← Баляга

Баляга · id 23794

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت محيي الدين عبد الحميد

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (791 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فقوله «أقوى وأقفر» من المعيب؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة؛ إذ الضرورة لا تكون إلا في القافية كما أريتك. وأما ما ورد من صدور الأبيات فكقول البحتري في قصيدته العينية «١» : ألمّت وهل إلمامها بك نافع ... وزارت خيالا والعيون هواجع فإن قوله «ألمت» وقوله «زارت خيالا» سواء، ولا فرق إذا بين صدر البيت وعجزه. فإن قيل: إنه أراد بالإلمام زيارة اليقظة، ثم قال «وزارت خيالا» . فالجواب عن ذلك أنه لم يرد إلا زيارة المنام في الحالتين؛ لأنه قال «ألمت وهل إلمامها بك نافع» ولو كان الإلمام في اليقظة لما قال «وهل إلمامها بك نافع» ؛ فإنه لا نفع من زيارة المحبوب في اليقظة، وهذا غير خاف لا يحتاج إلى السؤال عنه. فإن قيل: لم أجزت ذلك للناظم وحظرته على الناثر؟. قلت في الجواب: أما الناثر إذا سجع كلامه فالغالب أن يأتي به مزدوجا على فقرتين من الفقر، ويمكنه إبدال تلك الفقرتين بغيرهما، فيسلم منه؛ وأما الشاعر فإنه يصوغ قصيدا ذا أبيات متعددة على قافية من القوافي؛ فإذا تكرر لديه شيء من الكلام في آخر بيت من الأبيات عسر إبداله من أجل القافية، وهذا غير خاف، والسؤال عنه غير وارد. وهذا الذي ذكرته إذا ورد في غير القافية سمي إخلاء، ويقال: إن البحتري كان يخلي كثيرا في شعره، وهو لعمري كذلك، إلا أن حسن سبكه ورونق ديباجته يغفر له ذلك.

стр. 562

ويروى عنه أنه كان إذا مثل بين يدي الفتح بن خاقان وزير المتوكل مادحا له اختال بين يديه معجبا بنفسه، فتقدّم خطوات ثم تأخر، وقال: أيّ شيء تسمعون، فنقم عليه ذلك بعض حسدته، وحمل الفتح بن خاقان عليه، فقال له الفتح: لو رمانا بالحجارة لكان ذلك مغفورا له فيما يقوله.

стр. 563

النوع الثامن عشر في الاعتراض وبعضهم يسميه الحشو. وحدّه: كل كلام أدخل فيه لفظ مفرد أو مركب لو أسقط لبقي الأول على حاله. مثال ذلك أن تقول: زيد قائم؛ فهذا كلام مفيد، وهو مبتدأ وخبر؛ فإذا أدخلنا فيه لفظا مفردا قلنا: زيد والله قائم، ولو أزلنا القسم منه لبقي الأول على حاله، وإذا أدخلنا في هذا الكلام لفظا مركبا قلنا: زيد على ما به من المرض قائم، فأدخلنا بين المبتدأ والخبر لفظا مركبا، وهو قولنا «على ما به من المرض» فهذا هو الاعتراض، وهذا حده. واعلم أن الجائز منه وغير الجائز إنما يؤخذ من كتب العربية؛ فإنه يكون مستقصى فيها، كالاعتراض بين القسم وجوابه، وبين الصفة والموصوف، وبين المعطوف والمعطوف عليه، وأشباه ذلك مما يحسن استعماله، وكالاعتراض بين المضاف والمضاف إليه، وبين إنّ واسمها، وبين حرف الجر ومجروره، وأمثال ذلك مما يقبح استعماله، وليس هذا مكانه؛ لأن كتابنا هذا موضوع لمن استكمل معرفة ذلك وغيره مما أشرنا إليه في صدر الكتاب. وليس المراد ههنا من الاعتراض إلا ما يفرق به بين الجيد والرديء، لا ما يعلم به الجائز وغير الجائز؛ لأن كتابي هذا موضوع لذكر ما يتضمنه الكلام على اختلاف أنواعه من وصفي الفصاحة والبلاغة، فالذي أذكره في باب الاعتراض إنما هو ما اشتمل على شيء من هذين الوصفين المشار إليهما. واعلم أن الاعتراض ينقسم قسمين: أحدهما: لا يأتي في الكلام إلا لفائدة،

стр. 564

وهو جار مجرى التوكيد، والآخر: أن يأتي في الكلام لغير فائدة؛ فإما أن يكون دخوله فيه كخروجه منه، وإما أن يؤثر في تأليفه نقصا وفي معناه فسادا. فالقسم الأول - وهو الذي يأتي الكلام لفائدة- كقوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون ؛ ففي هذا الكلام اعتراضان: أحدهما قوله: وإنه لقسم لو تعلمون عظيم وذلك اعتراض بين القسم الذي هو فلا أقسم بمواقع النجوم وبين جوابه الذي هو إنه لقرآن كريم وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو قسم وبين صفته التي هي عظيم وهو قوله: لو تعلمون فذانك اعتراضان كما ترى، وفائدة هذا الاعتراض بين القسم وجوابه إنما هي تعظيم لشأن المقسم به في نفس السامع، ألا ترى إلى قوله: لو تعلمون اعتراضا بين الموصوف والصفة وذلك الأمر بحيث لو علم وفّي حقه من التعظيم، وهذا مثل قولنا: إن هذا الأمر لعظيم بحيث لو تعلم يا فلان عظمه لقدرته حقّ قدره؛ فإن ذلك يكبر في نفس المخاطب، ويظل متطلعا إلى معرفة عظمه. وكذلك ورد قوله تعالى: ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وتقديره: ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون؛ فاعترض بين المفعولين «١» بسبحانه، وهو مصدر يدلّ على التنزيه «٢» فكأنه قال: ويجعلون لله البنات، وهو منزّه عن ذلك، ولهم ما يشتهون، وفائدة هذا الاعتراض ههنا ظاهرة. وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف ﵇: قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين فقوله: لقد علمتم اعتراض بين القسم وجوابه، وفائدته تقرير إثبات البراءة من الفساد والنزاهة من تهمة السرقة: أي إنكم قد علمتم هذا منا، ونحن مع علمكم به نقسم بالله على صدقه.

стр. 565

وقد ورد الاعتراض في القرآن كثيرا، وذلك في كل موضع يتعلق بنوع من خصوصية المبالغة في المعنى المقصود. ومن هذا القسم قوله تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون فهذا الاعتراض بين إذا وجوابها؛ لأن تقدير الكلام وإذا بدّلنا آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، فاعترض بينهما بقوله تعالى: والله أعلم بما ينزل وهو مبتدأ وخبر، وفائدته إعلام القائلين إنه مفتر أن ذلك من الله وليس منه، وأنه أعلم بذلك منهم. ومن هذا الباب قوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك ألا ترى إلى هذا الاعتراض الذي قد طبق مفصل البلاغة، وفائدته أنه لما وصّى بالوالدين ذكر ما تكابده الأم من المشاق في حمل الولد وفصاله؛ إيجابا للتوصية بها، وتذكيرا بحقها، وإنما خصّها بالذكر دون الأب لأنها تتكلّف من أمر الولد ما لا يتكلفه، ومن ثم قال النبيّ ﷺ لمن قال له: من أبرّ؟ فقال: «أمّك ثمّ أمّك ثمّ أمّك ثمّ أباك» . ومما جاء على هذا الأسلوب قوله : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون فقوله: والله مخرج ما كنتم تكتمون اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفائدته أن يقرر في نفوس المخاطبين وقلوب السامعين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك النفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه؛ لأن الله تعالى مظهر لذلك، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لكان: وإذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها فقلنا اضربوه ببعضها، ولا يخفى على البليغ الفرق بين ذلك وبين كونه معترضا فيه. ومما ورد من ذلك شعرا قول امريء القيس «١» :

