← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وغيرُهُ (١) ممن رَحلَ منهم في الحديثِ ﵃. وهذا حجةٌ لمنْ يحتجُّ بفعلِ الصحابيِّ. ولو قيلَ: إنَّهُ إجماعٌ لسكوتِ الباقينَ فيصلحُ حجةً للجميعِ، لمْ يكنْ بعيداً. تتمةُ كلامِ ابنِ الصّلاحِ: ((وقَدْ رُوِّيْنا أنَّ يحْيَى بنَ معينٍ قيلَ لهُ - في مرَضِهِ الذي ماتَ فيهِ -: ما تَشْتَهِي؟ قالَ: بَيتٌ خالٍ وإسْنادٌ عالٍ)) (٢). قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((العُلُوُّ يُبْعِدُ الإسْنادَ مِنَ الخللِ، لأنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ رِجالِهِ يحتملُ أنْ يَقَعَ الخللُ مِنْ جِهَتِهِ سَهْواً أوْ عَمْداً، ففي قِلَّتِهِمْ قِلَّةُ جِهاتِ الخللِ وفي كَثْرتِهمْ كَثْرَةُ جِهات الخللِ، وهذا جَلِيٌّ واضِحٌ)) (٣). قولُهُ: (قُرْبٌ أو قُرْبَةٌ) (٤) إن كانتْ هذه عبارةُ ابنِ أسلمَ (٥) فهي مانعةُ خُلوٍّ، بمعنى: أنّهُ لا يخلو الواقعُ عنهما، وقدْ يجتمعانِ إذا صلُحتِ النّيةُ، وإنْ كانتْ عبارةُ

стр. 1052

الرّاوي عنهُ لشكٍّ حصلَ لَهُ في عبارتِهِ فيمكنُ أنْ يكونَ أرادَ بالقربِ قلّةَ الوسائطِ. وبالقربةِ: المحصلِ للثوابِ وأنْ يكونَ معناهُ في كلا اللفظينِ التقرّبَ الذي يُوصِلُ إلى الثوابِ، وهوَ في لفظِ القربةِ / ٢٥٤ أ / أظهرُ، ويمكنُ أنْ يكونَ المرادُ بكلٍّ: قلّةَ الوسائطِ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنّ مَا أُخِذَ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ فهو مأخوذٌ عن جبريلَ ﵇، عن اللهِ ربِّ العالمينَ. ولفظُ القربِ بهِ أجدرُ، وكلامُ ابنِ الصلاحِ ظاهرٌ في هذا الثاني فإنّهُ قالَ: ((وهذا كَما قالَ؛ لأنَّ قُرْبَ الإسْنادِ قُرْبٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، والقُرْبُ إليه قُربٌ إلى اللهِ )) (١). وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((قدْ عظُمتْ رغبةُ المتأخرينَ في طلبِ العلوِّ، حتى كانَ ذلكَ سَبباً لخللٍ كثيرٍ في الصنعةِ، وقالوا: العُلوُّ قرب مِنَ اللهِ تعالى، وهذا كلامٌ يحتاجُ إلى تحقيقٍ وبحثٍ - كأنَّه يُشيرُ إلى أنَّا إن حملناهُ على قلةِ عددِ الرجالِ فكذلكَ، فدارَ الأمرُ على الصحةِ فلا يَنْبغي البحثُ عَنْ غيرِها (٢) - وقالَ بعضُ الزُّهادِ: طلبُ العُلوِّ منْ زينةِ الدُنيا (٣). وهذا كلامٌ واقعٌ، وهو الغالبُ عَلَى الطَّالبين لذلكَ، ولا أعلمُ وجهاً جيِّداً لترجيحِ العلوِّ، إلا أنَّهُ أقربُ إلى الصحةِ وقلةِ الخَطأ، فإنَّ الطالبينَ يتفاوتونَ في الإتقان، والغالبُ عَدَم الإتقان في أبناءِ الزمانِ، فإذا كثُرت الوسائطُ ووقَعَ مِن كُلِّ واسطةٍ تساهلٌ ما، كثُر الخطأُ والزَللُ)) (٤). قولُهُ: (في مَجيءِ الأعْرَابيِّ) (٥) هو ضِمامُ بنُ ثعلبةَ (٦) روى حديثَهُ

стр. 1053

الشّيخانِ (١) وغيرُهُمَا (٢) عنْ أنسٍ ﵁ وهذا لفظُ مسلمٍ قالَ: ((كنا نُهِينَا في القُرآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْل البَادِيَةِ، العَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمعُ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: ياَ مُحَمَّدُ، أتانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ [تَزْعُمُ] (٣) أَنَّ الله أَرْسلَكَ؟ قَالَ: صَدَقَ ... )) الحديث. قوله: (لأنكرَ عليهِ) (٤) إنْ قيلَ عدمُ إنكارِهِ إنّمَا يفيدُ جوازَهُ، قيلَ: لما كانت الرحلةُ لهذا - المصاحبةُ لإجهادِ النّفسِ وإنفاقِ المالِ وإنضاءِ الظهرِ بعدَ إخبارِ رسولِهِ العدلِ - تشبهُ أنْ تكونَ تعنّتاً، وأقرّهُ عليها ﷺ ولمْ ينهَ عنها، معَ تضمُنِهَا لفتحِ مَا ربما جرَّ إلى مفسدةِ التعنّتِ، عُلِمَ أنْ الإقرارَ لمصلحةٍ راجحةٍ وهي علوُّ الإسنادِ والانتقالُ منَ الظنِّ إلى القطعِ، وهكذا كلّ سندٍ، فإنَّ الراويَ / ٢٥٤ ب / إذا سَمِعَ الحديثَ عنْ موجودٍ أفادَهُ سماعُهُ الظنَّ بأنَّ ذلكَ الموجودَ قالَهُ، فإذا رَحَلَ إليهِ وسمعَهُ منهُ قطعَ بأنّهُ قالَهُ، فإنْ قيلَ: إنّمَا جاءَ ليتشرفَ برؤيةِ النّبيّ ﷺ ، قيلَ: لا يمنعُ أنْ يكونَ ذلكَ منْ مقاصدِهِ لكنَّ ابتداءهُ قدومهِ بالسؤالِ وهوَ واقفٌ، ورجوعه عقبَ فراغهِ منْ غيرِ مُكثٍ لحظةً واحدةً بعدَهُ يدلُّ على أنَّ المقصودَ الأعظمَ إنّما هو علوّ الإسنادِ.

стр. 1054

واستدلّ الحاكمُ بقولِهِ تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (١). ووجهُ الدلالةِ أنّهُ حثّهُمْ على السّماعِ منه ﷺ ، معَ أنّهم غيرُ محتاجينَ إلى السّفرِ لذلكَ؛ لأنّ المقصودَ علمُهم بذلكَ، والنّبيّ ﷺ مأمورٌ بالتبليغِ لكلّ أحدٍ قربَ أو بَعُدَ، فلو أقاموا لأتتْهُم رسلُه، لكنَّ الظاهرَ أنَّ أمرَهُم بذلكَ إنّما هو للتخفيفِ عَلَى النّبيِّ ﷺ بكونِ أصحابِهِ ﵃ عندَهُ يعينونَهُ عَلَى غيرِ ذلكَ منْ مهماتِ الدّينِ وَليقوَى إيمانُ منْ رآهُ ﷺ وشاهدَ تلكَ الأحوالَ وكحّلَ عينيِهِ برؤيةِ ذلكَ الجمالِ، وتشنّفَ سمعُهُ بِدُرِّ ذلكَ المقالِ، فسمِعَ بأُذنِهِ منهُ ﷺ القرآنَ، وشاهدَهُ بعينهِ في حركاتِهِ وسكناتِهِ في السّرِ والإعلانِ ففاضتْ عليهِ تلكَ الأسرارُ، وغمرتهُ هاتيكَ الأنوارُ، فلعلهُ يكونُ مانعاً لكثيرٍ منْ قومِهِ منَ الردّةِ أوْ غيرِهَا، ممَا لعله يَهمّ بمواقعتِهِ منَ العظائمِ. قوله: (مَنْ يَزعُمُ أَنَّ الخبرَ أقوى مِنَ القياسِ) (٢)، أي: منْ يزعمُ أنّهُ لا يسوغُ القياس معَ إمكانِ الوصولِ إلى الخبرِ، فيمعن في الفحصِ عنهُ إلى أنْ يصلَ إلى اليأسِ منْ وجودِهِ، ليكونَ المعنى حينئذٍ أنّهُ يجبُ عليهِ أنْ يجتهدَ في تحصيلِ متنِ الحديثِ وفي معرفةِ تأويلهِ؛ لأنّهُ لا يسوغُ لَهُ استعمالُ الضعيفِ بحضرةِ القويِّ، ومَا دامَ مترجياً لَهُ فهو يعدهُ حاضراً، لكنَّ هذا التعليلَ لا يخصُّ النّزولَ، بلْ تارةً يترجاهُ بعلوٍّ، وتارةً بنزولٍ وهوَ معَ القناعةِ بالنّزولِ أقربُ إلى ضعفِ الخبرِ؛ لأنَّ مظانَّ الخللِ فيهِ أكثرُ فلمْ يُفدْ هذا التعليلُ شيئاً. هذا مَا قالَهُ / ٢٥٥ أ / شيخُنَا أو نحوه.

