← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قولهُ: (الطُبني) (١) - بضمِ المهملةِ، وإسكانِ الموحدةِ، وقبلَ ياءِ النسبِ نونٌ - ضبطهُ ابنُ السمعانيِّ (٢) -، وقيلَ: بضمِ الموحدةِ حكاهُ ابنُ الأثيرِ في مختصرِ "النهايةِ" (٣)، وهي بلدةٌ بالمغربِ ينسبُ إليها جماعةٌ. قولهُ: (لمْ يمازجهُ (٤) غيرُ الصحيحِ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَ هذا: ((فإنَّهُ ليسَ فيهِ بعدَ خطبتهِ إلا الحديث الصحيح مسروداً، غيرَ ممزوجٍ بمثلِ ما في كتابِ البخاريِّ في تراجمِ أبوابهِ منَ الأشياءِ التي لم يسندْها على الوصفِ المشروطِ في الصحيحِ، فهذا لا بأسَ بهِ، وليسَ يلزمُ منهُ أَنَّ كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحيحِ على كتابِ البخاريِّ)) (٦) إلى آخرهِ، وسيأتي بقيةُ الكلامِ على هذا قريباً (٧). قولهُ: (وعلى كلِ حالٍ، فكتاباهما أصحُّ كتبِ الحديثِ) (٨) شبيهٌ بما قلنا فيما صرحَ بأنَّهُ أصحُّ الأسانيدِ مطلقاً، أو مقيداً مِنْ أنَّهُ يُستفادُ منهُ أرجحيتهُ على ما عداهُ بالنسبةِ إلى مجموعِ أقوالهم، وعدمِ منْ يخالفهم، فإنَّ منْ صرَّحَ بترجيحِ كتابِ البخاريِّ، ومن توقفَ، أو احتملَ كلامهُ تفضيلَ مسلمٍ مُجمعونَ على أَنَّ الكتابينِ أصحُّ مِنْ غيرهما، فهما (٩) بالنسبةِ إلى القولينِ، وسكوت بقيةِ / ٢٤أ / الأمّةِ عليهما

стр. 107

كما مضى مِنْ أَنَّ ذَلِكَ ينتجُ أنهما أصحُّ منْ غيرهما. قولهُ: (قبلَ وجودِ الكتابينِ) (١) قالَ بعضُ أصحابنا: ((كانَ إذ ذاكَ موجودٌ منَ المصنفاتِ " السننَ " لابنِ جريجٍ، وابن إسحاقَ (٢) غير السيرةِ، ولأبي قرةَ موسى بنِ طارقٍ الزبيدي بفتحِ الزاي، ومصنفُ عبدِ الرزاقِ بنِ همامٍ وغيرها)) (٣). قولهُ: (لو نفعَ) (٤) جوابهُ محذوفٌ، تقديرُ الكلامِ: وفضلَ بعضُ أهلِ الغربِ مصاحباً في التفضيلِ لأبي عليٍّ كتاب مسلمٍ، فيكونُ أصحَّ مِنْ كتابِ البخاري، فلو نفعَ تفضيلهم بموافقةِ العلماءِ لهم وقبولهم لقولهم؛ لعملَ بهِ، أو لَقُضِي بأنَّهُ أفضلُ (٥)، لكنهُ لم ينفعْ، فلمْ يعملْ بهِ، أو فلم يكنْ أفضلَ (٦)؛ لأنَّ العلماء ردوا ظاهرَ ذلكَ (٧)، وأوَّلوا كلامهم. ومنَ الرَّادِّينَ مَنْ لم يستدلَّ لقولهِ اعتماداً على نظرِ الفطنِ الممارسِ للفنِّ في شروطِ الصحةِ في الكتابينِ، واستقراءِ استعمالِ الرجلينِ (٨) لها، كابنِ الصلاحِ حيثُ قالَ: ((وإنْ كانَ المرادُ أنَّ كتابَ مسلمٍ أصحُّ صحيحاً،

стр. 108

فهذا مردودٌ على منْ تقوَّلهُ)) (١)، ومنهم من برهنَ على أرجحيةِ كتابِ البخاريّ كشيخِنا في " شرح النخبة " (٢)، وغيرهِ، مِن ذَلِكَ أَنَّ البخاريَّ اشترطَ في إخراجه الحديثَ في كتابهِ هذا، أنْ يكونَ الراوي لَقِيَ شيخه، ومسلمٌ يكتفي بمجردِ المعاصرةِ (٣). قولهُ: (لم يمازجهُ غيرُ الصحيحِ) (٤)، أي: غيرُ الحديثِ الصحيحِ، إنْ قيلَ: فيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ روى (٥) بعدَ الخطبةِ في كتابِ الصلاةِ بإسنادٍ إلى يحيى بنِ أبي كثيرٍ: أنَّهُ قالَ: ((لا يُنالُ العلمُ براحةِ الجسمِ)) (٦) فقد مزجهُ بغيرِ الأحاديثِ كما قالهُ في " النكت " (٧)، فالجوابُ: أنَّهُ نادرٌ فلا حكمَ لهُ. قالَ شيخنا: ((وقالَ ابنُ / ٢٤ب / الملقنِ: رأيتُ بعضَ المتأخرينَ قالَ: إنَّ الكتابينِ سواءٌ، فعلى هذا هو قولٌ ثالثٌ، وحكاهُ الطوفيُّ في " شرحِ الأربعينَ "، ومالَ إليهِ القرطبيُّ في مختصرهِ للبخاريِّ)). قالَ بعضُ أصحابنا: وقالَ أبو العباسِ أحمدُ بنُ عمرَ القرطبيُّ لما ذكرَ البخاريَّ ومسلماً في خطبةِ كتابهِ " المفهمِ " (٨): ((والحاصلُ من معرفةِ أحوالهما أنهما فرسا

стр. 109

رهانٍ، وأنهما ليسَ لأحدٍ من جنسهما بمسابقتهما، ولا مساوقتهما يدانِ)) (١). وقالَ الخطيبُ في كتابِ " الجامعِ " (٢) حينَ ذكرَ الابتداء بسماعِ الأمهاتِ مِنْ كتبِ الأثرِ، والأصولِ الجامعةِ للسننِ: ((وأما أحقها بالتقديمِ الجامعُ، والمسندُ الصحيحانِ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ، ومسلمِ بن الحجاجِ)). وقالَ أبو عبدِ اللهِ الحميديُّ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ " (٣): ((لم نجدْ في الأئمةِ الماضينَ مَنْ أفصحَ لنا في جميعِ ما جمعهُ بالصحةِ، إلا هذينِ الإمامينِ)). وقالَ أبو محمدٍ عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الرحمانِ الإشبيليُّ الحافظُ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ ": ((وقد اشتهرا في الصحةِ شهرةً لايطعنُ عليها وتضمنا منَ الأخبارِ، ما لجأ الناسُ في الأكثرِ إليها، وحسبكَ مِنْ هذينِ الكتابينِ أنهما إنما يعرفانِ بالصحيحينِ)). (٤) قولهُ: في الشرحِ (مَنْ صنفَ في جمعِ الصحيح) (٥) قيلَ: فائدةُ زيادة لفظة جمع إخراجِ غيرِ الصحيحِ؛ لأنَّهُ إذا كتبَ شيئاً صحيحاً، وأدرجَ فيهِ شيئاً (٦) غيرَ صحيحٍ لم يصدقْ أنَّهُ صنَّفَ في جمعِ الصحيحِ، وعندي أنهُ لا فرقَ بينَ وجودِ هذهِ اللفظةِ وعدمِها، كما في النظمِ مِنْ قولهِ: (أولُ (٧) منْ صنفَ في

стр. 110

الصحيحِ) (١) وأنَّ كلا العبارتينِ غيرُ صريحٍ في تجريد / ٢٥أ / الصحيحِ؛ فإنَّ مَنْ كتبَ الصحيحَ وضمَّ إليهِ قليلاً مِنْ غيرهِ، كما فعلَ مالكٌ (٢)، لا يخرجُ عنْ كونهِ صنفَ في الصحيحِ، أو في جمعِ الصحيحِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((أولُ مَنْ صنفَ (٣) الصحيحَ)) (٤) كما تقّدمَ، أي: جعلهُ أصنافاً، وهيَ غيرُ صريحةٍ في أَنَّ المرادَ: أولُ منْ أفردَ الصحيحَ عنْ غيرهِ (٥)، فلو قالَ: أَولُ منْ صَنَّفَ في الصَحِيحِ ... فقطْ محمدٌ وبالترجيحِ خُصَّ فمسلمٌ وبعضُ الغَربِ معْ ... ... ... .... .... كَانَ أَحسنَ. قَولُه: (فقد بينتهُ في " الشرحِ الكبيرِ ") قالَ شيخنا (٦): ((أولُ مَنْ صنفَ في العلمِ، وبوَّبه ابنُ جريج بمكةَ، ومالكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ بالمدينة، فإنَّ ابن أبي ذئبٍ صنفَ موطأً، أكبر من "موطأ مالكٍ" بأضعافٍ حتى قيلَ لمالكٍ: ما الفائدةُ في تصنيفكَ؟ فقالَ: ((ما كانَ للهِ بَقيَ)) والأوزاعيُّ بالشامِ، والثوريُّ بالكوفةِ، وسعيدُ بنُ أبي عروبةَ، والربيعُ بنُ صبيحٍ بالبصرةِ، ومعمرٌ باليمنِ)). قالَ (٧): ((وكانَ هؤلاءِ في عصرٍ واحدٍ، فلا ندري أيهم سبقَ؟))، وهكذا في "شرحِ المصنفِ الكبيرِ"، وقالَ: ((وخالدُ بنُ جميلٍ الذي يقالُ لهُ: العبدُ، ومعمرُ ابنُ راشدٍ باليمنِ))، وساقَ

