Полный текст (791 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وكذلك ورد قول بعض العراقيين يهجو رجلا كان على مذهب أحمد بن حنبل ﵁، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة ﵁، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ﵁:
من مبلغ عنّي الوجيه رسالة ... وإن كان لا تجدي لديه الرسائل
تمذهبت للنّعمان بعد ابن حنبل ... وفارقته إذ أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشّافعيّ تديّنا ... ولكنّما تهوى الّذي منه حاصل
وعمّا قليل أنت لا شكّ صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل
ومالك: هو مالك ابن أنس صاحب المذهب ﵁، ومالك: هو خازن النار، وهذه مغالطة لطيفة.
ومن أحسن ما سمعته في هذا الباب قول أبي العلاء بن سليمان في الإبل:
صلب العصا بالضّرب قد دمّاها ... تودّ أنّ الله قد أفناها
إذا أرادت رشدا أغواها ... محاله من رقه إياها
فالضرب: لفظ مشترك؛ يطلق على الضرب بالعصا، وعلى الضّرب في الأرض، وهو المسير فيها، وكذلك دمّاها فإنه لفظ مشترك يطلق على شيئين: أحدهما يقال:
دماه؛ إذا أسال دمه، ودماه؛ إذا جعله كالدّمية، وهي الصورة، وهكذا لفظ الفناء فإنه يطلق على عنب الثّعلب، وعلى إذهاب الشيء إذا لم يبق منه بقية، يقال:
أفناه؛ إذا أذهبه، وأفناه؛ إذا أطعمه الفناء، وهو عنب الثعلب، والرشد والغوى:
نبتان، يقال: أغواه؛ إذا أضلّه، وأغواه؛ إذا أطعمه الغوى، ويقال: طلب رشدا؛ إذا طلب ذلك النبت، وطلب رشدا؛ إذا طلب الهداية، وبعض الناس يظن هذه الأبيات من باب اللغز، وليس كذلك؛ لأنها تشتمل على ألفاظ مشتركة، وذلك معنى ظاهر يستخرج من دلالة اللفظ عليه، واللغز: هو الذي يستخرج من طريق الحزر والحدس، لا من دلالة اللفظ عليه، وسأوضح ذلك إيضاحا جليّا في النوع الحادي والعشرين، وهو الذي يتلو هذا النوع؛ فليؤخذ من هناك.
стр. 597
ويروى في الأخبار الواردة في غزاة بدر أن النبيّ ﷺ كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب، فقال: ممّن القوم؟ فقال النبيّ ﷺ : «من ماء» ، فأخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء، من ماء؛ لينظر أيّ بطون العرب يقال لها ماء، فسار النبيّ ﷺ لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره، وهذا من المغالطة المثلية؛ لأنه يجوز أن يكون بعض بطون العرب يسمى ماء، ويجوز أن يكون المراد أن خلقهم من ماء.
وقد جاءني شيء من ذلك من الكلام المنثور.
فمنه ما كتبته في فصل من كتاب عند دخولي إلى بلاد الروم أصف فيه البرد والثلج؛ فقلت: ومن صفات هذا البرد أنه يعقد الدر في خلفه، والدمع في طرفه، وربما تعدّى إلى قليب الخاطر فأجفّه أن يجري بوصفه؛ فالشمس مأسورة، والنار مقرورة، والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض، ومسيلات الجبال أنهار غير أنها جامدة لم تخض.
ومكان المغالطة من هذا الكلام في قولي: «والأرض شهباء غير أنها حولية لم ترض» فإن الشهباء من الخيل يقال فيها حولية: أي لها حول، ويقال: إنها مروضة:
أي ذلّلت للركوب، وهذه الأرض مضى للثلج عليها حول فهي شهباء حولية؛ وقولي: «لم ترض» أي لم تسلك بعد.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم؛ فقلت: ولقد نزلت منه بمهلّبّي الصّنع، أحنفي الأخلاق، ولقيته فكأني لم أرع ممّن أحبّ بلوعة الفراق، ولا كرامة للأهل والوطن حتى أقول إني قد استبدلت به أهلا ووطنا، وعهدي بالأيام وهي من الإحسان فاطمة فاستولدتها بجواره حسنا.
وهذه تورية لطيفة فإن فاطمة بنت رسول الله ﷺ والحسن ﵄ ولدها، وفاطمة: هي اسم فاعلة من الفطام، يقال: فطمت فهي فاطمة، كما يقال:
فطم فهو فاطم، والحسن: هو الشيء الحسن.
ومن هذا الأسلوب ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:
стр. 598
وعهده بقلمي وهو يتحلّى من البيان بأسمائه، وتبرز أنوار المعاني من ظلمائه، وقد أصبحت يدي منه وهي حمّالة الحطب، وأصبح خاطري أبا جهل بعد أن كان أبا لهب.
وهذا أحسن من الأول، وأخلب عبارة، فانظر أيها المتأمل إلى ما فيه من التورية اللطيفة، ألا ترى أن الخاطر يحمد فيوصف بأنه وقّاد وملتهب، ويذم فيوصف بأنه بليد وجاهل؛ وأبو لهب وأبو جهل: هما الرجلان المعروفان، وكذلك حمّالة الحطب هي المرأة المعروفة، وإذا ذمّ القلم قيل: إنه حطب، وإن صاحبه حاطب؛ فلما نقلت أنا هذا إلى المعنى الذي قصدته جئت به على حكم المغالطة، وورّيت فيه تورية، والمسلك إلى مثل هذه المعاني وتصحيح المقصد فيها عسر جدا، لا جرم أن الإجادة فيها قليلة.
ومما يجري هذا المجرى ما ذكرته في وصف شخص بمعالي الأمور، وهو:
من أبرّ مساعيه أنه حاز قفل المكرمات ومفتاحها، فإذا سئل منقبة كان منّاعها وإذا سئل موهبة كان منّاحها، وأحسن أثرا من ذلك أنه أخذ بأعنّة الصّعاب وألان جماحها، فإذا شهد حومة حرب كان منصورها وإذا لقي مهجة خطب كان سفّاحها.
والمغالطة في هذا الكلام في ذكر المنصور والسفاح؛ فإنهما لقب خليفتين من بني العباس، والسفاح: أول خلفائهم، والمنصور: أخوه الذي ولي الخلافة من بعده، وهما أيضا من النصر في حومة الحرب والسّفح الذي هو الإراقة، والمهجة:
دم القلب؛ فكأني قلت: هو منصور في حومة الحرب، ومريق لدم الخطوب، وقد اجتمع في هذا الكلام المنصور والمنصور، والسفاح والسفاح «١» ، وهذا من المغالطة المثلية لا من النقيضية، ولا خفاء بما فيها من الحسن.
ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان؛ فقلت: وقد علمت أن ذلك الأنس بقربه يعقب إيحاشا، وأن تلك النّهلة من لقائه تجعل الأكباد عطاشا؛ فإن من شيمة الدهر أن يبدّل الصّفو كدرا، ويوسع أيام عقوقه طولا وأيام برّه قصرا، وما أقول
стр. 599
إلا أنه شعر بتلك المسرة المسروقة فأقام عليها حدّ القطع، ورأى العيش فيها خفضا فأزاله بعامل الرفع.
والمغالطة في هذا الكلام هي في ذكر الخفض والرفع؛ فإن الخفض: هو سعة العيش، والخفض: هو أحد العوامل النحوية، والرفع: هو من قولنا: رفعت الشيء، إذا أزلته، والرفع: هو أحد العوامل النحوية أيضا، وهذا من المغالطات الخفية.
ومن ذلك ما كتبته في فصل أصف فيه الحمّى، وكنت إذ ذاك بحصن سميساط، وهو بلد من بلاد الأرمن، فقلت: ومما أكره في حال المرض بهذه الأرض أنّ الحمّى خيّمت بها فاستقرّت، ولم تقنع بأهلها حتى سرت إلى تربتها فترى وقد أخذتها النافض فاقشعرّت، ولم يشكل أمرها إلا لأنها حمى أرمنية مستعجمة اللسان، وقد تشتبه الأمراض وأهل بلادها في الأبان، وإذا كانت الحمى كافرة لم تزل للمسلم حربا، وشكاتها لا تسمى شكاة وإنما تسمى طعنا وضربا، ولهذا صارت الأدوية في علاجها ليست بأدوية، وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية، وليس موسمها في فصل معلوم بل كلّ فصول العام من مواسمها، ولو كاتبتها نصيبين أو ميافارقين بكتاب لترجمته بعبدها وخادمها.
والمغالطة ههنا في قولي: «وأصبحت أيام نحرها في الناس غير مبتدأة بأيام تروية» والمراد بذلك أنها تقبل بغتة من غير تروّ: أي من غير تلبّث، ويوم النحر: هو يوم عيد الأضحى، وقبله يوم يسمّى يوم التروية؛ فالمغالطة حصلت بين نحر الحمى للناس ونحر الضحايا، إلا أن يوم النحر مبتدأ بيوم تروية، ولا خفاء بما في هذه المغالطة من الحسن واللطافة.
