذوا حذوه؛ فقال أبو تمام «٤» :
стр. 332
وقفت وأحشائي منازل للأسى ... به وهو قفر قد تعفّت منازله
وقال البحتري «١» :
عفت الرّسوم وما عفت أحشاؤه ... من عهد شوق ما تحول فتذهب
وقال المتنبي «٢» :
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
وهذا المعنى قد تداوله الشعراء، حتى إنه ما من شاعر إلّا ويأتي به في شعره.
وكذلك ورد لبعضهم من شعراء الحماسة «٣» :
أناخ اللؤم وسط بني رياح ... مطيّته وأقسم لا يريم «٤»
كذلك كلّ ذي سفر إذا ما ... تناهى عند غايته يقيم
وهذان البيتان من أبيات المعاني المبتدعة، وعلى أثرهما مشى الشعراء.
стр. 333
وكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة «١» :
تركت ضأني تودّ الذّئب راعيها ... وأنّها لا تراني آخر الأبد
الذّئب يطرقها في الدّهر واحدة ... وكلّ يوم تراني مدية بيدي
وكذلك ورد قول الآخر:
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
وكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها.
ومن أدلّ الدليل على فساد ما ذهب إليه من أن المحدثين هم المختصمون بابتداع المعاني أو أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له ابن حزام، وكان هو المبتدي لهذا المعنى أولا، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال:
عوجا على الطّلل المحيل لعلّنا ... نبكي الدّيار كما بكى ابن حزام «٢»
وقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم يسبق إليها ولا قيلت من قبله.
ويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه، وهو أن العرب السابقون بالشعر، وزمانهم هو الأول، فكيف يقال: إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني؟ وفي هذه الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره، ولو قال: إن المحدثين أكثر ابتداعا للمعاني، وألطف مأخذا، وأدق نظرا؛ لكان قوله صوابا؛ لأن المحدثين عظم الملك الإسلامي في زمانهم، ورأوا ما لم يره المتقدمون، وقد قيل: إن اللها تفتح اللها؛ وهو كذلك فإن نفاق السوق جلّاب.
стр. 334
وقد رأيت جماعة من متخلقي هذه الصناعة يجعلون همّهم مقصورا على الألفاظ التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها، وإذا أتى أحده بلفظ مسجوع على أي وجه كان من الغثاثة والبرد يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم، ولا يشك في أنه صار كاتبا مفلقا، وإذا نظر إلى كتّاب زماننا وجدوا كذلك؛ فقاتل الله القلم الذي يمشي في أيدي الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار، ولو أنه لا يتطاول إليه إلا أهله لبان الفاضل من الناقص، على أنه كالرمح الذي إذا اعتقله حامله بين الصّفّين بان به المقدم من الناكص، وقد أصبح اليوم في يد قوم هم أحوج من صبيان الكاتب إلى التعليم، وقد قيل: إن الجهل بالجهل داء لا ينتهي إليه سقم السقيم، وهؤلاء لا ذنب لهم؛ لأنهم لو لم يستخدموا في الدول ويستكتبوا، وإلا ما ظهرت جهالتهم، وفي أمثال العوام: لا تعر الأحمق شيئا فيظنه له، وكذلك يجري الأمر مع هؤلاء؛ فإنهم استكتبوا في الدول فظنوا أن الكتابة قد صارت لهم بأمر حق واجب.
ومن أعجب الأشياء أني لا أرى إلا طامعا في هذا الفن، مدّعيا له على خلوه عن تحصيل آلاته وأسبابه، ولا أرى أحدا يطمع في فن من الفنون غيره ولا يدعيه، هذا، وهو بحر لا ساحل له، يحتاج صاحبه إلى تحصيل علوم كثيرة حتى ينتهي إليه، ويحتوي عليه؛ فسبحان الله! فسبحان الله! هل يدعى بعض هؤلاء أنه فقيه أو طبيب أو حاسب أو غير ذلك من غير أن يحصل آلات ذلك ويتقن معرفتها؟
فإذا كان العلم الواحد من هذه العلوم الذي يمكن تحصيله في سنة أو سنتين من الزمان لا يدعيه أحد من هؤلاء فكيف يجيء إلى فن الكتاب وهو ما لا تحصل معرفته إلا في سنين كثيرة فيدعيه وهو جاهل به؟.
ومما رأيته من المدّعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها؛ أنهم إذا أنكرت هذه الحال عليهم، وقيل لهم: إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط؛ إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعددة؛ فإذا سمعوا ذلك أنكروه؛
стр. 335
لخلوهم عن معرفته، ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من اختيار الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر قد نبهت عليه في باب السجع؛ وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني؛ يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة، فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها، فلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه حتى ادّعوا الأسوة بالعرب فيه، فصارت جهالتهم جهالتين.
ولنذكر ههنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما يؤنقه، ويذهب به الاستحسان كل مذهب؛ فنقول:
اعلم أن العرب كما كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرا في نفوسها؛ فأول ذلك عنايتها بألفاظها، لأنها لما كانت عنوان معانيها وطريقها إلى اظهار أغراضها أصلحوها وزينوها، وبالغوا في تحسينها؛ ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة على القصد، ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعا لذّ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعا لم يأنس به أنسه في حالة السجع، فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسّنوها، ورقّقوا حواشيها، وصقلوا أطرافها، فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في الحلل الموشيّة والأثواب المحبّرة؛ فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنه بذاذة لفظه وسوء العبارة عنه.
فإن قيل: إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه، ولسنا نرى تحته مع ذلك معنى شريفا، فمما جاء منه قول بعضهم «١» :
стр. 336
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته، وتدبيج أجزائه، ومعناه مع ذلك ليس مدانيا له ولا مقاربا، فإنه إنما هو لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل، ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني.
