← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعن ابنِ كثيرٍ ما حاصلهُ أنَّ قولهُ: ((بعضها أصحُّ منْ بعضٍ)) يقتضي الصحةَ، إلاَّ أنْ يجابَ بأنَّهُ على رأيِّ المتقدمينَ في تسميةِ الحسنِ صحيحاً، أو أنَّ المرادَ بالأصحيةِ الأمرُ (١) النسبيُّ، أي: أنَّ بعضها أقلّ وَهْناً منْ بعضٍ (٢)، فظهرَ بهذا أنَّ مرادهُ بـ ((صالح)) المعنى العامِ، أي: صالحٍ للاحتجاجِ إنْ لمْ يكنْ في البابِ غيرهُ، أو كانَ في البابِ غيرهُ، واعتضدَ، وصالحٌ للاعتبار إنْ كانَ في البابِ غيرهُ، ولم / ٧٣ أ / يعتضد، وأنَّ ((أصحَّ)) ليست على بابها. وقولهُ: (وقد يكونُ في ذلكَ ما ليسَ بحسنٍ ... ) (٣) إلى آخرهِ، قالَ شيخُنا: ((ويمكنُ أنْ يكونَ فيهِ ما ليسَ بحسنٍ عندَ أبي داودَ نفسهِ، وهو الذي فيهِ وهنٌ ليسَ بشديدٍ، ويقالُ لابنِ الصلاحِ: إذا جازَ ذلكَ، فكيفَ يطلقُ عليهِ اسمُ الحسن؟ وإنْ قلتَ: حسنٌ عندهُ، فمن أينَ ذلكَ؟ والحالُ أنَّ قولَهُ: ((صالح)) يصلحُ لأنْ يجعلَ متعلقه الاحتجاجَ والاعتبار، واعتراضُ ابنِ رشيدٍ على قولهِ بأنَّه من الحسنِ عندَ أبي داودَ متجهٌ كما قالَ الشيخُ، وجوابُ الشيخِ يردهُ احتمالُ أنْ يكونَ ذلكَ الحديثُ ضعيفاً، فأينَ الاحتياطُ؟)). قلتُ: ونقلَ عن ابنِ كثيرٍ أنَّهُ قالَ: ((ويُروَى عن أبي داودَ أنَّهُ قالَ: وما سكتُّ عنهُ فهوَ حسنٌ)) (٤). انتهى.

стр. 247

وعلى تقديرِ صحةِ الروايةِ عنهُ بذلكَ يطرقهُ احتمالُ أنَّهُ حسنٌ للاحتجاجِ بهِ، وأنَّ ما يسكتُ عنه قد يكونُ ضعيفاً ليسَ في البابِ غيره، فيكونُ مما يحتجُّ بهِ عنده، فلا يفيدُ ذلكَ الحسنَ الاصطلاحيَّ. قولهُ: (وقد ذكرته بعدَ هذا بسبعةِ أبياتٍ) (١) ضربَ الشيخُ في " شرحهِ الكبيرِ " على أبياتٍ، وجعل بدلها ((بيوت)) وما أدري لم صَنعَ ذلكَ؟ ثم رأيتُ عن شيخنا الإمامِ برهانِ الدينِ أنها كانت في هذا " الشرحِ الصغيرِ " أيضاً ((بيوتٌ)) فأصلحها بعدَ قراءته لهُ عليهِ " أبيات "، وكأنَّهُ يكونُ السبعةُ عدداً قليلاً كما تقدّمَ، وأفعالٌ من جموعِ القلةِ (٢). وقولهُ: (قالَ أبو الفتحِ اليعمري) (٣)، أي: في " شرحهِ لجامعِ الترمذيِّ "، (٤) واللهُ أعلمُ. قولهُ: (كما عبرَ هو عن نفسهِ) (٥) قال الشيخُ في النكتِ (٦): ((وهكذا / ٧٣ب / رأيتُ الحافظَ أبا عبدِ اللهِ بنَ المواقِ يفعلُ في كتابهِ " بغيةِ النقادِ "، ويقولُ في الحديثِ الذي سكتَ عليهِ أبو داودَ: هذا حديثٌ صالحٌ)). انتهى. قال بعضُ أصحابنا: وقد مشى الشيخُ على ما قالهُ ابنُ الصلاحِ فإنَّهُ أخرجَ في تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ (٧) حديثَ أسامةَ بن زيدٍ الليثي، عن عمرو بنِ شعيبٍ، عن

стр. 248

أبيهِ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو ﵄، عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ((مَنِ اغتسلَ يومَ الجمعةِ ... )) فذكرَ الحديثَ. وفي آخره: ((ومَن لغا، وتَخطَّى رقابَ الناسِ، كانت لهُ ظهراً)) قالَ: ((وإسنادهُ حسنٌ سكتَ عليهِ أبو داودَ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وإنِ اختلفوا في الاحتجاجِ بهِ، فقدِ احتجَّ بهِ مسلمٌ)). انتهى. قلتُ: ولم يحسّنهُ الشيخُ لأجلِ سكوتِ أبي داودَ فقط حتى يكونَ موافقاً له، وإنما أداهُ اجتهادهُ إلى تحسينهِ، ولما كانَ النقادُ قدِ اختلفوا فيهِ، احتاجَ إلى ترجيحِ ماذهبَ إليهِ، فاستدلَّ لهُ باحتجاجِ مسلمٍ بهِ، وبسكوتِ أبي داودَ، فأفادَ الأولُ قوته، والثاني: أنَّهُ ليسَ فيهِ وهنٌ شديدٌ، فثبتَ لهُ مُدّعاهُ، وهوَ كذلكَ، فإنَّ شيخَنا وصفَ زيداً في "تقريبِ التهذيبِ" (١) بأنَّهُ صدوقٌ يَهِمُ (٢)، وليسَ بينَ هذهِ المرتبةِ ومرتبةِ من يقولُ فيهِ: ((ثقةٌ)) أو ((ثبتٌ)) إلا مرتبةٌ واحدةٌ، وحديثُ هذا الضربِ حسنٌ لذاتهِ، واللهُ أعلمُ. (٣) قولهُ: ٧٠ - وَللإمَامِ (اليَعْمُرِيِّ) إنَّما ... قَوْلُ (أبي دَاوُدَ) يَحْكي (مُسْلِما) ٧١ - حَيثُ يَقُوْلُ: جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا ... تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ) وَالنُّبَلا ٧٢ - فَاحْتَاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنَادِ ... إلى (يَزيْدَ بنِ أبي زيَادِ) ٧٣ - وَنَحْوِهِ، وإنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ ... قَدْ فَاتَهُ، أدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْقِ ٧٤ - هَلاَّ قَضى عَلى كِتَابِ (مُسْلِمِ) ... بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ

стр. 249

((اليعمري)) بالفتحِ نسبةً إلى يعمر (١) - بالضمِ والفتحِ - ابنُ شَدَّاخ - بفتحِ المعجمةِ، وتشديدِ المهملةِ، وآخره معجمةٌ- من بني ليثٍ، ويرجعونَ لبني مضر / ٧٤ أ / قوله: (وعملهُ في ذلكَ شبيهٌ) (٢) يوجدُ في بعضِ النسخِ: ((بذلكَ)) وكذلكِ كانتْ أولاً، ثمَّ جَعلَها الشيخُ بعدَ قراءةِ شيخِنا البرهانِ الشرحَ عليهِ ((في ذلكَ)) (٣). قوله: (أنَّه (٤) اجتنبَ الضعيفَ) (٥) معمولُ المصدرِ في قولهِ: (بعمل مسلمٍ) (٦) أي: عملُ مسلمٍ هو أنَّهُ اجتنبَ ... إلى آخره، فعملُ أبي داودَ شبيهٌ بعملهِ في هذا (٧)، وحاصلُ اعتراضِ ابنِ سيّدِ الناسِ أنَّهُ يلزمُ ابنَ الصلاحِ أنْ يقولَ: إنَّ في " صحيحِ مسلمٍ " غيرَ الصحيحِ، أو إنَّ كلَّ ما في " سنن أبي داود " صحيحٌ (٨). والجوابُ من أوجهٍ: الأولُ: لا نُسلّمُ أنَّ العملينِ متشابهانِ منَ الحيثيةِ التي ذكرها، وليسَ بينهما