وأما القسم الآخر- وهو النقيض- فإنه أقل استعمالا من القسم الذي قبله؛ لأنه لا يتهيأ استعماله كثيرا.
فمن جملته ما ورد شعرا لبعضهم، وهو قوله:
وما أشياء تشريها بمال ... فإن نفقت فأكسد ما تكون
стр. 600
يقال: نفقت السلعة؛ إذا راجت، وكان لها سوق، ونفقت الدابة؛ إذا ماتت، وموضع المناقضة ههنا في قوله: إنها إذا نفقت كسدت، فجاء بالشيء ونقيضه، وجعل هذا سببا لهذا، وذلك من المغالطة الحسنة.
ومن ذلك ما كتبته في جملة كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمن فتوح بلد من بلاد الكفار؛ فقلت في آخر الكتاب «١» : وقد ارتاد الخادم من يبلغ عنه مشاريح هذه الوقائع التي اختصرها، ويمثّل صورها لمن غاب عنها كما تمثلت لمن حضرها، ويكون مكانه من النباهة كريما كمكانها، وهي عرائس المساعي فأحسن الناس بيانا مؤهّل لإبداع حسانها، والسائر بها فلان وهو راوي أخبار نصرها التي صحّتها في تجريح الرجال، وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال، واللّيالي والأيام لها رواة فما الظن برواية الأيام والليال.
في هذا الفصل مغالطة نقيضية، ومغالطة مثلية؛ أما المغالطة المثلية فهي في قولي: «وعوالي إسنادها مأخوذة من طرق العوال» «٢» وقد تقدم الكلام على هذا وما يجري مجراه في القسم الأول؛ وأما المغالطة النقيضية فهي قولي: «وهو راوي أخبار نصرها التي صحتها في تجريح الرجل» وموضع المغالطة منه أنه يقال في رواة الأخبار: فلان عدل صحيح الرواية، وفلان مجروح: أي سقيم الرواية غير موثوق به، فأتيت بهذا المعنى على وجه النقيض، فقلت: صحة أخبار هذه الفتوح في تجريح الرجل: أي تجريحهم في الحرب، وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به.
وقد أوردت من هذه الأمثلة ما فيه كفاية ومقنع.
فإن قيل: إن الضرب الأول من هذا النوع هو التجنيس الذي لفظه واحد
стр. 601
ومعناه مختلف، كالمثال الذي مثلته في قول أبي الطيب المتنبي ثعلب ووجار؛ فإن الثعلب هو الحيوان المعروف، وهو أيضا طرف السنان، وكذلك باقي الأمثلة.
قلت في الجواب: إن الفرق بين هذين النوعين ظاهر، وذاك أن التجنيس يذكر فيه اللفظ الواحد مرتين؛ فهو يستوي في الصورة ويختلف في المعنى، كقول أبي تمام «١» :
بكلّ فتى ضرب يعرّض للقنا ... محيّا محلّى حليه الطّعن والضرب
فالضّرب: الرجل الخفيف، والضرب: هو الضرب بالسيف في القتال، فاللفظ لا بد من ذكره مرتين والمعنى فيه مختلف، والمغالطة ليست كذلك، بل يذكر فيها اللفظ مرة واحدة، ويدلّ به على مثله، وليس بمذكور.
стр. 602
النوع الحادي والعشرون في الأحاجي
وهي الأغاليط من الكلام، وتسمى الألغاز، جمع لغز، وهو: الطريق الذي يلتوي ويشكل على سالكه، وقيل: جمع لغز- بفتح اللام- وهو: ميلك بالشيء عن وجهه، وقد يسمى هذا النوع أيضا المعمّى، وهو يشتبه بالكناية تارة، وبالتعريض أخرى، ويشتبه أيضا بالمغالطات المعنوية، ووقع في ذلك عامة أرباب هذا الفن.
فمن ذلك أن أبا الفرج الأصفهاني ذكر بيتي الأقيشر الأسدي «١» في جملة الألغاز، وهما:
ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرّة ماؤه يتفصّد «٢»
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدّد «٣»
وهذان البيتان من باب الكناية؛ لأنهما يحملان على الفرس، وعلى العضو المخصوص، وإذا حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز فكيف يعد من جملة الألغاز؟.
стр. 603
وكذلك فعل الحريري في مقاماته؛ فإنه ذكر في الأحاجيّ التي جعلها على حكم الفتاوي كناية ومغالطة معنوية، وظن أنهما من الأحاجيّ الملغزة، كقوله:
أيحلّ للصائم أن يأكل نهارا، والنهار: من الأسماء المشتركة بين النهار الذي هو ضد الليل وبين فرخ الحبارى؛ فإنه يسمى نهارا، وإذا كان من الأسماء المشتركة صار من باب المغالطات المعنوية، لا من باب الأحاجيّ، والإلغاز شيء منفصل عن ذلك كله، ولو كان من جملته لما قيل: لغز، وأحجيّة، وإنما قيل: كناية، وتعريض، أو مغالطة، ولكن وجد من الكلام ما يطلق عليه الكناية، ومنه ما يطلق عليه التعريض، ومنه ما يطلق عليه المغالطة، ومنه شيء آخر خارج عن ذلك؛ فجعل لغزا وأحجية.
وكنت قدّمت القول بأن الكناية هي اللفظ الدال على جانب الحقيقة وعلى جانب المجاز، فهو يحمل عليهما معا، وأن التعريض هو ما يفهم من عرض اللفظ لا من دلالته عليه حقيقة ولا مجازا، وأن المغالطة هي التي تطلق ويراد بها شيئان:
أحدهما دلالة اللفظ على معنيين بالاشتراك الوضعي، والآخر دلالة اللفظ على المعنى ونقيضه.
وأما اللغز والأحجية فإنهما شيء واحد، وهو: كل معنى يستخرج بالحدس والحزر، لا بدلالة اللفظ عليه حقيقة ولا مجازا، ويفهم من عرضه؛ لأن قول القائل في الضرس:
وصاحب لا أملّ الدّهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد «١»
ما إن رأيت له شخصا فمذ وقعت ... عيني عليه افترقنا فرقة الأبد
لا يدل على أنه الضرس، لا من طريق الحقيقة، ولا من طريق المجاز، ولا من طريق المفهوم، وإنما هو شيء يحدس ويحزر، والخواطر تختلف في الإسراع والإبطاء عند عثورها عليه.
стр. 604
فإن قيل: إن اللغز يعرف من طريق المفهوم، وهذان البيتان يعلم معناهما بالمفهوم.
قلت في الجواب: إن الذي يعلم بالمفهوم إنما هو التعريض، كقول القائل:
إني لفقير، وإني لمحتاج؛ فإن هذا القول لا يدلّ على المسألة والطلب، لا حقيقة ولا مجازا، وإنما فهم منه أن صاحبه متعرّض للطلب، وهذان البيتان ليسا كذلك؛ فإنهما لا يشتملان على ما يفهم منه شيء إلا بالحدس والحزر، لا غير، وكذلك كل لغز من الألغاز.
وإذا ثبت هذا فاعلم أن هذا الباب الذي هو اللغز والأحجية والمعمّى يتنوع أنواعا: فمنه المصحّف، ومنه المعكوس، ومنه ما ينقل إلى لغة من اللغات غير العربية، كقول القائل: إسمي إذا صحفته بالفارسية آخر، وهذا اسمه اسم تركي، وهو دنكر- بالدال المهملة والنون، وآخر بالفارسية ديكر- بالدال المهملة والياء المعجمة بثنتين من تحت- وإذا صفحت هذه الكلمة صارت دنكر، بالنون، فانقلبت الياء نونا بالتصحيف، وهذا غير مفهوم إلا لبعض الناس دون بعض.
وإنما وضع واستعمل لأنه مما يشحذ القريحة، ويحدّ الخاطر؛ لأنه يشتمل على معان دقيقة يحتاج في استخراجها إلى توقّد الذهن، والسلوك في معاريج خفية من الفكر.
وقد استعمله العرب في أشعارهم قليلا، ثم جاء المحدثون فأكثروا منه.
وربما أتي منه بما يكون حسنا وعليه مسحة من البلاغة، وذلك عندي بين بين؛ فلا أعده من الأحاجيّ، ولا أعدّه من فصيح الكلام.
