Полный текст (791 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
رسول الله ﷺ مولاه فأنا مولاه، ولم يكن لسان الخطيب بأفصح بيانا من لسانه، غير أن هذا يزهى ببلاغ موعظته وهذا يزهى بعزة سلطانه، ولما ذكرت سمات الخلافة المعظمة أتبعها الناس بالدعاء الذي ملأ المسجد بعجيجه، وسبق الكرام الكاتبون بزميله إلى السماء ووشيجه، وكان اليوم فصلا، والموقف حفلا، وذلك الدعاء فرضا لا نفلا، ولا ينتهي النصف إلى ما شوهد بالبلد من الآثار العجيبة التي تستلبث العجلان وتستحلب الأذهان وتستنطق الألسنة بالتسبيح لله الذي فطر الإنسان، ومن جملة ذلك ما تبوهي في حسنه من البيع والصّوامع، ذوات الأبنية الروائع، التي روضت بالزخارف ترويض الأزهار، ورفعت معاقدها حتى كادت النجوم توحي إليها بالأسرار، وما منها إلا ما يقال: إنه إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ولقد ألان الله لهم الحجارة حتى تخيروا في توسيعها بضروب الاختيار، وجعلوها أعاجيب للأسماع والأبصار، وقيل فيها: هذه روضات جنان لا أفنية ديار، هذا إلى غيره مما وجد من معبودات القوم الموصوفة بأنها آلة الصّلب، اللاتي من ذوات النصب، وأكثر ذلك وجد في المسجد موضوعا، وعلى قبته مرفوعا، فأنزلت على قرونها، واستنّ بسنة رسول الله ﷺ في طعن عيونها، واستوطن المؤمن مكان الكفور، وبدّلت الظلمات بالنور، وقالت الصخرة: الآن جمع بيني وبين الحجر الأسود لخاطب الإسلام، والجمع بين الأختين في هذا الأمر من الحلال لا من الحرام، وقال الأقصى: سبحان الذي أسرى إليّ بجنده، كما أسرى بعبده، وأعاد لي عهود الفتح الأول بهذا الفتح الذي أتى من بعده، وعود الذاهب أرجى لدوام أحقابه، وخلود الإنسان لا يكون إلا في مآبه، وهذا هو الخطب الذي جدد للإسلام عهود ابن خطّابه، ﵁! إلا أن مستنقذ الطريدة أولى بها من صاحبها، ولئن غصبتها يد غالبة فقد جاء الله باليد التي غصبتها من غاصبها، هذا، ولم يستنقذها الخادم إلا بإنضاء سلاح أنفته الوقعة الأولى التي استأصلت حماة البلاد، واستباحت أغيالها بقتل الآساد، فكانت لهذا الفتح عنوانا، ولتقرير أصوله بنيانا، ولم ينج بها من طواغيت الكفر إلا طاغية ترابلس، فإن السيوف أسأرته وبفؤاده قلق من أوجالها، وفي عينه دهش من أهوالها، وقد قرن الله هذا الفتح ببشرى موته، وكفى المسلمين مؤنة الاهتمام لفوته؛ ففر من الوقعة ولم ينج بذلك الفرار، واعتصم بذات جداره، فقتله الخوف من وراء الجدار، ولا فرق بين قتيل خوف السفار، وبين قتيل
стр. 527
الشفار، ولقد فرّ من المكروه إلى مثله، لكنه انتقل من ميتة عزّه ألى ميتة ذلّه، وكذلك آثار الخادم في أعداء الله فهم هلكى بسيفه في مواقف الطراد، فإن فرّوا فبخوفه على جنوب الوساد، وبعد هذه فهل يمترون في أن دماءهم قد استجابت لمراده، وأن سواء لديه من أمكن منها في دنوه ومن امتنع منها في بعاده، وكل ذلك مستمد من الاستنصار بعناية الديوان العزيز التي من شأنها أن تجعل الرؤيا حقا، وأحاديث الأمال صدقا، وتقرّب بعيدات الأمور حتى تجعل الشرق غربا والغرب شرقا، فهذا الفتح منسوب إليها، وإن كان الخادم هو الساعي في تسهيله، والمجاهد بنفسه وماله في سبيله، فعلى عطف دولتها ترقم أعلامه، وفي أيامها تؤرخ أيامه، ولو أبيح للقلم الخيلاء في مقام المقال، كما أبيح لصاحبه في مقام القتال، لاختالت مشيته في هذا الكتاب، ولقال وأسهب فليس الإكثار ههنا من الإسهاب، لكنه منعه من ذلك أن يكون ممن فخر بعمله فأبطله، وأرسل خطابه إلى الديوان العزيز فلم يقبضه بالأدب حين أرسله، وقد ارتاد من يبلّغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهل لإيداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحبها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، والأيام والليالي رواة فما الظن برواية الأيام والليال، وستتلو هذه الأخبار الصادقة بمشيئة الله أخبار مثلها صادقة، وما دامت السيوف ناطقة في يد الخادم فالألسنة عنها ناطقة، وللآراء العالية مزيد العلو، إن شاء الله تعالى.
وأما التقليد فإنه تقليد أنشأته لمنصب الحسبة، وهو: أما بعد؛ فقد جعل الله جزاء التمكين في أرضه، أن يقام بحدود فرضه، ونحن نسأله التوفيق لهذا الأمر الذي ثقل حمله، وعدم أهله، فقد جيء بنا في زمن أصبح الناس فيه سدى، وعاد الإسلام فيه غريبا كما بدا، وهو الزمن الذي كثرت فيه أشراط اليوم الأخير، وغربلت فيه الأمة حتى لم يبق إلا حثالة التمر والشعير، ومن أعمّ ما نقرر بناءه ونقدم عناءه، ونصلح به الزمن وأبناءه، أن نمضي أحكام الشريعة المطهرة على ما قررته، في تعريف ما عرفته وتنكير ما نكرته، ومدار ذلك على النظر في أمر الحسبة التي تتنزل
стр. 528
منه بمنزلة السلك من العقد، والكف من الزّند، وقد أخلصنا النية في ارتياد من يقوم فيها ويكفيها، ويصطفى لها ولا يصطفيها، وهو أنت أيها الشيخ الأجل فلان أحسن الله لك الأثر، وصدق فيك النظر؛ فتولّها غير موكول إليها، بل معانا عليها. واعلم أن الناس قد أماتوا سننا وأحيوا بدعا، وتفرقوا فيما أحدثوه من المحدثات شيعا، وأظلم منهم من أقرّهم على أمرهم، ولم يأخذهم بقوارع زجرهم، فإن السكوت عن البدعة رضا بمكانها، وترك النهي عنها كالأمر بإتيانها، ولم يأت بنا الله تعالى إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا بحكم الله فيه وحكم رسوله.
ونحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم الذي هو عصمة مالهم، وأمر معاشهم الذي يتميز به حرامهم من حلالهم، فابدأ أولا بالنظر في العقائد واهد فيها ألى سبيل الفرقة الناجية الذي هو سبيل واحد، وتلك الفرقة هي السلف الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، وقالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا، ومن عداهم شعب دانوا أديانا، وعبدوا من الأهواء أوثانا، واتبعوا ما لم ينزل به الله سلطانا، ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم؛ فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله ولا تسمع له قولا، ولا تقبل منه صرفا ولا عدلا، وليكن قتله على رءوس الأشهاد، ما بين حاضر وباد، فما تكدّرت الشرائع بمثل مقالته، ولا تدنست علومها بمثل أثر جهالته، والمنتمي إليها يعرف بنكره، ويستدل عليه بظلمة كفره، وتلك ظلمة تدرك بالقلوب لا بالأبصار، وتظهر زيادتها ونقصها بحسب ما عند رائيها من الأنوار، وما تجده من كتبها التي هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة، وأفاعي ملففة، لا أقوال مؤلفة؛ فاستأصل شافتها بالتمزيق، وافعل بها ما يفعله الله بأهلها من التحريق؛ ولا يقنعك ذلك حتى تجتهد في تتبع آثارها، والكشف عن مكامن أسرارها؛ فمن وجدت في بيته فليؤخذ جهارا، ولينكل به إشهارا، وليقل: هذا جزاء من استكبر استكبارا، ولم يرج لله وقارا، وأما من تحدّث في القدر، وقال فيه بمخالفة نص الخبر، فليس في شيء من ربقة الإسلام، وإن تنسّك بمداومة الصلاة والصيام، قال النبي ﷺ : «القدريّة مجوس هذه الأمّة» .
والمراد بذلك أنهما ماثلوا بين الله والعبد والضياء والظلمة، فعلاج هذه الطائفة أن تجزى بأن تخزى فليقابل جمعها بالتكسير، واسمها بالتصغير، ولتنقل ألى ثقل
стр. 529
الحدود عن خفة التعزير، ومن كان منها ذا مكانة نابهة فليهبط، أو شهادة عادلة فليسقط، وكذلك يجري الحكم فيمن قال بالتشبيه والتجسيم، أو قال بحدوث القرآن القديم.