стр. 1055

وأحسنُ منه فيما يظهرُ لي أنْ تكونَ العبارةُ على ظاهرِهَا، ويعللَ بأنّ العلوَّ قلَّ أنْ يوجدَ معَ غايةِ الإتقانِ؛ لأنّهُ يتوقفُ عَلى حداثةِ الآخذِ وعلوّ سنِّ المأخوذِ عنهُ، وقلّ أنْ يوجدَ في واحدٍ منَ السِّنَّينِ تمامُ الضبطِ، ويؤيدُ هذا ما رَوَى ابنُ خلاّدٍ بعدَ هذا في مَن لا يرى الرحلةَ، عنْ عمرَ (١) بنِ يزيدَ السّيّاريِّ أنّهُ قالَ: ((دخلتُ عَلى حماد بنِ زيدٍ وهوَ شاكٍ فقلتُ: حدَّثني بحديثِ غيلانَ بنِ جريرٍ (٢)، فقالَ: يا فتى، سألتُ غيلانَ بنَ جريرٍ وهو شيخٌ، ولكن حَدَّثَني أيوبُ، قلتُ: حدّثني بهِ عنْ أيوبَ، فَحَدَّثَني)) (٣). فهذا وجهُ تفضيلِ النّزولِ في الجملةِ. وأمّا أنّهُ يخصُّ منْ يجعلُ الخبرَ أقوى منَ القياسِ وهم الجمهورُ، فلا يظهرُ وجهُهُ، ولا حُسن العبارةِ عندَ إرادتِهِ، وقد راجعتُ نسختينِ منَ "المحدّثِ الفاصلِ"، إحديهما بخطِّ الحافظِ أبي طاهرٍ أحمدَ بنِ محمدٍ السِّلفيِّ، فوجدتُ العبارةَ كمَا نُقِلَ عنه، والذي أكادُ أقطع بهِ معَ ذلكَ أنها مقلوبةٌ وأنّ أصلَهَا ((هذا مذهبُ منْ يزعمُ أنَّ القياسَ أقوى منَ الخبرِ)) فإنَّ مَا يعبرُ فيهِ بـ ((الزعمِ)) يكونُ مرذولاً، وقائلُهُ قليلاً، والذينَ يقدّمونَ القياسَ ويجوّزونَ فسخَهُ بهِ قليلٌ جداً، وأمّا

стр. 1056

الأولُ فالقائلُ بهِ جمهورُ النّاسِ وهوَ الصحيحُ الذي لا يعدلُ عنهُ، فلا يصلحُ التعبير في جانبِهِ بـ ((زعمَ)) عَلَى مَا تعورفَ، ويكونُ مرادُ ابنُ خلاّدٍ التشنيع عليهِ بأنَّ مرادَهُ إسقاطُ خبرِ الواحدِ، فإنّه إذا فضّلَ النّزولَ أبطلَ الرحلةَ، ومتى بطلتِ الرحلةُ، قلَّتِ الرغبةُ في الخبرِ وسقطَ كثيرٌ منهُ وضعفَ أمرهُ فآلَ ذلكَ إلى عدمهِ، وعدمِ التعويلِ عليهِ. ويدلُّ على هذا أنهُ قالَ عقبهُ: ((وفي الاقتصارِ على التنزيلِ [في الإسنادِ] (١) إبطالُ الرحلةِ))، قالَ: ((وقالَ بعضُ متأخري الفقهاءِ يذمُّ أهلَ الرحلةِ)) فذكرَ ما حاصلُهُ: إنَّهم بغوا على غيرهِم فبدَّعوهُم، ونسبوهُم إلى الرأيِ، وجعلوا الرأيَ في الدورانِ فضيعوا ما وجبَ عليهم من حق مَن يلزمهم حقُّهُ، وحرموا أنفسهُم الراحةَ فحُرِموا لذةَ الدنيا واستوجَبُوا العقابَ / ٢٥٥ ب / في الآخرَة (٢) لخبرٍ لا يفيدُ طائلاً، وأثرٍ لا يورثُ نفعاً، وذكرَ أنّ بعضَ المحدثينَ عارضَهُ بأنَّه من قومٍ صعبَ عليهم اختيارُ الأحاديثِ ونقدُ الرجالِ، فاستلذوا الراحةَ، وعادَوْا ما جهلوا، واقتصروا على المباهاةِ بالملابسِ، ولزومِ أبوابِ الرؤساءِ والخدمةِ للأغتام (٣)، وصيدِ الأموالِ، واقتصُروا على الأخذِ من الصحفِ وإن كانتْ مضادةً للسننِ، ولو عرفَ لذةَ الراحلِ وما يحصلُ لهُ منَ النَّشاطِ عندَ جوبِ الأقطارِ، والاطلاعِ على الأمصارِ، وخلطةِ المخالفينَ في اللسانِ والأخلاقِ والألوانِ في ذاتِ اللهِ، وكنهَ ما يصلُ إليهِ عندَ ظفرهِ ببغيتهِ من ضبطِ الشريعةِ وجمعها، واستنباطِها من معادنِها التي أوجبتْ لهذا الطاعنِ التصدُّرَ إلى السواري وعقدَ المجالسِ للفتيا، لعلمَ أنَّهُ أعظمُ لذاتِ الدنيا، ثمَّ وصفهم بأنَّ الله حفظَ بهم القرآنَ الذي ضمنَ حفظَهُ فقالَ: ((ووكلَ بالآثارِ المفسِّرةِ للقرآنِ

стр. 1057

والسننِ القويةِ الأركانِ: عِصابةً منتخبةً، وفقهم لطِلاَبِها وكِتابِها، وقوَّاهم على رعايتِها وحراستِها، وحببَ إليهمْ قراءتَها ودراستَها، وهوّنَ عليهم الدأبَ والكلالَ، والحلَ والترحالَ، وبذلَ النفوسِ والأموالِ، وركوب المخوفِ منَ الأهوالِ، فهم يرحلونَ من بلادٍ إلى بلادٍ، خائضينَ منَ العلمِ في كلِّ وادٍ، شُعثَ الرؤوسِ، خلقانَ الثيابِ، خُمْصَ البُطونِ، ذُبْلَ الشفاهِ، شحبَ الألوانِ، نُحُلَ الأبدانِ، قد جعلوا الهمَّ همَّاً واحداً، ورضوا بالعلمِ دليلاً ورائداً، لا يقطعهم عنهُ جوعٌ ولا ظمأٌ، ولا يُمِلُّهمْ منهُ صيفٌ ولا شتاءٌ، مائزينَ الأثرَ: صحيحَهُ من سقيمِهِ، وقويَّهِ من ضعيفِهِ، بألبابٍ حازمةٍ، وآراءٍ ثاقبةٍ، وقلوبٍ للحقِّ واعيةٍ، فأمنت تمويهَ المموهينَ، واختراعَ الملحدينَ، وافتراءَ الكاذبينَ، فلو رأيتهم في ليلهم وقد انتصبوا لنسخِ ما سمعُوا، وتصحيحِ ما جمعوا، هاجرين لِلفَرشِ الوطيّ، والمضجعِ الشهيِّ، قد غشيهُم النُّعاسُ فأنامهم، وأسقطَ من أكفهم أقلامَهم، فانتبهوا مذعورينَ، قد أوجع الكدُّ أصلابهم، وتيِّه الكلالُ ألبابهم، فتمطوا ليريحوا الأبدانَ، وتحولوا ليفقدوا النومَ من مكانٍ إلى مكانٍ، ودلَّكوا بأيديهم عيونهم، ثمَّ عادوا إلى الكتابةِ حرصَاً عليها / ٢٥٦ أ /، وميلاً بقلوبِهم إليها، لعلمتَ أنَّهم حرسُ الإسلامِ، وخُزّانِ الملكِ العلامِ، فإذا قضوا من بعضِ ما راموا أوطارهم، انصرفوا قاصدينَ ديارهم، فَلزموا المساجِدَ، وعمَّرُوا المشاهدَ، لابسين ثوبَ الخضوعِ، مسالمينَ ومسلمينَ، يمشونَ على الأرضِ هوناً، لا يؤذونَ جَاراً، ولا يقارفونَ عَاراً حتى إذا زاغَ زائغٌ، أو مرقَ في الدينِ مارقٌ، خرجوا خروجَ الأُسْدِ من الآجامِ، يناضلونَ عن معالمِ الإسلامِ. في كلامٍ غيرِ هذا يطولُ (١). وقالَ بعضُ الشعراءِ (٢) المحدّثِين:

стр. 1058

ولقد غدوتُ على المحدّثِ آنفاً ... فإذا بحضْرَتهِ ظباءٌ رُتعُ يتجاذبون الحِبْرَ من ملمومَةٍ ... بيضاءَ تحمِلُها عَلائِقُ أربعُ من خالصِ البلّورِ غُيِّرَ لونُها ... فكأنها سبَحٌ يَلوحُ فيَلْمَعُ فمتى أمالوهَا لِرَشْفِ رُضابها ... أدَّاهُ فُوهَا وهي لا تتمنَّعُ فكأنَّها قَلبي يُظنُ بسرِّه ... أبداً ويُكْتَمُ كل ما يُسْتودعُ يَمْتَاحُها ماضِي الشَّباةِ مُدلقٌ ... يجري بميدَانِ الطُروس فيُسرعُ فكأنّه والحبْرُ يْخضِبُ رأسَهُ ... شيخٌ لوصَل خريدةٍ يتصَنَّعُ ألا ألاحظه بعَيْنِ جلالةٍ ... وبه إلى اللهِ الصحائف تُرفعُ (١) ورُويَ عن رجلٍ يقالُ له: الحطيم، قالَ في سفيانَ بن عيينةَ وكانَ مع هارونَ: سيري نجاءً وقاكِ اللهُ من عطبٍ ... حتى تُلاقي بعدَ البيتِ سُفيانا شيخُ الأنامِ ومَنْ جلتْ مناقبُهُ ... لاقى الرجالَ وحازَ العلمَ أزمانا حَوَى البيانَ وفهماً عالياً عجباً ... إذا يَنُصُّ حديثاً نصَّ برهانَا قد زانهُ الله أنْ دانَ الرجالَ لهُ ... فقد يراهُ رواةُ العلمِ رَيحانَا ترى الكهُولَ جميعاً عندَ مشهدهِ ... مستنصتينَ وشيخاناً وشُبَّانا يضُمُّ عَمْراً إلى الزهريِّ يسندُه ... وبعدَ عمرٍو إلى الزهريِّ صفوانا وعبدة وعبيدَ اللهِ ضمهما ... وابنَ السبيعيَّ أيضاً وابنَ جُدْعَانا فعنهُمُ عن رسول الله يوسِعُنا ... علماً وحكماً وتأويلاً وتبيانا (٢)