стр. 111

عبارةَ أبي محمدِ بنِ خلادٍ الرامهرمزي في كتابهِ " المحدّثِ الفاصلِ " (١) في ذَلِكَ، ثمَّ قالَ: ((والحاصلُ من كلامهِ، وكلامِ غيرهِ أَنَّ أولَ مَنْ صنفَ بمكةَ، ابنُ جريجٍ، وبالمدينةِ ابنُ إسحاقَ، أو مالكٌ، وبالبصرةِ الربيعُ بنُ صبيحٍ، أو سعيدُ بنُ أبي عروبةَ، وبالكوفةِ الثوريُّ، وبالشامِ الأوزاعيُّ، وبواسطٍ هشيمٌ، وباليمنِ معمرٌ، وبالريِّ جريرٌ، يعني: ابنَ عبدِ الحميدِ، وبخراسانَ ابنُ المباركِ)). انتهى. (٢) / ٢٥ب / قالَ شيخنا (٣): ((وهذا بالنسبةِ إلى ما يفهمُ منْ لفظِ تصنيفِ منْ جعلَ الشيءَ أصنافاً، وأما جمعُ حديثٍ إلى مثلهِ، ونحوُ ذَلِكَ في بابٍ واحدٍ فقدَ سبقَ إليهِ الشعبيُّ، فإنَّهُ رُويَ عنهُ أنَّهُ قالَ: هذا بابٌ من الطلاقِ جسيمٌ، وساقَ فيهِ أحاديثَ)). انتهى. قلتُ: ورأيتُ في ترجمةِ الحلاجِ مِنْ "تاريخِ الخطيبِ": أَنَّ القاضي أبا عمرَ المالكيَّ توقفَ في أمرهِ حتى قُرىء في كتابٍ لهُ: أمر رُتبهِ، وجعله قائماً مقامَ الحجِّ، فقالَ لهُ (٤): مِنْ أينَ لكَ هذا؟ فقالَ مِنْ كتابِ "الإخلاصِ" للحسنِ فقالَ: كذبتَ ياحلالَ الدمِ، فقدْ سمعنا كتابَ " الإخلاصِ" للحسنِ، ولم يكنْ فيهِ شيء مِنْ هذا، ثمَّ حكمَ بقتلهِ (٥)، فهذا إقرارٌ مِنْ أبي عمرَ على أَنَّ الحسنَ لهُ كتابُ " الإخلاصِ" فهوَ أولُ مَنْ صنفَ مطلقاً (٦)، والله أعلم (٧).

стр. 112

قولهُ: ٢٤ - وَلَمْ يَعُمَّاهُ ولكن قَلَّمَا ... عِنْدَ ابْنِ الاخْرَمْ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا ٢٥ - وَرُدَّ لكن قَالَ يَحيَى البَرُّ ... لَمْ يَفُتِ الخَمسَةَ إلاَّ النَّزْرُ ٢٦ - وَفيهِ مَا فِيْهِ لِقَوْلِ الجُعْفِي ... أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلفِ أَلْفِ ٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكرَارِ ... لَهَا وَمَوْقُوْفٍ وفي البُخَارِي ٢٨ - أَرْبَعَةُ الآلافِ والمُكَرَّرُ ... فَوْقَ ثَلاثَةٍ أُلُوْفاً ذَكَرُوا الضميرُ البارزُ في (يعماهُ) (١) عائدٌ إلى الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ. قولهُ: (إياهما بأحاديثَ) (٢) قالَ بعضُ أصحابنا: منها حديثُ المرأةِ التي شربتْ بولَ النبيِّ ﷺ (٣) وهي أم أيمنَ ﵂ (٤). قولهُ في النظم (٥): (ورُدَّ) إنما كانَ مردوداً؛ لحملهم كلامه على أنهُ يعني: كتابيهما، كما يأتي عن ابنِ الصلاحِ، ويوضحُ الردَّ أَنَّ " مستدركَ الحاكمِ " كتابٌ

стр. 113

كبيرٌ يشتملُ على شيءٍ كثيرٍ مما فاتهما، وإنْ كانَ عليهِ في بعضهِ مقالٌ، فإنَّهُ يصفو لهُ منهُ صحيحٌ كثيرٌ، قالهُ ابنُ الصلاحِ (١) (٢). قالَ شيخنا: ((والذي ظهرَ لي مِنْ كلامهِ أنَّه غيرُ مريد للكتابينِ (٣) وإنما أرادَ مدحَ الرجلينِ بكثرةِ الاطلاعِ والمعرفةِ، لكنْ / ٢٦أ / لما كانَ غيرُ لائقٍ أَنْ يوصفَ أحدٌ مِنَ الأمةِ بأنَّهُ جمعَ الحديث جميعهُ حفظاً، وإتقاناً، حتى ذُكِرَ عنِ الشافعيِّ أنَّهُ قالَ: مَن ادّعى أَنَّ السُنّةَ اجتمعتْ كلها عندَ رجلٍ واحدٍ فسقَ، ومن قالَ: إنَّ شيئاً منها فاتَ الأمةَ فَسَقَ. فحينئذٍ عبَّر عما أراد منَ المدحِ بقولهِ: قلَّ ما يفوتهما منهُ، أي: قَلَّ حديثٌ يفوتُ البخاريَّ ومسلماً معرفتهُ، أو نقولُ: سلمنا أَنَّ المرادَ الكتابانِ، لكنَّ المرادَ بقولهِ: مما يثبتُ منَ الحديثِ: الثبوتُ على شرطهما، لا مطلقُ الصحيحِ. نعمْ، قولُ الشيخِ محيي الدينِ: إنَّهُ لمْ يفتِ الأصولَ الخمسةَ إلا اليسير (٤) منازعٌ، فيهِ إلا أنْ يتمهلَ لهُ أَنَّ ما فاتها يسيرٌ (٥) بالنسبةِ إلى مافيها، أي: أقل مما فيها، ولو كانَ أقلَّ منهُ مثلاً بألفِ حديثٍ، فيتوجهُ حينئذٍ، وستأتي ترجمةُ ابنِ الأخرمِ في معرفةِ مَنْ تقبلُ روايتهُ، ومن تردُّ)) (٦). قلتُ: وقولُ البخاريِّ: ((وتركتُ منَ الصحاحِ لحالِ الطولِ)) (٧). رواهُ عنهُ

стр. 114

إبراهيمُ بنُ معقلٍ النسفيُّ (١)، ربما أشعرَ بقلةِ ما بَقيَ، وإنَّ قولهُ: ((أحفظ مئةَ إلف حديثٍ صحيحٍ)) (٢) ليسَ على ظاهرهِ، بلِ المرادُ بالمكرراتِ، والموقُوفَاتِ، لكنْ قالَ البلقينيُّ: ((نقلَ الحازميُّ (٣) لفظَ البخاريِّ، وفيهِ: وما تركتُ مِن الصحاحِ أكثرُ)) (٤). انتهى. وكذا رواهُ الحافظُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ، قالَ: ((لم أُخرِجْ في هذا الكتابِ إلاّ صحيحاً، وما تركتُ مِن الصحيحِ أكثر))، قالَ الإسماعيليُّ: ((لأنَّهُ لو أخرجَ كلّ صحيحٍ عندهُ لجمَعَ في البابِ الواحدِ حديثَ جماعةٍ منَ الصحابةِ، ولذكرَ طريقَ كل واحد منهمْ إذا صحتْ، فيصيرُ (٥) كتاباً /٢٦ب/ كبيراً جداً)). قالَ شيخُنا العلامةُ تاجُ الدينِ بنُ الغرابيليِّ: ((قولُ الإسماعيلي هذا يؤيد قولَ مَنْ قال: إنَّ مقصود البخاريِّ مِنْ قولهِ: ((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ)) أنَّ ذلكَ بالتكرارِ وغيرهِ)) (٦). قالَ شيخنا: ((ولقد كانَ استيعابُ الأحاديثِ سهلاً، لو أرادَ القادرُ على كل شيءٍ، وذَلِكَ بأنْ يجمعَ الأولُ منهم ما وصلَ إليهِ، ثمَّ يذكرَ مَنْ بعده ما اطلعَ عليهِ مما فاتهُ مِنْ حديثٍ مستقلٍ، أو زيادةٍ في الأحاديثِ التي ذكرها، فيكونُ كالذيلِ عليهِ، وكذا منْ بعده فلا يمضي كثيرٌ مِن الزمانِ، إلا وقد استوعبَ (٧)، وصارت تلكَ المصنَّفاتُ كالمصنَّفِ الواحدِ، ولعمري، لقد كانَ هذا في غايةِ الحسنِ

стр. 115

والسَّدادِ، ولكنْ قدرَ اللهُ، وما شاءَ فعلَ)). قولهُ: (وقالَ مسلمٌ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ (٢) عنهُ: ((ليس كل شيءٍ عندي صحيحٌ وضعتهُ ها هنا - يعني: في كتابهِ " الصحيحِ " - (٣) إنما وضعتُ هاهنا ما أجمعوا عليهِ)) (٤) أراد واللهُ أعلمُ أنَّهُ لم يضعْ في كتابهِ إلا الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها شرائط الصحيحِ)) (٥) (٦). قولهُ: (يريدُ ما وَجَدَ عندهُ فيها) (٧)، أي: يريدُ الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها، وهي عبارةُ ابنِ الصلاحِ كما عرفتَ (٨)، قالَ البلقينيُّ: ((وقيلَ: أرادَ مسلمٌ بقولهِ: ((ما أجمعوا عليهِ)) أربعةً: أحمدَ بنَ حنبلٍ، ويحيى بن يحيى، وعثمانَ ابنَ أبي شيبةَ، وسعيدَ بنَ منصورٍ الخراسانيَّ (٩))). انتهى. أي: ولم يردْ إجماعَ جميعِ الأمةِ كما هو المتبادرُ للفهمِ، لكن لم يُبيّنْ برهانَ هذا القولِ. قولهُ: (وفيهِ ما فيهِ) (١٠) هذا كنايةٌ عن ضعفِ ما تعقّبهُ، وتقديرهُ: وهذا / ٢٧أ / الكلامُ موجودٌ فيه مِن الضعفِ (١١) ما هو موجودٌ فيهِ منهُ، ويكون المرادُ بها

стр. 116

التهويلَ، أو الظهورَ، كأنَّهُ لما كان كالمشاهدِ في وضوحهِ لم يحتجْ إلى بيانهِ. قولهُ: (عُشر ألفِ ألفٍ) (١) عبارة ابنِ الصلاحِ: ((قالَ البخاريُّ: أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ)) (٢) (٣). قولهُ: (بالتكرارِ) (٤) متعلقٌ بمحذوفٍ، تقديرُ الكلامِ: ولعلَّ البخاريَّ أرادَ أَنَّ الصحيحَ الذي يحفظهُ بلغَ مئةَ ألفٍ حالَ كونهِ مستعيناً في ذَلِكَ بتكرارِ الأحاديثِ وبالموقوفاتِ، أي: يعدُّ المكررَ بالأسانيدِ أحاديثَ بحسبِ التكرارِ، ويعدُّ الموقوفَ. قالَ شيخنا: ((إنْ قيلَ: احتمالُ إرادةِ المكررِ لا يقدحُ في الدليلِ؛ لأنَّهُ احتمالٌ ضعيفٌ، ولا يوقفُ الدليل إلا الاحتمال الأرجح، أو المساوي، قيل: جَرت عادةُ جهابذةِ المحدِّثينَ أَنَّ يُسمّوا الحديثَ الواحدَ باعتبارِ سندينِ حديثينِ، وما زادَ بحسبهِ، وكذا الآثارُ، ويؤيدُ أَنَّ هذا هوَ المرادُ أنَّ الأحاديثَ الصحاحَ التي بينَ أظهرِنا، بل وغيرُ الصحاحِ، لو تتبعتْ منَ المسانيدِ، والجوامعِ، والسننِ، والأجزاءِ، وغيرها، لما بلغت مئةَ ألف بلا تكرارٍ، بل ولا خمسينَ ألفاً، ويبعدُ كلَّ البعدِ، بل لا يمكنُ عادةً أنْ يكونَ رجلٌ واحدٌ حفظَ ما فاتَ الأمةَ جمعه، فإنَّهُ إنما حفظَ مِنْ أصولِ مشايخهِ وهي موجودةٌ، أو أكثرها، سلمنا أنَّهُ حفظَ مِنَ الصدورِ مالم يكن مكتوباً، لكنْ يتعذرُ عادةً أنْ لا يكونَ هو كتبَ ذَلِكَ، فيوجدُ بعدهُ، سلمنا، لكن هو أورعُ مِنْ أنْ يكتمهُ، ولو حدَّثَ بهِ لحملَ عنه، فوجدَ، فتعينَ الحملُ على ما قلنا، ومنِ ادعى غيرَ ذَلِكَ فعليهِ البيانُ)).