فالجواب عن ذلك أنا نقول: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر فيه، ولا رأى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته، وهو أن في قول هذا الشاعر «كل حاجة» مما يستفيد منه أهل النسيب والرقة والأهواء والمقة ما لا يستفيد غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم، ألا ترى أن حوائج منى أشياء كثيرة: فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تال له ومعقود الكون به، فكأنّ الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ له وعقد غرضه عليه بقوله في آخر البيت «ومسّح بالأركان من هو ماسح» أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان وما هو لاحق به وجار في القرية من الله مجراه: أي لم نتعدّ هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح، وأما البيت الثاني فإن فيه: «أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا» وفي هذا ما نذكره لتعجب به وبمن عجب منه ووضع من معناه، وذلك أنه لو قال أخذنا في أحاديثنا أو نحو ذلك لكان فيه ما يكبره أهل النسيب؛ فإنه قد شاع عنهم واتّسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الإلفين والجذل بجمع شمل المتواصلين، ألا ترى إلى قول بعضهم:
وحديثها يا سعد عنها فزدتني ... جنونا فزدني من حديثك يا سعد
وقول الآخر:
وحديثها السّحر الحلال لو انّه ... لم يجن قتل المسلم المتحرّز
فإذا كان قدر الحديث عندهم على ما ترى فكيف به إذا قيّده بقوله: «أخذنا
стр. 337
بأطراف الأحاديث» ؟ فإن في ذلك وحيا خفيّا، ورمزا حلوا، ألا ترى أنه قد يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون ويتفاوضه ذوو الصبابة من التعريض والتلويح والإيماء دون التصريح، وذلك أحلى وأطيب، وأغزل وأنسب، من أن يكون كشفا ومصارحة وجهرا، وإن كان الأمر كذلك فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدما في نفوسهم، من لفظهما، وإن عذب ولذ مستمعه، نعم في قول الشاعر:
وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
من لطافة المعنى وحسنه ما لا خفاء به، وسأنبه على ذلك فأقول: إن هؤلاء القوم لما تحدّثوا وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمّة فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك وارتخت الأزمّة عن الأيدي أسرعت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم حسن لا مزيد على حسنه، والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى، فالعرب إنما تحسّن ألفاظها وتزخرفها عناية منها بالمعاني التي تحتها، فالألفاظ إذا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك وقس عليه.
النوع الأول في الاستعارة
ولنقدم قبل الكلام في هذا الموضع قولا جامعا، فنقول: اعلم أن للفصاحة والبلاغة أوصافا خاصة، وأوصافا عامة؛ فالخاصة كالتجنيس فيما يرجع إلى اللفظ، وكالمطابقة فيما يرجع إلى المعنى، وأما العامة فكالسّجع فيما يرجع إلى اللفظ، وكالاستعارة فيما يرجع إلى المعنى، وهذا الموضع الذي نحن بصدد ذكره- وهو الاستعارة- كثير الإشكال، غامض الخفاء.
وسأورد في كتابي هذا ما استخرجته، ولم أسمع فيه قولا لغيري، وكنت قدمت القول في الفصل السابع من مقدّمة الكتاب فيما يختص بإثبات المجاز، والرد
стр. 338
على من ذهب إلى أنّ الكلام كله حقيقة لا مجاز فيه، وأقمت الدليل على ذلك، ولا حاجة إلى إعادته ههنا، بل الذي أذكره ههنا هو ما يختص بالاستعارة التي هي جزء من المجاز، ولم سميت بهذا الاسم، وكشفت عن حقيقتها، وميزتها عن التشبيه المضمر الأداة، والكلام في هذا يحتاج إلى إعادة ذكر المجاز، وإدخاله فيه، ليتقرر ويتبين.
والذي انكشف لي بالنظر الصحيح أن المجاز ينقسم قسمين: توسع في الكلام، وتشبيه، والتشبيه ضربان: تشبيه تام، وتشبيه محذوف؛ فالتشبيه التام: أن يذكر المشبه والمشبه به والتشبيه المحذوف: أن يذكر المشبه به، ويسمى استعارة، وهذا الاسم وضع للفرق بينه وبين التشبيه التام، وإلا فكلاهما يجوز أن يطلق عليه اسم التشبيه، ويجوز أن يطلق عليه اسم الاستعارة؛ لاشتراكهما في المعنى، وأما التوسع فإنه يذكر للتّصرّف في اللغة، لا لفائدة أخرى، وإن شئت قلت: إن المجاز ينقسم إلى: توسع في الكلام، وتشبيه، واستعارة، ولا يخرج عن أحد هذه الأقسام الثلاثة، فأيها وجد كان مجازا.
فإن قيل: إن التوسع شامل لهذه الأقسام الثلاثة؛ لأن الخروج من الحقيقة إلى المجاز اتساع في الاستعمال.
قلت في الجواب: إن التوسع في التشبيه والاستعارة جاء ضمنا وتبعا، وإن لم يكن هو السبب الموجب لاستعمالهما؛ وأما القسم الآخر الذي هو لا تشبيه ولا استعارة فإن النسب في استعماله هو طلب التوسع لا غير، وبيان ذلك أنه قد ثبت أن المجاز فرع عن الحقيقة، وأن الحقيقة هي الأصل، وإنما يعدل عن الأصل إلى الفرع لسبب اقتضاه، وذلك السبب الذي يعدل فيه عن الحقيقة إلى المجاز: إما أن يكون لمشاركة بين المنقول إليه في وصف من الأوصاف، وإما أن يكون لغير مشاركة؛ فإن كان لمشاركة: فإما أن يذكر المنقول والمنقول إليه معا، وإما أن يذكر المنقول إليه دون المنقول؛ فإن ذكر المنقول والمنقول إليه معا كان ذلك تشبيها، والتشبيه تشبيهان: تشبيه مظهر الأداة؛ كقولنا: زيد كالأسد، وتشبيه مضمر الأداة،
стр. 339
كقولنا: زيد أسد، وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة، ولم يفرقوا بينهما، وذلك خطأ محض.