стр. 250

اشتباهٌ، إلا في (١) أنَّ كلاً يأتي (٢) بثلاثةِ أقسامٍ، وهي في " سننِ أبي داودَ " راجعةٌ إلى متونِ الحديثِ، وفي مسلمٍ إلى رجالِ الحديثِ، وليسَ بينَ ضعفِ الرجلِ وصحةِ حديثهِ منافاةٌ، كما سيأتي تحريرهُ، بل قد يكونُ حديثهُ صحيحاً؛ لاعتضادهِ من طرقٍ أخرى، وهذا عملُ مسلمٍ. فأينَ هوَ ممن قسمَ الحديثَ نفسَهُ في كتابهِ إلى صحيحٍ وغيرهِ؟ الثاني: بعدَ تسليم ما قالهُ منِ اتحادِ العملينِ، هوَ ما ذكرهُ الشيخُ (٣) في " الشرحِ " من أنَّ مسلماً التزمَ الصحةَ في كتابهِ دونَ أبي داودَ. الثالثُ: أنَّ أبا داودَ قالَ: ((وما كانَ فيهِ وهنٌ شديدٌ بيّنتهُ))، ففهمَ من تقييدهِ بشديدٍ: أنَّ ثَمَّ شيئاً فيهِ وهنٌ غيرُ شديدٍ، لم يلتزمْ بيانهُ. الرابعُ: - وهو أرضاها - أنَّ مسلماً إنما يروي عن الطبقةِ الثالثةِ في المتابعاتِ، ويعتني حينئذٍ بتكثيرِ الطرقِ، بحيثُ ينجبرُ ذلكَ القصورُ الذي في روايةِ ذلكَ الراوي الذي من الطبقة الثانيةِ، ومعَ ذلكَ / ٧٤ ب / فإنَّهُ يقلُّ من حديثهم جداً، بحيثُ إنَّه ليسَ في كتابهِ لليثِ بنِ أبي سليمٍ وأنظارهِ إلاَّ نحو عشرةِ أحاديثَ. وأما أبو داودَ فإنَّ صنيعهُ في ذلكَ مخالفٌ لصنيعهِ في الأمرينِ معاً: يسوقُ أحاديثَ نحو هؤلاءِ للاحتجاجِ، ويكثرُ منها جداً، بحيثُ إنَّ كتابه طافحٌ بذلكَ، ووراءَ هذا كله أنَّ مسلماً لا يذكرُ حديثاً لأهلِ هذهِ الطبقةِ (٤)، وهو يجده عندَ الطبقةِ

стр. 251

الأولى مثالُ ذلكَ: ابنُ عونٍ وعوفٌ الأعرابيُّ، كلاهما رَوَى عن ابنِ سيرينَ، وابنِ عونٍ منَ الطبقةِ الأولى، والأعرابيُّ منَ الثانيةِ، فلا يروي مسلمٌ عنهُ، وعن أمثالهِ شيئاً، وهو يجدهُ لابنِ عونٍ وأمثالهِ. ومرادهُ بالإتيانِ بحديثِ الطبقةِ الثالثةِ تقويةُ حديثِ الطبقةِ الثانيةِ، بحيثُ يرقيهِ إلى درجةِ الأولى (١). فالحاصل أنَّ عمدةَ مسلمٍ (٢) أهلُ الطبقةِ الأولى، فإنْ لم يجدها أتى بالثانيةِ، فإنْ لم يجد لمن ساقَ حديثهُ منهمُ متابعاً من تلكَ الطبقةِ أتى بمتابعةٍ منَ الثالثةِ، فبينَ العملينِ فرقٌ كبيرٌ كما ترى، واللهُ الموفقُ. قولهُ: (فتحرّجَ) (٣) تفعّلٌ منَ الحرجِ، بمهملتينِ وجيمٍ، أي: أزالَ الحرجَ، وهوَ الضيقُ الواقعُ من تلكَ الجهةِ، فتركهُ واجتنبهُ، فلم يأتِ بشيء من حديثهم؛ لئلا يلزمهُ بذلكَ ضيقٌ بقلةِ الوثوق بكتابهِ؛ لطردِ احتمالِ الضعفِ في كلِّ حديثٍ منهُ (٤). وقوله: (أصحُّ) (٥) لا تنهضُ له بهِ حجةٌ، وذلكَ؛ لأنَّ إطلاقَ ((أفعلَ)) يكون حينئذٍ بحسبِ الأكثرِ؛ لأنَّ غيرَ الصحيحِ أقلُّ، والعربُ تقولُ: هذا / ٧٥ أ / أجلى من هذا، ويكونُ في الثاني الجلو وغيرهِ، أو أنَّ أصحَّ ليست على بابها، وأهلُ هذا الشأنِ يكثرونَ من استعمالها كذلكَ، فهذا الترمذيُّ يكثرُ من أنْ يرويَ عن ضعيفٍ حديثاً، ثمَّ يرويَ آخرُ عن غيرِ ضعيفٍ، ويقولُ: هذا أصحُّ من حديثِ فلانٍ، أو

стр. 252

يكونُ ضمنَ ((أصحُّ)) معنى ((أولى))، أو ((أرجحُ)) ونحو ذلكَ، وقد تقدمَ قريباً ما ينفعُ هنا. قولهُ: (ويحتاج إلى نقلٍ) (١) قال الشيخُ في " النكتِ ": ((إنَّ بعضَ من اختصر كتابَ ابنِ الصلاحِ تعقبهُ بتعقبٍ آخرَ، وهو الحافظُ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ فقال: ((إنَّ الرواياتِ لسننِ أبي داودَ كثيرةٌ، ويوجدُ في بعضها ما ليسَ في الأخرى، ولأبي عبيدٍ الآجري عنهُ (٢) أسئلةٌ في الجرحِ والتعديلِ، والتصحيحِ، والتعليلِ، كتابٌ مفيدٌ، ومن ذلكَ أحاديثُ، ورجالٌ قد ذكرها في سننهِ، فقولُ ابنِ الصلاحِ: ((ما سكتَ عنهُ فهو حسنٌ)) (٣) ما سكتَ عليهِ في سننهِ فقط أو مطلقاً؟ هذا مما ينبغي التنبيهُ عليهِ، والتيقظُ لهُ)). انتهى كلامهُ (٤)، وهو كلامٌ عجيبٌ!! وكيفَ يحسنُ هذا الاستفسارُ بعدَ قولِ ابنِ الصلاحِ: ((إنَّ من مظانِّ الحسنِ سننَ أبي داودَ)) (٥) فكيفَ يحتمل حملَ كلامهِ على الإطلاقِ في " السننِ " وغيرها. وكذلكَ لفظُ أبي داودَ صريحٌ فيهِ؛ فإنَّهُ قالَ في رسالته: ((ذكرتُ في كتابي هَذا الصحيحَ .. )) (٦) إلى آخر كلامه. وأمَّا قولُ ابنِ كثيرٍ: ((مِن ذلكَ أحاديثُ

стр. 253

ورجالٌ قَد ذكرها في "سننهِ")) إنْ اراد بهِ أنَّهُ ضعَّفَ أحاديثَ ورجالاً في "سؤالاتِ الآجري"، وسكتَ عليها في " السننِ"، فلا يلزمُ مِن ذكرهِ / ٧٥ ب / لها في السؤالاتِ بضعفٍ أنْ يكونَ الضعفُ شديداً؛ فإنَّهُ يسكتُ في "سننهِ" على الضعفِ الذي ليسَ بشديدٍ، كما ذكرهُ هو. نَعمْ، إنْ ذكر في السؤالاتِ أحاديثَ أو رجالاً بضعفٍ شديدٍ، وسكتَ عليها في "السننِ" فهو واردٌ عليهِ، ويحتاجُ حينئذٍ إلى جوابٍ، واللهُ أعلمُ)) (١). قوله: (أي على كتابِ أبي داودَ) (٢) جوّزَ في " الشرحِ الكبيرِ ": أنْ يكونَ ضميرُ ((عليهِ)) لأبي داودَ نفسهِ، وقدّمهُ على ما جوّزهُ هنا (٣). قوله: ٧٥ - وَ (البَغَوِيْ) إذْ قَسَّمَ المَصَابحَا ... إلى الصِّحَاحِ والحِسَانِ جَانِحا ٧٦ - أنَّ الحِسَانَ مَا رَوُوْهُ في السُّنَنْ ... رَدَّ عَلَيهِ إذْ بِهَا غَيْرُ الحَسَنْ

