← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قولهُ: (خلاف ما اقتضاهُ كلامُ ابنِ الصلاحِ) (١)، أي: فإنَّهُ لما ذكرَ مِنْ أينَ تؤخذُ الزيادةُ على الصحيحِ فقالَ: إمّا بالتنصيصِ على صحتها مِنَ الكتبِ المشهورةِ، أو بوجودها في كتابٍ اشترطَ مصنِّفهُ الصحةَ، ثمَّ قالَ: وكذلكَ ما يوجدُ في الكتبِ المخرجةِ على كتابِ البخاريِّ ومسلمٍ، مِنْ تتمةٍ لمحذوفٍ، أو زيادةِ شرحٍ في كثيرٍ مِنْ أحاديثِ الصحيحينِ، قالَ: وكثيرٌ مِنْ هذا موجودٌ في الجمعِ بين الصحيحينِ للحميديِّ، فظاهرُ هذا أَنَّ ما وقعَ فيهِ منَ الزياداتِ محكومٌ بصحتهِ. هذا كلامُه في " الشرحِ الكبيرِ " وهو كذلكَ. ولا مناقشةَ على (٢) ابنِ الصلاحِ (٣) فيهِ؛ لأنَّهُ جارٍ على ما أصلَ منْ أَنَّ زياداتِ المستخرجاتِ صحيحةٌ، وما في " الجمعِ " للحميديِّ منها، وإنما يناقشُ في الأصلِ كما مضى، فيبطل الفرعُ بإبطالهِ. قولهُ: مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ ٣٧ - وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْويُّهُمَا ... ثُمَّ البُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ، فَمَا ٣٨ - شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي ... فَمُسْلِمٌ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفي ٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ ... فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ ثمَ قالَ: (اعلمْ أَنَّ درجاتِ الصحيحِ) (٤) عبارةُ ابنِ الصلاحِ في السابعِ منَ الفوائدِ المتعلقةِ بالصحيحِ: ((وإذا انتهى الأمرُ في معرفةِ الصحيحِ إلى ما خَرَّجهُ الأئمةُ في

стр. 142

تصانيفهم الكافلةِ ببيانِ ذلكَ كما سبقَ ذكرهُ، فالحاجةُ ماسةٌ إلى التنبيهِ على أقسامهِ باعتبارِ ذلكَ (١) / ٣٧أ /: فأولها: صحيحٌ أخرجهُ البخاريُّ ومسلمٌ جميعاً. الثاني: صحيحٌ انفردَ بهِ البخاريُّ، أي: عنْ مسلمٍ. الثالثُ: صحيحٌ انفردَ بهِ مسلمٌ، أي عن البخاريِّ ... )) إلى آخرهِ. ثمَّ قالَ: ((وأعلاها: الأولُ وهوَ الذي يقولُ فيهِ أهلُ الحديثِ كثيراً: صحيحٌ متفقٌ عليهِ. يطلقونَ ذلكَ، وَيَعنونَ بهِ اتفاقَ البخاريِّ ومسلمٍ، لا اتفاق الأمّةِ عليهِ، لكنَّ اتفاقَ الأمةِ عليهِ لازمٌ مِنْ ذلكَ، وحاصلٌ معهُ؛ لاتفاقِ الأمّة على تلقي ما اتفقا عليهِ بالقبولِ، وهذا القسمُ جميعهُ مقطوعٌ بصحتهِ (٢) ... )) (٣) إلى آخرهِ (٤). قولهُ: (والرابعُ: ما هوَ على شرطهما) (٥) إنْ قيلَ: ما وجهُ تأخيرِ هذا عما أخرجهُ أحدهما؟ قيلَ: الذي أخرجهُ أحدهما تلقّتهُ الأمةُ بالقبولِ، بخلافِ ما كانَ على شرطهما، ولم يخرجاه، وإنْ كانَ قد يعرضُ للمفوقِ (٦) ما يجعلهُ فائقاً، كأنْ يتفقا على حديثٍ غريبٍ، ويخرجُ مسلمٌ مثلاً، أو غيرُه حديثاً يبلغُ مبلغَ التواترِ، فلا

стр. 143

شكَّ في أرجحيتهِ، ولا يقدحُ (١) في قولنا: ما اتفقا عليهِ أعلى؛ لأنَّهُ باعتبارِ الإجمالِ (٢). قولهُ: (ما هو صحيحٌ عندَ غيرهما) (٣)، أي: باستيفاءِ الشروطِ التي ذَكرَها في حدِّ الصحيحِ، وأوردَ على هذا خمسةَ أقسامٍ أُخَرَ: أولها: المتواترُ فيكونُ أعلى الأقسامِ. الثاني: المشهورُ الذي فَقَدَ بعضَ شروطِ التواترِ. الثالثُ: ما اتفقَ عليهِ الستةُ، وبعدَ هذا ما اتفقا عليهِ إلى آخر السبعةِ التي ذكروها. الرابعُ مما أوردَ - وهوَ الحاديَ عشرَ -: ما فَقَدَ شرطاً، كالاتّصالِ مثلاً عندَ منْ يعدهُ صحيحاً. الخامسُ - وهو الثاني عشرَ -: ما فَقَدَ تمامَ / ٣٧ ب / الضبطِ، ونحوه مما ينزله إلى رتبةِ الحسنِ عندَ منْ يُسمّيهِ صحيحاً. قالَ شيخُنا: ((ولا يردُ منها إلا المشهورُ، وهوَ إيرادُ الحافظِ صلاحِ الدينِ العلائيِّ، وأنا متوقفٌ في رتبتهِ، هل هي قبل (٤) ما اتفقا عليهِ أو بعدهُ؟ وأما المتواترُ فلا يردُ؛ لأنَّهُ لا يشترطُ فيهِ عدالةُ الراوي، وكلامنا في الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ، سَلّمنا ورودَهُ، ولا يوجدُ متواترٌ إلا وهو فيهما، أو في أحدهما.

стр. 144

وأمّا ما أخرجهُ الستةُ وهوَ إيرادُ الحافظِ علاءِ الدينِ مغلطاي، فلا يردُ أيضاً؛ لأنَّهُ قسمٌ، لا قسيمٌ، فإنَّ ما أخرجاهُ لا يخلو إمّا أنْ ينفردا بهِ، أو يوافقَهما عليهِ غيرُهما، فهو حينئذٍ قسمٌ مندرجٌ تحتهُ، وتلكَ الأقسامُ متباينةٌ من كلِ وجهٍ، فلا يردُ عليها إلا ما كانَ مبايناً لكلٍ منها. قال: وعلى طريقِ التنَزلِ فكانَ ينبغي أنْ يقالَ: ما أخرجهُ الستةُ، ثمَّ ما أخرجوهُ إلاَّ واحداً منهم، وكذا ما أخرجهُ الأئمةُ الذينَ التزموا الصحةَ، ونحو هذا إلى أنْ تنتشرَ الأقسامُ، فتكثرَ حتى يعسرَ حصرها)). قلتُ: الذي يظهرُ لي - ولم أفهمْ غيرَهُ بعدَ محاورةٍ كبيرةٍ (١) من شيخنا - أَنَّ هذا واردٌ؛ لأنَّ قولَنا: ما أخرجهُ الستةُ، ثمَّ ما أخرجوهُ إلا واحداً وِزَان (٢) قولنا ما أخرجهُ الشيخانِ، ثمَّ ما أخرجهُ أحدُهما، وقولنا: ما أخرجهُ الشيخانِ دونَ ما اتفقَ عليهِ الستةُ، وزان قولنا: ما أخرجهُ أحدُ الشيخينِ دونَ ما اتفقا عليهِ، واللهُ أعلمُ. لكن قالَ شيخنا (٣) في " النكتِ ": ((منْ لم يشترطْ / ٣٨ أ / في كتابهِ الصحيحَ لا يزيدُ تخريجهُ للحديثِ قوةً، نعم ما اتفقَ الستةُ على توثيقِ رواتهِ، أولى بالصحةِ مما اختلفوا فيهِ، وانِ اتفقَ عليهِ الشيخانِ))، وكلامهُ غيرُ مسلمٍ، أولاً وآخراً، أما أولاً؛ فلأنَّ أصحابَ السننِ، وإنْ لم يشترطُوا الصحيحَ، فإنّ لركونِ نفوسِ الأمةِ إليهم، وطمأنينتها بهم (٤) وقعاً عظيماً، يفيدُ ما أخرجوه في كتبهم قوةً إذا صحَّ سندُهُ لجلالتهم في النفوسِ، والقطعِ بإمامتهم، معَ كونِ كتبهم مبوبة، فهم فيما أخرجوهُ فيها في معرضِ الاحتجاجِ بهِ، وأمّا آخراً؛ فلأنَّ إجماعهم على توثيقِ الرجالِ لايعادُ؛ لاتفاقِ

стр. 145

الأمة على صحةِ المتونِ، واللهُ أعلمُ. (١) وأما الاثنانِ الآخرانِ فلا يردانِ، لأنَّ الكلامَ في الصحيحِ الذي سبقَ تعريفهُ. وفائدةُ هذا التقسيمِ تظهرُ عندَ الترجيحِ. قولهُ: (لأنَّ النسائيَّ) (٢) قلتُ: هما أخرجا منْ أجمعَ على ثقتهِ إلى حينِ تصنيفهما، والنسائيُّ ضعف بعدَ وجودِ الكتابينِ، فلا يقدحُ ذلكَ؛ لأنهما لم (٣) يلتزما أنَّهُ لا يأتي أحدٌ (٤) بعدهما يخالفُ في ذلكَ (٥)، فقالَ شيخنا: ((تضعيفُ النسائيِّ إن كَانَ باجتهادهِ، أو نقلهِ عنُ معاصرٍ، فيأتي قولكَ هذا، وإن كانَ ينقلُ عن متقدمٍ فلا، قالَ: والواقعُ في نفس الأَمرِ أَنَّ نقلَ التضعيفِ موجودٌ عن منْ تقدمَ على عصرِهما، ويُمكنُ أَنْ يُجابَ عنِ ابنِ طاهرٍ بأنَّ ما قالهُ هوَ الأصلُ الذي يُبنى عليهِ أمرهما، وَقد يخرجانِ عنهُ لمرجح يقومُ مقامهُ)). قوله: (هذا حاصلُ كلامهِ) (٦) قالَ شيخنا: / ٣٨ب/ ((كلامهُ أبسطُ مِنْ هذا، وهوَ أنَّهُ عمد إلى الزهري لكثرةِ أصحابه، فجعلهم خمسَ طبقاتٍ:

стр. 146

الأُولى: مَنْ طالت ملازمتهُ لهُ، بل ما انفكَّ عنهُ حتى كانَ يُزَامله على الراحلةِ في السفرِ، وَيلازمهُ في الحضر مع الإتقانِ التامِّ. الثانيةُ: مَنْ هم دونَ هؤلاءِ في الإتقانِ، وَالملازمةِ. الثالثة: مَنْ لم يلازم أَصلاً، أَو إلا يسيراً مع إتقانٍ، وَلكنهُ دونَ إتقانِ منْ قبلهُ. الرابعةُ: مَنْ يطلقُ عليهِ اسمُ الصدقِ، ولم يَسلمْ مِنْ غوائلِ الجرحِ. الخامسةُ: الضعفاءُ. فالبخاريُّ يخرجُ حديثَ الطبقةِ الأولى، وعن أعيانِ الطبقةِ الثانيةِ، وإنْ أخرجَ عنِ الثالثةِ فيقلُّ جداً، ويتلابقُ فيهِ بحيثُ إنَّهُ لا يسوقهُ مساقَ الكتابِ بحدثنا، وأخبرَنا، بل يقولُ: روى فلانٌ، وقالَ فلانٌ، وتابعهُ فلانٌ، ونحوَ ذَلِكَ، قالَ: وهذا مما رُجِّحَ بهِ البخاريُّ على مسلمٍ؛ فإنَّ مسلماً يخرجُ حديثَ الطبقةِ الأولى إنْ وجدَ، ثمَّ حديث الثانيةِ كاملاً، ثمَّ عن أعيانِ الثالثةِ، ثمَّ يقلُّ جداً عن الرابعةِ، ويؤخرُ حديثهمْ، فيجعلهُ على وجهِ المتابعةِ، لكنهُ يسوقُ الكلَّ مساقاً واحداً بحدّثنا وأخبرنا، فلا يميزه إلا عارفٌ بالفنِ بأمورٍ خارجيةٍ. قالَ: وأيضاً فإنَّ (١) البخاريَّ إذا أخرجَ عن منْ تكلمَ في حديثهِ أقلّ جداً مما يخرجُ عنهُ، وأكثرهم منْ مشايخهِ، أو مَن قَرُبَ منهم، فيغلبُ على الظنِّ أنَّهُ أطلعَ (٢) على صحةِ ذَلِكَ الخبرِ الذي يخرجهُ عن أحدهم بأمورٍ خارجيةٍ / ٣٩ أ / ومسلمٌ بخلافِ ذَلِكَ، قالَ: ويأتي في كلامِ الحازميِّ أيضاً ما تقدمَ في كلامِ ابنِ طاهرٍ مِنْ أَنَّ هذا الذي قررهُ هوَ الأصلُ، وقد يخرجانِ عنهُ لمصلحةٍ يرَيانها)) (٣).

стр. 147

قوله: (إذا كانَ طويلَ الملازمةِ) (١)، أي: لأنَّ طولَ ملازمتهِ تجبرُ وهنه؛ لأنَّهُ يعرفُ بذلكَ صحيحَ حديثِ منْ لازمهُ مِنْ سقيمهِ، ويسمعُ الحديثَ الواحدَ منه مراراً كثيرةً، فتصيرُ له ملكةٌ قويةٌ بحديثهِ (٢). قلتُ: قولهُ: (كحمادِ بنِ سلمةَ) (٣) قالَ المصنفُ في " الشرحِ الكبيرِ " بعدَ كلامِ ابنِ طاهر، ثم قالَ: ((فإنْ كانَ للصحابي راويانِ فصاعداً فحسنٌ، وإنْ لم يكنْ له إلا راوٍ واحدٌ، وصحَّ ذَلِكَ الطريقُ إلى ذَلِكَ الراوي أخرجاه، إلا أَنَّ مسلماً أخرجَ حديثَ قومٍ تركَ البخاريُّ حديثهم لشبهةٍ وقعتْ في نفسهِ، كحمادِ ابنِ سلمةَ، وسهيلِ بنِ أبي صالحٍ، وداودَ بنِ أبي هندٍ (٤)، وأبي الزبيرِ (٥) والعلاءِ بنِ عبدِ الرحمانِ (٦)، وغيرهم)).

стр. 148

والبخاريُّ لَما تكلمَ في هؤلاءِ بما لا يزيلُ العدالةَ والثقةَ تركَ إخراجَ حديثهم استغناءً بغيرهم، فتكلموا في سُهيلِ بنِ أبي صالحٍ في سماعهِ مِنْ أبيهِ، فقيلَ: صحيفةٌ (١)، وتكلموا في حمادٍ بأنَّهُ أدخلَ في حديثهِ ما ليس منهُ، وعندَ مسلمٍ ما صحَّ هذا التكلمُ، فأخرجَ أحاديثهم؛ لإزالةِ الشبهةِ عندهُ. وقالَ شيخُنا في " تهذيبِ التهذيبِ " بعدَ أَنْ نقلَ عن جماعةٍ مِنَ الأئمةِ الثناءَ العظيمَ على حمادٍ بالعلمِ، والثقةِ، والتصلّبِ في السنةِ، والدينِ، والولايةِ حتى إنَّه لو قيلَ له: إنَّكَ /٣٩ ب/ تموتُ غداً ما قدر أن يزيد في العملِ شيئاً، وأنَّهُ أثبتُ الناسِ في ثابتٍ حتى قالَ ابنُ معينٍ: منْ خالفَ حمادَ بنَ سلمةَ في ثابتٍ، فالقولُ قولُ حمادٍ (٢). وقالَ ابنُ حبانَ: ((كانَ منَ العبادِ المجابي الدعوة، ولم يُصِبْ مَنْ جَانَبَ حديثَهُ. واحتجَّ في كتابهِ بأبي بكرِ بنِ عياشٍ، فإنْ كانَ تركهُ إياهُ لما كانَ يخطئُ، فغيرهُ منْ أقرانِه مثلُ الثوري وشعبةَ كانوا يخطئونَ؛ فإنْ زعمَ أَنَّ خطأهُ قد كثرَ حتى (٣) تغيرَ، فقد كانَ ذَلِكَ في أبي بكرِ بنِ عياشٍ موجوداً، ولم يكنْ مِنْ أقرانِ حمادِ بنِ سلمةَ بالبصرةِ مثلهُ في الفضلِ، والدينِ، والنسكِ، والعلمِ، والكتبةِ، والجمعِ، والصلابةِ في السنةِ، والقمعِ لأهلِ البدعِ)) (٤). وقد (٥) عرَّضَ ابنُ حبانَ بالبخاريِّ لمجانبتهِ حماد بنِ سلمةَ، واعتذرَ أبو الفضلِ بنُ طاهرٍ عن ذَلِكَ لما ذكرَ أَنَّ مسلماً أخرجَ أحاديثَ أقوامٍ تركَ البخاريُّ حديثهم، قالَ: وكذلكَ حمادُ بنُ سلمةَ إمامٌ كبيرٌ مدحهُ الأئمةُ، وأطنبوا لما تكلمَ بعضُ منتحلي المعرفةِ أَنَّ بعضَ الكَذَبَةِ أدخلَ في حديثهِ ما ليسَ منهُ، لم يخرجْ عنهُ البخاريُّ معتمداً عليهِ، بل استشهدَ بهِ في مواضعَ؛

стр. 149

ليبيّنَ أنَّهُ ثقةٌ، وأخرجَ أحاديثَهُ التي يرويها مِنْ حديثِ أقرانهِ كشعبةَ، وحماد بنِ زيد، وأبي عوانةَ، وغيرهم ومسلمٌ اعتمدَ عليهُ؛ لأنَّهُ رأى جماعةً مِنْ أصحابهِ القدماءِ والمتأخرينَ لم يختلفوا عليهِ. وقالَ الحاكمُ: ((لم يخرجْ مسلمٌ لحمادِ بنِ سلمةَ في الأصولِ إلا منْ حديثهِ عن ثابتٍ، وقد خرَّجَ لهُ في الشواهدِ عن طائفةٍ)). وقالَ البيهقيُّ (١): هوَ أحدُ أئمةِ المسلمينَ، إلا أنَّهُ (٢) / ٤٠أ / لما كبرَ (٣) ساءَ حفظهُ، فلذا تركهُ البخاريُّ، وأما مسلمٌ فاجتهدَ، وأخرج مِنْ حديثهِ عن ثابتٍ ما سمعَ منهُ قبلَ تغيّرهِ، وما سوى حديثهِ عن ثابتٍ لا يبلغُ اثني عشرَ حديثاً أخرجه في الشواهدِ، ثمَّ قالَ شيخُنا: وهوَ كما قالَ ابنُ المديني: منْ تكلمَ في حمادِ ابنِ سلمةَ فاتهموهُ في الدّينِ (٤)، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (قالَ: إنَّهُ أودعهُ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ كما مضى: ((أودعهُ ما ليسَ في واحدٍ مِنَ الصحيحينِ)). وقال في "النكتِ": ((ليسَ كذلكَ، فقدَ أودعهُ أحاديثَ مخرجةً في الصحيحِ، وهماً منه في ذلكَ، وهي أحاديثُ كثيرةٌ، منها حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ مرفوعاً: ((لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآنِ .. )) الحديث رواهُ الحاكمُ (٦) في مناقبِ