ومن ملحدي القرآن فرقة فرقت بين المعنى والخط، وفرقة قالت فيه بالشكل والنقط، وكل هؤلاء قوم خبثت سرائرهم، وعميت بصائرهم، وعظمت عند الله جرائمهم، فخذهم بالتوبة التي تطهر أهلها، وتجبّ ما قبلها، وليست التوبة عبارة عن ذكرى اللسان، والقلب لاه في قبضة النسيان، بل هي عبارة عن الندم على ما فات، واستئناف الإخلاص فيما هو آت، وقد جعل الله التائب من أحبابه، ووصفه في مواضع كثيرة من كتابه، ومن فضله أن الملائكة يستغفرون لذنبه، ويشفعون له الى ربه، فإن أبت هذه الطوائف إلا إصرارا، ولم يزدهم دعاؤك إلا فرارا؛ فاعلم أن الله قد طبع على قلوبهم طبعا، وألحقهم بالذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره وكانوا لا يستطيعون سمعا، فخذهم عند ذلك بحد الجلد، فإن لم ينجع فبحد ذوات الحد؛ فإن هذه أمراض عمى لا ترجى لها الإفاقة، ولا تبريء منها إلا الدماء المراقة.
وأما الفرقة المدعوة بالرافضة، التي هي لما رفعه الله خافضة، فإنهم أناس ليس لهم من الدين إلا اسمه، ولا من الإسلام إلا رسمه، وإذا نقّب عن مذهبهم وجد على العصبية موضوعا، ولغير ما شرعه الله ورسوله مشروعا، ذبّوا عن عليّ ﵁ فأسلموه، وأخروه إذ قدّموه، وهؤلاء وضعوا أحاديث فنقلوها، وأولوها على ما أولوها، فتبع الآخر منهم الأول على غمة، وقالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة، وههنا غير ما ذكرناه من عقائد محلولة «١» ؛ ومذاهب غير منقولة ولا مقبولة، وبالهدي يتبين طريق الضلال، وبالصحة يظهر أثر الاعتلال، ولا عقيدة إلا عقيدة السنة والكتاب، ولا دين إلا دين العجائز الماء والمحراب.
وإذا فرغنا من الوصية بالأصول التي هي للدين ملاك، فلنتبعها بالفروع التي هي له مساك، وأول ذلك الصلاة، وهي في مباني الإسلام الخمس أوكد خمسه،
стр. 530
وآخر ما وصّى به رسول الله ﷺ عند مفارقة نفسه، ومن فضلها أنها العمل الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا عذر في تركها لأحد من الناس فيقال إنه يعذر، فاجمع الناس إليها، واحملهم عليها، ومرهم بالاجتماع لها في المساجد، وناد فيهم بفضيلة صلاة الجماعة على صلاة واحد، وراقبهم عند أوقات الأذان! في الأسواق التي هي معركة الشيطان؛ فمن شغل بتثمير مكسبه، ولها عنها بالإقبال على لهوه ولعبه؛ فخذه بالآلة العمرية التي تضع من قدره، وتذيقه وبال أمره، ولا يمنعك عن ذي هيبة هيبته، ولا عن ذي شيبة شيبته، فإنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ومن مهمات الصلاة يوم الجمعة الذي هو في الأيام بمنزلة الأعياد في الأعوام، وفيه الساعة المخصوصة بالدعاء المجاب، التي ما صادفها عبد إلا ظفر بالطّلاب، فمر الناس بابتداره في البواكر، والفوز فيه بقربان البدنات الأخاير، فإنه اليوم الذي لم تطلع الشمس على مثله، وبه فضل هذا الدين على أهل الكتاب من قبله، فهو واسطة عقد الأيام السبعة، ولاشتماله على مجموع فضلها سمي يوم الجمعة، وفي الأعوام مواسم لصلوات مخصوصة كالتراويح في شهر رمضان والرغائب في أول جمعة من رجب وليلة النصف من شعبان، فلتملأ المساجد في هذه المواسم التي تكثر فيها شهادات الأقلام، في كتب الطاعات ومحو الآثام، ومن حضرها وليس همه إلا أن يمر بها طروقا، ويواعد إليه أخدانه رفثا أو فسوقا؛ فهؤلاء هم الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فابعث عليهم قوما يسلبونهم سلبا، ويوجعونهم ضربا، ويملئون عيونهم مهابة وقلوبهم رعبا، فبيوت الله مطهرة من هذه الأدناس، ولم تعمر لشياطين الإنس وإنما عمرت للناس، فلا يحضرها إلا راكع وساجد، أو ذاكر وحامد.
وههنا عظيمة عضيهة، وفاحشة يفقه لها من ليست نفسه بفقيهة، وهي الرّبا، فإنه قد كثر أكله، وتظاهر به فاعله، وقال فساق الفقهاء بتأويله، وتوصلوا إلى شبهة تحليله، ولا يتسارع إلى ذلك إلا من أعمى الله قلبه، ومحق كسبه، قال النبي ﷺ :
«لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» ونحن نأمرك
стр. 531
أن تشمر في هذا الأمر تشميرا يرهبه الناس «١» ، ولا تدع ربا حتى تضعه وأول ربا تضعه ربا العباس، فتأديب الكبير قاض بتهذيب الصغير، والأسوة بالرفيع خلاف الأسوة بالنظير، وجل معاملة الربا تجري في سوق الصرف الذي تختلف به النقود، وتفترض فيه العقود، ويخاض في نار نيره إلى النار ذات الوقود، وبه قوم أوسعوا عيون الموازين غمزا، وألسنتها همزا ولمزا، وأصبح الدرهم والدينار عندهم بمنزلة الصنمين اللات والعزّى، ولا يرى منهم إلا من الحرص مفاض على ثيابه، وقد جمع بين المعرفة بالحرام والهجوم على ارتكابه، فعدّل ميل هؤلاء تعديلا، وتخوّلهم على مرور الأيام تخويلا واعلم أنك قد وليت من الكيل والميزان أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة فباشرهما بيدك مباشرة الاختيار والاختبار، ولا تقل أهلهما عثرة فإن الإقالة لا تنهى عن العثار، وكل هؤلاء من سواد الناس ممن لم يزك غرسه، ولا فقهت نفسه، وليس همه إلا فرجه أو ضرسه، فخذهم بآلة التعزيز التي هي نزاعة للشّوى، تدعو من أدبر وتولى، ومن آثارها أنها ترجّ أرض الرأس رجّا، وتفرج سماءه فرجا، ويسلك بصاحبه هديا ونهجا.
وقد كثر في الأسواق الخلابة والنّجس وتلقّي الرّكبان وبيع الحاضر للبادي وتنفيق السّلعة باليمين الكذابة، وكل هذه من المحظورات التي وردت الأخبار النبوية ببيانها، والنهي عن تورّد مكانها، فمن قارف شيئا منها جاهلا بتحريمه فقوّمه بالتعليم، واهده إلى الصراط المستقيم، ومن عرف ما اقترف فأذقه حرّ التأديب، قبل أن يذاق غدا حرّ التعذيب، وأعلمه أن الأرزاق بيد الله تعالى لا ينقصها عجز القاعد ولا يزيدها حرص الكادح، وقد ينقلب الجاهد فيها بصفقة الخاسر والوادع بصفقة الرابح، ومن سنة الله تعالى أن ينمي الحلال وإن كان يسيرا، ويمحق الحرام وإن كان كثيرا، ومن الناس من آتاه الله مالا فبثّ في الأسواق جنود ذهبه وورقه، واحتكر ما حمله الميزان من ذوات رطله ووسعه الكيل من ذوات وسقه، فأصبح فقراء بلده في ضيق من عدم الرفق، ومدد الرزق، فليمنع هؤلاء أن يجعلوا رزق الله محتكرا،
стр. 532
ومعاش عباده محتجرا، وليؤمروا بأن يتراحموا، ولا يتزاحموا، وأن يأخذ الغني منهم بقدر الكفاف، ويترك للفقير ما يعينه على الإسعاف، قال عمر بن الخطاب ﵁: «لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من أرزاق الله تعالى ينزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيّما جالب جلب على عمود كبده فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله» وأما التسعير فإنه وإن آثره القاطنون، وحكم به القاسطون، وقيل: إن في ذلك للفقير تيسير العسير؛ فليس لأحد أن يكون يد الله في حفظ ما رفع، وبذل ما منع، فقف أنت حيث أوقفك حكم الحق، ودع ما يعنّ من مصلحة الخلق، ولا تكن ممن اتبع الرأي والنظر، وترك الآية والخبر، فحكمة الله مطوية فيما يأمر به على ألسنة رسله، وليست مما يستنبطه ذو العلم بعلمه ولا يستدل عليه ذو العقل بعقله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
ومما نأمرك به أن تمحو الصغيرة، كما تمحو الكبيرة؛ فإن لمم الذنوب كالقطر يصير مجتمعه سيلا متدفقا، وكان أوله قطرا متفرقا.
وقد استمر في الناس عوائد تهاونوا باستمرارها، ولم ينظروا ألى ثقل أوزارها؛ فمن ذلك لبس الذهب والحرير الذي لم يلبسه إلا من عدم عند الله خلاقا، وإن قيل إنه شعار للغني فلم يزد صاحبه من الحسنات إلا إملاقا، وللبس عباءة مع التقوى أحسن في العيون شعارا، وأعظم في الصدور وقارا، ويلتحق بهذه المعصية صوغ الذهب والفضة آنية يمنع منها حق الصدقات وهو حق يقاتل مانعه، ويعصى في استعمالها أمر الله وهو حدّ من حدوده يعاقب عاصيه ويثاب طائعه، وكذلك يجري الحكم في الصور المرقومة في البيوت والثياب، وعلى الستور المغلقة على الأبواب، وإخراجها في ضروب أشكال الحيوان لملاعبة الصبيان، وذلك مماثلة لخلق الله في التقدير، ولهذا يؤمر صانعه بنفخ الروح فيما صوّره من التصوير.
