← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الميانشيُّ (١): ((إنَّ شرطهما في الصحيحينِ أنْ لا يدخلا فيهِ إلا ما صحَّ، وهو ما رواهُ عن رسولِ اللهِ ﷺ اثنانِ فصاعداً، وما نقلهُ عن كلِّ واحدٍ منَ / ١٢أ / الصحابةِ أربعةٌ مِن التابعينَ فأكثرُ، وأنْ يكونَ عنْ كلِ واحدٍ منَ التابعينَ أكثرُ منْ أربعةٍ)) (٢))). وقد علم بهذا أَنَّ اشتراطَ العددِ ليسَ خاصاً ببعضِ المعتزلةِ كما قالَ الشيخُ (٣) (٤)، ومؤاخذةُ ابنِ دقيقِ العيدِ لابنِ الصلاحِ وقعتْ على قولهِ: بين أهلِ الحديثِ، فهوَ يقولُ: لأي معنىً يخصهُ بأهلِ الحديثِ؟ فإنَّ هذهِ أصعبُ الشروطِ فمنْ لايشترطُ السلامةَ منَ العلةِ والشذوذِ يصححُ هذا مِنْ بابِ الأولى، فكانَ ينبغي أنْ يقولَ: هذا هوَ الحديثُ الصحيحُ إجماعاً (٥)، ولا يخفى (٦) أَنَّ هذا لا يتوجهُ عليهِ

стр. 72

مع مخالفةِ منِ اشترطَ العددَ منَ المعتزلةِ وغيرهم (١)، بل المتوجهُ أَنَّ يخصَّ نفيَّ الخلافِ بالجمهورِ (٢) وكانَ مالكٌ ﵀ يشترطُ للقبولِ أمراً آخرَ، وهوَ كونُ الراوي معروفاً بطلبِ الحديثِ موصوفاً بينَ أهلهِ؛ وعلى هذا لايسلمُ قولُ ابنِ الصلاحِ: ((بلا خلافٍ بينَ أهلِ الحديثِ)) (٣). قولهُ: (أنْ يكونَ جامعاً مانعاً) (٤) يعني: ومتى لم يقيدْ بالإجماعِ (٥) خرجَ عنهُ المرسلُ (٦) عندَ مَنْ يصححهُ ونحوهُ على رأي الفقهاءِ، فلمْ يجمع وإنْ كانَ مانعاً (٧). قلتُ: وقد تبينَ أنَّهُ دخلَ فيهِ الحسنُ لذاتهِ كما مضى (٨)، وحديثُ منْ لم يكنْ مشهوراً بالروايةِ. ومالكٌ يخالفُ فيهِ فلمْ يمنعْ، وإنْ أجيبَ عنهُ بأنَّهُ حد على رأيِّ أهلِ الحديثِ لم يفدْ إلا أنْ يرادَ جمهورهم. والحاصلُ: أَنَّ ابن دقيقِ العيدِ اعترضَ على عبارةِ ابنِ الصلاحِ بشيئينِ: أحدهما: إنَّ تقييدهُ بأهلِ الحديثِ لا يفيدُ، بل ينقصُ مِنَ المعنى شيئاً ينبغي تحصيلهُ، وهوَ أَنَّ الحديثَ الجامعَ لهذهِ الأوصافِ صحيحٌ عند مَن لا يشترطُ /١٢ب/ بعضَ هذهِ الشروطِ مِنَ الفقهاءِ منْ بابِ الأولى.

стр. 73

والثاني: إنَّ تعريفهُ غيرُ جامعٍ؛ لخروجِ المرسلِ، وابنُ الصلاحِ قد صرَّحَ بأَنَّ بعضَ أهلِ الحديثِ يصححهُ كمالكٍ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في قبولها الاعتراضينِ؛ فإنَّهُ قالَ بعدَ التعريفِ بما ذكرَ: ((فهذا هوَ الحديثُ الذي يحكمُ لهُ بالصحةِ بلا خلافٍ بينَ أهلِ الحديثِ، وقدْ يختلفونَ في صحَّةِ بعضِ الأحاديثِ؛ لاختلافهمْ في وجودِ هذهِ الأوصافِ فيهِ، أو لاختلافهمْ في اشتراطِ بعضِ هذه الأوصافِ كما في المرسلِ)) (١). وقالَ الشيخُ في " النكت" (٢): ((اعترض عليهِ -أي: في تعريفهِ للصحيحِ - بأنَّ منْ يقبلُ المرسلَ لا يشترطُ أنْ يكونَ مسنداً، وأيضاً اشتراطُ سلامتهِ مِن الشذوذِ والعلةِ إنما زادها (٣) أهلُ الحديثِ كما قالهُ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " قالَ: وفي هذينِ الشرطينِ نظرٌ (٤) ... )). إلى آخر كلامهِ. والجوابُ: أَنَّ مَنْ يصنفُ في علمِ الحديثِ إنما يذكرُ الحدَّ مِنْ عندِ أهلهِ، لامنْ عند غيرهمْ مِنْ أهلِ علمٍ آخرَ، وفي " مقدمةِ مسلمٍ ": ((أَنَّ المرسلَ في أصلِ قولنا، وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ ليسَ بحجةٍ)) (٥)، وكونُ الفقهاءِ. والأصوليينَ لا يشترطونَ في الصحيحِ هذينِ الشرطينِ، لا يُفسدُ الحدَّ عندَ مَنْ يشترطهما، على أَنَّ المصنفَ قدِ احترزَ عنْ خلافهمْ، وقالَ بعدَ أنْ فرغَ منَ الحدِّ، وما يحترزُ بهِ عنهُ : ((فهذا هوَ الحديثُ)) إلى آخرِ ما نقلتهُ أنا عنهُ آنفاً، قالَ: فقدِ احترزَ المصنفُ عما اعترضَ بهِ عليهِ فلمْ يبقَ للاعتراضِ وجهٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 74

وقولهُ: (بلا خلاف) (١) إنما قيد نفيَّ الخلافِ بأهلِ / ١٣أ / الحديثِ؛ لأنَّ غيرَ أهلِ الحديثِ قد يشترطونَ شروطاً زائدةً على هذهِ كاشتراطِ العددِ في الروايةِ كما في الشهادةِ، ثمَّ قالَ: على أنَّهُ قد حكيَ أيضاً عن بعضِ أصحابِ الحديثِ. قالَ البيهقي في "رسالتهِ إلى أبي محمدٍ الجويني": ((رأيتُ في "الفصولِ" التي أملاها الشيخُ حكايةً عنْ بعضِ أصحابِ الحديثِ أنَّهُ يشترطُ في قبولِ الأخبارِ، أنْ يرويَ عدلانِ عنْ عدلينِ حتى يتصلِ مثنى مثنى برسولِ اللهِ ﷺ ولمَ يذكرْ قائلهُ)) إلى آخر كلامهِ، وكانَ البيهقيُّ رآهُ في كلامِ أبي محمدٍ الجويني، فنبههُ على أنَّهُ لايعرفُ عن أهلِ الحديثِ. وقولهُ: (وقد يختلفونَ) (٢) إلى آخرهِ، يريدُ بقولهِ: ((هذهِ الأوصافُ أوصافُ القبولِ التي ذكرها في حدِّ الصحيحِ، وإنما نبهتُ على ذلكَ، وإنْ كانَ واضحاً؛ لأني رأيتُ بعضهمْ قد اعترضَ عليهِ، فقالَ: إنَّهُ يعني الأوصافَ المتقدمةَ مِنْ إرسالٍ، وانقطاعٍ، وعضلٍ، وشذوذٍ، وشبهها، قالَ: وفيهِ نظرٌ مِنْ حيثُ إنَّ أحداً لم يذكرْ أَنَّ المعضلَ، والشاذَّ، والمنقطعَ صحيحٌ، وهذا الاعتراضُ ليسَ بصحيحِ؛ فإنَّهُ إنما أرادَ أوصافَ القبولِ كما قدمتهُ، وعلى تقديرِ أنْ يكونَ أرادَ ما زعمَ فمنْ يحتجُّ بالمرسلِ لا يتقيدُ بكونهِ أرسلهُ التابعيُ، بل لو أرسلهُ أتباعُ التابعينَ احتجَّ بهِ، وهوَ عندهُ صحيحٌ، وإنْ كانَ معضلاً، وكذلكَ منْ يحتجُّ بالمرسلِ يحتجُّ بالمنقطعِ، بلِ المنقطع والمرسلُ عندَ المتقدمينَ واحدٌ، وقالَ أبو يعلى الخليليُّ القزوينيُّ في " الإرشادِ " (٣):

стр. 75

((إن الشاذَّ ينقسمُ إلى صحيحٍ، ومردودٍ)) / ١٣ب / فقولُ هذا المعترضِ أَنَّ أحداً لايقولُ في الشاذِّ أنَّهُ صحيحٌ مردودٌ بقولِ الخليليِّ المذكورِ، واللهُ أعلمُ)) (١). انتهى كلامُ " النكتِ " (٢). قولهُ: ١٤ - وَبالصَّحِيْحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا ... في ظَاهِرٍ لاَ الْقَطْعَ، وَالْمُعْتَمَدُ ١٥ - إمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلى سَنَدْ ... بِأنّهُ أَصَحُّ مُطْلَقاً، وَقَدْ ١٦ - خَاضَ (٣) بهِ قَوْمٌ فَقِيْلَ مَالِكُ ... عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ ١٧ - مَوْلاَهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ ... الشَّافِعِي قُلْتُ: وعَنْهُ أَحْمَدُ الجارُ في ((بالصحيحِ))، يتعلقُ بـ ((قصدوا)) و ((في ظاهرٍ)) يتعلقُ بمحذوفٍ، و ((القطعُ)) معطوفٌ على ذَلِكَ المحذوفِ معَ متعلقهِ، تقديرهُ: وقصدَ النقاد بالصحيحِ والضعيفِ في قولهمْ: هذا حديثٌ صحيحٌ، هذا حديثٌ ضعيفٌ، الصحةَ، والضعفَ في ظاهرِ الحكمِ، ولمْ يقصدوا القطعَ بصحتهِ، وضعفهِ. قلتُ: أو هوَ معطوفٌ على محلٍ في ظاهرٍ، أي: قصدوا الصحةَ ظاهراً لا قطعاً، واللهُ أعلمُ. قال ابنُ الصلاحِ: ((ومتى قالوا: هذا حديثٌ صحيحٌ، فمعناهُ: أنَّهُ اتصلَ سندهُ مع سائرِ الأوصافِ المذكورةِ، وليسَ مِنْ شرطهِ أنْ يكونَ مقطوعاً بهِ في نفسِ الأمرِ؛ إذ منهُ ما ينفردُ بروايتهِ عدلٌ واحدٌ، وليسَ منَ الأخبارِ التي أجمعتِ الأمةُ على تلقيها بالقبولِ)) (٤). انتهى.