стр. 150

أبي سعيدٍ الخدري، وقد أخرجهُ مسلمٌ في "صحيحه" (١) وقد بينَ الحافظ أبو عبد اللهِ الذهبيُّ في " مختصرِ المستدركِ " (٢) كثيراً منَ الأحاديثِ التي أخرجها في "المستدركِ"، وهي في الصحيحِ (٣))) (٤). قولهُ: (وليسَ ذلكَ منهم بجيدٍ) (٥) قالَ (٦): بل قد (٧) أجادوا وأصابوا؛ لأنَّ الحاكمَ استعملَ كلمة: ((مثل)) فيما هوَ أعمُّ مِنْ أَن يكونَ حقيقةً، أو مجازاً في الأسانيدِ، أو في المتونِ، دلَّ على ذلكَ صنيعهُ فإنَّهُ تارةً يقولُ: على شرطهما، وتارةً يقولُ: على شرطِ البخاريِّ، وتارةً: على شرطِ مسلمٍ، وتارةً: صحيح الإسنادِ، ولا يعزهُ إلى شرط واحد منهما، وأيضاً فلو كانَ مقصودُهُ بكلمةِ: ((مثل)) معناها الحقيقي، حتى يكونَ المرادُ احتجَّ بغيرها ممن فيهمَ منَ الصفاتِ (٨) منَ العدالةِ وسائرِ الشروطِ مثل ما في الرواةِ الذينَ خرَّجا عنهم، لم يقلْ قطُ: على شرطِ /٤٠ب/ البخاريِّ، فإنَّ شرطَ مسلمٍ دونهُ، فما كانَ على شرطهِ (٩) فهو على شرطهما؛ لأنَّهُ حوى شرطَ مسلمٍ وزادَ، وكأنَّ المصنِّفَّ يقولُ: لأي شيءٍ حمل ابنُ الصلاحِ، ومن تبعهُ كلمةَ: ((مثل)) في كلامِ الحاكمِ على أحدِ معنييها، وهو المجازيُ حتى يكونَ

стр. 151

الرواةُ أعيانَ الرواةِ الذينَ رويا عنهم، وجعلوها (١) خارجةً مخرجَ ما في قولكَ: مثلُكَ لا يفعلُ كذا، أي: أنتَ. وقد علمت دليلَ ما قالوه، قالَ -أي: ابنُ حجرٍ (٢) -: ((ووراءَ ذَلِكَ كله، أَن يُروَى إسنادٌ ملفقٌ مِنْ رجالهما، كأنْ يُقالَ: سماكٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ. فسماكٌ على شرطِ مسلمٍ فقطْ، لم يخرجْ له البخاريُّ، وعكرمةُ انفردَ بهِ البخاريُّ، والحقُّ أَنَّ هذا ليسَ على شرطِ واحدٍ منهما، وأدقُّ مِنْ هذا أَنْ يرويا عن أناسٍ ثقاتٍ، ضُعِّفُوا في أناسٍ مخصوصينَ مِنْ غيرِ حديثِ الذينَ ضُعِّفُوا فيهم، فيجيءُ عنهم حديثٌ مِنْ طريقِ منْ ضُعِّفُوا فيهِ برجالٍ كلهم في أحدِ الكتابينِ، أو فيهما، فنسبتهُ أنَّهُ على شرطِ منْ خرجَ لهُ غلطٌ، كأنْ يُقالَ في هشيمٍ، عنِ الزهري، كل مِنْ هشيمٍ والزهريِّ أخرجا له، فهو على شرطِهما، فيقال: بل ليسَ على شرط واحدٍ منهما؛ لأنهما إنما أخرجا لهشيمٍ مِنْ غيرِ حديثِ الزهري فإنَّهُ ضعِّفَ فيهِ؛ لأنَّهُ كان رحلَ إليهِ، فأخذَ عنهُ عشرينَ حديثاً فلقيهُ صاحبٌ لهُ - وهو راجعٌ - فسألهُ: رَوِّنِيهِ، وكانَ ثمَّ ريحٌ شديدةٌ، فذهبتْ بالأوراقِ مِنْ يدِ الرجلِ فصارَ هشيمٌ يُحدِّثُ / ٤١ أ / بما علقَ منها بذهنهِ مِنْ حفظهِ، ولم يكن أتقنَ حفظَها؛ فوهمَ في أشياءَ منها؛ ضُعِّف في الزهريِّ بسببها (٣)، وكذا همامٌ (٤) ضعيفٌ في ابنِ جريجٍ، مع أَنَّ كلاً

стр. 152

منهما (١) أخرجَ (٢) له (٣)، لكن لم يخرجا له عن ابنِ جريجٍ شيئاً، فعلى منْ يعزو (٤) إلى شرطهما، أو شرطِ أحدهما أَنْ يسوقَ ذَلِكَ السندَ بنسقِ (٥) ما (٦) رتبهُ بهِ مَنْ نسبهُ إلى شرطهِ، ولو في موضعٍ مِنْ كتابهِ، فيكون حينئذٍ معَ أمننِا مِنْ ضعفِ رواتهِ، قد أَمِنَّا مِنْ وجودِ علّةٍ فيهِ أو قادحٍ منَ القوادحِ؛ فإنَّ الراوي قد يكونُ ضعيفاً في راوٍ ثقة في غيرهِ كما تقدّمَ، ومن إغفالِ هذا القيدِ أُتي الحاكمُ، وغيرُه ممنْ خرجوا على شرطهما فهوَ مزلّةٌ عظيمةٌ، واللهُ الموفقُ (٧). قولهُ: (صرحَ في خطبةِ كتابهِ) (٨) عجبٌ معَ قولهِ: (ويحتملُ أَنْ يرادَ ... ) (٩) إلى آخرهِ، فإنَّ الصريحَ ما لا يحتملُ غيره، كذا قيلَ، وليسَ كذلكَ، فإنَّ الذي لا يحتملُ غيرَ ما ذكرَ لهُ هو النصُّ، وأما الصريحُ فهوَ الظاهرُ، لكنَّ الاحتمالَ الآخرَ لا يعتدُّ بهِ (١٠)، والعذرُ (١١) عنِ المصنفِ أنَّهُ رأى الحملَ على الحقيقةِ - أي: في المثلِ (١٢) - هو الأصلُ، وجعلَ غيرهُ كالعدمِ (١٣).

стр. 153

وعبارتهُ في " النكتِ " سالمةٌ مِنْ مثلِ هذا، فإنَّه قال - بعد أن قررَ ما فهمهُ ابنُ دقيقِ العيدِ، والذهبي عنِ الحاكمِ -: ((ولكنْ ظاهرُ كلامِ الحاكمِ المذكورِ - يعني: ما نقلهُ عن خطبةِ "المستدركِ" (١) - يخالفُ ما فهموه عنهُ، واللهُ أعلمُ (٢))) (٣). قولهُ: (وفيهِ نظرٌ) (٤) وجهُ النظرِ أنا إذا سلمنا أَنَّ الضميرَ في مثلها يعودُ على الأحاديثِ، لا يلزمُ منهُ أَنَّ المماثلةَ لا تحصلُ إلاَّ /٤١ب/ بالروايةِ عن أعيانِ الرواةِ الذينَ أخرجا لهم، أو أحدهما، بل تكفي المماثلةُ، أي: الموازاةُ في الصحةِ. قلتُ: قوله: (وقد بينتُ المثليةَ في " الشرحِ الكبيرِ ") (٥) عبارتهُ فيهِ: ((ثمَّ ما المرادُ بالمثلية عندهما، أو عندَ غيرهما، فقد يكونُ بعضُ منْ لم يخرج عنهُ في " الصحيحِ" مثل منْ خرجَ عنهُ فيهِ، أو أعلى منهُ عند غيرِ الشيخينِ، ولا يكونُ الأمرُ عندهما على ذلكَ، فالظاهرُ أنَّ المعتبرَ وجودُ المثليةِ عندهما، ثم المثليةُ عندهما تعرفُ إمّا بتنصيصِهما على أَنَّ فلاناً مثلُ فلانٍ، أو أرفعُ منهُ، وقَلَّ ما يوجدُ ذلكَ، وإمّا بالألفاظِ الدالةِ على مراتبِ التعديلِ، كأنْ يقولا في بعضِ مَنِ احتجا بهِ: ثقةٌ، أو ثبتٌ، أو صدوقٌ، أو لا بأسَ بهِ، أو غير ذلكَ مِنْ ألفاظِ التوثيقِ، ثمَّ وجدنا عنهما أنهما قالا ذلكَ أو أعلى منهُ في بعضِ منْ لم يحتجا بهِ في كتابيهما، فيستدلُ بذلكَ على أنَّهُ عندهما في رتبةِ من احتجا بهِ؛ لأنَّ مراتبَ الرواةِ معيارُ معرفتها ألفاظُ التعديلِ والجرحِ. ولكنْ هنا أمرٌ فيهِ غموضٌ لا بدَّ مِنَ الإشارةِ إليهِ، وذلكَ أنهم لا يكتفونَ في

стр. 154

التصحيحِ بمجردِ حالِ الراوي في العدالةِ والاتصالِ، مِنْ غيرِ نظرٍ إلى غيرهِ، بل ينظرونَ في حاله معَ منْ رَوَى عنه، في كثرةِ ملازمتهِ له، أو قلتها، أو كونه مِنْ بلدهِ ممارساً لحديثهِ، أو غريباً منْ بلدِ منْ أخذَ عنهُ، وهذهِ أمورٌ تظهرُ بتصفّحِ كلامهم، وعملهم في ذلكَ (١)، واللهُ تعالى أعلمُ)). قوله: ٣٩ - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ ... فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْيَى: مُمْكِنُ / ٤٢أ / لما ذكرَ أصحَّ كُتبِ الحديثِ، والصحيحَ الزائدَ على " الصحيحينِ "، والمستخرجاتِ، ثمَّ ما يتعلقُ بذلكَ منَ المراتبِ، أشعرَ بانحصارِ الصحيحِ في ذَلِكَ؛ فأشعرَ بسدِّ بابِ التصحيحِ في هذه الأزمنةِ فصرحَ بهِ. قالَ شيخُنا: ((وهذا - أي ردُّ الشيخِ عليهِ، أي: العراقيِّ على ابنِ الصلاحِ (٢) - غيرُ جيدٍ، لأنَّهُ دفعٌ غيرُ مستندٍ إلى دليلٍ، ودعَوَى لا برهانَ عليها، والذي ينبغي أَنَّ تبرزَ علةُ كلِ قولٍ، ويبرهنَ على رجحانِ أحدهما، فأقولُ (٣) وباللهِ التوفيقِ: مقدمةُ عبارةِ ابنِ الصلاحِ: ((لأنَّهُ ما مِنْ إسنادٍ مِنْ ذَلِكَ إلا وتجدُ في رجالهِ من اعتمدَ في روايتهِ على ما في كتابهِ عرياً عما يشترطُ في الصحيحِ مِن الحفظِ، والضبطِ، والإتقانِ؛ فإنَّ الأمرَ إذاً في معرفةِ الصحيحِ (٤) والحسنِ إلى الاعتمادِ على ما نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ في تصانيفهم المعتمدةِ المشهورةِ التي يؤمنُ فيها لشُهرتها منَ التغييرِ والتحريفِ، وصارَ معظمُ المقصودِ بما يتداولُ مِنَ الأسانيدِ خارجاً عن ذَلِكَ إبقاء