ومما يغلظ نكيره إطالة الذيول للاجترار، والمباهاة لما فيها من عنجهية التيه والاستكبار، ولن يخرق صاحبها الأرض بإعجابه، ولا يبلغ طول الجبال بإطالة
стр. 533
ثيابه، قال النبيّ ﷺ : «إنّ الله لا ينظر يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء» .
ومما هو أشد نكيرا أمر الحمامات؛ فإن الناس قد أصروا بها على الإجهار، وترك الاستتار، والتهاون بأمر العورات التي لصاحبها اللعنة وله سوء الدار، والنساء في هذا المقام أشد تهالكا من الرجال، وقد ابتذلن أنفسهن حتى أفرطن في فاحشة الابتذال، ولهن محدثات من المنكر أحدثها كثرة الإرفاه والإتراف، وأهمل إنكارها حتى سرت في الأوساط والأطراف، وقد أحدثن الآن من الملابس ما لم يخطر للشيطان في حساب، وتلك من لباس الشّهرة الذي لا يستر منه إسبال مرط ولا إدناء جلباب، ومن جملتها أنهن يعتصبن عصائب كأمثال الأسنمة، ويخرجن من جهارة أشكالها في الصور المعلمة، وقد أخبر رسول الله ﷺ بها فيما ورد عنه من الأخبار، وجعل صاحبها معدودا من زمرة أصحاب النار.
ومما حيد فيه عن السنن قراءة القرآن بضروب الألحان، وتلك قراءة تخرج حروفها من غير مخرج، وتبدو معوجة وهو قرآن عربي غير ذي عوج، وقد أمر الله بترتيله، وإيراده على هيئة تنزيله؛ فمن قرأه بالترجيع والترديد، وزلزل حروفه بالتمطيط والتمديد؛ فقد ألحقه بدرجات الأغاني، وذهب بما فيه من طلاوة الألفاظ والمعاني، قال النبي ﷺ ؛ «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإيّاكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي قوم يرجّعون بالقرآن ترجيع الغناء والنّوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الّذين يعجبهم شأنهم» ويلتحق بذلك اقتناء القينات المغنيات اللاتي يلعبن بالعقول لعبهن بالأسماع، ويغنين الشيطان بغنائهن عن بثّ الجنود والأشياع، وفتيا النفس الأمارة في ذلك أن تقول: هؤلاء إماء يحل نغمة سماعهن، كما يحل ما تحت قناعهن، وقد علم أن لكل شيء نماما، وقد ينقلب الحلال فيصير حراما، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، قال النبي ﷺ «لا تبيعوا القينات المغنّيات ولا تشتروهنّ ولا تعلّموهنّ ولا خير في تجارة فيهنّ وثمنهنّ حرام» وفي مثل هذا أنزلت: ومن الناس من يشتري لهو الحديث
وكذلك يجري الحكم في المواشط اللاتي يجعلن الحسن موفورا، والقبح مستورا، ويخدعن نظر الناظر حتى يجعلنه مسحورا؛ فهن يبدين
стр. 534
صدقا من كذب، وجدا من لعب، وفعلهن هذا من الغش الذي نهى رسول الله ﷺ عنه، وقال: إنه ليس منه، وقد لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة، ومن غشّ المنكرات أيضا خضاب الشّيب الذي يخالف فيه الظاهر الباطن، ويتخلّق صاحبه بخلق الكاذب الخائن، وهب أنه أخفى لون شعره وهل يخفي أخلاق لباسه، وإذا استسنّ ملائم المرء فلا يغنيه سواد عارضه ولا سواد رأسه، وقد جعل الله الشيب من نعمه المبشرة بطول الأعمار، وسماه نورا للونه وهدايته ولا تستوي الظلمات والأنوار، قال النبي ﷺ «١» الشيب أن يشتغل بتغيير صيغة الكتاب، ويدأب في محو سواد العقاب ببياض الثواب، ففي بقية عمره مندوحة لادخار ما يحمد ذخره، وتبديل ما تقدم سطره.
ومما خولفت فيه السنة عقد مجالس التعازي لحضور الناس، وإظهار شعار الأسود والأزرق من اللباس، والتشبيه بالجاهلية في النوح والندب، ومجاوزة دمع العين وخشوع القلب إلى الإعلان بإسخاط الرب، وقد تواطأ النساء على ضرب الخيام على القبور، وجعل الأعياد مواسم لاجتماع الزائر والمزور، فصارت المآتم بينهم ولائم والمنادب عندهم مآدب، وربما نشأ من ذلك ما يغض طرفا، ويجدع أنفا، ويوجب حدا وقذفا.
وهكذا أهمل أمر الإسلام في تشبيه أهل الذمة بأهله، وما كانوا ليشابهوه في زي غرته ويخالفوه في سلوك سبله، ولا بد من الغيار بأن يشدّ النصراني عقدة زناره، ويصفّر اليهودي أعلى إزاره، وليمنعوا من الظاهر بطغيان النعمة وعلو الهمة، ويؤمروا بالوقوف عند ما حكم عليهم من الأحكام، وأخذوا فيه بالاختفاء والاكتتام، فخمورهم تستر، وشعائر دينهم لا تظهر، وموتاهم تقبر بالخمول قبل أن تقبر؛ فلا يوقد خلف ميتهم مصباح، ولا يتبع بندب ولا صياح.
стр. 535
ومما عرف الناس منكره إثارة التحريش بين الحيوانات، وهي ذوات أكباد رطبة، وأخلاق صعبة، وما منها إلا ما يحل أكله، ولا يحل قتله، كالكبش والحجلة والديك والسماني وما أشبهها، وقد أكثر الناس من اقتنائها، والمواظبة على إضرام شحنائها، ولربما نشأ من ذلك فتنة تؤل إلى ضراب، وشق ثياب، وإحداث شجاج، وإثارة عجاج، وتحزب إلى أحزاب كثيرة وأفواج.
ويتصل بهذه المنكرات المذكورة أشياء أخرى تجري مجراها في التقديم، وتتنزل منزلتها في التحريم، فاحكم فيها بحكمك، وامض في شبهاتها بدليل علمك، ونب عنا في التذكير والتحذير، والتعريف والتنكير، حتى يتقوّم الأود، ويتضح الرشد، ويمكث في الأرض ما ينفع ويذهب الزّبد، وليكن عملك لله الذي يسمع ويرى، وله ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
واعلم أن الأمر بالمعروف عبادة يتعدى نفع صاحبها إلى غيره، وتستضيف خير المأمور بها إلى خيره، وهي الجهاد الأكبر الذي تقاتل فيه عواصي النفوس، وتضرب به رءوس الشهوات التي هي أمنع من معاقد الرءوس، فقتيله يحيا بقتله، وجريحه يوسي بجراحة نصله، وبمثل هذا الجهاد تستنزل أمداد النعم مضعفة، كما تستنزل أمداد النصر مردفة، فأقدم عليه ذا عزم باتر، وطرف ساهر، وقدم ثابت صابر، حتى تظل لمعاقل الشيطان فاتحا، وتكون فيمن دعا إلى الله وعمل صالحا.
واعلم أنك في صبيحة كل يوم يبتدرك الملك والشيطان، وكل منهما يقول:
يأيها الإنسان، فإن أجبت نداء الملك كتبك في زمرة من مهد لجنبه، وخاف مقام ربه، وعرج بك ألى الله طيبا نشره، مضاعفا أجره، وإن أجبت نداء الشيطان كتبك في زمرة من أغواه، وقرنك بمن أغفل الله قلبه واتبع هواه، ثم نزل به إلى الأرض خبيثا مخبثا، وأقبل به على إخوانه من الشياطين محدثا.
وهذا آخر ما عهدناه إليك من العهد الذي طوقت اليوم بكتابه، وستناقش غدا على حسابه، وكما جعلناه لك في الدنيا ذكرا، فاجعله لك في الآخرة ذخرا، إن شاء الله تعالى؛ والسلام.
وهذا الذي ذكرته في هذين من الكتاب والتقليد يتضمن إطنابا مستوفى
стр. 536
الأقسام، ولولا خوف الإطالة التي لا حاجة إليها لأوردت قصائد من الشعر أيضا، حتى لا يخلو الموضع من ضرب أمثلة من المنظوم والمنثور، لكن في الذي ذكرته كفاية لمن يحمله على أشباهه ونظائره.
فإن قيل: إن الإطناب في الكلام وضعتموه اسما على غير مسمى؛ فإن الكلام لا يخلو من حالين: إما ألّا يزيد لفظه على معناه، وهو الإيجاز، أو يزيد لفظه على معناه، وهو التطويل، وليس ههنا قسم ثالث، فما الإطناب إذا؟
قلت في الجواب: اعلم أن الإيجاز هو ضد التطويل، كما أن السواد ضد البياض، غير أن بين الضدين مراتب ومنازل ليست أضدادا؛ فالإطناب لا إيجاز هو ولا تطويل، كما أن الحمرة أو الخضرة ليست بياضا ولا سوادا، وقد قدمنا القول أن الإطناب يأتي في الكلام مؤكدا كالذي يأتي بزيادة التصوير للمعنى المقصود إما حقيقة وإما مجازا، والتطويل ليس كذلك؛ فإنه التعبير عن المعنى بلفظ زائد عليه يفهم ذلك المعنى بدونه، فإذا حذفت تلك الزيادة بقي المعنى المعبر عنه على حاله لم يتغير منه شيء، وهذا بخلاف الإطناب، فإنه إذا حذفت منه تلك الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى وزال ذلك التأكيد عنه، وذهبت فائدة التصوير والتخييل التي تفيد السامع ما لم يكن إلا بها، ألا ترى إلى قوله تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
وهذا لا يسمى إيجازا؛ لأنه أتى فيه بزيادة لفظ، وهو ذكر الصدور، وقد علم أن القلوب لا تكون إلا في الصدور، ولا يسمى تطويلا؛ لأن التطويل لا فائدة فيه أصلا، وهذا فيه فائدة، وهي ما أشرنا إليه، وكذلك باقي أقسام الإطناب التي نبهناه عليها، وهذا لا نزاع فيه.