стр. 76

وهو موافقٌ لقولِ الشافعيِّ في " الرسالةِ " (١) في بابِ تثبيتِ خبرِ الواحدِ: ((إنَّهُ لو شكَّ فيهِ شاكٌ، قلنا: ليس لكَ عالماً أنْ تشكَ، كما ليسَ لكَ إلا أنْ تقضيَ بشهادةِ العددِ، وإنْ أمكنَ فيهمُ الغلطُ، ولكنْ تقضي بذلكَ على الظاهرِ منْ صدقهمْ، واللهُ وليُ ما غابَ عنكَ منهمْ)) (٢). قولهُ: (خلافاً لمنْ قالَ: إنَّ خبرَ الواحدِ يوجبُ العلمَ الظاهر) (٣) قالَ شيخنا: ((إنما يكونُ ذَلِكَ مخالفاً، لو قيلَ: يفيدُ العلمَ، وأطلقَ، فأما الظاهرُ وهو غلبةُ الظنِّ على صحتهِ، فلا خلافَ في أنَّهُ يفيدهُ / ١٤أ /، لكنْ حكوا في الأصولِ عنْ أحمدَ وقومٍ منْ أهلِ الحديثِ القولَ بأنَّهُ يفيدُ العلمَ اليقينيَّ، فاللهُ أعلمُ بمرادِ الكرابيسيِّ (٤)؛ فإنَّ العبارة المذكورةَ هنا عنهُ لا تصرح بالمقصودِ، وقد نُقِلَ عن أبي بكرٍ القفالِ (٥) مثلها، وأُوِّلَ ذَلِكَ بغالبِ الظنِّ؛ لأنَّ العلمَ لا يتفاوتُ، وبهذا التأويلِ صرَّح ابنُ فوركَ (٦)،

стр. 77

والصيرفيُ (١)، وممنْ نقلَ إفادتهُ العلمَ عنِ الكرابيسيِّ: ابنُ عبدِ البرِ، وابنُ حزمٍ، عنْ داودَ، والحارثِ بنِ أسدٍ، وحكاهُ ابنُ خويز مندادُ، عن مالكٍ، وفي نقلهِ عن الحارثِ نظرٌ، فقدْ صَرَّحَ في كتابهِ " فهم السننِ " -بخلافهِ، وما حكاهُ ابنُ خويز مندادُ عن مالكٍ نازعهُ فيهِ المازريُّ، وقالَ: لم نعثرْ لمالكٍ فيهِ على نصٍّ، وممنْ نقلهُ عنْ أحمدَ الباجيُّ، وحكى أبو الحسنِ السهيليُّ (٢) مِن الشافعيةِ في كتابهِ " أدبِ الجدلِ ": أَنَّ خبرَ الواحدِ يوجبُ العلمَ بشرطِ أَنَّ يكونَ في إسنادهِ إمامٌ مثلُ مالكٍ وأحمدَ، وسفيانَ، وإلا فلا يوجبهُ، وهذا غريبٌ. ونقلَ الشيخُ أبو إسحاقَ في " التبصرةِ " عن بعضِ أهلِ الحديثِ أَنَّ منها-أي: أخبارِ الآحادِ- ما يوجبُ العلمَ كحديثِ مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، وما أشبههُ. قالَ بعضُ المتأخرينَ: ويحتملُ أنْ يكونَ هذا هوَ القولَ الذي حكاهُ السهيليُّ. قولهُ: (هذا الباب) (٣)، أي: بابُ تحريرِ معاني العلمِ، والظنِّ والشكِّ، وما شاكلها (٤). قولهُ: (نعمْ، إنْ أخرجهُ الشيخانِ، أو أحدهما، فاختارَ ابنُ الصلاحِ القطعَ بصحتهِ) (٥)، أي: اختار أنَّهُ يفيدُ العلمَ النظريَّ، أي: علمنا بسببِ احتفافهِ بالقرائن،

стр. 78

أَنَّ النبي /١٤ب/ ﷺ قالهُ علماً يقينياً نظرياً كما سيأتي في قولهِ: (واقطعْ بصحةٍ لما قد أسندا) (١). قولهُ: (لجوازِ صدقِ الكاذبِ) (٢)، أي: فيما ضعفَ؛ بسببِ كذبِ راويهِ، وإصابة منْ هوَ كثيرُ الخطأ فيما ردَّ بسببِ كثرةِ خطأ ناقلهِ، ونحو ذَلِكَ مِنْ أسبابِ الضعفِ. قولهُ: (في كلِّ فردٍ فردٍ) (٣)، أي: في كلِّ واحدٍ واحدٍ مِنْ رجالِ الإسناد الكائنينَ مِنْ ترجمةٍ واحدةٍ. قولهُ: (بالنسبةِ) (٤)، أي: يعزُّ وجودُ أعلى الصفاتِ مِنَ الضبطِ، والعدالةِ، والاتصال، وعدمِ العلةِ، والشذوذِ في راوٍ بسببِ نسبتهِ إلى جميعِ الرواةِ الموجودينَ في عصرهِ، أي: لا يتحققُ، أو يظنُ أَنَّ هذا الراويَ حازَ أعلى الصفاتِ حتى يوازيَ بينهُ وبينَ كلِّ فردٍ فردٍ مِنْ جميعِ أهلِ عصرهِ، ويعلمَ أنَّهُ أعلى من كل منهمْ في كلِ صفةٍ مِنْ تلكَ الصفاتِ، وهذا يستحيل عادةً. قولهُ: (فاضطربتْ أقوالهمْ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((الصحيحُ يتنوعُ إلى متفقٍ عليهِ، ومختلفٍ فيهِ (٦) كما سبقَ ذكرهُ)) (٧)، أي: في قولهِ بلا خلافٍ بينَ أهلِ

стр. 79

الحديثِ (١): ((ويتنوعُ إلى مشهورٍ، وغريبٍ، وبينَ ذَلِكَ، ثم إنَّ درجاتِ الصحيحِ تتفاوتُ في القوةِ بحسبِ تمكنِ الحديثِ مِنَ الصفاتِ المذكورةِ التي تنبني الصحةُ عليها، وتنقسمُ باعتبارِ ذلكَ إلى أقسامٍ، يُستعصى إحصاؤها على العادِّ الحاصرِ، ولهذا نرى الإمساكَ عنِ الحكمِ لإسنادٍ، أو حديثٍ بأنَّهُ الأصحُ على الإطلاق (٢)، على أَنَّ جماعةً مِنْ أئمةِ الحديثِ خاضوا غمرة (٣) ذَلِكَ، فاضطربتْ أقوالُهم (٤))) (٥)، أي: ولو كانَ استقراء منِ استقرأ منهم تاماً لما اضطربتْ الأقوالُ، غايتهم: أَنَّ كلَّ واحدٍ منهم غلبَ على ظنهِ في إسنادٍ ما أنَّهُ أصحُّ (٦) باعتباركثرةِ ممارستهِ لحديثِ رجالِ ذلكَ الإسناد، فحكمَ بأصحيتهِ لذلكَ، أو / ١٥ أ / لأمرٍ آخرَ ككونِ السندِ

стр. 80

حجازياً، وكانَ جماعةٌ لا يقدمونَ على حديثِ الحجازِ شيئاً، حتى قالَ مالكٌ: ((إذا خرجَ الحديثُ عنِ الحجازِ انقطعَ نخاعهُ)) (١)، أو كما قالَ. هكذا حفظتهُ عن شيخنا، ثمَّ رأيتُ في كتابِ (٢) " ذمِّ الكلامِ " لشيخِ الإسلامِ الأنصاريِّ هذا الكلامَ عنِ الشافعيِّ، ولفظهُ: ((إذا لم يوجدْ للحديثِ في الحجازِ أصلٌ ذهبَ نخاعهُ)) (٣)، وعنهُ (٤) أنَّهُ قالَ: ((كلُّ حديثٍ جاءَ منَ العراقِ وليسَ لهُ أصلٌ في الحجازِ فلا تقبلهُ، وإنْ كانَ صحيحاً، ما أريدُ إلا نصيحتكَ)) (٥)، فاللهُ أعلمُ. وقد اعترضَ على ابنِ الصلاحِ بأنَّ الحاكمَ وغيرهُ، ذكروا أَنَّ هذا بالنسبةِ إلى الأمصارِ، أو إلى الأشخاصِ، وإذا كانَ كذلكَ، فلا يبقى خلافٌ بينَ هذهِ الأقوالِ. قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٦): ((وليسَ (٧) بجيدٍ؛ لأَنَّ الحاكمَ لم يقلْ: إِنَّ الخلافَ مقيدٌ بذَلِكَ، بل قالَ: لا ينبغي أنْ يطلقَ ذَلِكَ وينبغي أَنَّ يقيدَ بذلكَ (٨) فهذا لا ينفي الخلافَ المتقدمَ، وأيضاً ولو قيدناهُ بالأشخاصِ، فالخلافُ موجودٌ، فيقالُ: أصحُّ أسانيدِ عليٍّ ﵁ كذا، وقيلَ: كذا، وأصحُّ أسانيدِ ابنِ عمر ﵄ كذا، وقيلَ كذا، فالخلافُ موجودٌ، واللهُ أعلمُ)). انتهى.