стр. 1059

وُرويَ عن الأصمعيِّ أنُّه قالَ يرثي سفيانَ بنَ عيينةَ: ليبكِ (١) سفيانَ باغي سُنة درستْ ... ومُستبينُ أثاراتٍ وآثارِ أمست منازلُهُ وُحْشاً معطلة ... من قاطنينَ وحُجاجٍ وعُمّارِ فالشِّعبُ شِعبُ عليٍّ بعدَ بهجتهِ ... قد ظلَّ منهُ خلاءٌ موحش الدارِ مَنْ للحديث عن الزهريِّ يُسندُهُ ... وللأحاديثِ عن عمرِو بن دينارِ ما قامَ مِنْ بعدهِ من قالَ حدثنا الـ ... ـزهري في أهلِ بدوٍ أو بإحضارِ وقد أراهُ قريباً من ثلاثِ منىً ... قد حُفَّ مجلسه من كُلِّ أقطارِ بنو المحابرِ والأقلام مُرْهَفَة/٢٥٦ب/ ... وسا سماتٍ فَرَاهَا كُلُّ نجَّارِ (٢) وأنشد لرجلٍ وَفدَ على يزيدَ بنِ هاورنَ منْ حرّانَ: أقبلتُ أهوي على حيزوم طافيةٍ ... في لجةِ اليمِّ لا ألوي على سكنِ حتى أتيتُ إمامَ النَّاسِ كلِّهم ... في الدينِ والعلمِ والآثارِ والسننِ أبغي بهِ اللهَ لا الدنيا وزهرتَها ... ومن تغنَّى بدينِ الله لم يَهُنِ يا لذةَ العيشِ لما (٣) قلتُ حدَّثنا ... عوفٌ وبشرٌ عن الشعبيِّ والحسنِ (٤) وأنشدَ في ذمِّ تركِ الروايةِ: ومن بطونِ كراريس روايتهم ... لو ناظروا باقلاً يوماً لما غُلبوا والعلمُ إنْ فاتَهُ إسنادُ مسندهِ ... كالبيتِ ليسَ لهُ سقفٌ ولا طُنُبُ (٥)

стр. 1060

وقالَ بعضُ أصحابنا وأنشدنَاه: توقفْ ولا تُقدِمْ على العلمِ حادِسَاً ... فحدسُ الفتى في العلمِ يُبدي المعايبا فليسَ طلابُ العلمِ بالحدسِ مدركَاً ... ولو كانَ فهمُ المرءِ كالنجمِ ثاقبَاً ولكنْ بترحالٍ ورحْلٍ منَ الفتى ... وانضائِهِ في الحالتينِ الركائبَا وقضقضةُ الأوجالِ منه ضلوعَهُ ... وخلخلةِ الأهوالِ منهُ الترائبَا وإصباحِهِ في المشرقين مشارقاً ... لِشمسيهما والمغربين مغاربَا (١) وقالَ سعيدُ بنُ وهب في الإمامِ مالكِ بن أنسٍ: يَأبى الجوابَ فما يراجعُ هيبةً ... والسائلونَ نواكسُ الأذقانِ هديُ التقيِّ وعزُّ سلطانِ الهدى ... فهوَ العزيزُ وليسَ ذا سلطانِ (٢) انتهى قولُ ابنِ خلادٍ. وقلتُ أنا: هذا بتعظيمِ الملوكِ العلمَ لا ... مثلَ الملوكِ بهذهِ الأزمانِ قولُهُ: (وهذا مَذْهَبٌ ضَعِيفُ الحجَّةِ) (٣)، أي: مذهبُ مَن فَضَّلَ النزولَ. وعبارُة ابنِ الصّلاح: ((فَكُلَّما زادُوا - أي: الرواةُ (٤) - كانَ الاجتهِادُ أكثَرَ، وكانَ الأجْرُ أكثرَ، وهذا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، ضعيفُ الحجَّةِ)) (٥).

стр. 1061

قولُهُ: (الجماعة التي هي المقصودُ) (١) هذا تشبيهُ شيئينِ بشيئينِ، وهما طريقُ الحديثِ بطريقِ المسجدِ، وصحةُ الحديثِ الذي هو المعنى المقصود منَ الطريقِ بالجماعةِ التي هي جُلُّ المعنى المقصودِ من المسجدِ. فهذا السالكُ للطريقِ البعيدةِ أقربُ إلى فواتِ الجماعةِ من سالكِ القريبةِ، كما أنَّ الراوي بالسندِ النازلِ أقربُ إلى الوقوعِ في الضعفِ، وفَوات الحديثِ بفواتِ صحتهِ من الراوي بالسندِ العالي؛ لأنَّ كثرةَ الوسائطِ مظنَّةٌ لحصولِ نوعٍ من (٢) الضعفِ والعللِ / ٢٥٧ أ /. قولُهُ: (عَلَى ما سيأتي) (٣)، أي: عن السِّلَفيِّ في أبياتهِ الداليةِ (٤) وعن غيرهِ. قولُهُ: (غير ضعيفٍ) (٥) صفةٌ كاشفةٌ لمعنى ((نَظيفٍ)) لا مقيِّدة. قولُهُ: (ويَغْنَمُ) (٦) هو بالغينِ المعجمةِ كالفعلِ المضارعِ من الغنيمةِ (٧). قولُهُ: (فلا التفاتَ إلى هذا العلوِّ لا سِيَّمَا إنْ كانَ فيهِ بعضُ الكذَّابينَ المتأخِّرِينَ مِمَّن ادَّعَى سماعاً من الصحابةِ) (٨) السِيّ: بكسرِ السينِ وتشديدِ التحتانيةِ، المثلُ، و ((مَا)) يمكنُ أنْ تكونَ زائدةً، وأنْ تكونَ موصولةً، وأن تكونَ

стр. 1062

موصوفةَ المذكورِ بعدَ ((لا سيما)) مخرجٌ مما قبلَها من حيثُ كونُه أولى بحكمهِ فهوَ مستثنى من هذه الحيثيةِ، ويجوزُ جرُّ ما بعدها بإضافةِ ((سيّ)) إليهِ، و ((ما)) زائدةٌ أو نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ، والاسمُ بعدَها بدلٌ منها، ويجوزُ رفعُه بقلَّةٍ وهو خبرُ مبتدأ محذوف، و ((ما)) بمعنى الذي، ويُنصبُ الاسمُ بعدَهَا سماعَاً. ورُويَ بالأوجهِ الثلاثةِ قولُ امرئ القيسِ: ... ... ... ... ... ... ... ولا سِيما يوماً بدَارةِ جُلْجُلِ (١) وتكلّفوا له وجوهاً: منها تقديرُ فعلٍ نحو: أعني. وتصرَّفوا في هذه اللفظةِ تصرفاتٍ كثيرةً، لكثرةِ دَوْرِها، فربما حُذفت لامُها، وربما دخلتْ عليه مُخففة، أو مُثقلة مع حذفِ ((لا)) ووجودِها [مع] (٢) واوٍ كهذا البيت، وهي اعتراضيةٌ؛ لأنَّها معَ ما بعدها بتقديرِ جملةٍ مستقلةٍ نحو: فأنتِ طالقٌ، والطلاقُ البتةُ ثلاثاً. فمعنى جاءني القومُ لا سيما زيدٌ: لا مثلهُ موجودٌ بين القومِ الجائينَ، أي: أنَّه كانَ أخصَّ بي وأشدَّ إخلاصاً في المجيءِ، وخبرُ ((لا)) - وهي للتبرئةِ - محذوفٌ، وقد يحذفُ بعدها ك: أنا أحبُّ زيداً لا سيما راكباً، أو إن رَكبَ، فيصيرُ من باب الاختصاصِ، أي: أخصُّهُ بالمحبةِ خصوصاً حالَ كونهِ راكباً. وجوابُ الشّرطِ - إنْ كانَ ما بعدها شرطاً - مدلولٌ خصوصاً. فتقديرُ ((ما)) هنا على الجر لا مثل كونِ بعض المتأخرينَ، وعلى الرفعِ لا مثل الذي هو كونُ بعضِهِم فيهِ، وعلى تقديرِ الواوِ لا مثل الذي هو معرضٌ عنهُ أو غيرُ ملتفتٍ إليه إن كانَ إلى آخرهِ وعلى الاختصاصِ.

стр. 1063

وأعرضَ عنهُ خصوصاً إنْ كانَ فيهِ كذا فخصَّهُ بمزيدِ إعراضٍ (١). قولُهُ: (بعَوالي أَبي هُدْبَةَ) (٢) هي كنيةُ إبراهيمَ بن هدبةَ (٣) الماضي. قولُهُ: (ثمانيةُ) (٤) فإذا روينا نحنُ من طريقهِ يكونُ أقلُّ / ٢٥٧ ب / ما بيننا وبينَ النبيِّ ﷺ أحدَ عشرَ، فإنّا أخذنا عن أصحابِ أصحابهِ. قولُهُ: (إمام مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ) (٥) تتمةُ كلامِ ابنِ الصّلاح: ((وإنْ كَثُرَ العددُ مِنْ ذَلِكَ الإمام إلى رسولِ الله ﷺ ، فإذا وُجِدَ ذَلِكَ في إسْنادٍ وُصِفَ بالعُلُوِّ، نُظِرَ إلى قُرْبهِ مِنْ ذَلِكَ الإمامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عالياً بالنسْبَةِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وكلامُ الحاكِمِ يُوهِمُ أنّ القُرْبَ مِنْ رسُولِ اللهِ ﷺ لا يُعَدُّ مِنَ العُلُوِّ المطلوبِ أصْلاً وهذا غَلَطٌ مِنْ قائِلِهِ؛ لأنَّ القُرْبَ منهُ ﷺ بإسْنادٍ نَظِيْفٍ غيرِ ضَعِيْفٍ أوْلَى بذلكَ، ولا يُنازِعُ في هذا مَنْ لهُ مُسْكَةٌ (٦) مِنْ مَعرفةٍ، وكأنَّ الحاكِمَ أرادَ بكلامِهِ [ذَلِكَ] (٧) إثباتَ العُلُوِّ للإسْنادِ بِقُرْبِهِ مِنْ إمامٍ، وإنْ لَمْ يكُنْ قَريباً إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، والإنكارَ عَلَى مَنْ يُراعي في ذَلِكَ مُجَرَّدَ قُرْبِ الإسنادِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وإنْ كانَ إسناداً