стр. 537
النوع السابع عشر في التكرير
قد تقدم الكلام في صدر كتابي هذا على تكرار الحروف، وما [أشبه] ذلك مما يختلط بهذا النوع الذي هو تكرار المعاني والألفاظ.
واعلم أن هذا النوع من مقاتل على البيان، وهو دقيق المأخذ.
وحدّه هو: دلالة اللفظ على المعنى مردّدا، وربما اشتبه على أكثر الناس بالإطناب مرة، وبالتطويل أخرى، وقد تقدم الكلام على الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة في باب الإطناب، فلا حاجة إلى إعادته ههنا، وأما التكرير فقد عرفتكه.
وهو ينقسم قسمين: أحدهما يوجد في اللفظ والمعنى، والآخر يوجد في المعنى دون اللفظ.
فأما الذي يوجد في اللفظ والمعنى فكقولك لمن تستدعيه أسرع أسرع، ومنه قول أبي الطيب المتنبي «١» .
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
وأما الذي يوجد في المعنى دون اللفظ فكقولك: أطعني ولا تعصني، فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية.
وكل من هذين القسمين ينقسم إلى مفيد وغير مفيد، ولا أعني بالمفيد ههنا ما يعنيه النحاة، فإنه عندهم عبارة عن اللفظ المركب؛ إما من الاسم مع الاسم، بشرط أن يكون للأول بالثاني علاقة معنى يسع مكلفا جهله، وإما من الاسم مع
стр. 538
الفعل التام المتصرف، على هذا الشرط أيضا، وإما من حرف النداء مع الاسم؛ فهذا هو المفيد عند النحاة، وأنا لم أقصد ذلك ههنا، بل مقصودي من المفيد أن يأتي لمعنى، وغير المفيد أن يأتي لغير معنى.
واعلم أن المفيد من التكرير يأتي في الكلام تأكيدا له، وتشييدا من أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك؛ إما مبالغة في مدحه أو في ذمه، أو غير ذلك، ولا يأتي إلا في أحد طرفي الشيء المقصود بالذكر، والوسط عار منه؛ لأن أحد الطرفين هو المقصود بالمبالغة إما بمدح أو ذم أو غيرهما، والوسط ليس من شرط المبالغة؛ وغير المفيد لا يأتي في الكلام إلا عيّا وخطلا من غير حاجة إليه.
فأما الأوّل- وهو الذي يوجد في اللفظ والمعنى -
فإنه ينقسم الى ضربين:
مفيد، وغير مفيد.
فالأول المفيد وهو فرعان:
الأول: إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدلّ على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان ،
كقوله تعالى: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون
هذا تكرير في اللفظ والمعنى، وهو قوله: يحق الحق
وليحق الحق
، إنما جيء به ههنا لاختلاف المراد، وذاك أن الأول تمييز بين الإرادتين، والثاني بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذل أولئك إلا لهذا الغرض.
ومن هذا الباب قوله تعالى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.
قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه
فكرر قوله تعالى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين
وقوله: قل الله أعبد مخلصا له ديني
والمراد به غرضان مختلفان، وذلك أن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة
стр. 539
والإخلاص في دينه، والثاني إخبار بأنه يخصّ الله وحده دون غيره بعبادته مخلصا له دينه؛ ولدلالته على ذلك قدّم المعبود على فعل العبادة في الثاني، وأخّره في الأول؛ لأن الكلام أولا واقع في الفعل نفسه وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل من أجله، ولذلك رتب عليه فاعبدوا ما شئتم من دونه.
وعليه ورد قوله تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله
وظاهر الأول والثاني أنهما سواء في المعنى، وليس كذلك؛ لأن الثاني فيه تخصيص غير موجود في الأول، ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد الأفضل، وقلنا: الأفضل زيد، كان في الثاني تخصيص له بالفضل، وهذا التخصيص لا يوجد في القول الأول الذي هو زيد الأفضل، ويجوز أن تبدل صفة الفضل فيه بغيرها أو بضدها؛ فيقال: زيد الأجمل، أو زيد الأنقص، وإذا قلنا: الأفضل زيد، وجب تخصيصه بالفضل، ولم يمكن تغييره عنه، وكذلك يجري الحكم في هذه الآية؛ فإن الله تعالى قال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله
، ثم قال: لم يذهبوا حتى يستأذنوه
فوصفهم بالامتناع عن الذهاب إلا بإذنه، وهذه صفة يجوز أن تبدل بغيرها من الصفات، كما قال تعالى في موضع آخر: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا
فجاء بصفة غير تلك الصفة، ولما قال:
إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله
وجب تخصيصهم بذلك الوصف دون غيره، وهذا موضع حسن في تكرير المعاني.
ومما يعدّ من هذا الباب قوله تعالى: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون.
ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين
وقد ظن قوم أن هذه الآية تكرير لا فائدة فيه، وليس الأمر كذلك؛ فإن معنى قوله لا أعبد
يعني في المستقبل: من عبادة آلهتكم، وإلا أنتم فاعلون فيه ما أطلبه منكم من عبادة إلهي، ولا أنا عابد ما عبدتم
أي: وما كنت عابدا قط فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني أنه لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية في وقت
стр. 540
مّا فكيف يرجى ذلك مني في الإسلام؟ ولا أنتم عابدون
في الماضي في وقت مّا ما أنا على عبادته الآن.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين
فكرر الرحمن الرحيم
مرتين والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا، والثاني يتعلق بأمر الآخرة؛ فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلّا منهم على أكمل صفة، وأعطاه جميع ما يحتاج إليه، حتى البقة والذباب، وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق وغيرها، وأما ما يتعلق بأمر الآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة الذي هو يوم الدين.
وبالجملة فاعلم أنه ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره؛ فإن رأيت شيئا منه تكرر من حيث الظاهر فأنعم نظرك فيه؛ فانظر إلى سوابقه ولواحقه؛ لتنكشف لك الفائدة منه.
ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون
[فكرر قوله: فاتقوا الله وأطيعون
] ليؤكده عندهم ويقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحد منهما لعلة؛ فجعل الأول كونه أمينا فيما بينهم، وجعل علة الثاني حسم طمعه عنهم، وخلوّه من الأغراض فيما يدعوهم أليه.
من هذا النحو قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب
وإنما كرر تكذيبهم ههنا لأنه لم يأت به على أسلوب واحد، بل تنوع فيه بضروب من الصنعة، فذكره أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل؛ لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، وفي تكرير التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه والتنوع في تكريره بالجملة الخبرية أولا وبالاستثنائية ثانيا وما في الاستثناء من الوضع
стр. 541
على وجه التوكيد والتخصيص المبالغة المسجّلة عليهم باستحقاق أشد العذاب وأبلغه.
وهذا باب من تكرير اللفظ والمعنى حسن غامض، وبه تعريف موقع التكرير، والفرق بينه وبين غيره؛ فافهمه إن شاء الله تعالى.
الفرع الثاني من الضرب الأول:
إذا كان التكرير في اللفظ والمعنى يدلّ على معنى واحد، والمراد به غرض واحد؛ كقوله تعالى: فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر
والتكرير دلالة [على] التعجب من تقديره وإصابته الغرض، وهذا كما يقال:
قتله الله ما أشجعه! أو ما أشعره! وعليه ورد قوله الشاعر:
ألا يا اسلمي ثمّ اسلمي ثمّت اسلمي «١»
وهذا مبالغة في الدعاء لها بالسلامة، وكل هذا يجاء به لتقرير المعنى المراد وإثباته.
وعليه ورد الحديث النبوي؛ وذاك أن النبيّ ﷺ قال: «إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليّا فلا آذن ثمّ لا آذن إلّا أن يطلّق عليّ ابنتي وينكح ابنتهم» فقوله: «لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن» من التكرير الذي هو أشد موقعا من الإيجاز؛ لانصباب العناية إلى تأكيد القول في منع عليّ ﵁ من التزوج بابنة أبي جهل بن هشام.
وهذا مثل قوله تعالى: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى
ومن أجل ذلك نقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له؛ لأن قولنا: «لا إله إلّا الله» مثل قولنا:
«وحده لا شريك له» وهما في المعنى سواء، وإنما كررنا القول فيه لتقرير المعنى وإثباته، وذاك لأن من الناس من يخالف فيه كالنصارى والثّنوية، والتكرير في مثل هذا المقام أبلغ من الإيجاز، وأحسن، وأسدّ موقعا.
ومما جاء في مثل هذا قوله تعالى: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا
стр. 542
فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون. وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين
فقوله: من قبله
بعد قوله: من قبل
فيه دلالة على أن عهدهم بالمطر قد بعد وتطاول؛ فاستحكم بأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.