стр. 117

قولهُ: (وفي البخاريِّ) (١) إلى آخرهِ /٢٧ب/ قال شيخنا - باركَ اللهُ في حياتهِ - (٢): ((ساقَ المصنفُ هذا مَساقَ فائدةٍ زائدةٍ، وليسَ ذَلِكَ مرادَ ابنِ الصلاحِ، بل هو تتمةُ قدحهِ في كلامِ ابنِ الأخرمِ، وحاصلهُ: أنَّهُ يقولُ معنى كلامِ ابنِ الأخرمِ: قَلَّ ما فاتهما في كتابيهما مِنَ الصحيحِ، وقولهُ مردودٌ، بل فاتهما أكثرُ مما خَرَّجاه؛ لقولِ البخاريِّ: ((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ))، وكتابهُ ليسَ فيهِ بالنسبةِ إلى المئةِ ألفٌ إلاَّ يسيرٌ؛ فإنَّ جميعَ ما فيهِ أربعةُ آلاف حديثٍ بغيرِ تكرارٍ، ومع التكرارِ نحوَ سبعةِ آلافٍ، ومسلمٌ أكثرُ ما يكون فيهِ كذلكَ؛ وأينَ تقع نسبةُ المجموعِ مِنَ المئةِ الألف؟ فأينَ قولُ ابنِ الأخرمِ: أنَّهُ لم يفتهما إلا القليلُ، بل قد اتضحَ أنَّهُ فاتهما الكثيرُ مِنْ محفوظ البخاري، فكيفَ بمحفوظِ غيرهِ مِنَ الأمةِ، وقد تقدمَ الجوابُ عن هذا)). قولهُ: (وهو مسلَّمٌ في روايةِ الفربري) (٣) إلى آخرهِ، عبارتهُ في "النكتِ": ((وأنقصُ الرواياتِ روايةُ إبراهيمَ بنِ معقلٍ، فإنها تنقصُ عن روايةِ الفربري ثلاث مئةِ حديثٍ (٤))) (٥). قالَ شيخنا: ((هذا القولُ غيرُ مسلّمٍ؛ فإنهم إنما قالوا هذا تقليداً للحموي، فإنهُ كتبَ البخاريَّ، ورواهُ عن الفربري، وعدَّ كلَّ بابٍ منهُ، ثمَّ جمع الجملةَ، وقلدهُ كلُّ (٦) منْ جاءَ بعدهُ نظراً منهمْ إلى أنَّهُ راوي الكتابِ، ولهُ بهِ العنايةُ التامةُ، وربما

стр. 118

أفهمَ مُفاضلتهم بينَ الرواياتِ أنهمْ لم يقولوا ذَلِكَ تقليداً، وليس كذلكَ؛ لأَنَّ حمادَ بنَ شاكرٍ فاتهُ من آخرِ البخاريِّ فوتٌ، فلمْ يروهِ، فعدوهُ فبلغَ مئتي حديثٍ، فقالوا: روايتهُ ناقصةٌ عن روايةِ الفربري هذا القدرِ، وفاتَ ابنَ معقل أكثرُ مِنْ حماد، فعدوهُ كما فعلوا في روايةِ حمادٍ)). قالَ: ((وفي ذَلِكَ / ٢٨ أ / نظرٌ، فإنَّ روايةَ الثلاثةِ مُتفقةٌ في الكتابةِ، وإنما اختلفت في أَنَّ الفربري سمعَ الجميعَ (١)، وإبراهيمُ وحمادُ فاتهما سماعُ (٢) القدرِ المذكورِ منْ أوآخرِ الكتابِ فقط، وقد بيّن شيئاً مِنْ ذلكَ أبو عليٍّ الجيانيُّ (٣)، ووقع لي أصلٌ أصيلٌ مِنْ نسخةِ النسفي متوالياً، إلا إنَّ في آخرهِ نقصاً منَ الأصلِ، وقالَ: إلى هنا انتهى سماعُ النسفي)) (٤). قال شيخنا (٥): ((ثمَّ لما شرعتُ في "مقدمةِ شرحِ البخاري" قلدتهُ - يعني: الحموي (٦) - كما قلدوهُ إلى كتابِ السلمِ، فوجدتهُ قالَ: إنَّ فيهِ ثلاثينَ حديثاً، أو نحوها - الشكُّ مني -، قالَ: فاستكثرتُها بالنسبةِ إلى البابِ، فعددتُها فوجدتهُا قد نقصتْ عما قالَ كثيراً، فرجعتُ عن تقليدهِ، وعددت محرراً بحسبِ طاقتي فبلغتْ أحاديثهُ بالمكررِ سوى المعلقاتِ والمتابعاتِ سبعةَ آلافٍ وثلاثَ مئة وسبعةً وتسعينَ

стр. 119

حديثاً، وبلغَ ما فيهِ منَ التعاليقِ ألفاً وثلاثَ مئةٍ وأَحَداً وأربعينَ حديثاً (١)، وبلغَ ما فيهِ مِنَ المتابعاتِ والتنبيهِ على اختلافِ الرواياتِ ثلاثَ مئةٍ وأربعةً وثمانينَ حديثاً، فجميعُ ما في الكتابِ على هذا بالمكررِ تسعةُ آلافٍ واثنانِ وثمانونَ حديثاً، وهذهِ العدةُ خارجةٌ عنِ الموقوفاتِ على الصحابةِ، والمقطوعاتِ على التابعينَ فمَن بعدهم، وبلغت أحاديثهُ (٢) بلا تكرارٍ ألفينِ وخمسَ مئةٍ وثلاثةً وعشرينَ حديثاً، هكذا حفظتهُ مِنْ تقديرهِ، ورأيتهُ في خطِّ بعضِ فضلاءِ أصحابِنا، أعني: العدةَ بلا تكرارٍ، ثم رأيتُ عن بعضِ الحواشي المنسوبةِ إليهِ ما يخالفهُ / ٢٨ ب / يسيراً، فراجعتُ نسختي مِنْ مقدمتهِ، وقد قرأتُها عليهِ، فرأيتُ فيها ما نصهُ بعدَ أنْ عدَّ حديثَ كلِّ صحابيٍّ في البخاريِّ على حدةٍ: فجميعُ ما في صحيحِ البخاريِّ منَ المتونِ الموصولةِ بلا تكريرٍ على التحريرِ ألفَا حديثٍ وستُمئةِ حديثٍ وحديثانِ، ومنَ المتونِ المعلقةِ المرفوعةِ التي لم يُوصِلْها في موضعٍ آخرَ منَ الجامعِ المذكورِ مئةٌ وتسعةٌ وخمسونَ حديثاً؛ فجميعُ ذلكَ ألفا حديثٍ وسبعُ مئةِ حديثٍ وواحدٌ وستونَ حديثاً، فاللهُ أعلم)). وممنْ نَقلَ عنْ خطِّ شيخِنا أنَّ الجوزقيَّ قالَ: ((إنَّ عدةَ الأحاديثِ التي اتفقَ الشيخانِ عليها ألفا حديثٍ ومئتا حديثٍ)) (٣)، وذَكرَ نحو هذا القاضي أبو بكرٍ بنُ العربيِّ، فقالَ: ((أحاديثُ الأحكامِ التي اشتمل عليها "الصحيحانِ" نحو ألفي حديثٍ))، وقالَ أبو حفصٍ الميانجيُّ في كتابِ "ما لا يسعُ المحدِّث جهلهُ":

стр. 120

((اشتمل كتابُ البخاريِّ على سبعةِ الآفٍ وستمئةٍ ونيّفٍ (١)، واشتمل كتابُ مسلمٍ على ثمانيةِ الآفِ حديثٍ)) (٢)، وقالَ الشيخُ في "النكتِ" (٣): ((ولم يذكرْ ابنُ الصلاحِ عدةَ أحاديثِ مسلمٍ، وقدْ ذكرها النوويُّ منْ زياداتهِ في "التقريبِ والتيسيرِ"، فقالَ: ((إنَّ عدةَ أحاديثهِ نحوُ أربعةِ الآفٍ بإسقاطِ المكررِ)) (٤)، ولم يذكرْ عدتهُ بالمكررِ، وهو يزيدُ على عدةِ كتابِ البخاريِّ؛ لكثرةِ طرقهِ، وقدْ رأيتُ عنْ أبي الفضلِ أحمدَ ابنِ سلمةَ أنَّهُ اثنا عشرَ ألفَ حديثٍ (٥))) (٦). قولهُ: ٢٩ - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيْحِ إذْ تُنَصُّ ... صِحَّتُهُ أوْ مِنْ مُصَنِّفٍ يُخَصُّ ٣٠ - بِجَمْعِهِ نَحوَ (ابْنِ حِبَّانَ) الزَّكِي ... (وَابنِ خُزَيْمَةَ) وَكَالمُسْتَدْرَكِ إنْ كانتِ الألفُ واللامُ للعهدِ، والمرادُ / ٢٩أ / الصحيحُ الذي تقدّمَ حدُّهُ لم

