← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الإسنادِ (١) منه إليه، ولما طواهُ في السندِ، مرَّضَ، فقالَ: ((ويذكرُ عن معاويةَ بنِ حيدةَ: لاتهجرْ إلاَّ في البيتِ)) (٢)، فمعاويةُ جدُّ بهزٍ، فهوَ بهزُ بنُ حكيمِ بنِ معاويةَ. واعتُرضَ على ابنِ الصلاحِ في ضمهِ حديثَ جرهدَ (٣) إلى حديثِ بهزٍ، بأنَّ حديثَ جرهدَ صحيحٌ. قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((وعلى تقدير صحتهِ (٤) ليسَ عليهِ ردٌّ؛ لأنَّهُ لم ينفِ صحته مطلقاً، بل كونه من شرطِ البخاريِّ، فإنَّهُ لما مثَّل بهِ وبحديثِ بهزٍ قال: فهذا

стр. 177

قطعاً ليسَ من شرطهِ (١)، على أنا لا نُسلّمُ أيضاً صحته؛ لما فيهِ من الاضطرابِ في إسنادهِ، فقيلَ: عن زرعةَ بنِ عبدِ الرحمانِ بن جرهد، عنْ أبيهِ، عنْ جدهِ. وقيلَ: عن زرعةَ، عن جده، ولم يذكرْ أباهُ. وقيلَ: عن أبيهِ، عن النبيِ ﷺ ، لم يذكر جدهُ. وقيلَ: عن زرعةَ /٤٩ب/ بنِ مسلمِ بنِ جرهدَ، عن أبيه، عن جدهِ. وقيلَ: عن زرعةَ بنِ مسلمٍ، عن جدهِ، ولم يذكرْ أباهُ. وقيلَ: عن ابنِ جرهدَ، عن أبيهِ، ولم يسمَّ. وقيلَ: عن عبدِ اللهِ بنِ جرهد، عن أبيه. وقد أخرجهُ أبو داود وسكتَ عليهِ (٢)، والترمذيُّ من طرقٍ، وحسنهُ، وقالَ في بعضِ طرقهِ: ((وما أرى إسنادَهُ بمتصلٍ)) (٣)، وقالَ البخاريُّ في " صحيحهِ ": ((حديثُ أنسٍ أسندُ، وحديثُ جرهدَ أحوطُ)) (٤). قولهُ: (استعمالها في الضعيفِ أكثرُ) (٥) وكذا تعبيرُ ابنِ الصلاحِ بقولهِ: ((لأنَّ مثلَ هذهِ العباراتِ تستعملُ في الحديثِ الضعيفِ أيضاً)) (٦) يدفعُ الاعتراضَ بأنَّ البخاريَّ قد يخرجُ ما صحَّ بصيغةِ التمريضِ، كقولهِ في بابِ الرُّقَى بفاتحةِ الكتابِ: ((ويذكرُ عنِ ابنِ عباسٍ، عن النبي ﷺ )) (٧) في الرقى بفاتحةِ الكتابِ معَ أنَّهُ أسندَ

стр. 178

الحديثَ في البابِ بعده، ولفظه: ((فانطلقَ رجلٌ، فقرأَ بفاتحةِ الكتابِ إلى أنْ قالَ: فقالَ النّبيُّ ﷺ : ((إنَّ أحقَّ ما أخذتُم عليهِ أجراً كتابُ اللهِ)) (١) ونبّهَ المصنفُ (٢) في "نكتهِ" (٣) على أنَّ البخاريَ قد يصنعُ ذلكَ لغرضٍ آخرَ غير الضعفِ، كما إذا ذَكَرَ الخبرَ بالمعنى لوجودِ الخلافِ في جوازِ الروايةِ بالمعنى، وكما إذا اختصرَهُ للخلافِ في جوازِ ذلكَ. وخبرُ ابنِ عباسٍ ليسَ فيهِ التصريحُ عنِ النّبيّ ﷺ بالرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ، وإنما فيهِ تقريرُهُ على ذلكَ، ونسبةُ ذلكَ إليهِ (٤) صريحاً تكونُ نسبةً معنويةً، ويؤيدُ ذلكَ أنَّ البخاريَّ علّقَ بعضَهُ في الإجازةِ، في بابِ ما يُعطَى في الرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ / ٥٠أ / بلفظهِ، فعبَّرَ بصيغةِ الجزمِ فقالَ: ((وقالَ ابنُ عباسٍ عن النّبيّ ﷺ (٥): إنَّ (٦) أحقَّ ما أخذتُم عليهِ أجراً كتابُ اللهِ)) (٧)، قالَ المصنِّفُ: ((على أنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ الموضعُ الذي ذكرهُ البخاريُّ بغيرِ إسنادٍ عنِ ابنِ عباسٍ مرفوعاً حديثاً آخرَ في الرقيةِ بفاتحةِ الكتابِ، غيرَ الحديثِ الذي رواهُ، كنحوِ ما وقعَ في حديثِ جابرٍ المذكورِ بعدهُ)) (٨)، يعني: مما اعتُرضَ بهِ على ابنِ الصلاحِ، وهوَ قولهُ: ويذكرُ عن جابرٍ أنَّ النّبيَّ ﷺ ردَّ على المتصدقِ (٩) صدقتهُ، مع أنَّه صحيحٌ، ولفظهُ: ((دبَّر رجلٌ عبداً

стр. 179

ليسَ له ملكٌ غيرَهُ، فباعهُ النبيُّ ﷺ من نعيمِ بنِ النحامِ)) (١). قالَ الشيخُ: ((هو بغيرِ لفظِ بيعِ العبدِ المدبرِ، بل الظاهرُ أنَّ البخاريَّ لم يُرد بردِّ الصدقةِ حديثَ جابر المذكورِ في بيعِ المدبر، بل حديث جابرٍ في الرجلِ الذي دخلَ، والنّبيُّ ﷺ يخطبُ، فأَمرَهم فتصدَّقوا عليهِ، فجاءَ في الجمعةِ الثانيةِ، فأمرَ النّبيُّ ﷺ بالصدقةِ، فقامَ ذلكَ المتُصدّقُ عليهِ، فتصدّقَ بأحدِ ثوبيهِ، فردّهُ عليهِ النّبيُّ ﷺ ، وهو حديثٌ ضعيفٌ، رواهُ الدارقطنيُّ (٢))) (٣). ومنَ الاعتراضاتِ قولُه في بابِ ذكرِ العشاءِ والعتمةِ: ((ويذكرُ عن أبي مُوسى: كنا نتناوبُ النّبيَّ ﷺ عندَ صلاةِ العِشاءِ، فأعتمَ بها)) (٤). وقال في بابِ فضلِ العِشاءِ: ((حدّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثَنا أبو أسامةَ، عن بريد (٥)، عنِ أبي بردةَ، عن أبي موسى، قال: كنتُ أنا، وأصحابي الذين قدموا /٥٠ب/ معي في السفينةِ نزولاً في بقيعِ بطحانَ، والنّبيُّ ﷺ بالمدينةِ، فكانَ يتناوبُ النّبيَّ ﷺ عندَ صلاةِ العشاءِ، كلّ ليلةٍ نفرٌ منا، فوافقنا النّبيّ ﷺ ، ولهُ بعضُ الشغلِ في بعضِ أمرهِ، فأعتمَ بالصلاةِ حتى ابهارّ الليلُ)) (٦).

стр. 180

فتحررَ أنَّ مرادَ ابنِ الصلاحِ أنّا إذا وجدنا عندَ البخاري حديثاً مذكوراً بصيغةِ التمريضِ، ولم يذكرْهُ في موضعٍ آخرَ من كتابهِ مسنداً، أو تعليقاً مجزوماً بهِ لم نحكمْ عليهِ بالصحةِ، لا أنا نحكمُ بضَعفهِ بمجرد ذلكَ (١) (٢). قوله: (يُشعرُ بصحةِ أصله .. ) (٣) إلى آخره، عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدهُ: ((ثمَّ إنَّ ما يتقاعدُ من ذلكَ عن شرطِ الصحيحِ قليلٌ (٤)، يوجدُ في كتابِ البخاريِّ في مواضعَ من تراجمِ الأبوابِ، دونَ مقاصدِ الكتابِ وموضوعهِ، الذي يشعرُ بهِ اسمهُ الذي سماه بهِ وهوَ " الجامعُ المسندُ الصحيحُ المختصرُ من أمورِ سيدِنا (٥) رسولِ اللهِ ﷺ ، وسننهِ، وأيامهِ ". وإلى الخصوصِ الذي بينّاهُ يرجعُ مطلقُ قولهِ: ((ما أدخلتُ في كتابِ الجامعِ إلاّ ما صحَّ)) وكذلكَ مطلقُ قولِ الحافظِ أبي نصرٍ الوائلي السجْزي (٦) أجمعَ أهلُ العلمِ الفقهاءُ وغيرُهم: أنَّ رجلاً لو حلفَ بالطلاقِ أنَّ جميعَ ما في كتابِ البخاري مما رُويَ عنِ النبي ﷺ قد صحَّ عنه، ورسولُ اللهِ ﷺ قالهُ، لاشكَّ فيهِ، أنَّهُ لا