стр. 1064

ضَعِيْفاً، ولهذا مَثَّلَ بحديثِ أبي هُدْبَةَ، ودِينارٍ (١)، [و] (٢) الأشَجِّ (٣) وأشْبَاهِهِمْ، والله أعلم)) (٤). وقالَ الأَنْدَرشيُّ (٥) في اختصارِ كتابِ ابنِ الصَّلاحِ (٦) في مقدمةِ كتابه " العُمدةِ " في اختصارهِ لتهذيبِ الكمالِ والأطرافِ للمزيِّ: ((وما أحسنَ قولَ من قالَ: طلبُ العلوِّ من زينةِ الدنيا)). هذا معَ ما انضمَّ إلى هذا بسببِ ملاحظتهِ من خللٍ كثيرٍ في الصنعةِ، وللالتفاتِ إلى هذا قالَ بعضهم: إنَّ الروايةَ بالنّزولِ عنِ الثقاتِ الأعدَلِينا ... خيرٌ من العَالي عن الجُهَّالِ والمستضعفينَا قولُهُ: (يشيرُ إلى ترجيحِ هذا القِسم عَلَى غيرِهِ) (٧)، أي: غيره مما ساواهُ في العددِ، لا ما هو أنزلُ منهُ؛ لأنَّ ذلكَ تحصيلٌ للحاصلِ؛ إذ قد قُررَ في أصلِ المسألةِ رجحانُ العالي على النازلِ، ولا ما هو أعلى منهُ؛ لأنَّهُ خلافُ صريحِ القاعدةِ، فتعيَّنَ

стр. 1065

حملهُ على المساوي الصحيحِ الذي ليسَ فيهِ إمامٌ من هؤلاءِ. وقولُهُ: (وإنَّهُ المقصودُ من العلُوِّ) (١)، أي: لأنَّ الوصولَ إلى النبيِّ ﷺ هو المقصودُ لذاتهِ، وأما العلوُّ إلى غيرهِ فليسَ مقصوداً لذاتِهِ، فهذا أرجحُ منهُ، ويكفي في تفضيلهِ أنَّه الذي إذا أطلقَ لم يفهم غيرُه، وإذا أُريدَ غيرهُ وجبَ عندَ أهلِ الفنِّ تقييدُهُ، فإنَّهُ إنَّما سُمي عُلواً بالنسبةِ إلى ذلكَ الإمامِ. قولُهُ: (وأَعلى ما يَقعُ ... ) (٢) إلخ أصلُ الكلام: أعلى الواقعِ / ٢٥٨ أ / من الرواةِ - بين الرواةِ الموجودينَ في زماننا وبينَ شيوخِنا ومن [في] (٣) رتبتِهم - كائنٌ على تفصيلٍ، هو: أن بينَهم وبينَ الأعمشِ كذا، وبينَهم وبينَ غيرهِ كذا. قولُهُ: (وهشيمٍ) (٤) وقعَ في بعضِ النُّسخِ عدُّهُ في الجماعةِ الأولينَ الذين بين الشيوخِ وبينهم ثمانيةٌ، وهو غلطٌ، والنسخةُ المعتمدةُ أنَّهُ في الجماعةِ التي تليها ممن بينهم وبينهم سبعةٌ، فالتعبيرُ في الثاني بثمانيةٍ غلطٌ أيضاً في تلك النسخةِ (٥). قولُهُ: (علوَّ التَنزيلِ) (٦)، أي: لسببٍ: أنَّا إذا نَسبْنا إسنادَنَا إلى إسنادِ ذلكَ الكتابِ نَزلنا - في رتبةِ كلِّ راوٍ من رواةِ هذا السندِ - راوياً من رواةِ ذلكَ السندِ حتى نعلمَ هل هو أعلى، أو مساوٍ، أو أنزلُ. وعبارةُ ابنِ دقيقِ العيدِ عنهُ: ((علوُّ التنزيلِ، وهو الذي يُولعونَ بهِ، وذلك أن تنظرَ إلى عددِ الرجالِ بالنسبةِ إلى غايةٍ: إمَّا إلى النبيِّ ﷺ ، أو إلى بعضِ رواةِ

стр. 1066

الحديثِ، ويُنظر العددُ بالنسبةِ إلى هؤلاءِ الأئمةِ وتلكَ الغايةِ، فَتُنزل بعض الرواةِ منَ الطريقِ التي تُوصلُنا إلى المصنفينَ منزلةَ بعضِ الرواةِ منَ الطريق التي ليستْ من جهتهم)) (١). قولُهُ: (وقد يكونُ عالياً مطلقاً أَيضاً) (٢)، أي: بأنْ يكونَ طريقُهُ إلى أحدِ الكتبِ الستةِ مثلاً كالطريقِ إلى غيرها، لا يوجدُ شيءٌ أعلى من ذلك، أو يكونَ علوُّهُ ليسَ بالنسبةِ إلى نزولِهِ منْ طريقِ أحدِ الستةِ فقطْ، بلْ وإلى غيرِ ذلكَ منَ الطرق، فلا توجدُ طريق أعلى من ذلك. ففي هذا الاعتبارِ هو أعلى من غيرهِ، وفي الأولِ ليسَ غيرُهُ أعلى منهُ. وعبارتُهُ في " النكتِ " (٣): ((أطلقَ المصنفُ أنّ هذا النوعَ من العلوِّ تابعٌ لنزولٍ وليسَ ذلكَ على إطلاقهِ وإنَّما هو الغالبُ، وقد يكونُ غيرَ تابعٍ لنزولٍ بلْ يكونُ عالياً من حديثِ ذلكَ الإمامِ أيضاً. مثالُ ذلكَ: حديثُ ابن مسعودٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قالَ: ((كانَ على موسى يومَ كَلَّمَهُ اللهُ كساء صوفٍ وجُبَّةُ صوفٍ ... )) الحديثَ. رَواهُ التِّرمذيُّ (٤) عن علي بنِ حُجرٍ، عَن خَلَفِ بنِ خليفةَ، عَن حميدٍ الأعرَجِ، عَن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عَن ابن مسعود ﵁. وقد وقعَ لنا عالياً

стр. 1067

بدرجتينِ. أخبَرني بهِ أبو الفتحِ محمدُ بنُ محمدِ / ٢٥٨ ب / بنِ إبراهيمَ الميدوميُّ (١)، قالَ: أخبرنا أبو الفرجِ عبدُ اللطيفِ بنُ عبدِ المنعمِ الحرانيُّ (٢)، ح. وأخبرني أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ الأنصاريُّ (٣) بقراءتي عليهِ (٤) في الرحلةِ الأولَى، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الدّائمِ المقدسيُّ (٥) قراءةً عليهِ وأنا حاضرٌ، قالا: أخبرنا عبدُ المنعمِ بنُ عبدِ الوهابِ (٦)، قالَ: أخبرنا عليُّ بن

стр. 1068

أحمدَ بنِ محمدِ بن بَيَانٍ (١)، قالَ: أخبرنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ مخلدٍ (٢)، قالَ: أخبرنا إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفَّارُ (٣)، قالَ: أخبرنا الحسنُ بنُ عرفةَ (٤)، قالَ: حدثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن حميدٍ الأعرجِ، [عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ] (٥)، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((يومَ كلَّمَ اللهُ موسى ﵇ كانت عليهِ جُبّةُ صوفٍ، وسراويلُ صوفٍ، وكساءُ صوفٍ، وكمّةُ صوفٍ، ونعلاهُ من جلدِ حمارٍ غيرِ ذَكِيٍّ (٦))). فهذا الحديثُ بهذا الإسنادِ لا يقعُ لأحدٍ في هذه الأزمانِ أعلى منهُ على وجهِ الدنيا من حيث العددُ، وهو علوٌّ مطلقٌ ليسَ تابعاً لنزولٍ فإنَّه عالٍ للترمذيِّ أيضاً

стр. 1069

فإنّ خلفَ بنَ خليفةَ من التابعينَ وأعلى ما يقعُ للترمذيِّ روايتُهُ عن أتباعِ التابعينَ، وأمّا علوُّ طريقنا فأمرٌ واضحٌ فإنّ شيخَنا أبا الفتحِ آخِرُ من رَوَى عن النجيبِ عبدِ اللطيفِ بالسَّماعِ، والنجيبُ آخرُ من رَوَى عن عبدِ المنعمِ بنِ كليبٍ بالسماعِ، وابنُ كليبٍ آخِرُ من رَوَى عن ابنِ بيانٍ، وابنُ بيانٍ آخِرُ من رَوَى عن ابنِ مَخْلدٍ، وابنُ مخلدٍ آخِر من رَوَى عن الصَّفَّارِ، والصَّفَّارُ آخِرُ مَن رَوَى عن ابنِ عرفةَ، وابنُ عرفةَ آخِرُ من رَوَى عن خلفِ بنِ خليفةَ، وخلفُ بنُ خليفةَ آخِرُ من رأى الصحابةَ ﵃ فهو علوٌ مطلقٌ، والله أعلمُ)). وهو غيرُ مسلمٍ لهُ. والصوابُ ما قالَ ابنُ الصّلاحِ (١)، لأنَّ العلوَ منَ الأمورِ النسبيةِ التي لا يتحققُ مفهومها إلا بالنسبةِ إلى شيئينِ، فلولا النُّزولُ ما عُقِلَ معنى العلوِّ، وعلى التَّنَزُّلِ فيكفي في كونِ هذا المثال تابعاً لنزول من جهةِ الشيخِ، أنَّهُ لو رواهُ من طريقِ الترمذيِّ لكانَ إسنادُهُ نازلاً عن إسنادهِ هذا الذي من طريقِ ابنِ عرفةَ بدرجتينِ كما قالَ، وهذا هو الذي أرادهُ ابنُ الصّلاحِ كما أفادَهُ شيخنا فكلامهُ مُطَّرِدٌ لا خللَ فيهِ. وأمّا مِن جهةِ الترمذيِّ نفسهِ فلا يوصفُ بعلوٍّ ولا نزولٍ / ٢٥٩ أ / لأنَّهُ مساوٍ لابنِ عرفةَ، وإن اعتبرَ بأسانيدِ الترمذيِّ التي وقعتْ لهُ مطلقاً - ولا يمكن فيها - فخلفٌ شيخُ شيخهِ تابعيٌّ صغيرٌ، وقد روى عن جماعةٍ من أكابرِ التابعينَ (٢) كأبيهِ (٣)، وكذا شيخهُ في هذا السندِ حميدٌ الأعرجُ، وحفصُ بنُ أخي أنسِ بنِ

стр. 1070

مالكٍ (١)، وإسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ (٢)، وأبو مالكٍ سعدُ بنُ طارقٍ الأشجعيُّ (٣). فلو رُويَ هذا الحديثُ عن أحدٍ منهم عن صحابيٍّ لكانَ أعلى من طريقهِ هذا، ومن ابنِ عرفةَ بدرجةٍ. وقولُ الشيخِ: ((هو أعلى ما يقع للترمذيِّ روايتُهُ عن أتباعِ التابعينَ)) (٤) كلامٌ لا مدخلَ لهُ في المنعِ، فإنَّهُ قد يقعُ لغيرِ الترمذيِّ روايتُه عن التابعينَ، وقد يكونُ ذلكَ للترمذيِّ نفسِهِ، ولم يطّلع عليهِ فيكون أعلى مِن هذا. وللترمذيِّ في كتابهِ أسانيدُ من غيرِ طريقِ خلفٍ أعلى مِن هذا (٥).