فما جاء منه قول بعضهم:
قد سقيت آبالهم بالنّار ... والنّار قد تشقي من الأوار
ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم الذين هم أصحاب الإبل ذوو وجاهة وتقدم، ولهم وسم معلوم؛ فلما وردت إبلهم الماء عرفت بذلك الوسم؛ فأفرج لها الناس حتى شربت؛ وقد اتفق له أنه أتى في هذا البيت بالشيء وضده، وجعل أحدهما سببا للآخر؛
стр. 605
فصار غريبا عجيبا، وذاك أنه قال: سقيت بالنار، وقال: إن النار تشفي من الأوار، وهو العطش، وهذا من محاسن ما يأتي في هذا الباب.
ومما يجري على هذا النهج قول أبي نواس في شجر الكرم «١» :
لنا هجمة لا يدّري الذّئب سخلها ... ولا راعها غضّ الفحالة والحظر
إذا امتحنت ألوانها مال صفوها ... إلى الحوّ إلّا أنّ أوبارها خضر
ومن هذا القبيل قول بعضهم:
سبع رواحل ما ينخن من الونا ... شيم تساق بسبعة زهر
متواصلات لا الدّءوب يملّها ... باق تعاقبها على الدّهر
هذان البيتان يتضمنان وصف أيام الزمان ولياليه، وهي الأسبوع؛ فإن الزمان عبارة عنه، وذلك من الألغاز الواقعة في موقعها.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي الطيب المتنبي في السن من جملة قصيدته التي مدح بها سيف الدولة عند ذكر عبوره الفرات، وهي:
الرّأي قبل شجاعة الشّجعان «٢»
стр. 606
فقال:
وحشاه عادية بغير قوائم ... عقم البطون حوالك الألوان «١»
تأتي بما سبت الخيول كأنّها ... تحت الحسان مرابض الغزلان «٢»
وهذا حسن في بابه.
ومن ذلك قول بعضهم في حجر المحكّ:
ومدّرع من صنعة اللّيل برده ... يفوّق طورا بالنّضار ويطلس «٣»
إذا سألوه عن عويصين أشكلا ... أجاب بما أعيا الورى وهو أخرس
стр. 607
وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه، وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل زماننا، فأجاب عنه ببيتين على وزنه وقافيته، وهما:
سؤالك جلمود من الصّخر أسود ... خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس
أقيم بسوق الصّرف حكما كأنّه ... من الزّنج قاض بالخلوق مطلّس
وقد رأيت هذا الشاعر، وهو حائك بجزيرة ابن عمر، وليس عنده من أسباب الأدب شيء سوى أنه قد أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير، وهو مع ذلك يقول الشعر طبعا، وكان يجيد في الكثير منه.
ومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية، كالذي أورده الحريري في مقاماته، وكنت سئلت عن مسألة منه، وهي:
ولي خالة وأنا خالها ... ولي عمّة وأنا عمّها
فأمّا الّتي أنا عمّ لها ... فإنّ أبي أمّه أمّها
أبوها أخي وأخوها أبي ... ولي خالة هكذا حكمها
فأين الفقيه الذي عنده ... فنون الدّراية أو علمها
يبيّن لنا نسبا خالصا ... ويكشف للنّفس ما همّها
فلسنا مجوسا ولا مشركين ... شريعة أحمد نأتمّها
وهذه المسألة كتبت إليّ فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر، ولم ألبث أن أنكشف لي ما تحتها من اللغز، وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه الصورة، وذاك أن رجلا تزوج امرأتين: اسم إحداهما عائشة، واسم الأخرى فاطمة، فأولد عائشة بنتا، وأولد فاطمة ابنا، ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة، فجاءت ببنت، فتلك البنت هي خالة ابنه، وهو خالها؛ لأنه أخو أمها. وأما العمة التي هو عمّها فصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخ من أمه، فزوج أخاه من أمه أمّ أبيه، فجاء بنت، فتلك البنت هي عمته؛ لأنها أخت أبيه، وهو عمها؛ لأنه أخو أبيها، وأما قوله «ولي خالة هكذا حكمها» فهو أن تكون أمها أخته، وأختها أمه، كما قال «أبوها أخي
стр. 608
وأخوها أبي» وصورتها أن رجلا له ولد، ولولده أخت من أمه، فزوجها من أبي أمه، فجاءت ببنت؛ فأختها أمه، وأمها أخته.
وأحسن من ذلك كله وألطف وأحلى قول بعضهم في الخلخال:
ومضروب بلا جرم ... مليح اللّون معشوق
له قدّ الهلال على ... مليح القدّ ممشوق
وأكثر ما يرى أبدا ... على الامشاط في السّوق
وبلغني أن بعض الناس سمع هذه الأبيات؛ فقال: قد دخلت السوق فما رأيت على الأمشاط شيئا، وظن أنها الأمشاط التي يرجّل بها الشعر، وأن السوق سوق البيع والشراء.
واعلم أنه قد يأتي من هذا النوع ما هو ضروب وألوان؛ فمنه الحسن الذي أوردت شيئا منه كما تراه، ومنه المتوسط الذي هو دونه في الدرجة، فلا يوصف بحسن ولا قبح؛ كقول بعضهم «١» :
راحت ركائبهم وفي أكوارها ... ألفان من عمّ الأثيل الواعد
ما إن رأيت ولا باركب هكذا ... حملت حدائق كالظّلام الرّاكد
وهذا يصف قوما وفدوا على ملك من الملوك فأعطاهم نخلا، وكتب لهم بها كتابا، والأثيل: الموضع الذي كتب لهم إليه، والعم: العظام الرءوس من النخيل، والواعد: الأقناء من النخل، فلما حملوا الكتب في أكوارهم فكأنهم حملوا النخل، وهذا من متوسط الألغاز.
وقد جاء من ذلك ما هو بشع بارد؛ فلا يستخرج إلا بمسائل الجبر والمقابلة، أو بخطوط الرمل من القبض الداخل أو القبض الخارج والبياض والحمرة وغيرها،
стр. 609
ولئن كان معناه دقيقا يدلّ على فرط الذكاء فإني لا أعده من اللغة العربية، فضلا عن أن يوصف بصفات الكلام المحمودة، ولا فرق بينه وبين لغة الفرس والروم وغيرهما من اللغات في عدم الفهم.
وأما ما ورد من الألغاز نثرا فقد ألغز الحريري في مقاماته ألغازا ضمنها ذكر الإبرة والمرود «١» وذكر الدينار، وهي أشهر كما يقال من قفا نبك؛ فلا حاجة إلى إيرادها في كتابي هذا.
وقد ورد من الألغاز شيء في كلام العرب المنثور غير أنه قليل بالنسبة إلى ما ورد في أشعارها، وقد تأملت القرآن الكريم فلم أجد فيه شيئا منها، ولا ينبغي أن يتضمن منها شيئا؛ لأنه لا يستنبط بالحدس والحزر كما تستنبط الألغاز.
وأما ما ورد للعرب فيروى عن امرىء القيس وزوجته عدة من الألغاز، وذاك أنه سألها قبل أن يتزوجها؛ فقال: ما اثنان وأربعة وثمانية؟ فقالت: أما الإثنان فثديا المرأة، وأما الأربعة فأخلاف النّاقة، وأما الثمانية فأطباء الكلبة؛ ثم إنه تزوجها وأرسل إليها هدية على يد عبد له، وهي حلّة من عصب اليمن ونحي من عسل ونحي من سمن، فنزل العبد ببعض المياه، ولبس الحلة فعلق طرفها بسمرة فانشقّ، وفتح النّحيين وأطعم أهل الماء، ثم قدم على المرأة وأهلها خلوف، فسأل عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها الهدية، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرّب بعيدا ويبعد قريبا، وأن أمّي ذهبت تشقّ النفس نفسين، وأن أخي يرقب الشمس، وأخبره أن سماءكم انشقّت، وأن وعاءيكم نضبا؛ فعاد العبد إلى امرىء القيس وأخبره بما قالته له، فقال: أما أبوها فإنه ذهب يحالف قوما على قومه، وأما أمّها فإنها ذهبت تقبل امرأة، وأما أخوها فإنه في سرح يرعاه إلى أن تغرب الشمس، وأما قولها: «إن
стр. 610
سماءكم انشقت» فإن الحلّة انشقت، وأما قولها: «إن وعاءيكم نضبا» فإن النّحيين نقصا، ثم قال للعبد: أصدقني، فقال له: إني نزلت بماء من مياه العرب، وفعلت كذا وكذا.
فهذا وأمثاله قد ورد عنهم إلا أنه يسير.