стр. 566

ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي تقديره: كفاني قليل من المال؛ فاعترض بين الفعل والفاعل بقوله: «ولم أطلب» وفائدته تحقير المعيشة وأنها تحصل بغير طلب ولا عناء، وإنما الذي يحتاج الى الطلب هو المجد المؤثل. وكذلك قول جرير «١» : ولقد أراني والجديد إلى بلى ... في موكب طرف الحديث كرام تقديره: ولقد أراني في موكب طرف الحديث؛ فاعترض بين المفعولين، وإنما جاء بهذا الاعتراض تعزّيا عما مضى من تلك اللذة وذلك النعيم الذي فاز به من عشرة أولئك الأحباب، ولقد أعهدني في كذا وكذا من اللذة، وذلك قد مضى وسلف وبلي جديده، وكذلك كلّ جديد فإنه إلى بلى. والاعتراض إذا كان هكذا كسا الكلام لطفا إن كان غزلا، وكساه أبهة وجلالا إن كان مديحا أو ما يجري مجراه من أساليب الكلام، وإن كان هجاء كساه تأكيدا وإثباتا، كقول كثّير «٢» : لو انّ الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلّموا منك المطالا فقوله «وأنت منهم» من محمود الاعتراض ونادره، وفائدته ههنا التصريح بما هو المراد، وتقدير هذا الكلام قبل الاعتراض: لو أن الباخلين رأوك؛ فاعترض بين اسم إنّ وهو الباخلين وبين خبرها وهو رأوك بالمبتدأ والخبر الذي هو «وأنت منهم» . ومن محاسن ما جاء في هذا الباب قول المضرب السعدي «٣» :

стр. 567

فلو سألت سراة الحيّ سلمى ... على أن قد تلوّن بي زماني لخبّرها ذوو أحساب قومي ... وأعدائي فكلّ قد بلاني وهذا اعتراض بين «لو» وجوابها، وهو من فائق الاعتراض ونادره، وتقديره: فلو سألت سراة الحي سلمى لخبرها ذوو أحساب قومي وأعدائي، وفائدة قوله: «على أن قد تلوّن بي زماني» أي: أنهم يخبرون عني على تلوّن الزمان بي، يريد تنقّل حالاته من خير وشر، وليس من عجمه الزمان وأبان عن جوهره كغيره ممن لم يعجمه ولا أبان عنه. ومن ذلك قول أبي تمام «١» : وإنّ الغنى لي إن لحظت مطالبي ... من الشّعر إلّا في مديحك أطوع وهذا البيت في اعتراضان: الأول بين اسم «إن» وخبرها، تقديره: وإن الغنى أطوع لي من الشعر، فاعترض بين الاسم والخبر بقوله: «إن لحظت مطالبي» وأما الاعتراض الثاني فقوله: «إلا في مديحك» فجاء بالجملة الاستثنائية مقدمة، وموضعها التأخير، فاعترض بها بين الجملة التي هي خبر إن، وتقدير البيت بجملته: وأن الغنى أطوع لي من الشعر إن لحظت مطالبي إلا في مديحك، وفائدة قوله: «إلا في مديحك» من الاعتراض الذي اكتسب به الكلام [رقة] فائدة حسنة، والمراد به وصف جود الممدوح بالإسراع، ووصف خاطر شعره بالإسراع إذا كان في مدحه خاصة دون غيره، فهذا الاعتراض يتضمن مدح الممدوح والمادح معا، وهو من محاسن ما يجيء في هذا الموضع. وكذلك ورد قوله «٢» :

стр. 568

رددت رونق وجهي في صحيفته ... ردّ الصّقال بهاء الصّارم الخذم وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي فقوله «وخير القول أصدقه» اعتراض بين المفعول والفعل؛ لأن موضع حقنت نصب؛ إذ هو مفعول أبالي، وفائدته إثبات ما ماثل به بين ماء الوجه والدم: أي أن هذا القول صدق ليس بكذب. وأما القسم الثاني - وهو والذي يأتي في الكلام لغير فائدة- فهو ضربان: الضرب الأول: يكون دخوله في الكلام كخروجه منه لا يكتسب به حسنا ولا قبحا؛ فمن ذلك قول النابغة «١» : يقول رجال يجهلون خليقتي ... لعلّ زيادا لا أبالك غافل فقوله «لا أبالك» من الاعتراض الذي لا فائدة فيه، وليس مؤثرا في هذا البيت حسنا ولا قبحا. ومثله جاء قول زهير «٢» : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبالك يسأم وقد وردت هذه اللفظة- وهي «لا أبالك» - في موضع آخر فكان للاعتراض بها فائدة حسنة، كقول أبي تمام: عتابك عنّي لا أبالك وأقصدي

стр. 569

فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذم. الضرب الثاني - وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا، وفي المعنى فسادا- وقد تقدم ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير، وإنما جيء بذكره ههنا مكرّرا لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد، وقد ذكرت من ذلك مثالا واحدا أو مثالين؛ فمما ورد منه قول بعضهم «١» : فقد والشّكّ بيّن لي عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح فإن هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو بيّن، وذلك قبيح؛ لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها تعدّ مع الفعل كالجزء منه، ولذلك أدخلت عليها اللام المراد بها توكيد الفعل، كقوله تعالى: لقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك وقوله تعالى: ولقد علموا لمن اشتراه وقول الشاعر «٢» : ولقد أجمع رجليّ بها ... حذر الموت وإنّي لفرور «٣» إلا إن فصل بين قد والفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به، نحو قوله: قد والله كان ذاك، وقد فصل في هذا البيت أيضا بين المبتدأ الذي هو الشّكّ وبين الخبر الذي هو عناء بقوله بيّن لي، وفصل بين الفعل الذي هو بيّن وبين فاعله الذي هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء؛ فجاء معنى البيت كما تراه، كأنه صورة مشوّهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض.

стр. 570

ومن هذا الضرب قول الآخر: نظرت وشخصي مطلع الشّمس ظلّه ... إلى الغرب حتّى ظله الشمس قد عقل أراد نظرت مطلع الشمس وشخصي ظله إلى الغرب حتى عقل الشمس: أي حاذاها، وعلى هذا التقدير فقد فصل بمطلع الشمس بين المبتدأ الذي هو شخصي وبين خبره الجملة، وهو قوله ظلّه إلى الغرب، وأغلظ من ذلك أنه فصل بين الفعل وفاعله بالأجنبي، وهذا وأمثاله مما يفسد المعاني ويورثها اختلالا. واعلم أن الناثر في استعمال ذلك أكثر ملامة من الناظم، وذاك أن الناظم مضطر إلى إقامة ميزان الشعر، وربما كان مجال الكلام عليه ضيقا، فيلقيه طلب الوزن في مثل هذه الورطات؛ وأما الناثر فلا يضطر إلى إقامة الميزان الشعري، بل يكون مجال الكلام عليه واسعا، ولهذا إذا اعترض في كلامه اعتراضا يفسده توجه عليه الإنكار، وحق عليه الذم.

стр. 571

النوع التاسع عشر في الكناية والتعريض وهذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا. وقد تكلم علماء البيان فيه؛ فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريص، ولم يفرقوا بينهما، ولا حدّوا كلّا منهما بحد يفصله عن صاحبه، بل أوردوا لهما أمثلة من النظم والنثر، وأدخلوا أحدهما في الآخر؛ فذكروا للكناية أمثلة من التعريض، وللتعريض أمثلة من الكناية؛ فممن فعل ذلك الغانمي وابن سنان الخفاجي والعسكري؛ فأما ابن سنان فإنه ذكر في كتابه «١» قول امريء القيس: فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامها ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال «٢» وهذا مثال ضربه للكناية عن المباضعة، وهو مثال للتعريض. ووجدت في كتاب التذكرة لابن حمدون البغدادي، وكان مشارا إليه عندهم بفضيلة ومعرفة، لا سيما فن الكتابة؛ فوجدت في كتابه ذلك بابا مقصورا على ذكر الكناية والتعريض، وما قيل فيهما نظما ونثرا، وهو محشوّ بالخلط بين هذين القسمين من غير فصل بينهما، وقد أورد أيضا في بعضه أمثلة غثّة باردة.