стр. 181

يحنثُ (١)، والمرأةُ بحالها في حِبالتهِ (٢)، وكذلكَ ما ذكرهُ أبو عبدِ اللهِ الحميديُّ في كتابهِ "الجمع /٥١أ / بينَ الصحيحينِ" من قولهِ: ((لم نجد منَ الأئمةِ الماضينَ مَن أفصحَ لنا في جميعِ ما جمعهُ بالصحةِ إلا هذين الإمامينِ)) (٣) فإنما المرادُ بكلِ ذلكَ مقاصدُ الكتابِ، وموضوعُه، ومتونُ الأبوابِ، دونَ التراجمِ، ونحوها؛ لأنَّ في بعضها ما ليسَ من ذلكَ قطعاً، مثلَ قولِ البخاريِّ: ((بابُ ما يذكرُ في الفخذِ)) (٤) .. إلى آخرهِ. وقولهُ في أولِ بابٍ من أبوابِ الغسلِ: ((وقالَ بهزٌ)) (٥) ... إلى آخرهِ، فهذا قطعاً ليس من شرطهِ؛ ولذلكَ لم يوردْهُ الحُميديُ في " جمعهِ بينَ الصحيحينِ "، فاعلمْ ذلكَ، فإنَّهُ مهمٌ خافٍ)) (٦) ذكرَ هذا في الفائدةِ السادسةِ منَ النوعِ الأولِ. قالَ شيخُنا: ((وقدِ (٧) اعتبرتُ ما في البخاري من هذا فوجدتهُ يفصِّلُ، فإذا أوردَ نحوَ هذا في مقامِ الاحتجاجِ، وسكتَ عليهِ، فإنَّهُ يكونُ محتجاً بهِ صحيحاً، أو حسناً لذاتهِ كحديثِ بهز، أو لغيرهِ كقولهِ: ويُذكرُ عن عليٍّ: ((الدَّيْنُ قبلَ

стр. 182

الوصيةِ)) (١) لا يُروَى عن عليٍّ إلاَّ من طريقِ الحارثِ، وهوَ ضعيفٌ اتفاقاً، لكن قُوِّيَ بالإجماعِ، فصارَ حسناً لغيرهِ، فهوَ منحطُّ الرتبةِ عن شرطهِ، فإذا كانَ ضعيفاً نبهَ عليهِ. هذا فعلهُ دائماً. قوله: (دونَ التراجمِ ونحوها) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ هنا: ((وما ذكرناهُ من الحكمِ في التعليقِ المذكورِ، فذلكَ فيما أوردهُ منهُ أصلاً ومقصوداً، لا فيما أوردهُ في معرضِ الاستشهادِ، فإنَّ الشواهدَ يحتملُ فيها ما ليسَ من شرطِ الصحيحِ، معلقاً كان أو موصولاً)) (٣) وقد مضى ما نُقلَ عنهُ في القولةِ قبلها. قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((وما ذكرهُ الوائليُّ - أي: منَ الحلفِ / ٥١ب / بالطلاقِ على نفي الشكِ عن صحةِ ما في البخاريِّ - (٤) لا يقتضي أنّهُ لا يشكُّ في صحتهِ، ولا أنَّهُ مقطوعٌ بهِ؛ لأنَّ الطلاقَ لا يقعُ بالشكِ، وقد ذكرَ المصنِّفُ هذا في "شرحِ مسلمٍ" (٥) لهُ، فإنَّهُ حَكَى عن إمامِ الحرمينِ أنَّهُ لو حلفَ إنسانٌ بطلاقِ امرأتِهِ:

стр. 183

إنَّ ما في كتابِ البخاري ومسلمٍ مما حكمنا بصحتهِ من قولِ النّبيِّ ﷺ ، لما ألزمتُهُ الطلاقَ، ولا حنثتهُ؛ لإجماعِ علماءِ المسلمينَ على صحتهما، ثمَّ قالَ الشيخُ أبو عمرٍو (١): ولقائلٍ أنْ يقولَ: إنَّهُ لا يحنثُ، ولو لم يجمعِ المسلمونَ على صحتهما؛ للشكِّ في الحنثِ، فإنَّهُ لو حلفَ بذلكَ في حديثٍ ليسَ هذهِ صفتهُ لم يحنثْ، وإنْ كانَ راويهِ فاسقاً، فعدمُ الحنثِ حاصلٌ قبلَ الإجماعِ، فلا يضافُ إلى الإجماعِ، ثمَّ قالَ -: والجوابُ أنَّ المضافَ إلى الإجماعِ هوَ القطعُ بعدمِ الحنثِ ظاهراً، وباطناً. وأمّا عندَ الشكّ فمحكومٌ بهِ ظاهراً، معَ احتمالِ وجودهِ باطناً، فعلى هذا يحملُ كلامُ إمامِ الحرمينِ، فهوَ الأليقُ بتحقيقهِ. وقالَ النوويُّ في "شرحِ مسلمٍ" (٢): ما قالهُ الشيخُ في تأويلِ كلامِ إمامِ الحرمينِ في عدمِ الحنثِ فهوَ بناء على ما اختارهُ الشيخُ، وأما على مذهبِ الأكثرينَ، فيحتملُ أنَّهُ أرادَ أنَّه لا يحنثُ ظاهراً، ولا يستحبُّ له التزامُ الحنثِ حتى يستحبَّ له الرجعةُ، كما إذا حلفَ بمثلِ ذلكَ في غيرِ الصحيحينِ فإنّا لا نحنثهُ، لكن تستحبُ له الرجعةُ احتياطاً؛ لاحتمالِ الحنثِ، وهو احتمالٌ ظاهرٌ، قالَ: وأمَّا الصحيحانِ فاحتمال الحنثِ فيهما في غايةِ الضعفِ، فلا يستحبُّ له الرجعةُ (٣)؛ لضعفِ احتمالِ موجبها (٤))) (٥). قولهُ: (وإن يكن أولُ الإسنادِ حذفَ) (٦) إلى آخرهِ، نَصَبَ ((تعليقاً)) إما على نزعِ الخافضِ، أي: عُرفَ بالتعليقِ، أو إنَّهُ /٥٢أ / ضَمَّنَ ((عُرفَ)) معنى ((سمي))،

стр. 184

فكأنهُ قال: سمي تعليقاً، ولايصحُ نصبهُ على الحالِ، ومسألةُ التعليقِ ذَكَرها ابنُ الصلاحِ في الفرعِ الرابعِ من فروعٍ أتبعها بالمرسلِ والمنقطعِ والمعضلِ، فقال: ((التعليقُ الذي يذكُرهُ أبو عبدِ اللهِ الحُميديُّ صاحبُ " الجمعِ بينَ الصحيحينِ "، وغيرُهُ من المغاربةِ في أحاديثَ منْ " صحيح (١) البخاري " قطع إسنادَها، وقد استعملهُ الدارقطنيُّ (٢) مِن قبلُ صورتُه صورةُ الانقطاعِ، وليسَ حكمُهُ حكمَهُ - أي: المعلق (٣) - ولا خارجاً (٤) مما (٥) وجد ذلكَ فيهِ منهُ من قبيلِ الصحيحِ (٦) إلى قبيلِ الضعيفِ، وذلكَ لما عرفَ من شرطهِ وحكمهِ (٧) على ما نبهنا عليهِ (٨) في الفائدةِ السادسةِ من النوعِ (٩) الأولِ - يعني: ما ذكرتُهُ عنه آنفاً - (١٠)، ولا التفاتَ إلى أبي محمدِ بنِ حزمٍ الظاهريِّ الحافظِ في ردِّهِ (١١) ما أخرجهُ البخاريُّ (١٢) من حديثِ أبي عامرٍ .. إلى آخرهِ، من جهةِ أنَّ البخاريَّ أوردهُ قائلاً فيهِ: ((قالَ هشامُ بنُ عمارٍ ... ))

стр. 185

وساقهُ بإسنادِهِ، فزعمَ ابنُ حزمٍ أنَّهُ منقطعٌ فيما بينَ البخاري وهشامٍ (١)، وجعلهُ جواباً عن الاحتجاجِ بهِ على تحريمِ المعازفِ)) (٢) إلى آخره. قال الشيخُ في " النكتِ ": ((اعترضَ عليهِ بأنَّ شرطَ البخاريِّ أنْ سمى كتابهُ بالمسندِ الصحيحِ، والصحيحُ هو ما فيهِ منَ المسندِ دونَ مالم يسندهُ، وهذا الاعتراضُ يؤيدهُ قولُ ابنِ القطانِ في "بيانِ الوهمِ والإيهامِ": ((إنَّ البخاريَّ فيما يعلّقُ من الأحاديثِ في الأبوابِ غيرُ مبالٍ بضعفِ رواتها، فإنها غيرُ معدودة فيما انتخبَ، وإنما يعدُّ من ذلكَ ما وصلَ الأسانيدَ بهِ، فاعلمْ ذلكَ)) (٣). انتهى. ثمَّ قالَ: ((والجوابُ أنَّ المصنفَ إنما يحكمُ بصحتها إلى مَن علّقها عنه إذا ذكرهُ بصيغةِ الجزمِ)) (٤). أي: / ٥٢ب / لأنَّ ابنَ الصلاحِ أحالَ على ما قال في الفائدةِ السادسةِ، وعبارتهُ هناكَ: ((ما أسندهُ البخاريُّ، ومسلمٌ في كتابيهما بالإسنادِ المتصلِ، فذلكَ الذي حكما بصحتهِ بلا إشكالٍ، وأمَّا الذي حُذفَ من مبتدأ إسنادهِ واحدٌ، أو أكثرُ، وأغلبُ ما وقعَ ذلكَ في كتابِ البخاريِّ (٥)، وهو في كتابِ مسلمٍ