وكذلك يروى عن شن بن أقصى، وكان ألزم نفسه ألّا يتزوّج إلا امرأة تلائمه، فصاحبه رجل في بعض أسفاره، فلما أخذ منهما السير قال له شن:
أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل؛ هل يحمل الراكب راكبا؟ فأمسك عنه، وسارا حتى أتيا على زرع، فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل؟ فقال له: يا جاهل؛ أما تراه في سنبله، فأمسك عنه، ثم سارا، فاستقبلتهما جنازة، فقال شن:
أترى صاحبها حيّا؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك! أتراهم حملوا إلى القبر حيّا؟ ثم إنهما وصلا إلى قرية الرجل، فسار به إلى بيته، وكانت له بنت، فأخذ يطرفها بحديث رفيقه، فقالت: ما نطق إلا بالصواب، ولا استفهم إلا عما يستفهم عن مثله، أما قوله: «أتحملني أم أحملك» فإنه أراد أتحدّثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق بالحديث، وأما قوله: «أترى هذا الزرع قد أكل» فإنه أراد هل استسلف ربه ثمنه أم لا، وأما استفهامه عن صاحب الجنازة فإنه أراد هل خلّف له عقبا يحيا بذكره أم لا، فلما سمع كلام ابنته خرج إلى شن وحدّثه بتأويلها، فخطبها، فزوّجه إياها.
وأدق من هذا كله وألطف ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب شيرز، وهو أولهم الذي استنقذه من أيدي الروم بالمكر والخديعة، ولذلك قصة ظريفة، وليس هذا موضع ذكرها، وكان قبل ملكه إياها في خدمة محمود بن صالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب بسديد الملك، فنبا به مكانه، وحدثت له حادثة أوجبت له أن هرب ومضى إلى مدينة ترابلس في زمن بني عمار أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح واستعطفه ليعود إليه، فخافه ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلا من أهل حلب صديقا لابن منقذ وبينه وبينه لحمة مودّة أكيدة، وأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتابا عن نفسه يوثّقه من جهة ابن صالح ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب وهو يعلم أن باطن الأمر في ذلك خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب
стр. 611
هلك، فأفكر وهو يكتب في إشارة عمياء لا تفهم؛ ليضعها فيه يحذر بها ابن منقذ، فأدّاه فكره أن كتب في آخر الكتاب عند إنهائه «إن شاء الله تعالى» ، وشدد إن وكسرها، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه، وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده وعلم ما فيه قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشّني، ولولا أنه يعلم صفاء قلب ابن صالح لي لما كتب إليّ ولا غرّني، ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب وكرّر نظره فيه، ثم قال له: يا أبت، مكانك، فإن صديقك قد حذّرك، وقال: لا تعد، فقال: وكيف؟ قال: إنه قد كتب إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب، وشدّد إن وكسرها، وضبطها ضبطا صحيحا لا يصدر مثله عن سهو، ومعنى ذلك أنه يقول: إنّ الملا يأتمرون بك ليقتلوك، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى حلب.
وهذا من أعجب ما بلغني من حدّة الذهن وفطانة الخاطر، ولولا أنه صاحب الحادثة المخوفة لما تفطّن إلى مثل ذلك أبدا؛ لأنه ضرب من علم الغيب، وإنما الخوف دلّه على استنباط ما استنبطه.
ووجد لبعض الأدباء لغز في حمّام؛ فمنه ما أجاد فيه؛ كقوله: وقد أظلّتها سماء ذات نجوم، لا استراق لها ولا رجوم، وهي مركبة في فلك صحت استدارته، وسكنت إدارته:
أعجب بها من أنجم ... عند الصّباح ظاهره
لكنّها إذا بدا ... نجم الظّلام غائره
فهي على القياس جنة نعيم، مبنية على لظى جحيم، لا خلود فيها ولا مقام، ولا تزاور بين أهلها ولا سلام، أنهارها متدفقة، ومياهها مترقرقة، والأكواب بها موضوعة، والنمارق عنها منزوعة:
يطيع بها المولى أوامر عبده ... ويصبح طوعا في يديه مقاتله
ويرفع عنه التّاج عند دخوله ... وتسلب من قبل الجلوس غلائله
стр. 612
هذا اللغز من فصيح الألغاز، ولا يقال: إن صاحبه في العمى صانع العكاز، وإذا تطرز غيره بلمعة من الوشي فهذا كله طراز.
ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات ما يحكى عن عمر بن هبيرة وشريك النميري، وذاك أن عمر بن هبيرة كان سائرا على برذون له، وإلى جانبه شريك النميري على بغلة، فتقدمه شريك في المسير، فصاح به عمر:
اغضض من لجامها، فقال: أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة «١» ، فتبسم عمر ثم قال له: ويحك! لم أرد هذا، فقال له شريك: ولا أنا أردته.
وكان عمر أراد قول جرير «٢» :
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأجابه شريك بقول الآخر «٣» :
لا تأمننّ فزاريّا نزلت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «٤»
وهذا من الألغاز اللطيفة، وتفطّن كل من هذين الرجلين لمثله ألطف وأحسن.
ومما يجري هذا المجرى أن رجلا من تميم قال لشريك النميري: ما في الجوارح أحب إليّ من البازي؟ فقال له شريك: إذا كان يصيد القطا.
стр. 613
وكان التميمي أراد قول جرير «١» ؛
أنا البازي المطلّ على نمير ... أتيح من السّماء لها انصبابا
وأراد شريك قول الطّرمّاح «٢» :
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت
واعلم أن خواطر الناس تتفاضل كتفاضل الأشخاص، ومن ههنا قيل: سبحان خالق أبي موسى وعمرو بن العاص.
стр. 614
النوع الثاني والعشرون في المبادي والافتتاحات
هذا النوع هو أحد الأركان الخمسة البلاغية المشار إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب.
وحقيقة هذا النوع: أن يجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالّا على المعنى المقصود من ذلك الكلام: إن كان فتحا ففتحا، وإن كان هناء فهناء، أو كان عزاء فعزاء، وكذلك يجري الحكم في غير ذلك من المعاني.
وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد به ولم هذا النوع.
والقاعدة التي يبني عليها أساسه أنه يجب على الشاعر إذا نظم قصيدا أن ينظر؛ فإن كانت مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير بين أن يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل، بل يرتجل المديح ارتجالا من أولها، كقول القائل:
إن حارت الألباب كيف تقول ... في ذا المقام فعذرها مقبول
سامح بفضلك مادحيك فما لهم ... أبدا إلى ما تستحقّ سبيل
إن كان لا يرضيك إلّا محسن ... فالمحسنون إذا لديك قليل
فإن هذا الشاعر ارتجل المديح من أول القصيدة فأتى به كما ترى حسنا لائقا.
وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث؛ كفتح مقفل أو هزيمة جيش أو غير ذلك؛ فإنه لا ينبغي أن يبدأ فيها بغزل، وإن فعل ذلك دلّ على ضعف قريحة الشاعر وقصوره عن الغاية، أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه.
فإن قيل: إنك قلت: يجب على الشاعر كذا وكذا، فلم ذلك؟
стр. 615
قلت في الجواب: إن الغزل رقة محضة، والألفاظ التي تنظم في الحوادث المشار إليها من فحل الكلام ومتين القول، وهي ضدّ الغزل، وأيضا فإن الأسماع تكون متطلعة إلى ما يقال في تلك الحوادث، والابتداء بالخوض في ذكرها، لا الابتداء بالغزل؛ إذ المهم واجب التقديم.
ومن أدب هذا النوع ألّا يذكر الشاعر في افتتاح قصيدة المديح ما يتطير منه، وهذا يرجع إلى أدب النفس، لا إلى أدب الدرس؛ فينبغي أن يحترز منه في مواضعه، كوصف الديار بالدّثور والمنازل بالعفاء، وغير ذلك من تشتت الآلاف وذم الزمان، لا سيما إذا كان في التهاني؛ فإنه يكون أشد قبحا، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطيّر منه سامعه.
وإنما خصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام؛ فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفّرت الدواعي على استماعه، ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن، كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور، وكذلك الابتداءات بالنداء، كقوله تعالى في مفتتح سورة النساء: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة
وكقوله تعالى في أول سورة الحج: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم
فإن هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وكذلك الابتداءات بالحروف، كقوله تعالى: ألم*
وطس
وحم*
وغير ذلك؛ فإن هذا أيضا مما يبعث على الاستماع إليه؛ لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس له بمثله عادة؛ فيكون ذلك سببا للتطلع نحوه والإصغاء إليه.
ومن قبيح الابتداءات قول ذي الرمة:
ما بال عينك منها الماء ينسكب «١»
стр. 616
لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لا خفاء بقبحه وكراهته.
ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا «١»
قال له عند ذلك: لا، بل منك، وتطير من قوله؛ فغيرها ذو الرمة؛ وقال:
خفّ القطين فراحوا اليوم أو بكروا
ومن شاء أن يذكر الديار والأطلال في شعره فليتأدب بأدب القطامى على جفاء طبعه، وبعده عن فطانة الأدب؛ فإنه قال:
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل «٢»
فبدأ قبل ذكر الطلل بذكر التحية والدعاء له بالسلامة، وقد قيل: إن امرأ القيس كان يجيد الابتداء، كقوله:
ألا انعم صباحا أيّها الطّلل البالي «٣»
وكقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «٤»
стр. 617
ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام:
تجرّع أسى قد أقفر الجرع الفرد «١»
وإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبّعه للتجنيس بين تجرع والجرع، وهذا دأب الرجل؛ فإنه كثيرا ما يقع في مثل ذلك.