стр. 121

يصح؛ لأنَّ منْ ذُكِرَ كابنِ خزيمةَ يُسمِّي الحسنَ صحيحاً، وإنْ كانت جنسيةً، والمرادُ ما هو أعمُّ، فلم ينصب على ذَلِكَ قرينةً ترشدُ إليهِ، بل كلامهُ فيما قَبلَهُ وَفيمَا بعدهُ يأباهُ، واللهُ أعلمُ. هذا وصنيعُ المصنفِ في نظمهما (١) غيرُ جيدٍ، فإنَّهُ ذكرَ في الشرحِ أنَّهُ تَعمّدَ حذفَ تقييدِ التنصيصِ على الصحةِ بالتصانيفِ المعتمدةِ، فلم يمشِ على اختيارِ ابن الصلاحِ في أنَّه لا يمكنُ التصحيحُ في هذا الزمانِ، ولا على اختيارِ غيرهِ في أَنَّ ذَلِكَ ممكنٌ، والمصنفُ ممنْ يرى الثانيَ، ولا يرى صحةَ جميعِ ما في ابنِ حبانَ، وابن خزيمةَ (٢)؛ لأنهما يُسميانِ الحسنَ صحيحاً، والمصنفُ يفرقُ، فصارَ ما تضمنهُ البيتانِ اختياراً مُلفّقاً مِنْ مذهبينِ، وكانَ ينبغي نظمُ كلامِ ابنِ الصلاحِ بأنْ يقالَ: يؤخذُ منْ مصنفٍ يعتمدُ ... نصَّ عليهِ (٣) أو كتاب يفردُ فيهِ الصحيحُ (كابنِ حبانَ) الزكي ... (وابن خزيمةَ) وكالمستدركِ

стр. 122

ويكونَ الضميرُ في: يؤخذُ، عائداً إلى الصحيحِ الموصوفِ في الترجمةِ، وهي قولهُ: (الصحيحُ الزائدُ على الصحيحينِ) (١) وقيَّدَ بالمصنَّفاتِ؛ ليُخرِجَ الأجزاءَ المنثورةَ، وبالمعتمدةِ؛ ليُخرِجَ المصنفاتِ التي لم تشتهرْ، فلم يقطعْ بنسبتِها إلى مصنِّفيها، وسيأتي ما في ذَلِكَ قريباً، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في جميعِ ذَلِكَ؛ فإنَّهُ قالَ: ((ثم إنَّ الزيادةَ في الصحيحِ على ما في الكتابينِ (٢) يتلقاهَا طالبها مما اشتملَ عليهِ أحدُ المصنفاتِ المعتمدةِ المشتهرةِ لأئمةِ الحديثِ، كأبي داودَ ... )) (٣) إلى آخرِ كلامهِ، فقيدَ بالأمرينِ. قولهُ: (ينصُ) (٤)، أي: يرفعُ، يقالُ: نصَّ فلانٌ /٢٩ب/ الأمرَ، ونصَّ عليهِ. قال في "الصحاحِ " (٥): ((نصصتُ الحديثَ إلى فلانٍ، أي: رفعتهُ إليهِ)). وقالَ في "القاموسِ": ((والنصُّ التوقيفُ، والتعيينُ، ومنتهى كلِ شيء، والإسنادُ إلى الرئيسِ الأكبرِ، ورفعُ الحديثِ)) (٦). وقالَ ابنُ القطاعِ في " الأفعالِ ": ((نصَّ الحديثَ نَصاً: رفعهُ إلى المحدِّث عنهُ، والعروسَ رفعَها على المنصةِ، وهو كرسيُّها، والشيءَ حرّكهُ، والدابةَ حثثتها)) (٧). وقالَ الهرويُّ في "الغريبينِ": ((النصُّ: التحريكُ حتى يستخرجَ مِنَ الناقةِ أَقصى

стр. 123

سيرها، والنصُّ أصلهُ منتهى الأشياءِ، وغايتها ومبلغُ أقصاها، ويقالُ: نصصتُ الرجلَ: إذا استقصيتُ مسألتهُ عن الشيء حتى تستخرج كلَّ ما عندهُ))، وقال ابنُ فارسٍ، والزبيديُّ، والقزازُ: ((ونصُّ كلِ شيءٍ منها منتهاه)). وقالَ القزّازُ: ((نصصتُ الحديثَ: إذا أظهرتهُ، وقيلَ: أصلُ النصِّ: رفعكَ الشيءَ، والماشطةُ تنصُّ العروسَ التي ترفعُها على المنصةِ، وهي تنتص عليها)). انتهى. ولم يذكرْ أحدٌ مِنْ أهلِ اللغةِ كما ترى ما يقتضي تعدية النصِّ بـ ((على)) كما هو أكثرُ استعمالِ الفقهاءِ، ووجهُ تخريجهِ: أَنَّ المتكلمَ يحذفُ المفعولَ ويجعلهُ نسياً، فكأَنَّهُ قيلَ: أوقعَ النص على كذا، والأصلُ في المعنى رفع الحديثِ، أو البيان على كذا، أو استقصى الكلامَ عليهِ، أو وقفَ الطالبين عليهِ. قولهُ: (والترمذي والنسائي) (١) قال ابنُ الصلاحِ بعده: ((منصوصاً على صحتهِ فيها، ولا يكفي في ذَلِكَ مجردُ كونهِ موجوداً في كتابِ أبي داودَ، وكتابِ /٣٠أ / الترمذي، وكتابِ النسائي، وسائرِ منْ جمعَ في كتابهِ بينَ الصحيحِ، وغيره. ويكفي مجردُ كونهِ موجوداً في كتبِ مَن اشترطَ منهمُ الصحيحَ، فيما جمعهُ، كَكِتابِ ابنِ خزيمةَ (٢)، وكذلكَ ما يوجدُ في الكتبِ المخرجةِ على كتابِ البخاريِّ .. )) (٣) إلى آخره.

стр. 124

قولهُ: (على الصوابِ) (١) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((ولا يشترطُ في معرفةِ الصحيحِ الزائدِ على ما في الصحيحينِ أَنَّ ينصَّ الأئمةُ المذكورونَ، وغيرهم على صحتها في كتبهم المعتمدةِ المشتهرةِ، كما قيدهُ المصنفُ، بل لو نصَّ أحدٌ منهمْ على صحتهِ بالإسنادِ الصحيح إليهِ (٢)، كما في " سؤالاتِ يحيى بنِ معينٍ "، و" سؤالاتِ الإمامِ أحمدَ "، وغيرهما. كفى ذَلِكَ في صحتهِ، وهذا واضحٌ)) (٣). انتهى. وقد مضى ما فيهِ (٤). قولهُ: (في غيرِ تصنيفٍ مشهورٍ) (٥)، قالَ في " النكتِ ": ((كما لا يكتفى في التصحيحِ بوجودِ أصلِ الحديثِ بإسنادٍ صحيحٍ (٦))) (٧). قولهُ: (على تساهلٍ) (٨) متعلقٌ بـ ((خُذْ)) المقدرةِ، مِنْ جهةِ أنّهْ حالٌ مما تعدتْ إليهِ بحرفِ الجرِّ (٩)، أي: وخُذْ زيادةَ الصحيحِ مِنَ "المستدركِ"، حالَ كونهِ (١٠) على تساهلٍ، أي (١١): " المستدركُ "، وإنما كرّرَ أداةَ التشبيهِ في قولهِ

стр. 125

(وكالمستدركِ) ليختصَّ بهِ تعلّقُ الجارِّ في قولهِ: (على تساهلٍ) (١) وهذهِ العبارةُ أحسنُ مِنْ قولهِ في الشرحِ: وإنما قيّدَ (٢) تعلّقَ الجارِّ .... إلى آخرهِ (٣)؛ لأنَّ تعبيرَهُ عن ذَلِكَ مقلوبٌ، فتأملهُ. قولهُ: (وقالَ ما انفرد) (٤)، أي: وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((الحديثُ الذي انفردَ الحاكمُ بتصحيحهِ حسنٌ، إلا إن ظهرتْ فيهِ علةٌ)) (٥)، ثمّ اعترضَ عليهِ بقولهِ: (والحقُ) (٦) .. إلى آخرهِ، وهو قولُ البدرِ بنِ جماعةٍ في مختصرِ ابنِ الصلاحِ، كما نَقلهُ عنهُ في /٣٠ب / "النكتِ (٧) " (٨)، وهو مناقشٌ في ذَلِكَ مِنْ وجوهٍ: الأولُ: أَنَّ ابنَ الصلاحِ لم يحصرْهُ في كونهُ حسناً، وإنما قالَ: إنهُ دائرٌ بينَ الصحةِ والحسنِ فيحتجُّ بهِ؛ لأَنَّ أسوأَ الأحوالِ أنْ يكونَ حسناً كما هو واضحٌ مِنْ قولهِ: ((إنْ لم يكنْ مِنْ قبيلِ الصحيحِ، فهوَ مِنْ قبيلِ (٩) الحسنِ، يحتجُّ بهِ)) (١٠). الثاني: أَنَّ ابنَ الصلاح قد حكمَ بما يليقُ على مقتضى مذهبهِ، فحكمَ بضعفِ ما فيهِ علةٌ، وبالاحتجاجِ بما انفردَ بتصحيحهِ، ولم تظهرْ فيهِ علةٌ، وامتنعَ مِنْ إطلاقِ

стр. 126

الصحةِ عليهِ؛ لأنَّ الحاكمَ متساهلٌ، فلم يعتمدهُ، وهوَ قد سدَّ بابَ التصحيحِ على نفسهِ، وغيرهِ في زمانهِ (١)، ولم يزحزحهُ عن رتبةِ الاحتجاجِ بهِ؛ لأنهُ لم يسد بابَ التحسينِ كما سيأتي أنَّ كلامهُ يُفهِمُ ذَلِكَ (٢) فهوَ دائرٌ بينَ المرتبتينِ لم ينزلْ عنهما. الثالثُ: سَلَّمنا أنه جزمَ بأنهُ حسنٌ، ولايحسنُ الاعتراضُ عليهِ؛ لأنَّ قولَهُ ذَلِكَ مبنيٌ على سدّهِ بابَ التصحيحِ في هذا الزمانِ، ومنَ المعلومِ أَنَّ مَنْ قرر أصلاً، ثمَّ فرّعَ عليهِ لا يناقشُ في التفريعِ إلا إنْ خالفَ فيهِ أصلَه، وإنما يناقشُ في الأصلِ إنْ كانَ فيهِ مناقشةٌ، فإذا بطلَ بطلَت تفاريعهُ كلها، فلو قالَ: ... ... ... ... ... بهِ حجة لا أنْ بعلةٍ يرد وحذف البيتَ الآخر كانَ أحسنَ، ولا يضرُّ تسكينُ هائهِ؛ لأنَّ العربَ تفعلُ مثلَ ذَلِكَ على نيةِ الوقفِ. قولهُ: (والبستيُّ يداني الحاكما) (٣) هذا ردٌّ على منِ اعترضَ على ابنِ الصلاحِ لفهمهِ كلامهُ على غيرِ مرادِه، فإنَّ عبارةَ / ٣١ أ / ابنِ الصلاحِ: ((واعتنى الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظِ بالزيادةِ في عددِ الحديثِ الصحيحِ على ما في الصحيحينِ، وجمعَ ذَلِكَ في كتابٍ سماهُ " المستدركَ"، أودعهُ ما ليسَ في واحدٍ منَ الصحيحينِ، مما رآهُ على شرطِ الشيخينِ، قد أخرجاهُ عن روايةٍ في كتابيهما، أو