стр. 1071

وقولُهُ: ((إنَّ خلفَاً آخرُ من رأى الصحابةَ)) (١) لا دخلَ لهُ في العلوِّ أيضاً، فإنَّ العلوَّ يتعلقُ بالروايةِ لا بالرؤيةِ، وهو في روايةِ هذا الحديثِ بينَه وبينَهم اثنانِ، وقد كانَ يمكنُ أن يكونَ بينهُ وبينهم واحدٌ فهو نازلٌ. ولأجلِ هذا قالَ شيخنا في شرحهِ لكتابهِ " النخبةِ " (٢): ((ويقابلُ العلوَّ بأقسامِهِ المذكورةِ النزولُ، فيكونُ كلُّ قسمٍ من أقسامِ العلوِّ يقابلُهُ قسمٌ من أقسامِ النزولِ خلافاً لمن زَعمَ [أنّ] (٣) العلوَّ قد يقعُ غيرَ تابعٍ لنزولٍ)). قولُهُ: (مثالُهُ) (٤)، أي: مثالُ العلوِّ النسبيِّ الذي إنَّما سُميَ عالياً بالنسبةِ إلى نزولِ طريقهِ إلى أحدِ أصحابِ الكتبِ الستةِ. قولُهُ: (آخرُ مَنْ رواه عن شيخِهِ بالسَّماعِ) (٥) مُسَلَّمٌ في غير إسماعيل الصَّفَّارِ، وأمَّا إسماعيلُ فإنَّهُ ليسَ آخرَ من روى عن ابنِ عرفةَ مطلقَاً، نَعَم، هو آخرُ من رَوَى عنهُ جزءهُ المذكورَ، وقد نبهَ الشيخُ على ذلكَ وقيَّدهُ بالجزءِ في بعضِ تصانيفِهِ. هكذا قالَ شيخُنا. وقد رأيتهُ أنا مقيداً بذلكَ في بعضِ نسخِ هذا الشرحِ، فإنَّهُ قال: ((بالسَّماعِ من الجزءِ المذكورِ)) (٦) فكأنَّهُ ألحقَهُ بعدَ قراءةِ شيخنا لهُ عليهِ.

стр. 1072

قولُهُ: (وعالٍ لنا) (١) هو مسلَّم باعتبارِ أنَّهُ ربما ساوتِ الطريقُ من جهةِ الكتبِ الستةِ / ٢٥٩ ب / الطريقَ من جهةِ غيرهِا، لكنَّ هذا المثال غيرُ صحيحٍ فإنَّ روايتَهُ لهُ من طريقِ الترمذيِّ كما تقدمَ آنفاً أنزلُ من روايتهِ لهُ منَ الجزءِ. وتقدّمَ أنَّ هذا مرادُ ابنِ الصلاحِ بالنُّزولِ. قولُهُ: (والمُصَافَحَاتُ) (٢) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ عن ذلك: ((وذَلِكَ - أي: النوع (٣) - ما اشتهرَ آخِراً مِنَ الموافَقاتِ، والأبدالِ، والمسَاواةِ، والمصافحةِ، وقَدْ كَثُرَ اعْتِناءُ المحدِّثينَ المتأخِّرينَ بهذا النوعِ، ومِمَّنْ وجدْتُ هذا النوعَ في كَلامِهِ أبو بكرٍ الخطيبُ الحافِظُ وبعضُ شُيُوخِهِ، وأبو نَصْرِ بنُ مَاكُوْلا، وأبو عبدِ اللهِ الحميديُّ وغيرُهُمْ مِنْ طَبَقتهِمْ، ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُمْ)) (٤). قولُهُ: (فَإنْ يَكُنْ فِي شَيْخِهِ) (٥)، أي: فَتسبب عن العلوِّ الذي يكونُ للحديثِ بالنسبةِ إلى أحد الأئمةِ، كأصحابِ الكتبِ الستةِ أنّه يقالُ: أنَّ يكونَ الراوي قد وافقَ المصنِّفَ الذي يريد العلوَّ بالنسبةِ إلى روايتهِ من طريقه في شيخِ ذلكَ المصنفِ مع العلوِّ الكائنِ في طريقهِ - التي رَوَى الحديثَ منها من غيرِ طريقِ ذلكَ الإمامِ - على طريقهِ لو رواهُ من طريقِ الإمامِ، فهذا النوعُ هو الموافقةُ. أو إنْ يكنْ قد وافقهُ في شيخِ شيخهِ، مثلَ الموافقةِ في الأولِ فهذا النوعُ هو البدلُ. وإنْ يكنْ قد ساواهُ في عددٍ حصلَ لهُ في إسنادِ ذلكَ الحديثِ فكانَ عددُ ما بينهُ فيهِ وبينَ النبيِّ ﷺ من الرواةِ كعددِ ما بينَ ذلكَ الإمامِ وبينَ النبيِّ ﷺ فهو المساواةُ.

стр. 1073

وحيثُ وقعتِ المراجحةُ بينهُ وبينَ الأصلِ - في قلةِ عددِ الإسنادِ الأصلِ - أنقصَ من عددِ إسنادِ المخرجِ الذي يريدُ أحدَ هذه الأنواعِ، فهذا النوعُ هو المصافحةُ (١). قولُهُ: (مَعَ عُلُوٍ) (٢) لو قالَ: مع العلوِّ كانَ أخفَّ، فإنَّهُ يصيرُ مخبوناً بعدَ أنْ كانَ مخبولاً. قولُهُ: (سَاوَاهُ عَدَّاً) (٣) لو قالَ: ((في عَدٍ حَصَلْ)) وأسقط ((قَدْ)) كانَ أحسنَ. قولُهُ: (رَاجَحَه) (٤) فَاعَلَ - فيه - بمعنى فَعَل نحو: سافَرَ. قولُهُ: (جزءِ الأَنصاريِّ) (٥) قالَ شيخُنا: ((هذا بالنسبةِ إلى الشيخِ، فإنَّ البخاريَّ وقعَ لهُ نازلاً، وأما نحن فوقعَ لنا البخاريُّ عالياً، وجزءُ الأنصاريِّ / ٢٦٠ أ / عن الشيخِ، فالإسنادانِ بالنسبةِ إلينا متساويانِ)). قولُهُ: (تقعُ موافقةً) (٦)، أي: تقعُ الروايةُ لنا حالَ كونها ذاتَ موافقةٍ، أو السندُ حالَ كونهِ ذا موافقةٍ. قولُهُ: (فسَمَّاهُ موافقةً) (٧) الضميرُ المستترُ في ((فَسمَّاهُ)) للناظمِ، يعني: على طريقِ التَّجريدِ، أي: لما قلتُ: أو ((شَيخ شَيخِهِ)) عطفَاً على ((شيخِهِ)) المتعلقِ بـ ((وافقهُ))، علمَ أنَّهُ لا يمتنعُ تسميتُهُ موافقةً مع التقييدِ بشيخِ الشَّيخِ؛ لأنّي كذلكَ

стр. 1074

استعملتهُ، تقديرُ كلامي: أو وافقَهُ في شيخِ شيخهِ ولو لم يكن ذلكَ سائغَاً لما ساغَ لي تعليقهُ بـ ((وافقَهُ)). ويجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ للنظمِ على الإسنادِ المجازي. قولُهُ: (قلتُ: وفي كَلامِ غيرِهِ) (١) هو فائدةٌ زائدةٌ، وأمّا أنَّ ذلكَ يردُّ على ابنِ الصلاحِ فلا؛ لتأخر من ذُكِر عنهُ (٢)، وابنُ الصلاحِ إنما نفى استعمالَ من تقدمَهُ لذلكَ وهو كذلكَ. قولُهُ: (أو يَكونُ بينَهُ وبينَ النبيِّ ﷺ ) (٣) ذلكَ الصحابيُّ أم غيرُهُ، وسواءٌ كانَ الراوي عن الصحابيِّ ذلكَ التابعيَّ أو غيرَهُ وكذا دونَهُ. وأما ما قبلَه (٤) فينظر فيهِ إلى المتنِ من روايةِ ذلكَ الصحابيِّ، إنْ كانَ الوصولُ إليهِ، أو من روايةِ التابعيِّ، إنْ كانَ الوصولُ إليهِ، وكذا مَن دونهُ، ولا شكَّ أنَّهُ إذا كانَ مساوياً مع التقييدِ بالصحابيِّ، أو من دونهُ يكونُ أقعدَ في هذا البابِ. قولُهُ: (إلاَّ بأنْ يَكونَ) (٥) تقييدُ الاستثناءِ باليومِ يُفهِمُ أنَّ الحكمَ في المساواةِ في العددِ في هذا الأوانِ يخالفُ ما مضى من الزمانِ في غيرِ القسمِ الذي ذكرهُ، وهو أنَّ الاعتبارَ في ذلكَ بالنبيِّ ﷺ لا بمن دونَهُ، وأنَّ اعتبارَ من دونَهُ ﷺ ما كانَ يتأتَّى إلا في الزمانِ المتقدمِ المقاربِ للأئمةِ، وأمَّا الآنَ فالأسانيدُ مِنَّا إليهم طويلةٌ فتعذَّرَ ذلكَ لذلكَ.