وكذلك استقبح قول البحتري:
فؤاد ملاه الحزن حتّى تصدّعا «٢»
فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، وهو أجدر بأن يكون ابتداء مرئية لا مديح، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي الشعراء.
وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله وأصحابه، وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم؛ فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم؛ فاستأذن إسحق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد، فأذن له، فأنشد شعرا حسنا أجاد فيه، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها، فقال:
يا دار غيّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الّذي أبلاك
فتطير المعتصم بذلك، وتغامز الناس على إسحق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا، فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى، وخرب القصر.
فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السّلميّ حيث قال:
стр. 618
قصر عليه تحيّة وسلام ... خلعت عليه جمالها الأيّام
وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم؛ فإنه لو ذكر هذا أو ما جرى مجراه لكان حسنا لائقا.
وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال: من أجاد الابتداء والمطلع؛ ألا ترى إلى قصيدة أبي نواس التي أولها:
يا دار؛ ما فعلت بك الأيّام ... لم تبق فيك بشاشة تستام
فإنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وهي مع ذلك مستكرهة الابتداء؛ لأنها في مدح الخليفة الأمين، وافتتاح المديح بذكر الديار ودثورها مما يتطيّر منه، لا سيما في مشافهة الخلفاء والملوك.
ولهذا يختار في ذكر الأماكن والمنازل ما رقّ لفظه، وحسن النطق به، كالعذيب والغوير ورامة وبارق والعقيق، وأشباه ذلك.
ويختار أيضا أسماء النساء في الغزل نحو سعاد وأميم وفوز، وما جرى هذا المجرى.
وقد عيب على الأخطل في تغزّله بقذور، وهو اسم امرأة؛ فإنه مستقبح في الذكر، وقد عيب على غيره التغزل باسم تماضر، فإنه وإن لم يكن مستقبحا في معناه فإنه ثقيل على اللسان، كما قال البحتري:
إنّ للبين منّة لا تؤدّى ... ويدا في تماضر بيضاء
فتغزله بهذا الاسم مما يشوّه رقّة الغزل، ويثقل من خفته، وأمثال هذه الأشياء يجب مراعاتها والتحرز منها.
وقد استثنى من ذلك ما كان اسم موضع تضمن وقعة من الوقائع؛ فإن ذكره لا يكره، وإن كان في اسمه كراهة، كما ذكر أبو تمام في شعره مواضع مكروهة الأسماء لضرورة ذكر الوقائع التي كانت بها، كذكر الحشال وعقوقس وأمثالهما، وكذلك ذكر أبو الطيب المتنبي هنزيط وشميصاط وما جرى مجراهما، وهذا لا عيب
стр. 619
في ذكره؛ لمكان الضرورة التي تدعو إليه، وهكذا يسامح الشاعر والكاتب أيضا في ذكر ما لا بد من ذكره وإن قبح، ومهما أمكنه من التورية في هذا المقام فليسلكها، وما لا يمكنه فإنه معذور فيه.
واعلم أنه ليس من شرط الابتداء ألّا يكون مما يتطير منه فقط؛ فإن من الابتداءات ما يستقبح وإن لم يتطير منه، كقول أبي تمام:
قدك اتّئب أربيت في الغلواء «١»
وكقوله «٢» :
تقي جماتي لست طوع مؤنّبى «٣»
وكقول أبي الطيب المتنبي:
أقلّ فعالي بله أكثره مجد «٤»
وكقوله:
كفّي أراني ويك لومك ألوما «٥»
стр. 620
والعجب أن هذين الشاعرين المفلقين يبتدئان بمثل ذلك، ولهما من الابتداءات الحسنة ما أذكره.
أما أبو تمام فإنه افتتح قصيدته التي مدح بها المعتصم عند فتحه مدينة عمّورية فقال:
السّيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ والّلعب
بيض الصّفائح لا سود الصّحائف في ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وهذه الأبيات لها قصة، وذاك أنه لما حضر المعتصم مدينة عمورية زعم أهل النّجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا، حتى شاع، وصار أحدوثة بين الناس، فلما فتحت بنى أبو تمام مطلع قصيدته على هذا المعنى، وجعل السيف أصدق من الكتب التي خبّرت بامتناع البلد واعتصامها؛ ولذلك قال فيها:
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السّبعة الشّهب
أين الرّواية أم أين النّجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرّصا وأحاديثا ملفّقة ... ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب
وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
وكذلك قوله في أول قصيدة يمدحه بها أيضا، ويذكر فيها خروج بابك الخرمي عليه، وظفره به، وهي من أمهات شعره، فقال:
الحقّ أبلج والسّيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار
وكذلك قوله متغزلا:
عسى وطن يدنو بهم ولعلّما ... وأن تعتب الأيّام فيهم فربّما
وهذا من الأغزال الحلوة الرائقة، وهو من محاسن أبي تمام المعروفة.
وكذلك قوله في أول مرثية:
أصمّ بك النّاعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
стр. 621
وأما أبو الطيب فإنه أكثر من الابتداءات الحسنة في شعره؛ كقوله في قصيدة يمدح بها كافورا؛ وكان قد جرت بينه وبين ابن سيده نزغة، فبدأ قصيدته بذكر الغرض المقصود، فقال:
حسم الصّلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسّاد
وهذا من بديع الابتداء ونادره.
وكذلك ورد قوله في سيف الدولة، وكان ابن الشّمشقيق «١» حلف ليلقينّه كفاحا، فلما التقيا لم يطق ذلك، وولى هاربا، فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر، فقال:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم
وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دلّ أنّك في الميعاد متّهم
وكذلك قوله وقد فارق سيف الدولة وسار إلى مصر، فجمع بين ذكر فراقه إياه ولقائه كافورا في أول بيت من القصيدة، فقال:
فراق ومن فارقت غير مدمّم ... وأمّ ومن يمّمت خير ميمّم
ومن البديع النادر في هذا الباب قوله متغزلا في مطلع قصيدته القافية، وهي:
أتراها لكثرة العشّاق ... تحسب الدّمع خلقة في المآقي
وله مواضع أخر كثيرة لا حاجة إلى ذكرها.
стр. 622
ومن محاسن الابتداءات التي دلت على المعنى من أول بيت في القصيدة ما قرأته في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، فإنه ذكر غزوة غزاها الرشيد هرون ﵀ في بلاد الروم، وأن نقفور ملك الروم خضع له، وبذل الجزية، فلما عاد عنه واستقر بمدينة الرقة وسقط الثلج نقض نقفور العهد، فلم يجسر أحد على إعلام الرشيد؛ لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعارا في إعلامه، فكلّهم أشفق من لقائه بمثل ذلك، إلا شاعرا من أهل جدة يكنى أبا محمد، وكان شاعرا مفلقا، فنظم قصيدا وأنشدها الرشيد، أولها:
نقض الّذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنّه ... فتح أتاك به الإله كبير
نقفور؛ إنّك حين تغدر- أن نأى ... عنك الإمام- لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنّك مفلت ... هبلتك أمّك! ما ظننت غرور
فلما أنهى الأبيات قال الرشيد: أو قد فعل؟ ثم غزاه في بقية الثلج وفتح مدينة هرقلة.
وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني ما رواه من شعر سديف في تحريض الخليفة السّفّاح ﵀ علي بني أمية، فقال: قدم سديف من مكة إلى الحيرة، والسفاح بها، ووافق قدومه جلوس السفاح للناس، وكان بنو أمية يجلسون عنده على الكراسي تكرمة لهم؛ فلما دخل عليه سديف حسر لثامه، وأنشده أبياتا من الشعر؛ فالتفت رجل من أولاد سليمان بن عبد الملك، وقال لآخر إلى جانبه:
قتلنا والله العبد، فلما أنهى الأبيات أمر بهم السفاح فأخرجوا من بين يديه وقتلوا عن آخرهم، وكتب إلى عماله بالبلاد يأمرهم بقتل من وجدوه منهم، ومن الأبيات:
أصبح الدّين ثابتا في الأساس ... بالبهاليل من بني العبّاس «١»
стр. 623
أنت مهديّ هاشم وهداها ... كم أناس رجوك بعد إياس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا ... واقطعن كلّ رقلة وغراس
أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس
خوفهم أظهر التّودّد فيهم ... وبهم منكم كحزّ المواسي
أقصهم أيّها الخليفة واحسم ... عنك بالسّيف شأفة الأرجاس
واذكرن مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس «١»
ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من منابر وكراسي
وهذه الأبيات من فاخر الشعر ونادره افتتاحا وابتداء وتحريضا وتأليبا، ولو وصفتها من الأوصاف بما شاء الله وشاء الإسهاب والإطناب لما بلغت مقدار ما لها من الحسن.