стр. 572

وسأذكر ما عندي في الفرق بينهما، وأميز أحدهما عن الآخر؛ ليعرف كل منهما على انفراده؛ فأقول: أما الكناية فقد حدّت بحد؛ فقيل: هي اللفظ الدالّ على الشيء على غير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه، كالّلمس والجماع؛ فإن الجماع اسم موضوع حقيقي واللمس كناية عنه، وبينهما الوصف الجامع، إذ الجماع لمس وزيادة، فكان دالا عليه بالوضع المجازي. هذا الحد فاسد؛ لأنه يجوز أن يكون حدّا للتشبيه؛ فإن التشبيه هو اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقي لجامع بين المشبه والمشبه به وصفة من الأوصاف؛ ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، كان ذلك لفظا دالا على غير الوضح الحقيقي، بوصف جامع بين زيد والأسد، وذلك الوصف هو الشجاعة، ومن ههنا وقع الغلط لمن أشرت إليه في الذي ذكره في حد الكناية. وأما علماء أصول الفقه فإنهم قالوا في حد الكناية: إنها اللفظ المحتمل، يريدون بذلك أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى وعلى خلافه. وهذا فاسد؛ فإنه ليس كل لفظ يدل على المعنى وعلى خلافه بكناية، دليل ذلك قول النبي ﷺ «إذا لم تستح فافعل ما شئت» فإن هذا اللفظ يدلّ على المعنى وعلى خلافه، وبيان ذلك أنه يقول في أحد معنييه: إنك إذا لم يكن لك وازع يزعك عن الحياء فافعل ما شئت، وأما معناه الآخر فإنه يقول: إذا لم تفعل فعلا يستحى منه فافعل ما شئت، وهذا ليس من الكناية في شيء؛ فبطل إذا هذا الحد؛ ومثال الفقيه في قوله «إن الكناية هي اللفظ المحتمل» مثال من أراد أن يحدّ الإنسان فأتى بحد الحيوان؛ فعبر بالأعم وكذلك يقال ههنا، فإن كل كناية لفظ محتمل، وليس كل لفظ محتمل كناية. والذي عندي في ذلك أن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين معا، ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى: أو لامستم النساء* يجوز حمله على الحقيقة والمجاز؛ وكل منهما يصح به المعنى، ولا يختلّ، ولهذا ذهب الشافعي ﵀ ألى أن اللمس هو مصافحة الجسد الجسد، فأوجب

стр. 573

الوضوء على الرجل إذا لمس المرأة، وذلك هو الحقيقة في اللمس، وذهب غيره إلى أن المراد باللمس هو الجماع، وذلك مجاز فيه، وهو الكناية، وكل موضع ترد فيه الكناية فإنه يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، ويجوز حمله على كليهما معا، وأما التشبيه فليس كذلك، ولا غيره من أقسام المجاز؛ لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة، ولو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، ألا ترى أنا إذا قلنا: زيد أسد، لا يصح إلا على جانب المجاز خاصة، وذاك أنا شبهنا زيدا بالأسد في شجاعته، ولو حملناه على جانب الحقيقة لاستحال المعنى، لأن زيدا ليس ذلك الحيوان ذا الأربع والذّنب والوبر والأنياب والمخالب. وإذا كان الأمر كذلك فحدّ الكناية الجامع لها هو: أنها كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز، بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز. والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره، يقال: كنيت بكذا عن كذا، فهي تدل على ما تكلمت به، وعلى ما أردته من غيره، وعلى هذا فلا تخلو: إما أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز، أو في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة، وليس لنا قسم رابع، ولا يصح أن تكون في لفظ تجاذبه جانبا حقيقة وحقيقة؛ لأن ذلك هو اللفظ المشترك، وإذا أطلق من غير قرينة تخصصه كان مبهما غير مفهوم، وإذا أضيف إليه القرينة صار مختصا بشيء بعينه، والكناية أن تتكلم بشيء وتريد غيره، وذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة؛ لأنه يختص بشيء واحد بعينه لا يتعداه إلى غيره، وكذلك لا يصح أن تكون الكناية في لفظ تجاذبه جانبا مجاز ومجاز؛ لأن المجاز لا بدّ له من حقيقة نقل عنها؛ لأنه فرع عليها، وذلك اللفظ الدال على المجازين إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه أو لا يكون لها شركة، فإن كان لها شركة في الدلالة فيكون اللفظ الواحد قد دلّ على ثلاثة أشياء أحدها الحقيقة، وهذا مخالف لأصل الوضع؛ لأن أصل الوضع أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره، وههنا تكون قد تكلمت بشيء وأنت تريد شيئين غيره؛ وإن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة كان ذلك مخالفا للوضع أيضا؛ لأن أصل الوضع أن

стр. 574

تتكلم بشيء وأنت تريد غيره؛ فيكون الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به وعلى غيره، وإذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به، وهذا محال؛ فتحقق حينئذ أن الكناية أن تتكلم بالحقيقة وأنت تريد المجاز، وهذا الكلام في حقيقة الدليل على تحقيق أمر الكناية لم يكن لأحد فيه قول سابق. واعلم أن الكناية مشتقة من الستر، يقال: كنيت الشيء؛ إذا سترته، وأجري هذا الحكم في الألفاظ التي يستر فيها المجاز بالحقيقة؛ فتكون دالة على الساتر وعلى المستور معا، ألا ترى إلى قوله تعالى: أو لامستم النساء* فإنه إن حمل على الجماع كان كناية؛ لأنه ستر الجماع بلفظ اللمس الذي حقيقته مصافحة الجسد الجسد، وإن حمل على الملامسة التي هي مصافحة الجسد الجسد كان حقيقة، ولم يكن كناية، وكلاهما يتمّ به المعنى، وقد تأولت الكناية بغير هذا، وهي أنها مأخوذة من الكنية التي يقال فيها: أبو فلان، فإنا إذا نادينا رجلا اسمه عبد الله وله ولد اسمه محمد فقلنا: يا أبا محمد، كان ذلك مثل قولنا: يا عبد الله؛ فإن شئنا ناديناه بهذا، وإن شئنا ناديناه بهذا، وكلاهما واقع عليه، وكذلك يجري الحكم في الكناية، فإنا إذا شئنا حملناها على جانب المجاز، وإذا شئنا حملناها على الحقيقة، إلا أنه لا بدّ من الوصف لجامع بينهما، لئلا يلحق بالكناية ما ليس منها، ألا ترى إلى قوله تعالى: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فكنى بذلك عن النساء، والوصف الجامع بينهما هو التأنيث، ولولا ذلك لقيل في مثل هذا الموضع: إن أخي له تسع وتسعون كبشا ولي كبش واحد، وقيل: هذه كناية عن النساء، ومن أجل ذلك لم يلتفت إلى تأويل من تأول قوله تعالى: وثيابك فطهر أنه أراد بالثياب القلب، على حكم الكناية؛ لأنه ليس بين الثياب والقلب وصف «١» جامع، ولو كان بينهما وصف جامع لكان التأويل صحيحا.