стр. 254

قال التبريزيُّ ما معناه: ((لا أزالُ أتعجبُ من الشيخينِ - يعني: ابنَ الصلاحِ والنوويَّ حيثُ تبعَ عبارتهُ في " مختصرهِ " - في اعتراضِهما على البغويِّ، معَ أنَّهُ منَ المقررِ أنَّهُ لا مشاحةَ في الاصطلاحِ)). (١) قالَ شيخُنا: ((وعندي أنَّ ابنَ الصلاحِ لم يسقْ كلامَه اعتراضاً على البغويِّ، وإنما أرادَ أنْ يعرفَ أنَّ البغويَّ اصطلحَ لنفسهِ أنْ يسميَ السننَ الأربعةَ الحسانَ؛ ليغتني بذلكَ عَن أنْ يقولَ عقب كلِّ حديثٍ يخرجهُ منها: ((أخرجهُ (٢) أصحابُ السننِ، أو بعضُهم))، وكلامُه (٣) يكادُ يكونُ صريحاً في ذلكَ، حيثُ قالَ: ((هَذا اصطلاحٌ لا يعرفُ)) (٤). فبيّنَ أنَّهُ اصطلاحٌ، وأنَّهُ حادثٌ، ثمَّ قالَ: ((وليسَ الحسنُ عندَ أهلِ الحديثِ عبارةً عن ذلكَ - حتى لا (٥) يظنَّ ظانٌ أنَّهُ ليسَ فيها إلا الحسنُ الذي تقدّمَ تعريفه، ثمَّ صرّحَ بما أفهمهُ كلامهُ، فقالَ -: وهذهِ الكتبُ تشتملُ على حسنٍ، وغيرِ حسنٍ كما سبقَ بيانُه)). (٦))) (٧). قالَ شيخُنا: ((فالحاصل أنا لا نسلّمُ أنَّ البغويَّ أرادَ الحسنَ المقدمَ تعريفُه، ولا نسلّمُ أنَّ ابنَ الصلاحِ اعترضَ عليهِ / ٧٦ أ / سلّمنا ذلكَ من الجانبينِ، ولا نسلّمُ أنَّ الاعتراضَ صحيحٌ، بل الجوابُ: أنَّ ما فيها منَ الصحيحينِ قد عُلِمتْ صحتُهُ من

стр. 255

قولهِ منَ الصحاحِ، وما فيها مِن غيرهِما فقد ذَكرَ في الخطبةِ (١): أنَّه يحذفُ منهُ ما كانَ وهنُهُ شديداً، ويبيّنُ ما كانَ منهُ غريباً، فالذي يبقى بعدَ هذهِ الأقسامِ غالبُه حسنٌ، بلِ الضعيف فيهِ نادرٌ جدّاً؛ فالحكمُ على الجميعِ بالتحسينِ باعتبارِ الغلبةِ حينئذٍ، كما هوَ الجوابُ عن إطلاقِ مَن أطلقَ على الأربعةِ أو بعضِها الصحةَ، وليسَ ذلكَ بمنكرٍ)). وقال الشيخُ في " النكتِ ": ((وأجابَ بعضهم بأنَّ البغويَّ بيّنَ في كتابهِ " المصابيحِ " عقبَ كلِّ حديثٍ كونه صحيحاً، أو حسناً، أو غريباً)) (٢). قلتُ: ليسَ كذلكَ، فإنَّهُ لا يبيّنُ الصحيحَ من الحسنِ، فيما أوردهُ منَ السننِ، وإنما يبيّنُ الغريبَ غالباً، وقد يبيّنُ الضعيفَ، ولذلكَ قالَ في خطبةِ كتابهِ: ((وما كانَ فيها من ضعيفٍ، أو غريبٍ، أشرتُ إليهِ)). (٣) انتهى. فالإيرادُ باقٍ في مزجهِ صحيحَ ما في السننِ بما فيها من الحسنِ، وكأنَّه سكتَ عن بيانِ ذلكَ؛ لاشتراكهما في الاحتجاجِ بهِ، واللهُ أعلمُ (٤). قوله: ٧٧ - كَانَ (أبُوْ دَاوُدَ) أقْوَى مَا وَجَدْ ... يَرْوِيهِ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لاَ يَجِدْ ٧٨ - في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ ... مِنْ رَأيٍ اقوَى قَالهُ (ابْنُ مَنْدَهْ) ٧٩ - وَالنَّسَئي (٥) يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا ... عَليْهِ تَرْكَاً، مَذْهَبٌ مُتَّسِعُ

стр. 256

أبو داودَ إنما يرى الضعيفَ أقوى من رأي الرجالِ؛ إذا كانَ صالحاً؛ لأنْ يجبرَ، وكانَ مندرجاً تحتَ أصلٍ عام، وهوَ قولُ الإمامِ أحمدَ، فإنَّهُ قالَ: ((إنَّ ضعيفَ الحديثِ أحبُّ إليهِ من رأي الرجالِ)) (١) ووجهه الاتفاق على أنَّهُ لا يُعدلُ إلى القياسِ إلا بعدَ عدمِ النص. فإنْ قيلَ: هذا ليسَ بنصِّ صحيحٍ، قلنا: أليسَ غايتهُ أنْ يكونَ من كلامِ النبي ﷺ ، ولا / ٧٦ ب / خلافَ حينئذٍ بينَ أحدٍ منَ المسلمينَ في وجوبِ العملِ بهِ، ما لم يمنعْ مانعٌ، والقياسُ غايتُه أنْ يوافقَ الصوابَ، فيجيءَ الخلافُ في جوازه، ولا شكَّ أنَّ احتمالَ كونِ النبي ﷺ قالهُ أرجحُ منِ احتمالِ كونه قالَ ما أدّى إليهِ القياسُ. وأيضاً فالقياسُ - ولو وافقَ الصوابَ - لا يجوزُ أنْ يقالَ: إنَّهُ قالهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، بخلافِ الحديثِ الضعيفِ على تقديرِ صحتهِ. ولا فرقَ في هذا القولِ بينَ الأحكامِ وغيرها. وفي المسألةِ قولٌ ثانٍ، وهوَ تركُ العملِ بهِ مطلقاً. قالهَ القاضي أبو بكرِ بنُ العربي. والصحيحُ التفصيلُ، فيستحبُ العملُ بهِ في الفضائلِ إلا أنْ يكونَ موضوعاً، ولا يعملُ بهِ في الأحكامِ إلا أنْ يكونَ في العملِ بهِ احتياطٌ وورعٌ. ذكرهُ النوويُّ في أولِ "الأذكارِ " (٢)، وعزاهُ للعلماءِ من المحدّثينَ والفقهاءِ وغيرِهم. لكنْ لا يَعتقدُ عندَ العمل بهِ ثبوتَهُ؛ لئلا يكونَ مُتقوّلاً على رسولِ اللهِ ﷺ ، بل يعتقدُ الاحتياطَ، أو أنَّهُ لا مانعَ منهُ لاندراجهِ تحتَ أصلٍ معمولٍ بهِ. (٣)

стр. 257

قوله: (أنْ يخرجَ عن كلِّ من لم يجمع على تركهِ) (١). تتمةُ كلامهِ: ((قالَ ابنُ مَندَه: وكذلكَ أبو داودَ السجستانيُّ يأخذُ مأخذهُ، ويخرجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لم يجد في البابِ غيرهُ. فقوله: يأخذُ مأخذهُ، ظاهرٌ في أنَّهُ يخرجُ من لم يجمعْ على تركهِ)). وقوله: و (يخرجُ) (٢): كلامٌ آخر مستأنفٌ، زادَ بهِ على النسائي. قال شيخُنا الحافظ برهانُ الدينِ (٣): ((فعرضتُ هذا على المصنفِ، فوافقَ عليهِ، فنظمتهُ في / ٧٧ أ / بيتٍ، فقلتُ: وقالَ في الأزديِّ أيضاً مثلَهُ ... كذا لهُ وشيخُنَا أهملَهُ - وقالَ -: فقولي: وقالَ -أي: ابنُ منده - وقولُ الأزديِّ هوَ أبو داودَ، وقولُ كذا لهُ، أي: لابنِ الصلاحِ، وشيخُنا - أي: العراقيُّ -)). انتهى ما وجدتهُ عنهُ. وما نُقِلَ عنِ النَّسائيِّ، وعنْ أبي داودَ كذا (٤) فهمهُ شيخُنَا البرهانُ (٥) غيرَ مقيدٍ بكتابٍ، فكيفَ يحملهُ المصنفُ على ما هوَ ظاهرُ صنعهِ في النظمِ والشرحِ (٦) على أنَّ المرادَ أنَّ ذَلِكَ صُنعُ النَّسائيِّ (٧) في كتابِ "السننِ"، فإنَّهُ يمكنُ أنْ

стр. 258

يكونَ هذا مذهبهُ لكنهُ تجوَّزَ في "سننهِ"، وهو الواقعُ، فإنَّهُ إذا أخرجَ فيهِ عنْ ضعيفٍ يعتذرُ بأنْ يقولَ: إنما أخرجتُ حديثَ فلانٍ للتنبيهِ عليهِ، أو لئلا يسقطَ (١) منَ التبين، ونحو ذَلِكَ، وقدْ نقلَ الدارقطنيُّ عنْ شيخِهِ أبي طالبٍ أحمدَ بنِ نصرٍ أنَّهُ قالَ: ((منْ يصبرُ على ما صبرَ عليهِ النَّسائيُّ، عندهُ من (٢) حديثِ ابنِ لهيعةَ بعلوٍّ، ولم يخرجْ منهُ حديثاً واحداً)) (٣)، ونقلَ ابنُ طاهرٍ عنْ سعدٍ الزنجانيِّ أنَّهُ قالَ: ((إنَّ لأبي عبدِ الرحمانِ شرطاً في الرجالِ أقوى منْ شرطِ البخاريِّ ومسلمٍ)) (٤). قالَ شيخُنَا: ((ومعَ ذلكَ فالظاهِرُ أنَّهُ يُريدُ إجماعاً خاصاً عنْ طائفةٍ مخصوصةٍ، لا إجماعَ جميعِ المسلمينَ)) (٥). وقولهُ: ٨٠ - وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا ... فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلاً صَرِيْحَا قولهُ: (حيثُ قالَ) (٦) يعني: السلفيَّ في الكتبِ الخمسةِ: هي ما عدا كتابِ ابنِ ماجه، وأَولُ مَنْ ضمَّ ابنَ ماجه إليها ابنُ طاهرٍ المقدسيُّ، فلمْ يُقلَّد في ذلكَ، فلما (٧) ضمَّهُ الشيخُ عبدُ الغنيِّ إليها في كتابهِ / ٧٧ب / " الكمال" تابعَهُ النَّاسُ.