стр. 155

سلسلةِ الإسنادِ التي خصتْ بها هذه الأمةُ)) (١). انتهى (٢). يمكنُ أنْ يكونَ احترزَ بقولهِ مجرد اعتبارِ الأسانيدِ عنِ المتواترِ، فإنَّهُ يجزمُ بالحكمِ بصحتهِ بالأسانيدِ، معَ ما انضمَّ إليها منَ القرائنِ التي أفادتِ القطعَ بصدقِ نقلتهِ، لا بالأسانيدِ فقط. وقولُ الشيخِ (٣): (عريا عن الضبطِ، والإتقانِ) (٤) قاصرٌ عن قولِ ابنِ /٤٢ ب/ الصلاحِ: ((عرياً عما يشترطُ في الصحيحِ من الحفظِ، والضبطِ، والإتقانِ))، فقولهُ: ((في الصحيحِ)) يفهمُ أنَّهُ لا يمنعُ الاستقلالَ بالجزمِ بالحكمِ بالحسنِ لكنَّ قولهُ عقبهُ: ((فآلَ الأمرُ -إذن- في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ إلى الاعتمادِ على ما (٥) نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ ... )) (٦) إلى آخره، يمنعُ هذا المفهومَ ويوضحُ أَنَّ مرادهُ بالصحيحِ هنا المحتجُ بهِ. وقوله: (مِنَ الحفظِ ... ) (٧) إلى آخره، قال شيخنا: ((كنتُ أظنهُ مجردَ خطابه ثم ظهرَ لي أنَّهُ يشيرُ بذلكَ إلى أَنَّ الضبطَ الذي قدمهُ في حدِّ الصحيحِ ضبطان: ضبطُ صدرٍ، وضبطُ كتابٍ، فأشارَ إلى الأولِ بالحفظِ، وإلى الثاني بالضبطِ، والإتقانُ يتعلقُ بكلٍ منهما، وهوَ إشارةٌ إلى تمامِ الذي ذكرناه في الحدِّ، واقتصرَ هو في الحدِّ على ذكرِ الضبطِ، وأرادَ بهِ الشيئينِ (٨)؛ لأنَّ الحدودَ يناسبها الإيجاز من تشبيه لا نسلمُ (٩) أنهُ ما من إسنادٍ ... إلى آخره؛ لأنَّ هذا النفيَ يحتاجُ إلى استقراءٍ تامٍ،

стр. 156

وأنى يكونُ ذلكَ، وأيضاً ففي الأحاديثِ ما هوَ مسلسلٌ بالحفاظِ، لكن يدفعُ هذا بأنَّهُ لا يردُ عليهِ إلاَّ حديثٌ ليسَ محكوماً بصحتهِ إجمالاً، ولا تفصيلاً، ورجال سنده كلهم ثقاتٌ، وهذا لا يوجدُ، ومن ادّعى الوجودَ فليبينْ، فنسلمُ حينئذٍ تمامَ استقراءِ ابنِ الصلاحِ، ولا نسلمُ تعذرَ التصحيحِ، فإنَّ شروطَ الصحيحِ التي أحدها الضبطُ ليست مقصودةً لذاتها في شخصٍ معينٍ، وإنما المقصودُ حصولُ معانيها في السندِ، فالمقصودُ منَ الضبطِ الوثوقُ بأنَّ هذا سمعَ هذا الحديثَ مثلاً / ٤٣ أ / من شيخهِ، وهو ممن يصحُ تحمله وأداؤهُ، وهذا حاصلٌ إنْ شاء اللهُ تعالى، أما إذا كانَ ضابطاً فلا بأسَ، وإلا فليسَ الاعتمادُ على قوله، إنما الاعتمادُ على من ضبطَ سماعهُ، وأثبتهُ في طبقةِ السماعِ، أو على خطهِ مثلاً، وتصحيحُ الشيخِ الضابط لهُ؛ فإنّ قولَ الضابطِ الثقةِ الذي أثبته: هذا سمعَ (١) الكتابَ الفلانيَّ مثلاً من فلانٍ، قائمٌ مقامَ قولِ بعضِ الحفاظِ فيما عنعنهُ المدلسُ: هذا الحديثُ سمعهُ هذا المدلسُ من شيخهِ، وإذا وجدَ ذلكَ فلا نزاعَ في الحكمِ باتصالهِ وصحتهِ إنْ كانَ شيخُ المدلسِ ومن فوقه من رجالِ الصحيحِ، فليكن ضبطُ مثبتِ الطبقةِ لهذا العري كذلكَ، ويوضحُ لكَ (٢) ذلكَ إخراجُ البخاريِّ في صحيحهِ عمنْ تكلمَ فيهِ من مشايخهِ؛ لمعرفته صحة ما يخرجهُ عنه بأمورٍ خارجيةٍ عرفها بكثرةِ ممارستهِ لحديثِ ذلكَ الشيخِ، ومنِ ادّعى فرقاً فليبينْ. قالَ: وهذا عامٌ في الكتبِ المشهورةِ، والأجزاءِ المنثورةِ، وتختصُ الكتبُ الستةُ (٣) المشهورةُ كأبي داودَ مثلاً بأنا لا نحتاجُ فيها إلى إسنادٍ خاصٍ منا إلى مصنفيها، فإنّهُ تواترَ عندنا أنَّ هذا الكتابَ تصنيفُ أبي داودَ مثلاً حتى لو أنكرَ ذلكَ منكرٌ، حصلَ لطلابِ هذا الفنِ

стр. 157

منَ الاستخفافِ بعقلهِ، ما يحصلُ لو قالَ: لم يكنْ في الأرضِ بلدٌ تسمى بغداد، وعنِ الإمامِ نجمِ الدينِ الزاهديِّ من أئمةِ الحنفيةِ (١) - أنّهُ قالَ في " القِنيةِ " (٢): ((إنّ الكتبَ المشهورة لا يُحتاجُ فيها إلى إسنادٍ خاصٍ، بل يقطعُ بنسبتها إلى من اشتهرت /٤٣ب/ عنهُ)). وفي الركنِ الثاني وهو المقضي بهِ من البابِ الخامسِ من القسمِ الأولِ من كتابِ " تبصرةِ الحكامِ " لابنِ فرحون المالكيِّ (٣) الجزمُ بذلكَ. ونقلهُ عن سلطانِ العلماءِ الشيخِ عز الدّينِ بنِ عبدِ السلامِ (٤) عن اتفاقِ العلماءِ قالَ: ومنِ اعتقدَ أن الناسَ اتفقوا على الخطأ في ذلكَ، فهو أولى بالخطأ منهم. وقد رجعَ الشرعُ إلى أقوالِ الأطباءِ في صورٍ، وليست كتبهم في الأصلِ إلا عن قومٍ كفارٍ. ولكن لما بَعُدَ

стр. 158

التدليسُ فيها جازَ. ونُقلَ نحو ذلكَ عن ابنِ الصلاحِ، والضميريِّ، والعراقيِّ. قالَ القرافيُّ: وعلى هذا تحرمُ الفتيا منَ الكتبِ الغريبةِ التي لم تشتهرْ حتى تتظافرَ عليها الخواطرُ، ويُعلمَ صحةُ ما فيها، وسوّى ابنُ فرحونَ بينَ الكتبِ المشهورةِ، وبينَ الحواشي التي بخطِّ من يوثقُ بهِ، وما فيها موجودٌ في الأمهاتِ، وعزا ذلكَ إلى عملِ العلماءِ في اعتمادهم عليها. وقالَ: وذلكَ موجودٌ في كلامِ القاضي عياضٍ، والقاضي أبي الأصبغِ بنِ سهلٍ، وغيرهما. انتهى ما في " التبصرةِ " (١). فلا يحتاجُ حينئذٍ إلى اعتبارِ رجالِ الإسنادِ الذي يرادُ تصحيحهُ إلا من أبي داودَ فصاعداً. وأولئكَ يوجدُ فيهمُ الضابطونَ المتقنونَ الحفّاظُ بكثرةٍ. قالَ: وإلى كونِ المصنّفاتِ المشهورةِ تواترتْ نسبتُها إلى مصنّفيها نظر ابن الصلاح في تحريرهِ الحكمَ بصحةِ ما نصَّ أحدُ الأئمةِ في مصنفهِ المشهورِ على تصحيحهِ، وهذا واضحٌ من قولهِ: ((فآلَ الأمرُ إذن في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ إلى الاعتمادِ على ما نصَّ عليهِ أئمةُ الحديثِ في تصانيفِهم المعتمدةِ المشهورةِ التي يؤمن فيها؛ لشهرتها من التغييرِ والتحريفِ)) (٢) فنلزمهُ من هنا بالمصيرِ إلى ما قلنا من إمكانِ التصحيحِ. أو بالفرقِ، فنقولُ: الإسنادُ الذي وَصلَ إلينا بهِ قولُ ذلكَ المصنفِ: هذا حديثٌ صحيحٌ، هوَ الذي وصلَ إلينا بهِ جميع ذلكَ الكتابِ، فإمّا أنْ نعتبرَهُ في كلِ فردٍ فرد (٣) من أحاديثهِ، وأحكامهِ على بعضِ الأحاديثِ بالصحةِ، وإمّا أنْ لا نعتبرَهُ أصلاً، ويكونَ الاعتمادُ في جزمِنا بنسبتهِ إلى مصنفهِ ما حصلَ من شهرتهِ، ولا فرقَ في هذا بينَ الأحاديثِ والحكمِ عليها، واللهُ الموفقُ.