стр. 575

فإن قيل: فما الدليل على اشتقاق الكناية من كنيت الشيء، إذا سترته، ومن الكنية؟ قلت في الجواب: أما اشتقاقها من كنيت الشي إذا سترته فإن المستور فيها هو المجاز؛ لأن الحقيقة تفهم أولا، ويتسارع الفهم إليها قبل المجاز؛ لأن دلالة اللفظ عليها دلالة وضعية، وأما المجاز فإنه يفهم منه بعد فهم الحقيقة، وإنما يفهم بالنظر والفكرة، ولهذا يحتاج إلى دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ؛ فالحقيقة أظهر، والمجاز أخفي، وهو مستور بالحقيقة، ألا ترى إلى قوله تعالى: أو لامستم النساء* فإن الفهم يتسارع فيه إلى الحقيقة التي هي مصافحة الجسد الجسد، واما المجاز الذي هو الجماع فإنه يفهم بالنظر والفكر، ويحتاج الذاهب إليه إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ. وأما اشتقاقها من الكنية فلأن محمدا في هذه الصورة المذكورة هو حقيقة هذا الرجل: أي الاسم الموضوع بإزائه أولا، وأما أبو عبد الله فإنه طار عليه بعد محمد؛ لأنه لم يكن له إلا بعد أن صار له ولد اسمه عبد الله، وكذلك الكناية؛ فإن الحقيقة لها هو الاسم الموضوع بإزائها أولا في أصل الوضع، وأما المجاز فإنه طار عليها بعد ذلك؛ لأنه فرع، والفرع إنما يكون بعد الأصل، وإنما يعمد إلى ذلك الفرع للمناسبة الجامعة بينه وبين الأصل على ما تقدم الكلام فيه، وهذا القدر كاف في الدلالة على اشتقاق الكناية من ذينك المعنيين المشار إليهما. فإن قيل: إنك قد ذكرت أقسام المجاز في باب الاستعارة التي قدمت ذكرها في كتابك هذا، وحصرتها في أقسام ثلاثة، وهي: التوسع في الكلام، والاستعارة، والتشبيه، ونراك قد ذكرت الكناية في المجاز أيضا، فهل هي قسم رابع لتلك الأقسام الثلاثة أم هي من جملتها؟ فإن كانت قسما رابعا، فذلك نقض للحصر الذي حصرته، وإن كانت من جملتها فقد أعدت ذكرها ههنا مرة ثانية، وهذا المكرر لا حاجة إليه. فالجواب عن ذلك أني أقول: أما الحصر الذي حصرته في باب الاستعارة فهو ذاك، ولا زيادة عليه، وأما الكناية فإنها جزء من الاستعارة، ولا تأتي إلا على حكم الاستعارة خاصة، لأن الاستعارة لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المستعار له،

стр. 576

وكذلك الكناية، فإنها لا تكون إلا بحيث يطوى ذكر المكنى عنه، ونسبتها إلى الاستعارة نسبة خاص إلى عام؛ فيقال: كل كناية استعارة، وليس كل استعارة كناية، ويفرق بينهما من وجه آخر، وهو أن الاستعارة لفظها صريح والصريح هو: ما دل عليه ظاهر لفظه، والكناية: ضد الصريح؛ لأنها عدول عن ظاهر اللفظ، وهذه ثلاثة فروق: أحدهما: الخصوص والعموم، والآخر الصريح، والآخر الحمل على جانب الحقيقة والمجاز. وقد تقدم القول في باب الاستعارة أنها جزء من المجاز، وعلى ذلك فتكون نسبته الكناية إلى المجاز نسبة جزء الجزء وخاص الخاص. وكان ينبغي أن نذكر الكناية عند ذكر الاستعارة في النوع الأول من هذه الأنواع المذكورة في المقالة الثانية، وإنما أفردتها بالذكر ههنا من أجل التعريض؛ لأن من العادة أن يذكرا جميعا في مكان واحد. وقد يأتي في الكلام ما يجوز أن يكون كناية ويجوز أن يكون استعارة، وذلك يختلف باختلاف النظر إليه بمفرده والنظر إلى ما بعده، كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة التي يحرض بها بني أمية عند خروج أبي مسلم: أرى خلل الرّماد وميض جمر ... ويوشك أن يكون له ضرام فإنّ النّار بالزّندين تورى ... وإنّ الحرب أوّلها كلام أقول من التّعجّب: ليت شعري ... أأيقاظ أميّة أم نيام فإن هبّوا فذاك بقاء ملك ... وإن رقدوا فإنّي لا ألام فالبيت الأول لو ورد بمفرده كان كناية؛ لأنه يجوز حمله على جانب الحقيقة وحمله على جانب المجاز: أما الحقيقة فإنه أخبر أنه رأى وميض جمر في خلل الرماد، وأنه سيضطرم، وأما المجاز فإنه أراد أن هناك ابتداء شرّ كامن ومثله بوميض جمر من خلل الرماد، وإذا نظرنا إلى الأبيات جملتها اختصّ البيت الأول منها بالاستعارة دون الكناية.

стр. 577

وكثيرا ما يرد مثل ذلك ويشكل؛ لتجاذبه بين الكناية والاستعارة، على أنه لا يشكل إلا على غير العارف. وأما التعريض: فهو اللفظ الدال على الشيء من طريق المفهوم، لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، فإنك إذا قلت لمن تتوقع صلته ومعروفه بغير طلب: والله إني لمحتاج وليس في يدي شيء وأنا عريان والبرد قد آذاني؛ فإن هذا وأشباهه تعريض بالطلب، وليس هذا اللفظ موضوعا في مقابلة الطلب، لا حقيقة ولا مجازا، إنما دلّ عليه من طريق المفهوم، بخلاف دلالة اللمس على الجماع، وعليه ورد التعريض في خطبة النكاح، كقولك للمرأة: إنّك لخليّة وإني لعزب؛ فإن هذا وأمثاله لا يدلّ على طلب النكاح حقيقة ولا مجازا، والتعريض أخفي من الكناية؛ لأن دلالة الكناية لفظية وضعية من جهة المجاز، ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنما سمي التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم من عرضه: أي من جانبه، وعرض كل شيء: جانبه. واعلم أن الكناية تشمل اللفظ المفرد والمركب معا؛ فتأتي على هذا تارة، وعلى هذا أخرى، وأما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب، ولا يأتي في اللفظ المفرد ألبتة، والدليل على ذلك أنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز، وإنما يفهم من جهة التّلويح والإشارة، وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد، ولكنه يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب، وعلى هذا فإن بيت امريء القيس «١» الذي ذكره ابن سنان مثالا للكناية هو مثال للتعريض؛ فإن غرض امريء القيس من ذلك أن يذكر الجماع، غير أنه لم يذكره، بل ذكر كلاما آخر يفهم الجماع من عرضه؛ لأن المصير إلى الحسنى ورقة الكلام لا يفهم منهما ما أراده امرؤ القيس من المعنى لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خفاء به فاعرفه.