стр. 259

قولهُ: (اتفقَ على صحتهَا) (١)، أي: صحةِ أحاديثِها، لا يقالُ: المرادُ صحةُ نسبتها إلى مُصنفيها (٢) كما اعتذر بهِ بعضهمْ؛ لأنَّهُ لا (٣) اختصاصَ لها بذلكَ، بل كلُّ كتابٍ اشتهرَ كـ " الموطأ " و" مسندِ أحمدَ " وعبدِ بنِ حميدٍ ونحوِها، فهوَ كذلكَ، فليسَ حينئذٍ لهذه الخمسةِ مزيةٌ، ويحملُ قولُ السلفيِّ، ومنْ والاهُ على الأكثريةِ، ومنْ وصفَ النَّسائيَّ بالصحيحِ: الحاكمُ (٤)، وأبو أحمدَ بنُ عديٍّ، وأبو عليٍّ النيسابوريُّ (٥)، ولمْ يصلْ إلى ابنِ السكنِ إلاَّ الصحيحانِ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ فوصفها بالصحةِ. عبارةُ ابنِ الصلاحِ في أول هذه المسألةِ: ((مِنْ أهلِ الحديثِ مَنْ لا يفردُ نوع الحسنِ ويجعلهُ مندرجاً في أنواعِ الصحيحِ؛ لاندراجهِ في أنواعِ ما يحتجُّ بهِ، (٦) وهو

стр. 260

الظاهرُ منْ كلامِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ الحافظِ في تصرفاتهِ، وإليهِ يومىءُ في تسميتهِ كتابِ الترمذيِّ بـ " الجامعِ الصحيحِ " (١)، ثمَّ يسمِّي الواصفينَ لها أو لبعضِها بالصحيحِ، وقالَ: وهذا تساهلٌ؛ لأنَّ فيها ما صرحوا بكونهِ ضعيفاً، أو منكراً، أو غيرَ (٢) ذلكَ منْ أنواعِ الضعيفِ، وصرَّحَ (٣) أبو داودَ فيما قدَّمنَا روايتَهُ عنه بانقسامِ ما في كتابهِ إلى صحيحٍ وغيرهِ، والترمذيُّ مصرِّحٌ فيما في كتابهِ بالتمييزِ بينَ الصحيحِ والحسنِ، ثمَّ إنَّ من يُسمي الحسنَ صحيحاً لا ينكرُ أنَّهُ دونَ الصحيحِ المقدَّمِ المبيَّنِ أولاً، فهذا إذن اختلافٌ في العبارةِ دونَ المعنى، والله أعلم)) (٤). قالَ الشيخُ في "النكتِ" (٥): ((وإنما قالَ السِّلفيُّ بصحةِ أصولهِا، كذا ذكرهُ في مقدمةِ الخطابيِّ، فقالَ: وكتابُ أبي داودَ فهوَ أحدُ الكتبِ الخمسةِ التي اتفقَ أهلُ / ٧٨أ / الحلِّ والعقد منَ الفقهاءِ، وحفاظِ الحديثِ الأعلامِ النبهاءِ على قبولها، والحكمِ بصحةِ أصولها. انتهى. ولا يلزمُ من كونِ الشيء له أصلٌ صحيحٌ أنْ يكونَ هو صحيحاً، فقد ذكرَ ابنُ الصلاحِ - عندَ ذكرِ التعليقِ -: ((أنَّ مالم يكنْ في لفظهِ جزمٌ مثلَ رُوي، فليسَ في شيء منهُ حكمٌ منهُ بصحةِ ذلكَ عنهُ، قالَ: ومعَ ذلكَ فإيرادهُ له في أثناءِ الصحيحِ مشعرٌ بصحةِ أصله)) (٦). انتهى.

стр. 261

فَلَم يحكم في هذا بصحةٍ، مع كونهِ له أصلٌ صحيحٌ)). انتهى. وعنِ ابنِ كثيرٍ: ((أنَّ في الترمذيِّ أحاديثَ كثيرةً منكرةً، وفي النسائيِّ رجالٌ مجهولونَ إمّا عيناً، أو حالاً، وفيهم المجروحُ، وفيهِ أحاديثُ ضعيفةٌ، ومعللةٌ، ومنكرةٌ)) (١) (٢). قولهُ: ٨١ - وَدُوْنَهَا في رُتْبَةٍ مَا جُعِلاَ ... عَلى المَسَانِيْدِ، فَيُدْعَى الجَفَلَى ٨٢ - كَمُسْنَدِ (الطَّيَالَسِيْ) و (أحْمَدَا) ... وَعَدُّهُ (لِلدَّارِميِّ) انْتُقِدَا أي: ودونَ السننِ المرتَّبة (٣) على الأبوابِ من (٤) الستةِ وغيرها في رتبةِ الاحتجاجِ الكتبُ المجموعةُ على المسانيدِ، فإنَّ من شأنِ المسندِ أنْ يذكرَ فيهِ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ جميعه، فيُدعى الحديثُ فيهِ الدعوةَ الجفلَى، أي: العامةَ للضعيفِ وغيرهِ، بخلافِ المرتّبِ على الأبوابِ؛ فإنَّ شأنهُ أنْ يُساقَ الحديثُ فيهِ للاحتجاجِ، والمحتجُّ من شأنهِ أنْ لا يوردَ لإثباتِ دعواهُ إلا المقبولَ، فالمبوِّبُ إذا قالَ: بابُ كيتَ وكيتَ فكأنَّهُ قالَ: أنا أدّعي أنَّ الحكمَ في المسألةِ الفلانيةِ كذا وكذا، بدليلِ ما حَدّثَنا فلانٌ، عن فلانٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ كذا وكذا. هكذا قالَ (٥)، وليسَ بمسلّمٍ لهُ ذلكَ طرداً، ولاعكساً. نَعَم هذا هوَ الأصلُ، لكنْ قد ينعكسُ الأمرُ، فينتقي صاحبُ المسندِ، فلا يذكرُ إلاّ مقبولاً، كما صنعَ الإمامُ أحمدُ، / ٧٨ ب / فإنَّهُ قالَ: ((انتقيته من سبعِمئةِ ألفٍ وخمسينَ ألفَ

стр. 262

حديثٍ)) (١) فما كانَ ينبغي لهُ أنْ يمثلَ بهِ لما دونَ السننِ، وإنْ كانَ المصنِّفُ قد قالَ في " النكتِ " (٢): ((إنَّ فيهِ الموضوعَ)) فإنَّ شيخَنا (٣) قد نَفَى ذلكَ، وصنَّفَ كتاباً في الذبِّ عنِ المسندِ (٤)، وكذا البزارُ انتقى "مسندهُ" وإذا ذكرَ فيهِ ضعيفاً بيَّنَ حالَهُ في بعضِ الأحاديث وربما اعتذرَ عن إيرادهِ بأنَّهُ ما وَجدَ في البابِ غيرَه أو بغيرِ ذلكَ. وإسحاقُ بنُ راهويهِ يخرجُ أمثلَ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ، ويجمعُ المبوبَ كابنِ ماجه، فيذكرُ ماله تعلقٌ بترجمةِ ذلكَ البابِ ضعيفاً كانَ، أو غيرَهُ، لا سيَّما إذا قالَ: ما جاءَ في كيت وكيتَ. فإنْ قيلَ: إنما الضميرُ في ((دونها)) للكتبِ الخمسةِ فقط، قيلَ: لو كانَ كذلكَ لما قابلها بالمسانيدِ بل كانَ يقولُ: ودونها غيرها منَ المرتبِ على الأبوابِ ودونَ الكلِّ المسانيدُ. وعبارةُ ابنِ الصلاحِ الذي نظم الشيخُ كلامهُ: ((كتبُ المسانيدِ (٥) غيرُ ملتحقةٍ بالكتبِ الخمسةِ التي هي " الصحيحانِ "، و" سننُ أبي داودَ "، و" سننُ النسائيِّ "،