стр. 186

قليلٌ جداً (١)، ففي بعضه نظرٌ، وينبغي أنْ نقولَ: ما كانَ من ذلكَ، ونحوه بلفظٍ فيهِ جزمٌ، وحكمٌ بهِ على من علقهُ عنهُ، فقد حكمَ بصحتهِ عنهُ (٢))) إلى آخرِ كلامهِ في بيانِ حكمِ ذلكَ، وحكمِ الممرضِ. وهذا تصريحٌ منه مما لا يتوجه معهُ عليهِ هذا الاعتراضُ (٣). قولهُ: (من أولِ إسنادِ البخاريِّ أو مسلمٍ) (٤) مثالٌ لكونهِ في ذكرِ أحكامِ الصحيحينِ وتعليقهما، وإلاّ (٥) فالتعليقُ لا يختصُّ بهما، بل متى وجدنا شخصاً ذكرَ حديثاً، أو أثراً، وحذفَ إسنادهُ، أو بعضه مما يليهِ، سميناهُ تعليقاً، وقد علّقَ

стр. 187

أبو داودَ (١)، وغيرهُ. قولهُ: (إذا قاء فلا يفطر) (٢) وكقولهِ في الطبِ (٣): وقالَ عبادُ بنُ منصورٍ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَ ﷺ ((أذنَ لأهلِ بيتٍ من الأنصارِ أنْ يرقوا من الحمة)) (٤)، وكقولهِ في هجرةِ (٥) النبي ﷺ : وقالَ عبدُ اللهِ بنُ يزيدٍ، وأبو هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : ((لولا الهجرةُ لكنتُ امرءاً منَ الأنصارِ)). قولهُ: (وقد تقدمَ) (٦)، أي: في شرحِ الأبياتِ قبلَ هذهِ (٧). قولهُ: (من قطع الاتصالَ) (٨) هو كذلكَ من حيثُ أنَّ تعليقَ الطلاقِ سببٌ لقطعِ العصمةِ، على تقديرِ فعلِ المعلقِ عليهِ، فهو قاطعٌ للعصمةِ في بعضِ الصورِ،

стр. 188

هذا وجهُ الشبهِ، وهو كافٍ؛ إذ لا تلزمُ المساواةُ من كلِّ جهةٍ، وإنْ كانَ بتعليقِ الجدارِ أشبهُ فهدمُ / ٥٣أ / ما تشعبَ من الجدارِ شبيهٌ بحذفِ بعضِ السندِ، والخشب الذي يُحملُ عليهِ في زمانِ التعليقِ شبيهٌ بذلكَ الإسنادِ المحذوفِ، فإنَّه اتصالٌ فيهِ خفاءٌ بالنسبةِ إلى ما كان في الموضعين، واللهُ أعلمُ. قوله: (ولم أجد) (١) إلى آخره، لم أدرِ ما حملهُ على ذكرِ هذا بالنسبةِ إلى وسطِ الإسنادِ وآخرهِ فإنَّ لكلِ سقطٍ اسماً يخصهُ، كالعضلِ والقطعِ والإرسالِ، كما يأتي إن شاءَ اللهُ تعالى. وأمّا ما لم يجزمْ بهِ، فعدمُ وجدانهِ له لا يقدحُ في تسميتهِ تعليقاً. قلتُ: قالَ في " الشرحِ الكبيرِ ": ((فيقولونَ ذكرهُ البخاريُّ تعليقاً مجزوماً أو تعليقاً ممرضاً، واللهُ أعلمُ)) (٢). قوله: (ذكرهُ في الأطرافِ) (٣) اعلمْ أنَّ المزيَّ وقعَ له فيه (٤) وهمٌ في الأطرافِ بجعلهِ متنَ هذا السندِ: أنَّهُ كانَ على أمِ كلثومٍ بنتِ النبي ﷺ ثوبُ حريرٍ (٥)، وليسَ هذا متنهُ، ولو كانَ متنه لم يكن فيهِ دلالةٌ على مسِّ النّبيّ ﷺ ، ولا

стр. 189

أحدٍ منَ الرجالِ له، وإنما مسه (١) حي بمنديل حريرٍ، فجعلَ أصحابُ النّبيّ ﷺ يعجبونَ من لينهِ، فقالَ النّبيُّ ﷺ ((لمناديلُ سعدِ بنِ معاذٍ في الجنةِ ألينُ من هذا)) (٢) أو كما وردَ. وكذا استعملهُ النوويُّ في غيرِ المجزومِ فقالَ في " الرياضِ " بعدَ أنْ أوردَ حديثَ عائشةَ ﵂: ((أُمرْنا أنْ نُنْزِلَ الناسَ منازلهم)): ((وقد ذكرهُ مسلمٌ في "صحيحهِ" (٣) تعليقاً، فقالَ: وذكرَ عن عائشةَ قالت: ((أمرنا)))) (٤). قال الشيخُ في "النكتِ": ((وكذا فعلَ غيرُ واحدٍ من الحفاظِ، يقولونَ: ذكرهُ البخاريَ تعليقاً مجزوماً، أو تعليقاً غير مجزومٍ بهِ، إلا أنَّه يجوزُ أنَّ هذا الاصطلاحَ يتحددُ، فلا لومَ على / ٥٣ ب / المصنِّفِ في قولهِ: إنَّهُ لم يجدهُ. قولهُ: (في حذفِ كل الإسنادِ) (٥) سيأتي في المعضلِ أنَّ ابنَ الصلاحِ قال: ((وقولُ المصنفين: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كذا، من قبيلِ المعضلِ (٦))) (٧). قوله: (ولم يذكرِ المزيُّ) (٨) هذا في "الأطرافِ" هو فائدةٌ زائدةٌ (٩)، لا تصلحُ أنْ تكونَ رداً لشيء من كلامِ ابنِ الصلاحِ؛ فإنَّ عدمَ ذكرِ المزيِّ له، لا يدلُ

стр. 190

على كونهِ غيرَ تعليقٍ، فإنَّه ليس من شرطهِ؛ لأنَّ موضوعَ كتابهِ الأسانيدُ، يبينُ ما فيها منِ اختلافٍ، وغيرِه. قوله: (فكذي عنعنةٍ) (١) ليس كذلكَ، بل المعتمدُ في ما (٢) قالهُ ما حققهُ الحافظُ الخطيب (٣) من أنها ليست كعن؛ فإنَّ الاصطلاحَ فيها مختلفٌ، فبعضُ أهلِ الفنِّ يستعملُها في السماعِ دائماً، كحجاجِ بنِ موسى المصيصي (٤) الأعورِ، فإنَّه لا يقولُ فيما سمعهُ من مشايخهِ إلا: ((قالَ فلانٌ، دائماً، وبعضُهم يعكسُ، فلا يستعملُها إلاَّ فيما لم يسمعهُ دائماً، وبعضُهم يستعملُها تارةً هكذا، وتارةً هكذا، كالبخاري، فلا يحكمُ عليها بحكمٍ مطَّردٍ، بل من كانَ كحجاجٍ حملت في عبارتهِ على السماعِ أبداً، ومن عكس ذلكَ حملناها على الانقطاعِ أبداً، ومن كانَ كالبخاري، أو لم نعلمْ حالَهُ لا نحكمُ عليهِ بشيء حتى نعلمَ حقيقةَ الحالِ في الواقعِ بحسبِ كلِ مكانٍ، وهكذا ذكر استعملها أبو قرةَ موسى بنُ طارقٍ في كتابهِ " السننِ في السماعِ " لم يذكرْ سواها فيما سمعَهُ من شيوخه في جميعِ الكتابِ، فمن كانَ كحالهِ، حملناها في كلامهِ على السماعِ، وإلاّ فَصَّلْنا. وقد عرفَ بتحقيقِ هذا المقامِ منع قولهِ: ((فلهُ حكمُ الاتصالِ)) (٥) قالَ بعضُ أصحابنا: قالَ شيخُنا حافظُ العصرِ: والذي / ٥٤أ / ظهرَ لي بالاستقراءِ من صنيعِ

стр. 191

البخاريِّ أنَّهُ لا يأتي بهذهِ الصيغةِ إلا إذا كان المتنُ ليسَ على شرطهِ في أصلِ موضوعِ كتابهِ، كأنْ يكونَ ظاهرهُ الوقفَ، أو في السندِ من ليسَ على شرطهِ في الاحتجاجِ (١)، فمن أمثلةِ الأولِ قوله في كتابِ النكاحِ، في بابِ ما يحلُّ من النساءِ وما يحرمُ: قال لنا أحمدُ بنُ حنبلٍ: حدّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ، هوَ القطانُ، فذكرَ عن ابنِ عباسٍ قالَ: ((حرمَ من النسبِ سبعٌ، ومنَ الصهرِ سبعٌ ... )) الحديثَ (٢). فهذا من كلامِ ابنِ عباسٍ، فهوَ موقوفٌ، وإنْ كانَ يمكنُ أن يُتلمح لهُ ما يلحقهُ بالمرفوعِ. ومن أمثلتهِ قوله في المزارعةِ: قال لنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ: حدّثَنا أبانُ العطارُ، فذكرَ حديثَ أنسٍ: ((لا يغرسُ مسلمٌ غرساً)) .. الحديثَ (٣) فأبانُ ليسَ على شرطهِ، كحمادِ بنِ سلمةَ، وعبّر في التخريجِ لكلٍ منهما بهذهِ الصيغةِ لذلكَ. قولهُ: (يلي النوعَ الحاديَ عشرَ) (٤) هو المعضلُ (٥). قولهُ: (وبلغني عن بعضِ المتأخرينَ) (٦) هو ابنُ القطانِ (٧). قولهُ: (المتصلُ من حيثُ الظاهرُ) (٨) إلى آخرهِ، مُسلّمٌ في: ((قالَ لنا)) ونحوها، فإنَّ ظاهرها الاتصالُ بالنظرِ إلى اللفظِ، ومن حيثُ احتمالُها للإجازةِ يطرقُها احتمالُ الانفصالِ، وأمّا ((قالَ)) المجردةُ عن ضميرِ المتكلمِ، فهي بعكسِ هذا،