стр. 578

وحيث فرقنا بين الكناية والتعريض وميزنا أحدهما عن الآخر فلنفصلهما، ونذكر أقسامهما، ولنبدأ أولا بالكناية؛ فنقول: اعلم أن الكناية تنقسم قسمين: أحدهما: ما يحسن استعماله، والآخر ما لا يحسن استعماله، وهو عيب في الكلام فاحش. وقد ذهب قوم إلى أن الكناية تنقسم أقساما ثلاثة: تمثيلا، وإردافا، ومجاورة. فأما التمثيل فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، كقولهم: فلان نقيّ الثوب: أي منزّه من العيوب. وأما الإرداف فهو أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك رادفا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه ولازما له، كقولهم: فلان طويل النّجاد: أي طويل القامة؛ فطول النجاد رادف لطول القامة ولازم له، بخلاف نقاء الثوب في الكناية عن النزاهة من العيوب؛ لأن نقاء الثوب لا يلزم منه النزاهة من العيوب، كما يلزم من طول النّجاد طول القامة. وأما المجاورة فهي أن تريد ذكر الشيء فتتركه إلى ما جاوره، كقول عنترة «١» : بزجاجة صفراء ذات أسرّة ... قرنت بأزهر في الشّمال مفدّم يريد بالزجاجة الخمر، فذكر الزجاجة وكنى بها عن الخمر؛ لأنها مجاورة لها. وهذا التقسيم غير صحيح؛ لأن من شرط التقسيم أن يكون كل قسم منه

стр. 579

مختصا بصفة خاصة تفصله عن عموم الأصل، كقولنا: الحيوان ينقسم أقساما منها الإنسان، وحقيقته كذا وكذا، ومنها الأسد وحقيقته كذا وكذا، ومنها الفرس وحقيقته كذا وكذا، ومنها غير ذلك؛ وههنا لم يكن التقسيم كذلك؛ فإن التمثيل على ما ذكر عبارة عن مجموع الكناية؛ لأن الكناية إنما هي أن تراد الإشارة إلى معنى فيوضع لفظ لمعنى آخر، ويكون ذلك اللفظ مثالا للمعنى الذي أريدت الإشارة إليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فإنه أراد الإشارة إلى النساء، فوضع لفظا لمعنى آخر، وهو النعاج، ثم مثل به النساء، وهكذا يجري الحكم في جميع ما يأتي من الكنايات؛ لكن منها ما يتّضح التمثيل فيه وتكون الشّبهيّة بين الكناية والمكنىّ عنه شديدة المناسبة، ومنه ما يكون دون ذلك في الشبهية، وقد تأمّلت ذلك، وحقّقت النظر فيه؛ فوجدت الكناية إذا وردت على طريق اللفظ المركب كانت شديدة المناسبة واضحة الشبهية، وإذا وردت على طريق اللفظ المفرد لم تكن بتلك الدرجة في قوة المناسبة والمشابهة، ألا ترى إلى قولهم: فلان نقيّ الثوب، وقولهم اللمس كناية عن الجماع؛ فإن نقاء الثوب أشدّ مناسبة وأوضح شبها؛ لأنا إذا قلنا نقاء الثوب من الدنس كنزاهة العرض من العيوب اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة بين الكناية والمكنى عنه شديدة الملاءمة، وإذا قلنا اللمس كالجماع لم يكن بتلك الدرجة في قوة المشابهة، وهذا الذي ذكر من أن من الكناية تمثيلا وهو كذا وكذا غير سائغ ولا وارد، بل الكناية كلها هي ذاك، والذي قدمته من القول فيها هو الحاصر لها، ولم يأت به أحد غيري كذلك. وأما الإرداف فإنه ضرب من اللفظ المركب، إلا أنه اختصّ بصفة تخصه، وهي أن تكون الكناية دليلا على المكنى عنه ولازمه له، بخلاف غيرها من الكنايات، ألا ترى أن طول النّجاد دليل على طول القامة ولازم له، وكذلك يقال: فلان عظيم الرّماد: أي كثير إطعام الطعام، وعليه ورد قول الأعرابية في حديث أم زرع في وصف زوجها: له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت

стр. 580

المزهر أيقن أنهن هوالك، وغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها بالجود والكرم، إلا أنها لم تذكر ذلك بلفظه الصريح، وإنما ذكرته من طريق الكناية على وجه الإرداف الذي هو لازم له. وكذلك ورد في الأخبار النبوية أيضا، وذاك أن امرأة جاءت إلى النبيّ ﷺ فسألته عن غسلها من الحيض، فأمرها أن تغتسل، ثم قال: «خذي فرصة من مسك فتطهّري بها» قالت: كيف أتطهر بها؟ فقال: «تطهّري بها» قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: «سبحان الله! تطهّري بها» فاجتذبتها عائشة ﵂ إليها، وقالت: تتبّعي بها أثر الدم، فقولها «أثر الدم» كناية عن الفرج على طريق الإرداف؛ لأن أثر الدم في الحيض لا يكون إلا في الفرج، فهو رادف له. ومما ورد من ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة «١» : بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق. ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظه مثل؛ كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: مثلي لا يفعل هذا: أي أنا لا أفعله، فنفى ذلك عن مثله ويريد نفيه عن نفسه؛ لأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا محالة؛ إذ هو ينفي ذلك عنه أجدر، وكذلك يقال: مثلك إذا سئل أعطى: أي أنت إذا سئلت أعطيت، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه أوصافهم تثبيتا للأمر وتوكيدا، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه، ولم يرس فيه قدمه، وهذا مثل قول القائل إذا كان في مدح إنسان: أنت من القوم الكرام: أي لك في هذا الفعل سابقة، وأنت حقيق به، ولست دخيلا فيه.

стр. 581

وقد ورد هذا في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير والفرق بين قوله ليس كمثله شيء وبين قوله ليس كالله شيء هو ما أشرت إليه، وإن كان الله لا مثل له حتى يكون لمثله مثل، وإنما ذكر ذلك على طريق المجاز قصدا للمبالغة. وقد يأتي هذا الموضع بغير لفظة مثل وهي مقصودة، كقولك للعربي: العرب لا تخفر الذّمم: أي أنت لا تخفر الذمم، وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تخفر الذمم، وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تخفر الذمم؛ لما أشرت إليه. وعلى نحو من هذا جاء قول أبي الطيب المتنبي «١» : ألست من القوم الّذي من رماحهم ... نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل «٢» وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ونظما، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا.

стр. 582

فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة؛ فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله؛ فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة، لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها آمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه، فهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشّهوة لها مع العلم بقبحها؛ فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لما قصدت له. وكذلك ورد قوله تعالى: وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطوها والأرض التي لم يطئوها كناية عن مناكح النساء، وذلك من حسن الكناية ونادره. وكذلك ورد قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا فكني بالماء عن العلم وبالأودية عن القلوب وبالزبد عن الضلال، وهذه الآية قد ذكرها أبو حامد الغزالي ﵀ في كتابه الموسوم ب «إحياء الله علوم الدين» وفي كتابه الموسوم ب «الجواهر» و «الأربعين» وأشار بها إلى أن في القرآن الكريم إشارات وإيماآت لا تنكشف إلا بعد الموت، وهذا يدلّ على أن الغزالي ﵀ لم يعلم أن هذه الآية من باب الكنايات الذي لفظها يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز.

стр. 583

وقد رأيت جماعة من أئمة الفقه لا يحققون أمر الكناية، وإذا سئلوا عنها عبروا عنها بالمجاز، وليس الأمر كذلك، وبينهما وصف جامع، كهذه الآية وما جرى مجراها، فإنه يجوز حمل الماء على المطر النازل من السماء، وعلى العلم، وكذلك يجوز حمل الأودية على مهابط الأرض، وعلى القلوب، وهكذا يجوز حمل الزّبد على الغثاء الرابي الذي تقذفه السيول، وعلى الضلال، وليس في أقسام المجاز شيء يجوز حمله على الطرفين معا سوى الكناية. وبلغني عن الفراء النحوي أنه ذكر في تفسيره آية، وزعم أنها كناية، وهي قوله تعالى: وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فقال: إن الجبال كناية عن أمر رسول الله ﷺ وما جاء به من الآيات، وهذه الآية من باب الاستعارة، لا من باب الكناية؛ لأن الكناية لا تكون إلا فيما جاز حمله على جانبي المجاز والحقيقة، والجبال ههنا لا يصح بها المعنى إلا إذا حملت على جانب المجاز خاصة؛ لأن مكر أولئك لم يكن لتزول منه جبال الأرض؛ فإن ذلك محال. وأما ما ورد منها في الأخبار النبوية فقول النبي ﷺ : «إنّه كانت امرأة فيمن كان من قبلنا، وكان لها ابن عمّ يحبّها، فراودها عن نفسها، فامتنعت عليه، حتى إذا أصابتها شدّة فجاءت إليه تسأله، فراودها، فمكنته من نفسها؛ فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة قالت له: لا يحلّ لك أن تفضّ الخاتم إلا بحقه» فقام عنها وتركها، وهذه كناية واقعة في موقعها. ومن ذلك أيضا قول النبي ﷺ : «رويدك سوقك بالقوارير» يريد بذلك النساء، فكنى عنهنّ بالقوارير، وذاك أنه كان في بعض أسفاره وغلام أسود اسمه أنجشة يحدو، فقال له: «يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير» وهذه كناية لطيفة. وكذلك ورد حديث الحديبية، وذاك أنه لما نزل رسول الله ﷺ على الركية جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، وهذه كناية عن النساء والصبيان، والعوذ: جنع عائذ،