стр. 263

و" جامعُ الترمذيِّ "، وما جرى مجراها في الاحتجاجِ بها، والركونِ إلى ما يوردُ فيها مطلقاً " كمسندِ أبي داودَ الطيالسيِّ " (١) و" مسندِ عبيدِ اللهِ بنِ موسى " (٢)، و" مسندِ أحمدَ بنِ حنبلٍ "، و" مسندِ إسحاقَ بن راهويهِ "، و" مسندِ عبدِ بنِ حميدٍ "، و" مسندِ الدارميِّ " (٣)، و" مسندِ أبي يعلى الموصلي "، و" مسندِ الحسنِ بنِ سفيانَ "، و" مسندِ البزارِ أبي بكرٍ " (٤)، وأشباهها. فهذه عادتُهم / ٧٩ أ / فيها أن يخرجوا في مسندِ كلِّ صحابيٍّ ما رووهُ من حديثهِ غير متقيدين بأنْ يكونَ حديثُهُ (٥) محتجاً بهِ (٦)، فلهذا تأخرت مرتبتُها - يعني: المسانيدَ (٧) وإن جلّتْ لجلالةِ مؤلفيها - عن مرتبةِ الكتبِ

стр. 264

الخمسةِ، وما التحقَ بها منَ الكتبِ المصنفةِ على الأبوابِ، واللهُ أعلمُ)) (١). فقد تبيّنَ أنَّ قولَ الشيخِ في رتبةِ الصحةِ غيرُ جيدٍ؛ لأنَّ ابنَ الصلاحِ عبرَ بالاحتجاجِ، وهوَ أعمُّ منَ الصحةِ؛ لشموله الحسنَ. وعبارةُ الشيخِ في " نكته " على هذا الموضعِ: ((اعترضَ على المصنفِ بالنسبةِ إلى صحةِ بعضِ هذه المسانيدِ، بأنَّ أحمدَ بنَ حنبلٍ شرطَ في مسندهِ أنْ لا يخرجَ إلا حديثاً صحيحاً عندهُ. قالهُ أبو موسى المدينيُّ (٢)، وبأنَّ إسحاقَ بنَ راهويهِ يخرجُّ أمثلَ ما وردَ عن ذلكَ الصحابيِّ، ذكرهُ عنهُ أبو زرعةَ الرازيُّ (٣)، وبأنَّ " مسندَ الدارميِّ " أطلقَ عليهِ اسمَ الصحيحِ غيرُ واحدٍ منَ الحفّاظِ، وبأنَّ " مسندَ البزارِ " بيّن فيهِ الصحيحَ وغيرَهُ. انتهى ما اعترضَ بهِ عليهِ. والجوابُ: أنا لا نسلّم أنَّ أحمدَ اشترطَ الصحةَ في كتابهِ، والذي رواهُ أبو موسى المدينيُّ بسنده إليهِ أنَّهُ سُئلَ عن حديثٍ، فقالَ: ((انظروهُ إنْ كانَ في المسندِ (٤)، وإلا فليسَ بحجةٍ)) (٥)، وهذا ليسَ صريحاً في أنَّ جميعَ ما فيهِ حجةٌ، بل فيهِ أنَّ ما ليسَ في كتابهِ ليسَ بحجةٍ. على أنَّ ثمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحِ، وليس في "مسندِ أحمدَ". منها حديثُ عائشةَ في قصةِ أمِّ زرعٍ (٦). وأمّا وجودُ الضعيفِ فيهِ فهوَ محققٌ، بل فيهِ أحاديثُ موضوعةٌ، وقد جمعتُها في جزءٍ، وقد ضَعّفَ الإمامُ أحمدُ (٧) نفسُهُ أحاديثَ فيهِ، فمن ذلكَ: / ٧٩ ب /

стр. 265

حديثُ عائشةَ مرفوعاً: ((رأيتُ عبدَ الرحمان بنَ عوفٍ يدخلُ الجنةَ حبواً)) (١) وفي إسنادهِ عمارةُ، وهو ابنُ زاذانَ. قالَ الإمامُ أحمدُ: ((هذا الحديثُ كذبٌ منكرٌ. قالَ: وعمارةُ يروي أحاديثَ مناكيرَ (٢)، وقد أوردَ ابنُ الجوزيِّ هذا الحديثَ في " الموضوعاتِ " (٣)، وحَكَى كلامَ الإمامِ أحمدَ المذكورَ، وذكرَ ابنُ الجوزيِّ أيضاً في " الموضوعاتِ " مما في المسندِ حديث عمرَ: ((ليكوننَّ في هذه الأمةِ رجلٌ يقالُ له: الوليدُ)) (٤)، وحديثُ أنسٍ: ((ما مِن مُعَمَّرٍ يُعمَّرُ في الإسلامِ أربعينَ سنةً إلا صَرفَ اللهُ عنهُ أنواعاً منَ البلاءِ: الجنونَ، والجذامَ، والبرصَ)) (٥)، وحديثُ أنسٍ: ((عسقلانُ إحدى العروستينِ، يُبعثُ منها يومَ القيامةِ سبعونَ ألفاً لا حسابَ عليهم)) (٦)، وحديثُ ابنِ عمرَ: ((منِ احتكر الطعامَ أربعينَ ليلةً فقد برىء منَ اللهِ ... )) الحديثَ (٧). وفي الحكمِ بوضعهِ نظرٌ، وقد صححهُ الحاكمُ (٨)، وفيهِ (٩) أيضاً منَ المناكيرِ حديثُ بريدةَ: ((كونوا في بعثِ خراسانَ، ثمَّ انزلوا مدينةَ مرو، فإنَّهُ بناها ذو

стр. 266

القرنينِ)) (١) ولعبدِ اللهِ بنِ أحمدَ في "المسندِ" أيضاً زياداتٌ، فيها الضعيفُ والموضوعُ، فمنَ الموضوعِ حديثُ سعدِ بنِ مالكٍ (٢)، وحديثُ ابنِ عمرَ أيضاً في ((سدِّ الأبوابِ إلاّ بابَ عليٍّ)) (٣) ذكرهما ابنُ الجوزي أيضاً في " الموضوعاتِ " (٤) وقالَ: إنهما من وضعِ الرافضةِ. وأما "مسندُ إسحاقَ بنِ راهويه" ففيهِ الضعيفُ، ولا يلزمُ من كونهِ يخرجُ أمثلَ ما يجدُ للصحابي أنْ يكونَ جميعُ ما خرجهُ صحيحاً، بل هوَ أمثلُ بالنسبةِ لما تركهُ، ومما فيهِ منَ الضعيفِ: حديثُ سليمانَ بنِ نافعٍ العبدي / ٨٠ أ /، عن أبيهِ قال: ((وفدَ المنذرُ بنُ ساوى منَ البحرينِ حتى أتى مدينةَ النبي ﷺ ومعهُ أناسٌ، وأنا غُليمٌ أمسكُ جِمالَهم، فسلّموا على النبي ﷺ ، ووضعَ المنذرُ سلاحَهُ، ولبسَ ثيابهُ، ومسحَ لحيتهُ بدهنٍ، وأنا معَ الجِمالِ أنظرُ، فكأني أنظرُ إلى نبي اللهِ ﷺ كما أنظرُ إليكَ)). قالَ: ((وماتَ وهو ابنُ عِشرينَ ومئةٍ)) (٥) قال صاحب (٦) " الميزانِ ": ((سليمانُ غيرُ معروفٍ، وهوَ يقتضي أنَّ نافعاً عاشَ إلى دولةِ هشامٍ)) (٧). انتهى.

стр. 267

والمعروفُ أنَّ آخرَ الصحابةِ موتاً أبو الطفيلِ (١) كما قالهُ مسلمٌ (٢) وغيرُه، واللهُ أعلمُ. وأما "مسندُ الدارميِّ" فلا يخفى ما فيهِ من الضعيفِ لحالِ رواتهِ، أو لإرسالهِ، وذلكَ كثيرٌ كما تقدّمَ. وأما " مسندُ البزارِ " فإنَّهُ لا يبيّنُ الصحيحَ منَ الضعيفِ إلا قليلاً، إلا أنَّهُ يتكلمُ في تفرّدِ بعضِ رواةِ الحديثِ، ومتابعةِ غيرهِ عليهِ، واللهُ أعلمُ)). (٣) انتهى. وعنِ ابنِ كثيرٍ أنَّهُ قالَ: ((وأما قولُ الحافظِ أبي موسى محمدِ بنِ أبي بكرٍ المدينيِّ عن " مسندِ الإمامِ أحمدَ ": إنَّهُ صحيحٌ (٤)، فقولٌ ضعيفٌ، فإنَّ فيهِ أحاديثَ ضعيفةً، بل وموضوعةً (٥)، كأحاديث فضائلِ مروَ، وعسقلانَ، والبرثِ الأحمرِ عندَ حمصَ، وغيرِ ذلكَ، كما نبهَ عليهِ طائفةٌ منَ الحفاظِ، قالَ: وقد فاتَهُ في كتابهِ هذا - معَ أنَّهُ لا يوازيهِ كتابٌ مسندٌ في كثرتهِ وحسنِ سياقهِ - أحاديثُ كثيرةٌ جداً، بل قد قيلَ: إنَّهُ لم يقع له (٦) جماعةٌ من الصحابةِ الذينَ في الصحيحينِ قريباً من مئتينِ (٧))) (٨) (٩).

