← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الحياةُ - موجودٌ في كلٍّ من الإنسانِ والفرسِ مثلاً، على حدٍ سواءٍ، لا كذلكَ الضبطُ الذي في الصحيحِ والحسنِ، والقولُ فيهما كالقولِ في الواجبِ والمباحِ، فكما أنَّ منْ قالَ: إنَّ المباحَ جنسٌ للواجبِ، يقالُ له: يلزمكَ أنْ تقولَ: إنَّ النوعَ - وهوَ الواجبُ - يستلزمُ التخييرَ في فعلهِ وتركهِ، فكذلكَ يلزمُ من قالَ: إنَّ الحسنَ جنسٌ للصحيحِ، أنْ يقولَ: إنَّ النوعَ - وهو الصحيحُ --يستلزمُ وجودَ خفةِ الضبطِ في راويهِ، وكما أنَّهُ لما قالَ: ((هما مأذون في فعلهما واختصَّ الواجبُ بقيدٍ زائدٍ وهو أنَّهُ ممنوعٌ من تركهِ)) رُدَّ عليهِ: بأنَّهُ تَرَكَ فصلَ المباحِ، وهوَ أنَّهُ مأذونٌ في تركهِ، فكذلكَ من جعلَ الحسنَ جنساً للصحيحِ؛ لأنهما يشترطُ في راويهما الضبطُ. واختصَّ الصحيح باشتراطِ مزيدِ الضبطِ في الراوي، يردُ عليهِ: بأنَّهُ تركَ فصلَ الحسنِ، وهو اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ عن ضبطِ الصحيحِ، وكما أنَّ الواجبَ والمباحَ نوعانِ تحتَ الحكمِ، فكذلكَ الصحيحُ والحسنُ نوعانِ للمقبولِ، فإنَّهُ يشملهما؛ لأنَّهُ خبرٌ متصلُ السندِ بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثلهِ، أو عدولٍ يعضدُ بعضُهم بعضاً، غير شاذٍ ولا معللٍ، واللهُ أعلمُ. قال شيخنا: ((والترمذيُّ عرَّفَ الحسنَ لغيرهِ، وادّعاءُ ابنِ المواقِ (١) أنَّهُ لم يميزْ ممنوعٌ، فإنهُ ميّزهُ بشيئينِ: أحدهما: أنْ يكونَ راويهِ قاصراً عن درجةِ راوي

стр. 212

الصحيحِ، بل عن درجةِ راوي الحسنِ لذاته، وهو أنْ يكونَ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، فيدخلَ فيهِ المستورُ والمجهولُ، ونحو ذلكَ. وراوي الصحيحِ لا بدَّ وأنْ يكونَ ثقةً، وراوي الحسنِ لذاتهِ لا بدَّ وأنْ يكونَ / ٦١ ب / موصوفاً بالضبطِ، ولا يكفي كونهُ غيرَ متهمٍ بالكذبِ، وقد ذكرَ هذا ابنُ المواقِ في نفسِ اعتراضهِ بقولهِ: بل ثقاتٍ، ولم يُتنبهْ له، فإنَّ الترمذيَّ لم يعدلْ عن قوله: ((ثقات)) وهي كلمةٌ واحدة إلى قولهِ: ((لا يكونُ في إسنادهِ من يتهمُ بالكذبِ)) إلا لإرادةِ قصورِ رواتهِ عن وصفِ الثقةِ، كما هي عادةُ البلغاءِ في المخاطباتِ. والثاني: أنْ يُروَى من غيرِ وجهٍ نحوَهُ، وهذا الذي استدركهُ عليهِ ابنُ سيدِ الناسِ (١). قولهُ: (قال أبو عيسى الترمذيُّ) (٢) لم يبينِ ابنُ الصلاحِ من أينَ نقلَ هذا، فاعترضَ عليهِ الحافظ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ فقالَ - كما حكاه الشيخُ عنهُ في " النكتِ "- (٣): ((هذا إنْ كانَ قد رُويَ عنِ الترمذيِّ أنَّهُ قالهُ، ففي أي كتابٍ له قاله؟ وأين إسنادهُ عنهُ؟ وإنْ كانَ فُهمَ من اصطلاحهِ في كتابهِ "الجامعِ"، فليسَ ذلكَ بصحيحٍ! فإنَّه يقولُ في كثيرٍ منَ الأحاديثِ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ)) (٤). قال الشيخُ: ((وهذا الإنكارُ عجيبٌ، فإنَّهُ في آخرِ "العللِ" (٥) التي في آخرِ "الجامعِ"، وهيَ داخلةٌ في سماعنا، وسماعِ المنكرِ لذلكَ، وسماعِ الناسِ. نَعَم، ليست في رواية كثيرٍ من المغاربةِ، فإنَّهُ وقعت لهم روايةُ المباركِ ابنِ

стр. 213

عبدِ الجبارِ الصيرفيِّ (١)، وليست في روايتهِ عن أبي يعلى أحمدَ بنِ عبدِ الواحدِ (٢)، وليست في روايةِ أبي يعلى عن أبي علي (٣) السنجيِّ (٤)، وليست في روايةِ أبي عليٍّ، عن أبي العباسِ المحبوبيِّ (٥) صاحبِ الترمذيِّ، ولكنها في روايةِ عبدِ الجبارِ بنِ محمدٍ الجراحي (٦)، عن المحبوبيِّ، ثمَّ اتصلت عنهُ بالسماعِ إلى زماننا لمصرَ والشامِ، وغيرهما منَ البلادِ الإسلاميةِ /٦٢أ / ولكنِ استشكلَ أبو الفتحِ اليعمريُّ في " شرحِ الترمذيِّ " أنَّهُ لو قالَ قائلٌ: إنَّ هذا إنما اصطلحَ عليهِ الترمذيُّ (٧)، كون هذا

стр. 214

الحدِّ الذي ذكرهُ الترمذيُّ اصطلاحاً عاماً لأهل الحديثِ ... ثم سَاقَ عِبارتَه، ثمَّ قالَ: فقَيَّدَ التِرمذيُّ تَفسيرَ الحَسنِ بما ذَكرهُ في كتَابِ " الجَامعِ "، فَلذلكَ قَال أبو الفَتحِ اليَعمريُّ في " شَرحِ التِرمذيِّ " (١): إنَّهُ لو قَال قائَلٌ: إنَّ هَذا إنمَا اصطَلحَ عليهِ التِرمذيُّ في كتَابِه هَذا، ولَم يَنقلْهُ اصطِلاحاً عَاماً، كانَ لَه ذلِكَ))؛ فَعلى هَذا لا يُنقَلُ عَنِ التِرمذيِّ حدُّ الحَديثِ الحسَنِ بذلِكَ مُطلقاً في الاصطلاحِ العَام (٢))) (٣). وبخَطِّ بَعضِ أصحَابِنا أَنَّ شَيخَنا أَفادَ أَنَّ هذا الاصطلاحَ لبَعضِ مشَايخِ التِرمذيِّ. قَولهُ: (ابن المواقِ) (٤)، أي: في كتَابهِ " بغيَةِ النُّقادِ " (٥) (٦). قَولهُ: (صِفةٌ لا تَخصُّ هَذا القِسمَ) (٧)، أي: الحَسنَ مِن حَيثُ هوَ حَسنٌ، لا (٨) يخصُّ هَذا القِسمَ الذي اندَرجَ تحتَ حَدِّ التِرمذيِّ.

стр. 215

قَولهُ: (وَلم يُشتَرط ذلِكَ في الصَحيحِ) (١) قَال الشَيخُ في " النُكتِ ": ((هَكذا اعتَرضَ أبو الفَتحِ عَلى ابنِ المواقِ بهذا في مُقدمَةِ شَرحِ الترمذيِّ (٢)، ثُم خالفَ ذلكَ في أثناءِ الشَرحِ عِندَ حَديثِ عَائشةَ ﵂ كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ : ((إذا خَرجَ مِنَ الخَلاءِ (٣))) (٤). قَولُهُ: (فَتأملْهُ) (٥) حَصلَ التَأمُّلُ، وَظهَر أَنَّ ابنَ سَيِّدِ النَّاسِ فَهِمَ مُرادَ التِرمذيِّ، وأَنَّهُ يشتَرِطُ في الحَسَنِ الذِي اعترضَ ابنُ المواقِ على حَدِّ مَجيئِهِ من وَجهٍ آخَرَ، وَهوَ الحَسنُ لِغيرهِ، وهوَ الذي يَقولُ فِيهِ التِرمذِيُّ: ((حَديثٌ حسَنٌ)) مِن غَيرِ وَصفٍ آخرَ، وَلا يشتَرِطُ ذَلِكَ في الحَسنِ لذاتِهِ، وَهو الذِي قَد يَصفهُ بكونِه صَحيحَاً، وبكونِه غَرِيباً، وَنحو ذلكَ، وَاللهُ أعلمُ.