стр. 159

وقولهُ: ((فإنّا لا نتجاسرُ على جزمِ الحكمِ بصحتهِ)) (١) يقتضي أنَّهُ لا يمنعُ أن يقالَ هذا صحيحٌ فيما أظنُّ وما أشبهَ ذلكَ مما يشعرُ بالترددِ. وقولُ الشيخِ (٢): ((فقد صحّحَ غيرُ واحد .. )) (٣) إلى آخرهِ لا ينهضُ دليلاً على ابنِ الصلاحِ فَأنعِمْ تأمّلَ هذا الفصلَ فإنّهُ من النفائسِ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (كأبي الحسنِ بنِ القطانِ) (٤) قالَ الشّيخُ في "النكتِ ": ((فَمِنَ المعاصرينَ / ٤٤ أ / لابنِ الصلاحِ أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ القطانِ (٥) - أي: الفاسي - صاحبُ كتابِ "بيانِ الوهمِ والإيهامِ " وقد صحّحَ في كتابهِ المذكورِ عدّةَ أحاديثَ، منها حديثُ ابنِ عمرَ: ((أنّهُ كان يتوضأُ ونعلاهُ في رجليهِ، ويمسحُ عليهما، ويقولُ: كذلكَ كان رسولُ اللهِ ﷺ يفعلُ)) (٦) أخرجهُ أبو بكرٍ البزارُ (٧) في "مسندهِ"، وقالَ ابنُ القطانِ: إنّهُ حديثٌ صحيحٌ (٨)، ومنها حديثُ

стр. 160

أنسٍ: ((كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، ينتظرونَ الصلاةَ فيضعونَ جُنُوبَهم، فمنهم من ينامُ، ثمَّ يقومُ إلى الصلاةِ)) رواه هكذا قاسمُ بنُ أصبغَ وصححه ابنُ القطانِ، فقال: وهو كما ترى صحيحٌ (١). وتوفي ابنُ القطانِ هذا وهوَ على قضاءِ سِجِلْماسةَ (٢) من المغربِ سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وست مئة (٣)، ذَكرهُ ابنُ الأبار في " التكملةِ ". وممن صحّحَ أيضاً من المعاصرينَ له الحافظُ (٤) ضياءُ الدينِ محمدُ بنُ عبدِ الواحد المقدسيُّ، فجمعَ كتاباً سمّاه "المختارة " (٥) التزمَ فيهِ الصحةَ، وذكرَ فيهِ أحاديثَ لم يُسبقْ إلى تصحيحها، فيما أعلمُ، وتوفي الضياءُ المقدسيُّ في السنةِ التي ماتَ فيها ابنُ الصلاحِ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ وست مئةٍ (٦)، وصحّحَ الحافظُ زكيُ الدينِ عبدُ العظيمِ بنُ عبدِ القويِ المنذريُّ حديثاً في جزءٍ له جمعَ فيهِ ما وردَ فيهِ: ((غفرَ لهُ ما تقدّمَ من ذنبهِ، وما تأخّرَ))، وتوفي الزكي عبدُ العظيمِ سنةَ ستٍ وخمسينَ وست مئةٍ (٧)، ثمّ صحّحَ الطبقةُ التي تلي هذهِ أيضاً، فصححَ أيضاً (٨) الحافظُ شرفُ الدينِ عبدُ المؤمنِ بنُ خلفٍ / ٤٤ب / الدمياطيُّ حديثَ جابرٍ مرفوعاً: ((ماءُ زمزمَ لما شُرِبَ له)) في جزءٍ جَمعهُ في ذلكَ، أوردَهُ من روايةِ عبدِ الرحمانِ بنِ أبي الموّال، عن

стр. 161

محمدِ بنِ المنكدرِ، عن جابرٍ، ومن هذه الطريقِ رواهُ البيهقيُّ في " شُعبِ الإيمانِ " (١)، وإنما المعروفُ روايةُ عبدِ اللهِ بنِ المؤملِ، عنِ أبي الزبير (٢)، كما رواهُ ابنُ ماجه (٣)، وضعفهُ النوويُ، وغيره من هذا الوجهِ، وطريقُ ابنِ عباسٍ (٤) أصحُّ من طريقِ جابرٍ، ثمَّ صححت الطبقةُ التي تلي هذهِ وهم شيوخُنا، فصَحّحَ الشيخُ تقيُ الدينِ السبكيُّ حديثَ ابنِ عمرَ في الزيادةِ في تصنيفهِ المشهورِ كما أخبرني بهِ، ولم يزلْ ذلكَ دأبُ من بلغَ أهليةَ ذلكَ منهم، إلا أنَّ منهم من لا يقبلُ ذاكَ منهم، وكذا كانَ المتقدمونَ ربما صحّحَ بعضُهم، فأُنكِرَ عليهِ تصحيحُهُ، واللهُ أعلمُ (٥))) (٦). قولهُ: (حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ والتَّعلِيْق) (٧) عطفهُ ((التعليقَ)) من عطفِ الخاصِّ على العامِ، وصرّحَ بهِ؛ لأنَّ الصحة والضعفَ يتجاذبانهِ، فمنْ حيثُ ضمهُ إلى

стр. 162

الصحيحِ يظنُّ بهِ الصحةَ، ومن حيثُ قطعهُ وسوقهُ غير مساقِ الكتابِ يظنُّ بهِ غيرُ ذلكَ. قولهُ: (واقطعْ بصحةٍ لما) (١) قالَ شيخُنا: لو قالَ: ((الذي)) موضع ((لما)) كانَ أرشق. قلتُ: لا يقالُ: قوله: (وقيلَ ظناً) (٢) غيرُ متوارد معَ (واقطع بصحة) (٣) على محلٍ واحدٍ؛ لأنَّ القطعَ في نفسِ الحديثِ، والظن في مفاده وما تضمنهُ من المعنى، ويشهدُ لذلكَ قولُ ابنِ الصلاحِ إنَّهُ مقطوعٌ بصحتهِ (٤)، والعلمُ اليقينيُ النظريُ واقعٌ بهِ (٥) فَجَعَلَهُما دعوتينِ: الأولى: ترجعُ إلى الصحةِ. والثانيةُ: إلى المفادِ بالخبرِ / ٤٥أ /؛ لأنَّ من المفادِ بالخبرِ الذي أسنداهُ نسبتهُ إلى من عُزِيَ إليه، وليسَ المرادُ بالصحةِ إلا هذا، وهو مطابقةُ هذهِ النسبةِ للواقعِ، وهذا هو المرادُ من قولهم: ((العلمُ النظريُ واقعٌ بهِ بغيرِ شكٍ)) (٦)؛ لأنَّ مدلولَ ألفاظِ المتنِ تارةً تكونُ نصاً (٧) صريحاً في المعنى لا يحتمل غيره، وتارةً لا تكون، فلو كان المرادُ غيرَ صحةِ النسبةِ إلى القائلِ لفصلُوا، فقالوا: يفيدُ العلمَ إنْ كانَ صريحاً (٨) في المرادِ، وإلاّ لم يفدْ، والله أعلمُ (٩).

стр. 163

قوله: (مضعف) (١) صفةٌ لبعضٍ، أي: في الصحيحينِ بعضُ شيءٍ من الحديثِ، والأثر مضعفٍ قد ذكرَ فيهما، ولو قيلَ: ((مضعفاً)) بالنصبِ لطرقه احتمالُ أنْ يكونَ المعنى رَوَى حالَ كونهِ منبهاً (٢) على ضعفهِ (٣). قولهُ: (ولهما بلا سندٍ أشيا .. ) (٤) إلى آخرهِ، يَدُلُّكَ على أنَّ مرادَهُ التعليقُ قرينة قولهِ: ((فإنْ يجزم فصحح))، ويدخلُ في هذا من غيرِ احتياجٍ إلى تقديرِ محذوفِ ما حذفا جميع سندهِ، كأن يقالَ: وقالَ فلانٌ كذا وكذا، ويُذكَر شيءٌ من مَقولِ ذلكَ الرجل، أو يقالُ: وقالَ النّبيُّ ﷺ كذا. ويدخلُ فيهِ معَ تقديرِ ما قطعَ سندهُ مما يليهما، وذكرَ بعضه من الأثناء فحينئذٍ يكونُ المرادُ بلا سندٍ كاملٍ (٥). قولهُ: (بأنَّهُ لا يفيدُ في أصلهِ إلا الظنَّ) (٦) يعني: بأصلهِ الصحيح من حيثُ هو قبلَ احتفافهِ بتلقّي الأمةِ، أو غيرهِ منَ القرائنِ فإذا سُلمَ ذلكَ، صار الصحيحُ المتلقّى بالقبولِ (٧) والصحيحُ المجردُ سواء في الأرجحيةِ، وهذا مما لا يكونُ (٨).