стр. 1075

قولُهُ: (حدَيثُ النَهيِّ عَنْ نِكاحِ المتْعَةِ) (١) مثالٌ لما النظرُ فيهِ إلى الصحابيِّ فمن دونهُ إلى الشيخِ الذي تلاقيا فيه بالنسبةِ إلى الروايةِ الأولى. ومثالٌ لما النظرُ فيه إلى المتنِ مع قطعِ النظرِ عنِ الصحابيِّ فمن دونهُ، فإنَّ الروايةَ الأولى من حديثِ سبرةَ (٢) / ٢٦٠ ب / والثانيةَ من حديثِ عليٍّ (٣) ﵄، وكذا الرواةُ عن كلٍّ منهما غيرُ الرواةِ عن (٤) الآخرِ. قولُهُ: (الفَارفَانيةُ) (٥) بفائينِ وراءٍ مهملةٍ.

стр. 1076

قولُهُ: (بَدلاً) (١)، أي: فوقعَ السّندُ لنا ذا بدلٍ، وكذا الموافقةُ. قولُهُ: (خيَّاط السُّنَّة) (٢) نقلَ عن شيخنا أنَّهُ قالَ: ((ويمكنُ أنْ يكونَ على حذفِ مضافٍ، تقديرُهُ: خياط أهلِ السُّنَّةِ، بأنْ كانَ يخيطُ لهم ملبوسَهُم)). قولُهُ: (كأنَّ شيخَنا سَاوَى) (٣) إنْ قيلَ: كانَ ينبغي الجزمُ بحقيقةِ المساواةِ؛ لأنَّ عددَ الإسنادينِ واحدٌ، قيلَ: إنما جاءَ التشبيهُ من جهةِ اعتبارِ ذلكَ الإسنادِ الخاصِّ والزمانِ، فكأنَّ شيخنا كانَ في زمانِ النسائيِّ، ورَوى هذا الحديثَ عن شيخهِ فصاعداً فساواهُ في سندهِ الذي رَوى هذا الحديثَ بهِ. وأمَّا الآن فإنَّما ساواهُ في عدِّ ما بينه وبينَ النبيِّ ﷺ في هذا المتنِ، من غيرِ اعتبارِ أنْ يكونَ الإسنادُ واحداً. قولُهُ: (وأمَّا المصَافحةُ فَهوَ) (٤)، أي: وقوعُها.

стр. 1077

وعبارةُ ابنِ الصلاحِ عنها: ((فهيَ أنْ تَقَعَ هذهِ المساواةُ - التي وصفناها -، لشَيخِكَ لا لكَ فيقع ذَلِكَ لكَ مُصَافحَةً، إذْ يَكُونُ كَأَنَّكَ لَقِيْتَ مُسْلِماً في ذَلِكَ الحديثِ وصَافحتَهُ بهِ، لِكَوْنكَ قدْ لَقِيْتَ شَيْخَكَ المساوي لِمُسْلِمٍ، فإنْ كانتْ المساواةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ، كانتِ المصَافَحةُ لِشَيْخِكَ، فَتَقُولُ: كأنَّ شَيْخِي سَمِعَ مُسْلِماً وصَافَحَهُ، وإنْ كانَ المسَاواةُ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِكَ، فالمصَافَحةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ فتَقولُ فيها: كأنَّ شَيْخَ (١) شَيْخِي سَمِعَ مُسْلِماً وصَافَحَهُ. ولكَ أنْ لا تَذكرَ في ذَلِكَ نِسْبَةً بلْ تَقُولُ: كأنَّ فُلاناً سَمِعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، مِنْ غيرِ أنْ تَقُولَ فيهِ: شَيْخِي، أو شَيْخُ شَيْخِي. ثُمَّ لا يخفَى عَلَى المتأَمِّلِ أنَّ في المساواةِ والمصَافَحةِ الواقِعَتَينِ لكَ، لا يَلْتَقِي إسْنادُكَ وإسْنادُ مُسْلِمٍ أو نحوِهِ إلا بَعيداً عَنْ شَيْخِ مُسْلِمٍ، فيلْتَقِيانِ في الصحابيِّ أو قَرِيْباً منهُ، فإنْ كَانتِ المصَافَحَةُ التي تَذْكُرُها ليستْ لكَ بلْ لِمَنْ فَوقَكَ مِنْ رِجالِ إسْنادِكَ، أمْكَنَ التِقَاءُ الإسْنادَيْنِ فيها في شَيْخِ مُسْلِمٍ أو أشْباهِهِ، وداخَلَتِ (٢) المصَافَحةُ حِيْنَئذٍ الموافقةُ، فإنَّ مَعْنَى الموافقةِ راجِعٌ إلى مُسَاواةٍ ومصَافَحةٍ مَخْصُوصَةٍ / ٢٦١ أ / إذْ حاصِلُها أنَّ بعضَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ رواةِ إسْنادِكَ العاِلي سَاوَى أو صَافَحَ مُسْلِماً، أو البخَارِيَّ لِكَونِهِ سَمِعَ ممَّنْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِما مَعَ تَأَخُّرِ طَبَقَتِهِ عَنْ طَبَقَتِهِما. ويوجدُ في كَثيرٍ مِنَ العوالي المخرَّجةِ - لِمَنْ تَكَلَّمَ أوَّلاً في هذا النوعِ وطَبَقَتِهِم المصافَحَاتُ مَعَ الموافَقَاتِ والأبدالِ لما ذَكَرْناهُ (٣))) (٤). قولُهُ في شرحِ قولِهِ: (ثُمَّ عُلُوُّ قِدَمِ الْوَفَاِة) (٥) مثالُهُ قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ما أرويهِ

стр. 1078

عن شيخٍ أخبرني بهِ، عن واحدٍ، عن البيهقيِّ الحافظِ، عن الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ الحافظِ، أعلى من روايتي لذلكَ، عن شيخٍ أخبرني بهِ، عن واحدٍ، عن أبي بكر بن خلفٍ (١)، عن الحاكمِ، وإنْ تَساوى الإسنادانِ في العددِ لتقدمِ وفاةِ البيهقيِّ على وفاةِ ابن خلفٍ؛ لأنَّ البيهقيَّ ماتَ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وأربعِمئةٍ، وماتَ ابنُ خلفٍ سنةَ سبعٍ وثمانينَ وأربعِمئةٍ)) (٢). قولُهُ: (عَلَى مَنْ بَعْدَهُ) (٣) هما ابنُ خطيبِ المزَّةِ (٤) والفخرُ (٥). قولُهُ: (الخَليليّ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ورُوِّينا عن أبي يعلى بنِ عبدِ اللهِ الخليليِّ (٧) الحافظِ قالَ: ((قد يكونُ الإسنادُ يعلو على غيرِهِ، بتقدُّمِ موتِ راويهِ، وإن كانا متساويين في العددِ)) (٨). ومثّلَ ذلكَ من حديثِ نفسهِ بمثلِ ما ذكرنَاهُ. ثمَّ إنَّ هذا الكلام في العلوِّ المنبني على تقدمِ الوفاةِ المستفادِ من نسبةِ شيخٍ إلى شيخٍ، وقياس راوٍ براوٍ)) (٩).

стр. 1079

قولُهُ: (عَنْ ابنِ جَوْصَا: إسنادُ خَمسينَ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وأمَّا العلوُّ المستفادُ من مجرَّدِ تقدُّمِ وفاةِ شيخكَ، من غيرِ نظرٍ إلى قياسهِ براوٍ آخرَ، فقد حدَّهُ بعضُ أهلِ [هَذَا] (٢) الشأنِ بخمسينَ سنة، وذلكَ فيما رويناهُ عن أبي عليٍّ الحافظِ النيسابوريِّ قالَ: ((سمعتُ أحمدَ بنَ عميرٍ الدمشقيَّ - وكانَ من أركانِ الحديثِ - يقولُ: إسنادُ خمسينَ [سنةً] (٣) - من موتِ الشيخِ - إسنادُ علوٍّ (٤). وفيما يُروى عَنْ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه الحافِظِ، قالَ: إذا مَرَّ عَلَى الإسنادِ ثَلاثونَ سَنَةً فهوَ عالٍ (٥). وهذا أوسَعُ مِنَ الأوَّلِ)) (٦). انتهى. وابنُ عميرٍ الذي ذكرَهُ ابنُ الصلاحِ هو ابنُ جَوْصَا بالجيمِ والصادِ المهملةِ الذي ذكرهُ الشيخُ زينُ الدينِ وهو أحمدُ بنُ عميرِ بنِ يوسفَ بنِ موسى بنِ جَوْصَا الحافظُ شيخُ الشامِ، توفي في جمادى الأولى سنةَ عشرينَ وثلاثِمئةٍ (٧) /. ٢٦١ ب / وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في مثالِ قِدَم الوفاةِ: ((كما إذا روى شيخٌ من شيوخنا حديثاً عن شيخٍ قديمِ الوفاةِ كالحافظِ أبي الحسنِ المقْدِسيِّ (٨) عن السلفيِّ،

стр. 1080

وروينا نحنُ ذلكَ الحديثَ عمَّن تأخرت وفاتهُ كابنِ بنتِ السِّلفي (١)، فإنَّ المقدسيَّ توفي سنةَ إحدى عشرةَ وستمئةٍ، وتوفي السِّبطُ سنةَ إحدَى وخمسينَ، فالعددُ بالنسبةِ إلى السِّلَفي واحدٌ، إلاّ أنَّ الأولَ أقدمُ، فهذا يَعُدُّونَهُ علوَّاً، ويُثبتونَ له مَزِيَّةً في الروايةِ. ومِنَ الناسِ مَنْ يَعُدُّ العلوَّ هو الإتقان والضبط وإنْ كان نازلاً في العددِ، وهذا علوٌّ معنويٌّ، والأولُ صوريٌّ، ورعايةُ الثاني - إذا تعارضا - أولى)) (٢). قولُهُ: (آخرَ مَنْ كانَ يَرويه) (٣)، أيْ: عن ابنِ الزبيديِّ (٤). قولُهُ في قوله: (ثُمَّ عُلُوُّ قِدمِ السَّمَاعِ): (كَالأَنْوَاعِ) (٥)، أي: أنواعهِ كالأنواعِ المذكورةِ في العلوِّ، فهي: موافقةٌ وبدلٌ بنزولٍ. وأمَّا تصويرُ المساواةِ والمصافحةِ بالنزولِ ففيهِ نظرٌ. قولُهُ: (والصِّحَّةُ العُلُوُّ) (٦)، أي: فإذا وجدتِ الصحةُ لم يُعدَل عنها، سواء كانت معَ نزولٍ أم لا، فإنها هي العلوُّ، للوثوقِ بذلكَ السندِ لا قربَ الرجالِ الخَالي