وعلى ذلك ورد قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق
فقوله: لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر
يقوم مقام قوله: ولا يدينون دين الحق
لأن من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يدين دين الحق، وإنما كرر ههنا للخطب على المأمور بقتالهم، والتسجيل عليهم، بالذم، ورجمهم بالعظائم؛ ليكون ذلك أدعى لوجوب قتالهم وحربهم، وقد قلنا: إن التكرير إنما يأتي لما أهمّ من الأمر الذي بصرف العناية إليه يثبت ويتقرر.
كذلك ورد قوله تعالى: وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد. أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
فتكرير لفظه أولئك
من هذا الباب الذي أشرنا إليه؛ لمكان شدة النكير، وإغلاظ العقاب بسبب إنكارهم البعث.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون
فإنه إنما تكررت لفظة هم
للإيذان بتحقيق الخسار، والأصل فيها وهم في الآخرة الأخسرون؛ لكن لما أريد تأكيد ذلك جيء بتكرير هذه اللفظة المشار اليها.
كذلك قوله تعالى: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها.
أمثال هذا في القرآن كثير.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة القصص: فأصبح في المدينة خائفا
стр. 543
يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس
فقوله تعالى: فلما أن أراد أن يبطش
بتكرير أن مرتين دليل على أن موسى ﵇ لم تكن مسارعته إلى قتل الثاني كما كانت مسارعته الى قتل الأول، بل كان عنده إبطاء في بسط يده إليه، فعبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى:
فلما أن أراد أن يبطش.
وجرت بيني وبين رجل من النحويين مفاوضة في هذه الآية؛ فقال: إن أن الأولى زائدة، ولو حذفت فقيل فلما أراد أن يبطش لكان المعنى سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه
وقد اتفق النحاة على أنّ أن الواردة بعد لمّا وقبل الفعل زائدة، فقلت له: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة، ولا عندهم معرفة بأسرارهما، من حيث إنهم نحاة، ولا شك أنهم وجدوا أن ترد بعد لمّا وقبل الفعل في القرآن الكريم وفي كلام فصحاء العرب فظنوا أن المعنى بوجودها كالمعنى إذا أسقطت، فقالوا: هذه زائدة، وليس الأمر كذلك، بل إذا وردت لمّا وورد الفعل بعدها بإسقاط أن دلّ ذلك على الفور، وأذا لم تسقط لم يدلنا ذلك على أن الفعل كان على الفور، وإنما كان فيه تراخ وإبطاء.
وبيان ذلك وجهين:
أحدهما: أني أقول: فائدة وضع الألفاظ أن تكون أدلّة على المعاني، فإذا أوردت لفظة من الألفاظ في كلام مشهود له بالفصاحة والبلاغة فالأولى أن تحمل تلك اللفظة على معنى، فإن لم يوجد لها معنى بعد التنقيب والتنقير والبحث الطويل قيل: هذه زائدة دخولها في الكلام كخروجها منه، ولما نظرت أنا في هذه الآية وجدت لفظة «أن» الواردة بعد «لمّا» وقبل الفعل دالة على معنى، وإذا كانت دالة على معنى فكيف يسوغ أن يقال: إنها زائدة.
فإن قيل: إنها إذا كانت دالة على معنى فيجوز أن تكون دالة على غير ما أشرت أنت إليه.
قلت في الجواب: إذا ثبت أنها دالّة على معنى فالذي أشرت إليه معنى
стр. 544
مناسب واقع في موقعه، وإذا كان مناسبا واقعا في موقعه فقد حصل المراد منه، ودلّ الدليل حينئذ أنها ليست بزائدة.
الوجه الآخر: أن هذه اللفظة لو كانت زائدة لكان ذلك قدحا في كلام الله تعالى، وذاك أنه يكون قد نطق بزيادة في كلامه لا حاجه إليها، والمعنى يتم بدونها، وحينئذ لا يكون كلامه معجزا؛ إذ من شرط الإعجاز عدم التطويل الذي لا حاجة إليه، وإن التطويل عيب في الكلام، فكيف يكون ما هو عيب في الكلام من باب الإعجاز؟ هذا محال.
وأما قوله تعالى: فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه
فإنه إذا نظر في قصة يوسف ﵇ مع إخوته منذ ألقوه في الجبّ وإلى أن جاء البشير إلى أبيه ﵇ وجد أنه كان ثمّ إبطاء بعيد، وقد اختلف المفسرون في طول تلك المدة، ولو لم يكن ثمّ مدة بعيدة وأمد متطاول لما جيء بأن بعد لمّا وقبل الفعل، بل كانت تكون الآية فلما جاء البشير ألقاه على وجهه.
وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة؛ لأنها ليست من شأنهم.
واعلم أن من هذا النوع قسما يكون المعنى فيه مضافا إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، وذلك يأتي في الألفاظ المترادفة، وقد ورد في القرآن الكريم، واستعمل في فصيح الكلام.
فمنه قوله تعالى: والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم
والرجز هو العذاب.
وعليه ورد قول أبي تمام «١» :
نهوض بثقل العبء مضطلع به ... وإن عظمت فيه الخطوب وجلّت
стр. 545
والثقل: هو العبء، والعبء: هو الثقل، وكذلك ورد قول البحتري «١» :
ويوم تثنّت للوداع وسلّمت ... بعينين موصول بلحظهما السّحر
توهّمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النّوم أو مالت بأعطافها الخمر
فإن الكرى هو النوم.
وربما أشكل هذا الموضع على كثير من متعاطي هذه الصناعة وظنوه مما لا فائدة فيه، وليس كذلك، بل الفائدة فيه هي التأكيد للمعنى المقصود، والمبالغة فيه.
أما الآية فالمراد بقوله تعالى: عذاب من رجز
أي: عذاب مضاعف من عذاب.
وأما بيت أبي تمام فإنه تضمن المبالغة في وصف الممدوح بحمله للأثقال.
وأما بيت البحتري فإنه أراد أن يشبه طرفها لفتوره بالنائم؛ فكرر المعنى فيه على طريق المضاف والمضاف إليه تأكيدا له وزيادة في بيانه.
وهذا الموضع لم ينبه عليه أحد سواي.
ولربما أدخل في التكوير من هذا النوع ما ليس منه، وهو موضع لم ينبه عليه أيضا أحد سواي.
فمنه قوله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم
فلما تكرر إن ربك
مرتين علم أن ذلك أدل على المغفرة.
стр. 546
وكذلك قوله تعالى: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم.
ومثل قوله تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب.
وهذه الآيات يظن أنها من باب التكرير، وليست كذلك، وقد أنعمت نظري فيها فرأيتها خارجة عن حكم التكرير، وذاك أنه إذا طال الفصل من الكلام، وكان أوله يفتقر إلى تمام لا يفهم إلا به؛ فالأولى في باب الفصاحة أن يعاد لفظ الأول مرة ثانية؛ ليكون مقارنا لتمام الفصل؛ كي لا يجيء الكلام منثورا؛ لا سيما في إنّ وأخواتها؛ فإذا وردت إنّ وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام فإعادة إنّ أحسن في حكم البلاغة والفصاحة؛ كالذي تقدم من هذه الآيات.
وعليه ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة «١» :
أسجنا وقيدا واشتياقا وغربة ... ونأي حبيب إنّ ذا لعظيم
وإنّ امرأ دامت مواثيق عهده ... على مثل هذا إنّه لكريم
فإنه لما طال الكلام بين اسم إنّ وخبرها أعيدت إنّ مرة ثانية؛ لأن تقدير الكلام، وإنّ آمرا دامت مواثيق عهده على مثل هذا لكريم؛ لكن بين الاسم والخبر مدى طويل؛ فإذا لم تعد إنّ مرة ثانية لم يأت على الكلام بهجة ولا رونق، وهذا لا يتنبه لاستعماله إلا الفصحاء إما طبعا وإما علما.
وكذلك يجري الأمر إذا كان خبر إنّ عاملا في معمول يطول ذكره؛ فإن إعادة الخبر ثانية هو الأحسن.
وعلى هذا جاء قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين
فلما
стр. 547
قال إني رأيت
ثم طال الفصل كان الأحسن أن يعيد لفظ الرؤية فيقول رأيتهم لي ساجدين.
وكذلك جاءت الآية المذكورة ههنا قبل هذه، وهي قوله تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا
فإنه لما طال الفصل أعاد قوله فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب
فاعلم ذلك، وضع يدك عليه.
وكذلك الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة.
وكذلك الآية الأخرى، وهي: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا.
ومن باب التكرير في اللفظ والمعنى الدال على معنى واحد قوله :
وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد. يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار
؛ فإنه إنما كرر نداء قومه ههنا لزيادة التنبيه لهم والإيقاظ عن سنة الغفلة، ولأنهم قومه وعشيرته، وهم فيما يوبقهم من الضلال، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه واجبة؛ فهو يتحزن لهم، ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك ألّا يتهموه؛ فإن سرورهم سروره، وغمهم غمه، وأن ينزلوا على نصيحته لهم، وهذا من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز وأسد موقعا من الاختصار؛ فاعرفه إن شاء الله تعالى.
وعلى نحو منه جاء قوله تعالى في سورة القمر: فذوقوا عذابي ونذر. ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر
فإنه قد تكرر ذلك في السورة كثيرا، وفائدته أن يجدّدوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارا وإيقاظا، وأن يستأنفوا تنبّها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث إليه، وأن تقرع لهم العصا مرّات لئلا يغلبهم السهو وتستولي عليهم الغفلة.
وهكذا حكم التكرير في قوله تعالى في سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان*
وذلك عند كل نعمة عدّدها على عباده.