стр. 192

ظاهرُها الانفصالُ، ولها حكمُ الاتصالِ من حيثُ احتمالُها لهُ، وبقيةُ ما نَقلَ ابنُ الصلاحِ عن بعضِ المتأخرينَ وقالَ: ((متى رأيتَ البخاريَّ يقولُ: وقالَ لي فلانٌ، وقال لنا فلانٌ، فاعلمْ أنَّه إسناد لم يذكرهُ للاحتجاجِ بهِ، وإنما ذكرهُ للاستشهادِ بهِ، وكثيراً ما يعبرُ المحدّثونَ بهذا اللفظِ عما جرى بينهم في المذاكراتِ، والمناظراتِ، وأحاديثُ المذاكرةِ قلَّ ما يحتجونَ بها)) /٥٤ب/ قال (١): ((وما ادّعاهُ على البخاري مخالفٌ لما قالهُ مَن هوَ أقدمُ منهُ، وأعرفُ منه (٢) بالبخاريِّ، وهوَ العبدُ الصالحُ أبو جعفر بنُ حمدانَ النيسابوريُّ (٣)، فقد رُوِّينا عنهُ أنَّه قالَ: كلُّ ما في (٤) البخاري: ((قال لي فلانٌ)) فهوَ عرضٌ ومناولةٌ)) (٥). قولهُ: (قال القعنبي) (٦) كذا بعدهُ في كلامِ ابنِ الصلاحِ: ((رَوَى أبو هريرةَ كذا، وكذا ما أشبهَ ذلكَ من العباراتِ، فكلُ ذلكَ حكمٌ منهُ (٧) على مَن ذكرهُ عنهُ بأنَّهُ قد قالَ ذلكَ، ورواهُ، فلن يستجيزَ إطلاق ذلكَ إلاَّ إذا صحَّ عندهُ ذلكَ عنه، ثمَّ إذا كانَ الذي علّقَ الحديثَ عنهُ دونَ الصحابةِ، فالحكمُ بصحتهِ يتوقفُ على اتصالِ الإسنادِ بينهُ، وبينَ الصحابي)) (٨)، أي: على الشرطِ الذي تقدمَ في الصحيحِ من الثقةِ والضبطِ ... إلى آخرِ الشروطِ، ليحترزَ بذلكَ عن مثلِ

стр. 193

بهزٍ، وأنظاره ممن أبرزه، وليسَ على شرطهِ. وكلامه هذا فيه تسويغٌ للتصحيحِ الذي منعهُ، فتأملهُ. (١) قوله (٢): (مخالفٌ لكلامهِ الذي قدمناه عنه) (٣)، أي: نقلاً عن التفريعاتِ. (٤) وإنما حملهُ على عدهِ مخالفاً، ظنه أنَّ التعليقَ عندَ ابنِ الصلاحِ خاصٌ بالبخاري، ومسلمٍ، وليسَ كذلكَ. وإنما اقتصرَ على ذكرِهما؛ لأنَّهُ في بحثِ الصحيحِ، فليسَ في كلامهِ اختلافٌ، فإنْ قالَ (٥): عفانٌ مثلاً تعليقٌ بالنسبةِ إلى غيرِ من أخذَ عنهُ، بل وبالنسبةِ إلى من أخذَ عنهُ إذا عرفَ أنَّه لم يسمع ذلكَ (٦) الحديثَ منهُ. وعبارةُ ابنِ الصلاحِ واضحةٌ في ذلكَ من السادسِ من التفريعاتِ المذكورةِ / ٥٥أ / فإنَّهُ قالَ: ((مثالُ ذلكَ قولُه (٧): قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كذا)) (٨) إلى أنْ قالَ: ((وهكذا إلى شيوخِ شيوخهِ)) فرد المحتملِ من كلامهِ إلى الصريحِ أولى من حملهِ على التناقضِ (٩)، واللهُ أعلمُ. وقولهُ: (حدثَ عنه في مواضعَ من صحيحهِ متصلاً) (١٠) إنما يسلّمُ بالنسبةِ إلى القعنبي، وأما عفانُ فليسَ عندهُ عنهُ (١١) بلا واسطةٍ إلا موضعٌ واحدٌ، اختلفَ فيهِ

стр. 194

على رواةِ البخاري: فبعضهم يقولُ فيهِ: ((حدثنا عفانُ)) وبعضهم يقولُ: ((قالَ عفانُ)) (١) وأخرجَ عنه بالوسائطِ كثيراً (٢) (٣). قولهُ: (وعلى هذا) (٤) الإشارةُ إلى قولِ ابنِ الصلاحِ: ((قال القعنبيُّ: قالَ عفانُ)) (٥) بالنسبةِ إلى من أخذَ عنهما. قولهُ: (وقالَ فلانٌ وهو تدليسٌ) (٦) غيرُ صحيحٍ، وقد تقدّمَ الانفصالُ عن ذلكَ بتفصيلِ الخطيبِ. قوله: (وكذلكَ مسلم) (٧) غيرُ صحيحٍ، فإنَّ مسلماً لا يستعملُ ((قالَ)) (٨) فيما يرويهِ عن شيوخهِ، قالَ الشّيخُ في " النكتِ ": ((وهو مردودٌ عليهِ - أي: ابنِ منده - (٩)، ولم يوافقهُ عليهِ أحدٌ علمتُه، والدليلُ على بطلانِ كلامه أنَّه ضمَّ مع البخاريِّ مسلماً في ذلكَ، ولم يقل مسلمٌ في " صحيحهِ " بعدَ المقدمةِ عن أحدٍ من شيوخه: قالَ فلانٌ، وإنما رَوَى عنهم بالتصريحِ، فهذا يدلُّك على توهينِ كلامِ ابنِ

стр. 195

منده، لكنْ سيأتي في النوعِ الحاديَ عشرَ ما يدلكَ على أنَّ البخاريَّ قد يذكرُ الشيءَ عن بعضِ شيوخهِ، ويكونُ بينهما واسطةٌ)) (١)، وقال في الموضعِ المذكورِ: ((ويشكلُ على ما ذكرهُ المصنفُ - أي: من أنَّ ما عبرَ فيهِ البخاريُّ عن شيخٍ له بـ ((قالَ)) فهوَ متصلٌ - (٢) أنَّ / ٥٥ب / البخاريَّ قال في "صحيحهِ" في كتابِ الجنائزِ، في بابِ ما جاءَ في قاتلِ النفسِ: وقالَ حجاجُ بنُ منهالٍ: حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبُ في هذا المسجدِ، فما نسيناهُ .. الحديثَ (٣). فحجاجُ بنُ منهالٍ أحدُ شيوخِ البخاريِّ، قد سمعَ منهُ أحاديثَ، وقد علّقَ عنهُ هذا الحديثَ، ولم يسمعهُ منهُ، وبينهُ وبينهُ واسطةٌ، بدليلِ أنَّه أوردهُ في بابِ ما ذكر عن بني إسرائيلَ، فقالَ: حدثنا محمدٌ، حدثنا حجاج، حدثنا جرير، عنِ الحسنِ حدثنا جندب .. فذكرَ الحديثَ (٤)، فهذا يدلُّ على أنَّهُ لم يسمعهُ من حجاجٍ، وهذا تدليسٌ. فلا ينبغي أنْ يحملَ ما علّقه عن شيوخهِ على السماعِ منهم، ويجوزُ أنْ يقالَ: إنَّ البخاريَّ أخذَه عن حجاجِ بنِ منهالٍ بالمناولةِ، أو في حالِ المذاكرةِ، على الخلافِ الذي ذكرهُ ابنُ الصلاحِ، وسمعه ممن سمعهُ منهُ، فلم يستحسنِ التصريح باتصالهِ بينهُ وبينَ حجاجٍ، لما وقعَ من تحمّلهِ، وقد صحَّ عنه (٥) بواسطةِ الذي حدّثهُ بهِ عنهُ، فأتى بهِ في موضعٍ بصيغةِ التعليقِ، وفي موضعٍ آخرَ بزيادةِ الواسطةِ. وعلى هذا فلا يُسمَّى ما وقعَ منَ البخاريِّ على هذا التقديرِ تدليساً)). (٦) انتهى. وسيأتي في التدليس عن الخطيبِ جوابٌ آخرُ.

стр. 196

قال الشيخُ (١): ((وعلى كلِّ حالٍ فهوَ محكومٌ بصحتهِ؛ لكونهِ أتى بهِ (٢) بصيغةِ الجزمِ، كما تقدّمَ فيما قاله ابنُ حزمٍ في حديثِ البخاريِّ عن هشامِ بنِ عمارٍ بحديثِ المعازفِ: مِن أنَّه ليسَ متصلاً عندَ البخاريِّ يمكنُ أنْ يكونَ البخاريُّ أخذَهُ عن هشامٍ مناولةً، أو في المذاكرةِ؛ فلم يصرّح فيهِ بالسماعِ)) (٣). وقولهُ: (إنَّهُ لا / ٥٦أ / يصحُّ، وإنَّهُ موضوع) (٤) مردودٌ عليهِ، فقد وَصَلهُ غيرُ البخاريِّ من طريقِ هشامِ بنِ عمارٍ، ومن طريقِ غيرهِ، فقالَ الإسماعيليُّ: ... إلى آخرهِ (٥)، واختلفَ في محمدٍ شيخِ البخاري في حديثِ جندبَ، فقيلَ: هو محمدُ بنُ يحيى الذهليُّ، وهوَ الظاهرُ، فإنَّهُ رَوَى عن حجاجِ بنِ منهالٍ، والبخاريُّ عادتهُ لا ينسبهُ إذا رَوَى عنهُ، إمّا لكونهِ من أقرانهِ، وإمّا لما جرى بينهما، وقيلَ: هو محمدُ بنُ جعفرَ السمنانيُّ. ثمَّ قالَ: وقد يجابُ عن المصنفِ بما ذَكرهُ هنا عقبَ الإنكارِ على ابنِ حزمٍ، وهوَ قولهُ: ((والبخاري قد يفعلُ مثلَ ذلكَ؛ لكونِ ذلكَ الحديثِ معروفاً من جهةِ الثقاتِ عن ذلكَ الشخصِ الذي علّقهُ عنهُ، وقد يفعلُ ذلكَ، لكونهِ قد ذكرَ الحديثَ في موضعٍ آخرَ من كتابهِ متصلاً، وقد يفعلُ ذلكَ لغيرِ ذلكَ من الأسبابِ التي لا يصحبُها خللُ الانقطاعِ)) (٦). انتهى. فحديثُ النهي عن المعازفِ من بابِ ما هوَ معروفٌ من جهةِ الثقاتِ عن هشامٍ كما تقدمَ، وحديثُ جندبَ من بابِ ما ذكرهُ في موضعٍ آخرَ من كتابهِ مسنداً. (٧)