وسأوضح وجه الخطأ فيه، وأحقق القول في الفرق بينهما تحقيقا جليا، فأقول: أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره ههنا؛ لأنه معلوم لا خلاف فيه، لكن نذكر التشبيه المضمر الأداة الذي وقع فيه الخلاف، فنقول: إذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد أسد، أي كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه، ولا تزيل عنه فصاحة ولا بلاغة، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون المنقول، فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه، ومتى أظهرت أزالت عن ذلك الكلام ما كان متصفا به من جنس فصاحة وبلاغة، وهذا هو الاستعارة، ولنضرب لك مثالا نوضحه، فنقول: قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء، وهو:
فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدّعص
وهذا قد ذكر فيه المنقول إليه دون المنقول؛ لأن تقديره عجل قد كالقضيب وأبطأ ردف كالدّعص، وبين إيراده على هذا التقدير وبين إيراده على هيئته في البيت بون بعيد في الحسن والملاحة، والفرق إذا أنّ التشبيه المضمر الأداة بحسن إظهار أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها، وعلى هذا فإن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له الذي هو المنقول إليه ويكتفي بذكر المستعار الذي هو المنقول.
فإن قيل: لا نسلم أن الفرق بين التشبيه وبين الاستعارة ما ذهبت إليه، بل الفرق بينهما أن التشبيه إنما يكون بأداته كالكاف وكأنّ وما جرى مجراها؛ فما لم يظهر فيه أداة التشبيه لا يكون تشبيها، وإنما يكون استعارة، فإذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك استعارة، وإذا قلنا: زيد كالأسد، كان ذلك تشبيها.
قلت في الجواب عن ذلك: إذا لم نجعل قولنا: «يد أسد» تشبيها مضمر الأداء استحال المعنى؛ لأن زيدا ليس أسدا، وإنما هو كالأسد في شجاعته؛ فأداة التشبيه لقدر ههنا ضرورة كي لا يستحيل المعنى.
стр. 340
فإن قيل: وكذلك أيضا إذا لم تقدّر أداة التشبيه في الاستعارة استحال المعنى؛ لأنا إذا قلنا: «عجل القضيب وأبطأ الدّعص» فما لم نقدّر فيه أداة التشبيه وإلا استحال المعنى.
قلت في الجواب عن ذلك: تقدير أداة التشبيه لا بد منه في الموضعين؛ لكن يحسن إظهارها في التشبيه، دون الاستعارة، وجملة الأمر أنا نرى أداة التشبيه بحسن إظهارها في موضع دون موضع؛ فعلمنا أن الموضع الذي يحسن إظهارها فيه غير الموضع الذي لا يحسن إظهارها فيه، فسمينا المواضع الذي يحسن إظهارها فيه تشبيها مضمر الأداء، والذي لا يحسن إظهارها فيه استعارة، وإنما فعلنا ذلك لأن تسمية ما يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالتشبيه أليق، وتسمية ما لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه بالاستعارة أليق، فإذا قلنا: «زيد أسد» حسن إظهار أداة التشبيه فيه، بأن نقول: زيد كالأسد، وإذا قلنا كما قال الشاعر:
فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدّعص
لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، على ما تقدم من ذكر ذلك أولا.
فإن قيل: إذا أجزت إضمار أداة التشبيه وقدّرت إظهارها في قولك: «زيد أسد» أي: كالأسد، فنحن نضمر أيضا المستعار له ونقدر إظهاره؛ فإنه لما قال الشاعر: «عجل القضيب وأبطأ الدعص» أضمر المستعار له، وهو القدّ والرّدف، وإذا أظهر قيل: عجل قدّ كالقضيب، وأبطأ ردف كالدّعص؛ ولا فرق بين الإضمارين، فكما يسعك إضمار أداة التشبيه في قولك «زيد أسد» فكذلك يسعنا نحن إضمار المستعار له في قول الشاعر.
فالجواب عن ذلك أني أقول: نحن في هذا المقام واقفون مع الاستحسان لامع الجواز، ولو تأملت ما أوردته في أول كلامي بالعين الصحيحة لما أوردت عليّ هذا الاعتراض ههنا؛ فإني قلت: التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداء التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن إظهار أداة التشبيه فيها، ولو قلت: يجوز أو لا يجوز لورد عليّ هذا الاعتراض الذي ذكرته، وقد علم وتحقق أن من الواجب في حكم
стр. 341
الفصاحة والبلاغة ألّا يظهر المستعار له، وإذا أظهر ذهب ما على الكلام من الحسن والرونق، ألا ترى أنا إذا أوردنا هذا البيت الذي هو:
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
وجد عليه من الحسن والرونق ما لا خفاء به، وهو من باب الاستعارة، فإذا أظهرنا المستعار له صرنا إلى كلام غثّ، وذاك أنا نقول: فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس وسقت خدا كالورد وعضّت على أنامل مخضوبة كالعنّاب بأسنان كالبرد، وفرق بين هذين الكلامين للمتأمل واسع.
فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدّعص
فإن هذا البيت لا خفاء بما عليه من الحسن، وإذا ظهر فيه المستعار له زال ذلك الحسن عنه، لا، بل تبدل بضده، وليس كذلك التشبيه المضمر الأداة، فإنا إذا أظهرنا أداة التشبيه وأضمرناها كان ذلك سواء؛ إذ لا فرق بين قولنا: «زيد أسد» وبين قولنا: «زيد كالأسد» وهذا لا يخفى على جاهل بعلم الفصاحة والبلاغة، فضلا عن عالم، والمعوّل عليه في تأليف الكلام من المنثور والمنظوم إنما هو حسنه وطلاوته، فإذا ذهب ذلك عنه فليس بشيء، ونحن في الذي نورده في هذا الكتاب واقفون مع الحسن، لا مع الجواز.
ثم لو تنزّلنا معك أيها المعترض عن درجة الحسن إلى درجة الجواز لما استقام لك ما ذكرته، وذاك أن إضمار إداة التشبيه ظاهر في قولنا: «يد أسد» أي كالأسد، وهو مضمر واحد، وأما قول الشاعر: «فرعاء إن نهضت لحاجتها» فإنه لا يضمر فيه أداة التشبيه إلا بعد أن يظهر المستعار له، وحينئذ يكون فيه إضماران:
أحدهما: المستعار له، والآخر: أداة التشبيه، وإضمار واحد أيسر من إضمارين:
أحدهما معلق على الآخر، وإذا كان الأكر كذلك فالفرق بين الاستعارة والتشبيه هو ما قدمت القول فيه من أنّ الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له،
стр. 342
فتأمل ما أشرت إليه وتدبره حتى تعلم أني ذكرت ما لم يذكره أحد غيري على هذا الوجه.
وإنما سمي هذا القسم من الكلام استعارة لأن الأصل في الاستعارة المجازية مأخوذ من العارية الحقيقية التي هي ضرب من المعاملة، وهي أن يستعير بعض الناس من بعض شيئا من الأشياء، ولا يقع ذلك إلا من شخصين بينهما سبب معرفة ما يقتضي استعارة أحدهما من الآخر شيئا، وإذا لم يكن بينهما سبب معرفة بوجه من الوجوه فلا يستعير أحدهما من الآخر شيئا؛ إذ لا يعرفه حتى يستعير منه، وهذا الحكم جار في استعارة الألفاظ بعضها من بعض، فالمشاركة بين اللفظين في نقل المعنى من أحدهما إلى الآخر كالمعرفة بين الشخصين في نقل الشيء المستعار من أحدهما إلى الآخر.
واعلم أنه قد ورد من الكلام ما يجوز حمله على الاستعارة وعلى التشبيه المضمر الأداة معا، باختلاف القرينة، وذاك أن يرد الكلام محمولا على ضمير من تقدم ذكره فينتقل عن ذلك إلى غيره ويرتجل ارتجالا.
فمما جاء منه قول البحتري «١» :
إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومالت في التّعطّف غصن بان
فلما قال: «أضاءت شمس دجن» بنصب الشمس كان ذلك محمولا على الضمير في قوله: «أضاءت» كأنه قال أضاءت هي، وهذا تشبيه؛ لأن المشبه مذكور، وهو الضمير في «أضاءت» الذي نابت عنه التاء، ويجوز حمله على الاستعارة بأن يقال: «أضاءت شمس دجن» برفع الشمس، ولا يعود الضمير حينئذ إلى من تقدم ذكره، وإنما يكون الكلام مرتجلا، ويكون البيت:
إذا سفرت أضاءت شمس دجن ... ومال من التّعطّف غصن بان
стр. 343
وهذا الموضع فيه دقة غموض، وحرف التشبيه يحسن في الأول دون الثاني.
وأما القسم الذي يكون العدول فيه عن الحقيقة إلى المجاز لغير مشاركة بين المنقول والمنقول إليه فذلك لا يكون إلا لطلب التوسع في الكلام، وهو سبب صالح؛ إذ التوسع في الكلام مطلوب.
وهو ضربان: أحدهما: يرد على وجه الإضافة، واستعماله قبيح؛ لبعد ما بين المضاف والمضاف إليه، وذاك لأنه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة بين المشبه والمشبه به كان ذلك قبيحا، ولا يستعمل هذا الضرب من التوسع إلا جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة، أو ساه غافل يذهب به خاطره إلى استعمال ما لا يجوز ولا يحسن، كقول أبي نواس «١» :
بحّ صوت المال ممّا ... منك يشكو ويصيح
فقوله: «بح صوت المال» من الكلام النازل بالمرة، ومراده من ذلك أن المال يتظلم من إهانتك إياه بالتمزيق، فالمعنى حسن، والتعبير عنه قبيح، وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد في هذا المعنى «٢» :
تظلّم المال والأعداء من يده ... لا زال للمال والأعداء ظلاما
وكذلك ورد قول أبي نواس أيضا «٣» :
стр. 344
ما لرجل المال أمست ... تشتكي منك الكلالا
فإضافة الرّجل إلى المال أقبح من إضافة الصوت.
ومن هذا الضرب قول أبي تمام «١» :
وكم أحرزت منكم على قبح قدّها ... صروف النوى من مرهف حسن القدّ
فإضافة القدّ إلى النوى من التشبيه البعيد البعيد، وإنما أوقعه فيه المماثلة بين القد والقد، وهذا أدب الرجل في تتبع المماثلة تارة والتجنيس أخرى، حتى إنه ليخرج إلى بناء يعاب به أقبح عيب وأفحشه.
وكذلك ورد قوله «٢» :
بلوناك أمّا كعب عرضك في العلا ... فعال وأمّا خدّ مالك أسفل «٣»
стр. 345
فقوله: كعب عرضك وخد مالك مما يستقبح ويستنكر، ومراده من ذلك أن عرضك مصون ومالك مبتذل، إلا أنه عبر عنه أقبح تعبير، وأبو تمام يقع في مثل ذلك كثيرا.