стр. 548
أمثال هذا في القرآن الكريم كثير.
ومما ورد من هذا النوع شعرا قول بعض شعراء الحماسة «١» :
إلى معدن العزّ المؤثّل والنّدى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل
فقوله «هناك هناك» من التكرير الذي هو أبلغ من الإيجاز؛ لأنه في معرض مدح، فهو يقرر في نفس السامع ما عند الممدوح من هذه الأوصاف المذكورة مشيرا إليها، كأنه قال: أدلكم على معدن كذا وكذا ومقره ومفاده.
وكذلك ورد قول المساور بن هند:
جزى الله عنّي غالبا من عشيرة ... إذا حدثان الدّهر نابت نوائبه
فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... عليّ وموج قد علتني غواربه
فصدر البيت الثاني وعجزه يدلان على معنى واحد؛ لأن تلاحم الكرب عليه كتعالي الموج من فوقه، وإنما سوغ ذلك لأنه مقام مدح وإطراء، ألا ترى أنه يصف إحسان هؤلاء القوم عند دثان دهره في التكرير، وفي قبالته لو كان القائل هاجيا؛ فإن الهجاء في هذا كالمدح، والتكرير إنما يحسن في كلا الطرفين، لا في الوسط.
واعلم أنه إذا وردت «إن» المكسورة المخففة بعد «ما» كانت بمعناها سواء، ألا ترى إلى قوله تعالى: إن هم إلا كالأنعام
فإن وما بمعنى واحد، وإذا أوردت من بعد ما كانت من باب التكرير، كقولنا: ما إن يكون كذا وكذا: أي ما يكون كذا وكذا، وإذا وردت في الكلام فإنما ترد في مثل ما أشرنا إليه من التكرير؛ فإن استعملت في غير ما يكون منها لفائدة ينتجها تكريرها كان استعمالها لغوا لا فائدة فيه.
стр. 549
وقد زعم قوم من مدعي هذه الصناعة أن أبا الطيب المتنبي أتى في هذا البيت بتكرير لا حاجة به إليه، وهو قوله «١» :
العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارض الهتن
وليس في هذا البيت من تكرير؛ فإنه كقولك: الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف بكذا وكذا: أي أنه عريق النسب في هذا الوصف.
وقد ورد في الحديث النبوي مثل ذلك؛ كقول النبي ﷺ في وصف يوسف الصديق ﵇: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم» .
ولقد فاوضني في هذا البيت المشار إليه بعض علماء الأدب، وأخذ يطعن فيه من جهة تكراره، فوقفته على مواضع الصواب منه، وعرفته أنه كالخبر النبوي من جهة المعنى سواء بسواء، لكن لفظه ليس بمرضيّ على هذا الوجه الذي قد استعمل فيه؛ فإنّ الألفاظ إذا كانت حسانا في حال انفرادها فإن استعمالها في حال التركيب يزيدها حسنا على حسنها، أو يذهب ذلك الحسن عنها، وقد تقدم الكلام على ذلك في المقالة الأولى من الصناعة اللفظية، ولو تهيأ لأبي الطيب المتنبي أن يبدل لفظة العارض بلفظة السحاب، أو ما يجري مجراها؛ لكان أحسن، وكذلك لفظة الهتن، فإنها ليست بمرضية في هذا الموضع على هذا الوجه، ولفظة العارض، وإن كانت قد وردت في القرآن وهي لفظة حسنة فالفرق بين ورودها في القرآن الكريم وورودها في هذا البيت الشعري ظاهر؛ وقد تقدم الكلام على مثلها من آية وبيت لأبي الطيب أيضا، وهو في المقالة اللفظية عند الكلام على الألفاظ المفردة فليؤخذ من هناك، وكثيرا ما يقع الجهال في مثل هذه المواضع، وهم الذين قيل فيهم:
стр. 550
وكذا كلّ أخي حذلقة ... ما مشى في يابس إلّا زلق
فترى أحدهم قد جمع نفسه وظنّ على جهله أنه عالم، فيسرع في وصف كلام بالإيجاز وكلام بالتطويل أو بالتكرير، وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره لم يوجد عنده من القول شيء إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض.
الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى، وهو غير المفيد؛ فمن ذلك قول مروان الأصغر:
سقى الله نجدا والسّلام على نجد ... ويا حبّذا نجد على النّأي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونها ... لعلّي أرى نجدا وهيهات من نجد
وهذا من العيّ الضعيف، فإنه كرر ذكر نجد في البيت الأول ثلاثا، وفي البيت الثاني ثلاثا، ومراده في الأول الثناء على نجد، وفي الثاني أنه تلفت إليها ناظرا من بغداد، وذلك مرمى بعيد، وهذا المعنى لا يحتاج إلى مثل هذا التكرير؛ أما البيت الأول فيحمل على الجائز من التكرير؛ لأنه مقام تشوق وتحرق وموجدة بفراق نجد، ولما كان كذلك أجيز فيه التكرير، على أنه قد كان يمكنه أن يصوغ هذا المعنى الوارد في البيتين معا من غير أن يأتي بهذا التكرير المتتابع ست مرات.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس:
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم التّرحّل خامس
ومراده من ذلك أنهم أقاموا بها أربعة أيام، ويا عجبا له يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العيّ الفاحش في ضمن تلك الأبيات «١» العجيبة الحسن التي تقدم ذكرها في باب الإيجاز، وهي:
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا
стр. 551
ومن هذا الباب أيضا ما أوردناه في صدر هذا النوع وهو قول أبي الطيب «١» المتنبي:
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام
فهذا هو التكرير الفاحش الذي يؤثر في الكلام نقصا، ألا ترى أنه يقول: لم أر مثل جيراني في سوء الجوار، ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين.
وعلى نحو من ذلك جاء قوله أيضا:
وقلقلت بالهمّ الّذي قلقل الحشى ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل
وأما القسم الثاني من التكرير، وهو الذي يوجد في المعنى دون اللفظ ؛
فذلك ضربان: مفيد، وغير مفيد.
الضرب الأول:
المفيد، وهو فرعان.
الأول: إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنيين مختلفين ،
وهو موضع من التكرير مشكل؛ لأنه يسبق إلى الوهم أنه تكرير يدل على معنى واحد.
فمما جاء منه حديث حاطب بن أبي بلتعة في غزوة الفتح، وذاك أن النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب والزّبير والمقداد ﵃ فقال: «اذهبوا إلى روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب، فأتوني به» قال علي ﵁: فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، وإذا فيها الظعينة، فأخذنا الكتاب من عقاصها، وأتينا به رسول الله ﷺ وإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض شأن رسول الله ﷺ ، فقال له: ما هذا يا حاطب؟ فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة تحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتّخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك
стр. 552
كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ :
«إنّه قد صدقكم» فقوله: ما فعلت ذلك كفرا، ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، من التكرير الحسن، وبعض الجهال يظنه تكريرا لا فائدة فيه، فإن الكفر والارتداد عن الدين سواء، وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام، وليس كذلك، والذي يدل عليه اللفظ هو أني لم أفعل ذلك وأنا كافر: أي باق على الكفر، ولا مرتدا: أي أني كفرت بعد إسلامي، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام: أي ولا إيثارا لجانب الكفار على جانب المسلمين، وهذا حسن في مكانه، واقع في موقعه؛ وقد يحمل التكرير فيه على غير هذا الفرع الذي نحن بصدد ذكره ههنا، وهو الذي يكون التكرير فيه يدل على معنى واحد، وسيأتي بيانه في الفرع الثاني الذي يلي هذا الفرع الأول، والذي يجوزه أن هذا المقام هو مقام اعتذار وتنصّل عما رمي به من تلك القارعة العظيمة التي هي نفاق وكفر؛ فكرر المعنى في اعتذاره قصدا للتأكيد والتقرير لما ينفي عنه ما رمي به.
ومما ينتظم بهذا السلك أنه إذا كان التكرير في المعنى يدلّ على معنيين أحدهما خاص والآخر عام كقوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
فإن الأمر بالمعروف داخل تحت الدعاء إلى الخير؛ لأن الأمر بالمعروف خاص، والخير عام، فكل أمر بالمعروف خير، وليس كل خير أمرا بالمعروف، وذاك أن الخير أنواع كثيرة من جملتها الأمر بالمعروف، ففائدة التكرير ههنا أنه ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضله، كقوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
وكقوله تعالى: فيهما فاكهة ونخل ورمان
، وكقوله تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها
فإن الجبال داخلة في جملة الأرض، لكن لفظ الأرض عام، والجبال خاص، وفائدته ههنا تعظيم شأن الأمانة المشار إليه، وتفخيم أمرها، وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا.
ومما ورد منه شعرا قول [المقنّع الكنديّ «١» ] من أبيات الحماسة:
стр. 553
وإنّ الّذي بيني وبين بني أبي ... بين بني عمّي لمختلف جدّا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيّعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيّ هويت لهم رشدا
فهذا من الخاص والعام؛ فإن كل لحم يؤكل للإنسان فهو تضييع لغيبه، وليس كل تضييع لغيبه أكلا للحمه، ألا ترى أن أكل اللحم هو كناية عن الاغتياب، وأما تضييع الغيب فمنه الاغتياب ومنه التخلي عن النصرة والإعانة ومنه إهمال السعي في كل ما يعود بالنفع كائنا ما كان، وعلى هذا فإن هذين البيتين من الخاص والعام المشار إليه في الآية المقدم ذكرها، وهو موضع يرد في الكلام البليغ ويظن أنه لا فائدة فيه.