стр. 268

قوله: (ويقالُ: إنهُ أولُ مسندٍ صنِّفَ) (١) الذي حمل قائلَ هذا القولِ عليهِ تقدّمُ عصر أبي / ٨٠ ب / داودَ على أعصارِ منْ صنَّفَ المسانيدَ، وظَنَّ أنَّهُ هوَ الذي صنَّفهُ، وليسَ كذلكَ، فإنَّهُ ليسَ مِنْ تصنيفِ أبي داودَ، وإنَّما هوَ جمعُ بعض الحفّاظِ الخراسانيينَ، جمعَ فيهِ ما رواهُ يونسُ (٢) بنُ حبيبَ خاصةً عنْ أبي داودَ، ولأبي داودَ منَ الأحاديثِ التي لم تدخلْ هذا المسندَ قدره أو أكثر، بلْ قدْ شذَّ عنهُ كثيرٌ منْ روايةِ يونسَ، عنْ أبي داودَ، قالَ: وشبيهٌ بهذا " مسندُ الشافعيِّ " فإنَّهُ ليسَ تصنيفهُ، وإنما لَقَطَهُ بعضُ الحفّاظِ النيسابوريينَ منْ مسموعِ الأصمِّ منَ " الأمِّ " وسمعهُ عليهِ، فإنَّهُ كانَ سمعَ " الأمَّ "، أو غالبها على الربيعِ، عن الشافعيِّ (٣)، وعَمَّرَ، فكانَ آخرُ مَنْ رَوَى عنهُ، وحصلَ لهُ صممٌ، فكانَ في السماعِ عليهِ مشقةٌ (٤). قولهُ: (فيدعى) (٥) فاؤهُ سببيةٌ، أي: فبسببِ جعلهِ على المسانيدِ لَزِمَ أنْ يدعي الحديثَ إليهِ الجفلا؛ لأنَّهُ إذا ذكرَ صحابياً، فكأنَّهُ قالَ: ذكرُ ما لهذا الصحابيِّ منَ الحديثِ (٦).

стр. 269

قولهُ: (وعده للدارمي) (١) أجابَ بعضُهم عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّهُ يحتملُ أنْ يكونَ أرادَ دارمياً آخرَ، قالَ: فذكرَ الشيخُ أنَّهُ وجدَ حاشيةً بخطِ ابنِ الصلاحِ أنَّهُ أرادَ بالدارميِّ: عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمانِ، فانتفى ذلكَ. قلتُ: لكنْ قدْ قالَ الخطيبُ - فيما رأيتهُ بخطِ المصنفِ في القطعةِ التي وجدتُها منْ " شرحهِ الكبيرِ "- في ترجمةِ الدارميِّ (٢): ((إنَّهُ صنَّفَ المسندَ، والتفسيرَ، والجامعَ)) (٣) فلعلَ ابنَ الصلاحِ اطّلعَ على المسندِ، ودَرسَت نسخُهُ بعدَ ذلكَ، فلمْ نرَ شيئاً منها، كغيرهِ منَ الكتبِ التي لم نرَ / ٨١أ / غيرَ أسمائها، والله أعلم. قالَ شيخُنا: ((وأما هذا السننُ المسمى بـ " مسندِ الدارميِّ " فإنّهُ ليسَ دونَ السننِ في المرتبةِ، بل لو ضُمَّ إلى الخمسةِ لكانَ أولى منِ (٤) ابنِ ماجه، فإنَّهُ أمثلُ منهُ بكثيرٍ)). قالَ الشيخُ في "النكتِ" (٥): ((واشتهرَ تسميتهُ بالمسندِ، كما سَمَّى البخاريُّ كتابَهُ: "المسندَ الجامعَ الصحيحَ" وإنْ كانَ مرتباً على الأبوابِ؛ لكونِ أحاديثهِ مسندة، إلاَّ أنَّ " مسندَ الدارميِّ " كثيرُ الأحاديثِ المرسلةِ، والمنقطعةِ، والمعضلةِ، والمقطوعةِ)) واللهُ أعلمُ (٦). قولهُ: (كنى بهِ عنْ كونِ المسانيدِ) (٧) كانَ منْ حقِ العبارةِ أنْ يقالَ فيها: كنى بهِ عنْ سببِ كونِ المسانيدِ .. إلى آخرهِ، هكذا كانتْ في نسختي، ثمَّ رأيتُ

стр. 270

في غيرها: ((كنّى بهِ عنْ بيانِ كونِ .. )) إلى آخرهِ، فاستقامَ حينئذٍ؛ لأنَّ معناهُ أنَّ الدعاءَ الجفَلَى مبينٌ لنزولِ رتبةِ المسندِ؛ لأنَّهُ بصددِ أنْ يذكرَ كلَّ حديثٍ رُوِيَ عنِ الصحابيِّ مسنداً، كيفَ كانَ. (١) قولهُ: (فإنَّ الدعوةَ عندَ العربِ على قسمينِ) (٢) الدعوةُ عندَهمْ على أقسامٍ كثيرةٍ، وأمّا الذي على قسمينِ فهوَ المدعوُّ، فتارةً يكونُ عاماً، وتارةً يكونُ خاصاً. قلتُ: كذا قالَ شيخُنَا، والذي يظهرُ أنَّ كلامَ المصنِّفِ أحسنُ، وأنَّ (٣) الذي هوَ أنواعٌ إنما هوَ الطعامُ المدعوُّ إليهِ، والاسمُ العامُّ لجميعِ أنواعهِ الماديةِ، وأمّا الدعوةُ بفتحِ الدالِ وضمِهَا، التي هي منْ (٤) دعاءِ الناسِ إلى الطعامِ، فهي قسمانِ: خاصةٌ وعامةٌ، وهذا أمرٌ لغويٌّ، يرجعُ فيهِ إلى كلامِ أهلِ اللغةِ، وها أنا أذكرُ لكَ / ٨١ب / ما رأيتُهُ من ذلكَ عنِ الإمامِ أبي الفتحِ عثمانَ بنِ جنّي، وفي " القاموسِ " للإمامِ مجدِ الدينِ الفيروزآبادي، وكتابِ " الأسماءِ والصفاتِ " للحسنِ بنِ عبدِ اللهِ العسكري، وما كانَ عنِ ابنِ جنّي فمن خطّهِ نقلتُهُ، قالَ: قالَ أبو عبيدٍ: سمعتُ أبا زيدٍ يقولُ: يُسمَّى الطعامُ الذي يصنعُ عندَ العرسِ: الوليمة، والذي عندَ الإملاكِ: النّقيعة، نَقعتُ نقوعاً، وأَولمتُ إيلاماً. ((العسكري)) الوليمةُ: ما يُطعمُ في الإملاكِ. ((القاموسُ)): والوليمةُ: طعامُ العُرْسِ، أو كلُّ طعامٍ صُنِعَ لدعوةٍ وغيرِها، وأَولَمَ: صَنعَها. (٥) ((ابنُ جني والفرّاءُ)). والنقيعةُ: ما صنعهُ الرجلُ عندَ قدومهِ من سفرٍ، يقالُ: أنقعتُ إنقاعاً ((القاموس)) في مادةِ ((نقعَ)) وكسَفينةٍ: طعامُ القادمِ من سَفرٍ، وكلُّ