стр. 216

قَولهُ: (وَهوَ إيرادٌ على التِرمذيِّ) (١) إلى آخرِهِ / ٦٢ب/ جَوابُ ابنِ سَيّدِ النَّاسِ هوَ المعتَمدُ، فإنَّهُ إذا حَسَّنَ الفردَ، أرادَ الحسَنَ لذاتِهِ، وإذا حَسَّنَ المعتضد فَإنما حَسنهُ لمجمُوعِ الطُرقِ، فَهوَ الحسَنُ لغيرِه. حَديثُ ((إذا خَرجَ مِنَ الخَلاءِ)) أخرجه مَع التِرمذِيِّ أصحَابُ السُننِ الثَلاثَةِ (٢). قَولُهُ: (وأجَابَ أبو الفَتحِ) (٣)، أي: في شَرحهِ للتِرمذيِّ، وقال: ((الغَريبُ على أقَسامٍ: غَريبٌ سَنداً وَمتنَاً، وَمتناً لا سَنداً، وسنَداً لا متناً، وغريبُ (٤) بَعضِ السَندِ فَقط، وغريبُ بَعضِ المتنِ فَقط، وكلُّها قد ترتقي إلى درجةِ الصحَةِ - إنْ نَهضَ (٥) راويهَا بما حمَل - أو تنحطُّ عَن ذلكَ بحَسبِ انحطاطِهِ، وَليسَ فِيهَا مَا يقبل الحسنَ منفرِداً بهِ (٦) إلا الغَريبُ سَنداً، لا متناً، إذا سَلِمَ راويهِ منَ الانحطاطِ عَن درجِة الحَسنِ، وَسَواءٌ قُيدَتْ غَرابتهُ بَراوٍ مُعينٍ، كَقولهِ: غَريبٌ مِن حَديثِ فلانٍ عن فلانٍ، لا نعرفهُ إلا مِن هَذا الوَجهِ، أو لَم يقيدْ)) - أي: فإنَّ المتنَ يَكونُ قَد رُويَ مِن وَجهٍ آخرَ يجبرُ ما في السَندِ مِن الوَهنِ (٧) - قالَ: ((وأمّا غَرابةُ بَعضِ

стр. 217

المتنِ - وَهيَ الزِيادةُ المتَصِلَةُ بِالحَديثِ - فلا يتَأتى فِيهَا التَحسِينُ؛ لأنَّ غرابتَها رَاجِعةٌ إلى المتنِ))، أي: وَقد فرضنَا أنَّهُ ما رُويَ إلا مِن وَجهٍ واحِدٍ، فلا تتَأتَى إرادةُ التِرمذيِّ لَه -قَال (١): ((فَقد تبيّنَ أَنَّ الغَريبَ قَد يَقبلُ الوصفَ بِالصحَةِ، أو بالحسنِ، أو بهمَا مَعاً عَلى ما تقَدمَ، وَكما يأتِي عَندهُ (٢) أيَضاً، أَو لا يقبلُ الوَصفَ بواحِدٍ مِنهمَا، فلا يورَدُ على الغَريبِ الموصُوفِ بوصفٍ آخرَ (٣) إلا مَن وَجدهُ مَوصُوفاً بهِ في القِسمِ الذِي يمتَنِعُ وَصفُه بهِ، كَما بينَاه (٤) / ٦٣ أ / وَما أَخَالهُ (٥) يجدهُ)) (٦)، وَاللهُ أعلمُ (٧). قَولُه: (لَيس مَضبوطاً) (٨) رُبَّمَا يعتني بابنِ الجَوزيِّ بمثلِ ما اعتَنى بالخَطَّابِيِّ، ويقَالُ: بل هوَ مَضبوطٌ؛ إنْ كانَ عرف الصَحيحَ والضَعيفَ بِالحَيثيةِ، وَهيَ: أَنَّ ضَعفَهُ بالنِسبةِ إلى الصَحيحِ، واحتمالُه بالنسَبةِ إلى الضَعيفِ، أي: فَيكونُ متوسِطاً بينَهما، لا يَعلو إلى رتبةِ الصَحيحِ؛ لِما فيهِ مِن الضَعفِ، وَلا ينحَطُّ إلى رتبةِ الضَعيفِ؛ لما فِيهِ مِن قلةِ الضَعفِ، ويؤيدُ ذلِكَ أَنَّهُ قالَ عَقبَ ما نُقِلَ عنهُ: ((ويَصلحُ

стр. 218

للعملِ بهِ)) (١) فَوصفَهُ بِوصفٍ هَو بَينَ بَينَ؛ فإنَّ الصَحيحَ يوصَفُ بأنَّه يَجبُ العَملُ بهِ، والضَعيفُ أعلى ما يقالُ فيهِ: يُعملُ بهِ في الفَضائلِ، لا مطلَقاً (٢)، واللهُ أعلَمُ. قَولُه: (وليسَ في كَلام اِلتِرمذيِّ والخَطَّابي) (٣) إلى آخرهِ، بل فيهِ ما يميزُ؛ لأنَّ الحسَنَ نَوعانِ، وكلُّ واحِدٍ منهمَا عَرفَ نَوعاً، كما سَيأتي في كَلامِ ابنِ الصَلاحِ في المقَولةِ الآتِيةِ. قَولُه: (وَما بكلِ قَولٍ) (٤) إلى آخرِه، إنْ قُدِرَ النَظمُ هَكذَا، احتَملَ أنْ يكونَ الحَدُّ حصلَ بالمجَموعِ؛ لأنَّ نفيَ حُصولِ الحَدِّ بكلِّ وَاحدٍ لا ينفِي حُصولَهُ بِالمجموعِ، وَالكلامُ صَحِيحٌ على هَذا التَقديرِ، فَإنَّ الحدَّ لنوعي الحسن لم يَحصلْ بكلِ واحدٍ، وَإنما حصَل باثنينِ منَ الحُدودِ، أي: لم يَحصل بكلِ واحدٍ منهمَا، بل حصَلَ بكليهِمَا، وَإنْ جَعلَ تقدِيرَ النَظمِ، ومَا بمَجموع (٥) هذِه الحُدودِ حصلَ حَداً تنفي أنْ يحصلَ الحَدُّ بواحدٍ منهمَا مِن بابِ الأَولى، إلا أنْ يقالَ: إنَّما نفى حُصولَهُ بِالمجَموعِ مِن حيثُ هو مَجموعٌ. قَولهُ: (وزادَ كونه ما عللا) (٦) إلى آخره، نَفيُ العِلة، والنكارةِ / ٦٣ ب / زَيادةٌ على كُلٍ منهمَا، وَنفيُ الشُذوذِ يَختصُّ بالخَطَّابي، فإنَّ التِرمذيَّ شَرَطَ نفيَهُ

стр. 219

في (١) نفَسِ حَدهِ. قالَ: وليسَت هذهِ الزيادةُ ضروريةً، بِحيثُ يخَتلُّ الكَلامُ بدونِها، بل غايتُهَا أنْ تكونَ شَرحاً؛ لأنَّ قولَ الخَطابيِّ: ((ما عُرفَ مخرجُهُ)) يُخرِجُ المْعلَّلَ فإنَّهُ لم يُعرفْ مَخرجُه، والشَاذُّ قِسمٌ من أقسَامِ المعلَلِ، والمنكرُ مُعللٌ على كلِّ حالٍ، أمّا عندَ مَن يسوِي بينهُ وبينَ الشَاذِّ كابنِ الصَلاحِ، فَالقولُ فِيهِ كَالقولِ فيهِ. وَأمَّا عندَ مَن يشترِطُ أن تكونَ المخالَفةُ وقَعت بينَ ضَعيفَينِ، أحدُهمَا أقوى منَ الآخرِ فَكذلكَ؛ لأنَّهُ مَعلولٌ، وأيضاً فإنَّهُ يَخرجُ بقولِهِ: ((وَاشتَهر رجالُهُ)). وَأمَّا بِالنسبةِ إلى كَلامِ الترمذِيِّ فإنَّهُ احتَرزَ عَنِ الشَاذِّ والمنكَرِ مثلهُ، وَالمعلولُ بعلَّةٍ غير الشُذوذِ والنكارةِ مما يَدخلُ في حَدِّ الترمذِيِّ: مِن المرسَلِ والمنقَطعِ، ونحوهِمَا، إذا اعتضَد قَويَ. قَولُه: (قسمَانِ: أحدُهما) (٢) إلى آخرِه، اعترضَ عليهِ الشَيخُ تَقيُّ الدينِ ابنُ دَقيقِ العِيدِ في " الاقتراح " (٣) إجمالاً، فَقالَ بعدَ أنْ حَكَى كلامَهُ: ((وَعليهِ فيهِ مؤاخَذاتٌ ومنَاقشَاتٌ)). نقَل ذلكَ الشَيخُ في " النُكتِ " (٤)، ثُمَّ قالَ: ((وقَالَ بَعضُ المتأخرِينَ (٥): يردُ على القِسمِ الأَولِ المنقطِعُ والمرسَلُ الذي في رجالِهِ مَستورٌ،

стр. 220

ورُويَ مِثله أو نَحوهُ مِن وجهٍ آخرَ، وَيردُ على الثَاني المرسَلُ الذي اشتهَر رَاويهِ بما ذُكرَ. قَال: فالأحسن أن يقالَ الحسَن: ما في إسنادِهِ المتصل مستورٌ، لهَ به شَاهِد، أو مشهور قَاصِر عن دَرجةِ الاتقانِ، وَخلا مِن /٦٤أ / العلةِ والشُذوذِ)). انتهَى. وَعندِي أَنَّهُ لا يردُ عليهِ (١) شَيءٌ؛ لأنَّهُ لم يسلُك بما ذكرَ مَسلكَ التعريفِ، وَإنما بَيَّنَ القدرَ الذِي نزلَ بهِ الحسَنُ عَن درجةِ الصَحيحِ (٢)، وجَعلهُ شَرحاً لكَلامِ الترمذِيِّ والخَطّابيِّ. وَالترمذيُّ قد حَكمَ على ما عَرفَ بهِ بأنَّهُ لا يكونُ في إسنادِه مَن يتهمُ بالكَذبِ، وهَذا فرعُ معرِفةِ الاتصَالِ، فالسَاقِط فِي المنَقطعِ والمرسَلِ لا يَسوغُ الحكمُ عليهِ بتُهمَةٍ بكذبٍ.، وَلا عَدمِها؛ لأنَّ الحكمَ على الشَيء فَرعُ تَصورِهِ، وَالخطَّابيُ اشترطَ مَعرِفةَ المَخرجِ، والمرسَلُ لَم يُعرفْ (٣) مَخرجُه، وَاللهُ أعلَمُ (٤). قَولُه: (ويعتبرُ في كُلِّ هذا مع سَلامتهِ) (٥) إلى آخرِه، شَرحٌ لكَلامِ الخَطَّابيِّ، وَقد تَقدمَ ما فيهِ. وَاعلمْ أَنَّهُ كانَ ينبغِي لَهُ (٦) أنْ يُقدِّمَ الكَلامَ على حَدِّ الخَطَّابيِّ مِن وجوهٍ: مِنهَا: أَنَّهُ قدّمَ ذكرَهُ في المقولَةِ التي قَبلهَا.