الفرع الثاني:
إذا كان التكرير في المعنى يدل على معنى واحد لا غير، وقد سبق مثال ذلك في أول هذا الباب، كقولك: أطعني ولا تعصني؛ فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية، والفائدة في ذلك تثبيت الطاعة في نفس المخاطب.
والكلام في هذا الموضع كالكلام في الموضع الذي قبله من تكرير اللفظ والمعنى إذا كان الغرض به شيئا واحدا، ولا نجد شيئا من ذلك يأتي في الكلام إلا لتأكيد الغرض المقصود به؛ كقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم
فإنه إنما كرّر العفو والصفح والمغفرة، والجميع بمعنى واحد؛ للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده والزوج عن زوجته، وهذا وأمثاله ينظر في الغرض المقصود به، وهو موضع يكون التكرير فيه أوجز من لمحة الإيجاز وأولى بالاستعمال.
وقد ورد في القرآن الكريم كثيرا، كقوله تعالى في سورة يوسف ﵇:
إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون
فإن البثّ والحزن بمعنى واحد، وإنما ههنا لشدة الخطب النازل به، وتكاثر سهامه النافذة في قلبه، وهذا المعنى كالذي قبله.
وكذلك ورد قوله تعالى: تلك عشرة كاملة
بعد ثلاثة وسبعة تنوب مناب قوله ثلاثة وسبعة مرتين لأن عشرة هي ثلاثة وسبعة، ثم قال (كاملة) وذلك توكيد
стр. 554
ثالث، والمراد به إيجاب صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق على الفور، لا عند الوصول إلى البلد كما ذهب إليه بعض الفقهاء، وبيانه أني أقول: إذا صدر الأمر من الأمر على المأمور بلفظ التكرير مجردا من قرينة تخرجه عن وصفه ولم يكن موقّتا بوقت معين كان ذلك حثّا على المبادرة إلى امتثال الأمر على الفور؛ فإنك إذا قلت لمن تأمره بالقيام: قم، قم، قم، فإنما تريد بهذا اللفظ المكرر أن يبادر إلى القيام في تلك الحال الحاضرة.
فإن قلت: الغرض بتكرير الأمر أن يتكرر في نفس المأمور أنه مراد منه، وليس الغرض الحثّ على المبادرة إلى امتثال الأمر.
قلت في الجواب: إن المرة الواحدة كافية في معرفة المأمور أن الذي أمر به مراد منه، والزيادة على المرة الواحدة لا تخلو: إما أن تكون دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة أو دالة على زيادة معنى لم تكن في المرة الواحدة؛ فإن كانت دالة على ما دلت عليه المرة الواحدة كان ذلك تطويلا في الكلام لا حاجة إليه، وقد ورد مثله في القرآن الكريم، كهذه الآية المشار إليها وغيرها من الآيات، والتطويل في الكلام عيب فاحش عند البلغاء والفصحاء، والقرآن معجز ببلاغته وفصاحته، فكيف يكون فيه تطويل لا حاجة إليه، فينبغي أن تكون تلك الزيادة دالة على معنى زائد على ما دلّت عليه المرة الواحدة، وإذا ثبت هذا فتلك الزيادة هي الحث على المبادرة إلى امتثال الأمر؛ فإن سلمت لي ذلك وإلا فبيّن معنى تلك الزيادة ببيان غير ما ذكرته أنا، ولا أراك أن تستطيع ذلك.
فإن قلت: إن الواو في قوله تعالى: وسبعة إذا رجعتم
لولا أن تؤكد بقوله (تلك عشرة) لظن أنها وردت بمعنى أو: أي فثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم، فلما قيل (تلك عشرة) زال هذا الظن، وتحققت الواو أنها عاطفة، وليست بمعنى أو.
قلت في الجواب: هذا باطل من أربعة أوجه: الوجه الأول: أن الواو العاطفة لا تجعل بمعنى أو أين وردت من الكلام، وإنما تجعل بمعنى أو حال ضرورة
стр. 555
ترجيح جانبها على جانب جعلها عاطفة؛ لأن الأصل فيها أن تكون عاطفة، فإذا عدل بها عن أصلها احتاج إلى ترجيح، ولا ترجيح ههنا؛ الوجه الثاني: بلاغي، وذاك أن القرآن الكريم منتهى البلاغة والفصاحة لمكان إعجازه، فلو كان معنى الواو في هذه الآية بمعنى أو لقيل فثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، ولم يحتج إلى هذا التطويل، في قوله فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة
الوجه الثالث: أن هذا الصوم حكم من أحكام العبادات، والعبادات يجب فيها الاحتياط أن تؤدّى على أكمل صورة؛ لئلا يدخلها النقص، وإذا كان الأمر على ذلك فكيف يظن أن الواو في هذه الآية بمعنى أو؟ الوجه الرابع: أن السبعة ليست مماثلة للثلاثة، حتى تجعل في قبالتها؛ لأن معنى الآية إذا كانت الواو فيها بمعنى أو إما أن تصوموا ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم.
فإن قلت: هذا تعبد لا يعقل معناه كغيره من التعبدات التي لا يعقل معناها.
قلت في الجواب: إن لنا من التعبدات ما لا يعقل معناه؛ كعدد ركعات الصلوات، وعدد الطواف والسعي، وأشباه ذلك، ولنا ما يعقل معناه، كهذه الآية، فإنا نعقل التّفاوت بين الصوم في الحضر والسفر، ونعقل التفاوت بين العدد الكثير والعدد القليل، وعلى هذا فلا يخلو: إما أن يكون صوم الأيام السبعة عند الرجوع في الطريق، أو عند الوصول إلى البلد؛ فإذا كان في الطريق فإنه أشق من الصوم بمكة؛ لأن الصوم في السفر أشقّ من الصوم في الحضر؛ فكيف يجعل صوم سبعة أيام في السفر في مقابلة صوم ثلاثة أيام بمكة؟ وإن كان الصوم عند الوصول إلى البلد فلا فرق بين الصوم بمكة والصوم عند الوصول إلى البلد؛ لأن كليهما صوم في المقام ببلد من البلاد لا تفاوت بينهما حتى يجعل صوم ثلاثة أيام في مقابلة سبعة أيام على غير مثال ولا تساو؛ فعلى كلا التقديرين لا يجوز أن تكون الواو في وسبعة إذا رجعتم
بمعنى أو؛ فتحقق إذا أنها للعطف خاصة، وإذا كانت للعطف خاصة فتأكيدها بعشرة كاملة دليل على أن المراد وجود صوم الأيام السبعة في الطريق قبل الوصول إلى البلد.
فإن قلت: إن الصوم بمكة أشق من الصوم في الظريق؛ لأن الواجب عليه
стр. 556
الصوم بمكة في نصب وتعب بتصريف زمانه في السعي والطواف والصلاة والعمرة وغير ذلك.
قلت في الجواب: هذا لا يلزم؛ إذ الواجب عليه سعي واحد، وطواف واحد، لا غير، وما عدا ذلك نافلة لا يلزم، ونحن في هذا المقام ناظرون إلى ما يجب لا إلى النافلة، والذي يجب أداؤه بمكة يفرغ منه في ساعة واحدة، فكيف تجعل الزيادة على ذلك دليلا يورد في هذا المقام؟ هذا غير وارد.
هكذا ورد قوله تعالى: فإذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير. على الكافرين غير يسير
فقوله غير يسير
بعد قوله عسير
من هذا النوع المشار إليه، وإلا فقد علم أن العسير لا يكون يسيرا، وإنما ذكر ههنا على هذا الوجه لتعظيم شأن ذلك اليوم في عسره وشدّته على الكافرين.
وكذلك ورد قوله تعالى: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآوا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده
فإن البغضاء والعداوة بمعنى واحد، وإنما حسن إيرادهما معا في معرض واحد لتأكيد البراءة بين إبراهيم صلوات الله عليه والذين آمنوا به وبين الكفار من قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بالله وحده، وللمبالغة في إظهار القطيعة والمصارمة.
وورود مثل ذلك في مثل هذا الموضع كالإيجاز في موضعه، ولن ترى شيئا يرد في القرآن الكريم من هذا القبيل إلا وهو لأمر اقتضاه؛ وإن خفي عنك موضع السر فيه فاسأل عنه أهله العارفين به.
ومما ورد منه شعرا قول بعضهم في أبيات الحماسة «١»
стр. 557
نزلت على آل المهلّب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن المحل «١»
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وإحسانهم حتّى حسبتهم أهلي «٢»
فإن الإكرام والافتقاد داخلان تحت الإحسان، وإنما كرر ذلك للتنويه بذكر الصنيع، والإيجاب لحقه.
وعلى هذا ورد قول الأعشى في قصيدته المشهورة التي يمدح بها النبي ﷺ ؛ فقال منها «٣» :
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتّى تلاقي محمّدا
فإن الوجى والكلالة معناهما سواء، وإنما حسن تكريره ههنا للإشعار ببعد المسافة.
الضرب الثاني من القسم الثاني:
في تكرير المعنى دون اللفظ، وهو غير المفيد؛ فمن ذلك قول أبي تمام «٤» :
قسم الزّمان ربوعها بين الصّبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا
فإن الصّبا هي القبول، وليس ذلك مثل التكرير في قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى
فيما يرجع إلى تكرير اللفظ والمعنى، ولا مثل التكرير في قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف
فيما يرجع إلى تكرير المعنى دون اللفظ، وقول أبي تمام الصّبا والقبول لا يشتمل إلا على معنى واحد لا غير.