وأما الضرب الآخر من التوسع فإنه يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسن لا عيب فيه، وقد ورد في القرآن الكريم؛ كقوله تعالى: «ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين»
فنسبة القول إلى السماء والأرض من باب التوسع؛ لأنهما جماد، والنطق إنما هو للإنسان لا للجماد، ولا مشاركة ههنا بين المنقول والمنقول إليه.
وكذلك قوله تعالى: «فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين» .
وعليه ورد قول النبي ﷺ ؛ فإنه نظر إلى أحد يوما فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» فإضافة المحبة إلى الجبل من باب التوسع؛ إذ لا مشاركة بينه وبين الجبل الذي هو جماد.
وعلى هذا ورد مخاطبة الطلول، ومساءلة الأحجار، كقول أبي تمام «١» :
أميدان لهوي من أتاح لك البلى ... فأصبحت ميدان الصّبا والجنائب
وكقول أبي الطيب المتنبي «٢» :
إثلث فإنّا أيّها الطّلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل «٣»
стр. 346
فأبو تمام سائل ربوعا عافية وأحجارا دارسة، ولا وجه لها ههنا إلا مساءلة الأهل؛ كالذي في قوله تعالى: «وسئل القرية»
أي: أهل القرية، وكل هذا توسع في العبارة؛ إذ لا مشاركة بين رسوم الديار وبين فهم السؤال والجواب، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي في أمره الطلل بأن يكون ثالثا لهما: أي الركب والإبل، وهذا واضح لا نزاع فيه.
فإذا قد تبين وتحقق ما أشرت إليه من هذا الموضع فالمجاز لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة: إما توسع، أو تشبيه، أو استعارة، وإذا حققنا النظر في الاستعارة والتشبيه وجدناهما أمرا قياسيا في حمل فرع على أصل لمناسبة بينهما، وإن كانا يفترقان بحدهما وحقيقتهما.
فأما حدّ الاستعارة فقيل: إنه نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما، وهذا الحد فاسد؛ لأن التشبيه يشارك الاستعارة فيه، ألا ترى أنا إذا قلنا:
«زيد أسد» أي كأنه أسد، وهذا نقل المعنى من لفظ إلى لفظ بسبب مشاركة بينهما؛ لأنا نقلنا حقيقة الأسد إلى زيد فصار مجازا، وإنما نقلناه لمشاركة بين زيد وبين الأسد في وصف الشجاعة.
والذي عندي من ذلك أن يقال: حدّ الاستعارة نقل المعنى من لفظ إلى لفظ المشاركة بينهما مع طيّ ذكر المنقول إليه؛ لأنه إذا احترز فيه هذا الاحتراز اختصّ الاستعارة، وكان حدّا لها دون التشبيه، وطريقه أنك تريد تشبيه الشيء بالشيء مظهرا ومضمرا، وتجيء إلى المشبه فتعيره اسم المشبه به، وتجريه عليه، مثال ذلك أن تقول: رأيت أسدا، وهذا كالبيت الشعر المقدم ذكره، وهو:
فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدّعص
فإن هذا الشاعر أراد تشبيه القدّ بالقضيب، والرّدف بالدّعص الذي هو كثيب الرمل؛ فترك ذكر التشبيه مظهرا ومضمرا، وجاء إلى المشبه- وهو القدّ [والرّدف]- فأعاره المشبه به- وهو القضيب والدعص- وأجراه عليه.
إلا أن هذا الموضع لا بدّ له من قرينة تفهم من فحوى اللفظ؛ لأنه إذا قال
стр. 347
القائل: رأيت أسدا، وهو يريد رجلا شجاعا؛ فإن هذا القول لا يفهم منه ما أراد، وإنما يفهم منه أنه أراد الحيوان المعروف بالأسد، لكن إذا اقترن بقوله: هذا قرينة تدل على أنه أراد رجلا شجاعا اختصّ الكلام بما أراد، ألا ترى إلى قول الشاعر: «عجل القضيب وأبطأ الدّعص» فإنه دل عليه من نفس؛ لأن قوله: «فرعاء إن نهضت» دليل على أن المراد هو القدّ والرّدف «١» ؛ لأن القضيب والدّعص لا يكونان لامرأة فرعاء تنهض لحاجتها، وكذلك كل ما يجيء على هذا الأسلوب؛ لأن المستعار له وهو المنقول إليه مطويّ الذكر.
وكنت تصفحت كتاب «الخصائص» لأبي الفتح عثمان بن جني، فوجدته قد ذكر في المجاز شيئا يتطرق إليه النظر، وذلك أنه قال: لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لمعان ثلاثة، وهي الاتساع، والتشبيه، والتوكيد؛ فإن عدمت الثلاثة كانت الحقيقة ألبتة.
فمن ذلك قوله تعالى: «وأدخلناه في رحمتنا»
فهذا مجاز، وفيه الثلاثة المذكورة: أما الاتّساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحالّ اسما، وهو الرحمة، وأما التشبيه فإنه شبّه الرحمة وإن لم يصحّ دخولها بما يصحّ دخوله، وأما التوكيد فهو أنه أخبر عما لا يدرك بالحاسة بما يدرك بالحاسة؛ تعاليا بالمخبر عنه، وتفخيما له إذا صير بمنزلة ما يشاهد ويعاين.
هذا مجموع قول أبي الفتح ﵀ من غير زيادة ولا نقص.