стр. 197

قوله: (وأخطأ في ذلكَ من وجوه) (١)، أي: منها قولهُ: ((لم يتصلْ ما بينَ البخاريِّ، وصدقةَ بنِ خالدٍ)) (٢) وإنما حقُّ العبارةِ على مراده ما بينَ البخاريِّ وبينَ هشامٍ، لكن هذا على تقديرِ أَنْ تكونَ هذه عبارةُ ابنِ حزمِ، والذي نقل ابنُ الصلاحِ عنهُ في التفريعاتِ في فنِّ المعضلِ أَنَّهُ قالَ: ((منقطع فيما بينَ البخاريِّ، وهشامٍ)) (٣) وَاللفظُ الذي ذَكرهُ الشيخُ عزاهُ إلى "المحلى"، وجعلهُ اعتراضاً على ابنِ الصلاحِ، فقالَ: ((إنما قالَ ابنُ حزمٍ في " المحلى": هذا حديثٌ منقطعٌ فذَكَرهُ، ثم قالَ: وصدقةُ بنُ خالدٍ هو شيخُ هشامِ / ٥٦ب / بنِ عمارٍ في هذا الحديثِ، وهذا قريبٌ إلاَّ أَنَّ المصنِّفَ (٤) لا يجوّزُ تغييرَ (٥) الألفاظِ في التصانيفِ، وإنِ اتفقَ المعنى)) (٦). انتهى. وَيمكنُ أنْ يكونَ ابنُ حزمٍ عبَّر بما ذَكرهُ ابنُ الصلاحِ في غيرِ "المحلى" (٧). الثاني: حكمُهُ عليهِ بعدمِ الاتصالِ، وقد وُصِلَ من طرقٍ، والمدارُ في الصحة على الاتصالِ بالثقاتِ، لا على الاتصالِ من جهةِ البخاري، وفي صحيحهِ قال بعضُ أصحابنا: قالَ ابنُ كثيرٍ: ((رواهُ أحمدُ في "مسندهِ" (٨)، وأبو داودَ في "سننهِ" (٩)، وخرجهُ البَرْقانيُّ في "صحيحهِ"، وغيرُ واحدٍ مسنداً متصلاً إلى هشامِ بنِ

стр. 198

عمارٍ)) (١)، وقالَ ابنُ عبدِ الهادي: ((ورواهُ الطبرانيُّ (٢) عن موسى بنِ سهلِ الجوني البصري، عن هشامٍ)) (٣). الثالث: قوله: (ولا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ) (٤) وقد صحَّ. قولهُ: (لا يصحبها خللُ الانقطاعِ) (٥) قالَ الشيخُ في "النكتِ ": ((وقد اعترضَ على المصنِّفِ (٦) بأنَّ حديثَ جندبَ الذي ذَكرهُ في الجنائزِ صحبهُ خللُ الانقطاعِ، بأنَّهُ لم يأخذهُ عن حجاجٍ، والجوابُ عنِ المصنِّفِ: أنَّهُ لا يصحبها خللُ الانقطاعِ في الجملةِ، بأنْ يكونَ الحديثُ معروفَ الاتصالِ، إمّا في كتابهِ في موضعٍ آخرَ، كحديثِ جندبَ، أوفي غيرِ كتابهِ، كحديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ، فإنَّهُ إنما جزمَ بهِ حيثُ علمَ اتصالهُ، وصحتهُ في نفسِ الأمرِ، كما تقدّمَ، واللهُ أعلمُ)) (٧). قوله: (وقالَ الطبرانيُّ في "مسندِ الشاميينَ") (٨) قالَ في " النكتِ " بعدَ هشامِ بنِ عمارٍ، حدّثَنا صدقةُ بنُ خالدٍ: ((وقالَ أبو داودَ في "سننهِ" (٩): حدّثَنا عبدُ الوهابِ بنُ نجدةَ، حدّثَنا بشرُ بنُ بكرٍ (١٠)؛ كلاهما -يعني: صدقةَ وبشرَ- (١١)

стр. 199

عن عبدِ الرحمانِ بن يزيدَ بنِ جابرٍ بإسنادهِ)) (١). انتهى. ففي هذا بيانُ اتصالهِ (٢) من جهةِ غيرِ هشامٍ. / ٥٧أ / نَقْلُ الْحَدِيْثِ مِنَ الكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ (٣) قولهُ: (نقلُ الحديثِ منَ الكتبِ المعتمدةِ) (٤) الألفُ واللامُ في قولهِ: ((المعتمدة)) لما عهدَ من اشتراطهِ في الحكمِ بالصحةِ، أنْ ينصَّ عليها الأئمةُ المعتمدونَ في مصنفاتهم المعتمدةِ، أي: المقطوعِ بصحةِ نسبتها إلى قائليها، ويدلُّ على ذلكَ قولهُ: ((وأخذُ حديث من كتابٍ منَ الكتبِ المعتمَدةِ، شرطه أنْ يكونَ ذلكَ الكتابُ مقابلاً)) (٥) فجعلَ شرطَ المقابلةِ، بعدَ كونهِ معتمَداً، فعلمَ أنَّ مرادَهُ بالاعتمادِ غيرُ ما ينشأُ عن المقابلةِ، وهو اشتهارُ النسبةِ إلى مَن صنَّفهُ. ويوضحُ لكَ ذلكَ أنَّ ابنَ الصلاحِ لا (٦) يسوغُ تصحيحَ مالم يصححْهُ الأئمةُ المعتمَدونَ في كتبِهم المعتمَدةِ، ولا شكَّ أنَّهُ لا يجيزُ العملَ والاحتجاجَ إلا بما صحَّ، أو حسنَ، ومتى لم تُحملِ اللامُ على هذا العهدِ، لزمَ منهُ جوازُ تصحيحِ مالم يصححوهُ، فتأملهُ جداً. ثمَّ راجعتُ كلامَ ابنِ الصلاحِ، فرأيتُهُ يكادُ يكونُ صريحاً في ذلكَ، فإنَّه قالَ في الثامنةِ منَ الفوائدِ المتعلقةِ بالصحيحِ (٧): ((إذا ظهرَ ما قدمناهُ: انحصار طريقِ معرفةِ الصحيحِ، والحسنِ الآنَ في مراجعةِ الصحيحينِ، وغيرِهما من الكتبِ

стр. 200

المعتمَدةِ، فسبيلُ مَن أرادَ العملَ، أو الاحتجاجَ بذلكَ ... )) (١) إلى آخرهِ. قولهُ: (إنْ كانَ ممن يسوغُ له العملُ بالحديثِ) (٢)، أي: من غيرِ مراجعةِ غيرهِ بأنْ يكونَ عالماً بمعنى ذلكَ الحديثِ، له ملكةٌ يَقوَى بها على معرفةِ المطلوبِ منهُ في ذلكَ، ولا يقالُ: إنَّ مفهومَ هذا أنَّ مَن أخذَ حديثاً لغيرِ عملٍ، ولا احتجاجٍ، يجوزُ له أخذهُ من غيرِ مقابلةٍ، لأنّا نقولُ: أخذهُ حينئذٍ يكونُ للروايةِ، وسيأتي اشتراطُ المقابلةِ لذلكَ. قوله: (بمقابلةِ ثقةٍ) (٣)، أي: يحصل / ٥٧ب / للناقلِ الوثوقُ بهِ، فإنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ بعدَ قولهِ: ((إذا كانَ ممن يسوغُ لهُ العملُ بالحديثِ، أو الاحتجاجُ بهِ لذي (٤) مذهبٍ أنْ يرجعَ إلى أصلٍ قد قابلهُ هوَ، أو ثقةٌ غيرهُ بأصولٍ صحيحةٍ (٥) ... )) إلى آخره. وعبارتهُ غيرُ صريحةٍ في أنَّه يشترطُ ذلكَ، بل هي محمولةٌ -كما قال النوويُّ في "شرحِ مقدمةِ مسلمٍ" - (٦) على الاستحبابِ، والاستظهارِ (٧). قوله: (أصولٌ صحيحةٌ متعددةٌ مرويةٌ برواياتٍ متنوعةٍ) (٨)، أي: مِثلَ البخاريِّ مثلاً، فإنَّه إذا أرادَ نقلَ حديثٍ من روايةِ أبي الوقتِ منهُ، اشترطَ عند ابنِ