стр. 584

وهي الناقة التي وصعت وقوي ولدها، وهذا يجوز حمله على طريق الحقيقة، كما جاز حمله على طريق المجاز: أي معهم الأموال من الإبل، وهي كانت جلّ أموال العرب: أي أنهم قد أحضروا أموالهم ليقاتلوا دونها؛ ولما جاز حمل العوذ المطافيل على النساء والصبيان وعلى الأموال كان من باب الكناية. ومن ذلك ما ورد في إقامة الحد على الزاني، وهو أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة، وذلك كناية عن رؤية الفرج في الفرج. ومن لطيف الكناية أن امرأة جاءت إلى عائشة ﵂ فقالت لها: أقيّد جملي؟ فقالت عائشة ﵂: لا، أرادت المرأة أنها تصنع لزوجها شيئا يمنعه عن غيرها: أي تربطه أن يأتي غيرها، فظاهر هذا اللفظ هو تقييد الجمل، وباطنه ما أرادته المرأة وفهمته عائشة منها. وكذلك يروى عن عمر بن الخطاب ﵁، وذاك أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: «وما أهلكك» قال: حولت رحلي البارحة، فقال له النبي ﷺ «أقبل وأدبر واتّق الدّبر والحيضة» . ويروى أن عمرو بن العاص زوج ولده عبد الله ﵁، فمكثت المرأة عنده ثلاث ليال لم يدن منها، وإنما كان ملتفتا إلى صلاته، فدخل عليها عمرو بعد ثلاث، فقال: كيف ترين بعلك؟ فقالت: نعم البعل إلا أنه لم يفتّش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا، فقولها «لم يفتش لنا كنفا ولا قرب لنا مضجعا» من الكناية الغراء الظاهرة. ومن ألطف ما بلغني في هذا قول عبد الله بن سلام، فإنه رأى على رجل ثوبا معصفرا، فقال: لو أن ثوبك في تنّور أهلك أو تحت قدرهم كان خيرا، فذهب الرجل فأحرقه، نظرا ألى حقيقة قول عبد الله وظاهر مفهومه، وإنما أراد المجاز منه، وهو أنك لو صرفت ثمنه إلى دقيق تخبزه أو حطب تطبخ به كان خيرا، والمعنى متجاذب بين هذين الوجهين، فالرجل فهم منه الظاهر الحقيقي فمضى فأحرق ثوبه، ومراد عبد الله غيره.

стр. 585

ومن هذا القسم ما ورد في أمثال العرب كقولهم: إيّاك وعقيلة الملح، وذاك كناية عن المرأة الحسناء في منبت السوء؛ فإن عقيلة الملح هي اللؤلؤة وتكون في البحر، فهي حسنة وموضعها ملح. وكذلك قولهم: لبس له جلد النّمر، كناية عن العداوة، وقد يقاس على هذا أن يقال: ليس له جلد الأسد، ولبس له جلد الذئب، ولبس له جلد الأرقم؛ لأن هذا كله مثل قولهم: لبس له جلد النمر، إذا العداوة محتملة في الجميع. وكذلك قولهم: قلب له ظهر المجنّ، كناية عن تغيير المودة. ومما ورد في ذلك شعرا قول أبي نواس. لا أذود الطّير عن شجر ... قد بلوت المرّ من ثمره وهذا له حكاية، وهو أنه كان لأبي نواس صديقة تغشاه، فقيل له: إنها تختلف إلى آخر من أهل الريب، فلم يصدق ذلك حتى تبعها يوما من الأيام فرآها تدخل منزل ذلك الرجل، ثم إن ذلك الرجل جاءه، وكان صديقا له، فكلمه، فصرف وجهه عنه، ثم نظم قصيدته المشهورة التي مطلعها: أيّها المنتاب عن عفره «١» وهذا البيت من جملة أبياتها. وكذلك ورد قوله أيضا: وناظرة إليّ من النّقاب ... تلاحظني بطرف مستراب كشفت قناعها فإذا عجوز ... مموّهة المفارق بالخضاب فما زالت تحمّسني طويلا ... وتأخذ في أحاديث التّصابي

стр. 586

تحاول أن يقوم أبو زياد ... ودون قيامه شيب الغراب أتت بجرابها تكتال فيه ... فقامت وهي فارغة الجراب فقوله «أتت بجرابها تكتال فيه» من باب الكناية؛ إذا الجراب يجوز حمله على الحقيقة والمجاز، وكذلك الكيل أيضا. ومما جاء من هذا الباب قول أبي تمام في قصيدته التي يستعطف بها مالك بن طوق على قومه؛ ومطلعها: أرض مصرّدة وأرض تثج «١» ... ما لي رأيت ترابكم يبس الثرى ما لي أرى أطوادكم تتهدّم «٢» «فيبس الثرى» كناية عن تنكر ذات البين، تقول: يبس الثرى بيني وبين فلان؛ إذا تنكر الود الذي بينك وبينه، وكذلك «تهدّم الأطواد» ؛ فإنه كناية عن خفّة الحلوم وطيش العقول. ومن الكناية الحسنة قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي يعاتب فيها سيف الدولة بن حمدان التي مطلعها:

стр. 587

واحرّ قلباه ممّن قلبه شبم» ... وشرّ ما قنصته راحتي قنص شهب البزاة سواء فيه والرّحم يشير بذلك إلى أن سيف الدولة يستوي في المنال منه هو وغيره؛ فهو البازي، وغيره الرّخمة، وإن حمل المعنى على جانب الحقيقة كان جائزا. وعلى هذا ورد قول الأقيشر الأسدي ... ، وكان عنيّنا لا يأتي النساء، وكان كثيرا ما يصف ذلك من نفسه، فجلس إليه يوما رجل من قيس، فأنشده الأقيشر «٢» : ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرّة ماؤه يتفصّد مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدّد ثم قال له: أتبصر الشعر؟ قال: نعم، قال: فما وصفت؟ قال: فرسا، قال: أفكنت تركبه لو رأيته؟ قال: إي والله وأثني عطفه، فكشف له عن أيره، وقال: هذا وصفت، فقم فاركبه، فوثب الرجل عن مكانه، وقال: قبحك الله من جليس سائر اليوم!. وكذلك أيضا يحكى أنه وفد سعيد بن عبد الرحمن على هشام بن عبد الملك، وكان جميل الوجه، فاختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب الوليد بن يزيد، فراوده عن نفسه، فوثب من عنده، ودخل على هشام مغضبا، وهو يقول: إنّه والله لولا أنت لم ... ينج منّي سالما عبد الصّمد