стр. 81

قولهُ: (وهذا قولُ البخاريِّ) (١) بخطِ بعضِ أصحابنا، رواهُ عنهُ الحاكمُ في " علوم الحديثِ " (٢)، والخطيبُ في " الكفايةِ " (٣) بإسنادينِ صحيحينِ، وروى الخطيبُ في "الكفاية" (٤) عن يحيى بن بكيرٍ أنَّهُ قالَ لأبي زرعةَ الرازيِّ: ((يا أبا زرعةَ ليسَ ذا زعزعة عنْ زوبعةٍ إنما ترفعُ السترَ فتنظر إلى النبي ﷺ والصحابةِ، حدثنا مالكٌ، عنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ ﵄) (٥). قولهُ: (الأستاذ أبو منصورٍ التميمي) (٦) أنهُ أجلُّ الأسانيدِ هذا مُسَلَّمٌ، لكنْ لا ينهضُ دليلاً على الأصحيةِ؛ لأنها أخصُّ، والأجليةُ تكونُ مِنْ / ١٥ب / جهاتٍ عديدةٍ، والشافعيُّ ﵀-وإنْ كانَ قد حازَ الكمالَ في شروطِ الصحةِ، وزادَ على ذَلِكَ بما آتاهُ اللهُ تعالى منَ العلمِ الذي لا يجارى فيهِ، والفطنةِ التي كأنها الكشفُ، لكنْ غيرهُ يشاركهُ في الضبطِ الذي هوَ محطُّ الصحةِ، ويزيدُ بكثرةِ ممارسةِ حديثِ مالكٍ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ: ((أثبتُ الناسِ في مالكٍ القعنبيُّ)) (٧)، أي: باعتبارِ قدرٍ زائدٍ على كمالِ الضبطِ وهو طولُ الملازمة لهُ، وكثرةُ الممارسةِ لحديثهِ، فالشافعيُّ ﵀ أخذَ عن مالكٍ في أوائلِ عمرهِ، وكانتْ قراءتهُ عليهِ مِنْ أوائلِ قراءتهِ للحديثِ، ولمْ يلازمهُ ملازمةَ القعنبيِّ وابنِ وهبٍ، ولا قريباً منها.

стр. 82

قلتُ (١): فقولُ البلقينيِّ في كتابهِ " محاسنِ الاصطلاحِ " (٢): ((لا يقالُ: فالقعنبيُّ -وابنُ وهبٍ لهما القعددُ (٣) في الروايةِ عن مالكٍ؛ لأنا نقولُ: وأينَ تقعُ رتبتهما مِنْ رتبة الإمام (٤) الشافعيِّ)) (٥)، فيهِ نظرٌ؛ لما علمتَ من (٦) أَنَّ الترجيحَ فيهما إنما هوَ باعتبارِ طولِ الملازمةِ، وكثرةِ الممارسةِ، وهذا لا ينقصُ مِنْ مقدارِ الشافعيِّ. وأما زيادةُ إتقانِ الشافعيِّ فلا يشك فيها مَنْ لهُ علمٌ بأخبارِ الناسِ، فقدْ كانَ أكابرُ المحدّثينَ يأتونهُ، فيذاكرونهُ بأحاديثَ أشكلتْ عليهم، فيبينُ لهم ما أشكلَ، ويوقفهم على عللٍ غامضةٍ، فيقومونَ وهم يتعجبونَ منهُ، كما هوَ مشهورٌ في ترجمتهِ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: ((سمعتُ " الموطأَ " منَ الشّافعيِّ))، وذَلِكَ بعدَ سماعهِ لهُ مِنْ عبدِ الرحمانِ بنِ مهدي، ووجود الرواةِ لهُ عنْ مالكٍ بكثرةٍ، وقالَ: ((سمعتهُ منهُ لأنيِّ رأيتهُ فيهِ ثبتاً، فعللَ إعادتهُ لسماعهِ وتخصيصها بالشافعي بأمرٍ يرجعُ إلى الثبتِ)) (٧) فتعليله بذلكَ أقلُ ما يفهمُ منهُ: أَنَّ الشّافعيَّ مساوٍ لابنِ مهديٍّ في الثبتِ في حديثِ مالكٍ إنْ لم نقلْ: إنَّهُ يقتضي زيادتهُ عليهِ في الثبتِ، إذ لو كانَ مساوياً / ١٦ أ / لكانتِ الإعادةُ تحصيلاً للحاصلِ، وقولُ أحمدَ: ((رأيتهُ فيهِ ثبتاً)) وَرَدَ على سؤالٍ، فلا يكونُ لتقييدهِ بقيد مفهوماً.

стр. 83

قالَ البلقينيُّ: ((وأبو حنيفةَ وإنْ روى عنْ -مالكٍ -كما ذكرهُ الدارقطني- فلمْ تشتهرْ روايتهُ عنهُ، كاشتهارِ روايةِ الشافعيِّ)) (١) انتهى (٢). وأبو منصورٍ التميميُّ البغداديُّ القائلُ هذا كانَ منَ الجامعينَ لفنونِ العلمِ منَ الفقهِ، والأصولِ، والأدبِ، والنحو، والحسابِ، وغيرها، ماتَ سنة سبعٍ وعشرينَ وأربعِ مئةٍ (٣). قولهُ: (قلتُ: وعنهُ أحمدُ) (٤) ينازعُ فيهِ أيضاً: بمثل ما تقدمَ في حقِّ الشافعيِّ سواء، فيسلَّم أَنَّ أحمدَ أجلُّ الرواةِ عنِ الشافعيِّ، وأثبتُ في حدِ ذاتهِ، لكنَّ غيرَهُ أثبتُ منهُ في حديثِ الشافعيِّ، باعتبارِ زيادتهِ عليهِ في طولِ الممارسةِ كالربيعِ مثلاً، واللهُ أعلمُ. قالَ شيخُنا: ((وابن الصلاحِ يرى أَنَّ خوضهمْ في ذَلِكَ لا فائدةَ فيه (٥)، وهوَ حسنٌ بالنسبةِ إلى ابتغاء الإمساكِ عنْ مثلِ ذلكَ (٦)، ولكنْ وإنْ كنا نمنعُ الإقدامَ على الجزمِ بأنَّ سنداً أصحُ الأسانيدِ، فلهُ عندي فائدةٌ جليلةٌ تدخلُ في الترجيحِ، وهي أنا استفدنا مِنْ مجموعِ أقوالهمْ أَنَّ غيرَ ما حكموا بأصحيتهِ مرجوحٌ بالنسبةِ إليهِ، ولم

стр. 84

يخالفهم غيرهم، فصارتْ مرجوحيةُ ما سكتوا عنهُ إجماعاً، فإذا وجدنا حديثاً قالَ أحدُ منْ تكلمَ في ذَلِكَ: إنَّه أصحُّ الأسانيدِ يخالفهُ حديثٌ لم يقلْ أحدٌ: إنَّهُ أصحُّ رجَّحنا الأولَ؛ لأنَّ الكلَّ اتفقوا على كونِ (١) الثاني مرجوحاً بالنسبةِ إلى مجموعِ أقوالهم، ويرجحُ ما قالَ اثنانِ منهمْ: إنَّهُ أصح، على ما قالَ فيهِ ذَلِكَ واحدٌ رتبتهُ لا تساوي رتبتهما في النقدِ والإتقانِ)) (٢). قولهُ: (ووقعَ لنا بهذهِ الترجمة حديثٌ واحدٌ) (٣) هو أربعة أحاديثَ أخرجها البخاريُ (٤) في أربعةِ مواضعَ، وأخرجها مسلمٌ (٥) مِنْ حديثِ مالكٍ إلا النهيَ عن حبلِ /١٦ب / الحبلةِ، فأخرجهُ مِنْ وجهٍ آخرَ (٦). (٧)

стр. 85

قولهُ: ١٨ - وَجَزَمَ ابْنُ حنبلٍ بالزُّهْرِي ... عَنْ سَالِمٍ أَيْ: عَنْ أبيهِ البَرِّ ١٩ - وَقِيْلَ: زَيْنُ العَابِدِيْنَ عَنْ أَبِهْ ... عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ ٢٠ - أَوْ فَابْنُ سِيْريْنَ عَنِ السَّلْمَاني ... عَنْهُ أوِ الأعْمَشُ عَنْ ذي الشَّانِ ٢١ - النَّخَعِيْ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ ... عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ (وجزمَ ابنُ حنبل بالزهريِّ (١)) (٢) ربما أشعر لفظَ ((جزمَ)) بأنَّ غيرَ أحمدَ ترددَ فيهِ، فلو (٣) قالَ: وذهبَ ابنُ حنبل للزهريِّ (٤) كانَ أولى، وقالَ صاحبنا العلامةُ أبو القاسمِ النويريُّ: ((بل يقولُ: إسحاقُ، معَ أحمدَ قالا: الزهري، فينبهُ على قولِ إسحاقَ مِنْ غيرِ زيادةٍ في الأبياتِ)). قولهُ: (عنْ زينِ العابدينَ) (٥) إلى آخرهِ لو (٦) قالَ: وهو عليٌ، عنْ أبيهِ الحسينِ، إلى آخرهِ، وأسقطَ لفظَ الحسينِ بعدَ عليٍ كانَ أولى منْ حيثُ أَنَّ المبتدئَ ومنْ في حكمهِ ربما ظنَّ أنَّ الضميرَ في أبيهِ يعودُ على أقربِ مذكورٍ - وهو الحسينُ -، فيزيد على ظنهِ النسبَ واحداً، ويصيرُ هكذا: عليُ بنُ الحسينِ بنِ الحسينِ مرتينِ.