стр. 221

ومنهَا: أَنَّهُ هوَ الحَسنُ لذاتِهِ. ومنهَا: أنّ بعضَ أهلِ الحَديثِ يُسميهِ صَحيحَاً. قَولُه: (مُقتصِراً كلُّ واحدٍ مِنهمَا) (١) إلى آخرِه، لا نُسلِّمُ ذلكَ، أَمَّا الخَطابيُّ فإنَّهُ قَصدَ إلى ذِكرِ كُلٍّ من الصَحيحِ والحسَنِ بالأصَالةِ، وَغايتُه: أَنَّهُ سَكتَ عمَّا عداهما، فلا يُنسبُ إلى غفلَةٍ، ولا إشكالٍ، وَربمَا لا يوافِقُ على تَسميةِ الحسَنِ لغيرِه حسَنَاً (٢)؛ لأنَّهُ بالنظرِ إلى ذاتِه ضَعيفٌ، وإنَّما يوصَفُ بالحسَنِ في المآلِ، وكذا الكَلامُ على تَركهِ، وتركِ غَيرِه حَد الصَحيحِ لِغَيرهِ. وأمَّا الترمذيُّ: فلا ينسبُ إلى الغَفلةِ؛ لأنَّهُ يستَعملُ الحسَنَ لذاتِه في المواضِع التي يَقولُ فيهَا: ((حَسنٌ غريبٌ)) ونحو ذلِكَ، ويمكنُ أنْ يدّعيَ فيهِ: أَنَّهُ عَرف مَا رأى أَنَّه مشكلٌ؛ لأنَّهُ يخرِّجُ الحدِيثَ أَحياناً، ويقولُ: ((فلانٌ ضَعيفٌ)) لشَخصٍ في سَندهِ، ثمَّ يقولُ: ((هَذا حَديثٌ حسَنٌ)) فَخشِيَ أنْ يشكلَ / ٦٤ ب / ذلكَ على النَاظِر، فَيعترِضَ عَليهِ (٣) بأنَّهُ يُحسِّنُ ما يصرحُ بضَعفِ راويهِ، أوِ انقطَاعِهِ، ونحوِ ذَلكَ، فَعرَّفَهُ أَنَّهُ إِنما حَسَّنهُ لكونِهِ اعتَضدَ بتعددِ طُرقِهِ. قَولُه: (مَصدرُ أمعنَ مِن قَولِ الفقهَاءِ) (٤) كَانَ ينبغِي أَنْ يَقوُلَ: وِمنهُ قولُ الفقهَاءِ؛ لأنَّ المرجِعَ كَلامُ العَربِ، لا قَولُ الفقهَاءِ، قلتُ: وأقربُ ممَّا ذكرهُ أنْ يكونَ منَ الإطالةِ والإكثَارِ. قَالَ في " القاموسِ ": ((المعنُ: الطويلُ وَالكَثيرُ، فَمعنى أَمعنتُ النَظرَ: أطلتُهُ، وأكثرتُه، أي: استَقصيتُ فِيهِ، وبالَغتُ جِداً،

стр. 222

وَاللهُ أعلَمُ)) (١). وَقالَ الشّيخُ في " النُكتِ ": ((وَقد أنكرَ بَعضُ العُلماءِ المتأخرِينَ لفظَ الإمعانِ، وَقالَ: إنَّه ليسَ عَربياً، وكذلِكَ قَولُ الفقهَاءِ في التَيمُمِ: أَمعنَ في الطَلبِ، ونحو ذلكَ، وَقد نَظرتُ في ذلِكَ، فَوجدتُه مأخُوذاً مِن أمعنَ الفَرسُ في عَدْوِهِ، أو مِن أمعنَ الماءُ، إذا استنبطَهُ وأخرجَهُ، وَقد حَكَى الأزهرِيُّ في " تَهذيبِ اللغَةِ " (٢) عنِ الليثِ بنِ المظَفرِ: أمعنَ الفَرسُ، وَغيرُه: إذا تَباعدَ في عدوهِ، وَكذا قالَ الجَوهريُّ في "الصحَاحِ"، (٣) وَحكَى الأزهرِيُّ أيضاً: أمعنَ الماءَ إذا أَجراهُ، ويحتَملُ أَنَّهُ مِن أمعنَ إذا أكثرَ، وهو مِنَ الأضدادِ. قال أبو عَمرٍو: المعنُ القَليلُ، وَالمعنُ الكثيرُ، وَالمعنُ الطويلُ، وَالمعنُ القَصيرُ، وَالمعنُ الإقرارُ بالحقِ، وَالمعنُ الجُحودُ والكفرُ للنِّعَمِ، والمعنُ الماءُ الظاهرُ)) (٤). انتهَى. قلتُ: وَمادتُه - بأي تَرتيبٍ كانَ - تدورُ على المعنِ بمعنى المطَرِ والماءِ، وَتارةً يَكونُ كَثيراً، وَيجرِي فيتبَاعدُ، وتارةً يكونُ قَليلاً، وتارةً يكونُ سَهلاً يَسيراً. وهو في نَفسهِ خَيرٌ، ومنهُ / ٦٥أ / المعروفُ، وتارةً يعترفُ بهِ، فَيوجبُ الانقيادَ، وتارةً يجحَدُ، وتارةً يَمنعُ، وتارةً يبدلُ، وَيلزمُه النِعمة، فَينشأُ عَنها العِزُّ، وَالمنعةُ (٥)، وَالنقمَةُ، وَالخضرةُ، والسَوادُ، فتشبَّهُ به الظُلمةُ، وَاللهُ الموفِقُ (٦).

стр. 223

وقَولُه: (فَفي التَهذيبِ) (١)، أي: للأزهري (٢). قَولُهُ: (وَالفقهَاءُ) (٣) هَذا بقيةُ كَلامِ الخَطَّابي في الحَدِّ المتقدّمِ، وَفصلُه عَنه فدلَّ على أَنَّهُ فَهِم (٤) أنَّهُ ليسَ مِن تمامِ الحَدِّ، بل موضحٌ لَه، وَهو كذلِكَ. قَولُه: (العلمَاء) (٥) أَعمُّ مِن الفقهَاءِ؛ فَيشملُ المحدِّثينَ، وَالأُصوليينَ وَغيرَهُم، وَإنما خَصَّهُ بجلِّهِم؛ لأنَّ مِن أهلِ الحَديثِ مَن شَدّدَ، فَردَّ بكلِّ عِلةٍ، سَواءٌ كَانت قادِحةً أَم لا، فقد رُوِيَ عن ابنِ أبي حَاتِمٍ: أنَّه قال: سَألتُ أبي عَن حَديثٍ، فقالَ: إسنَادُهُ حَسنٌ، فَقلتُ: يُحتجُّ بهِ؟ فَقالَ: لا. وَقولُه: (يستَعملُه) (٦)، أي: يعمَلُ بهِ، فالاستعمالُ أخصُّ مِنَ القبول. قَولهُ: (يتقاصَرُ) (٧) عِبارةُ ابنِ الصَلاحِ: ((يتقاصَرُ عنِ الصَحيحِ (٨) في أَنَّ الصَحيحَ مِن شَرطِه: أَنْ يكونَ جَميعُ رواتِه قد ثَبتت عَدالتُهم، وضَبطُهم، وإتقانهُم؛ إمَّا بالنَقلِ الصَريحِ، أو بطريقِ الاستفَاضَةِ على ما سَنُبينُه إنْ شَاءَ اللهُ تعالى - أي: فِيمَن تقبلُ

стр. 224

روايتُه، وَمَن تُردُّ- (١) - وذلِكَ غَيرُ مُشتَرطٍ في الحَسنِ؛ فَإنَّهُ يُكتفَى فيهِ بما سَبقَ ذكرُه مِن مَجيءِ الحَديثِ مِن وجوهٍ، وغير ذلكَ ممَّا تَقدّمَ شَرحُه، وإذا استَبعدَ ... )) (٢) إلى آخرِه (٣)، قَال الشّيخُ في " النُكتِ ": ((اعتُرِضَ علَيهِ بأنَّ جَميعَ رُواةِ الصَحيحِ لا توجَدُ فِيهِم هَذهِ الشُروطُ إلا في النزرِ اليسيرِ، قَال: والجَوابُ: أَنَّ العَدالةَ تَثبت إمَّا بالتَنصيصِ عَليهَا، كالمصَرحِ بتوثِيقهِم، وهم كَثيرونَ، أو بتَخرِيجِ / ٦٥ب / مَن التَزمَ الصَحةَ في كتَابٍ (٤) لَه، فَالعدالةُ أيضَاً تَثبتُ بذلِكَ، وَكذلكَ الضَبطُ والإتقَانُ دَرجاتُه متَفاوتةٌ، فلا يُشتَرطُ أعلى وُجوهِ الضَبطِ كَمالكٍ وَشعبةَ، بلِ المرادُ بالضَبطِ أَنْ لا يكونَ مُغفَلاً كثِيرَ الغَلطِ، وذلِكَ بأنْ يعتبرَ حَديثُه بحَديثِ أَهلِ الضَبطِ والإتقَانِ، فَإنْ وافقَهم غَالباً فَهوَ ضَابطٌ، كمَا ذَكرهُ المصنِّفُ في المسأَلةِ الثَانيةِ مِن النَوعِ الثَالثِ والعشرينَ (٥) - يَعني: مَن تُقبلُ روايتُه، ومَن تُردُّ (٦) - وَإذا كانَ كذلكَ فَلا مانعَ مِن وجودِ هَذهِ الصِفَاتِ في رواةِ صَحيحِ الأحَاديثِ)) (٧). وَقَولُه: في الحسَنِ: (يُكتفَى فيهِ بما سَبقَ ذكرُه مِن مَجيءِ الحَديثِ مِن وجوهٍ) (٨) فيهِ نَظرٌ؛ إذ لَم يُسبقِ اشتِراطُ مَجيئهِ مِن وجوهٍ، بل مِن غَيرِ وَجهٍ، كما

стр. 225

سَبقَ ذلكَ في كَلامِ التِرمذِي، وَعلى هَذا مَجيئهُ مِن وجهَينِ كَافٍ في حَدِّ الحسَنِ، واللهُ أعلَم. انتهى. (١) وَسَيأتي في شَرحِ قَولهِ: (طُرقٍ أخرى) (٢) وُقوعهُ فيما اعترضَ بهِ هنا على ابنِ الصلاحِ، على أنَّهُ لا اعتراضَ هنا على ابنِ الصلاحِ بالنسبةِ إلى كلامِ شرحِ الترمذيِّ؛ فإنَّ الذي في كلامهِ أنَّ الحسنَ لغيرهِ يُروَى منْ وجوهٍ أقلها ثلاثةٌ: المعضود منْ وجهٍ، والعاضدُ الذي يكونُ نحوَهُ يُروَى منْ غيرِ وجهٍ منْ وجهينِ فأكثرَ، أضممت طريقي عاضدٍ إلى طريقِ المعضودِ، وكانتْ ثلاثة، لكنهُ مخالفٌ لنصِّ الشّافعيِّ في المرسلِ، فإنَّهُ صرَّحَ بأنَّهُ يُكتفَى فيهِ بوجهٍ واحدٍ يعضدهُ (٣) (٤). قَولُه: (ومِن أهلِ الحَديثِ مَن لا يفردُ نوعَ الحسَنِ) (٥)، أي: بَل يجعَلُ الحَديثَ قِسمَينِ: مَقبولاً، ومَردوداً، ويُسمِّي المقبولَ صَحيحَاً، لأنَّه كُلَّه محتجٌ بهِ، والمردودَ ضَعيفَاً، وَكما أَنَّ الضَعيفَ أنواعٌ، فَكذلكَ الصَحِيحُ بَعضُه أصَحُّ مِن بَعضٍ. قَولهُ: (وهو الظَاهِرُ مِن كَلامِ الحَاكِمِ) (٦) قَال شَيخُنا: ((وكذلِكَ شَيخُه ابنُ حِبانَ، وَشيخُ ابنِ حبانَ ابنُ خُزيمَةَ)).