стр. 127

على شرطِ البخاريِّ وحده، أو على شرطِ مسلمٍ وحدَهُ، وما أدى اجتهادهُ إلى تصحيحهِ، وإنْ لم يكن على شرطٍ واحدٍ منهما (١)، وهو واسعُ الخطو في شرطِ الصحيحِ، متساهلٌ في القضاءِ بهِ، (٢) فالأولى أنْ نتوسطَ في أمرهِ فنقول: ما حكمَ بصحتهِ، ولم نجد ذَلِكَ فيهِ لغيرهِ منَ الأئمةِ، إنْ لم يكنْ مِنْ قبيلِ الصحيحِ، فهوَ مِنْ قبيلِ الحسنِ، يحتجُّ بهِ، ويعملُ بهِ إلا أنْ يظهرَ بهِ (٣) علةٌ توجبُ ضعفهُ (٤)، ويقاربهُ في حكمه (٥) " صحيحُ أبي حاتمِ بنِ حبانَ البستيِّ ")) (٦). ففهمَ هذا المعترضُ مِنْ هذهِ العبارةِ ترجيحَ كتابِ الحاكمِ على كتاب ابن حبانَ فقالَ: ((أما صحيحُ ابنِ حبانَ فَمنْ عرفَ شرطه، واعتبرَ كلامهُ، عرفَ سموهُ على كتابِ الحاكمِ)) (٧) فردَّ عليهِ الشيخُ، بأنَّ المرادَ: ((أَنَّ ابن حبانَ يقاربُ الحاكمَ في التساهلِ، فالحاكمُ أشدُّ تساهلاً منهُ)) (٨). قالَ في " النكتِ ": ((وهو كذلكَ)) (٩) أي أَنَّ عندَ البستيِّ تساهلاً، ولكنه

стр. 128

أقلُّ مِنْ تساهلِ الحاكمِ، وهذا غيرُ مُسلّم، بل (١) ليسَ عندَ البستيّ تساهلٌ، وإنما غايتهُ: أنَّهُ يسمي الحسنَ صحيحاً، فإنْ كانت نسبتهُ إلى التساهلِ باعتبارِ وجدانِ الحسنِ في كتابهِ، فهي مشاحةٌ في الاصطلاحِ، وإن كانت باعتبارِ خفّةِ شروطهِ، فإنَّهُ يخرجُ في الصحيحِ ما كانَ راويهِ (٢) ثقةً، غيرَ مدلسٍ /٣١ب/، سمع مَنْ فوقه، وسمعَ منهُ الآخذُ عنهُ، ولا يكونُ هناكَ إرسالٌ ولا انقطاعٌ، وإذا لم يكن في الراوي جرحٌ ولا تعديلٌ، وكانَ كلٌ مِنْ شيخهِ، والراوي عنهُ ثقةً، ولم يأتِ بحديثٍ منكرٍ، فهوَ عندهُ ثقةٌ (٣)، وفي كتابهِ " الثقاتِ " (٤) كثيرٌ ممنْ هذه حالهُ، ولأجلِ هذا ربما اعترضَ عليهِ في جعلهم ثقاتٍ من لم يعرفْ اصطلاحه (٥)، ولا اعتراضَ عليهِ (٦)؛ فإنَّه لا يشاحح عليهِ في ذلكَ، وهذا دونَ شرطِ الحاكمِ: أَنْ يخرجَ عن رواةٍ خرَّجَ لمثلهم الشيخانِ في "الصحيحِ". فالجوابُ: أَنَّ ابنَ حبانَ وَفَى بالتزامِ شروطهِ، ولم يُوَفِّ الحاكمُ، قالَ البلقينيُّ: ((فإنَّ فيهِ الضعيفَ، والموضوعَ أيضاً، وقد بيّنَ ذلكَ الحافظُ الذهبيُّ (٧)، وجمعَ منهُ (٨) جزءاً منَ الموضوعاتِ يقاربُ مئةَ حديثٍ)) (٩). قال شيخنا: ((إنما وقعَ للحاكمِ التساهلُ، إما لأنهُ سوَّدَ الكتابَ لينُقحهُ،

стр. 129

فأعجلتهُ المنيةُ، أو لغيرِ ذَلِكَ، قالَ: ومما يؤيدُ الأولَ أني وجدتُ في قريبِ نصفِ الجزءِ الثاني من تجزئةِ ستة مِنَ المستدركِ: إلى هنا انتهى إملاءُ الحاكمِ، قالَ: وما عدا ذَلِكَ مِنَ الكتابِ لا يوجدُ عنهُ إلا بطريقِ الإجازةِ، فَمِن أكبرِ أصحابهِ، وأكثرِ الناسِ له ملازمةً البيهقيُّ، وهو (١) إذا ساقَ عنهُ مِنْ غيرِ المُملَى شيئاً لا يذكرهُ إلا بالإجازةِ. قالَ: والتساهلُ في القدرِ المُملَى قليلٌ جداً بالنسبةِ إلى ما بعده)). قالَ البلقينيُّ: ((وإيرادُ كونِ الرجلِ لم يخرجْ لهُ منِ استدركَ عليهِ لا يلتفتُ إليهِ؛ لأنَّهُ لم يلتزمِ العينَ، بل الشبهَ)) (٢). قلتُ: وشيخنا -والحقُّ / ٣٢أ / معهُ - لايوافقُ على هذا، بل يقولُ: إنّ مرادَهُ بالمثلِ في قولهِ: ((خرَّجَ لمثلها الشيخانِ)) أعمُّ مِنَ العينِ والشبهِ. وصنيعهُ يوضحُ ذَلِكَ؛ فإنَّهُ إذا رَوَى حديثاً بإسنادٍ خرَّجَ لرواتهِ البخاريُّ، قال: صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، ولو كانَ مرادُهُ بالمثلِ معناهُ الحقيقيَّ، لَزمَهُ في كلِّ إسنادٍ جَمَعَ شرطَ البخاريِّ أَن يقولَ: إنَّهُ على شرطهما؛ لأَنَّ شرطَهُ أصعبُ مِنْ شرطِ مُسلمٍ، وسيأتي لهذا مزيدُ بسطٍ عندَ شرحِ قولهِ: (وأرفع الصحيح مرويهما) (٣) في قولهِ: (وليسَ ذلكَ منهم بجيدٍ) (٤). قولهُ في الشرحِ: (ما انفردَ بتصحيحه، لا بتخريجهِ فقط) (٥)، أي: هذا (٦) الحكمُ. وهو كونهُ يحتجُّ بهِ لترددهِ بينَ الصحةِ والحسنِ، إنما هو فيما حكم بصحتهِ، وانفردَ بذلكَ، فلم يوجد تصحيحهُ في كلامِ غيرهِ بالشرطِ المذكورِ،

стр. 130

لا فيما انفردَ بتخريجهِ فقط (١)، أي: مِنْ غيرِ حكمٍ عليهِ بالصحةِ، فإنَّهُ لا يحتجُّ بهِ، واللهُ أعلمُ. فائدةٌ: قالَ البلقينيُّ: ((ويوجدُ في "مسندِ الإمامِ أحمدَ" منَ الأسانيدِ، والمتونِ شيءٌ كثيرٌ ليسَ في الصحيحينِ، ولا في السننِ أيضاً، وهي أربعةٌ: " سننُ أبي داودَ "، والترمذيِّ، والنسائيِّ، وابن ماجه، وكذلكَ يوجدُ في "مسندِ البزّارِ"، وابنِ منيعٍ، والمعاجمِ للطبرانيِّ، وغيرهِ، و" مسندِ أبي يعلى "، والأجزاءِ (٢) ما (٣) يتمكنُ العارفُ بهذا الشأنِ منَ (٤) الحكمِ بصحةِ كثيرٍ منهُ بعدَ النظرِ الشديدِ، وقد كانَ الحاكمُ والخطيبُ يقولانِ في كتابِ السننِ للنسائيِّ: إنَّهُ صحيحٌ، وإنَّ له شرطاً في الرجالِ أشدَّ مِنْ شرطِ مسلمٍ (٥)، وكلُّ ذَلِكَ فيهِ تساهلٌ، والأولُ غيرُ مُسلّمٍ لما (٦) فيهِ مِن الرجالِ المجروحينَ، والأحاديثِ الضعيفةِ، وكانَ / ٣٢ب / الحافظُ أبو موسى المدينيُّ يقولُ عن "مسندِ الإمامِ أحمدَ": إنَّهُ صحيحٌ، وذلكَ مردودٌ؛ ففيهِ أحاديثُ كثيرةٌ ضعيفةٌ، وسيأتي شيءٌ مِنْ ذَلِكَ بزيادةٍ أخرى في ترتيبِ الاختصارِ. انتهى)) (٧). قولهُ: (قالَ الحازمي) (٨)، أي: الإمام أبو بكرٍ محمدُ بنُ مُوسى في كتابِ " شروطِ الأئمةِ " (٩) (١٠): ((إن قيلَ: لا ينهضُ هذا دليلاً على المرادِ؛ لأنَّهُ ربما كانَ

стр. 131

الحاكمُ معَ ذَلِكَ قد اجتهدَ في المستدركِ بنفسهِ وغيرهِ، واستروحَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ إلى أنْ جاءَ المستدركُ أقلَّ تساهلاً، قيلَ: الأصلُ عدمُ هذا، واستعمالُ كلٍ منهما مبلغَ علمهِ في كتابهِ، والواقعُ أَنَّ الكتابينِ كذلكَ)). قولهُ: الْمُسْتَخْرَجَاتُ ٣٣ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ (كَأَبي ... عَوَانَةٍ) (١) وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِبِ ٣٤ - عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا ... إذْ خَالَفتْ لَفْظاً وَمَعْنىً رُبَّمَا ٣٥ - وَمَا تَزِيْدُ فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِه ... فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ ٣٦ - وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقي وَمَنْ عَزَا ... وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا لو مَثَّلَ الشيخُ بأبي نعيمٍ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الأصبهانيِّ كانَ أولى؛ لانفرادهِ عن من (٢) ذكرهُ بالاستخراجِ على كلٍ مِن الصحيحينِ؛ فكأن يقولُ: ((نعيماً)) موضعَ ((عوانةَ)). والإسماعيليُ أبو بكرِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ (٣)، والبَرْقانيُّ (٤) أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ (٥)، وأبو عوانةَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ الإسفرايينيُّ.