ومن لطيف الابتداءات ما ذكره مهيار «٢» ، وهو:
стр. 624
أما وهواها عذرة وتنصّلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا
سعى جهده، لكن تجاوز حدّه ... وكثّر فارتابت، ولو شاء قللا
فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض النسيب، وكان وشي به إلى الممدوح، فافتتح قصيدته بهذا المعنى فأحسن.
ومما جاء على نحو من ذلك قول بعض المتأخرين من العراقيين:
وراءك أقوال الوشاة الفواجر ... ودونك أحوال الغرام المخامر
ولولا ولوع منك بالصّدّ ما سعوا ... ولولا الهوى لم أنتدب للمعاذر
فسلك في هذا القول مسلك مهيار، إلا أنه زاد عليه زيادة حسنة، وهي المعاتبة على الإصغاء إلى أقوال الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى.
ومن الحذاقة في هذا الباب أن تجعل التحميدات في أوائل الكتب السلطانية مناسبة لمعاني تلك الكتب، وإنما خصصت الكتب السلطانية دون غيرها لأن التحاميد لا تصدر في غيرها؛ فإنها تكون قد تضمنت أمورا لائقة بالتحميد، كفتح مقفل أو هزيمة جيش، أو ما جرى هذا المجرى.
ووجدت أبا إسحق الصابي- على تقدمه في فن الكتابة- قد أخلّ بهذا الركن الذي هو من أوكد أركان الكتابة، فإذا أتى بتحميدة في كتاب من هذه الكتب لا تكون مناسبة لمعنى ذلك الكتاب، وإنما تكون في واد والكتاب في واد، إلا ما قل من كتبه.
فما خالف فيه مطلع معناه «١» أنه كتب كتابا يتضمن فتح بغداد وهزيمة الأتراك «٢» عنها، وكان ذلك فتحا عظيما؛ فابتدأ بالتحميد، فقال: الحمد لله رب
стр. 625
العالمين، الملك الحقّ المبين، الوحيد الفريد، العلي المجيد، الذي لا يوصف إلا بسلب الصفات، ولا ينعت إلا برفع النعوت، الأزلي بلا ابتداء، الأبدي بلا انتهاء، القديم لا منذ أمد محدود، الدائم لا إلى أجل معدود، الفاعل لا من مادة استمدّها، ولا بآلة استعملها، الذي لا تدركه الأعين بلحاظها، ولا تحدّه الألسن بألفاظها، ولا تخلقه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، ولا تضارعه الأجسام بأقطارها، ولا تجانسه الصور بأعراضها، ولا تجاريه أقدام النظر أو الأشكال، ولا تزاحمه مناكب القرناء والأمثال، بل هو الصّمد الذي لا كفء له، والفذّ الذي لا توأم معه، والحي الذي لا تخرمه المنون، والقيوم الذي لا تشغله الشئون، والقدير الذي لا تئوده المعضلات، والخبير الذي لا تعييه المشكلات.
وهذه التحميدة لا تناسب الكتاب الذي افتتح بها، ولكنها تصلح أن توضع في صدر مصنّف من مصنفات أصول الدين، ككتاب الشامل للجويني، أو كتاب الاقتصاد، أو ما جرى مجراهما، وأما أن توضع في صدر كتاب فتح فلا.
وهو وإن أساء في هذا الموضع فقد أحسن في مواضع أخر، وذاك أنه كتب كتابا عن الخليفة الطائع رحمه الله تعالى إلى الأطراف عند عوده إلى كرسي ملكه، وزوال ما نزل به وبأبيه المطيع ﵀ من فادحة الأتراك؛ فقال «١» : الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ثلم «٢» ، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضمّ نشرهم، ويشدّ أزرهم، ويصلح ذات بينهم «٣» ، ويحفظ الألفة عليهم، وإن شابت ذلك في الأحيان شوائب من الحدثان فلن يتجاوز «٤» بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينبّه ذاهلهم، ثم إنهم عائدون إلى فضل «٥» ما أولاهم الله وعوّدهم، ووثّق لهم ووعدهم، من إيمان
стр. 626
سربهم «١» ، وإعذاب شربهم، وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون.
وهذه تحميدة مناسبة لموضوع الكتاب، وإن كانت المعاني فيها مكررة كالذي أنكرته عليه وعلى غيره من الكتّاب، وقدمت القول فيه في باب السجع؛ فليؤخذ من هناك.
ومن المبادي التي قد أخلقت وصارت مزدراة أن يقال في أوائل التقليدات:
إن أحق الخدم بأن ترعى خدمة كذا وكذا، وإن أحق من قلّد الأعمال من اجتمع فيه كذا وكذا؛ فإن هذا ليس من المبادي المستحسنة، ومن استعمله أوّلا فقد ضعفت فكرته عن اقتراح ما يحسن استعماله من المبادىء، والذي تبعه في ذلك إما مقلّد ليس عنده قوة على أن يختار لنفسه، وإما جاهل لا يفرق بين الحسن والقبيح والجيد والرديء، وأهل زماننا هذا من الكتاب قد قصروا مبادي تقاليدهم على هذه الفاتحة دون غيرها، وإن أتوا بتحميدة من التحاميد كانت مباينة لمعنى التقليد الذي وضعت في صدره، وكذلك قد كان الكتاب يستعملون في التقليدات مبدأ واحدا لا يتجاوزونه إلى غيره، وهو «هذا ما عهد فلان إلى فلان» والتحميد خير ما افتتح به التقليدات وكتب الفتوح وما جرى مجراهما، وقد أنكرت ذلك على مستعمله في مفتتح تقليد أنشأته بولاية وال فقلت: كانت التقليدات تفتتح بكلام ليس بذي شأن، ولا يوضع في ميزان، ولا يجتنى من أفنان، وغاية ما يقال هذا ما عهد فلان إلى فلان، وتلك فاتحة لم تكن جديدة فتخلق بتطاول الأيام، ولا حسنة النظم فيضاهى بمثلها من ذوات النّظام، وهذا التقليد مفتتح بحمد الله الذي تكفّل لحامده بالزيادة، وبدأ النعمة ثم قرنها من فضله بالإعادة، وهو الذي بلغ بنا [من] مآرب الدينا منتهى الإرادة، وسلّم إلينا مقاده فذلل لنا بها كل مقادة، ووسّد الأمر منا إلى أهله فاستوطأت الرعايا منه على وسادة، ونرجو أن يجمع لنا بين سعادة الأولى والأخرى حتى تتصل هذه السعادة بتلك السعادة، ثم نصلّي على نبيه محمد الذي ميّزه الله
стр. 627
على الأنبياء بشرف السيادة، وجعل انشقاق القمر له من آيات النبوة وانشقاق الإيوان من آيات الولادة، وعلى آله وأصحابه الذين شادوا الدين من بعده فأحسنوا في الإشادة، وبسطت عليهم الدنيا كما بسطت على الذين من قبلهم فلم يحولوا عن خلق الزّهادة، أما بعد كذا وكذا، ثم أنهيت التقليد إلى آخره.
ومن الحذاقة في هذا الباب أن يجعل الدعاء في أول الكتاب من السلطانيات والإخوانيات وغيرهما مضمّنا من المعنى ما بني عليه ذلك الكتاب، وهذا شيء انفردت بابتداعه، وتراه كثيرا فيما أنشأته من المكاتبات؛ فإني توخّيته فيها وقصدته.
فمن ذلك ما كتبته في الهناء بفتح، وهو: هذا الكتاب مشافه بخدمة الهناء للمجلس السامي الفلاني جدّد الله له في كل يوم فتحا، وبدل عرش كل ذي سلطان لديه صرحا، وجعل كلّ موقف من مواقف جوده وبأسه يوم فطر ويوم أضحى، وكتب له على لسان الإسلام ولسان الأيام ثناء خالدا ومدحا، وأسكنه بعد العمر الطويل دارا لا يظمأ فيها ولا يضحى، ثم أخذت بعد ذلك في إنشاء الكتاب المتضمن ما يقتضيه معاني ذلك الفتح.
ومن ذلك ما ذكرته في الهناء بمولود، وهو: جدّد الله مسرّات المجلس السامي الفلاني ووصل صبوح هنائه بغبوقه، وأمتعه بسليله المبشّر بطروقه، وأبقاه حتى يستضىء بنوره ويرمي عن فوقه، وسرّ به أبكار المعاني حتى تخلق أعطافها بخلوقه، وجعله كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، ثم أخذت في إتمام الكتاب بالهناء بالمولود على حسب ما اقتضاه ذلك المعنى.