стр. 86

قولهُ: (وروي أيضاً عنْ أبي بكر بنِ أبي شيبةَ) (١) جزمَ في عبدِ الرزاقِ؛ لأَنَّ الإسناد إليهِ صحيحٌ، ومرَّض في هذا؛ لأنَّ الإسناد إليهِ فيهِ (٢) رجلٌ مبهم (٣). قولهُ: (بالحديثِ) (٤) أهلُ الحديثِ يطلقونَ على السندِ وحدهُ حديثاً. قولهُ (إنَّ ضميرَ ((عنهُ)) يعودُ على عليِ بنِ أبي طالبٍ) (٥) ﵁ واضحٌ عندَ منْ لهُ خبرةٌ بالفنِّ مِنْ حيثُ إنَّ عبيدةَ بنَ عمرٍو، ويقالُ: ابن قيسِ بنِ عمروٍ السلمانيّ المراديّ الكوفيّ مشهورٌ بالروايةِ عنهُ، ولم يجتمعْ بالنبيِّ ﷺ ، وأما غيرُ الخبيرِ فربما ظنَّ أَنَّ الضميرَ للنبي ﷺ (٦) مِنْ جهةِ أَنَّ ابنَ سيرينَ تابعيٌ، وأَنَّ عبيدةَ - راوي عليٍّ - مخضرمٌ، أدركَ الجاهليةَ، وأسلمَ قبلَ وفاةِ النبيِّ ﷺ بسنتينِ، فربما ظنَّ أنَّهُ صحابيٌ لكبرِ سنهِ، وقِدَمِ أخبارهِ (٧). قولهُ: (إلا أَنَّ ابنَ المدينيِّ قالَ: أجودها) (٨) إنْ قيلَ: يكونُ الإسناد جيداً باعتبارِ / ١٧أ / اشتهارِ رواتهِ بالعلمِ، أوِ الصلاحِ، أو نحوِ ذَلِكَ، ومعَ ذَلِكَ فقدْ يكونُ غيرهمْ أضبطَ منهمْ، وأحفظَ، قيلَ: ليسَ الأمرُ كذلكَ، وإنما هذا تفننٌ في العبارةِ، لا مغايرةَ بينهما عندَ منْ تتبع مواقعَ استعمالهمْ، فهم (٩) إذا قالوا: هذا حديثٌ جيدٌ، أرادوا أنَّهُ قويٌ، فلا يريدونَ الجودةَ إلا بمعنى أمرٍ يرجعُ إلى الضبطِ، وإنْ كانَ

стр. 87

الجهبذُ منهمْ لا يعدل عنْ صحيحٍ إلى جيدٍ إلا لنكتةٍ، كأنْ يرتقيَ الحديثُ عندهُ عن الحسنِ لذاتهِ، ويترددَ في بلوغهِ الصحيح بلا مِرية، كما في " جامعِ الترمذيِّ " (١) في الطبِّ: ((حديثٌ جيدٌ حسنٌ)) (٢)، فالوصف بجيد، وإنْ كانَ أنزلَ رتبةً مِنَ الوصفِ بصحيحٍ، فإنَّ أفعلَ (٣) التفضيل منهُ، مساويةٌ لأقوى، وأثبتَ، ونحوِ ذَلِكَ، وهو بمعنى أصحَّ سواء، كذا قالَ شيخُنا، وفيهِ نظرٌ لا يخفى (٤)، واللهُ أعلمُ. تنبيه: وكذلكَ لفظُ ابنِ معينٍ، قالَ: ((أجودها الأعمشُ، عنْ إبراهيمَ، عنْ علقمةَ، عنْ عبدِ اللهِ))، وكذا نقلَ الحاكمُ (٥) عنْ أحمدَ بصيغةِ أجودَ.

стр. 88

قالَ البلقينيُّ (١): ((وفي كتابِ الحاكمِ: قالَ إنسانٌ ليحيى لما قال ذَلِكَ: الأعمشُ مثل الزهريِّ، فقالَ: برأتُ مِنَ الأعمشِ أنْ يكونَ مثلَ الزهريِّ، الزهريُّ (٢) يرى العرضَ، والإجازةَ، وكانَ يعملُ لبني أميةَ، وذكرَ الأعمشَ، فمدحهُ، وقالَ: فقيرٌ صبورٌ، مجانبٌ للسلطانِ، وذكرَ علمهُ بالقرآنِ، وورعه، وقالَ رجلٌ منهم لم يعينهُ - أي: الحاكم -: أجودُ الأسانيدِ شعبةُ، عنْ قتادةَ، عن ابنِ المسيبِ (٣)، عنْ عامرٍ -- أخي أمِّ سلمةَ - عنها. ومنْ ذَلِكَ يعلمُ: أَنَّ الجودةَ يعبرُ بها عنِ الصحةِ، وفي " جامعِ الترمذيِّ " في الطبِّ: ((هذا حديثٌ جيدٌ)))) (٤). انتهى كلامُ البلقينيِّ ملخصاً. قولهُ: (أقوالُ /١٧ب/ أُخرُ ذكرتها في " الشرحِ الكبيرِ " (٥)) (٦) جملتها مع ما هنا عشرةٌ، فقيلَ: يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عنْ أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، وقيلَ: شعبةُ، عن قتادةَ، عنْ سعيدِ بنِ المسيبِ، عن عامرٍ أخي أمِّ سلمةَ، عنْ أمِّ سلمةَ. حكاهما الحاكمُ (٧).

стр. 89

وفي المتصلِ، والمنقطعِ للبرديجيِّ، قالَ: ((الأحاديثُ الصحاحِ التي أجمعَ أهلُ الحديثِ على صحتها منْ جهةِ النقلِ، فذكرَ بعضَ ما هنا، ثمَّ قالَ: وقيلَ: الزهريُّ، عن أبي سلمةَ، عنْ أبي هريرةَ، منْ روايةِ الأوزاعيِّ، وهشامٍ، ما لمْ يقعِ الاختلافُ والاضطرابُ)). وفي "المحاسنِ " (١): ((قالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ في حديثِ مسددٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: كأنها الدنانيرُ، ثمَّ قالَ: كأنكَ تسمعها منَ النبيِّ ﷺ ))، فهذه أربعةٌ، وفي الشرحِ ستةٌ، وتمكنُ الزيادةُ (٢). قولهُ: (في ترجمةٍ (٣)) (٤) الجارُ فيهِ (٥) متعلق بمحذوفٍ، وكذا في قولهِ: (لصحابيٍّ) (٦)، أي: وَلُمْ منْ جعلَ هذا الحكمَ الكائنَ في ترجمةٍ واحدةٍ، كائنةً لصحابيٍ واحدٍ عاماً لجميعِ الأسانيدِ، فيقالُ مثلاً: مالكٌ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، أصحُّ الأسانيد، أي: أسانيدِ الدنيا الواصلةُ إلى جميعِ الصحابةِ، بل ينبغي أنْ يخصَّ هذا الحكمَ في هذهِ الترجمةِ بأسانيد ذَلِكَ الصحابيِّ، فيقالُ مثلاً في مالكٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: إنهُ أصحُّ الأسانيدِ الواصلةِ إلى ابنِ عمرَ، فلا يمنعُ حينئذٍ أَن يكونَ إسنادٌ يصلُ إلى أبي بكر ﵁ (٧) مثلاً وهوَ أصح منهُ، أو /١٨أ /مساوٍ لهُ. قولهُ: (فنقولُ: وباللهِ التوفيقِ) (٨) هوَ مِنْ كلامِ الحاكمِ (٩).

стр. 90

قولهُ (أهل البيتِ) (١)، أي: إذا زدنا واحداً مِنْ أهلِ البيتِ على الإسناد المتقدمِ، حتى لا يكونَ مخالفاً لعبدِ الرزاقِ: الزهريُ، عن زين العابدينَ؛ لأنَّ الزهريَّ ليسَ مِنْ أهلِ البيتِ. تنبيهٌ: اعلمْ أَنَّ هذا السندَ سقطَ منهُ واحدٌ فإنَّ محمداً والد جعفرَ، هو ابنُ زينِ العابدينَ عليِّ (٢) بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵃ (٣)، فإنْ كانَ الضميرُ في ((جدّهِ))، يعودُ إلى قولهِ: ((أبيهِ))، فيكونُ جدّهُ هو الحسينُ، ومحمدٌ (٤) لم يسمعْ (٥) منهُ، فقدْ كانَ يومَ قَتلِ الحسينِ في عاشوراءَ سنةَ إحدى وستينَ، في السنةِ الخامسةِ مِنْ عمرِهِ (٦)، وإنْ كانَ يعودُ على جعفرَ حتى يكونَ المرادُ بالجدِّ زينَ العابدين، فكذلكَ زينُ العابدين لم يسمعْ من جدهِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵃. قلتُ: ولعلَّ الساقطَ ((عنْ أبيهِ)) بعدَ: ((عنْ جدّهِ))، فيصيرُ جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيهِ محمدٍ، عن جدّهِ جعفرَ زينِ العابدينَ علي بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن أبيهِ الحسينِ، عن عليٍ ﵃، واللهُ أعلمُ (٧)، فليحررْ لفظ الحاكمِ.