والنظر يتطرق إليه من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه جعل وجود هذه المعاني الثلاثة سببا لوجود المجاز، بل وجود واحد منها سببا لوجوده؛ ألا ترى أنه إذا وجد التشبيه وحده كان ذلك مجازا، وإذا وجد الاتساع وحده كان ذلك مجازا، ثم إن كان وجود هذه المعاني الثلاثة سببا
стр. 348
لوجود المجاز كان عدم واحد منها سببا لعدمه، ألا ترى أنّا إذا قلنا: لا يوجد الإنسان إلا بأن يكون حيوانا ناطقا؛ فالحيوانية والنطق سبب لوجود الإنسان، وإذا عدم واحد منهما بطل أن يكون إنسانا، وكذلك كل صفات تكون متقدمة لوجود الشيء؛ فإن وجودها بوجوده، وعدم واحد منها يوجب عدمه.
وأما الوجه الثاني: فإنه ذكر التوكيد والتشبيه، وكلاهما شيء واحد على الوجه الذي ذكره؛ لأنه لما شبهت الرحمة، وهي معنى لا يدرك بالبصر، بمكان يدخل، وهو صورة تدرك بالبصر، دخل تحته التوكيد الذي هو إخبار عما لا يدرك بالحاسة بما قد يدرك بالحاسة، على أن التوكيد ههنا، على وجه ما أورده في تمثيله، لا أعلم ما الذي أراد به، لأنه لا يؤتى به في اللغة العربية إلا لمعنيين: أحدهما: أنه يرد أبدا فيما استقري بألفاظ محصورة نحو نفسه وعينه وكله، وما أضيف إليها مما استقري، وهو مذكور في كتب النحاة، وقد كفيت مؤنته، الآخر: أنه يريد على وجه التكرير، نحو: قام زيد قام زيد، كرر اللفظ في ذلك تحقيقا للمعنى المقصود: أي توكيدا، والذي ذكره أبو الفتح رحمه الله تعالى لا يدل على أن المراد به أحد هذين المعنيين المشار إليهما، ولا شك أنه أراد به المبالغة والمغالاة في إبراز المعنى الموهوم إلى الصورة المشاهدة، فعبر عن ذلك بالتوكيد، ولا مشاحّة له في تعبيره، وإذا أراد به ذلك فهو والتشبيه سواء على ما ذكره، ولا حاجة إلى ذكر التوكيد مع ذكر التشبيه.
وأما الوجه الثالث: فإنه قال: «أما الاتساع فهو أنه زاد في أسماء الجهات والمحال كذا وكذا» وهذا القول مضطرب شديد الاضطراب؛ لأنه ينبغي على قياسه أن يكون جناح الذل في قوله تعالى: «واخفض لهما جناح الذل»
زيادة في أسماء الطيور، وذلك أنه زاد في أسماء الطيور اسما هو الذل، وهكذا يجري الحكم في الأقوال الشعرية كقول أبي تمام «١» :
стр. 349
لبست سواه أقواما فكانوا ... كما أغنى التّيمّم بالصّعيد
فزاد في أسماء اللباس اسما، هو الآدمي، وهذا مما يضحك منك، نعوذ بالله من الخطل!! والاتساع في المجال لا يقال فيه كذا، وإنما يقال: هو أن تجرى صفة من الصفات على موصوف ليس أهلا لأن تجرى عليه؛ لبعد ما بينه وبينها؛ كقول أبي الطيب المتنبي:
إثلث فإنّا أيّها الطّلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل «١»
فإنه أجري الكلام على ذلك، وإنما يستعمل طلبا للاتساع في أساليب الكلام، لا لمناسبة بين الصفة والموصوف؛ إذ لو كان لمناسبة لما كان ذلك اتساعا، وإنما كان ضربا من القياس في حمل الشيء على ما يناسبه ويشاكله، وحينئذ يكون ذلك تشبيها أو استعارة، على ما أشرت إليه من قبل.
وكنت اطلعت في كتاب من مصنفات أبي حامد الغزالي ﵀ ألفه في أصول الفقه، ووجدته قد ذكر الحقيقة والمجاز، وقسم المجاز إلى أربعة عشر «٢»
стр. 350
قسما، وتلك الأربعة عشر ترجع إلى الثلاثة التي أشرت إليها، وهي: التوسع، والتشبيه، والاستعارة، ولا تخرج عنها؛ والتقسيم لا يصح في شيء من الأشياء إلا إذا اختص كل قسم من الأقسام بصفة لا يختص بها غيره، وإلا كان التقسيم لغوا لا فائدة فيه.
وسأورد ما ذكره وأبيّن فساده.
فالقسم الأول من الأقسام التي ذكرها هو: ما جعل للشيء بسبب المشاركة في خاصة، كقولهم للشجاع: أسد، وللبليد: حمار، وهذا القسم داخل في الاستعارة، إن ذكر المنقول وحده، مثل أن يقول القائل: رأيت أسدا، ومراده رجلا شجاعا، أو رأيت حمارا، ومراده رجلا بليدا، وداخل في التشبيه المضمر الأداة، إن ذكر المنقول والمنقول إليه معا، كقول القائل: زيد أسد: أي كالأسد، أو حمار:
أي كالحمار.
القسم الثاني: تسمية الشيء باسم ما يئول إليه، كقوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرا»
وإنما كان يعصر عنبا، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لصفة المشابهة بين المنقول والمنقول إليه، وهو من باب الاستعارة «١» ، لا، بل أوغل في المشابهة من ذاك؛ لأن الخمر من العنب، وليس الأسد من الرجل، ولا الرجل من الأسد.
القسم الثالث: تسمية الشيء باسم فرعه، كقول الشاعر:
وما العيش إلّا نومة وتشرّق ... وتمر على رأس النّخيل وماء
стр. 351
فسمى الرطب تمرا، وهذا القسم والقسم الذي قبله سواء؛ لأن هناك سمى العنب خمرا، وههنا سمى الرطب تمرا؛ فالعنب أصل، والخمر فرع، وكذلك الرطب أصل والتمر فرع، وكلا هذين القسمين داخل في القسم الأول.