стр. 132

قولهُ (١): (المستخرجُ موضوعهُ) إلى آخرهِ (٢)، ظاهرهُ أنَّهُ لا يُسمَّى مُستخرجاً إلا إنْ كانَ على الصحيحِ، وأنَّه لم يُستخرَجْ إلا على الصحيحِ، وليسَ كذلكَ، فقدِ استخرجَ على "سننِ أبي داودَ" محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أيمنَ، وعلى الترمذيِّ أبو عليٍّ الطوسيُّ، واستخرجَ أبو نعيمٍ على " التوحيدِ " لابن خزيمةَ (٣). وعُذرُ المصنِّفِ في ذَلِكَ: أَنَّ كلامهُ سابقاً ولاحقاً في الصحيحِ، وحقُّ العبارةِ أَن يقالَ: موضوعهُ أنْ يأتي المصنِّفُ إلى كتابٍ مِنْ كُتبِ / ٣٣أ / الحديثِ، فيخرجَ .... إلى آخرهِ. قولهُ: (موضوعهُ) (٤) ليسَ المرادُ الموضوعَ المصطلحَ عليهِ، إنما المرادُ حقيقةُ المستخرجِ ومعناه، وأمّا موضوعه بحسبِ الاصطلاحِ: فأحاديثُ الكتابِ الذي استخرج عليهِ، فموضوعُ مُستخرَجِ أبي نُعيمٍ على البخاريِّ: كتابُ البخاريِّ أسانيدهُ ومتونهُ؛ لأنَّهُ يبحثُ في المستخرج عن كلٍ منهما. قولهُ: (أو منْ فوقهُ) (٥) قالَ شيخُنا: ((إذا اجتمعَ المستخرجُ مع صاحبِ الأصلِ في مَنْ فوقَ شيخهِ لا يُسمَّى مستخرجاً، إلا إذا لم يجدْ طريقاً توصلُهُ إلى شيخهِ، وتفيدُ ما تفيدهُ الطريقُ التي أوصلتهُ إلى مَنْ فوقه. وحاصلهُ: أنَّهُ يشترطُ أنْ لا يصلَ إلى الأبعدِ معَ وجودِ السندِ إلى الأقربِ إلا لعذرٍ مِنْ علوٍ، أو زيادةِ حكمٍ مهمٍ، أو نحوِ ذلكَ، ولذلكَ يقولُ أبو عوانةَ في "مستخرجهِ على صحيحِ مسلمٍ" بعد أنْ يسوقَ طُرقَ مسلمٍ كلَّها: ((مِنْ هنا لمخرجهِ))، ثمَّ يسوق أسانيدَ يجتمعُ فيها مع مسلمٍ فيمنْ فوقَ ذلكَ، وربما قالَ: ((مِنْ هنا لم يخرجاه)). قالَ: ولا نظن أنَّهُ يعني

стр. 133

البخاريَّ ومسلماً، فإني استقرأتُ صنيعَهُ في ذَلِكَ، فوجدتهُ إنما يعني مسلماً وأبا الفضلِ أحمدَ بنَ سلمةَ (١)؛ فإنَّهُ كانَ قرينَ مسلمٍ، وصنّفَ مثلَ مسلمٍ، وربما أسقطَ المستخرجُ أحاديثَ لم يجدْ له بها سنداً يرتضيهِ، وربما ذكرها مِنْ طريقِ صاحبِ الكتابِ)) (٢). قولهُ: (إذ) (٣) تعليليةٌ؛ لأَنَّ الأصلَ في المستخرجِ أنْ يخالفَ في الألفاظِ، وربما وافقَ، فإذا خالفَ فتارةً يخالفُ في المعنى أيضاً، وتارةً يوافقُ / ٣٣ ب /. قولهُ: (ربما متعلقٌ بمخالفةِ المعنى فقط) (٤) قالَ شيخُنا: ((يمكنُ أنْ يتعلقَ بالشيئينِ؛ لأنهمُ اختلفوا في ((رُبَّ)) هل هي للتقليلِ أو للتكثيرِ؟ والأصحُ أنها لا تختصُ بأحدهما، كما قالَ في "جمعِ الجوامعِ" (٥) بل تكونُ لهذا تارةً، ولهذا أخرى (٦)، فإذا جعلناها هنا (٧) للتكثيرِ، رددناها إلى الألفاظِ، أو للتقليلِ رددناها إلى المعاني، فيكونُ تقديرُ الكلامِ حينئذٍ: إذ خالفت لفظاً، أو معنى (٨) كثيراً وقليلاً. وتكونُ مِن استعمالِ المشتركِ في مَعنييهِ (٩)، لفاً ونشراً مرتباً.

стр. 134

قلتُ: والأحسنُ أنْ تقرأَ ((رُبَما)) (١) مخففةً؛ لئلا تفحشَ المخالفةُ حينئذٍ (٢) في القافيةِ، لا يقالُ: إنَّ إعرابَ هذا البيتِ مشكلٌ، لأنَّ (رُبَّ) لها صدرُ الكلامِ (٣)، فكيفَ يتقدّمُ متعلقُها عليها؟ لأنّا نقولُ: نقلَ الرضيُّ عن ابنِ السراجِ أَنَّ النحاةَ كالمجمعينَ على أَنَّ (رُبَّ) جواب لكلامٍ (٤)، إمّا ظاهرٌ أو مقدرٌ فهيَ في الأصلِ: موضوعةٌ لجوابِ فعلٍ ماضٍ منفيٍ (٥)، وقالَ: إن الفعلَ قد يحذفُ بعدها عندَ القرينةِ، فحينئذٍ يكونُ المعنى على التعجبِ هنا، كأنهُ لما نهى عن عزوِ ألفاظِ متونِ المستخرجاتِ إلى الكتابِ المستخرجِ عليهِ؛ لأنَّ المستخرجاتِ خالفتهُ لفظاً ومعنىً، استبعدَ السامعُ هذا؛ لأنَّ المستخرجَ عليهِ نفسُ المستخرجِ، فكيفَ يكونُ استخراجُ الشيءِ موجباً لتغيرهِ، فقالَ: ما خالفتُ في شيء مِنْ ذلكَ فقالَ: ربما خالفتَ هذا على ما قررهُ شيخُنا، وعلى ما قررهُ المصنِّفُ يكونُ ذلكَ خاصاً بالمعنى؛ لأنَّ الاستبعادَ فيهِ أشدُّ. قولهُ: (بمقابلتهِ / ٣٤أ / عليهِ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((فليسَ لكَ أنْ تنقلَ حديثاً منها، وتقولَ هوَ على هذا الوجهِ في كتابِ البخاريِّ، أو كتابِ مسلمٍ، إلا أنْ تُقابلَ لفظَهُ، أو يكونَ الذي خرَّجهُ قد قالَ: أخرجهُ البخاريُّ بهذا اللفظِ (٧) بخلافِ الكُتبِ المختصرةِ من "الصحيحينِ"، فإنَّ مصنِّفيها نقلوا فيها ألفاظَ "الصحيحينِ"،

стр. 135

أو أحدهما (١) غيرَ أَنَّ "الجمعَ بينَ الصحيحينِ" للحميديِّ الأندلسيِّ منها يشتملُ على زيادةِ تتماتٍ لبعضِ الأحاديثِ، كما قدَّمنا ذكرَهُ (٢)، فربما نقلَ .. )) (٣) إلى آخرهِ. قولهُ: (فقط) (٤)، أي: متعلق بهذا القسمِ وحدَهُ، وهو ما انضمَّ فيهِ إلى مخالفةِ اللفظِ مخالفةُ المعنى، ولم يرد أَنَّ مخالفةَ المعنى قد توجدُ بدونِ مخالفةِ اللفظِ، بدليلِ قولهِ قبلُ: (وربما وقعتِ المخالفةُ أيضاً في المعنى) (٥) فقولهُ: ((أيضاً)) يفهمُ أَنَّ ذلك مضمومٌ إلى ما قدّمهُ مِنْ مخالفةِ اللفظِ، واللهُ الموفقُ (٦). قولهُ: (لأنها خارجةٌ مِنْ مَخرجِ الصحيحِ) (٧) قالَ شيخُنا: ((هذا مُسلّمٌ في الرجلِ الذي التقى فيهِ إسنادُ المستخرجِ، وإسنادُ مصنفِ الأصلِ، وفيمنْ بعدهُ، وأما مَنْ بينَ المستخرِجِ وبينَ ذلكَ الرجلِ، فيحتاجُ إلى نَقدٍ؛ لأنَّ المستخرجَ لم يلتزمِ الصحةَ في ذلكَ، وإنما جلُّ قصدهِ العلوُ، فإنْ حَصَلَ وَقعَ على غرضهِ، فإنْ (٨) كانَ مع ذَلِكَ صحيحاً، أو فيهِ زيادةٌ أو نحو ذَلِكَ، فهوَ زيادةُ حسنٍ حصلتْ اتفاقاً، وإلا

стр. 136

فليسَ ذلكَ مِنْ همتهِ، واللهُ أعلمُ. قالَ: وربما لم يقعْ لهُ بعض الأحاديثِ إلاَّ بنزولٍ، فيرويهِ كذلكَ، وربما لم يقعْ لهُ إلا مِنْ طريقِ المصنِّفِ، فيسوقهُ مِنْ طريقهِ / ٣٤ب / اضطراراً؛ لإتمامِ الكتابِ، وجلُّ قصدهِ الأولُ كما قرّرنا، قالَ: وقد وقعَ لابنِ الصلاحِ هنا فيما فرَّ منهُ مِنْ عدمِ التصحيحِ في هذا الزمانِ (١)؛ لأنَّهُ أطلقَ تصحيحَ هذهِ الزياداتِ، فشَملَ ذلكَ ما نصَّ عليهِ إمامٌ معتمدٌ، أو وجدَ في كتابِ مَنِ التزمَ الصحةَ، وما ليسَ كذلكَ، ثمَّ عللهُ بتعليلٍ هوَ أخصُّ مِنْ دعواهُ، وهو قوله: ((لأنها خارجةٌ مِنْ مخرجِ الصحيحِ)) (٢)، فإنَّهُ قد تقدّمَ أنها لا تتعلقُ بمخرجِ الصحيحِ إلا مِنْ ملتقى الإسنادِ إلى منتهاهُ)) (٣). قولهُ: (فلو رواه أبو نعيمٍ مثلاً مِنْ طريقِ مسلمٍ) (٤) يوجدُ في كثيرٍ مِنَ النسخِ: البخاري، وكذا في الثلاثةِ الألفاظِ بعدهُ. قالَ شيخنا: ((كانت كذلكَ، ثمَّ التمسنا منَ المصنفِ تغييرَها، فغيَّرها لأجلِ صحةِ المثالِ الذي مثَّلَ بهِ، فإنَّ البخاريَّ لم يخرجْ لأبي داودَ الطيالسيِّ في "صحيحهِ" إلا تعليقاً (٥) (٦). قالَ: ولو مثَّلَ بمن أخرجا له لكانَ أولى، فعبدُ الرزاقِ لو رَوَى أبو نعيمٍ عنهُ حديثاً مِنْ طريقِ البخاريِّ أو مسلمٍ، لم يصل إليهِ إلا بأربعةٍ، وإذا