стр. 164

قولهُ: (لأنَّ ظنّ من هوَ معصومٌ) (١) /٤٥ ب/، أي: هذهِ الأمةُ معصومةٌ فيما أجمعت عليهِ. قالَ شيخُنا: ((إنما أجمعوا على الحكمِ بصحتهِ، بمعنى أنّهُ ليسَ فيهِ ما يضعفُ بهِ، بسببِ فقدِ شرطٍ من شروطِ الصحيحِ، بل جميعُ ما فيهِ جامعٌ للشرائطِ في الظاهرِ، وهذا لا يقتضي القطعَ بالصحةِ، بمعنى أنَّ رواتَهُ لم يَهِمْ (٢) أحدٌ منهم في نفسِ الأمرِ مثلاً، وهو حينئذٍ من خبرِ الآحادِ الذي احتفَّ بالقرائنِ، فيفيدُ العلمَ النظريَّ؛ لأنّهُ لا نزاعَ في أنّهُ أرجحُ من صحيحٍ لم يحصل له هذا التلقي، واللهُ أعلمُ. وعلى تقديرِ تسليم أنّهُ مقطوعٌ بصحتهِ ينبغي استثناءُ ما يتنافى مفهوماه، كما استثنى ما ضَعّفهُ بعضُ الحفّاظِ، لأنَّ الصحيحَ في نفسِ الأمرِ لا يقعُ فيهِ الاختلافُ، إلا أنْ يقالَ: التعارضُ إنما هو بالنسبةِ إلى أفهامنا في حيّز الاختيارِ (٣). وقد يظهرُ للمجتهدِ نفسهِ (٤) في غيرِ ذلكَ الوقتِ أو لغيرهِ وجهُ الجمعِ وعلى تقديرِ أنْ لا يظهرَ، فيحتملُ أنْ (٥) يكونَ ذلكَ لإسقاطِ بعضِ الرواةِ لفظةً، أو هيئةً، يزولُ بها الإشكالُ، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (لا يخطىءُ) (٦) مُسلّمٌ، وهي لم يخطئُ ظنها (٧) في الموافقةِ على صحتهِ بمعنى أنّهُ مُستجمعٌ للشرائطِ في الظاهرِ، فأفادَ تلقّيهم لَهُ (٨) بالقبولِ وجوبَ

стр. 165

العملِ بما في الصحيحينِ مُطلقاً من غيرِ نظرٍ فيهِ بخلافِ ما في غيرِهما، فإنّهُ لا يُعملُ بهِ حتى يُنظرَ فيهِ، وتوجدَ فيهِ شروطُ الصحيحِ. قولهُ: (ابنُ طاهرٍ المقدسي) (١) حُكِيَ عن ابنِ الملقنِ أنَّهُ قالَ: ((وأغربَ ابنُ طاهرٍ فنقلَ / ٤٦ أ / في كتابهِ " صفوةِ التصوفِ " الإجماعَ أيضاً على ما كانَ على شرطِهما)) (٢). قوله: (المحققونَ، والأكثرونَ) (٣) قلتُ: تتمةُ كلامِ النوويِّ (٤): لأنَّ أخبارَ الآحادِ لا تفيدُ إلا الظنَّ، ولا يلزمُ من إجماعِ الأمةِ على العملِ بما فيها إجماعُهم على أنَّهُ مقطوعٌ بأنَّهُ من كلامِ رسولِ اللهِ ﷺ . قالَ: وقدِ اشتدَّ إنكارُ ابنِ برهانَ الإمامِ على من قالَ بما قالهُ الشيخُ، وبالغَ في تغليطهِ. قالَ الشّيخُ (٥) في " النكتِ ": ((وقد عابَ الشيخُ عزُ الدينِ بنُ عبدِ السلامِ على ابنِ الصلاحِ هذا، وذكرَ أنَّ بعضَ المعتزلةِ يرونَ أنَّ الأمةَ إذا عَملتْ بحديثٍ اقتضى ذلك القطعَ بصحتهِ، قال: وهو مذهبٌ رديءٌ)) (٦)، قالَ بعضُ أصحابِنَا: وقالَ ابنُ كثيرٍ - بعدَ أن نَقلَ كلامَ ابنِ الصلاحِ -: ((وهذا جيدٌ))، ثمَّ نقلَ كلامَ النوويِّ، وقالَ: ((قلتُ: وأنا معَ ابنِ الصلاحِ فيما عوَّلَ عليهِ، وأرشدَ إليهِ)) (٧) وقالَ شيخُنا: ((كلامُ النوويِّ (٨) مسلّمٌ من جهةِ الأكثرينَ، وأمّا

стр. 166

المحققونَ فلا، فقد وافقَ ابنَ الصلاحِ محققونَ أيضاً منهم: الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفراييني، والقاضي أبو بكر بنُ فورك)) (١). قولهُ: (ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ أنّ ما أسنداهُ) (٢)، أي: أو أحدهما، فإنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ عقبَ ما تقدّمَ من نقلِ الشيخِ عنهُ: ((والأمةُ في إجماعِها معصومةٌ من الخطأ، ولهذا (٣) كان الإجماعُ المبني (٤) على الاجتهادِ حجةً مقطوعاً بها، وأكثرُ إجماعاتِ العلماءِ كذلكَ. وهذهِ نكتةٌ نفيسةٌ نافعةٌ، ومن فوائدِها: القولُ بأنَّ ما انفردَ بهِ البخاريُّ، أو مسلمٌ /٤٦ب/ مُندرجٌ في قبيلِ ما يقطعُ بصحتهِ؛ لتلقّي الأمةِ كلَّ واحدٍ من كتابيهما بالقبولِ على الوجهِ الذي فصّلناهُ من حالهما فيما سبقَ سوى أحرفٍ .. )) (٥) إلى آخره. قوله: (سوى أحرفٍ يسيرةٍ) (٦) قالَ في "النكتِ": ((قد أجابَ عنها العلماءُ بأجوبةٍ، ومعَ ذلكَ فليست بيسيرةٍ، بل هي مواضع كثيرةٌ، وقد جمعتُها في تصنيفٍ مع الجوابِ عنها (٧))) (٨).

стр. 167

قولهُ: (كالدارقطني) (١) قالَ شيخُنا: ((الدارقطني ضَعّفَ من أحاديثِهما مئتينِ وعشرةً، يختصُ البخاريُّ بثمانينَ، واشتركا في ثلاثينَ، وانفردَ مسلمٌ بمئةٍ (٢). قالَ: وقد ضعفَ غيره أيضاً غيرَ هذهِ الأحاديثِ)). وقالَ النوويُّ في خطبةِ " شرحِ صحيحِ البخاري ": ((إنَّ ما ضُعّفَ من أحاديثِهما مبنيٌ على عللٍ ليست بقادحةٍ)) (٣)، قالَ: فكأنَّهُ مالَ بهذا إلى أنّهُ ليسَ فيهما ضعيفٌ. وكلامه في خطبةِ " شرحِ مسلمٍ " يقتضي تقريرَ قولِ من ضعّفَ (٤). قال شيخُنا: ((وأظنُّ هذا بالنسبةِ إلى مقامِ الرجلينِ، وأنّ

стр. 168

الشّيخَ يدفعُ عنِ البخاريِ، ويقررُ على مسلمٍ)). قوله: (لا يحتمل مخرجاً) (١)، أي: لا يكونُ له مكانٌ يحتملُ أنْ يخرجَ منهُ، فيمشي بينَ الناسِ، وذلكَ كنايةٌ عن تقبلهِ، والإقبالِ على العملِ بهِ، والإذعانِ له (٢). قوله: (الإسراءُ) (٣) تجوزٌ عنِ المعراجِ؛ فإنَّ الحديثَ المشارَ إليهِ لم تذكرْ فيهِ قصةُ الإسراءِ، وكأنّه ذكره (٤) باعتبارِ معناه اللغوي، وهو مطلقُ السيرِ بالليلِ. قولهُ: (والآفةُ فيهِ من شَرِيكٍ) (٥) قالَ شيخُنا: ((الحديثُ (٦) هو عن أنسٍ: ((أنّ النّبيّ ﷺ جاءهُ ثلاثةُ نفر قبل أنْ يُوحَى إليه، وهوَ / ٤٧أ / نائمٌ في المسجدِ الحرامِ، فقالَ أولُهم: أيّهم هوَ؟ فقالَ أوسطُهم: هوَ خيرهُم، فقالَ آخرُهم: خذوا خيرَهم، فكانت تلكَ الليلةُ فلم يَرَهم حتى أتوهُ ليلةً أخرى فيما يرى قلبهُ، وتنامُ عينهُ، ولا ينامُ قلبه، وكذلكَ الأنبياءُ تنامُ أعينُهم، ولا تنامُ قلوبُهم، فلم يكلّموهُ حتى احتملوهُ، فَوضعُوهُ عندَ بئرِ زمزم، فتولاهُ منهم جبريلُ، فشقَّ جبريلُ ما بينَ نحرِه إلى لبتهِ (٧)، قالَ: ثمَّ عرجَ بهِ ... )) الحديث (٨).

стр. 169

فأنكرَ في هذا الحديثِ ذكرَ المعراجِ، وشقَ الصدرِ قبلَ الوحي. والجوابُ: أنَّ الحديثَ لم يتضمنْ ذلكَ؛ فإنَّ قوله: ((ثم جاءوا)) لا مانعَ من أنْ يكونَ زمنُ المجيءِ الثاني بعدَ تلكَ الليلةِ بدهرٍ طويلٍ، أوحيَ إليهِ في أثنائهِ، وليسَ في الحديثِ ما يُعينُ أنَّ المجيءَ الثاني كان (١) في تلكَ الليلةِ، أو الليلةِ التي تليها (٢)، وأما شقُّ الصدرِ فعلى تقديرِ تسليمِ أنّ ذلكَ قبلَ الوحي، فلا مانعَ منهُ، فقد شُقَّ صدرُهُ الشريفُ خمسَ مراتٍ في بلادِ بني سعدٍ، وهوَ في حدودِ الثلاثِ سنينَ، وعندَ المراهقةِ لما فَقَدهُ جدُّهُ عبدُ المطلبِ، وطافَ بالبيتِ، وتوسّلَ في ردّهِ عليهِ وأنشدَ تلكَ الأبياتِ الدالية التي فيها رد راكبي محمداً، وعندَ الإسراءِ بروحهِ في المنامِ، وعند الإسراءِ بالروحِ والجسدِ في اليقظةِ، والخامسةُ أظنها عندَ البعثِ. وشَقُّ الصدرِ في حديثِ الإسراءِ في كتابِ البخاريِّ من روايةِ شريكٍ أيضاً (٣) / ٤٧ ب /. قوله: (عن أبي زميل) (٤) هو بضمِ الزاي، واسمه سماكُ بنُ الوليدِ الحنفيُّ، ليسَ بهِ بأسٌ (٥) (٦). وقوله: (هذا حديثٌ موضوعٌ لا شكَ في وضعهِ) (٧) قالَ شيخنا: ((أمّا عكرمةُ فلا شكَّ في ثقتهِ وإمامتهِ، وأمانتهِ، والتجاسرُ على الحكمِ عليهِ بأنّهُ يضعُ شديدٌ لا سيّما وما قالهُ يمكنُ أنْ يوجهَ بأنها بنتٌ أخرى اسمها أمُّ حبيبةَ، لكنْ يعكر