وهب أن الغزالي لم يحقق أمر المجاز وانقسامه إلى تلك الأقسام الثلاثة التي أشرت إليها، ألم ينظر إلى هذين القسمين اللذين هما العنب والخمر والرطب والتمر ويعلم أنهما شيء واحد لا فرق بينهما؟.
القسم الرابع: تسمية الشيء باسم أصله، كقولهم للآدمي: مضغة، وهذا ضد القسم الذي قبله؛ لأن ذاك جعل الأصل فيه فرعا، وهذا جعل الفرع فيه أصلا، وهو داخل في القسم الأول أيضا.
القسم الخامس: تسمية الشيء بدواعيه، كتسميتهم الاعتقاد قولا، نحو قولهم: هذا يقول بقول الشافعي ﵀: أي يعتقد اعتقاده، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن بين القول وبين الاعتقاد مناسبة كالمناسبة بين السبب والمسبب والباطن والظاهر.
القسم السادس: تسمية الشيء باسم مكانه، كقولهم للمطر: سماء؛ لأنه ينزل منها، وهذا القسم داخل في الأول؛ لصفة المناسبة بين المنقول والمنقول إليه، وهو النزول من عال، وكل ما علاك فأظلّك فهو سماء، على أن الأغلب على ظني أن هذا القسم من الأسماء المشتركة، وتسمية المطر بالسماء حقيقة فيه، وليس من المجاز في شيء.
القسم الرابع: تسمية الشيء باسم مجاوره، كقولهم للمزادة: راوية، وإنما الراوية الجمل الذي يحملها، وهذا القسم من باب التوسع، لا من باب التشبيه، ولا من باب الاستعارة؛ لأن على قياسه ينبغي أن يسمى الجمل زاملة لأنه يحملها.
القسم الثامن: تسمية الشيء باسم جزئه، كقولك لمن تبغضه: أبعد الله وجهه عني، وإنما تريد سائر جثته، وهذا القسم داخل في القسم الأول، وهو شبيه بتسمية الشيء باسم فرعه.
стр. 352
القسم التاسع: تسمية الشيء باسم ضدّه، وكقولهم للأسود والأبيض: جون، وهذا القسم ليس من المجاز في شيء ألبتة، وإنما هو حقيقة في هذين المسميين معا؛ لأنه من الأسماء المشتركة، كقولهم: شمت السيف، إذا سللته، وشمته، إذا أغمدته، فدل الشيم على الضدين معا بالوضع الحقيقي؛ وفي اللغة من هذا شيء كثير، فكيف يجعل هذا القسم من المجاز؟.
ولا شك أن الغزالي نظر إلى أن الضدين لا يجتمعان في محل واحد، فقاس الاسم على الذات، وظن أن الذاتين لا يجتمعان في اسم واحد، كما أنهما لا يجتمعان في محل واحد.
فإن قيل: لا نسلم أن اللفظ المشترك حقيقة بالوضع في المعنيين معا؛ لأن ذلك يخلّ بفائدة الوضع الذي هو البيان، وإنما هو حقيقة في أحد معنييه مجاز في الآخر.
فالجواب عن ذلك: أن هذا الموضع تقدّم الكلام عليه في الفصل الثاني من مقدمة الكتاب، وهو الفصل الذي يشتمل على آلات علم البيان وأدواته، فليؤخذ من هناك، فإني قد أشبعت القول فيه إشباعا لا مزيد عليه.
القسم العاشر: تسمية الشيء بفعله، كتسمية الخمر مسكرا، وهذا القسم داخل في القسم الأول، وأيّ مشاركة أقرب من هذه المشاركة؟ فإن الإسكار صفة لازمة للخمر، وليست الشجاعة صفة لازمة لزيد؛ لأنه يمكن أن يكون زيد ولا شجاعة، ولا يمكن أن يكون خمر ولا إسكار، ألا ترى أنها لم تسم خمرا إلا لإسكارها، فإنها تخمر العقل: أي تستره.
القسم الحادي عشر: تسمية الشيء بكله، كقولك في جواب: «ما فعل زيد» : القيام، والقيام جنس يتناول جميع أنواعه، وهذا القسم لا ينبغي أن يوصل بأقسام المجاز؛ لأن القيام لزيد حقيقة.
فإن قيل: إن القيام يشمل جميع أنواع القيام من الماضي والحاضر والمستقبل.
стр. 353
قلت: وهذا من أقرب أقسام المجاز مناسبة؛ لأنه إقامة للمصدر مقام الفعل الماضي، والمصدر أصل الفعل، وعلى هذا فإن هذا داخل في القسم الأول.