стр. 226

قَولُه: (فَإنْ يقل يحتجُّ بالضَعيفِ) (١) هذا إيرادٌ على القَولِ بالاحتجَاجِ بالحسَنِ، كأنَّه قيلَ: أنتمُ احتجَجتُم بِالحسَنِ، وَقد قُلتُم: إنَّهُ نَوعانِ: حَسنٌ لذاتِه، وَلا إشكالَ عَليهِ، وَحسَنٌ لغيرِه، وَهوَ / ٦٦ أ / مَا يكونُ في إسنادِه من ضَعفٍ بالجهَالةِ، أو سُوء الحفظِ، وَنحوِ ذلكَ، ويعتضدُ بمجيئهِ مِن وجهٍ آخرَ، ولو كانَ الوجهُ الآخَرُ مُسَاوياً للأَولِ في الضَعفِ؛ وَعلى هذا يَلزمُ الاحتجَاجُ بالضَعيفِ، أمَّا الطَريقُ الأُولى، فالأمرُ فيهَا وَاضِحٌ، وأمَّا الثانِيةُ فَعلى تَقديرِ كَونِها مُساويةً للأُولى، فَحينئذٍ ضعيفٌ انضَمَّ إلى ضَعيفٍ. قلنا (٢): مُسلَّمٌ، وَلكنْ ضعيفَانِ يغلبان قوياً، والقوةُ جَاءت مِن الصُورةِ المجموعَةِ. وَأيضاً فإنَّا مَا ردَدنا المستُورَ لضَعفِه، بل لاحتمالِ ضَعفِه، وَعدمِ تحقُقِ صفَةِ الضَبطِ فيهِ، ولا رَدَدنا سَيِّءَ الحِفظِ؛ لأَنَّه لم يَحفظْ؛ بل لاحتمَالِ أَنَّهُ لَم يَحفَظ، فإذا اعتضَد بمَجيئِهِ مِن طريقٍ أخرى، ولو كانَ راويهَا في دَرجتِهِ غلبَ على الظَنِّ أَنَّهُ حفظَ، والعبرةُ في هَذا العلمِ بالظنِّ، وَأحسَنُ ما يدفَع بهِ هذا الإيرادَ المتواترُ، فإنَّه يُفيدُ (٣) القَطعَ مع أَنَّهُ آحادٌ انضمَت، وَربمَا كانَ كلٌ مِن أفرادِه في غَايةِ الضَعفِ. قَولُه: (مِن هَذهِ البُيوتِ) (٤) أصلَحهُ الشَيخُ فقالَ: ((الأبيَات))؛ لِكَونهِ جَمع قلةٍ، فَإنَّهُ مِن الثلاثَةِ إلى العَشرةِ (٥)، وكَذا غيَّرَ قولَهُ فيمَا يَأتي: (بل ذلِكَ مُتفاوتٌ)

стр. 227

فقالَ: (يختَلفُ) (١) نَقلَ هَذا شيخُنا الحافِظُ برهانُ الدِّينِ الحَلَبيُّ (٢) (٣). قَولُه: (مِنَ الفقهَاءِ الشَافِعيةِ) (٤) إنما خَصَّهُ بالشَافِعيةِ؛ لأنَّ غيرَهُم يحتَجُّ بالمرسَلِ مُطلَقاً، أو يردُّ مطلَقاً، والشافعيُّ لا يحتجُّ بهِ إلا إذا انضمَّ إليهِ مرسلٌ أو مسندٌ، فكما أَنَّ الانضمامَ هنا أفادَ، فكذلكَ في خبرِ المستورِ (٥). وغايةُ هذا: أَنَّهُ إلزامٌ للشافعيةِ، وأمّا الحجةُ (٦) العامةُ لهم ولغيرهم فهيَ ما تقدّمَ / ٦٦ ب / آنفاً، وإليهِ أشَارَ بقولهِ: (بأنْ يكونَ ضعفهُ ناشئاً من ضعفِ حفظهِ) (٧) إلى آخرِ كلامهِ. وقَوله: (جاء نحوه مسنداً) (٨) اعترضَ بأنَّ الاحتجاجَ حينئذٍ بالمسندِ، وأجابَ الإمامُ فخرُ الدينِ في " المحصُولِ " (٩): بأنَّ المرادَ مسندٌ لا يقومُ بهِ لوِ انفردَ حجةٌ، وبهذا يجابُ عن قولِ ابنِ الحاجبِ، وعلى الثاني، أي: واعترض على قولِ منِ احتجَّ بالمرسلِ عندَ اعتضاده بالمسندِ، بأنَّ الاحتجاجَ حينئذٍ بالمسندِ، قالَ: وهوَ

стр. 228

واردٌ، فقد وضحَ بكلامِ الفخرِ عدمُ ورودهِ. وأجابَ غيرُ الإمامِ فخرِ الدينِ بأنَّ ثمرتهُ تظهرُ عندَ ما لو عارضهُ مسندٌ مثلهُ فردٌ (١)، فإنا نرجحُ هذا المسندَ الذي عاضده المرسلُ، فيصيرُ تقديرُ كلامِ الشّافعي حينئذٍ (٢) بأنْ يقالَ: المرسلُ إذا عضدهُ مسندٌ، فإنْ كانَ صالحاً للاحتجاجِ بهِ وحدهُ ظهرتِ الثمرةُ عندَ الترجيحِ، وإنْ كانَ لا تقومُ بهِ حجةٌ لوِ انفردَ، فهوَ الذي يعضده (٣) المرسل مطلقاً، ويرتقي كلٌّ منهما بالآخرِ إلى درجةِ الاحتجاجِ بهِ. قال شيخُنا: ((لكنْ كلامُ الشّافعي ربما يأتي شمولُ العاضدِ المسندَ للضعيفِ، فإنَّه قالَ - كما ذكرهُ الشيخُ عندَ قولهِ: ((لكنْ إذا صحَّ لنا مخرجهُ)) - ما نصهُ : ((والمنقطعُ مختلفٌ فمن شاهدَ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ منَ التابعينَ، فحدّثَ حديثاً منقطعاً ... )) إلى أَنْ قالَ: ((فإن شَركَهُ الحفّاظُ المأمونونَ، فأَسندوهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بمثلِ معنى (٤) ما رَوَى .. )) (٥) إلى آخرهِ. فقولهُ: ((الحفّاظُ المأمونونَ)) يخرجُ الإسنادَ الضعيفَ / ٦٧ أ /؛ لأنَّ الحفاظَ المأمونينَ إذا شركوا التابعيَّ الذي أرسل كانوا أيضاً تابعينَ. قلتُ: وفيهِ نظرٌ؛ لجوازِ أَنْ يرويَ المأمونونَ من التابعينَ عن تابعينَ ضعافٍ، فيكونُ السندُ الموصولُ ضعيفاً؛ لضعفِ من بعد المأمونينَ.

стр. 229

واعترضَ الشّيخُ في " النكتِ " على ابنِ الصلاحِ، من حيثُ إنَّهُ لم يقيد التابعيَّ، والشّافعيُّ قيدهُ بالكبارِ منهم كما سيأتي نقلُ ذلكَ عنهُ في بحثِ المرسلِ. قالَ: ((فإطلاقُ الشيخِ النقلَ عن الشّافعيّ ليسَ بجيدٍ، وقد تبعهُ على ذلكَ الشيخُ محيي الدينِ في عامةِ كتبهِ، ثمَّ تنبهَ لذلكَ في شرحِ " الوسيطِ " المسمى بـ" التنقيحِ "، وهو من آخرِ تصانيفهِ، فقالَ فيهِ: وأما الحديثُ المرسلُ فليسَ بحجةٍ عندَنا، إلا أنَّ الشافعيَّ قال: ((يجوزُ الاحتجاجُ بمرسلِ الكبارِ منَ التابعينَ، بشرطِ أنْ يعتضدَ بأحدِ أمورٍ أربعةٍ ... )) فذكرها. (١) وقولُ النوويِّ هنا: يجوزُ الاحتجاجُ، أخذهُ من عبارةِ الشافعي في قولهِ: ((أحببنا أنْ نقبلَ مرسلهُ)) (٢)، وقد قالَ البيهقيُّ في "المدخلِ": ((إنَّ قولَ الشافعي: ((أحببنا)) أرادَ بهِ اخترنا)) (٣). انتهى. - قالَ -: وعلى هذا، فلا يلزمُ أنْ يكونَ الاحتجاجُ بهِ جائزاً فقط، بل يقالُ: اختارَ الشّافعيُّ الاحتجاجَ بالمرسلِ الموصوفِ بمَا ذكرَ، أمّا كونه على سبيلِ الجوازِ، أو الوجوبِ، فلا يدلُّ عليهِ كلامهُ، واللهُ أعلمُ (٤))) (٥). قوله: (من أخذَ العلمَ عن غيرِ رجالِ التابعيِّ الأولِ) (٦)، أي: فلو جاءَ مرسلٌ آخرُ بنحوهِ، أرسله مَن أخذَ العلمَ عن رجالِ هذا التابعيِّ، لم يكنْ عاضداً؛