стр. 201

الصلاحِ أنْ يحضرَ ثلاثةَ أصولٍ، فأكثرَ تكونُ رواياتُها متنوعةً، كأنْ يكونَ أحدُها مروياً عن كريمةَ، والآخرُ عن أبي ذرٍّ، والآخرُ بروايةِ الأصيلي، ثمَّ يقابله عليها، فما اجتمعتْ عليهِ، تحققَ أنَّ البخاريَّ قالهُ، فيسوغُ له حينئذٍ نقله، وما اختلفَ فيهِ توقفَ فيهِ؛ لأنَّ في بعضِها زيادةً على بعضٍ ونقصاً، ولو كانتِ الأصولُ جميعها بروايةِ أبي الوقتِ لم يكتفِ بها، إلا إذا كانتْ مرويةً عن أبي الوقتِ بطرقٍ متنوعةٍ. هذا ما يظهرُ من كلامهِ، ويوضحهُ تمامهُ بقولهِ: ((ليحصلَ له بذلكَ - مع اشتهارِ هذهِ الكتبِ، وبُعْدِها عن أنْ تقصدَ بالتبديلِ والتحريفِ - الثقة بصحةِ ما اتفقت عليهِ تلكَ الأصولُ، واللهُ أعلمُ)) (١). انتهى. فإنها إذا كانتْ روايةُ رجلٍ واحدٍ قلَّ الوثوقُ، وأمكنَ أنْ يكونَ دخلَ عليهِ لبسٌ في كتابتهِ، أو سماعه (٢)، لكنْ بقيَ وراءَ ذلكَ أنَّ مفهومَ كلامهِ أنَّ الذي لم تتفقْ عليهِ الرواياتُ المتنوعةُ / ٥٨أ / لايسوغُ له العملُ بهِ، ولا الاحتجاجُ بهِ، وإذا كان كذلكَ، فليتَ شعري ما الذي يعملُ عندهُ، هل يقولُ: إنَّه ينتقلُ إلى القياسِ؟ إنْ قالَ بهِ فقد أجازهُ معَ وجودِ نصٍّ صحيحٍ، ومَعاذَ اللهِ من ذلكَ، وإنْ قالَ غير ذلكَ، فما هو؟ ثمَّ (٣) إنْ كانَ مرادُهُ باتفاق النسخِ الاتفاقَ في اللفظِ، كَثُرَ المختلفُ فيهِ جداً، وإنْ كانَ المرادُ في المعنى، فقد سَهُلَ الأمرُ قليلاً، فإنْ (٤) لم يكنْ لذلكَ الكتابِ إلا طريقٌ واحدٌ، اكتفى فيهِ بأصولٍ منْ غيرِ قيدٍ زائدٍ، وإلا ضاعتْ أكثرُ الأحاديثِ.

стр. 202

قوله: (بأصلٍ معتمدٍ) (١)، أي: مظنونٌ اعتمادهُ محققٌ، أي: غالبٌ على الظنِّ اعتمادهُ كأنْ يرى نسخاً (٢) بخطِّ شخصٍ من أهلِ العلمِ فيظنَّ أنها معتمدةٌ، وهو مع ذلكَ يجوزُ فيها الغلطُ، ثمَّ يقابلها، فيصحّ ظنهُ، فيترجح ذلكَ الظنُّ حتى يقاربَ التحققَ باعتمادِها. قولهُ: (فينبغي) (٣) يحتملُ استعمالَ ((ينبغي)) في الوجوبِ (٤)، ولا تعارضَ حينئذٍ بينَ كلاميهِ، سَلّمنا أنَّ المرادَ بها هنا الاستحباب، لكنْ فرقٌ بينَ أصلِ الحكمِ ووصفهِ، فالاختلافُ في متنِ الحديثِ راجعٌ إلى أصلِ الحكمِ، بحيثُ يوجبُ تغييرَ الحكمِ بسببِ المخالفةِ، بخلافِ وصفِ الحديثِ بكونهِ صحيحاً، أو حسناً، فإنَّ ذلكَ لا يقتضي إسقاطَ ما وقعَ فيهِ هذا الاختلافُ، فإنَّه إنْ كانَ حسناً جزماً ساغَ العملُ بهِ، وإنْ كانَ صحيحاً جزماً فأولى، وإنْ جُمِعَ اللفظانِ، وكانَ ذلكَ باعتبارِ إسنادينِ فكذلكَ، أو باعتبارِ سندٍ واحدٍ للترددِ، فلا ينخفضُ عن درجةِ الحسنِ، وهوَ المرادُ، فهوَ محتجٌّ بهِ على كلِّ حالٍ. وأخصرُ من هذهِ العبارةِ أنْ يُقالَ: يفرقُ بينَ المخالفةِ في حديثِ النبيِّ ﷺ ، فيحتاطُ في مقابلته، وبينَ المخالفةِ / ٥٨ب / في كلامِ غيرهِ، فالأمرُ فيهِ أسهلُ. قوله: ٤٩ - قُلْتُ: (وَلابْنِ خَيْرٍ) امْتِنَاعُ ... جَزْمٍ سِوَى مَرْوِيِّهِ إجْمَاعُ قال شيخُنا: ((لو قالَ:

стр. 203

قلتُ: حَكَى ابنُ خير امتناعاً ... نقل سوى مرويه إجماعاً كانَ أحسنَ)). ثم إنَّ قولَ الناظمِ: ((إنَّ ((امتناع جزمِ)) مبتدأ، و ((إجماعُ)) خبره)) يحتاجُ إلى تتمةٍ، وهوَ أنَّ هذا المبتدأَ والخبرَ في محلِ رفعٍ بالابتداءِ، وخبرُ ذلكَ لابنِ خير، ويكونُ حينئذٍ الحكمُ على لفظِ الجملةِ، أي: هذا الكلامُ لابنِ خير (١)، وإلا تخيلَ أنَّ ((لابنِ خير)) أجنبيٌّ (٢)، وأنَّه فَصَلَ بهِ (٣) بينَ المعطوفِ، وهوَ ((امتناعُ))، وبينَ (٤) حرفِ العطفِ وهوَ الواوُ (٥)، وأمّا على هذا التقديرِ فيصيرُ العاطفُ داخلاً على الخبرِ المتقدمِ (٦)، أو يقالُ: لابنِ خير متعلقٌ بقولهِ: ((إجماعُ))، واللامُ للاختصاصِ، أي: إجماعٌ مختصٌ، نقلهُ بابنِ خير، فهوَ من تعلّقِ الخبرِ، فلم يَفصلْ بينَ المعطوفِ - الذي هوَ ((امتناعٌ)) - وحرفِ العطفِ أجنبي، أو يقالُ: إنَّهُ متعلّقٌ بوصفِ الخبرِ، ويكونُ (٧) تقديرُ الكلامِ: وامتناعُ نقلٍ سوى مرويهِ إجماعٌ منقولٌ لابنِ خير، وكانت أولاً ((نقل)) ثمَّ غيرها الناظمُ بقولهِ ((جزم)). هذا ما يتعلّقُ بلفظهِ، وأمّا معناه، فإنَّهُ مشكلٌ جداً، منطوقاً ومفهوماً، وقد نقلهُ الشّيخُ ساكتاً عنهُ، وكأنَّهُ ارتضاهُ (٨).

стр. 204

أما منطوقاً؛ فإنَّهُ صرّحَ في أنَّهُ لا يسوغُ لأحدٍ الجزمُ بما وجدهُ منَ الأحاديثِ الصحيحةِ التي ليسَ له بها روايةٌ أصلاً. وأمّا مفهوماً؛ فإنَّهُ يقتضي أنَّه (١) إذا وَجَدَ حديثاً لهُ بهِ روايةٌ ساغَ له الجزمُ بهِ، سواءٌ كانَ ضعيفاً، أو غيرَ ضعيفٍ، وهذا لا يوافقُ عليهِ أحدٌ، ولكنَّ تعليلهُ بحديثِ: ((مَن كَذبَ عليَّ)) (٢) يرشدُ إلى أنَّ كلامَهُ ليسَ على ظاهرهِ،

стр. 205

وأنَّ (١) مرادَهُ الزجرُ / ٥٩أ / عن الجزمِ بما لم يعرف كونهُ محتجاً بهِ، وسكتَ عن بيانِ حالهِ، أما إذا نقلهُ بصيغةِ التمريضِ، أوغيرها، ثمَّ بيَّنَ حالَهُ من صحةٍ وسقمٍ، فإنَّه لا يمنعُ من ذلكَ، وكأنَّ ابنَ خير أرادَ هذا المعنى، فانقلبَ عليهِ التعبيرُ عنهُ. ولو قالَ: ((حتى يكونَ عندهُ محتجاً بهِ (٢))) بدلَ قوله: ((مروياً ... )) إلى آخره لكانَ حسناً، وكانَ النظمُ حينئذٍ يكونُ: جزمٍ بغير ثابت إجماعاً (٣). واعلمْ أنَّ شهرةَ الكتابِ، كموطأ مالكٍ مثلاً -ولو لم تصل نسبتُهُ إلى مصنفهِ إلى حدِّ التواترِ - أقوى من وجودهِ له مروياً بطريقٍ واحدٍ، أو بطريقِ الإجازةِ، أو الوجادةِ مثلاً؛ إذ المقصودُ الوثوقُ بكونهِ محتجاً بهِ (٤).