القسم الثاني عشر: الزيادة في الكلام لغير فائدة، كقوله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم
فما ههنا زائدة لا معنى لها: أي فبرحمة من الله لنت لهم، وهذا القول لا أراه صوابا، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن هذا القسم ليس من المجاز؛ لأن المجاز هو دلالة اللفظ على غير ما وضع له في أصل اللغة، وهذا غير موجود في الآية، وإنما هي دالة على الوضع اللغوي المنطوق به في أصل اللغة؛ والوجه الآخر: أني لو سلمت أن ذلك من المجاز لأنكرت أن لفظة «ما» زائدة لا معنى لها، ولكنها وردت تفخيما لأمر النعمة التي لان بها رسول الله ﷺ له، وهي محض الفصاحة، ولو عرى الكلام منها لما كانت له تلك الفخامة، وقد ورد مثلها في كلام العرب، كالذي يحكى عن الزباء، وذاك أن الوضّاح الذي هو جذيمة الأبرش تزوّجها، والحكاية في ذلك مشهورة، فلما دخل عليها كشفت له عن فرجها وقد ضفرت الشعر من فوقه ضفيرتين، وقالت: أذات عرس ترى «١» ؛ أما إنه ليس ذلك من عوز المواس، ولا من قلة الأواس، ولكنه شيمة ما أناس، فمعنى الكلام ولكنه شيمة أناس، وإنما جاءت لفظة «ما» ههنا تفخيما لشأن صاحب تلك الشيمة وتعظيما لأمره، ولو أسقطت لما كان للكلام ههنا هذه الفخامة والجزالة، ولا يعرف ذلك إلا أهله من علماء الفصاحة والبلاغة، وأما الغزالي رحمه الله تعالى فإنه معذور عندي في ألّا يعرف ذلك؛ لأنه ليس فنه، ومن ذهب إلى أن في القرآن لفظا زائدا لا معنى له فإما أن يكون جاهلا بهذا القول، وإما أن يكون متسمحا في دينه واعتقاده، وقول النحاة إن «ما» في هذه الآية زائدة فإنما يعنون به أنها لا تمنع ما قبلها عن العمل؛ كما يسمونها في موضع آخر كافّة: أي أنها تكفّ الحرف العامل عن عمله؛ كقولك: إنما زيد قائم، فما قد كفت إنّ عن العمل في زيد، وفي الآية لم تمنع عن العمل، ألا ترى أنها لم تمنع الباء عن العمل في خفض الرحمة.
стр. 354
القسم الثالث عشر: تسمية الشيء بحكمه، كقوله تعالى: «وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها»
فسمي النكاح هبة، وهذا القسم داخل في القسم الأول؛ لأن النكاح هو تمكين الزوج من الوطء على عوض على هيئة مخصوصة، والهبة، تمكينه من الشيء الموهوب على غير عوض، فشاركت الهبة النكاح في نفس التمكين من الوطء، وإن اختلفا في الصورة.
القسم الرابع عشر: النقصان الذي لا يبطل به المعنى، كحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، قال الله تعالى: «ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا»
أي: شخصا بريئا، وكحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ قال الله تعالى: «وسئل القرية»
أي: أهل القرية؛ وهذا القسم داخل في القسم الأول:
أما حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فلأن الصفة لازمة للموصوف، وأما حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فلأنه دل بالمسكون على الساكن، وتلك مقارنة قريبة.
فهذه أقسام المجاز التي ذكرها الغزالي رحمه الله تعالى، وقد بينت فساد التقسيم فيها، وأنها ترجع إلى ثلاثة أقسام، هي: التوسع، والتشبيه، والاستعارة.
وحيث انتهى بي الكلام إلى ههنا، وفرغت مما أردت تحقيقه، وبينت ما أردت بيانه؛ فإني أتبع ذلك بضرب الأمثلة للاستعارة التي يستفيد بها المتعلم ما لا يستفيده بذكر الحد والحقيقة.
فمما جاء من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى في أول سورة إبراهيم صلوات الله عليه: «الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور»
فالظلمات والنور: استعارة للكفر والإيمان، أو للضلال والهدى، والمستعار له مطويّ الذكر، كأنه قال: لتخرج الناس من الكفر الذي هو كالظلمة إلى الإيمان الذي هو كالنور.
وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة أيضا: «وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال»
والقراءة برفع لتزول منه
стр. 355
الجبال ليست من باب الاستعارة، ولكنها في نصب تزول، واللام لام كي، والجبال ههنا: استعارة طوى فيها ذكر المستعار له، وهو أمر رسول الله ﷺ وما جاء به من الآيات والمعجزات: أي أنهم مكروا مكرهم لكي، تزول منه هذه الآيات والمعجزات التي هي في ثباتها واستقرارها كالجبال.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: «والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون»
فاستعار الأودية للفنون والأغراض من المعاني الشعرية التي يقصدونها، وإنما خص الأودية بالاستعارة ولم يستعر الطرق والمسالك أو ما جرى مجراها لأنّ الشعر تستخرج بالفكرة والروية، والفكرة والروية فيهما خفاء وغموض؛ فكان استعارة الأودية لها أشبه وأليق.
والاستعارة في القرآن قليلة، لكن التشبيه المضمر الأداة كثير، وكذلك هي في فصيح الكلام من الرسائل والخطب والأشعار؛ لأن طيّ المستعار له لا يتيسر في كل كلام، وأما التشبيه المضمر الأداة فكثير سهل؛ لمكان إظهار المشبه والمشبه به معا.
ومما ورد من الاستعارة في الأخبار النبوية قول النبيّ ﷺ : «لا تستضيئوا بنار المشركين» فاستعار النار للرأي والمشورة: أي لا تهتدوا برأي المشركين ولا تأخذوا بمشورتهم.
وروي عنه ﷺ أنه دخل يوما مصلاه فرأى أناسا كأنهم يكثرون، فقال: «أما إنّكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللّذّات لشغلكم عمّا أرى» وهاذم اللذات أراد به الموت، وهو مطويّ الذكر.
وبلغني عن العرب أنهم يقولون عند رؤية الهلال: لا مرحبا باللجين مقرّب أجل ومحل، وهذا من باب الاستعارة في طيّ ذكر المستعار له.
وكذلك بلغني عن الحجاج بن يوسف أنه خطب خطبة عند قدومه العراق في أول ولايته إياه، والخطبة مشهورة، من جملتها أنه قال: إنّ أمير المؤمنين نثل كنانته وعجمها عودا عودا، فرآني أصلبها نجارا وأقومها عودا وأنفذها نصلا، فقوله: «نثل
следующие страницы →