стр. 230

لأنَّهُ يطرقهُ احتمالُ أنْ تكونَ تسميته غيرَ ذلكَ / ٦٧ ب / التابعي من قبيلِ الاضطرابِ والاختلافِ منَ الرواةِ، فإذا كانَ الذي أرسلَ لم يأخذْ عن أصحابِ هذا التابعي لم يجىءْ هذا الاحتمالُ. قالَ شيخُنا: ((وهذا كلامُ (١) منْ طالتْ ممارستهُ لهذا الفنِّ، وكَثُرَ استعمالُه إياهُ، ودامَ تصرفُه في أنواعِ فنونه، حتى صار مالكَ قيادهِ، وجهبذَ نقادهِ. قالَ: ومثالُ ذلكَ أنْ يرويَ عقيلٌ، عنِ الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن النبي ﷺ حديثاً، ويرويهِ بعينهِ أو معناهُ يونسُ، عنِ الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، عنِ النبيِّ ﷺ ، فلا يكونُ هذا عاضداً لذلكَ المروي عن سعيدٍ؛ لاحتمالِ اختلافِ الرواةِ على الزهريِّ، وأنْ يكونَ الزهريُّ إنما رواهُ من إحدى الطريقينِ فقط، فلو رواهُ أحدٌ من الرواةِ عنِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عددناه عاضداً؛ لابتعادِ (٢) احتمالِ الاختلافِ على مَن أخذَ العلمَ عن رجالِ التابعيِّ الأولِ، وهم رواةُ الزهريِّ الآخذِ عن سعيدٍ. هكذا قالَ شيخُنا، والذي يظهرُ لي أَنَّهُ الأقربُ إلى مرادِ الشافعيِّ أَنْ يحملَ الرجالَ على الشيوخِ، فيكونَ المعنى: أرسلهُ مَن أخذَ العلمَ عن غيرِ شيوخِ التابعيِّ الأَولِ؛ لأنَّهُ ربما كانَ الساقطُ من المرسلِ الأولِ تابعياً ضعيفاً، فإذا أرسله هذا الثاني الذي لم يروِ عن أحدٍ من شيوخِ الأولِ، علمَ أَنَّ شيخه فيهِ غيرُ شيخِ الأولِ، فعلمَ أَنَّهُ وجهٌ آخرُ. قولُه: (من وجهٍ آخرَ) (٣) قال (٤) بعده: ((وذكرنا له أيضاً ما حكاه الإمامُ أبو المظفرِ السمعانيُّ، وغيرُه عن بعضِ أصحابِ الشافعيِّ، من أَنَّهُ تقبلُ روايةُ

стр. 231

المستورِ / ٦٨أ / وإنْ لم تقبل شهادةُ المستورِ (١)؛ ولذلكَ وجهٌ متجهٌ، كيفَ وإنا لم نكتفِ في الحديثِ الحسنِ بمجردِ روايةِ المستورِ على ما سبقَ آنفاً، واللهُ أعلمُ)) (٢). قولُه: (ثم قال في جوابِ سؤالٍ آخرَ) (٣) الضميرُ في ((قالَ)) لابن الصلاحِ، وصدرُ ذلكَ السؤال: ((لعلَ الباحثَ الفهمَ يقولُ: إنا نجدُ أحاديثَ محكوماً بضعفها، مع كونها قد رُوِيَتْ بأسانيدَ كثيرةٍ من وجوهٍ عديدةٍ، مثلَ حديثِ: ((الأذنانِ منَ الرأسِ)) (٤) ونحوهِ، فهلاَّ جعلتُم ذلكَ وأمثالهُ من نوعِ الحسنِ؟ لأنَّ

стр. 232

بعضَ ذلكَ عضدَ بعضاً كما قلتم في نوعِ الحسنِ على ما سبقَ آنفاً، وجوابُ ذلكَ: أَنَّه ليسَ كلُّ ضعيفٍ ... )) (١) إلى آخرهِ. قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((اعتُرضَ عليهِ بأنَّ هذا الحديثَ رواهُ ابنُ حبانَ في "صحيحهِ"، والجوابُ: أنَّ ابنَ حبانَ أخرجهُ من روايةِ شهرِ بنِ حوشب، عن أبي أمامةَ (٢)، وشهرٌ ضعفهُ الجمهورُ (٣) ومعَ هذا فهوَ من قولِ أبي أمامة موقوفاً عليهِ، وقد بيّنهُ أبو داودَ في "سننهِ" (٤) عقبَ تخريجهِ له عن سليمانَ بنِ حربٍ، قال: ((يقولها أبو أمامةَ، وقالَ حمادُ بنُ زيدٍ: فلا أدري أهوَ من قولِ النبي ﷺ ، أو أبي أمامةَ؟)) وكذا ذكرَ الترمذيُّ قولَ حمادِ بنِ زيدٍ، ثمَّ قالَ الترمذيُّ: ((هذا حديثٌ ليسَ إسناده بذاكَ القائمِ (٥))). انتهى. وقد رُوِيَ من حديثِ جماعةٍ من الصحابةِ، جمعهمُ ابنُ الجوزيِّ في " العللِ المتناهيةِ "، وضعّفها كلَّها، واللهُ أعلمُ)) (٦). انتهى كلامُ " النكت ".

стр. 233

كذا جمعَ فيهِ الحافظُ أبو محمودٍ القدسيُّ شيئاً ذكرَ فيهِ ورودَهُ من رواياتٍ شتى، وقال: ((إنَّ ادّعاءَ ابنِ الصلاحِ أَنَّهُ مما لا ينجبرُ ضعفهُ / ٦٨ب/ بالعاضد منازعٌ فيهِ؛ لأنَّ ضعفهُ ليسَ من جهةِ فسقٍ في واحدٍ من رواته بكذبٍ، ولا غيره، وكذا ما يعضدُهُ، وأوردَ طرقاً لا يخلو واحدٌ منها عن علةٍ))، ثمَّ نُقلَ عن ابنِ دقيقِ العيدِ أَنَّهُ قالَ: ((فإنْ توقّف تصحيحُه عندَ أحدٍ على ذكرِ طريقٍ لا علةَ فيها، ولا كلامَ في رواتها، فقد نتوقّفُ (١) في ذلكِ، لكنَّ اعتبارَ ذلكَ صعبٌ ينتقضُ عليهم في كثيرٍ مما استحسنوهُ وصححوهُ من هذا الوجهِ)). انتهى. وهو مُسلّمٌ لولا أَنَّ سليمانَ بنَ حربٍ وقفهُ عن حمادٍ، كما هوَ عندَ أبي داودَ. وسليمانُ ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حافظٌ (٢)، ونقلَ جزمَهُ بذلك الإمامُ أبو الحسنِ الدارقطنيُّ وهو جبلُ الحفظِ والإتقانِ (٣)، فلولا ذلكَ لأفادتهُ الطرقُ المذكورةُ قوةً في المتابعاتِ والشواهدِ، لكنَّ ضعفَها لا ينهضُ لمدافعةِ هذينِ الجبلينِ، ولا واحدٍ منهما، لا سيَّما عندَ مَن (٤) قالوا: إنَّ الواقفَ مقدمٌ على الرافعِ، كما قيلَ: إنَّ النوويَّ قالَ: إنَّ الخطيبَ حكاهُ عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ (٥)، فاستمرَّ حديثُ أبي أمامةَ على ضعفهِ، ولم يوجد من حديثِ غيرهِ ما يستقلُّ بإفادةِ الحكمِ، وما رواهُ ابنُ ماجه (٦) عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: ((الأذنان منَ الرأسِ))، وإنْ كانَ ليسَ في رواتهِ مَن يُنظرُ في حالهِ إلاّ

стр. 234

سويدَ بنَ سعيدٍ، فإنهمْ قالوا: إنَّه لما عَمِيَ صارَ يتلقنُ، فاشتدَّ اضطرابُ حديثهِ، وهو وإنْ كانَ قد أخرجَ لهُ مسلمٌ محتملٌ لأنْ يكونَ لم يخرجْ له إلا ما عَرفَ أَنَّهُ لم يتلَقَّنْ فيهِ (١)، مع أَنَّ / ٦٩أ / شيخَنا حافظَ عصرهِ قالَ في " تخريجِ أحاديثِ الرافعي ": ((إنَّهُ بيَّنَ (٢) في كتابهِ في المدرجِ أَنَّهُ مدرجٌ، وإنْ كانَ قد قوَّاهُ المنذريُّ، وابنُ دقيقِ العيدِ)) (٣). قلتُ: ومنِ استظهرَ لعدمِ الإدراجِ بأنَّهُ روي تارةً مفتتحاً بما للأذنينِ منهُ (٤)، وتارةً مقتصراً عليهِ، مجاب بأنَّ ذلكَ من ثمراتِ القولِ بالروايةِ بالمعنى، فقدّمَ الراوي، وأخَّرَ، وأسقطَ، واقتصرَ، وخفيَ عليهِ أمرُ الإدراجِ، فإنَّ من شأنِ العللِ الخفاء إلا على الجهابذةِ النقادِ، ويعارضهُ أيضاً فيضعفهُ ما رواهُ البيهقيُّ (٥) عنهُ: ((أَنَّ النبي ﷺ أَخذَ لأذنيهِ ماءً خلاف الماءِ الذي أخذَ لرأسهِ))، وهو عند أبي داود عنه أيضاً (٦)، فدلَّ على أنهما ليسا منَ الرأس، وأَنهما عضوانِ مستقلانِ، فإنَّ المرادَ بذلكَ أَنهما في المسحِ أصلٌ، لا تبعٌ لشيءٍ، لا أنهما يطلقُ عليهما مسمى الرأسِ أولاً، وكذا ما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ أَنسٍ ﵁، فلا معارضَ حينئذٍ لقولِ الشافعيِّ ﵀: ((وليست الأَذنانِ منَ الوجهِ، فتغسلانِ، ولا منَ الرأسِ، فيجزي مسحهُ عليهما، فهما سنةٌ على حيالهما)) (٧).