стр. 206

قولهُ: القِسْمُ الثَّانِي: الْحَسَنُ (١) ٥٠ - وَالحَسَنُ المَعْرُوْفُ مَخْرَجاً وَقَدْ ... اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ بِذَاكَ حَدْ ٥١ - (حَمْدٌ) وَقَالَ (التّرمِذِيُّ): مَا سَلِمْ ... مِنَ الشُّذُوْذِ مَعَ رَاوٍ مَا اتُّهِمْ ٥٢ - بِكَذِبٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْداً وَرَدْ ... قُلْتُ: وَقَدْ حَسَّنَ بَعْضَ مَا انفَرَدْ ٥٣ - وَقِيْلَ: مَا ضَعْفٌ قَرِيْبٌ مُحْتَمَلْ ... فِيْهِ، وَمَا بِكُلِّ ذَا حَدٌّ حَصَلْ قوله: (اختلفَ أقوالُ أئمةِ الحديثِ) (٢) غيرُ مُسلَّمٍ، فليسَ (٣) بينَ أقوالهمِ اختلافٌ، فإنَّ الخطابيَ والترمذيَّ ما تواردا على شيءٍ واحدٍ، بل كلٌّ منهما عرَّفَ نوعاً منهُ (٤)، وأما ابنُ الجوزي فالظاهرُ أنَّهُ لم يردِ الحدَّ، وإنما أرادَ الوصفَ بصفةٍ

стр. 207

تقربُ الحسنَ منَ التمييزِ، ورسم الخطابيُّ (حمدٌ) (١) بغيرِ ألفٍ وغلطَ كثيرونَ فقالوهُ (أحمدُ) بألفٍ، وحدُّ الخطابيِّ واقعٌ على الحسنِ لذاتهِ (٢). قوله: (ما عرف مخرجه) (٣)، أي: رجالهُ الذينَ يدورُ عليهم، فكلُّ واحدٍ من رجالِ السندِ مخرجٌ خرجَ منه الحديثُ. وقولهُ: (وعليهِ مدارُ) (٤) إلى آخرهِ، كلامٌ كاشفٌ، لا أنَّهُ داخلٌ في الحدِّ قال الشيخُ في " النكتِ ": ((ما حكاهُ من صيغةِ كلامِ الخطابيِّ قدِ اعترضَ عليهِ فيهِ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عمرَ بنِ رشيدٍ فيما حكاهُ الحافظُ أبو الفتحِ اليعمريُّ في "شرحِ الترمذيِّ" (٥) / ٥٩ب / فقالَ: إنَّهُ رآهُ بخطِّ الحافظِ أبي عليٍّ الجياني ما عُرفَ مخرجُهُ واستقرَ حالهُ، أي: بالسينِ المهملةِ، وبالقافِ، وبالحاءِ المهملةِ، دونَ راءٍ في أولهِ. قال ابنُ رشيدٍ: وأنا بخطِّ الجيانيِّ عارفٌ (٦))). انتهى. قال الشيخُ: ((وما اعترضَ بهِ ابنُ رشيدٍ مردودٌ، فإنَّ الخطابيَّ قد قالَ ذلكَ في خطبةِ كتابه "معالمِ السننِ" (٧)، وهوَ في النسخِ الصحيحةِ المسموعةِ، كما ذكرَ المصنِّفُ. ((واشتهرَ رجالهُ))، وليسَ لقولهِ: ((واستقرَ حالهُ)) كبيرُ معنىً، واللهُ أعلمُ)) (٨) (٩).

стр. 208

قوله: (بعض المتأخرينَ) (١) إنما عزاهُ، ولم يجزمْ بهِ من عندِ نفسهِ، لتخصيصِ هذا المتأخرِ الاحتراز بهذينِ النوعينِ، وينبغي تعميمُ الاحترازِ في كلِّ مالم يتصل سندهُ، ويمكنُ الاعتناءُ بهذا المتأخرِ، فيعممُ كلامهُ بأنْ يقالَ: إنَّهُ لم يردّ بالانقطاعِ معناهُ الاصطلاحيَّ، بل أرادَ كلَّ خللٍ ظاهرٍ في السندِ من جهةِ الاتصالِ، وأرادَ بالتدليسِ كلَّ خللٍ خفيِّ من تلكَ الجهةِ، فالمنقطعُ لم يعرف مخرجهُ؛ لأنَّ موضعَ الانقطاعِ لم يعرفِ الراوي الساقطَ منهُ، الذي خرجَ عنه الحديثُ. قوله: (قبل أن يتبينَ تدليسه) (٢) هو مصدرٌ، مرادٌ بهِ اسمُ المفعولِ، أي: قبلَ أن يتبينَ مُدلَّسُهُ (٣)، أي: الراوي الذي دَلّسَ المدلِسُ ذلكَ الحديثَ عنه، فإذا تبيّنَ أنَّهُ لم يسمع من ذلكَ الذي عنعنهُ عنه، وصرّحَ بالواسطةِ، فقد تبيّنَ تدليسُه، وإذا بينَ الواسطةَ اعتبرناها، فإن أبرزَها بالعنعنةِ أيضاً، كان كأنَّهُ لم يبيّنْ، فيوقفُ حتى يبينَ السماعَ، وإنْ أبرزَها بصيغةٍ من صيغِ السماعِ، فيعتبرُ حالُ الواسطةِ / ٦٠ أ / في الشهرةِ بالصدقِ، وعدمها. قولهُ: (وأيضاً فالصحيحُ قد عرفَ مخرجه ... ) (٤) إلى آخره. قال شيخُنا: ((يعتنى بالخطابيِّ، فيقالُ: الحيثيةُ هنا مرعيةٌ؛ لأنَّهُ قد عرفَ الصحيحَ والضعيفَ، فينْزلُ حدَّ الحسنِ على مالم يكن ذكرهُ في حدِّ واحدٍ منهما، وهوَ الأمرُ المتوسطُ بينهما فـ ((عرفَ مخرجهُ)) بمعنى: لم يفقد سندُهُ الاتصالَ ظاهراً، كالانقطاعِ، والإرسالِ، ونحوهما، ولا خفياً، كالتدليسِ، ((واشتهرَ رجالهُ)) يعني: بالصفاتِ المتوسطةِ بينَ صفاتِ الصحيحِ والضعيفِ، فلا يشترطُ أنْ يبلغوا

стр. 209

الاتقانَ المشروطَ في رواة الصحيحِ، بل يكونُ إتقانُهم دونَ ذلكَ، ولا ينْزلونَ في خفةِ الضبطِ إلى القدرِ الموصلِ إلى الضعيفِ. وذكرَ الشيخُ في " النكت " (١) أنَّ قولَ الخطابيِّ: ((ما عرفَ مخرجه)) كقولِ الترمذيِّ: ((ويُروَى نحوه من غيرِ وجهٍ)). وقول الخطابيِّ: ((اشتهرَ رجالهُ)) يعني بالسلامةِ من وصمةِ الكذبِ، هوَ كقولِ الترمذيِّ: ((ولا يكونُ في إسناده مَن يُتهمُ بالكذبِ))، وزادَ الترمذيُّ: ((ولايكونُ شاذاً)). ولا حاجةَ إلى ذكرهِ؛ لأنَّ الشاذَّ ينافي عرفانَ المخرجِ، فكأنَّهُ كررهُ بلفظٍ متباينٍ، فلا إشكالَ فيما قالاه. ثم اعترضَ (٢) عليهِ بأنَّ كلامَ الخطابيِّ لا يدلُّ على ما قالهُ أصلاً، وأنَّ ما رآهُ (٣) في كلامِ بعضِ الفضلاءِ (٤) بأنَّهُ احترازٌ عن المرسلِ ونحوهِ أحسنُ؛ لأنَّ المرسلَ الذي سَقطَ بعضُ إسناده، وكذا المدلَّسُ الذي سقطَ منهُ بعضهُ، لا يعرفُ فيهما مخرجُ الحديثِ؛ لأنَّهُ لا يُدرَى مَن سَقطَ من إسنادهِ، بخلافِ مَن أبرزَ جميعَ رجالهِ، فقد عرفَ مخرج الحديثِ من أينَ؟)) (٥). انتهى. / ٦٠ب /. قلتُ: وقد يُروَى الحديثُ من وجوهٍ كثيرةٍ متباينةٍ، ويكونُ في كلٍ منها سَقطٌ، فتكونُ مجهولةَ المخرجِ. وقولهُ: (إنَّ الشاذَّ ينافي عرفانَ المخرجِ) (٦) ممنوعٌ، فإنَّه ما يخالفُ الثقةُ فيهِ مَن هوَ أوثقُ منهُ، فقد عرفَ مخرجهُ، وقد يكونُ راويهِ متعدداً، ويخالفهم مَن هوَ في

стр. 210

مثلِ عددهم، وهم أوثقُ منهم، واللهُ أعلمُ. (١) قولهُ: (أي: ابن دقيقِ العيدِ ذكرَ من بعد) (٢) إلى آخره. هذا اعتراضٌ على بحثه الثاني، وهو قولهُ: (وأيضاً فالصحيحُ) (٣) إلى آخرهِ. قالَ شيخُنا: ((والجوابُ عنِ ابنِ دقيقِ العيدِ: أنَّهُ إنما ذكرَ هذا البحثَ وهو قوله: إنَّ الصحيحَ أخصُّ استطراداً، وجواباً عن جمعِ الترمذيِّ وصفي الصحةِ والحُسْنِ لحديثٍ واحدٍ، فذكرَ لذلكَ احتمالاتٍ يصححُ بها كلامهُ منها العمومُ والخصوصُ. وأما مناقشتهُ للخطابيِّ ففي بابِ الحسنِ. والقاعدةُ: أنَّ ما ذكرَ بحثاً لا يلزمُ الباحث اختيارهُ، وأن ما ذكر في بابهِ هوَ المعتمدُ؛ فالحاصلُ: أنَّهُ لا ينسبُ إليهِ (٤) تناقضٌ)) (٥). قولهُ: (مُخِلٌّ للحدِّ) (٦) صحيحٌ إلا عندَ التجوزِ، وهو حاصلٌ هنا، فالصحيحُ إنما يطلق عليهِ الحسنُ مجازاً باعتبارِ ما كانَ؛ لأنَّ مطلقَ الضبطِ مشترطٌ فيهِ وفي الحسنِ، ثمَّ يشترطُ في الصحيحِ تمامَ ضبطِ راويهِ، فإذا أطلقَ عليهِ ((الحسنُ)) فبالنظر إليهِ باعتبارِ مطلقِ الضبطِ، ووجودُ الدرجةِ الدنيا، لا ينافي الدرجةَ العليا، كما سيأتي عند قوله: ((كلُّ صحيحٍ حسنٌ، لا ينعكسُ)) وإنْ لم يُرْعَ فيهِ المجاز، فهوَ مباينٌ للحسنِ؛ لأنَّ الضبطَ المشترطَ فيهِ غيرُ الضبطِ المشترطِ في الحسنِ، فليسَ نسبتهُ منَ الحسنِ، كنسبةِ الإنسانِ من مطلقِ الحيوانِ؛ لأنَّ القدرَ الجامعَ بينهما / ٦١أ / - وهوَ