стр. 271

جزورٍ جُزِرَتْ للضيافةِ، وطعامُ الرجلِ ليلةَ يملكُ (١). ((ابن جني)): وعندَ البناءِ يبنيهِ الرجلُ في دارهِ ((العسكري)): وعندَ بناءِ الدورِ. الوَكِيرةُ وقد وكّرتُ تَوكيراً. ((القاموس)): والوَكرَةُ - وتُحرّكُ --والوَكِيرُ والوَكِيرةُ: طعامٌ يُعمَلُ لفَراغِ البُنيانِ، وقد وَكَر لهم كوَعَدَ (٢). ((ابن جني)). وعندَ الخِتانِ إعذارٌ. ((القاموس)): العِذارُ: طعامُ البناءِ، والخِتانِ، وأنْ تستفيدَ شيئاً جديداً، فتتخذَ طعاماً تدعو إليهِ إخوانك كالإعذارِ، والعَذيرةِ، والعَذيرِ فيهما (٣). ((ابنُ جني)) وعندَ الولادةِ الخُرسُ، فأمّا الذي تَطعمُهُ النفساءُ نَفسها، فهوَ الخُرسَةُ، وقد خَرستُ، أي: تخريساً. ((القاموس)): الخُرسُ بالضمِ: طعامُ الولادةِ / ٨٢أ / وبهاءٍ: طعامُ النُّفساءِ، وخَرّسَ على المرأةِ تخريساً أطعمَ في ولادتِها، وتَخرَّسَتْ هي اتخذتْهُ لنفسِها، ومنهُ: ((تَخَرَّسِي يا نَفسُ، لا مُخَرِّسَةَ لكِ)) قالتهُ امرأةٌ وَلَدتْ ولم يكنْ لها مَنْ يهتَمُّ لها، يُضربُ في اعتناءِ المرءِ بنفسهِ (٤). ((ابنُ جني)): وكلُّ طعامٍ بعدُ صُنعَ لدعوةٍ فهوَ مَأدُبةٌ ومَأدَبةٌ، وقد آدَبتُ أودِبُ إئداباً. غيرهُ، أي: غير أبي عبيدٍ، وأدَبتُ أَدبَاً. ((العسكري)): والمأدُبةُ: الدّعوةُ. ((القاموس)): الأَدْبُ بالفتحِ -أي: ثمَّ سُكونٍ-: مصدرُ أَدَبَهُ يَأدِبُهُ: دعاهُ إلى طعامهِ، كآدبّهُ إئداباً، وأَدَبَ يأدِبُ أَدَباً مُحرّكةً، عَمِلَ مَأدَبةً، والأُدْبَةُ بالضمِ والمأدُبَةُ والمأدَبَةُ: طعامٌ صُنعَ لدعوةٍ أو عُرسٍ. (٥)

стр. 272

((ابنُ جني: أبو زيدٍ)) يقالُ للطعامِ الذي يُتعلّلُ بهِ قبلَ الغداء: السُّلفةُ واللُّهنةُ، وقد سَلَّفتُ للقومِ، ولهّنتُ لهم، أي: تسليفاً، وتلهيناً. ((القاموس)): والسُّلفةُ: بالضمِّ، اللَّمْجَةُ، أي: بالضمِّ والجيمِ، وهي ما يُتعلّلُ بهِ قبلَ الغداء (١)، والتَّسليفُ: أكلُ السُّلفَةِ (٢)، واللهنةُ: بالضمِّ، ما يُهديهِ المسافرُ، واللُّمجةُ (٣). ((العسكري)): واللُّهنةُ ما يهديهِ الرجلُ إذا قدمَ من سفرٍ، يقالُ: لهنونا مما عندَكم. وقالَ أبو زيدٍ: اللهنةُ ما يتعللُ بهِ الضيفُ قبلَ الطعامِ. ((ابنُ جنيِّ)): الأمويُّ: ولهجتُهم أيضاً بمعناهُ، أي: تلهيجاً. ((القاموسُ)): واللُّهجَةُ - أي: بالضمِّ - اللمجَةُ، ولهجتهم تلهيجاً أطعمتهم إياها (٤). ((ابنُ جني)): غيره - أي: غير أبي زيدٍ -: القَفِيّ، أي: بوزنِ غَني: الذي يُكرمُ بهِ الرجلُ، يقالُ: قفوتهُ. ((القاموس)): والقفيّ كغني الضّيفُ المُكرمُ، وما يكرمُ بهِ من الطعامِ وأَقفَى / ٨٢ ب / أكَلَها. (٥) ((العسكري)): والخبيرةُ، الدعوةُ على عقيقةِ الغلامِ. ((القاموس)): والخُبْرةُ بالضمِ - أي: والخاءِ المعجمةِ والموحدةِ -: الطعامُ واللّحمُ، وما قُدّمَ من شيءٍ، وطعام يحملُهُ المسافرُ في سُفرتهِ (٦)، والحُترَةُ أي: بضمِ المهملةِ، وإسكانِ الفوقانيةِ الوكيرةُ كالحتيرةِ، وحتّرَ لهم تحتيراً: اتخذَ لهم وَكِيرةً (٧)، ثمَّ قالَ: والحثرةُ -أي: بمهملةٍ ثمَّ مثلثة- الوكيرةُ والعقيقُ

стр. 273

شَعَرُ كلِّ مولودٍ من الناسِ والبهائمِ، كالعِقَّةِ بالكسرِ، وكسَفينةٍ، والعقيقةُ أيضاً الشاةُ التي تذبحُ عندَ حلقِ شَعَرِ المولودِ (١)، وغُرْلَةُ الصبيِّ، وعقَّ عنِ المولودِ ذبَحَ عنهُ. ((القاموسُ)) أيضاً، و ((العسكريُ)): والوَضِيمةُ طعامُ المأتمِ. ((القاموسُ)): حذقَ الصبيُّ القرآنَ والعملَ كضَرَبَ وعملَ (٢) حَذْقاً وحذاقاً وحَذاقةً ويُكسرُ (٣) الكلُّ، والحِذاقةُ بالكسرِ الاسمُ، تَعلَّمهُ كلَّهُ، ومَهَرَ فيهِ، ويومُ حذاقهِ يومُ ختمهِ للقرآنِ. (٤) وقالَ: التُّحفةُ بالضمِ البرُّ واللّطفُ والطُّرفةُ جمعه تُحَفٌ، وقد أتحفتهُ تحفةً (٥). والنُّزلُ بضمتينِ المنزلُ، وما هيىءَ للضيفِ أنْ ينْزلَ عليهِ كالنزلِ جمعه أنزالُ، والطعامُ ذو البركةِ كالنَّزيلِ، والفضلُ والعطاءُ والبركةُ. والقومُ النازلونَ (٦). وقرَى الضيفَ يقريهِ قِرىً بالكسرِ والقصرِ، والفتح والمدّ أضافهُ كاقتراهُ، واستقرَى واقتري وأقرَى: طلبَ ضيافةً، وهو مقرى للضيفِ ومِقراءٌ، وهي مقراةٌ، ومقراءٌ. والمقراةُ أيضاً: القصعةُ يقرى فيها، والمقَاري القُدورُ (٧). وقد نظمَ بعضُ الفضلاءِ أكثرَ ذلكَ، فقالَ: أسَامي الطعامِ اثنانِ من بعد عشرةٍ ... سأسرُدُها مقرونةً ببيانِ وليمةُ عُرْس ثم خُرسُ ولادةٍ ... عقيقةُ مولودٍ وكيرةُ باني وضيمةُ ذي موتٍ نقيعةُ قادمٍ ... عذيرةُ أو إعذارُ يوم خِتانِ

стр. 274

ومأدبةُ الخلانِ لا سبب لها ... حِذاقُ صغيرٍ يوم ختمِ قرانِ وعاشرُها في النّظمِ تحفةُ زائرٍ ... قِرى الضيفِ مع نُزلٍ له بقرانِ (١) وقد (٢) علمتَ من كلامِ العسكري و ((القاموسِ)) أنَّ قولهُ: ((لا سببَ لها)) معناه: أنها غيرُ مقيدةٍ بسببٍ، دونَ سببٍ، لا بمعنى أنها مقيدةٌ بنفي السببِ، فهي أعمُّ الكل. انتهى. وكلٌ من هذهِ الأنواعِ ينقسمُ إلى قسمي الدعوةِ الخاصِّ والعامِّ: فالدعوةُ العامةُ الجفلى بجيمٍ وفاءٍ محرّكاً، ومادتها تدورُ على التقطّعِ والتبدّدِ، فالمرمي يلزمهُ ذلكَ، وكذا الكثيرُ في الغالبِ، وكذا المسرعُ ينقطعُ، ويفترقُ من كلِّ ما يمرُّ عليهِ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِ في كتابهِ " الواعي ": ((جَفلتُ المتاعَ، أي: رميتُ بعضَه على بعضٍ، ويقالُ: انجفلَ القومُ كلَّهم، أي: تقطّعوا وتبدّدوا، وفي صفةِ الدجّالِ: جُفالُ الشَّعْرِ، أي: كثيرهُ)). قال أبو عبدِ اللهِ: الجفالُ: الكثيرُ من الشَّعْرِ، والجفالةُ: الجمعُ الكثيرُ من الناسِ. وقال قاسمٌ: الجفالُ الصوفُ. قال أبو عبدِ اللهِ: يقالُ: جفلَ الرجلُ وأجفلَ إذا أسرعَ في عَدْوِهِ خوفاً، فهوَ جافلٌ ومجفِلٌ، ويقالُ: فلانٌ يدعو الجفلى إذا كانَ يعمُّ بالدعوةِ، أي: هوَ يدعو الكثيرَ من الناسِ، ويقالُ: الأجفَلَى، وتروى كذلكَ في شِعرِ طرفةَ، أي: المذكور، وهي لغةٌ، وقد أنكرها بعضَهم. وقال ابنُ فارسٍ في " المجملِ ": ((والجفلى أن تدعو الناسَ إلى طعامِكَ عامةً من غيرِ اختصاصٍ)) (٣).