стр. 235

قوله: (وذلكَ كالضعفِ الذي ينشأ ... ) (١) إلى آخره، مرادهُ - واللهُ أعلمُ - بالشاذِّ (٢) هنا ما راويهِ ضعيفٌ بعيدٌ عن درجةِ من يحتجُّ بهِ، وهوَ الذي قال: إنَّهُ الشاذُّ المنكرُ، كما سيأتي في بابه، وإنما خصصناهُ بذلكَ؛ لأنَّ كلامهُ هنا في ضعفٍ لا ينجبرُ بالعاضد، وعلى كل حالٍ كانَ ذِكرُهُ الشاذَّ فقط يُفهمُ أَنَّ المتهمَ بالكذبِ لا يجبرُ من بابِ الأولى، على أَنَّ هذا الضعيفَ الواهي ربما كَثُرَتْ طرقهُ حتى أوصلته إلى درجةِ راويهِ المستورِ، والسيِّءِ الحفظِ، بحيثُ إنَّ ذلكَ / ٦٩ب / الحديثَ إذا كانَ مروياً بإسنادٍ آخرَ فيهِ ضعفٌ قريبٌ محتملٌ، فإنَّهُ يرتقي بمجموعِ ذلكَ إلى مرتبةِ الحسنِ، وقد جعلنا مجموعَ تلكَ الطرقِ الواهيةِ بمنْزلةِ الطريقِ التي فيها ضعفٌ يسيرٌ، فصارَ ذلكَ بمنْزلةِ طريقينِ، كلٌّ منهما ضعفه يسيرٌ، واللهُ أعلمُ. قوله: ٦٢ - والحَسَنُ الْمشهُوْرُ بِالعَدَالَةِ ... وَالصِّدْقِ رَاوِيهِ، إذَا أَتَى لَهْ ٦٣ - طُرُقٌ اخْرَى نَحْوُهَا مِن الطُّرُقْ ... صَحَّحْتُهُ كَمَتْنِ (لَوْلاَ أنْ أَشُقْ) ٦٤ - إذْ تَابَعُوْا (مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو) ... عَلَيْهِ فَارْتَقَى الصَّحِيْحَ يَجْرِي ذكرَ في هذهِ الأبياتِ أَنَّ الحسنَ لذاتهِ إذا اعتضد صار صحيحاً، وهذا هوَ الصحيحُ لغيرهِ. وعليهِ في فعلهِ وقولهِ مؤاخذاتٌ: الأولى: إنَّهُ إنْ نظر إلى كونِ أصلهِ حسناً حتى يسوغَ له وضعهُ في بابِ الحسنِ، لَزمهُ أنْ يذكرَ الحسنَ لغيرهِ في بابِ الضعيفِ نظراً إلى أصلهِ، وإنْ نظرَ إلى مآلهِ، لزمهُ ذكره في بابِ الصحيحِ. ويجابُ بأنَّ الشيخَ أبا عمرٍو ﵀

стр. 236

أملى الكتابَ شيئاً فشيئاً في دارِ الحديثِ (١) الأشرفيةِ بدمشقَ، فذهلَ عنهُ في بابِ الصحيحِ لذاتهِ، فاستدركهُ هنا، ورأى في ذكرهِ ما يغني الفطنَ عن ذكرِ الحسنِ لغيرهِ في قسمِ الضعيفِ، وأيضاً فالذي حملهُ على ذكرِ الحسنِ لغيرهِ هنا، وعدمِ ذكرهِ في الضعيفِ إرادةُ جمعِ المقبولِ في بابٍ واحدٍ، ولو أخّرهُ إلى الضعيفِ لفاتهُ ذلكَ، بخلافِ الصحيح لغيرهِ؛ فإنَّه معَ مراعاةِ أصلهِ لم يخرجْهُ ذلكَ عن بابِ المقبولِ. الثانيةُ: قوله: (طرقٌ) (٢) جمعُ كثرةٍ، ولا يشترطُ في جعلهِ صحيحاً مجيئهُ من طرقٍ كثيرةٍ. فإن قيل: هذهِ الصيغةُ تطلقُ أيضاً (٣) في القلةِ، قيلَ: سلّمنا، ولا بدَّ حينئذٍ من أربعةِ طرقٍ: الطريق التي نريدُ أنْ نرقيها إلى الصحةِ، وثلاثةٍ غيرها؛ لأنَّهُ وصفَ طرقاً / ٧٠ أ / بقولِهِ: ((أخرى))، أي: غيرَ تلكَ الطريقِ، ولا يشترطُ ذلكَ. فإنِ اعتنى بهِ فقيلَ: إنَّ (٤) أقلَّ الجمعِ اثنانِ، قيلَ: فيكونُ أقلُّ ما يرقى إلى الصحةِ طريقينِ معَ تلكَ الطريقِ، وهذا (٥) غيرُ مسلّمٍ أيضاً، بل أقلُ ما يجبرها طريقٌ، ويشترطُ أن تكونَ مساويةً لها، أو أعلى بشرطِ القصورِ عن درجةِ الصحةِ إنْ كانَ الحكمُ على المتنِ، لكنَّ عبارتهُ فيها حسنٌ من حيثُ إنها تشملُ ما إذا توبعَ بطرقٍ دونه، فإذا

стр. 237

انضمَّ بعضُها إلى بعضٍ، صارت حسنةً للغيرِ، فترتقي بها تلكَ الطريقُ الحسنةُ لذاتها إلى الصحةِ، فإنَّهُ انضمَّ حسنٌ إلى مثلهِ، ولا يضرُّ كونُ أحدهما لذاتهِ والآخر لغيرهِ، وتكونُ هذهِ أقل مراتبِ الصحةِ، ولعلَ هذا هوَ الحاملُ للشيخِ على (١) ذكرِ هذا النوعِ هنا، فإنَّهُ تنازع فيهِ الصحيح باعتبارِ مآلهِ، والحسن باعتبارِ أصلهِ، والضعيف باعتبارِ أصلهِ أيضاً، لما بيناهُ من أَنَّ الحسنَ لغيرهِ يرقى أيضاً، فلما تنازعتهُ الأنواعُ الثلاثةُ قصد إلى ذكرهِ في أوسطها، والعبارةُ المخلصةُ أنْ يقالَ: إذا رُوِيَ من غيرِ وجهٍ نحوهُ، كما قالَ الترمذيُّ في الحسنِ لغيرهِ، وكما قالَ فيهِ أيضاً ابنُ الصلاحِ: ((بأنْ رُوِيَ مثلُهُ أو نحوهُ من وجهٍ آخرَ، أو أكثرَ)) (٢). بل نحنُ هناكَ إلى تكثيرِ الطرقِ أحوجُ؛ لأنها ثمَّ ضعافٌ، وهنا يحتجُّ بكلٍ منها على انفراده. قلتُ: وعبارةُ ابنِ الصلاحِ هنا: ((إذا كانَ راوي الحديثِ متأخراً عن درجةِ أهلِ الحفظِ والإتقانِ، غيرَ أنَّه منَ المشهورينَ بالصدقِ والسترِ، ورُوِيَ معَ ذلكَ حديثُهُ من غيرِ وجهٍ، فقدِ اجتمعتْ له القوةُ منَ / ٧٠ب / الجهتينِ، وذلكَ يُرقِّي حديثه من درجة الحسنِ إلى درجةِ الصحيحِ. مثالُه حديثُ محمدِ بنِ عمرو ... )) (٣) إلى آخره، فقوله: ((من المشهورينَ بالصدقِ والسترِ)) دونَ قولِ الشيخِ: ((مشهورٌ بالصدقِ، والعدالةِ)) (٤) وقوله بعد ذلكَ: ((فلما انضمَّ إلى ذلك كونه رويَ من أوجهٍ أخر)) (٥) ناقلاً له عن ابنِ الصلاحِ بلفظِ الجمعِ، مخالفٌ لما رأيته في كتابِ ابنِ الصلاحِ في نسخةٍ بخطِّ بعضِ الفضلاءِ، وعليها خطُّ الشيخِ زينِ الدينِ بقراءتهِ لها

стр. 238

عليهِ بلفظ: ((من وجهٍ آخرَ)) (١) بالإفرادِ. وقد اعترضَ هو نفسه في " النكتِ " (٢) على ابنِ الصلاحِ في اشتراطِ الروايةِ من وجوهٍ، كما سبقَ عندَ قوله: ((يتقاصرُ عنِ الصحيحِ (٣))) (٤) فلو قالَ الشيخُ: ((طريقٌ أخرى)) لاتَّزَنَ البيتُ وسَلِمَ، وفُهِمَ منه التصحيحُ بطريقين فصاعداً من بابِ الأولى، واللهُ أعلمُ. وإنما قيد ((نحوها)) ليفهمَ منهُ أَنَّ المتنَ إذا كانَ بلفظهِ سواءً كانَ أولى بالتصحيح. الثالثةُ: تمثيلهُ بحديثِ: ((لولا أَنْ أشقَّ على أمتي (٥))) والمؤاخذةُ في قوله: ((كمتن)) أشدُّ، فإنَّ الحديثَ نفسَهُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ، وإنما كانَ ينبغي التمثيلُ بحسنٍ مساوٍ له في مرتبةِ الحسنِ، سواءً كانَ الحسنُ لذاتهِ، أو لغيرهِ، فيفهمُ منهُ استفادةُ تصحيحِ الحديثِ إذا توبعَ بأحسنَ منهُ، أو بصحيحٍ من بابِ الأولى، وأيضاً فإنَّ (٦) المتابعةَ القاصرةَ إنما تعتبرُ إذا لم يعارضها معارضٌ، كأنْ يروي عن شيخهِ مَن يخالفُهُ، وهنا قد روى عن شيخِ محمدِ بنِ عمروٍ من خالفهُ، وذكرَ في الحديثِ قصةً. ومنَ القواعدِ أَنَّ الراويينِ إذا اختلفا قُدّمَ الذي ذكرَ قصةً في حديثهِ؛ لأنَّ ذِكرَها مظنةٌ لزيادةِ ضبطهِ / ٧١ أ / فرَوَى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبي سلمةَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجهني، قالَ: ((كانَ السواكُ من أذنهِ بمنْزلةِ القلمِ من أذنِ الكاتبِ، لا يقومُ

стр. 239

إلى صلاةٍ إلا استنَّ ... )) (١) فذكره، فخالف وذكرَ قصةً، ولم يتابع أحدٌ محمدَ بنَ عمرٍو في روايته عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (٢)، ورواهُ الناسُ عن أبي هريرةَ من غيرِ طريقِ أبي سلمةَ (٣)، فهي متابعةٌ لأبي سلمةَ لا للراوي عنهُ محمدِ بنِ عمرٍو، فلو سلّمنا من شيءٍ آخرَ رجّحنا روايةَ محمدِ بنِ إسحاقَ، لكنْ إنما صححنا طريقَ محمدِ ابنِ عمرٍو؛ لأنَّ الترمذيَّ (٤) قالَ: إنَّهُ سألَ البخاريَّ عن ذلكَ، فصححَ أَنَّ الحديثَ عندَ أبي سلمةَ، عن زيدِ بنِ خالدٍ وعن أبي هريرةَ، لا لمجردِ متابعةِ مَن تابعَ أبا سلمةَ.