стр. 588

فقال هشام: ولم ذلك؟ قال: إنّه قد رام منّي خطّة ... لم يرمها قبله منّي أحد قال: ما هي؟ قال: راح جهلا بي وجهلا بأبي ... يدخل الأفعى على حبس الأسد قال: فضحك هشام، وقال: لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك. ومن ألطف ما سمعته في هذا الباب قول أبي نواس في الهجاء: إذا ما كنت جار أبي حسين ... فنم ويداك في طرف السّلاح فإنّ له نساء سارقات ... - إذا ما بتن أطراف- الرّماح سرقن وقد نزلت عليه أيري ... فلم أظفر به حتّى الصّباح فجاء وقد تخدّش جانباه ... يئنّ إليّ من ألم الجراح فتعبيره عن العضو المشار إليه بأطراف الرماح تعبير في غاية اللطافة والحسن. وقد أدخل في باب الكناية ما ليس منه، كقول نصيب: فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب وهذا يروى عن الجاحظ، وما أعلم كيف ذهب عليه مع شهرته بالمعرفة بفن الفصاحة والبلاغة؛ فإن الكناية هي ما جاز حمله على جانب الحقيقة كما يجوز حمله على جانب المجاز، وههنا لا يصح ذلك، ولا يستقيم؛ لأن الثناء للحقائب لا يكون إلا مجازا، وهذا من باب التشبيه المضمر الأداة الخارج عن الكناية، والمراد به أن في الحقائب من عطاياك ما يعرب عن الثناء لو سكت أصحابها عنه «١» . وأما القسم المختص بما يقبح ذكره من الكناية، فإنه لا يحسن استعماله؛ لأنه عيب في الكلام فاحش، وذلك لعدم الفائدة المرادة من الكناية فيه.

стр. 589

فما جاء منه قول الشريف الرضي يرثي امرأة: إن لم تكن نصلا فغمد نصال «١» وفي هذا من سوء الكناية ما لا خفاء به؛ فإن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح ذكره، وهذا المعنى أخذه من قول الفرزدق فمسخه وشوّه صورته؛ فإن الفرزدق رثى امرأته فقال «٢» : وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث إليه البواكيا «٣» وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو انّ المنايا أمهلته لياليا «٤» وهذا حسن بديع في معناه، وما كني عن امرأة ماتت بجمع أحسن من هذه الكناية، ولا أفخم شأنا، فجاء الشريف الرضي فأخذ معناها وفعل به ما ترى، وليس كل من تصرف في المعاني أحسن في تصريفها، وأبقى هذه الرموز في تأليفها. وقد عكس هذه القصة مع أبي الطيب المتنبي فأحسن فيما أساء به أبو الطيب طريق الكناية فأخطأ حيث قال «٥» :

стр. 590

إنّي على شغفي بما في خمرها ... لأعفّ عمّا في سراويلاتها وهذه كناية عن النزاهة والعفة، إلا أن الفجور أحسن منها. وقد أخذ الشريف الرضي هذا المعنى فأبرزه في أجمل صورة حيث قال «١» : أحنّ إلى ما تضمن الخمر والحلى ... وأصدف عمّا في ضمان المآزر «٢» وأمثال هذا كثير، وفيما ذكرناه من هذين المثالين مقنع. وأما التعريض فقد سبق الإعلام به، وعرفناك الفرق بينه وبين الكناية. فما جاء منه قوله تعالى: قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون وغرض إبراهيم صلوات الله عليه من هذا الكلام إقامة الحجة عليهم؛ لأنه قال: فسئلوهم إن كانوا ينطقون وذلك على سبيل الاستهزاء، وهذا من رموز الكلام، والقول فيه أن قصد إبراهيم ﵇ لم يرد به نسبة الفعل الصادر عنه إلى الضم، وإنما قصد تقريره لنفسه، وإثباته على أسلوب تعريض يبلغ فيه غرضه من إلزام الحجة عليهم، والاستهزاء بهم، وقد يقال في هذا غير ما أشرت إليه، وهو أن كبير الأصنام غضب أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار فكسرها، وغرض إبراهيم ﵇ من ذلك أنه لا يجوز أن يعبد مع الله تعالى من هو دونه؛ فإن من دونه مخلوق من مخلوقاته، فجعل إحالة القول إلى كبير الأصنام مثالا لما أراده. ومن هذا القسم أيضا قوله تعالى: قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك

стр. 591

إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين فقوله: ما نراك إلا بشرا مثلنا تعريض بأنهم أحقّ بالنبوة منه، وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا: هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم بها؟ ألا ترى إلى قولهم: وما نرى لكم علينا من فضل. وكان مروان بن الحكم واليا على المدينة من قبل معاوية فعزله؛ فلما قدم عليه قال له: عزلتك لثلاث لو لم تكن إلا واحدة منهن لأوجبت عزلك: إحداهن أني أمّرتك على عبد الله بن عامر وبينكما ما بينكما فلم تستطع أن تشتفي منه، والثانية كراهتك أمر زياد، والثالثة أن ابنتي رملة استعدتك على زوجها عمر بن عثمان فلم تعدها؛ فقال له مروان: أما عبد الله بن عامر فإني لا أنتصر منه في سلطاني، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه، وأما كراهتي أمر زياد فإن سائر بني أمية كرهوه، وأما استعداء رملة على عمر بن عثمان فو الله إنه لتأتي على سنة وأكثر وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا، يريد بذلك أن رملة بنت معاوية إنما استعدت لطلب الجماع، فقال له معاوية: يا ابن الوزغ لست هناك، فقال له مروان: هو ذاك؛ وهذا من التعريضات اللطيفة. ومثله في اللطافة ما يروى عن عمر بن الخطاب ﵁، وذاك أنه كان يخطب يوم جمعة، فدخل عثمان بن عفان ﵁، فقال عمر: أيّة ساعة هذه؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، انقلبت من أمر السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل؛ فقوله «أية ساعة هذه» تعريض بالإنكار عليه لتأخره عن المجيء إلى الصلاة وترك السبق إليها؛ وهو من التعريض المعرب عن الأدب. ووقفت في كتاب العقد على حكاية نعريضية حسنة الموقع، وهي أن امرأة وقفت على قيس بن عبادة؛ فقالت، أشكو إليك قلة الفأر في بيتي؛ فقال: ما أحسن ما ورّت عن حاجتها، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما. ومن خفي التعريض وغامضه ما ورد في الحديث النبوي، وهو أن النبيّ ﷺ خرج

стр. 592

وهو محتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: «والله إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإنّ آخر وطأة وطئها الله بوجّ» اعلم أنّ وجّا واد بالطائف، والمراد به غزاة حنين، وحنين: واد قبل وجّ؛ لأن غزاة حنين آخر غزاة أوقع بها رسول الله ﷺ مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة: أي قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدو ولا قتال، ووجه عطف هذا الكلام وهو قوله ﷺ «وإن آخر وطأة وطئها الله بوج» على ما قبله من الحديث هو التأسّف على مفارقة أولاده؛ لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته ﷺ كانت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال: وإنكم لمن ريحان الله: أي من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله وأنا مفارقكم عن قريب بقوله «إن آخر وطأة وطئها الله بوج» وكان ذلك تعريضا بما أراده وقصده من قرب وفاته ﷺ . ومما ورد من هذا الباب شعرا قول الشّميذر الحارثي «١» : بني عمّنا، لا تذكروا الشّعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا «٢» وليس قصده ههنا الشعر، بل قصده ما جرى لهم في هذا الموضع من الظهور عليهم والغلبة، إلا أنه لم يذكر ذلك بل ذكر الشعر، وجعله تعريضا بما قصده: أي لا تفخروا بعد تلك الواقعة التي جرت لكم ولنا بذلك المكان. ومن أحسن التعريضات ما كتبه عمرو بن مسعدة الكاتب إلى المأمون في أمر بعض أصحابه، وهو: أما بعد؛ فقد استشفع بي فلان إلى أمير المؤمنين ليتطوّل في إلحاقه بنظرائه من الخاصة، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك تعدّي طاعته، فوقّع المأمون في ظهر كتابه: قد عرفت تصريحك وتعريضك لنفسك، وقد أجبناك إليهما.