стр. 91

وقالَ البزارُ في "مسندهِ" (١): ((إنَّ رواية علي بنِ الحسينِ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أصحُّ إسناداً يروى عن سعد بنِ أبي وقاصٍ ﵁)). قالَ: كان بعضُ أصحابنا، ونقل النوويُّ عنِ البخاري (٢) أَنَّ أصحَّ أسانيدِ أبي هريرةَ: أبو الزنادِ، عنِ الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ ﵁ (٣). قولهُ: (مشبكةٌ بالذهبِ) (٤)، أي: ترجمةُ عائشةَ ﵂ مِنْ جهةِ ما حازهُ رواتها / ١٨ب / مِنَ الفقهِ، والضبطِ، وجَلالةِ القدرِ. قولهُ: (عنْ منصورٍ) (٥) هوَ ابنُ المعتمرِ (٦). قولهُ: (عنِ الصحابةِ) (٧) موهمٌ جداً، وذَلِكَ أَنَّ حسانَ أكثرُ روايتِهِ عنِ الصحابةِ مرسلةٌ، وروايتهُ عنهمْ متصلةً قليلةٌ جداً (٨).

стр. 92

وقولهُ: في (الخراسانيينَ) (١) كذَلِكَ؛ لأنَّ الترجمةَ التي ذكرها لهمْ صحيفةٌ (٢) لم يروها إلا زيدُ بنُ الحبابِ، وهو مختلفٌ فيهِ، لكنْ في هذهِ الصحيفةِ أحاديثُ تروى مفرقةً مِنْ غير طريقِ زيدٍ. قولهُ: في بعضِ التراجمِ (أصحُّ) (٣) وفي بعضها: (أثبتُ) تفننٌ في العبارةِ، والمرادُ بهما واحدٌ، واللهُ أعلمُ. قالَ البلقينيُّ: ((ولا يقالُ (٤) فيما سبقَ منَ النقولِ (٥): في الترجيحِ (٦) نظرٌ؛ لأنَّ ذَلِكَ إنما هوَ بالنسبةِ إلى ذَلِكَ الصحابيِّ الذي ذُكر، لا إلى صحةِ الأسانيدِ المطلقةِ، كما أوضحهُ الحاكمُ)) (٧) يعني: فينتفي الاضطرابُ الذي ذكرهُ ابنُ الصلاحِ في قولهِ: ((فاضطربتْ أقوالهمْ)) (٨) لأنا نقولُ: الحاكمُ نقلَ تلكَ الأمورَ كلها كما تقدّمَ. ونقلَ عن البخاريِّ، بعدَ قولهِ: أصحُ الأسانيدِ كلها مالكٌ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ -: أنَّ أصحَّ أسانيدِ أبي هريرةَ: أبو الزنادِ، عن الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ. ونُقلَ عن ابن بطةَ، عن بعضِ شيوخهِ، عن سليمانَ بنِ داودَ الشاذكوني: أصح

стр. 93

الأسانيدِ كلها: يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عنْ أبي هريرةَ (١). يعني: فقدْ عمم البخاريُّ أولاً، ثم خصَّ أسانيدَ أبي هريرةَ، وكذا الشاذكوني عمَّ بقولهِ كلها يعني: فثبتَ النظرُ الذي نفى البلقينيُّ أنْ يكونَ منتفٍ (٢)، ثم قالَ: ولمَ يذكرْ -- يعني: الحاكمَ- الأصحَ عن عليٍّ بالنسبةِ إلى الكوفةِ، وقالَ /١٩أ/ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، وذكرحديثاً رواهُ عنْ أبيهِ، عن يحيى، عنْ سفيانَ، عنْ سليمانَ، [عن إبراهيم] (٣) التيميِّ، عن الحارثِ بنِ سويدٍ (٤)، فقالَ: قالَ أبي: ليسَ بالكوفةِ عن عليٍّ أصحُّ مِنْ هذا (٥). وقالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ في حديثِ مسددٍ، عنْ يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ: كأنها الدنانيرُ، كأنكَ تسمعها منَ النبي ﷺ (٦). قالَ الحاكمُ: أوهَى أسانيدِ أهلِ البيتِ: عمرو بنُ شمر، عن جابرٍ الجعفي، عن الحارثِ، عن عليٍّ. وأوهى أسانيدِ الصِّدِّيقِ: صدقةُ بنُ موسى الدقيقيُّ، عن فرقدٍ السبخيِّ، عنْ مرةَ الطيبِ، عن أبي بكرٍ. وأوهى أسانيدِ العمريينَ: محمدُ بنُ القاسمِ بنِ عبدِ اللهِ ابن عمر بن حفص بن عاصم بنِ عمرَ، عنْ أبيهِ، عن جدهِ؛ فإنَّ محمداً والقاسمَ وعبدَ اللهِ لا يُحتجُّ بهم. وأوهى أسانيدِ أبي هريرةَ: السري بنُ إسماعيلَ، عن داودَ بنِ يزيدَ الأوديِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ. وأوهى أسانيدِ عائشةَ ﵂ (٧) -: نسخة عندَ البصرِيينَ عنِ

стр. 94

الحارثِ بن شبلٍ، عن أمِّ النعمانِ الكنديةِ، عنْ عائشةَ. وأوهى أسانيدِ ابنِ مسعودٍ: شريكُ، عن أبي فزارةَ، عنْ أبي زيدٍ، عنْ عبدِ اللهِ، وليسَ بأبي فزارةَ راشدُ بنُ كيسانَ؛ فذاكَ كوفيٌ ثقةٌ. وأوهى أسانيدِ أنسٍ: داودُ بنُ المحبر بنِ قحذم، عن أبيهِ، عن أبانَ بنِ أبي عياشٍ، عن أنسٍ. وأوهى أسانيدِ المكيينَ: عبدُ اللهِ بنُ ميمونَ القداحُ (١)، عن شهاب بنِ خراشٍ، عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ الخوزيِّ، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ. وفي هذا أيضاً ما /١٩ب / تقدمَ (٢)، وهو يؤيدهُ. وأوهى أسانيدِ المصريينَ: أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجاجِ بنِ رشدينَ بنِ سعدٍ، عن أبيهِ، عن جده، عن قرةَ بنِ عبدِ الرحمان، عنْ كلِ منْ روى عنهُ، فإنها نسخةٌ كبيرةٌ. وأوهى أسانيدِ الشاميينَ: محمدُ بنُ قيسٍ المصلوبُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ زحر، عن علي بنِ زيدٍ، عن القاسمِ، عن أبي أمامةَ. وأوهى أسانيدِ الخراسانيينَ: عبدُ اللهِ بنُ عبد الرحمانِ بنِ مليحةَ، عنْ نهشلِ ابنِ سعيدٍ، عنِ الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ. قالَ الحاكمُ النيسابوريُّ: وابنُ مليحَة، ونهشلُ نيسابوريانِ، وإنما ذكرتهما في الجرحِ مِنْ بينِ سائرِ كورِ خراسانَ ليعلمَ أني لمْ أُحابِ في أكثرِ ما ذكرتهُ (٣). انتهى.

стр. 95

قالَ العراقيُّ في ما وجدَ مِنْ "شرحهِ الكبيرِ": ((إنَّ ذكرَ أوهى الأسانيدِ في قسمِ الضعيفِ أليق)). وصدقَ ﵀. (١) قولهُ: أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيْثِ ٢٢ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ في الصَّحِيْح ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتّرْجِيْحِ ٢٣ - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الغَرْبِ مَعْ ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ لما كانَ يتكلمُ على الصحيحِ ناسبَ أَن يذكرَ الأصحَّ، فتكلمَ أولاً على أصحِ الأسانيدِ مطلقاً، ثم انتقلَ إلى أخصَّ منهُ، وهو أصحُّ (٢) الأسانيدِ بالنسبةِ إلى صحابي واحدٍ، ثمَّ انتقلَ إلى أخصَّ مِنْ ذَلِكَ وهوَ أصحُّ كتبِ الحديثِ، فإنَّ مَنْ أفردَ الصحيحَ بالتصنيفِ قومٌ قليلٌ، كالشيخينِ، ومنِ استخرجَ على كتابيهما، أو استدركَ، وكابنِ خزيمةَ؛ إذْ صَنفَ في الصحيحِ، وابنِ حبانَ وأبي عوانةَ، فالجميعُ لا يبلغونَ عشرينَ، فمصنفاتهمْ يسيرةٌ بالنسبةِ إلى أسانيدِ صحابي ممنْ ذكرَ، فإنَّ الأسانيدَ إلى كلٍّ منهمْ كثيرةٌ، فلأجلِ حسنِ هذا الترتيبِ خالفَ ترتيب ابنِ الصلاحِ، وقدمَ هذا على مسألةِ إمكانِ التصحيحِ في /٢٠أ / هذهِ الأعصارِ. وقولهُ: (أولُ) (٣) إلى آخرهِ، لا يُظن أنَّهُ مخالفٌ للترجمةِ؛ لأنها معقودةٌ لبيانِ الأولويةِ بالصحةِ لا لبيانِ الأوليةِ؛ فإنَّهُ قد بينَ الأصحَّ بقولهِ: (وخصَّ بالترجيحِ) (٤) فوفى بما ترجمَ عليهِ، وزادَ.