стр. 137

رواهُ عن الطبراني، عنِ الدبَريِّ (١) - بالموحدةِ المفتوحةِ عنه -، وصلَ باثنينِ كما ترى. قولهُ: (إلا هاتينِ) (٢) أما في كتابِ "علومِ الحديثِ " فمسلَّمٌ، وإلا فقد ذكرَ الفائدةَ التي زادها الشيخُ في مقدمةِ "شرحهِ لمسلمٍ". قال: ويشكلُ (٣) على ذَلِكَ بأنَّ اللامَ في قولهِ: ((خارجةٌ مِنْ مخرجِ الصحيحِ)) للعهدِ، أي: صحيحِ البخاريِّ أو مسلمٍ، ويمتنعُ معهُ زيادةُ العددِ على ما في الصحيحِ، فإنّا قد شرطنا في الاستخراج أنْ يصلَ المستخرجُ إلى شيخِ / ٣٥ أ / المصنِّفِ، أو مَنْ فوقهُ، فلم يأتِ المستخرجُ إلا بسندِ ذلكَ المصنفِ، فامتنعَ التعددُ. قالَ: والانفصالُ عَنهُ بأنَّ شيخَ المصنِّفِ قد يضمُ (٤) في طريقِ المستخرجِ شخصاً آخرَ فأكثرَ، معَ الذي حدَّثَ (٥) مصنِّفُ الصحيحِ عنه فيأتي التعددُ، وربما ساقَ له طرقاً أخرى إلى الصحابي بعدَ فراغهِ مِنْ استخراجهِ، كما قدَّمنا عن أبي عوانةَ. قالَ: وقد أبلغتُ الفوائدَ إلى عشرٍ أو أكثرَ، فمنها: أنْ يكونَ مصنِّفُ الصحيحِ رَوَى عن مختلطٍ ولم يُبَيّنْ هل سماعُ ذلكَ الحديثِ منه في هذهِ الروايةِ قبلَ الاختلاط، أو بعده؟ فيبينهُ المستخرجُ، إما تصريحاً، أو بأنْ يرويهُ عنهُ مِنْ طريقِ منْ لم يسمعْ منهُ إلا قبلَ الاختلاطِ، ومنها: أَن يُروَى في "الصحيحِ" عن مدلسٍ بالعنعنةِ، فيرويهِ المستخرِجُ بالتصريحِ بالسماعِ فهاتانِ فائدتانِ جليلتانِ، وإنْ كنا لا نتوقفُ في صحةِ ما رُوِيَ في الصحيحِ مِنْ ذلكَ،

стр. 138

غيرَ مبينٍ، ونقولُ: لو لم يطّلعْ مصنِّفهُ مِن البخاريِّ، أو مسلمٍ أنهُ روى عنهُ قبلَ الاختلاطِ، وأَنَّ المدلسَ سمعَ (١)، لم يخرجاهَ، فقد سألَ السبكيُّ المزيَّ: هل وُجِدَ لكلِ ما روياهُ بالعنعنةِ طرقٌ مصرحٌ فيها بالتحديثِ؟ فقالَ: كثير مِنْ ذلكَ لم يوجدْ، وما يسعنا إلا تحسينُ الظنِ. ومنها: أَنْ يروى عن مبهمٍ كأن يقولا: حدثنا فلانٌ، أو رجلٌ، أو فلانٌ وغيرهُ، أو غيرُ واحدٍ، أو نحو ذلكَ، فيعينهُ المستخرجُ. ومنها: أَن يرويَ عن مهملٍ نحوَ حدثنا محمدٌ / ٣٥ ب / مِنْ غيرِ ذكرِ ما يميزهُ عن غيرهِ منَ المحمدينَ، ويكونُ في مشايخِ مَنْ رواهُ كذلكَ، مَن يشاركهُ في الاسمِ، فيميزهُ المستخرجُ (٢). ثم نَقلَ شيخُنا عن الحافظِ شمسِ الدينِ بنِ ناصرِ الدينِ أنَّهُ نيّفَ (٣) بالفوائدِ عن الخمسَ عشرَةَ (٤)، فأفكرَ ملياً، ثم قالَ: عندي ما يزيدُ على ذلكَ بكثيرٍ، وهوَ أَنَّ كلَّ علةٍ أُعلَ بها حديثٌ في أحدِ الصحيحينِ، جاءت روايةُ المستخرجِ سالمةً منها، فهي مِنْ فوائدِ المستخرجِ، وذَلِكَ كثيرٌ جداً، واللهُ الموفقُ. قولهُ: (والأصلَ يعني البيهقي) (٥) لا شكَّ أَنَّ الأحسنَ تركُ هذا، والاعتناء بالبيانِ فراراً مِنْ إيقاعِ منْ لا يعرفُ الاصطلاحَ في اللبسِ، بتوهمهِ أَنَّ هذا لفظُ البخاريِّ مثلاً، ولا شكَّ أَنَّ الملامةَ (٦) في إطلاقِ ذَلِكَ على الفقيهِ أشدُّ منها على المحدِّثِ.

стр. 139

وقد نبّهَ ابنُ دقيقِ العيدِ على هذا بتفصيلٍ حسنٍ، وهو: أنَّكَ إذا كنتَ في مقامِ الروايةِ، فلكَ أنْ تقولَ: أخرجهُ البخاريُّ مثلاً، ولو كانَ مخالفاً، فإنَّهُ قد عرفَ أَنَّ جلَّ قصدِ المحدِّث السندُ، والعثورُ على أصلِ الحديثِ دونَ ما إذا كنتَ في مقامِ الاحتجاجِ، فمنْ روى في المعاجمِ، والمشيخات، ونحوها فلا حرجَ عليهِ في الإطلاق، بخلافِ مَنْ أوردَ ذلكَ في الكتبِ المبوبةِ، لا سيَّما إنْ كانَ الصالحُ للترجمةِ قطعةً زائدةً على ما في الصحيحِ. وهذا نظرٌ بديعٌ، فما أحسنَ فهمَ الأشياءِ بحسبِ الإيماءِ إلى المقاصدِ! رحمَ اللهُ ابنَ حبانَ! حيثُ نظرَ مثلَ هذا النظرِ وفصَّلَ كهذا التفصيلِ، / ٣٦ أ / وإنْ لم يكنْ في هذا المهيعِ، فقالَ في الترجيح: ((إنَّ المخالفةَ بينَ الروايتينِ (١)، إنْ كانتْ في السندِ رجَّحنا قولَ المحدِّث على قولِ الفقيهِ؛ لأنَّهُ بالسندِ أقعدُ، وإنْ كانت في المتنِ فبالعكسِ؛ لأنَّ الفقيهَ أكثرُ عنايةً بالمتنِ؛ ولهذا ربما ذكرَ المحدِّثُ بعدَ السندِ طرفاً يسيراً منَ المتنِ (٢)، ثمَّ قالَ: الحديثَ، والفقيهُ ربما حذفَ السندَ)) (٣). قلتُ: فإذا كانَ الذي دلَّ على الحكمِ إنما هو قطعةٌ مِنَ الحديثِ، ليسَ في ألفاظِها تخالفٌ في واحدٍ مِنَ الكتابينِ، فإنْ ذكرت تلكَ القطعةَ فقطْ (٤)، فلا شكَّ في حسنِ العزوِ، وإنْ ذكرَ جميعَ الحديثَ، فينبغي أيضاً أن يسوغَ العزو، كما لو لم يقعْ في شيءٍ مِنَ الحديثِ، ولو وقعَ التخالفُ في بقيتهِ؛ لأنَّ المقصودَ بالذاتِ في ذلكَ المقامِ إنما هو القطعةُ التي سيقَ الحديثُ للاحتجاجِ بها.

стр. 140

قولهُ: (وليتَ إذ زادَ الحميديْ ميزا) (١) قالَ: قد حصلَ هذا المُتَمَنَّى (٢) - وللهِ الحمدُ - مِنَ الحُميديِّ إجمالاً، وتفصيلاً، أمّا إجمالاً فقالَ في خطبةِ الجمعِ: ((وربما زدتُ زياداتٍ مِنْ تتماتٍ، وشرحٍ لبعضِ ألفاظِ الحديثِ، ونحوِ ذَلِكَ وقفتُ عليها في كتبِ مَن اعتنى بالصحيحِ كالإسماعيليِّ، والبرقانيِّ)) (٣). وأمّا تفصيلاً فعلى قسمينِ: جلي، وخفي، أمّا الجليُّ: فيسوقُ الحديثَ، ثمَّ يقولُ في أثنائهِ: إلى هنا انتهتْ روايةُ البخاريِّ مثلاً، ومن هنا زادهُ البرقانيُّ مثلاً، وأمّا الخفيُ: فإنَّهُ يسوقُ الحديثَ كاملاً أصلاً وزيادةً، ثمَّ يقولُ: أما مِنْ أولهِ إلى كيتَ وكيتَ (٤) فرواهُ فلانٌ، وما عدا ذلكَ زادهُ فلانٌ، أو يقولُ (٥): لفظة كذا / ٣٦ ب / زادها فلانٌ، ونحو ذلكَ. وكلامُ ابنِ الصلاحِ واقعٌ على الثاني، وتعبيرهُ يميز في قولهِ: ((فربما نقلَ منْ لا يميزُ)) (٦)، يشعرُ بأنَّ هذا مرادُهُ، وإلا لقالَ: فربما نقلَ الناقلُ (٧)، ونحو ذلكَ مِنَ العباراتِ الدالةِ على التعميمِ، وإنما يقعُ مَنْ لا يميزُ في ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ينظرُ الحديثَ كاملاً فيعزوهُ إلى البخاريِّ مثلاً، منْ غيرِ أنْ ينظرَ ما بعدهُ، فيخطئَ (٨).