فتأمل ما أوردته ههنا من هذين المثالين، وانسج على منوالهما فيما تقصده من المعاني التي تبني عليها كتبك؛ فإن ذلك من دقائق هذه الصناعة.
وأما فواتح الكتب التي أنشأتها فمنها ما اخترعته اختراعا ولم أسبق إليه، وهي عدة كثيرة، وقد أوردت ههنا بعضها.
فمن ذلك مفتتح كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: نشأت سحابة من سماء الديوان العزيز النبوي جعل الله الخلود لدولته أوطانا، والحدود لها أركانا، ونصب
стр. 628
أيامها في أيام الدهر أحيانا، وصوّرها في وجهه عينا وفي عينه إنسانا، ومدّ ظلّها على الناس عدلا وإحسانا، وجمع الأمم على دين طاعتها وإن تفرّقوا أديانا، وأتاها من معجزات سلطانه ما لم ينزل به لغيرها سلطانا، فارتاح الخادم لا لتقائها، وبسط يده لاستسقائها، وقال: رحمة مرسلة لا تخشى رعودها، ولا تخلف وعودها، ومن شأنها ترويض الصنائع التي تبقي آثارها، لا الحمائل التي تذوي أزهارها، وقد يعبر عن الكتاب ونائله، بالسحاب ووابله؛ فإن صدر عن يد كيد الديوان العزيز فقد وقع التشبيه موقع الصواب، وصدق حينئذ قول القائل: إن البحر عنصر السحاب، لكن فرق بين ما يجود بمائه، وما يجود بنعمائه، وبين ما يسم الأرض الماحلة، وبين ما يسمي الأقدار الخاملة، وما زالت كتب الديوان العزيز تضرب لها الأمثال، وتصرف نحوها الآمال، ويرى الحسد فيها حسدا وإن عدّ في غيرها من سييء الأعمال. وهذا فصل من أول الكتاب.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان وأرسلته إليه من الموصل إلى أرض الشمال من بلاد الروم، وهو: طلع كوكب من أفق المجلس السامي لا خلت سيادته من عدو وحاسد، ولا شينت بتوأم يخرجها عن حكم الواحد، ولا عدمت صحبة الجدود المتيقّظة في الزمن الراقد، ولا أوحشت الدينا من ذره الخالد الذي هو عمر خالد، ولا زال مرفوعا إلى المحل الذي يعلم به أن الدهر للناس ناقد، والكواكب تختلف مطالعها في الشمال والجنوب؛ فمنها ما يطلع دائما في أحدهما وهو في الآخر دائم الغروب، وكتاب المجلس كوكب لم ير بهذه الأرض مطلعه، وإن علم من السماء أين موضعه، ولما ظهر الآن للخادم سبّح له حامدا، وخرّ له ساجدا، وقال: قد عبدت الكواكب من قبلي فلا عجب أن أكون لهذا الكوكب عابدا، وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس:
هذا ابن كبشة الكتاب «١» لا ابن أبي كبشة الشّعرى.
وهذا مطلع غريب، والسياقة التالية لمطلعه أغرب، ومن أغرب ما فيها قولي «وها أنا قد أصبحت بالعكوف على عبادته مغرى، وقال الناس هذا ابن كبشة
стр. 629
الكتاب لا ابن أبي كبشة الشعري» والمراد بذلك أن ابن كبشة «١» كان رجلا في الجاهلية يعبد الشّعرى فخالف بذلك دين قومه، ولما بعث النبي ﷺ قالت قريش:
هذا قد خالف ديننا، وسموه «ابن أبي كبشة» أي أنه قد خالفنا كما خالف أبو كبشة قومه في عبادة الشعرى، فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابي هذا فجاء كما تراه مبتدعا غريبا.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان بالشام، وهو: طلعت من الغرب شمس فقيل: قد آذنت أشارط الساعة بالاقتراب، ولم يعلم أن تلك الأنوار إنما هي أنوار الكتاب، لم تألف الأبصار من قبله أن تطلع الشمس من المغرب، وليس ذلك إلا كتاب المجلس لا سلبه الله مزية هذا الوصف الكريم، وأتاه من الفضل ما يقال معه وفوق كلّ ذي علم عليم، وأحيا النفوس من كلمها بروح كلمه كما شفي غليلها من أقلامه بسقيا الكليم، ولما ورد عن الخادم صار ليله نهارا، وأصبح الناس في الحديث به أطوارا، والمنصف منهم يقول: قد جرت الشمس إلى مستقرّها والشمس لا تجد قرارا.
وهذا الكتاب في الحسن والغرابة كالذي قبله.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو:
تأوّب زور من جانب المجلس السامي أدنى الله داره، وجعل كلماته التامة جاره، وأشهد أفعال التقوى ليله وأفعال المكارم نهاره، ووهبه من أعوام العمر طواله ومن أعوام العيش قصاره، ولا أقدر السابقين إلى المعالي أن يجروا معه ولا أن يشقوا غباره، وليس ذلك الزّور إلا سطورا في قرطاس، ولا فرق بين الكتاب وبين مرسله في ملاطفة الإيناس، والله لا يصغر ممشى هذا الزائر، ويقر عيني برؤيته حتى لا أزال به قرير الناظر، ومع هذا فإني عاتب لتأخره وههنا مظنة العتاب، ومن تأخر عنه كتاب صديقه فلا بدّ أن يخطر له خاطر الارتياب، والضّنين بالمودّة «٢» لا يرى إلا ظنينا، وقد قيل إنها وديعة وقليلا ما تجد على الودائع أمينا.
стр. 630
وهذا فصل من أول الكتاب.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو:
سنحت روضة من جانب المجلس السامي جعل الله المعالي له رداء، ونهايات المساعي له ابتداء، وفداه بمن يقصر عن درجته حتى تكون الأكارم له فداء، وهدى المحامد لأفعاله وأهدى البقاء لأيامه حتى يجتمع له الأمران هدى وإهداء، وأتاه من السيادة ما يجعل أعداءه أصادق ومن السعادة ما يجعل أصدقاءه أعداء، فاستنشق الخادم رباها، وتلقى بالتحية محيّاها، واستمتع بأزهارها التي أنبتها سقيا الأقلام لا سقي الغمام، وقال: هذا ربيع الأرواح لا ربيع الأجسام، ولو رام الإحاطة بوصفها لكانت الأقوال المطولة فيها مختصرة، ولكنه اكتفى بأن رفعها على رأسه حتى يتمثل أن الجنة في شجرة، ومن أوصافها أنها جاءت رائدة ومن شأن الروض أن يرتاد، وحلت محاسنها التي هي في غيرها من حظ البصر وفيها من حظ السمع والبصر والفؤاد، ولما سرّح فيها نظره وجد شوقه حمامة تغرد في أكنافها، وتردّد الشّجى لبعد أليفها إذا رددته الحمائم لقرب ألّافها، وهذا قول له عند إخوان الصفاء علامة، وإذا تمثل كتاب الحبيب روضة فهل يتمثل شوق محبّه إلا حمامة، وأيّ فرق بين هذه وبين أخواتها من ذوات الأطواق؟ لولا أنها تملي شجوها على صفحات القلوب وتلك تمليه على عذبات الأوراق.
وهذا فصل من الكتاب، وهو غريب عجيب، وفيه معنيان مبتدعان، وأعجبهما وأغربهما قولي: «حتى يتمثل أن الجنة في شجرة» وهذا مستخرج من الحديث النبوي.
ومن جملة الكتب المشار إليها مفتتح كتاب كتبته إلى بعض الإخوان، وهو:
تضوّعت نفحة من تلقاء المجلس السامي رعى الله عهده وسقاه، وصان ودّه ووفاه، ويسر لي إلقاء العصا بملقاه، فعطرت الطريق التي سايرتها، والريح التي جاورتها، وأتت فأفرشتها خدي، وضممت عليها ودي، وجعلتها درعا لجيبي ولطيمة لردني وسخابا لعقدي، وعلمت أنها ليست بنفحة طيب، ولكنها كتاب حبيب، فإن مناشق الأرواح غير مناشق الأجسام، ولا يستوي عرف الطّيب وعرف الأقلام، ثم مددت
стр. 631
يدي إلى الكتاب بعد أن صافحت يد موصله، كما صافحت عبقة مندله، وقلت:
أهلا بمن أدنى من الحبيب مزارا، وأهدى لعيني قرّة ولقلبي قرارا.
وهذا في الغرابة كأخواته التي تقدمت.
ولم أستقص ما اخترعته من هذا الباب في مطالع الكتب.