стр. 96

وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((أولُ مَنْ صنفَ الصحيحَ: البخاريُّ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ الجعفيُّ مولاهم (١)، وتلاهُ أبو الحسينِ مسلمُ بنُ الحجاجِ النيسابوريُّ القشيريُّ مِنْ أنفسهم (٢)، ومسلمٌ مع أنَّهُ أخذَ عنِ البخاريِّ، واستفادَ منهُ، يشاركهُ في كثيرٍ مِنْ شيوخهِ ... إلى أَن قالَ -: ثمَّ إن كتابَ البخاريِّ أصحُّ الكتابينِ صحيحاً، وأكثرهما فوائدَ)) (٣). وقولُ الشيخِ: (أولُ) (٤) موافقٌ لقولِ ابنِ الصلاحِ: ((وتلاهُ أبو الحسينِ)) (٥) في أَنَّ البخاريَّ صنفَ "صحيحهُ" قبلَ "صحيحِ مسلمٍ". وقالَ الشيخُ في "النكتِ": ((اعترضَ عليهِ (٦) بقولِ أبي الفضلِ أحمدَ بنِ سلمةَ: كنتُ معَ مسلمِ بنِ الحجاجِ في تأليفِ هذا الكتابِ سنة خمسٍ ومئتينِ، هكذا رأيتهُ بخطِّ الذي اعترضَ على ابنِ الصلاحِ سنةَ خمس بسينٍ فقطْ، وأرادَ بذلكَ أَنَّ تصنيف مسلمٍ لكتابهِ قديمٌ، فلا يكونُ تالياً لكتابِ البخاريِّ، وقدْ تصحفَ التاريخُ عليهِ، وإنما هوَ سنةُ خمسينٍ ومئتينِ بزيادةِ الياءِ والنونِ، وذَلِكَ باطلٌ (٧) قطعاً؛ لأَنَّ

стр. 97

مولدَ مسلمٍ ﵀ سنةَ أربعٍ ومئتينِ، بلِ البخاريُّ لم يكنْ في التأريخِ المذكورِ صنّفَ، فضلاً عنْ مسلمٍ، فإنَّ بينهما في العمرِ عشرَ سنينَ. ولدَ البخاريّ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومئةٍ)) (١) انتهى. وقالَ بعضُ أصحابنا: قالَ الحافظُ أبو عليٍّ / ٢٠ب / سعيدُ بنِ عثمانَ بنِ سعيدِ بنِ السكنِ في خطبةِ كتابهِ المسمى "بالسننِ الصحاحِ المأثورةِ ": ((أولُ منْ نصبَ نفسه لطلبِ صحيحِ الآثارِ البخاريُّ وتابعهُ مسلمٌ، وأبو داودَ، والنسائيُ)) (٢). والألفُ واللامُ في قولهِ (الصحيحُ) (٣) عهديةٌ للصحيحِ الذي قدمَ تعريفهُ، فلا يردُّ قول منْ قالَ: كتابُ مالكٍ أسبقُ معَ كونهُ صحيحاً، فلا يكونانِ أولَ منْ صنفَ في الصحيحِ؛ فإنَّ كتابهُ وإنْ كانَ (٤) قصدَ فيهِ جمعَ الصحيحِ، لكنْ إنما جمعَ الصحيحَ عندهُ، لا الصحيحَ الذي عرفناهُ؛ لأنه يرى المراسيلَ والبلاغاتِ صحيحةً، فيوردها مواردَ الاحتجاجِ، والصحيحُ الذي سلفَ تعريفهُ مشروطٌ فيهِ الاتصالُ. قالَ الشيخُ في " النكت ": ((ومن بلاغاتهِ أحاديثُ لا تُعرفُ، كما ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِ، فلمْ يفردِ الصحيحَ إذن، واللهُ أعلمُ)) (٥) (٦). وسوقُ المصنفِ - فيما يصلحُ أَنْ يكون دليلاً للمعترضِ - بكون كتاب (٧) مالكٍ صحيح (٨) الرواية التي عبرَ الشافعيُّ فيها بأصحَّ، أولى مِنْ سوقِ ابنِ الصلاحِ

стр. 98

الروايةَ التي فيها أكثرُ صواباً؛ لأنَّ أكثريةَ الصوابِ يمكنُ أنْ تحملَ على استنباطِ الفقهِ، أو غيرِ ذَلِكَ مما لا يرجعُ إلى صحةِ جميعِ ما ساقهُ منَ الحديثِ، وإلى الروايةِ التي ساقها المصنفُ أشارَ ابنُ الصلاحِ بقولهِ: ((ومنهمْ مَنْ رواهُ بغيرِ هذا اللفظِ)) (١) فإنْ قيلَ: قد صنعَ البخاريُّ في إخراجِ التعاليقِ صنيعَ مالكٍ في البلاغاتِ، قيلَ: نعمْ، لكنَّ مالكاً ساقَ الكلَّ مساقَ المسندِ في الاحتجاجِ بهِ لكونهِ صحيحاً، وأما البخاريُّ فلمْ يوردْها موردَ المسانيدِ، فهيَ عندهُ ليستْ مقصودةً بالذاتِ، بدليلِ أنَّهُ سمَّى كتابهُ " الجامعَ /٢١أ / المسندَ الصحيحَ "، فما رأينا فيهِ مما ليسَ بمسندٍ علمنا أنَّهُ لمْ يرد بذكرهِ كونهُ صحيحاً، بلْ قصدَ أمراً آخرَ، ومقاصدهُ في ذَلِكَ مختلفةٌ، تُعرفُ بكثرةِ ممارسةِ كلامهِ، وشرحُ شيخنا حافظِ العصرِ وافٍ ببيانها، ولأجلِ هذا لم يعترضْ أحدٌ ممنِ انتقدَ عليهِ بشيء منها. قالَ شيخنا: ((والذي حرّكَ عزمهُ لتصنيفِ الصحيحِ، وقوَّاه عليهِ، ما رواهُ إبراهيم بنُ معقلٍ النسفيُّ، قالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: كنا عندَ إسحاقَ بنِ راهويهِ (٢)، فقالَ: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيحِ سنةِ النبيِّ ﷺ ، قال: فوقعَ

стр. 99

ذَلِكَ في قلبي، فأخذتُ في جمعِ الجامعِ الصحيحِ)). وروى محمدُ بنُ سليمانَ بنِ فارسٍ، قالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: رأيتُ النّبيَّ ﷺ وكأني واقفٌ بينَ يديهِ، وبيدي مروحةٌ أذبُّ عنهُ، فسألتُ بعضُ المعبِّرينَ، فقالَ لي: أنتَ تذبُّ عنهُ الكذبَ، فهو حملني على إخراج الصحيحِ (١) (٢). قولهُ: (وخصَّ بالترجيحِ) (٣)، أي: وخصَّ مصنَّفهُ - بفتحِ النونِ - (٤) بترجيحهِ على غيرهِ منَ المصنفاتِ، أعني: ترجيحَ الناسِ لهُ، وترجيحهمْ لهُ، أي حكمهم بأنَّهُ أرجحُ من كلِّ كتابٍ مصنفٍ، مقصورٍ عليهِ، لا يتعداهُ إلى غيرهِ، فلمْ يصرحْ أحدٌ بأنَّ غيرهُ أرجحُ منهُ باعتبارِ الصحةِ، إلا ما قالَ الحاكمُ في " التاريخِ ": ((سمعتُ أبا عمرٍو بنِ أبي جعفرَ يقولُ: سمعتُ أبا العباسِ بنِ سعيدِ بنِ عقدةَ، وسألتهُ عنْ محمدِ بنِ إسماعيل، ومسلمِ بنِ الحجاجِ، أيهما أعلمُ؟ فقالَ: كانَ (٥) محمدُ بنُ إسماعيلَ عالماً، ومسلمٌ عالمٌ. فكررتُ عليهِ مراراً، وهو (٦) يجيبني بمثلِ هذا الجوابِ، ثمَّ قالَ لي (٧): يا أبا عمرٍو، قد يقعُ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ الغلطُ في أهلِ / ٢١ب / الشامِ؛ وذلكَ أنَّهُ أخذَ كتبهمْ، فنقلَ منها، فربما ذكرَ الواحدَ منهم بكنيتهِ، ويذكرهُ في موضعٍ آخرَ باسمهِ، ويتوهمُ أنهما اثنانِ، فأما مسلمٌ فقلَّ ما يقعُ لهُ الغلطُ في العللِ؛ لأنَّهُ كتبَ المسانيدَ ولمْ يكتبِ المقاطيعَ والمراسيلَ)) (٨).

стр. 100

وهذا بعدَ تسليمِ كونِ ذَلِكَ يقعُ للبخاريِّ في كتابهِ " الصحيحِ " يحتاجُ لجوابٍ، لكنْ سألتُ شيخنا عنْ ذَلِكَ فقال: ((إنما أشارَ بهِ (١) إلى كتابهِ " التاريخِ ")). وأما قولُ المصنفِ: (وبعضُ الغربِ معَ أبي عليٍّ (٢) فضلوا ذا) (٣) فمبني على ما فهموهُ مِنْ أَنَّ عبارةَ أبي عليٍ تدلُّ على الترجيحِ دلالةً صريحةً (٤)، وليسَ هي كذَلِكَ؛ فإنهُ عبرَ بقولهِ: ((ما تحتَ أديمِ السماءِ أصحُّ مِنْ كتابِ مسلمٍ)) (٥)، وهذا محمولٌ على نفيِ الأرجحيةِ في الصحةِ حملاً ظاهراً (٦)، لا على نفي ما يساويهِ فيها، كما حررهُ شيخنا في " شرحِ النخبةِ " (٧)، واقتضاهُ بحثُ المصنفِ في مثلهِ، فإنَّهُ قالَ في " الشرحِ الكبيرِ " في عبدِ الرحمانِ بنِ القاسمِ، عن أبيهِ، عنْ عائشةَ، أَنَّ يحيى بنَ معينٍ قالَ: ((ليسَ إسناد أثبتَ منْ هذا))، ثمَّ قالَ: فهذا يقتضي أَنَّ ذَلِكَ المتقدم. يعني: الأعمشَ، عنْ إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، ليس أصحَّ مِنْ هذا، فأما المساواةُ فلا يتعينُ نفيها، فتأملهُ.