стр. 240

وقوله: (فصحَّ هذا الإسنادُ) (١)، أي: لأنَّ عدالةَ راويهِ (٢) معروفةٌ، وضبطهُ لهذا الحديثِ قد ثبتَ بالمتابعِ، فصار ضابطاً بالنسبةِ إلى هذا الحديثِ، وهذا كما أنا نثبت السماعَ لبعضِ العامةِ في هذا الزمانِ بشهادةِ الضابطِ الثقةِ المعروفِ الخطِّ له بالسماعِ في طبقةِ السماعِ، وإنْ كان هو لا يعرفُ شيئاً، ولا يقبلُ في شيءٍ (٣). قولهُ: (ليسَ لمطلقِ هذا الحديثِ) (٤)، أي: لفظةُ الحديثِ تشملُ المتنَ والسندَ، فلا تقل مثالُ الحسنِ (٥) الذي يُروَى (٦) من غيرِ طريقٍ، فيصححُ حديثَ ((لولا أن أشقَّ)) (٧) بل قيدهُ بكونهِ من طريقِ محمدِ بنِ عمرٍو؛ لأنَّ المتنَ نفسهُ صحيحٌ متفقٌ عليهِ (٨). قوله: (أم صبية) (٩) بالصادِ المهملةِ، والباءِ الموحدةِ، مصغرٌ، وربما وقعَ

стр. 241

في بعضِ النسخِ غيرُ ذلكَ (١)، وهو خطأ، قال بعضُ أصحابنا: كان في " الشرحِ الكبيرِ " مولى ((أمِّ حبيبة)) يعني: بحاءٍ مهملةٍ / ٧١ب / مفتوحةٍ، وموحدتينِ، ثمَّ أصلحهُ بخطهِ ((صبيةٌ)) بالصادِ المهملةِ، وعلم تحتَ الصادِ بصادٍ صغيرةٍ، وشددَ التحتانيةَ، فعلَ ذلكَ في موضعينِ، ووقعَ لهُ موضعُ ثالثٌ ((صبيةٌ)) سالماً عنِ الإصلاحِ (٢). قولهُ: ٦٥ - قَالَ: وَمِنْ مَظِنَّةٍ لِلحَسَنِ ... جَمْعُ (أبي دَاوُدَ) أيْ في السُّنَنِ ٦٦ - فإنَّهُ قَالَ: ذَكَرْتُ فِيْهِ ... ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْهِ ٦٧ - وَمَا بهِ وَهَنٌ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ ... وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ ٦٨ - فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَحَحْ وَسَكَتْ ... عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الحُسْنُ ثَبَتْ ٦٩ - و (ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجِهْ- ... : قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ

стр. 242

ذكرَ في هذهِ الأبياتِ مظنةَ (١) الحسنِ، كما ذكرَ في الصحيحِ مظانهُ (٢) حيثُ قالَ: ((الصحيحُ الزائدُ على الصحيحينِ)) (٣). وأولُ كلامِ ابنِ الصلاحِ في هذهِ المسألةِ: ((كتابُ أبي عيسى الترمذيِّ أصلٌ في معرفةِ الحديثِ الحسنِ، وهو الذي نوهَ باسمهِ، وأكثرَ من ذكرهِ في " جامعهِ "، ويوجدُ في متفرقاتٍ من كلامِ بعضِ مشايخهِ، والطبقةِ التي قبلهُ، كأحمدَ بنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، وغيرهما (٤). وتختلفُ النسخُ من كتابِ الترمذيِّ في قولهِ: ((هذا حديثٌ حسنٌ))، و ((هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) ونحو ذلكَ (٥) ... ونصَّ الدارقطنيُّ في " سننهِ " على كثيرٍ من ذلكَ (٦).

стр. 243

ومن مظانهِ)) (١) إلى آخره. استدركَ الشيخُ في " النكتِ " (٢) على ابنِ الصلاحِ، فقالَ: ((وقد وجدَ التعبيرُ بهِ في شيوخِ الطبقةِ التي قبلهُ أيضاً، كالشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى (٣) - فقال في كتابِ " اختلافِ الحديثِ " عندَ ذكرِ حديثِ ابنِ عمرَ: ((لقد ارتقيتُ على ظهرِ بيتٍ لنا ... )) الحديثَ: ((حديثُ ابنِ عمرَ مسندٌ حسنُ الإسنادِ)) (٤)، وقالَ فيهِ أيضاً: ((وسمعتُ من يروي بإسنادٍ حسنٍ أنَّ أبا بكرةَ ذكرَ للنبي ﷺ : أنَّه ركعَ دونَ الصفِ ... )) (٥) الحديثَ، قالَ: ((وقدِ اعترضَ أيضاً على المصنفِ في قولهِ: إنَّ الترمذيَّ ((أكثرَ من ذكرهِ في "جامعهِ")) (٦) بأنَّ يعقوبَ ابنَ شيبةَ في "مسندهِ"، وأبا علي الطوسيَّ شيخِ أبي حاتم أكثرا / ٧٢أ / من قولهما: حسنٌ صحيحٌ. انتهى. وهذا الاعتراضُ ليسَ بجيدٍ، لأنَّ الترمذيَّ أولُ من أكثر من ذلكَ. ويعقوبُ

стр. 244

وأبو عليٍ إنما صنفا كتابيهما بعدَ الترمذيِّ، وكأنَ كتابَ أبي علي الطوسيِّ مخرجٌ على كتابِ الترمذيِّ، لكنهُ شاركهُ في كثيرٍ من شيوخهِ، واللهُ أعلمُ)) (١). وقولُ ابنِ الصلاحِ: ((عرفناهُ بأنَّهُ منَ الحسنِ عندَ أبي داودَ)) (٢)، وموافقةُ الشيخِ له في نظمهِ وشرحهِ (٣) ليسَ بجيدٍ (٤)، فليسَ بمسلّمٍ (٥) أَنَّ كلَّ ما سكتَ عليهِ أبو داودَ يكونُ حسناً، بل هو وهمٌ آتٍ (٦) من جهةِ أنَّ أبا داودَ يريدُ بقولهِ: ((صالحٌ)) الصلاحيةَ للاحتجاجِ، ومنْ فهمَ أنَّ ((أصحَّ)) في قولهِ: ((وبعضها أصحُّ من بعضٍ)) تقتضي اشتراكاً في الصحةِ، وكذا قوله: ((إنَّهُ يذكرُ في كلِّ بابٍ أصحَّ ما عرفهُ فيهِ)) وليسَ الأمرُ في ذلكَ كذلكَ (٧). أما من جهةِ قولهِ: ((صالحٌ))؛ فلأنَّهُ كما يحتملُ أنْ يريدَ صلاحيته للاحتجاجِ، فكذا يحتمل أنْ يريدَ صلاحيتهُ للاعتبارِ؛ فإنَّ أبا داودَ قال في الرسالةِ التي أرسلها إلى مَن سألهُ عنِ اصطلاحهِ في كتابهِ: ((ذكرتُ فيهِ الصحيحَ، وما يشبههُ، ويقاربهُ، وما فيهِ وهنٌ شديدٌ بينته، وما لا فصالحٌ، وبعضها أصحُّ من بعضٍ)) (٨)، واشتملَ هذا الكلامُ على خمسةِ أنواعٍ:

стр. 245

الأولُ: الصحيحُ، ويجوزُ أنْ يريدَ بهِ الصحيحَ لذاتهِ. والثاني: مشبهه، ويمكنُ أنْ يريدَ به الصحيحَ لغيرهِ. والثالثُ: مقاربهُ، ويحتملُ أنْ يريدَ بهِ الحسنَ لذاتهِ. والرابعُ: الذي فيهِ وهنٌ شديدٌ. وقولهُ: ((وما لا)) يفهمُ منهُ الذي فيهِ وهنٌ ليسَ بشديدٍ، فهو قسمٌ خامسٌ، فإنْ لم يعتضد كانَ صالحاً للاعتبارِ فقط، وإنْ اعتضدَ صار حسناً لغيره / ٧٢ ب/، أي: الهيئةَ المجموعةَ، وصلحَ للاحتجاجِ، وكانَ قسماً سادساً، وعلى تقديرِ تسليمِ أنَّ مرادهُ صالحٌ للاحتجاجِ، لا يستلزمُ الحكمَ بتحسينِ مَا سكتَ عليهِ (١)، فإنَّهُ يرى الاحتجاجَ بالضعيفِ إذا لم يجدْ في البابِ غيرَهُ، كما سيأتي اقتداءً بأحمدَ ﵁ قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: ((سألتُ أبي (٢) عنْ شخصينِ في مصر منَ الأمصارِ، أحدهما: محدِّثٌ لايدري صحيح الحديثِ منْ سقيمهِ، والآخرُ: فقيهٌ يفتي بالرأيِّ، فنَزلتْ نازلةٌ، مَن يُستَفتَى فيها؟ قالَ: المحدِّثُ الموصوفُ)) (٣) على أنَّهُ قدْ نقلَ عنِ الشافعيِّ ما يقاربُ ذلكَ، فإنَّ الماورديَّ حكى أنَّهُ يحتجُّ بالمرسلِ بشروطهِ في سبعةِ مواطنَ، وعدَّ منها ستةً هي موجودةٌ في كلامِ الشافعيِّ، وعدَّ سابعاً: وهوَ أنْ لا يوجدَ في البابِ غيره قالَ شيخُنَا: ((وهذا لم نرهُ في كلامِ الشافعيِّ)). وأما منْ جهةِ: ((أصح)) فلا يخفى عليكَ أنَّ تصريحهُ بأنَّه يحتجُ بالضعيفِ يوضحُ أنَّ مرادهَ المفاضلةُ بينهما في الاحتجاجِ، أي: وبعضها أقوى في بابِ الاحتجاجِ منْ بعضِ، لا المشاركةَ في نفسِ الصحةِ.