وأما ما أتيت فيه بالحسن من المعاني ولكنه غير مخترع؛ فمن ذلك مطلع كتاب كتبته عن الملك نور الدين أرسلان بن مسعود صاحب الموصل إلى الملك الأفضل علي بن يوسف يتضمن تعزية وتهنئة: أما التعزية فبوفاة أخيه الملك العزيز عثمان صاحب مصر، وأما التهنئة فبوراثة الملك من بعده، وهو: لا يعلم القلم أينطق بلسان التعزية أم بلسان التهنية، لكنه جمعهما جميعا فأتى بهما على حكم التثنية، وفي مثل هذا الخطب يظل القلم حائرا، وقد وقف موقف السخط والرضا فسخط أولا ثم رضي آخرا، وهذا البيت الناصريّ يتداول درجات العلى فما تمضي إلا وإليه ترجع، وشموسه وأقماره تتناقل مطالع السعود فما يغيب منها غائب إلا وآخر يطلع، والناس إن فجعوا بماجد ردفه من بعده ماجد، وإن قيل إن الماضي كان واحدا قيل بل الآتي هو الواحد.
وهذا فصل من أول الكتاب، ثم كتبت في هذا المعنى كتابين آخرين، وفي الذي أوردته من هذا الفصل مقنع.
ومن هذا الأسلوب ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وكانت الكتب قد انقطعت بيني وبينه زمانا، وهو: لقاء كتب الأحباب كلقاء الأحباب، وقد تأتي بعد يأس منها فيشتبه لها دمع السرور بدمع الاكتئاب، ومن أحسنها كتاب المجلس السامي الفلاني جعل الله الليالي له صحبا والمعاني له عقبا، ورفع مجده فوق كل ماجد حتى تكون حسناتهم لدى حسناته ذنبا، ولا زال اسمه في الأفواه عذبا وذكره في الألسنة رطبا، ووده لكل إنسان إنسانا ولكل قلب قلبا.
ثم انتهيت إلى آخر الكتاب على هذا النّسق. وإنما ذكرت ههنا مبتدأه لأنه الغرض المقصود في هذا الموضع.
ومن ذلك ما كتبته إلى بعض الإخوان جوابا عن كتابه، وهو: البشرى تعطى
стр. 632
للكتاب كما تعطى لمرسله، وكل منهما يوفّى حق قدره وينزل في منزله، وكذلك فعل الخادم بكتاب المجلس السامي الفلاني لا زال محله أنيسا، وذكره للفرقدين جليسا، وسعيه على المكارم حبيسا، ومجده جديد الملابس إذا كان المجد لبيسا.
وههنا ذكرت من هذا الكتاب «١» كما ذكرته من الذي قبله فإني لم أذكر إلا مبدأه الذي هو الغرض.
ومما ينتظم في هذا السلك ما كتبته في صدر كتاب يتضمن تعزية، وهو: لو لم يلبس قلمي ثوب الحداد لهجر مداده، ونضي عنه سواده، وبعد عن قرينته، وعاد إلى طينته، وحرم على نفسه أن يمتطي يدا، أو يجري إلى مدى، لكنه أحدّ فندب، وبكى فسكب، وسطر هذا الكتاب من دموعه، وضمنه ما حملته أحناء ضلوعه، وإنما استعار ذلك من صاحبه الذي أعداه، وأبدى إليه من حزنه ما أبداه، وهو نائب عنه في تعزية سيدنا أحسن الله صبره، ويسر أمره، وأرضى عنه دهره.. ثم أنهيت الكتاب إلى آخره.
ومن محاسن هذا الباب أن يفتتح الكتاب بآية من القرآن الكريم، أو بخبر من الأخبار النبوية، أو ببيت من الشعر، ثم يبني الكتاب عليه.
فمن ذلك ما كتبته في ابتداء كتاب يتضمن البشرى بفتح، وهو:
ومن طلب الفتح الجليل فإنّما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصّوارم «٢»
وقد أخذنا بقول هذا الشاعر الحكيم، وجعلنا السيف وسيلة إلى استنتاج الملك العقيم، وراية المجد لا تنصب إلا على النّصب، والراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب «٣» ، وكتابنا هذا وقد استولينا على مملكة فلانة، وهي المملكة التي
стр. 633
تمسي الآمال دونها صرعى، وإذا قيس إليها غيرها من الممالك كانت أصلا وكان غيرها فرعا. وهذا فصل من أول الكتاب.
ومن ذلك ما كتبته في مفتتح تقليد بالحسبة، وهو: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون
هذا أمر يشتمل على معنى الخصوص دون العموم، ولا يختصّ به إلا ذوو الأوامر المطاعة وذوو العلوم، وقد جمع الله لنا هذين الوصفين كليهما، وجعلنا من المستحلفين عليهما، فلنبدأ أولا بحمده الذي هو سبب للمزيد، ثم لنأخذ في القيام بأمره الذي هو على كل نفس منه رقيب عتيد، ولا ريب أن إصلاح العباد يسري إلى الأرض حتى تزكو بطونها وتنام عيونها، ويشترك في بركات السماء ساكنها ومسكونها، والأمر بذلك حمل إن لم تتوزّعه الأكفّ ثقل على الرقاب، وإذا انتشرت أطراف البلاد فإنها تفتقر إلى مساعدة من مستنيب ومستناب، وقد اخترنا لمدينة فلانة رجلا لم نأل في اختياره جهدا، وقدّمنا فيه خيرة الله التي إذا صدقت نيتها صادفت رشدا، وهو أنت أيها الشيخ فلان، فابسط يدك بقوة إلى أخذ هذا الكتاب، وكن كحسنة من حسناتنا التي يرجح بها ميزان الثواب، وحقّق نظرنا فيك فإنه من نور الله الذي ليس دونه حجاب. فتأمل كيف فعلت في هذه الآية التي بنيت التقليد عليها، وهو من محاسن المبادي والافتتاحات.
وكذلك فعلت في موضع آخر، وهو مفتتح كتاب كتبته إلى شخص كلفته السفارة إلى مخدومه في حاجة عرضت، وهو: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا
هذا القول تتبع آثاره، وتحمل عليه أنظاره، وأولى الناس بسيدنا من شاركه في لحمة أدبه، وإن لم يشاركه في لحمة نسبه؛ فإن المناقب أقارب والمآثر أواصر:
وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلّا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب
ونتيجة هذه المقدمة بعث خلقه الكريم على عوارف أفضاله، واستهداء صنيعة جاهه
стр. 634
التي هي أكرم من صنيعة ماله «١» ، ولا تجارة أربح من هذه التجارة، والساعي فيها شريك في الكسب بريء من الخسارة.
وأما الأخبار النبوية فيسلك بها هذا المسلك: بأن يذكر الخبر في صدر الكتاب، ثم يبني عليه.
ولنذكر منها ولو مثالا واحدا، وهو توقيع كتبته لولد رجل من أصحاب السلطان توفي والده ونقل ما كان باسمه إليه، فقلت: قال النبي ﷺ «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أوكلّا أو ضياعا فإليّ وعليّ» وهذا خلق من الأخلاق النبوية لا مزيد على حسنه، وأساليب المكارم بأسرها موضوعة في ضمنه، ونحن نرجو أن نمشي على أثره فنتنزل منزلة رديفه، أو أن نتشبه به فنبلغ مبلغ مدّه أو نصيفه، وقد أرانا الله ذلك في قوم صحبونا فأسعفناهم بمباغي الإنعام، وأحمدناهم صحبة الليالي والأيام، وتكفّلنا أيتامهم من بعدهم حتى ودّوا أن يكونوا هم الأيتام، وهذا فلان ابن فلان ﵀ ممن كان له في خدمة الدولة قدم صدق، وأولية سبق، وحفظ كتاب المحافظة عليها فقيل له في تلاوته اقرأ وارق؛ ثم أنهيت التوقيع إلى آخره، فتأمل مفتتح هذا التوقيع فإنه تضمن نصّ الخبر من غير تغيير، وقد ضمنته بعض خبر آخر من الأخبار النبوية، وهو قوله «اقرأ وارق» قال النبي ﷺ : «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها» .
وقد مثلت لك ههنا أمثالا يقتدى بها، فاحذ حذوها، وامض على نهجها.
والله الموفق للصواب.
стр. 635
النوع الثالث والعشرون في التخلص والاقتضاب
وهذا النوع أيضا كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب.
وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جلّ همتك؛ فإنه مهمّ عظيم من مهمات البلاغة.
أما التخلص- وهو أن يأخذ مؤلّف الكلام في معنى من المعاني فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه- فيكون بعضه آخذا برقاب بعض؛ من غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا، وذلك مما يدلّ على حذق الشاعر، وقوة تصرفه؛ من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته، وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء؛ فلذلك يشقّ التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر.
وأما الاقتضاب فإنه ضدّ التخلص، وذاك: أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك، ولا يكون للثاني علاقة بالأول.
وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين، وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة.
فمن ذلك قول أبي تمام «١» :
следующие страницы →