стр. 170

عليهِ قولُ النبيِّ ﷺ في جوابِ ذلكَ: ((نعم)) (١)، أو بأنّهُ أرادَ أن يجددَ نكاحَ أمِّ حبيبةَ أمِ المؤمنينَ ﵂؛ لكونِ النكاحِ الأولِ كانَ بغيرِ إرادته، ويغبرُ في (٢) وجههِ. قولهُ: (عندي) (٣) وعلى تقديرِ عدمِ توجيههِ بوجهٍ واضح، فالذي ينبغي أن يقالَ في حقِّ عكرمةَ: وَهمَ في حديثهِ، أخطأَ، خالفهُ الحفّاظُ، ونحو ذلكَ من العباراتِ، ولا يقدحُ ذلكَ في مطلقِ حفظهِ، ولا في شيءٍ من حالهِ. قوله: (وقد أفردتُ كتاباً) (٤) قالَ شيخُنا: ((هذا الكتابُ لم يبيضْ، وعُدمَت مسودتُه)) (٥) (٦). قولُهُ: (بعدَ مقدمةِ الكتابِ) (٧) احترزَ بهِ عن قوله في المقدمةِ: وقالت عائشةُ ﵂ (٨): ((أَمَرنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نُنْزِلَ الناسَ منازلهم)) (٩).

стр. 171

قوله: (وفيهِ) (١)، أي: في مُسلمٍ (٢) مواضعُ أُخَرُ يسيرةٌ، قال شيخُنا: ((عدتُها، اثنا عشرَ فهي بالموضعِ الذي ما ذكرهُ إلا تعليقاً ثلاثةَ عشرَ (٣). قالَ: وقد بيَّنها الرشيدُ العطارُ في "الغررِ المجموعةِ " وحررتُها في الكلامِ على مقدمةِ "شرحِ مسلمٍ")). انتهى. وبخطِّ بعضِ أصحابنا عن ابنِ كثيرٍ: أنها أربعةَ عشرَ (٤)، وأنَّ أبا عليٍّ الغساني ذكرها. انتهى. وكذا عَدَّها الشيخُ في " النكتِ " أربعةَ عشرَ (٥) فقالَ: ((فيها بعدَ حديث أبي الجهيمِ، وقالَ مسلمٌ في البيوعِ (٦): ((ورَوَى الليثُ بنُ سعدٍ، حدّثني جعفرُ بنُ ربيعةَ، عن عبدِ الرحمانِ بنِ هرمزَ، عن عبدِ اللهِ بنِ كعبِ / ٤٨ أ / بن مالكٍ، عن كعبِ بنِ مالكٍ: أنَّه كانَ لهُ مالٌ على عبدِ اللهِ بنِ أبي حدردَ الأسلميِّ .. )) الحديثَ، وقالَ في الحدودِ (٧): ((وَرَوَى الليثُ أيضاً عن عبدِ الرحمانِ بنِ خالدِ بنِ مسافرٍ، عن

стр. 172

ابنِ شهابٍ بهذا الإسنادِ مثله)). وهذان الحديثانِ (١) قد رَوَاهما مسلمٌ قبلَ هذينِ الطريقينِ متصلاً، ثمَّ عقبهما لهذينِ (٢) الإسنادينِ المعلقينِ فعلى هذا ليسَ في كتابِ مسلمٍ - بعدَ المقدمةِ - حديثٌ معلقٌ، لم يوصلْهُ إلاَّ حديث أبي الجهيمِ المذكورِ، وفيهِ بقيةُ أربعةَ عشرَ موضعاً رواهُ متصلاً، ثمَّ عقبهُ بقولهِ: ورواهُ فلانٌ، وقد جَمَعها الرشيدُ العطارُ في " الغُررِ المجموعةِ "، وقد بينّتُ ذلكَ كلَّهُ في كتابٍ جمعتهُ فيما تُكُلِمَ فيهِ من أحاديثِ الصحيحينِ بضعفٍ، أو انقطاعٍ، واللهُ أعلمُ (٣))) (٤). قولهُ: (وهذا ليسَ من بابِ التعليقِ) (٥) قالَ شيخُنا (٦): ((بلى، قد ذَكرَهُ أصحابُ "الأطرافِ" في المعلقِ)) (٧). قلتُ: واستدلاله (٨) على ذلكَ (٩) بأنَّهُ قد يقعُ في السندِ مَن ليسَ مِن شرطهِ، يكفي في ردِ إطلاقهِ (١٠)، ما قالَهُ - بعدَهُ في شرحِ قولهِ: ((فإنْ يجزمْ)) - من أنَّ المعلقَ تارةً يكونُ صحيحاً، وتارةً يكونُ غيرَ صحيحٍ بالذي جزمَ بهِ، لا مانعَ من إدخالهِ في مقصودِ الكتابِ، واللهُ أعلمُ (١١).

стр. 173

قالَ: وكذا ذَكُروا فيهِ قولَه: حُدِّثتُ عن فلانٍ، وهو في قوةِ قولهِ: حَدَّثَني مُحدثٌ عن فلانٍ، وإذا كانَ كذلكَ؛ فهوَ مما فيهِ مبهمٌ، لا منَ التعليقِ. قولهُ: (فإنْ يجزم فصحح) (١) قالَ في " الشرحِ الكبيرِ " كقولهِ في المغازي: قالَ أبو هريرةَ: ((صليتُ مع النبي ﷺ )) (٢). انتهى. لكن ليسَ ذلكَ - وإن حُكِمَ بصحتهِ - من نمطِ الصحيحِ المسندِ فيهِ؛ لأنَّه وَسَمَ كتابه بـ" الجامعِ المسندِ الصحيحِ ". نبّهَ عليهِ ابنُ كثيرٍ (٣). واعترضَ بعضُهم بأنَّ البخاريَّ ربما جَزَمَ بالشيءِ ولا يكونُ صحيحاً، كقولهِ في كتابِ التوحيدِ في بابِ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ (٤) إثرَ حديثِ أبي سعيدٍ (( .. الناسُ يصعقونَ يومَ القيامةِ، فإذا أنا بموسى)) قالَ: وقالَ الماجشونُ: /٤٨ب/ عن عبدِ اللهِ بنِ الفضلِ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ: ((فأكونُ أولَ مَن بُعثَ)) (٥) قالَ: ورَدَّ البخاريُّ على نفسه بنفسهِ، فذكر في أحاديثِ الأنبياءِ حديثَ الماجشونِ هذا عن عبدِ اللهِ بنِ الفضلِ، عنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ (٦)، وكذا رواهُ مسلمٌ (٧)، والنسائيُّ (٨) ثمَّ قالَ: قالَ أبو مسعودٍ: إنما يُعرفُ عن الماجشونِ، عن ابن الفضلِ، عن الأعرجِ، ذكرهُ الشيخُ في " النكتِ " (٩) وقالَ: ((إنَّ ذلكَ لا يُظنُّ بالبخاريِّ، فلا يمكنُ أنْ يجزمَ

стр. 174

بشيءٍ إلا وهو صحيحٌ عندهُ. وقولُ البخاريِّ في التوحيدِ: وقالَ الماجشونُ ... إلى آخرهِ صحيحٌ عندهُ بهذا السندِ، وكونهُ رواهُ في أحاديثِ الأنبياءِ متصلاً، فجعلَ مكانَ أبي سلمةَ الأعرجَ، لا يدلُ على ضعفِ الطريقِ التي فيها أبو سلمةَ، ولا مانعَ من أنْ يكونَ عندَ الماجشونِ في هذا الحديثِ إسنادانِ، وأنَّ شيخَهُ عبدَ اللهِ بنَ الفضلِ سَمعهُ من شيخينِ: من الأعرجِ، ومن أبي سلمةَ، فرواهُ مرةً عن هذا، ومرةً عن هذا. ويكونُ الإسنادُ الذي وَصَلَهُ بهِ البخاريُّ أصحَّ منَ الإسنادِ الذي علّقهُ بهِ، ولا نحكمُ على البخاريِّ بالوهمِ، والغلطِ، بقولِ أبي مسعودٍ الدمشقيِّ: إنَّه إنما يعرفُ عن الأعرجِ، فقد عرفهُ البخاريُ عنهما، وَوَصلهُ مرةً عن هذا، وعلّقهُ مرةً عن هذا؛ لأمرٍ اقتضى ذَلِكَ، فما وُصِلَ إسنادُهُ صحيحٌ، وما عَلّقهُ وجزمَ بهِ يُحكمُ له أيضاً بالصحةِ، واللهُ أعلمُ (١))) (٢). قولهُ: (واتصالهِ من موضعِ التعليقِ) (٣)، أي: فقد يكونُ غيرُ متصلٍ. قالَ البخاريُّ: وقالَ طاووس: قال معاذٌ: ائتوني بعرضِ ثيابٍ خميص، أو لبيس أهون عليكم، وخيرٌ لأصحابِ محمدٍ ﷺ (٤) في المدينةِ. فطاووس لم /٤٩أ/ يسمعْ من معاذٍ (٥)؛ ولهذهِ العلةِ ونحوها لا ينبغي الاحتجاجُ بهِ، إلاّ إذا نظرَ الإسنادُ من المعلقِ عنه إلى منتهاهُ، فوجدَ صحيحاً، وقد توهمَ بعضُ الفقهاءِ أنَّهُ محكومٌ بصحتهِ مطلقاً، فيقولونَ في تصانيفهم: أخرجه البخاريُّ تعليقاً جازماً بهِ. وهذا كما وقعَ لهم في الاحتجاجِ بما سكتَ عليهِ أبو داودَ، لقولهِ: إنَّ ما سَكتُّ عليهِ صالحٌ.