стр. 211

الحياةُ - موجودٌ في كلٍّ من الإنسانِ والفرسِ مثلاً، على حدٍ سواءٍ، لا كذلكَ الضبطُ الذي في الصحيحِ والحسنِ، والقولُ فيهما كالقولِ في الواجبِ والمباحِ، فكما أنَّ منْ قالَ: إنَّ المباحَ جنسٌ للواجبِ، يقالُ له: يلزمكَ أنْ تقولَ: إنَّ النوعَ - وهوَ الواجبُ - يستلزمُ التخييرَ في فعلهِ وتركهِ، فكذلكَ يلزمُ من قالَ: إنَّ الحسنَ جنسٌ للصحيحِ، أنْ يقولَ: إنَّ النوعَ - وهو الصحيحُ --يستلزمُ وجودَ خفةِ الضبطِ في راويهِ، وكما أنَّهُ لما قالَ: ((هما مأذون في فعلهما واختصَّ الواجبُ بقيدٍ زائدٍ وهو أنَّهُ ممنوعٌ من تركهِ)) رُدَّ عليهِ: بأنَّهُ تَرَكَ فصلَ المباحِ، وهوَ أنَّهُ مأذونٌ في تركهِ، فكذلكَ من جعلَ الحسنَ جنساً للصحيحِ؛ لأنهما يشترطُ في راويهما الضبطُ. واختصَّ الصحيح باشتراطِ مزيدِ الضبطِ في الراوي، يردُ عليهِ: بأنَّهُ تركَ فصلَ الحسنِ، وهو اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ عن ضبطِ الصحيحِ، وكما أنَّ الواجبَ والمباحَ نوعانِ تحتَ الحكمِ، فكذلكَ الصحيحُ والحسنُ نوعانِ للمقبولِ، فإنَّهُ يشملهما؛ لأنَّهُ خبرٌ متصلُ السندِ بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثلهِ، أو عدولٍ يعضدُ بعضُهم بعضاً، غير شاذٍ ولا معللٍ، واللهُ أعلمُ. قال شيخنا: ((والترمذيُّ عرَّفَ الحسنَ لغيرهِ، وادّعاءُ ابنِ المواقِ (١) أنَّهُ لم يميزْ ممنوعٌ، فإنهُ ميّزهُ بشيئينِ: أحدهما: أنْ يكونَ راويهِ قاصراً عن درجةِ راوي

стр. 212

الصحيحِ، بل عن درجةِ راوي الحسنِ لذاته، وهو أنْ يكونَ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، فيدخلَ فيهِ المستورُ والمجهولُ، ونحو ذلكَ. وراوي الصحيحِ لا بدَّ وأنْ يكونَ ثقةً، وراوي الحسنِ لذاتهِ لا بدَّ وأنْ يكونَ / ٦١ ب / موصوفاً بالضبطِ، ولا يكفي كونهُ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، وقد ذكرَ هذا ابنُ المواقِ في نفسِ اعتراضهِ بقولهِ: بل ثقاتٍ، ولم يُتنبهْ له، فإنَّ الترمذيَّ لم يعدلْ عن قوله: ((ثقات)) وهي كلمةٌ واحدة إلى قولهِ: ((لا يكونُ في إسنادهِ من يتهمُ بالكذبِ)) إلا لإرادةِ قصورِ رواتهِ عن وصفِ الثقةِ، كما هي عادةُ البلغاءِ في المخاطباتِ. والثاني: أنْ يُروَى من غيرِ وجهٍ نحوَهُ، وهذا الذي استدركهُ عليهِ ابنُ سيدِ الناسِ (١). قولهُ: (قال أبو عيسى الترمذيُّ) (٢) لم يبينِ ابنُ الصلاحِ من أينَ نقلَ هذا، فاعترضَ عليهِ الحافظ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ فقالَ - كما حكاه الشيخُ عنهُ في " النكتِ "- (٣): ((هذا إنْ كانَ قد رُويَ عنِ الترمذيِّ أنَّهُ قالهُ، ففي أي كتابٍ له قاله؟ وأين إسنادهُ عنهُ؟ وإنْ كانَ فُهمَ من اصطلاحهِ في كتابهِ "الجامعِ"، فليسَ ذلكَ بصحيحٍ! فإنَّه يقولُ في كثيرٍ منَ الأحاديثِ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ)) (٤). قال الشيخُ: ((وهذا الإنكارُ عجيبٌ، فإنَّهُ في آخرِ "العللِ" (٥) التي في آخرِ "الجامعِ"، وهيَ داخلةٌ في سماعنا، وسماعِ المنكرِ لذلكَ، وسماعِ الناسِ. نَعَم، ليست في رواية كثيرٍ من المغاربةِ، فإنَّهُ وقعت لهم روايةُ المباركِ ابنِ

стр. 213

عبدِ الجبارِ الصيرفيِّ (١)، وليست في روايتهِ عن أبي يعلى أحمدَ بنِ عبدِ الواحدِ (٢)، وليست في روايةِ أبي يعلى عن أبي علي (٣) السنجيِّ (٤)، وليست في روايةِ أبي عليٍّ، عن أبي العباسِ المحبوبيِّ (٥) صاحبِ الترمذيِّ، ولكنها في روايةِ عبدِ الجبارِ بنِ محمدٍ الجراحي (٦)، عن المحبوبيِّ، ثمَّ اتصلت عنهُ بالسماعِ إلى زماننا لمصرَ والشامِ، وغيرهما منَ البلادِ الإسلاميةِ /٦٢أ / ولكنِ استشكلَ أبو الفتحِ اليعمريُّ في " شرحِ الترمذيِّ " أنَّهُ لو قالَ قائلٌ: إنَّ هذا إنما اصطلحَ عليهِ الترمذيُّ (٧)، كون هذا

стр. 214

الحدِّ الذي ذكرهُ الترمذيُّ اصطلاحاً عاماً لأهل الحديثِ ... ثم سَاقَ عِبارتَه، ثمَّ قالَ: فقَيَّدَ التِرمذيُّ تَفسيرَ الحَسنِ بما ذَكرهُ في كتَابِ " الجَامعِ "، فَلذلكَ قَال أبو الفَتحِ اليَعمريُّ في " شَرحِ التِرمذيِّ " (١): إنَّهُ لو قَال قائَلٌ: إنَّ هَذا إنمَا اصطَلحَ عليهِ التِرمذيُّ في كتَابِه هَذا، ولَم يَنقلْهُ اصطِلاحاً عَاماً، كانَ لَه ذلِكَ))؛ فَعلى هَذا لا يُنقَلُ عَنِ التِرمذيِّ حدُّ الحَديثِ الحسَنِ بذلِكَ مُطلقاً في الاصطلاحِ العَام (٢))) (٣). وبخَطِّ بَعضِ أصحَابِنا أَنَّ شَيخَنا أَفادَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ لبَعضِ مشَايخِ التِرمذيِّ. قَولهُ: (ابن المواقِ) (٤)، أي: في كتَابهِ " بغيَةِ النُّقادِ " (٥) (٦). قَولهُ: (صِفةٌ لا تَخصُّ هَذا القِسمَ) (٧)، أي: الحَسنَ مِن حَيثُ هوَ حَسنٌ، لا (٨) يخصُّ هَذا القِسمَ الذي اندَرجَ تحتَ حَدِّ التِرمذيِّ.

стр. 215

قَولهُ: (وَلم يُشتَرط ذلِكَ في الصَحيحِ) (١) قَال الشَيخُ في " النُكتِ ": ((هَكذا اعتَرضَ أبو الفَتحِ عَلى ابنِ المواقِ بهذا في مُقدمَةِ شَرحِ الترمذيِّ (٢)، ثُم خالفَ ذلكَ في أثناءِ الشَرحِ عِندَ حَديثِ عَائشةَ ﵂ كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ : ((إذا خَرجَ مِنَ الخَلاءِ (٣))) (٤). قَولُهُ: (فَتأملْهُ) (٥) حَصلَ التَأمُّلُ، وَظهَر أَنَّ ابنَ سَيِّدِ النَّاسِ فَهِمَ مُرادَ التِرمذيِّ، وأَنَّهُ يشتَرِطُ في الحَسَنِ الذِي اعترضَ ابنُ المواقِ على حَدِّ مَجيئِهِ من وَجهٍ آخَرَ، وَهوَ الحَسنُ لِغيرهِ، وهوَ الذي يَقولُ فِيهِ التِرمذِيُّ: ((حَديثٌ حسَنٌ)) مِن غَيرِ وَصفٍ آخرَ، وَلا يشتَرِطُ ذَلِكَ في الحَسنِ لذاتِهِ، وَهو الذِي قَد يَصفهُ بكونِه صَحيحَاً، وبكونِه غَرِيباً، وَنحو ذلكَ، وَاللهُ أعلمُ.
следующие страницы →