стр. 1081

عن الصحةِ فإنَّهُ ليسَ بعلوٍّ لعدمِ الوثوقِ، فلا فرقَ حينئذٍ بينَ أنْ تقولَ هذا إسنادٌ عالٍ أو صحيحٌ، فإنَّكَ [إن] (١) أطلقتَ ذلكَ عُرفَ أنك تريدُ العلوَّ، سواءٌ عبرتَ عنهُ بالصحةِ أو بالعلوِّ. وقد مرَّ كلامُ ابنِ دقيقِ العيدِ آنفاً. قولُهُ في شرحهِ: (المتأخِّرُ أرجحَ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ تخالفُهُ فإنَّه قالَ: ((فإِذا تساوى السندُ إليهِما في العَدَدِ، فالإسنادُ إلى الأوَّلِ الذي تقدّمَ سماعُهُ أَعلى، فهذِهِ أنواعُ العُلوِّ عَلَى الاستقصاءِ والإِيضاحِ الشَافي)) (٣). انتهى. والذي قالهُ الشيخُ حسنٌ، فإنَّهُ بيَّنهُ على معنىً شريفٍ، وهو: النظرُ في حالِ الشيخِ عندَ السماعينِ، فإنْ كانَ متساوياً رجحنا الأولَ، وإنْ كان متقارباً رجحنا ما كانت حالهُ فيهِ أعلى سواءٌ كانَ متأخراً أو متقدماً. وكذا حالُ السامعِ، فقد يكونُ من سمعَ متقدِّماً متيقِّظاً ضابطاً إلى غيرِ ذلكَ من الصفاتِ المرجِّحةِ، ومن سمعَ متأخراً / ٢٦٢ أ / قاصراً عن درجتهِ، فيأتي من ذلكَ أنواعٌ بالنظرِ إلى حالِ السامعِ وحالِ الشيخِ مقتضيةً للترجيحِ، فقد يتَّفقُ حالُ الشيخِ والسامعِ في الترجيحِ وعدمهِ، وقد يختلفُ فيحصلُ لكلِ واحدٍ مقتضى للترجيحِ فيأتي الاجتهادُ حينئذٍ في الأنسبِ. قولُهُ: (مالكٍ، لِمَعنىً فيهِ) (٤) هو تصريحُ مالكٍ بالتحديثِ. قولُهُ: (تَفْصيلاً مبيناً) (٥) رأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا الحلبيينَ أنَّ المصنفَ ألحقَ ((مبيناً)) بعد قراءةِ شيخنا الحافظِ برهانِ الدينِ عليهِ. انتهى.

стр. 1082

ولم أرَهَا أنا فيما رأيتهُ من نسخِ ابنِ الصلاحِ (١) فلم أدْرِ لم زادهَا؟! قولُهُ: (عَنْ وكيعٍ قالَ: الأَعمشُ أحبُّ) (٢) أخرجهُ السِّلَفيُّ في كتابهِ " شرطِ القراءةِ على الشيوخِ "، من طريقِ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ خزيمةَ النيسابوريِّ، قال: ((سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ هاشمٍ الطوسيَّ يقولُ: كنا عندَ وكيعٍ فقالَ: الأعمشُ ... فذكرهُ)) (٣). وكذا أخرجَ قول ابنِ المباركِ (٤). قولُهُ: (عَنْ فقيهٍ) (٥) عن شيخنا أنهُ قالَ: إنَّ لابنِ حبانَ تفصيلاً حسناً وهو: أنَّ النظرَ إنْ كانَ للسندِ فالشيوخُ، وإنْ كان للمتنِ فالفقهاءُ (٦). قولُهُ: (عِندَ النظرِ والتَحقيقِ) (٧) ورَوى السِّلفيُّ عن يحيى بن معينٍ قالَ:

стр. 1083

((الحديثُ النزولُ [عن ثبتٍ] (١) خيرٌ من علوٍّ عن غيرِ ثبتٍ)) (٢). قالَ: وأنشدهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ زفر في معناه: علمُ النزولِ اكتبوهُ فهو ينفعكم ... وتَرْكُكُم ذاكم ضَرْبٌ مِن العَنَت إنَّ النزولَ إذا ما كَانَ عَنْ ثبتٍ ... أعلى لكم مِنْ علو غَيرِ ذي ثَبَتِ (٣) قولُهُ: (نِظامِ الملْكِ) (٤) قال ابن كثير: ((وهَذَا اصطلاحٌ [خَاصٌّ] (٥)، وماذا يَقولُ إذَا صَحَّ الإسنادَانِ، وهَذَا أقْرَبُ رِجَالاً؟!)) (٦). قولُهُ: (مِنْ نَظمهِ) (٧) قالَ بعضُ أصحابنا: رأيتُ بخطِّ السِّلفيِّ أنَّهُ نظمَ هذهِ الأبيات (٨) جنزة، قال في "القاموس" (٩): ((وجَنْزَةُ -أَي: بجيمٍ ونونٍ وزاي - (١٠): أعْظَمُ بَلَدٍ بأرَّانَ وقرية (١١) بأصْبَهَان، منْ أحدِهمَا أبو الفَضْلِ الجَنْزَويُّ)).

стр. 1084

الغريب والعزيز [والمشهور] (١) قولُهُ: (الغَرِيْبُ وَالْعَزِيْزُ وَالمشْهُوْرُ) (٢) لما ذكرَ الأنواعَ التي يفهمُ قبول الحديث أو ردّه، وذكرَ ما يتعلقُ بالقبولِ والردِ، وذكرَ أدبَ الشيخِ والطالبِ في طلبِ الحديثِ، وتقاضي ذلكَ الحث على طلبِ العلو، فذكرهُ كذا على بقايا من اصطلاحِ القومِ يدخلُ في الأنواعِ الماضيةِ، ولا يخص / ٢٦٢ ب / نوعاً منها، فإنْ قيل: إنَّ هذا الوجه ممّا يُقال، ولكن الأليق: تقديم هذا النَّوع وأضرابه؛ لتكون الأنواع كلُّها مجتمعة؛ قيل: إنَّ ابنَ الصلاحِ أملى كتابه إملاءً، فكتبه في حالِ الإملاء جمع جمّ، فلم يقع مرتَّباً على ما في نفسه، وصارَ إذا ظهر له أنّ غير ما وقعَ له أحسن ترتيباً، يراعي ما كتب منَ النَّسخ، ويحفظ قلوبَ أصحابها، فلا يغيرها، وربّما غابَ بعضُها، فلو غير ترتيبَ غيرِهِ تخالفت النُّسخُ، فتركها على أولِ خاطر (٣)، والشيخ تابع له، ثمّ لا يخفى وجهُ تقديمِ الغريبِ على العزيزِ، وهو المشهورُ للمترقي.

стр. 1085

قولُهُ: (وَمَا بِهِ مُطْلَقاً) (١)، أي: سواء كانَ انفراده بالنِّسبة إلى إمامٍ يجمع حديثه كما قيَّده به ابنُ منده أولاً. قولُهُ: (فَحَدْ) (٢) هو ناظر في مئةٍ إلى قولِهِ: ((فَهْوَ))؛ ليكون التقدير، فهوَ الغريبُ على ما حدَّهُ بهِ الأئمةُ، إلا ابنَ منده، وابنُ منده ما وقعَ بهِ الانفرادُ مِنْ ذلك، فإنَّهُ حدّ الغريب منه، مخصص له بما انفردَ به الراوي عنْ إمام بجمعِ حديثهِ، والحاصلُ أنَّ التقديرَ: وابن منده خالفَ هذا الرسم، فحد الغريب بأنَّهُ: انفراد راوٍ عَنْ إمام (٣) يجمعِ حديثه، وكان ابن منده يُسمّي الغريب في عُرْفِنا فرداً. قولُهُ: (يَغْرُبُ) (٤) - بضم الراء - سواءٌ كانَ ماضيه بالضمِّ أو الفتح. قال في " الجمع بين العباب والمحكم "، وفي " القاموس "، وفي " الأفعال " لابن طريف: والغريب: الغامض في الكلام، ورجل غريب: ليسَ من القومِ، وكلمةٌ غريبةٌ، وقد غرُبتِ، أي: بالضمِّ، وغربتِ الشمسُ تغرب غروباً: غابت في المغربِ، قالَ تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ (٥) وقال: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (٦) وكذلك: غرب النَّجم، والغرب: الذهاب والتنحِّي عن النَّاسِ، وقد غَرب عنّا، أي: بالفتح النّوى والبعد، وقد تغرّب ونوى غربة بعيدة، وهل أطرفتنا من مغرّبة خبره،