стр. 101

وقالَ فيهِ (١) أيضاً بعدَ ذَلِكَ، وساق أَنَّ مسلماً قالَ في إسنادٍ ذاكَرهُ بهِ أحمدُ ابنُ سلمةَ: ((لا يكونُ في الأسانيدِ أشرفُ مِنْ هذا)). قالَ: فهذا يقتضي أنهُ لا أرجحَ مِنْ هذا الإسناد، فأما نفيُ المساواةِ فلا، كما تقدمَ. انتهى. قالَ شيخُنا: ((ويؤيدُ هذا البحثَ قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: ما بالبصرةِ أعلمُ - أو قالَ - أثبتُ منْ بشرِ بنِ المفضلِ / ٢٢أ /، أما مثلهُ فعسى. فهذا يدلُّ على أَنَّ عرفهم في ذَلِكَ الزمانِ ماشٍ على قانونِ اللغةِ، وأنهم يفهمونَ منْ تعبيرِ أحدهم بهذهِ الصيغةِ، ما يفهمُ مِنْ تعبيرِ النبيِّ ﷺ بها في قولهِ الذي رواه الترمذيُّ (٢) وابنُ ماجه (٣) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ (٤): ((ما أظلتِ الخضراءُ، ولا أقّلتِ الغبراءُ مِنْ ذي لهجةٍ أصدقَ مِنْ أبي ذرٍّ)) مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لا يقتضي رجحانهُ في الصدقِ على الصِّدِّيقِ مثلاً، واللهُ أعلمُ.

стр. 102

وقالَ الطحاوي في "بيانِ المشكلِ ": ((فكأنَّ الذي في هذا الحديثِ إثباتُ مراتبِ أعلى الصدقِ لأبي ذرٍّ ﵁، وليسَ فيهِ نفيُ غيرهِ مِنْ تلكَ المرتبةِ، إنّما فيهِ نفيُ غيرهِ أَنْ يكونَ في مرتبةٍ مِنْ مراتبِ الصدقِ أعلى منها)) (١). انتهى (٢). وعلى هذا يحملُ قولُ مَنْ نحى هذا المنحى في العبارةِ. قالَ بعضُ أصحابنا: قال النوويُّ: ((ورُوِّينا عنِ الإمامِ أبي عبدِ الرحمانِ النسائيِّ أنَّهُ قالَ: ما في هذهِ الكتبِ كلِّها أجودُ مِنْ كتابِ البخاريِّ)) (٣) (٤). انتهى. وأما قولُ الطبني: إنَّ بعضَ مشايخهِ كانَ يفضلُ " صحيحَ مسلمٍ " (٥)، فالتفضيلُ لا ينحصرُ في الأصحيةِ، فيحملُ على ما قالَ ابنُ الصلاحِ، وعلى جمعِ مسلمٍ لطرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ، فتجتمعُ ألفاظُ الحديثِ جميعها؛ ولأجلِ ذَلِكَ جعلَ الحميديُّ، وعبدُ الحقِّ لفظَ مسلمٍ أصلاً في جمعهما بين "الصحيحينِ"، ثمَّ يُبينانِ ما خالفَ ذلكَ منْ لفظِ البخاريِّ، فإنَّ نقلَ الحديثِ منْ موضعٍ واحد أهونُ (٦). هذا هوَ اللائقُ بالانفصالِ عن ذَلِكَ.

стр. 103

قالَ بعضُ أصحابنا وقالَ مسلمةُ بنُ قاسمٍ في "تأريخهِ"-- في ترجمةِ مسلمٍ، وذكرَ كتابهُ في "الصحيحِ" -: ((لم يصنعْ أحدٌ مثلهُ)) (١). انتهى (٢). وأما توحيدُ (٣) / ٢٢ب / الجوابِ عنْ قولِ أبي عليٍّ والمغاربةِ، وجعلهما مِنْ وادٍ واحدٍ في قولِ ابنِ الصلاحِ مشيراً إلى قولِ أبي عليٍ: ((فهذا وقولُ منْ فضلَ مِنْ شيوخِ (٤) المغربِ كتابَ مسلمٍ على كتابِ البخاريِّ، إنْ كانَ المرادُ بهِ (٥) ... )) (٦) إلى آخرهِ، وكذا صنيعُ منْ جاءَ بعدهُ، فليسَ بجيدٍ؛ فإنَّهُ إذا سلمَ أَنَّ قولَ أبي عليٍّ يقتضي الأرجحيةَ كما فهمَ ابنُ الصلاحِ، ومن تبعهُ مِنْ مختصري كتابهِ (٧)، لم يحسنْ أَن يحملَ بعدَ ذَلِكَ على الأرجحية مِنْ حيثُ إنَّهُ لم يمازجهُ غيرُ الصحيحِ؛ فإنَّ أبا عليٍّ عبرَ بأصحَّ، وهيَ لا تحملُ على الأرجحيةِ مِنْ جهةِ غيرِ الصحةِ. قلتُ: بلَ يحسنُ ذَلِكَ، وإنْ كانتْ لا تحملُ على الأرجحيةِ إلا مِنْ جهةِ الصحةِ، لأنَّا إذا قابلنا جملةَ كتابٍ متمحضٍ للصحيحِ بجملةِ آخرَ ليسَ كذلكَ، كانَ أزيدَ منهُ مِنْ جهةِ الصحةِ بهذا الاعتبارِ بلا شكٍّ (٨)، ووراء ذلكَ أنَّهْ يمكنُ أَن تكونَ عبارةُ شيخِ الطبني كعبارةِ أبي عليٍّ، ففهمَ الطبني منها ما فهمهُ غيرُ شيخنا، ومنْ نحى نحوهُ (٩) مِنْ عبارةِ أبي عليٍّ، حيثُ صرحوا بأنَّ أبا عليٍّ قالَ: إنَّ " صحيحَ

стр. 104

مسلمٍ " أصحُّ كما هوَ في عبارةِ الشيخِ محيي الدينِ (١)، وقاضي القضاةِ بدرِ الدينِ بنِ جماعةٍ في مختصريهما لابن الصلاحِ، فصرَّحَ الطبنيُّ حينئذٍ بالتفضيلِ، فإنْ كان الأمرُ كذلكَ كانَ بحثُ شيخنا (٢)، وشيخهِ في "الشرحِ الكبيرِ " فيما تقتضيهِ صيغةُ أفعلَ جواباً لهُ، لكنْ لا بدَّ أنْ تعرفَ أَنَّ ذَلِكَ غيرُ متعينٍ في هذهِ الصيغةِ، أي: أنها دائماً لا تنفي إلا الرجحانَ، بلِ الحقُّ أنها تارةً تستعملُ على مقتضى أصلِ اللغةِ فتنفي / ٢٣ أ / الزيادة فقط (٣)، وتارةً على مقتضى ما شاعَ مِنَ العرُفِ، فتنتفي المساواةُ. وقولُ الإمامِ أحمدَ يدلُ على هذا؛ لأنَّ معناها لو كانَ متعيناً في الأمرِ الأولِ ما احتاجَ إلى الاستدراكِ. وقد حققَ الشيخُ سعدُ الدينِ التفتازانيُّ هذا المبحثَ في الكلامِ على الإمامةِ في أواخرِ "شرحِ المقاصدِ" فقالَ في الحديثِ الذي ذكرهُ المحبُ الطبريُّ في كتابِ " مناقبِ العشرةِ " عنِ الدارقطني و"المخلص الذهبيّ " (٤) عنْ أبي الدرداءِ ﵁: أنَّهُ قالَ: رآني النبيُّ ﷺ أمشي أمام أبي بكرٍ فقالَ: ((يا أبا الدرداءِ، تمشي أمامَ منْ هوَ خيرٌ منكَ في الدنيا والآخرةِ! ما طلعتْ شمسٌ، ولا غربتْ على أحدٍ بعدَ النبيينَ -أفضل مِنْ أبي بكرٍ)) (٥) ﵁، قالَ (٦)

стр. 105

ما نصهُ: ((ومثلُ هذا الكلامِ وإنْ كانَ ظاهرهُ نفيَ أفضليةِ الغير، لكنْ إنما ينساقُ لإثباتِ أفضليةِ المذكورِ)). ولهذا أفادَ أَنَّ أبا بكر أفضلُ مِنْ أبي الدرداء، والسر في ذَلِكَ أَنَّ الغالب مِنْ حالِ كلِّ اثنينِ هوَ التفاضلُ دونَ التساوي، فإذا نفى أفضليةَ أحدهما ثبتَ أفضلية الآخرِ، وبمثلِ هذا ينحلُّ الإشكالُ المشهورُ على قولهِ ﷺ ، أي: فيما رواهُ مسلمٌ (١) وهذا لفظهُ، وأبو داودَ (٢)، والترمذيُّ (٣) والنسائيُّ (٤) وغيرُهم (٥) عن أبي هريرةَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((منْ قالَ حينَ يصبحُ، وحينُ يمسي: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ، مئةَ مرةٍ، لمْ يأتِ أحدٌ يومَ القيامةِ بأفضل مما جاءَ بهِ، إلا أحدٌ قالَ مثلَ ذَلِكَ، أو زادَ عليهِ)). فالاستثناءُ بظاهرهِ مِنَ النفيِ، وبالتحقيقِ منَ الإثباتِ يعني: ويصيرُ ذلكَ كالحديثِ الذي رواهُ / ٢٣ ب / البزارُ (٦) مِنْ رواية جابرٍ الجعفيِّ، عن أبي المنذرِ الجهنيِّ ﵁، قالَ: قلتُ: يانبيَ اللهِ، علِّمني أفضلَ الكلامِ، قالَ: ((يا أبا المنذرِ، قلْ: لا إلهَ إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، يُحيي ويميتُ، بيدهِ الخيرُ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، مئةَ مرةٍ (٧) في كل يومٍ؛ فإنكَ يومئذٍ أفضلُ الناسِ عملاً، إلا منْ قالَ مثلَ ما قلتَ)) (٨)، فتأملْ هذا الفصلَ؛ فإنَّهُ بديعٌ.