стр. 246

وعن ابنِ كثيرٍ ما حاصلهُ أنَّ قولهُ: ((بعضها أصحُّ منْ بعضٍ)) يقتضي الصحةَ، إلاَّ أنْ يجابَ بأنَّهُ على رأيِّ المتقدمينَ في تسميةِ الحسنِ صحيحاً، أو أنَّ المرادَ بالأصحيةِ الأمرُ (١) النسبيُّ، أي: أنَّ بعضها أقلّ وَهْناً منْ بعضٍ (٢)، فظهرَ بهذا أنَّ مرادهُ بـ ((صالح)) المعنى العامِ، أي: صالحٍ للاحتجاجِ إنْ لمْ يكنْ في البابِ غيرهُ، أو كانَ في البابِ غيرهُ، واعتضدَ، وصالحٌ للاعتبار إنْ كانَ في البابِ غيرهُ، ولم / ٧٣ أ / يعتضد، وأنَّ ((أصحَّ)) ليست على بابها. وقولهُ: (وقد يكونُ في ذلكَ ما ليسَ بحسنٍ ... ) (٣) إلى آخرهِ، قالَ شيخُنا: ((ويمكنُ أنْ يكونَ فيهِ ما ليسَ بحسنٍ عندَ أبي داودَ نفسهِ، وهو الذي فيهِ وهنٌ ليسَ بشديدٍ، ويقالُ لابنِ الصلاحِ: إذا جازَ ذلكَ، فكيفَ يطلقُ عليهِ اسمُ الحسن؟ وإنْ قلتَ: حسنٌ عندهُ، فمن أينَ ذلكَ؟ والحالُ أنَّ قولَهُ: ((صالح)) يصلحُ لأنْ يجعلَ متعلقه الاحتجاجَ والاعتبار، واعتراضُ ابنِ رشيدٍ على قولهِ بأنَّه من الحسنِ عندَ أبي داودَ متجهٌ كما قالَ الشيخُ، وجوابُ الشيخِ يردهُ احتمالُ أنْ يكونَ ذلكَ الحديثُ ضعيفاً، فأينَ الاحتياطُ؟)). قلتُ: ونقلَ عن ابنِ كثيرٍ أنَّهُ قالَ: ((ويُروَى عن أبي داودَ أنَّهُ قالَ: وما سكتُّ عنهُ فهوَ حسنٌ)) (٤). انتهى.

стр. 247

وعلى تقديرِ صحةِ الروايةِ عنهُ بذلكَ يطرقهُ احتمالُ أنَّهُ حسنٌ للاحتجاجِ بهِ، وأنَّ ما يسكتُ عنه قد يكونُ ضعيفاً ليسَ في البابِ غيره، فيكونُ مما يحتجُّ بهِ عنده، فلا يفيدُ ذلكَ الحسنَ الاصطلاحيَّ. قولهُ: (وقد ذكرته بعدَ هذا بسبعةِ أبياتٍ) (١) ضربَ الشيخُ في " شرحهِ الكبيرِ " على أبياتٍ، وجعل بدلها ((بيوت)) وما أدري لم صَنعَ ذلكَ؟ ثم رأيتُ عن شيخنا الإمامِ برهانِ الدينِ أنها كانت في هذا " الشرحِ الصغيرِ " أيضاً ((بيوتٌ)) فأصلحها بعدَ قراءته لهُ عليهِ " أبيات "، وكأنَّهُ يكونُ السبعةُ عدداً قليلاً كما تقدّمَ، وأفعالٌ من جموعِ القلةِ (٢). وقولهُ: (قالَ أبو الفتحِ اليعمري) (٣)، أي: في " شرحهِ لجامعِ الترمذيِّ "، (٤) واللهُ أعلمُ. قولهُ: (كما عبرَ هو عن نفسهِ) (٥) قال الشيخُ في النكتِ (٦): ((وهكذا / ٧٣ب / رأيتُ الحافظَ أبا عبدِ اللهِ بنَ المواقِ يفعلُ في كتابهِ " بغيةِ النقادِ "، ويقولُ في الحديثِ الذي سكتَ عليهِ أبو داودَ: هذا حديثٌ صالحٌ)). انتهى. قال بعضُ أصحابنا: وقد مشى الشيخُ على ما قالهُ ابنُ الصلاحِ فإنَّهُ أخرجَ في تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ (٧) حديثَ أسامةَ بن زيدٍ الليثي، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن

стр. 248

أبيهِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو ﵄، عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ((مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ ... )) فذكرَ الحديثَ. وفي آخره: ((ومَن لغا، وتَخطَّى رقابَ الناسِ، كانت لهُ ظهراً)) قالَ: ((وإسنادهُ حسنٌ سكتَ عليهِ أبو داودَ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وإنِ اختلفوا في الاحتجاجِ بهِ، فقدِ احتجَّ بهِ مسلمٌ)). انتهى. قلتُ: ولم يحسّنهُ الشيخُ لأجلِ سكوتِ أبي داودَ فقط حتى يكونَ موافقاً له، وإنما أداهُ اجتهادهُ إلى تحسينهِ، ولما كانَ النقادُ قدِ اختلفوا فيهِ، احتاجَ إلى ترجيحِ ماذهبَ إليهِ، فاستدلَّ لهُ باحتجاجِ مسلمٍ بهِ، وبسكوتِ أبي داودَ، فأفادَ الأولُ قوته، والثاني: أنَّهُ ليسَ فيهِ وهنٌ شديدٌ، فثبتَ لهُ مُدّعاهُ، وهوَ كذلكَ، فإنَّ شيخَنا وصفَ زيداً في "تقريبِ التهذيبِ" (١) بأنَّهُ صدوقٌ يَهِمُ (٢)، وليسَ بينَ هذهِ المرتبةِ ومرتبةِ من يقولُ فيهِ: ((ثقةٌ)) أو ((ثبتٌ)) إلا مرتبةٌ واحدةٌ، وحديثُ هذا الضربِ حسنٌ لذاتهِ، واللهُ أعلمُ. (٣) قولهُ: ٧٠ - وَللإمَامِ (اليَعْمُرِيِّ) إنَّما ... قَوْلُ (أبي دَاوُدَ) يَحْكي (مُسْلِما) ٧١ - حَيثُ يَقُوْلُ: جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا ... تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالنُّبَلا ٧٢ - فَاحْتَاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنَادِ ... إلى (يَزيْدَ بنِ أبي زيَادِ) ٧٣ - وَنَحْوِهِ، وإنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ ... قَدْ فَاتَهُ، أدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْقِ ٧٤ - هَلاَّ قَضى عَلى كِتَابِ (مُسْلِمِ) ... بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ

стр. 249

((اليعمري)) بالفتحِ نسبةً إلى يعمر (١) - بالضمِ والفتحِ - ابنُ شَدَّاخ - بفتحِ المعجمةِ، وتشديدِ المهملةِ، وآخره معجمةٌ- من بني ليثٍ، ويرجعونَ لبني مضر / ٧٤ أ / قوله: (وعملهُ في ذلكَ شبيهٌ) (٢) يوجدُ في بعضِ النسخِ: ((بذلكَ)) وكذلكِ كانتْ أولاً، ثمَّ جَعلَها الشيخُ بعدَ قراءةِ شيخِنا البرهانِ الشرحَ عليهِ ((في ذلكَ)) (٣). قوله: (أنَّه (٤) اجتنبَ الضعيفَ) (٥) معمولُ المصدرِ في قولهِ: (بعمل مسلمٍ) (٦) أي: عملُ مسلمٍ هو أنَّهُ اجتنبَ ... إلى آخره، فعملُ أبي داودَ شبيهٌ بعملهِ في هذا (٧)، وحاصلُ اعتراضِ ابنِ سيّدِ الناسِ أنَّهُ يلزمُ ابنَ الصلاحِ أنْ يقولَ: إنَّ في " صحيحِ مسلمٍ " غيرَ الصحيحِ، أو إنَّ كلَّ ما في " سنن أبي داود " صحيحٌ (٨). والجوابُ من أوجهٍ: الأولُ: لا نُسلّمُ أنَّ العملينِ متشابهانِ منَ الحيثيةِ التي ذكرها، وليسَ بينهما

стр. 250

اشتباهٌ، إلا في (١) أنَّ كلاً يأتي (٢) بثلاثةِ أقسامٍ، وهي في " سننِ أبي داودَ " راجعةٌ إلى متونِ الحديثِ، وفي مسلمٍ إلى رجالِ الحديثِ، وليسَ بينَ ضعفِ الرجلِ وصحةِ حديثهِ منافاةٌ، كما سيأتي تحريرهُ، بل قد يكونُ حديثهُ صحيحاً؛ لاعتضادهِ من طرقٍ أخرى، وهذا عملُ مسلمٍ. فأينَ هوَ ممن قسمَ الحديثَ نفسَهُ في كتابهِ إلى صحيحٍ وغيرهِ؟ الثاني: بعدَ تسليم ما قالهُ منِ اتحادِ العملينِ، هوَ ما ذكرهُ الشيخُ (٣) في " الشرحِ " من أنَّ مسلماً التزمَ الصحةَ في كتابهِ دونَ أبي داودَ. الثالثُ: أنَّ أبا داودَ قالَ: ((وما كانَ فيهِ وهنٌ شديدٌ بيّنتهُ))، ففهمَ من تقييدهِ بشديدٍ: أنَّ ثَمَّ شيئاً فيهِ وهنٌ غيرُ شديدٍ، لم يلتزمْ بيانهُ. الرابعُ: - وهو أرضاها - أنَّ مسلماً إنما يروي عن الطبقةِ الثالثةِ في المتابعاتِ، ويعتني حينئذٍ بتكثيرِ الطرقِ، بحيثُ ينجبرُ ذلكَ القصورُ الذي في روايةِ ذلكَ الراوي الذي من الطبقة الثانيةِ، ومعَ ذلكَ / ٧٤ ب / فإنَّهُ يقلُّ من حديثهم جداً، بحيثُ إنَّه ليسَ في كتابهِ لليثِ بنِ أبي سليمٍ وأنظارهِ إلاَّ نحو عشرةِ أحاديثَ. وأما أبو داودَ فإنَّ صنيعهُ في ذلكَ مخالفٌ لصنيعهِ في الأمرينِ معاً: يسوقُ أحاديثَ نحو هؤلاءِ للاحتجاجِ، ويكثرُ منها جداً، بحيثُ إنَّ كتابه طافحٌ بذلكَ، ووراءَ هذا كله أنَّ مسلماً لا يذكرُ حديثاً لأهلِ هذهِ الطبقةِ (٤)، وهو يجده عندَ الطبقةِ
следующие страницы →