стр. 593

واعلم أن هذين القسمين من الكناية والتعريض قد وردا في غير اللغة العربية، ووجدتهما كثيرا في اللغة السريانية؛ فإن الإنجيل الذي في أيدي النصارى قد أتى منهما بالكثير. ومما وجدته من الكناية في لغة الفرس أنه كان رجل من أساورة كسرى وخواصه فقيل: إن الملك يختلف إلى امرأتك، فهجرها لذلك، وترك فراشها، فأخبرت كسرى، فدعاه وقال له: قد بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها؛ فما سبب ذلك؟ قال: أيها الملك، بلغني أن الأسد يردها فخفته، فاستحسن كسرى منه هذا الكلام، وأسنى عطاءه.

стр. 594

النوع العشرون في المغالطات المعنوية وهذا النوع من أحلى ما استعمل من الكلام وألطفه؛ لما فيه من التورية. وحقيقته: أن يذكر معنى من المعاني له مثل في شيء آخر ونقيض، والنقيض أحسن موقعا، وألطف مأخذا. فالأول الذي يكون له مثل يقع في الألفاظ المشتركة، فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي «١» : يشلّهم بكلّ أقبّ نهد ... لفارسه على الخيل الخيار «٢» وكلّ أصمّ يعسل جانباه ... على الكعبين منه دم ممار «٣» يغادر كلّ ملتفت إليه ... ولبّته لثعلبه وجار «٤» فالثعلب: هو هذا الحيوان المعروف، والوجار: اسم بيته، والثعلب أيضا هو طرف

стр. 595

سنان الرمح؛ فلما اتفق الاسمان بين الثعلبين حسن «١» ذكر الوجار في طرف السنان، وهذا نقل المعنى من مثل إلى مثله. وعليه ورد قول المتنبي أيضا «٢» : برغم شبيب فارق السّيف كفّه ... وكانا على العلّات يصطحبان «٣» أنّ رقاب النّاس قالت لسيفه: ... رفيقك قيسيّ وأنت يماني فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الإخشيدي، وقصد دمشق وحاصرها، وقتل على حصارها؛ كان من قيس، ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب، وأخبار ذلك مشهورة، والسيف يقال له «يماني» في نسبته إلى اليمن، ومراد المتنبي من هذا البيت أن شبيبا لما قتل وفارق السيف كفه فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني وصاحبك قيسي، ولهذا جانبه السيف وفارقه. وهذه مغالطة حسنة، وهي كالأولى إلا أنها أدق وأغمض. وكذلك ورد قول بعضهم من أبيات يهجو بها شاعرا، فجاء من جملتها قوله: وخلطتم بعض القران ببعضه ... فجعلتم الشعراء في الأنعام ومعنى ذلك أن الشّعراء اسم سورة من القرآن الكريم والأنعام اسم سورة أيضا، والشعراء: جمع شاعر، والأنعام: ما كان من الإبل والبقر.

стр. 596

وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل ﵁، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵁، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ﵁: من مبلغ عنّي الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه الرسائل تمذهبت للنّعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل وما اخترت رأي الشّافعيّ تديّنا ... ولكنّما تهوى الّذي منه حاصل وعمّا قليل أنت لا شكّ صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل ومالك: هو مالك ابن أنس صاحب المذهب ﵁، ومالك: هو خازن النار، وهذه مغالطة لطيفة. ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل: صلب العصا بالضّرب قد دمّاها ... تودّ أنّ الله قد أفناها إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها فالضرب: لفظ مشترك؛ يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضّرب في الأرض، وهو المسير فيها، وكذلك دمّاها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال: دماه؛ إذا أسال دمه، ودماه؛ إذا جعله كالدّمية، وهي الصورة، وهكذا لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثّعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، يقال: أفناه؛ إذا أذهبه، وأفناه؛ إذا أطعمه الفناء، وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى: نبتان، يقال: أغواه؛ إذا أضلّه، وأغواه؛ إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا؛ إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا؛ إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز: هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس، لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليّا في النوع الحادي والعشرين، وهو الذي يتلو هذا النوع؛ فليؤخذ من هناك.

стр. 597

ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبيّ ﷺ كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممّن القوم؟ فقال النبيّ ﷺ : «من ماء» ، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء، من ماء؛ لينظر أيّ بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبيّ ﷺ لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره، وهذا من المغالطة المثلية؛ لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء. وقد جاءني شيء من ذلك من الكلام المنثور. فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج؛ فقلت: ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، وربما تعدّى إلى قليب الخاطر فأجفّه أن يجري بوصفه؛ فالشمس مأسورة، والنار مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض. ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي: «والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض» فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية: أي لها حول، ويقال: إنها مروضة: أي ذلّلت للركوب، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية؛ وقولي: «لم ترض» أي لم تسلك بعد. ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم؛ فقلت: ولقد نزلت منه بمهلّبّي الصّنع، أحنفي الأخلاق، ولقيته فكأني لم أرع ممّن أحبّ بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة فاستولدتها بجواره حسنا. وهذه تورية لطيفة فإن فاطمة بنت رسول الله ﷺ والحسن ﵄ ولدها، وفاطمة: هي اسم فاعلة من الفطام، يقال: فطمت فهي فاطمة، كما يقال: فطم فهو فاطم، والحسن: هو الشيء الحسن. ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:

стр. 598

وعهده بقلمي وهو يتحلّى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمّالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب. وهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقّاد وملتهب، ويذم فيوصف بأنه بليد وجاهل؛ وأبو لهب وأبو جهل: هما الرجلان المعروفان، وكذلك حمّالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذمّ القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه حاطب؛ فلما نقلت أنا هذا إلى المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، وورّيت فيه تورية، والمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، لا جرم أن الإجادة فيها قليلة. ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، وهو: من أبرّ مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان منّاعها وإذا سئل موهبة كان منّاحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنّة الصّعاب وألان جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها وإذا لقي مهجة خطب كان سفّاحها. والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح؛ فإنهما لقب خليفتين من بني العباس، والسفاح: أول خلفائهم، والمنصور: أخوه الذي ولي الخلافة من بعده، وهما أيضا من النصر في حومة الحرب والسّفح الذي هو الإراقة، والمهجة: دم القلب؛ فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح «١» ، وهذا من المغالطة المثلية لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن. ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان؛ فقلت: وقد علمت أن ذلك الأنس بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النّهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا؛ فإن من شيمة الدهر أن يبدّل الصّفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا وأيام برّه قصرا، وما أقول

стр. 599

إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حدّ القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع. والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع؛ فإن الخفض: هو سعة العيش، والخفض: هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا: رفعت الشيء، إذا أزلته، والرفع: هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات الخفية. ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمّى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو بلد من بلاد الأرمن، فقلت: ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أنّ الحمّى خيّمت بها فاستقرّت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها فترى وقد أخذتها النافض فاقشعرّت، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الأبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة وإنما تسمى طعنا وضربا، ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كلّ فصول العام من مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين أو ميافارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها. والمغالطة ههنا في قولي: «وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية» والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير تروّ: أي من غير تلبّث، ويوم النحر: هو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمّى يوم التروية؛ فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم تروية، ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة. وأما القسم الآخر- وهو النقيض- فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله؛ لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا. فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله: وما أشياء تشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون

стр. 600

يقال: نفقت السلعة؛ إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة؛ إذا ماتت، وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة. ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من بلاد الكفار؛ فقلت في آخر الكتاب «١» : وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثّل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهّل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحّتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، واللّيالي والأيام لها رواة فما الظن برواية الأيام والليال. في هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية؛ أما المغالطة المثلية فهي في قولي: «وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال» «٢» وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول؛ وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: «وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجل» وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية غير موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت: صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل: أي تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به. وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع. فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد
следующие страницы →