وهذا الضرب من التكرير قد خبط فيه علماء البيان خبطا كثيرا، والأكثر منهم
стр. 558
أجازه؛ فقالوا: إذا كانت الألفاظ متغايرة والمعنى المعبر عنه واحدا فليس استعمال ذلك بمعيب، وهذا القول فيه نظر؛ والذي عندي فيه أن الناثر يعاب على استعماله مطلقا إذا أتى لغير فائدة، وأما الناظم فإنه يعاب عليه في موضع دون موضع؛ أما الموضع الذي يعاب استعماله فيه فهو صدور الأبيات الشعرية وما والاها، وأما الموضع الذي لا يعاب استعماله فيه فهو الأعجاز من الأبيات؛ لمكان القافية، وإنما جاز ذلك ولم يكن عيبا لأنه قافية، والشاعر مضطر إليها، والمضطر يحل له ما حرم عليه؛ كقول امريء القيس في قصيدته اللامية التي مطلعها:
ألا انعم صباحا أيّها الطّلل البالي
فقال:
وهل ينعمن إلّا سعيد مخلّد ... قليل الهموم لا يبيت بأوجال
وإذا كان قليل الهموم فإنه لا يبيت بأوجال، وهذا تكرير للمعنى، إلا أنه ليس بمعيب؛ لأنه قافية؛ وكذلك ورد قول الحطيئة «١» :
قالت أمامة لا تجزع فقلت لها ... إنّ العزاء وإنّ الصّبر قذ غلبا
هلّا التمست لنا إن كنت صادقة ... مالا نعيش به في النّاس أو نشبا
فالبيت الأول معيب؛ لأنه كرر العزاء والصبر؛ إذ معناهما واحد، ولم يردا قافية؛ لأن القافية هي الباء، وأما البيت الثاني فليس بمعيب؛ لأن التكرير جاء في النّشب وهو قافية.
ومما يجري هذا المجرى قول المنخل اليشكري «٢» :
стр. 559
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر ... فل في الدّمقس وفي الحرير
فإن الدّمقس والحرير سواء، وقد ورد قافية فلا بأس به من أجل ذلك.
فإن قيل: إن الحرير هو الإبريسم المنسوج، بدليل قوله تعالى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا
فإنه لم يرد خيوط إبريسم، وإنما أراد أثوابا من الإبريسم، وأما الدّمقس فإنه خيوط الإبريسم محلولة، بدليل قول امريء القيس:
وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل «١»
فإنه لم يرد إبريسما منسوجا، وإنما أراد خيوط الإبريسم.
فالجواب عن ذلك: أنه لو حمل بيت المنخل على ذلك لفسد معناه؛ لأن المرأة لا ترفل في خيوط من الإبريسم، وإنما ترفل في الأثواب منه، وأما قول امريء القيس «كهداب الدّمقس» فإنه لو كان الدمقس هو الخيوط المحلولة من الإبريسم لما احتاج أن يقول «كهداب» فإن الهدّاب جمع هدب، ثم قال «المفتّل» فدلّ بذلك على أن الدمقس يطلق على الإبريسم، سواء كان منسوجا أو غير منسوج؛ وكذلك الحرير أيضا، وعند الاستعمال يفهم المراد منه بالقرينة، ألا ترى أنه لما قال المنخل «ترفل في الدمقس وفي الحرير» فهم من ذلك أنه أراد أثوابا من الدمقس ومن الحرير؛ لأن الرفول لا يكون في خيوط من الإبريسم، وإنما يكون في أثوابه.
ومما يجري على هذا النهج قول الآخر من شعراء الحماسة «٢» :
стр. 560
إنّي وإن كان ابن عمّي غائبا ... لمقادف من خلفه وورائه
فإن خلفا ووراء بمعنى واحد، وإنما جاز تكرارهما لأنهما قافية.
وعلى هذا ورد قول أبي تمام «١» :
دمن كأنّ البين أصبح طالبا ... دمنا لدى آرامها وحقودا «٢»
فإن الدمنة هي الحقد.
وكذلك قول أبي الطيب المتنبي «٣» :
بحر تعوّد أن يذمّ لأهله ... من دهره وطوارق الحدثان
فتركته وإذا أذمّ من الورى ... راعاك واستثنى بني حمدان
فإن الدهر وطوارق الحدثان سواء، وإنما جاز استعمال ذلك لأنه قافية.
وأما ما ورد في أثناء الأبيات الشعرية فكقول عنترة»
:
حيّيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
стр. 561
فقوله «أقوى وأقفر» من المعيب؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة؛ إذ الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك.
وأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري في قصيدته العينية «١» :
ألمّت وهل إلمامها بك نافع ... وزارت خيالا والعيون هواجع
فإن قوله «ألمت» وقوله «زارت خيالا» سواء، ولا فرق إذا بين صدر البيت وعجزه.
فإن قيل: إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة، ثم قال «وزارت خيالا» .
فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين؛ لأنه قال «ألمت وهل إلمامها بك نافع» ولو كان الإلمام في اليقظة لما قال «وهل إلمامها بك نافع» ؛ فإنه لا نفع من زيارة المحبوب في اليقظة، وهذا غير خاف لا يحتاج إلى السؤال عنه.
فإن قيل: لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر؟.
قلت في الجواب: أما الناثر إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا على فقرتين من الفقر، ويمكنه إبدال تلك الفقرتين بغيرهما، فيسلم منه؛ وأما الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات متعددة على قافية من القوافي؛ فإذا تكرر لديه شيء من الكلام في آخر بيت من الأبيات عسر إبداله من أجل القافية، وهذا غير خاف، والسؤال عنه غير وارد.
وهذا الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاء، ويقال: إن البحتري كان يخلي كثيرا في شعره، وهو لعمري كذلك، إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته يغفر له ذلك.
стр. 562
ويروى عنه أنه كان إذا مثل بين يدي الفتح بن خاقان وزير المتوكل مادحا له اختال بين يديه معجبا بنفسه، فتقدّم خطوات ثم تأخر، وقال: أيّ شيء تسمعون، فنقم عليه ذلك بعض حسدته، وحمل الفتح بن خاقان عليه، فقال له الفتح: لو رمانا بالحجارة لكان ذلك مغفورا له فيما يقوله.
стр. 563
النوع الثامن عشر في الاعتراض
وبعضهم يسميه الحشو.
وحدّه: كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو أسقط لبقي الأول على حاله.
مثال ذلك أن تقول: زيد قائم؛ فهذا كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر؛ فإذا أدخلنا فيه لفظا مفردا قلنا: زيد والله قائم، ولو أزلنا القسم منه لبقي الأول على حاله، وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا: زيد على ما به من المرض قائم، فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا، وهو قولنا «على ما به من المرض» فهذا هو الاعتراض، وهذا حده.
واعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية؛ فإنه يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يحسن استعماله، وكالاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين إنّ واسمها، وبين حرف الجر ومجروره، وأمثال ذلك مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه؛ لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك وغيره مما أشرنا إليه في صدر الكتاب.
وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء، لا ما يعلم به الجائز وغير الجائز؛ لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام على اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما.
واعلم أن الاعتراض ينقسم قسمين: أحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة،
стр. 564
وهو جار مجرى التوكيد، والآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة؛ فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا.
فالقسم الأول -
وهو الذي يأتي الكلام لفائدة- كقوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون
؛ ففي هذا الكلام اعتراضان: أحدهما قوله: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
وذلك اعتراض بين القسم الذي هو فلا أقسم بمواقع النجوم
وبين جوابه الذي هو إنه لقرآن كريم
وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو قسم
وبين صفته التي هي عظيم
وهو قوله: لو تعلمون
فذانك اعتراضان كما ترى، وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي تعظيم لشأن المقسم به في نفس السامع، ألا ترى إلى قوله: لو تعلمون
اعتراضا بين الموصوف والصفة وذلك الأمر بحيث لو علم وفّي حقه من التعظيم، وهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته حقّ قدره؛ فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب، ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه.
وكذلك ورد قوله تعالى: ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون
وتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون؛ فاعترض بين المفعولين «١» بسبحانه، وهو مصدر يدلّ على التنزيه «٢» فكأنه قال: ويجعلون لله البنات، وهو منزّه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا الاعتراض ههنا ظاهرة.
وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين
فقوله: لقد علمتم
اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة السرقة: أي إنكم قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه.
стр. 565
وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية المبالغة في المعنى المقصود.
ومن هذا القسم قوله تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون
فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدّلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، فاعترض بينهما بقوله تعالى: والله أعلم بما ينزل
وهو مبتدأ وخبر، وفائدته إعلام القائلين إنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه، وأنه أعلم بذلك منهم.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك
ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما وصّى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله؛ إيجابا للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصّها بالذكر دون الأب لأنها تتكلّف من أمر الولد ما لا يتكلفه، ومن ثم قال النبيّ ﷺ لمن قال له: من أبرّ؟ فقال: «أمّك ثمّ أمّك ثمّ أمّك ثمّ أباك» .
ومما جاء على هذا الأسلوب قوله : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون
فقوله: والله مخرج ما كنتم تكتمون
اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه؛ لأن الله تعالى مظهر لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه.
ومما ورد من ذلك شعرا قول امريء القيس «١» :
следующие страницы →