стр. 141

قولهُ: (خلاف ما اقتضاهُ كلامُ ابنِ الصلاحِ) (١)، أي: فإنَّهُ لما ذكرَ مِنْ أينَ تؤخذُ الزيادةُ على الصحيحِ فقالَ: إمّا بالتنصيصِ على صحتها مِنَ الكتبِ المشهورةِ، أو بوجودها في كتابٍ اشترطَ مصنِّفهُ الصحةَ، ثمَّ قالَ: وكذلكَ ما يوجدُ في الكتبِ المخرجةِ على كتابِ البخاريِّ ومسلمٍ، مِنْ تتمةٍ لمحذوفٍ، أو زيادةِ شرحٍ في كثيرٍ مِنْ أحاديثِ الصحيحينِ، قالَ: وكثيرٌ مِنْ هذا موجودٌ في الجمعِ بين الصحيحينِ للحميديِّ، فظاهرُ هذا أَنَّ ما وقعَ فيهِ منَ الزياداتِ محكومٌ بصحتهِ. هذا كلامُه في " الشرحِ الكبيرِ " وهو كذلكَ. ولا مناقشةَ على (٢) ابنِ الصلاحِ (٣) فيهِ؛ لأنَّهُ جارٍ على ما أصلَ منْ أَنَّ زياداتِ المستخرجاتِ صحيحةٌ، وما في " الجمعِ " للحميديِّ منها، وإنما يناقشُ في الأصلِ كما مضى، فيبطل الفرعُ بإبطالهِ. قولهُ: مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ ٣٧ - وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ... ثُمَّ البُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ، فَمَا ٣٨ - شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي ... فَمُسْلِمٌ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفي ٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ ... فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ ثمَ قالَ: (اعلمْ أَنَّ درجاتِ الصحيحِ) (٤) عبارةُ ابنِ الصلاحِ في السابعِ منَ الفوائدِ المتعلقةِ بالصحيحِ: ((وإذا انتهى الأمرُ في معرفةِ الصحيحِ إلى ما خَرَّجهُ الأئمةُ في

стр. 142

تصانيفهم الكافلةِ ببيانِ ذلكَ كما سبقَ ذكرهُ، فالحاجةُ ماسةٌ إلى التنبيهِ على أقسامهِ باعتبارِ ذلكَ (١) / ٣٧أ /: فأولها: صحيحٌ أخرجهُ البخاريُّ ومسلمٌ جميعاً. الثاني: صحيحٌ انفردَ بهِ البخاريُّ، أي: عنْ مسلمٍ. الثالثُ: صحيحٌ انفردَ بهِ مسلمٌ، أي عن البخاريِّ ... )) إلى آخرهِ. ثمَّ قالَ: ((وأعلاها: الأولُ وهوَ الذي يقولُ فيهِ أهلُ الحديثِ كثيراً: صحيحٌ متفقٌ عليهِ. يطلقونَ ذلكَ، وَيَعنونَ بهِ اتفاقَ البخاريِّ ومسلمٍ، لا اتفاق الأمّةِ عليهِ، لكنَّ اتفاقَ الأمةِ عليهِ لازمٌ مِنْ ذلكَ، وحاصلٌ معهُ؛ لاتفاقِ الأمّة على تلقي ما اتفقا عليهِ بالقبولِ، وهذا القسمُ جميعهُ مقطوعٌ بصحتهِ (٢) ... )) (٣) إلى آخرهِ (٤). قولهُ: (والرابعُ: ما هوَ على شرطهما) (٥) إنْ قيلَ: ما وجهُ تأخيرِ هذا عما أخرجهُ أحدهما؟ قيلَ: الذي أخرجهُ أحدهما تلقّتهُ الأمةُ بالقبولِ، بخلافِ ما كانَ على شرطهما، ولم يخرجاه، وإنْ كانَ قد يعرضُ للمفوقِ (٦) ما يجعلهُ فائقاً، كأنْ يتفقا على حديثٍ غريبٍ، ويخرجُ مسلمٌ مثلاً، أو غيرُه حديثاً يبلغُ مبلغَ التواترِ، فلا

стр. 143

شكَّ في أرجحيتهِ، ولا يقدحُ (١) في قولنا: ما اتفقا عليهِ أعلى؛ لأنَّهُ باعتبارِ الإجمالِ (٢). قولهُ: (ما هو صحيحٌ عندَ غيرهما) (٣)، أي: باستيفاءِ الشروطِ التي ذَكرَها في حدِّ الصحيحِ، وأوردَ على هذا خمسةَ أقسامٍ أُخَرَ: أولها: المتواترُ فيكونُ أعلى الأقسامِ. الثاني: المشهورُ الذي فَقَدَ بعضَ شروطِ التواترِ. الثالثُ: ما اتفقَ عليهِ الستةُ، وبعدَ هذا ما اتفقا عليهِ إلى آخر السبعةِ التي ذكروها. الرابعُ مما أوردَ - وهوَ الحاديَ عشرَ -: ما فَقَدَ شرطاً، كالاتّصالِ مثلاً عندَ منْ يعدهُ صحيحاً. الخامسُ - وهو الثاني عشرَ -: ما فَقَدَ تمامَ / ٣٧ ب / الضبطِ، ونحوه مما ينزله إلى رتبةِ الحسنِ عندَ منْ يُسمّيهِ صحيحاً. قالَ شيخُنا: ((ولا يردُ منها إلا المشهورُ، وهوَ إيرادُ الحافظِ صلاحِ الدينِ العلائيِّ، وأنا متوقفٌ في رتبتهِ، هل هي قبل (٤) ما اتفقا عليهِ أو بعدهُ؟ وأما المتواترُ فلا يردُ؛ لأنَّهُ لا يشترطُ فيهِ عدالةُ الراوي، وكلامنا في الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ، سَلّمنا ورودَهُ، ولا يوجدُ متواترٌ إلا وهو فيهما، أو في أحدهما.

стр. 144

وأمّا ما أخرجهُ الستةُ وهوَ إيرادُ الحافظِ علاءِ الدينِ مغلطاي، فلا يردُ أيضاً؛ لأنَّهُ قسمٌ، لا قسيمٌ، فإنَّ ما أخرجاهُ لا يخلو إمّا أنْ ينفردا بهِ، أو يوافقَهما عليهِ غيرُهما، فهو حينئذٍ قسمٌ مندرجٌ تحتهُ، وتلكَ الأقسامُ متباينةٌ من كلِ وجهٍ، فلا يردُ عليها إلا ما كانَ مبايناً لكلٍ منها. قال: وعلى طريقِ التنَزلِ فكانَ ينبغي أنْ يقالَ: ما أخرجهُ الستةُ، ثمَّ ما أخرجوهُ إلاَّ واحداً منهم، وكذا ما أخرجهُ الأئمةُ الذينَ التزموا الصحةَ، ونحو هذا إلى أنْ تنتشرَ الأقسامُ، فتكثرَ حتى يعسرَ حصرها)). قلتُ: الذي يظهرُ لي - ولم أفهمْ غيرَهُ بعدَ محاورةٍ كبيرةٍ (١) من شيخنا - أَنَّ هذا واردٌ؛ لأنَّ قولَنا: ما أخرجهُ الستةُ، ثمَّ ما أخرجوهُ إلا واحداً وِزَان (٢) قولنا ما أخرجهُ الشيخانِ، ثمَّ ما أخرجهُ أحدُهما، وقولنا: ما أخرجهُ الشيخانِ دونَ ما اتفقَ عليهِ الستةُ، وزان قولنا: ما أخرجهُ أحدُ الشيخينِ دونَ ما اتفقا عليهِ، واللهُ أعلمُ. لكن قالَ شيخنا (٣) في " النكتِ ": ((منْ لم يشترطْ / ٣٨ أ / في كتابهِ الصحيحَ لا يزيدُ تخريجهُ للحديثِ قوةً، نعم ما اتفقَ الستةُ على توثيقِ رواتهِ، أولى بالصحةِ مما اختلفوا فيهِ، وانِ اتفقَ عليهِ الشيخانِ))، وكلامهُ غيرُ مسلمٍ، أولاً وآخراً، أما أولاً؛ فلأنَّ أصحابَ السننِ، وإنْ لم يشترطُوا الصحيحَ، فإنّ لركونِ نفوسِ الأمةِ إليهم، وطمأنينتها بهم (٤) وقعاً عظيماً، يفيدُ ما أخرجوه في كتبهم قوةً إذا صحَّ سندُهُ لجلالتهم في النفوسِ، والقطعِ بإمامتهم، معَ كونِ كتبهم مبوبة، فهم فيما أخرجوهُ فيها في معرضِ الاحتجاجِ بهِ، وأمّا آخراً؛ فلأنَّ إجماعهم على توثيقِ الرجالِ لايعادُ؛ لاتفاقِ

стр. 145

الأمة على صحةِ المتونِ، واللهُ أعلمُ. (١) وأما الاثنانِ الآخرانِ فلا يردانِ، لأنَّ الكلامَ في الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ. وفائدةُ هذا التقسيمِ تظهرُ عندَ الترجيحِ. قولهُ: (لأنَّ النسائيَّ) (٢) قلتُ: هما أخرجا منْ أجمعَ على ثقتهِ إلى حينِ تصنيفهما، والنسائيُّ ضعف بعدَ وجودِ الكتابينِ، فلا يقدحُ ذلكَ؛ لأنهما لم (٣) يلتزما أنَّهُ لا يأتي أحدٌ (٤) بعدهما يخالفُ في ذلكَ (٥)، فقالَ شيخنا: ((تضعيفُ النسائيِّ إن كَانَ باجتهادهِ، أو نقلهِ عنُ معاصرٍ، فيأتي قولكَ هذا، وإن كانَ ينقلُ عن متقدمٍ فلا، قالَ: والواقعُ في نفس الأَمرِ أَنَّ نقلَ التضعيفِ موجودٌ عن منْ تقدمَ على عصرِهما، ويُمكنُ أَنْ يُجابَ عنِ ابنِ طاهرٍ بأنَّ ما قالهُ هوَ الأصلُ الذي يُبنى عليهِ أمرهما، وَقد يخرجانِ عنهُ لمرجح يقومُ مقامهُ)). قوله: (هذا حاصلُ كلامهِ) (٦) قالَ شيخنا: / ٣٨ب/ ((كلامهُ أبسطُ مِنْ هذا، وهوَ أنَّهُ عمد إلى الزهري لكثرةِ أصحابه، فجعلهم خمسَ طبقاتٍ:
следующие страницы →