стр. 1086

وهل جاءتك مغربة خبر، وهو الخبرُ الذي يطرأُ عليك منْ بلد سوى بلدكَ، والتغربُ: التروحُ عنِ الوطن، وقد غرّبهُ الدهرُ، والغُربةُ والغُرب - بالضمِّ - والاغترابُ، ووجه تسمية الفردِ في الاصطلاحِ بالغريبِ، والمناسبةِ المصححةِ لنقلهِ من اللغةِ إليهِ، أنَّ الغريب مِنْ شأنه: الانفراد عن أهله، ومَنْ يعاشره كما انفردَ عن وطنهِ، وغريبُ الحديثِ / ٢٦٣ أ / كذلكَ في الانفرادِ. قولُهُ: (مُطْلَقاً) (١) حال لضمير ((يغرب))، أي: ذلك الحديثُ حالَ كونِهِ مطلقاً في غرابته، غير مقيد بشيخٍ، ولا إسنادٍ، ولا متنٍ، بل يكونُ في غرابتهِ أعمَّ مِنْ ذلك كلّهِ، وإسناداً تميز، أي: من جهةِ الإسناد. قولُهُ: (فَقَدْ) (٢)، أي: فقط، بمعنى: فحسب، قال أهل اللغة: ويكون قد بمعنى حسب، فالمعنى فغرابتهُ من جهةِ الإسناد كافيةٌ في تسميتهِ غريباً، ولا يحتاجُ في ذلك إلى وجودِ غرابةٍ فيه مِنْ غير جهة الإسناد. قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (في متنِهِ) (٣)، أي: يزيد بعض الرواة فيه لفظة فما فوقها منفرداً بها عنْ غيره منْ رواته، وكذا في السند، قال ابنُ كثير: ((قَدْ تكُونُ فِي المَتْنِ كأنْ يَنفرد (٤) بِرِوايَتِهِ واحدٌ أو مِنْ بَعْضِهِ، كَمَا إِذَا زَادَ فِيهِ وَاحِدٌ زِيَادَةً لَمْ يَقُلْهَا غَيْرهُ، وَقَدْ تكوُنُ في الإسْنَادِ كَمَا إذَا كَانَ أصْلُ الحَدِيثِ مَحْفُوظاً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، أوْ وُجُُهٍ، وَلَكنَّهُ بِهَذَا الإِسْنَاد غَرِيبٌ)). (٥) انتهى. وفي ما تقدّمَ في أول الكتابِ من الشاذ، وما والاه أمثلة لذلك.

стр. 1087

قولُهُ: (ممَّنْ يُجْمَعُ حديثه) (١)، أي: ممّن هو في جلالتِهِ في إمامتِهِ، وكثرة حديثه، بحيث يُجمع حديثُهُ، وإنْ لم يجمع بالفعلِ، وليسَ المعنى ممّن جرتْ عادة المحدّثينَ بأنْ جمعوا حديثهم حَتّى يكون قيداً. قولُهُ: (فإِذَا رَوى الجَماعةُ عَنهم) (٢)، أي: إذا رَوى عنْ هؤلاءِ الأئمةِ، الذينَ هم، بحيثُ يجمع حديثَهم الجماعة الثلاثة فما فوقها، سمي ذلكَ الحديث مشهوراً، هكذا كنت فهمته ثمّ رأيتُ في تعاليق عَنْ شيخنا: أنَّ اللامَ في الجماعةِ، وإنْ كانتْ للجنسِ، فإنّها للأربعةِ فصاعداً؛ لأنَّه قد تقدّم أنّه سمى ما رواه ثلاثةٌ عزيزاً، ولم يتعقبه ابنُ الصلاح ولا الشيخُ، والذي استقرَّ عليهِ الاصطلاحُ، وهو الذي في النظمِ، أنَّ العزيزَ: ما انفردَ بروايتِهِ اثنانِ في موضعٍ ما من سندِهِ، هكذا قال. ويمكن ردُّ كلام ابن منده إليه، فإنَّهُ ذكر أنَّه إذا انفردَ راويان كانَ عزيزاً، وإنّما ذَكَرَ الثلاثةَ في العزيز تنبيهاً على أنَّهُ يكفي في تسميتهِ عزيزاً أنْ ينفردَ به اثنانِ في موضعٍ واحدٍ مِنْ سنده، وإن كان مشهوراً في باقي السندِ كلّه؛ لئلا يتوهم أنَّه يشترط في تسميتِهِ عزيزاً، أنْ يرويه اثنان عن اثنين في جميعِ سندهِ منْ غير زيادةٍ، فإنَّ بعضهم شَرَطَ ذلك، وأنكره ابنُ حبانَ / ٢٦٣ ب / شرطاً ووجوداً، قالَ شيخُنا في شرحه " للنّخبة " (٣): ((وسمِّي بذلك؛ إمّا لقلَّةِ وجودِهِ؛ وإمّا لكونِهِ عَزَّ، أي: قوي بمجيئِهِ مِنْ طريقٍ أُخرى، ولَيْسَ شَرْطاً لِلصَّحِيحِ، خِلافاً لِمَنْ زَعَمَهُ، وهُو أبو عليٍّ الجُبَّائي (٤) من المعتزلة، وإِليه يومئ كلامُ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ في "علوم الحديث"

стр. 1088

حيثُ قالَ: ((الصحيحُ أنْ يرويَهُ الصحابيُّ الزائلُ عنهُ اسمُ الجهالةِ، بأنْ يكونَ له راويانِ، ثمّ يتداولَه أهلُ الحديثِ إلى وقتِنا، كالشهادةِ على الشهادة)) (١)، وصرَّح القاضي أبو بكر بنُ العربيِّ (٢) في شرحِ البخاريِّ: بأنَّ ذلك شرط البخاريِّ، وأجابَ - أي: ابن العربي - عما أوردَ مِنْ ذلكَ بجوابٍ فيه نظرٌ؛ لأنَّه قال: فإنْ قيل حديث ((الأعمال بالنِّياتِ)) (٣) فردٌ لم يروهِ عنْ عمرَ ﵁ إلا علقمةُ، قال: قلنا: قد خطبَ به عمرُ على المنبرِ بحضرةِ الصحابةِ ﵃، فلولا أنَّهم يعرفونه لأنكروهُ كذا قالَ، وتعقب: بأنّه لا يلزمُ مِنْ كونهم سكتوا عنْه، أنْ يكونوا سمعوه مِنْ غيرهِ، وبأنَّ هذا لو سلمَ في عمرَ ﵁، مُنعَ في تفرد علقمةَ - أي: ابنِ وقاصٍ الليثيّ (٤) - ثمّ تفرّدَ محمّدُ بنُ إبراهيمَ - يعني: التيميَّ (٥) - عنْ علقمةَ، ثمّ تفرّدَ يحيى بنُ سعيدٍ به، عنْ محمّدٍ على ما هو الصحيحُ المعروفُ عندَ المحدِّثينَ، وقد وردتْ لهم متابعاتٌ لا يُعتبرُ بها، وكذا لا نُسلِّم جوابَه في غير حديث عمرَ ﵁. قال ابنُ رُشَيْدٍ (٦): ولقد كان يكفي القاضي في بطلانِ ما ادَّعى أنّه شرطُ البخاري [أنه] (٧) أول حديث مذكور فيه، وادّعى ابن حبّان نقيض دعواه، فقال: إنَّ

стр. 1089

روايةَ اثنين فقط، عن اثنين فقط لا يوجدَ أصلاً، قلتُ: إنْ أراد أنَّ روايةَ اثنين فقط، عن اثنينِ فقط لا توجد أصلاً فيمكن أن يُسلّم، وأمّا صورة العزيز التي حررناها لوجودهِ، بأنْ لا يرويه أقلّ من اثنين، عنْ أقلِّ من اثنين، مثالهُ: ما رواه الشيخانِ (١) مِنْ حديثِ أنسٍ ﵁، والبخاريُّ (٢) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يؤمنُ أحدُكم حَتَّى أكونَ أحبّ إليه مِنْ والده وولده ... )) الحديث، ورواهُ عنْ أنسٍ ﵁: قتادةُ وعبدُ العزيز بنُ صهيبٍ، ورواهُ عنْ قتادةَ: شعبةُ (٣) وسعيدٌ (٤)، ورواه / ٢٦٤ أ / عَنْ عبد العزيز: إسماعيلُ بنُ عُلَيّة (٥)، وعبدُ الوارث (٦)، ورواه عنْ كلّ جماعةٌ)). (٧) انتهى. وقولُهُ (٨): ((وتُعُقِّبَ ... )) (٩) إلى آخره غير مصيب للمجيز (١٠) والصوابُ في تعقبهِ

стр. 1090

أنْ يقالَ: أنتَ فرضتَ أنَّ المعترض أوردَ عليكَ تفرد علقمةَ به، عنْ عمرَ ﵁، ثمَّ أجبتَ بما ظننت أنَّه ينفي تفرّدَ عمر به، فلا أنت أجبت عمّا أوردهُ السائلُ، ولا أصبتُ فيما ظننتُ، فإنَّ سكوت المُخْبِر عندَ إخبار مخبرِهِ له بقبولِ الخبرِ، لا لكونهِ شاركه في روايتهِ عمّن رواه عنه. وقولُهُ: ((أوَّلُ حديثٍ مَذكورٍ فيهِ)) (١)، يعني: فإنَّهُ مرويٌّ بالآحادِ، وهو حديثُ الأعمال، وكذا آخر حديثٍ مذكور فيه، وهو: ((كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ)) (٢)، فإنَّ أبا هريرةَ تفرّدَ بهِ عن النَّبيِّ ﷺ ، وتفرّدَ به عنه أبو زرعةَ، وتفرّد عنه عمارة بن القعقاع، وتفرّد به عنه محمّد بن فضيل، وعنهُ انتشرَ، فرواهُ عنه ابن إشكابَ (٣) وغيره، أفادهُ شيخنا في شرحِهِ (٤). قولُهُ: (سُمّي مَشهوراً) (٥) قالَ ابنُ الصَّلاحِ بعده: ((الحديثُ الذي يَنْفَردُ بهِ بعضُ الرواةِ يُوصَفُ بالغَريبِ (٦)، وكَذلكَ الحديثُ الذي يَنْفَردُ بهِ بعضُهُمْ بأمْرٍ لا يذكُرُهُ فيهِ غيرُهُ، إمَّا في مَتْنهِ، وإمَّا في إسْنادِهِ، وليسَ كُلُّ ما يُعَدُّ مِنْ أنواعِ ... الأَفْرادِ مَعْدُوداً مِنْ أنْواعِ الغَريبِ، كَما في الأفرادِ المضافةِ إلى البلادِ عَلَى ما سَبَقَ)) (٧) يعني: في معرفة الأفرادِ في أوائلِ الكتابِ (٨). وقولُهُ: ((في الأفرادِ المضافةِ إلى البلادِ)) أنّها
следующие страницы →