стр. 106

قولهُ: (الطُبني) (١) - بضمِ المهملةِ، وإسكانِ الموحدةِ، وقبلَ ياءِ النسبِ نونٌ - ضبطهُ ابنُ السمعانيِّ (٢) -، وقيلَ: بضمِ الموحدةِ حكاهُ ابنُ الأثيرِ في مختصرِ "النهايةِ" (٣)، وهي بلدةٌ بالمغربِ ينسبُ إليها جماعةٌ. قولهُ: (لمْ يمازجهُ (٤) غيرُ الصحيحِ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَ هذا: ((فإنَّهُ ليسَ فيهِ بعدَ خطبتهِ إلا الحديث الصحيح مسروداً، غيرَ ممزوجٍ بمثلِ ما في كتابِ البخاريِّ في تراجمِ أبوابهِ منَ الأشياءِ التي لم يسندْها على الوصفِ المشروطِ في الصحيحِ، فهذا لا بأسَ بهِ، وليسَ يلزمُ منهُ أَنَّ كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحيحِ على كتابِ البخاريِّ)) (٦) إلى آخرهِ، وسيأتي بقيةُ الكلامِ على هذا قريباً (٧). قولهُ: (وعلى كلِ حالٍ، فكتاباهما أصحُّ كتبِ الحديثِ) (٨) شبيهٌ بما قلنا فيما صرحَ بأنَّهُ أصحُّ الأسانيدِ مطلقاً، أو مقيداً مِنْ أنَّهُ يُستفادُ منهُ أرجحيتهُ على ما عداهُ بالنسبةِ إلى مجموعِ أقوالهم، وعدمِ منْ يخالفهم، فإنَّ منْ صرَّحَ بترجيحِ كتابِ البخاريِّ، ومن توقفَ، أو احتملَ كلامهُ تفضيلَ مسلمٍ مُجمعونَ على أَنَّ الكتابينِ أصحُّ مِنْ غيرهما، فهما (٩) بالنسبةِ إلى القولينِ، وسكوت بقيةِ / ٢٤أ / الأمّةِ عليهما

стр. 107

كما مضى مِنْ أَنَّ ذَلِكَ ينتجُ أنهما أصحُّ منْ غيرهما. قولهُ: (قبلَ وجودِ الكتابينِ) (١) قالَ بعضُ أصحابنا: ((كانَ إذ ذاكَ موجودٌ منَ المصنفاتِ " السننَ " لابنِ جريجٍ، وابن إسحاقَ (٢) غير السيرةِ، ولأبي قرةَ موسى بنِ طارقٍ الزبيدي بفتحِ الزاي، ومصنفُ عبدِ الرزاقِ بنِ همامٍ وغيرها)) (٣). قولهُ: (لو نفعَ) (٤) جوابهُ محذوفٌ، تقديرُ الكلامِ: وفضلَ بعضُ أهلِ الغربِ مصاحباً في التفضيلِ لأبي عليٍّ كتاب مسلمٍ، فيكونُ أصحَّ مِنْ كتابِ البخاري، فلو نفعَ تفضيلهم بموافقةِ العلماءِ لهم وقبولهم لقولهم؛ لعملَ بهِ، أو لَقُضِي بأنَّهُ أفضلُ (٥)، لكنهُ لم ينفعْ، فلمْ يعملْ بهِ، أو فلم يكنْ أفضلَ (٦)؛ لأنَّ العلماء ردوا ظاهرَ ذلكَ (٧)، وأوَّلوا كلامهم. ومنَ الرَّادِّينَ مَنْ لم يستدلَّ لقولهِ اعتماداً على نظرِ الفطنِ الممارسِ للفنِّ في شروطِ الصحةِ في الكتابينِ، واستقراءِ استعمالِ الرجلينِ (٨) لها، كابنِ الصلاحِ حيثُ قالَ: ((وإنْ كانَ المرادُ أنَّ كتابَ مسلمٍ أصحُّ صحيحاً،

стр. 108

فهذا مردودٌ على منْ تقوَّلهُ)) (١)، ومنهم من برهنَ على أرجحيةِ كتابِ البخاريّ كشيخِنا في " شرح النخبة " (٢)، وغيرهِ، مِن ذَلِكَ أَنَّ البخاريَّ اشترطَ في إخراجه الحديثَ في كتابهِ هذا، أنْ يكونَ الراوي لَقِيَ شيخه، ومسلمٌ يكتفي بمجردِ المعاصرةِ (٣). قولهُ: (لم يمازجهُ غيرُ الصحيحِ) (٤)، أي: غيرُ الحديثِ الصحيحِ، إنْ قيلَ: فيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ روى (٥) بعدَ الخطبةِ في كتابِ الصلاةِ بإسنادٍ إلى يحيى بنِ أبي كثيرٍ: أنَّهُ قالَ: ((لا يُنالُ العلمُ براحةِ الجسمِ)) (٦) فقد مزجهُ بغيرِ الأحاديثِ كما قالهُ في " النكت " (٧)، فالجوابُ: أنَّهُ نادرٌ فلا حكمَ لهُ. قالَ شيخنا: ((وقالَ ابنُ / ٢٤ب / الملقنِ: رأيتُ بعضَ المتأخرينَ قالَ: إنَّ الكتابينِ سواءٌ، فعلى هذا هو قولٌ ثالثٌ، وحكاهُ الطوفيُّ في " شرحِ الأربعينَ "، ومالَ إليهِ القرطبيُّ في مختصرهِ للبخاريِّ)). قالَ بعضُ أصحابنا: وقالَ أبو العباسِ أحمدُ بنُ عمرَ القرطبيُّ لما ذكرَ البخاريَّ ومسلماً في خطبةِ كتابهِ " المفهمِ " (٨): ((والحاصلُ من معرفةِ أحوالهما أنهما فرسا

стр. 109

رهانٍ، وأنهما ليسَ لأحدٍ من جنسهما بمسابقتهما، ولا مساوقتهما يدانِ)) (١). وقالَ الخطيبُ في كتابِ " الجامعِ " (٢) حينَ ذكرَ الابتداء بسماعِ الأمهاتِ مِنْ كتبِ الأثرِ، والأصولِ الجامعةِ للسننِ: ((وأما أحقها بالتقديمِ الجامعُ، والمسندُ الصحيحانِ لمحمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ، ومسلمِ بن الحجاجِ)). وقالَ أبو عبدِ اللهِ الحميديُّ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ " (٣): ((لم نجدْ في الأئمةِ الماضينَ مَنْ أفصحَ لنا في جميعِ ما جمعهُ بالصحةِ، إلا هذينِ الإمامينِ)). وقالَ أبو محمدٍ عبدُ الحقِّ بنُ عبدِ الرحمانِ الإشبيليُّ الحافظُ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ ": ((وقد اشتهرا في الصحةِ شهرةً لايطعنُ عليها وتضمنا منَ الأخبارِ، ما لجأ الناسُ في الأكثرِ إليها، وحسبكَ مِنْ هذينِ الكتابينِ أنهما إنما يعرفانِ بالصحيحينِ)). (٤) قولهُ: في الشرحِ (مَنْ صنفَ في جمعِ الصحيح) (٥) قيلَ: فائدةُ زيادة لفظة جمع إخراجِ غيرِ الصحيحِ؛ لأنَّهُ إذا كتبَ شيئاً صحيحاً، وأدرجَ فيهِ شيئاً (٦) غيرَ صحيحٍ لم يصدقْ أنَّهُ صنَّفَ في جمعِ الصحيحِ، وعندي أنهُ لا فرقَ بينَ وجودِ هذهِ اللفظةِ وعدمِها، كما في النظمِ مِنْ قولهِ: (أولُ (٧) منْ صنفَ في

стр. 110

الصحيحِ) (١) وأنَّ كلا العبارتينِ غيرُ صريحٍ في تجريد / ٢٥أ / الصحيحِ؛ فإنَّ مَنْ كتبَ الصحيحَ وضمَّ إليهِ قليلاً مِنْ غيرهِ، كما فعلَ مالكٌ (٢)، لا يخرجُ عنْ كونهِ صنفَ في الصحيحِ، أو في جمعِ الصحيحِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((أولُ مَنْ صنفَ (٣) الصحيحَ)) (٤) كما تقّدمَ، أي: جعلهُ أصنافاً، وهيَ غيرُ صريحةٍ في أَنَّ المرادَ: أولُ منْ أفردَ الصحيحَ عنْ غيرهِ (٥)، فلو قالَ: أَولُ منْ صَنَّفَ في الصَحِيحِ ... فقطْ محمدٌ وبالترجيحِ خُصَّ فمسلمٌ وبعضُ الغَربِ معْ ... ... ... .... .... كَانَ أَحسنَ. قَولُه: (فقد بينتهُ في " الشرحِ الكبيرِ ") قالَ شيخنا (٦): ((أولُ مَنْ صنفَ في العلمِ، وبوَّبه ابنُ جريج بمكةَ، ومالكٌ، وابنُ أبي ذئبٍ بالمدينة، فإنَّ ابن أبي ذئبٍ صنفَ موطأً، أكبر من "موطأ مالكٍ" بأضعافٍ حتى قيلَ لمالكٍ: ما الفائدةُ في تصنيفكَ؟ فقالَ: ((ما كانَ للهِ بَقيَ)) والأوزاعيُّ بالشامِ، والثوريُّ بالكوفةِ، وسعيدُ بنُ أبي عروبةَ، والربيعُ بنُ صبيحٍ بالبصرةِ، ومعمرٌ باليمنِ)). قالَ (٧): ((وكانَ هؤلاءِ في عصرٍ واحدٍ، فلا ندري أيهم سبقَ؟))، وهكذا في "شرحِ المصنفِ الكبيرِ"، وقالَ: ((وخالدُ بنُ جميلٍ الذي يقالُ لهُ: العبدُ، ومعمرُ ابنُ راشدٍ باليمنِ))، وساقَ
следующие страницы →