стр. 175

وخفيَ عليهم أنَّهُ يريدُ بـ (صالحٍ) أعمَّ منَ الصلاحيةِ للاعتبارِ، أو الاحتجاجِ (١)، وأشدُّ من هذا أنْ يكونَ إنما سكتَ عليهِ في الموضعِ الذي نقلوهُ منهُ؛ لتبيينهِ حاله في موضعٍ آخرَ، ووراءَ ذلكَ (٢) كله أنَّهُ يحتجُ بالضعيفِ إذا لم يجد في البابِ غيرَهُ على طريقةِ الإمامِ أحمدَ، فإنَّ ذلكَ عندهُ أولى من رأي الرجالِ (٣). قوله: (فهذا ليسَ من شرطهِ) (٤)، أي: لأنَّهُ لا يحتجُ ببهزٍ؛ لأنَّهُ لما أبرزَهُ جزمَ، فقالَ: ((وقال بهزٌ)) (٥)، لصحةِ

стр. 176

الإسنادِ (١) منه إليه، ولما طواهُ في السندِ، مرَّضَ، فقالَ: ((ويذكرُ عن معاويةَ بنِ حيدةَ: لاتهجرْ إلاَّ في البيتِ)) (٢)، فمعاويةُ جدُّ بهزٍ، فهوَ بهزُ بنُ حكيمِ بنِ معاويةَ. واعتُرضَ على ابنِ الصلاحِ في ضمهِ حديثَ جرهدَ (٣) إلى حديثِ بهزٍ، بأنَّ حديثَ جرهدَ صحيحٌ. قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((وعلى تقدير صحتهِ (٤) ليسَ عليهِ ردٌّ؛ لأنَّهُ لم ينفِ صحته مطلقاً، بل كونه من شرطِ البخاريِّ، فإنَّهُ لما مثَّل بهِ وبحديثِ بهزٍ قال: فهذا

стр. 177

قطعاً ليسَ من شرطهِ (١)، على أنا لا نُسلّمُ أيضاً صحته؛ لما فيهِ من الاضطرابِ في إسنادهِ، فقيلَ: عن زرعةَ بنِ عبدِ الرحمانِ بن جرهد، عنْ أبيهِ، عنْ جدهِ. وقيلَ: عن زرعةَ، عن جده، ولم يذكرْ أباهُ. وقيلَ: عن أبيهِ، عن النبيِ ﷺ ، لم يذكر جدهُ. وقيلَ: عن زرعةَ /٤٩ب/ بنِ مسلمِ بنِ جرهدَ، عن أبيه، عن جدهِ. وقيلَ: عن زرعةَ بنِ مسلمٍ، عن جدهِ، ولم يذكرْ أباهُ. وقيلَ: عن ابنِ جرهدَ، عن أبيهِ، ولم يسمَّ. وقيلَ: عن عبدِ اللهِ بنِ جرهد، عن أبيه. وقد أخرجهُ أبو داود وسكتَ عليهِ (٢)، والترمذيُّ من طرقٍ، وحسنهُ، وقالَ في بعضِ طرقهِ: ((وما أرى إسنادَهُ بمتصلٍ)) (٣)، وقالَ البخاريُّ في " صحيحهِ ": ((حديثُ أنسٍ أسندُ، وحديثُ جرهدَ أحوطُ)) (٤). قولهُ: (استعمالها في الضعيفِ أكثرُ) (٥) وكذا تعبيرُ ابنِ الصلاحِ بقولهِ: ((لأنَّ مثلَ هذهِ العباراتِ تستعملُ في الحديثِ الضعيفِ أيضاً)) (٦) يدفعُ الاعتراضَ بأنَّ البخاريَّ قد يخرجُ ما صحَّ بصيغةِ التمريضِ، كقولهِ في بابِ الرُّقَى بفاتحةِ الكتابِ: ((ويذكرُ عنِ ابنِ عباسٍ، عن النبي ﷺ )) (٧) في الرقى بفاتحةِ الكتابِ معَ أنَّهُ أسندَ

стр. 178

الحديثَ في البابِ بعده، ولفظه: ((فانطلقَ رجلٌ، فقرأَ بفاتحةِ الكتابِ إلى أنْ قالَ: فقالَ النّبيُّ ﷺ : ((إنَّ أحقَّ ما أخذتُم عليهِ أجراً كتابُ اللهِ)) (١) ونبّهَ المصنفُ (٢) في "نكتهِ" (٣) على أنَّ البخاريَ قد يصنعُ ذلكَ لغرضٍ آخرَ غير الضعفِ، كما إذا ذَكَرَ الخبرَ بالمعنى لوجودِ الخلافِ في جوازِ الروايةِ بالمعنى، وكما إذا اختصرَهُ للخلافِ في جوازِ ذلكَ. وخبرُ ابنِ عباسٍ ليسَ فيهِ التصريحُ عنِ النّبيّ ﷺ بالرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ، وإنما فيهِ تقريرُهُ على ذلكَ، ونسبةُ ذلكَ إليهِ (٤) صريحاً تكونُ نسبةً معنويةً، ويؤيدُ ذلكَ أنَّ البخاريَّ علّقَ بعضَهُ في الإجازةِ، في بابِ ما يُعطَى في الرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ / ٥٠أ / بلفظهِ، فعبَّرَ بصيغةِ الجزمِ فقالَ: ((وقالَ ابنُ عباسٍ عن النّبيّ ﷺ (٥): إنَّ (٦) أحقَّ ما أخذتُم عليهِ أجراً كتابُ اللهِ)) (٧)، قالَ المصنِّفُ: ((على أنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ الموضعُ الذي ذكرهُ البخاريُّ بغيرِ إسنادٍ عنِ ابنِ عباسٍ مرفوعاً حديثاً آخرَ في الرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ، غيرَ الحديثِ الذي رواهُ، كنحوِ ما وقعَ في حديثِ جابرٍ المذكورِ بعدهُ)) (٨)، يعني: مما اعتُرضَ بهِ على ابنِ الصلاحِ، وهوَ قولهُ: ويذكرُ عن جابرٍ أنَّ النّبيَّ ﷺ ردَّ على المتصدقِ (٩) صدقتهُ، مع أنَّه صحيحٌ، ولفظهُ: ((دبَّر رجلٌ عبداً

стр. 179

ليسَ له ملكٌ غيرَهُ، فباعهُ النبيُّ ﷺ من نعيمِ بنِ النحامِ)) (١). قالَ الشيخُ: ((هو بغيرِ لفظِ بيعِ العبدِ المدبرِ، بل الظاهرُ أنَّ البخاريَّ لم يُرد بردِّ الصدقةِ حديثَ جابر المذكورِ في بيعِ المدبر، بل حديث جابرٍ في الرجلِ الذي دخلَ، والنّبيُّ ﷺ يخطبُ، فأَمرَهم فتصدَّقوا عليهِ، فجاءَ في الجمعةِ الثانيةِ، فأمرَ النّبيُّ ﷺ بالصدقةِ، فقامَ ذلكَ المتُصدّقُ عليهِ، فتصدّقَ بأحدِ ثوبيهِ، فردّهُ عليهِ النّبيُّ ﷺ ، وهو حديثٌ ضعيفٌ، رواهُ الدارقطنيُّ (٢))) (٣). ومنَ الاعتراضاتِ قولُه في بابِ ذكرِ العشاءِ والعتمةِ: ((ويذكرُ عن أبي مُوسى: كنا نتناوبُ النّبيَّ ﷺ عندَ صلاةِ العِشاءِ، فأعتمَ بها)) (٤). وقال في بابِ فضلِ العِشاءِ: ((حدّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثَنا أبو أسامةَ، عن بريد (٥)، عنِ أبي بردةَ، عن أبي موسى، قال: كنتُ أنا، وأصحابي الذين قدموا /٥٠ب/ معي في السفينةِ نزولاً في بقيعِ بطحانَ، والنّبيُّ ﷺ بالمدينةِ، فكانَ يتناوبُ النّبيَّ ﷺ عندَ صلاةِ العشاءِ، كلّ ليلةٍ نفرٌ منا، فوافقنا النّبيّ ﷺ ، ولهُ بعضُ الشغلِ في بعضِ أمرهِ، فأعتمَ بالصلاةِ حتى ابهارّ الليلُ)) (٦).

стр. 180

فتحررَ أنَّ مرادَ ابنِ الصلاحِ أنّا إذا وجدنا عندَ البخاري حديثاً مذكوراً بصيغةِ التمريضِ، ولم يذكرْهُ في موضعٍ آخرَ من كتابهِ مسنداً، أو تعليقاً مجزوماً بهِ لم نحكمْ عليهِ بالصحةِ، لا أنا نحكمُ بضَعفهِ بمجرد ذلكَ (١) (٢). قوله: (يُشعرُ بصحةِ أصله .. ) (٣) إلى آخره، عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدهُ: ((ثمَّ إنَّ ما يتقاعدُ من ذلكَ عن شرطِ الصحيحِ قليلٌ (٤)، يوجدُ في كتابِ البخاريِّ في مواضعَ من تراجمِ الأبوابِ، دونَ مقاصدِ الكتابِ وموضوعهِ، الذي يشعرُ بهِ اسمهُ الذي سماه بهِ وهوَ " الجامعُ المسندُ الصحيحُ المختصرُ من أمورِ سيدِنا (٥) رسولِ اللهِ ﷺ ، وسننهِ، وأيامهِ ". وإلى الخصوصِ الذي بينّاهُ يرجعُ مطلقُ قولهِ: ((ما أدخلتُ في كتابِ الجامعِ إلاّ ما صحَّ)) وكذلكَ مطلقُ قولِ الحافظِ أبي نصرٍ الوائلي السجْزي (٦) أجمعَ أهلُ العلمِ الفقهاءُ وغيرُهم: أنَّ رجلاً لو حلفَ بالطلاقِ أنَّ جميعَ ما في كتابِ البخاري مما رُويَ عنِ النبي ﷺ قد صحَّ عنه، ورسولُ اللهِ ﷺ قالهُ، لاشكَّ فيهِ، أنَّهُ لا
следующие страницы →