стр. 275

وفي " القاموسِ ": ودعاهم الجفلى محرّكةً، والأَجفَلَى، أي: بجماعتِهم وعامتِهم، والأجفَلَى / ٨٣ ب / الجماعةُ من كلِّ شيءٍ. (١) وقال العسكريُّ: والجفَلَى والأجفَلَى أن تدعو القومَ كلَّهم، والنَّقَرَى - أي: بنونٍ وقاف ومهملةٍ مُحرّكاً مقصوراً - أنْ تخصَّ قوماً دونَ قومٍ، وقدِ انتقرَ. في " القاموسِ ": ودعوتهم النَّقرَى، أي: دعوةً خاصةً، وهو أنْ يدعوَ بعضاً دونَ بعضٍ، وهوَ الانتقارُ أيضاً. (٢) وقالَ عبدُ الحقِّ في " الواعي ": ((ونَقرَ الرجلُ باسمِ صاحبهِ ينقرُ إذا دعاهُ استخصاصاً (٣) لهُ، وكذا إذا سمّاه من بينهم، وقدِ انتقرَ انتقاراً إذا فعلَ ذلكَ، وهي النَّقَرَى، وفلانٌ يدعو النَّقَرَى إذا خصَّ في دعوتهِ، والانتقارُ الاختصاصُ)). وقالَ ابنُ فارسٍ: ((نَقَرت بالرجلِ إذا دعوتَهُ إليكَ من بينِ الجماعةِ، ومنه النَّقَرى)) (٤) انتهى. وهوَ مأخوذٌ من قولهم: رجلٌ نقّارٌ ومنقِرٌ إذا كانَ ينقرُ عنِ الأمورِ والأخبارِ، أي: يبحثُ، والمادةُ كلَّها تدورُ على الحفر منَ النقيرِ، وهو النكتةُ التي في ظهرِ النواةِ، ومنهُ تنبتُ النخلةُ. والآدبُ -اسمُ فاعل من الأدبِ- في البيتِ بفتحٍ ثمَّ سكونٍ، وهوَ الدعوةُ إلى الطعامِ. قال ابنُ فارسٍ في " المجمل ": ((والأدْبُ دعاءُ الناسِ إلى طعامِكَ، والآدِبُ الداعي إليهِ)) (٥) انتهى.

стр. 276

وقد تقدّمَ بسطُ ذلكَ. والمشتاةُ بفتحِ الميمِ الشِتاءُ. قالهُ ابنُ فارسٍ في " المجملِ "، والفارابي في " ديوانِ الأدبِ ". واستشهدَ عليِهِ في " المجملِ " ببيتِ طرفةَ هذا، وقالَ: ((قالَ الخليلُ: الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، أي: بفتحِ الميمِ، مقصورٌ)) (١). وقالَ في " ديوانِ الأدبِ " في بابِ مَفعَل بفتحِ الميمِ والعينِ منَ الراوي: المَشتَى: الشتاءُ. وقال في " القاموسِ ": الشتاءُ ككساءٍ آخرُ (٢) أرباعِ الأزمنةِ الأولى (٣)، واللهُ أعلمُ (٤). قوله: ٨٣ - والحُكْمُ لِلإسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أوْ ... بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا ٨٤ - وَاقْبَلْهُ إنْ أَطْلَقَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ ... وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بضَعْفٍ يُنْتَقَدْ / ٨٤ أ / قال شيخنا: ((أعيانا توجيهُ كلامِ ابنِ الصلاحِ في هذا الفصلِ؛ فإنَّ آخرَهُ يدفعُ أولَهُ. مفهومُ قولهِ: ((غير أنَّ المصنفَ المعتمدَ ... )) (٥) إلى آخرهِ، عدمُ التفصيلِ (٦)، وإنما يحكمُ على الحديثِ بالصحةِ دائماً إذا صححَ المعتمدُ إسنادهُ، ولم يعقبهُ بقادحٍ، وصدرُ كلامهِ مصرّحٌ بالتفصيلِ (٧): وهو أنّا نصححُ الإسنادَ حينئذٍ دونَ المتنِ، ولا يتخيلُ أبداً أنَّ الكلامَ الأولَ فيمن لا يعتمدُ، والثاني: فيمن يعتمدُ؛

стр. 277

لأنَّ غيرَ المعتمدِ لا يعتمدُ في الحكمِ على الإسنادِ ولا غيره. (١) اللهمَّ إلا أنْ يقالَ: إنَّ مرادَهُ بالمعتمدِ الغايةُ في العمدةِ، وهمُ النّقادُ الذينَ لهم اليدُ الطولَى في معرفةِ العللِ، فإنهم قليلٌ جداً، وغالبُ المحدّثينَ - وإنْ سُمّوا حُفّاظاً - لا يبلغونَ هذهِ الدرجةَ، فَهُم وإن كانت فيهم أهليةُ التصحيحِ والتضعيفِ، لا يصلونَ إلى رتبةِ أولئكَ، فيكونُ المعنى أنَّ الناقدَ إذا قالَ: ((صحيحُ الإسنادِ)) ولم يعقبهُ بقادحٍ، فكأنَّهُ قالَ: فتّشتُ فلم أجدْ لهذا الحديثِ علةً، وقد فرضَ أنَّهُ ناقدٌ، وأنَّ فيهِ ملكةَ المعرفةِ التامةِ، وقد علمتَ فيما مضى في بحثِ الصحيحِ أنَّ عدمَ اطلاعهِ بعدَ الفحصِ كافٍ في نفي (٢) الشذوذِ والعلةِ، إذ ليسَ المرادُ انتفاءَهما في نفسِ الأمرِ؛ فإنَّ ذلكَ مما يَقصُرُ عنهُ علمُ البشرِ، فانحلَّ ذلكَ إلى أنَّ قولهُ تارةً: ((صحيحٌ)) وأخرى: ((صحيحُ الإسنادِ)) تفننٌ في العبارةِ، ليسَ غير؛ إذ قد اتضحَ أنَّ عدمَ وجدانِ الناقدِ العلةَ والشذوذَ بعدَ الفحصِ كافٍ في التصحيحِ، أو يقالُ: إنَّ المفهومَ لقولهِ: ((المصنف)) لا لقولهِ: ((المعتمد)) ويكونُ معناهُ أنَّ المعتمدَ الذي / ٨٤ ب / لم يبلغْ درجةَ التصنيفِ إذا قالَ: ((صحيحُ الإسنادِ)) لا نستفيدُ منهُ صحةَ المتنِ، ولو لم يعقبهُ بقادحٍ، وكذا الذي بلغَ أهليةَ التصنيفِ، لكنْ قالَ ذلكَ في غيرِ تصنيفٍ)). قلتُ: وقد كنتُ أرى أنَّ كلامَ ابنِ الصلاحِ فيهِ تقديمٌ وتأخيرٌ، إذا رتَّبَ اتضحَ المعنى، وتقديره: حكمُ المصنفِ المعتمدِ على إسنادٍ بالصحةِ من غيرِ تعقيبٍ بقادحٍ حكمٌ للمتنِ أيضاً بالصحةِ، غير أنَّهُ دونَ حكمهِ على المتنِ بالصحةِ من أولِ الأمرِ. وأظُنُّ أنَّ ابنَ الصلاحِ أرادَ هذا المعنى، فلم توفِ بهِ عبارتُهُ، وهذا لا يُنقِصُ من جلالتهِ ﵀، ثمَّ ظهرَ لي أنَّ الكلامَ صحيحٌ موفٍ بالمعنى، ما فيهِ تقديمٌ

стр. 278

ولا تأخيرٌ، فالجملةُ الأولى (١) ادّعَى فيها أنَّ الحكمَ على الحديثِ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ دونَ الحكمِ عليهِ بأنَّهُ نفسَهُ صحيحٌ، فهذا كما ترى ظاهرهُ القول منه باشتراكهما في الصحةِ، غير أنَّ أحدَهما أعلى؛ لطروقهِ احتمالَ كونِ المصنفِ أرادَ أنَّ السندَ صحيحٌ، وأنَّ المتنَ شاذٌ، أو معللٌ. والجملةُ الثانيةُ من كلامه، وهي قولهُ: ((غيرَ أنَّ المصنفَ ... )) إلى آخره، كالتعليلِ لتصحيحِ الحديثِ الذي قيل فيهِ: ((صحيحُ الإسنادِ)) معَ أنَّهُ قد قررَ أنَّهُ لا ملازمةَ بينَ صحةِ المتنِ، وصحةِ السندِ. قالَ شيخُنا: ((والذي (٢) لا أشكُّ فيهِ أنَّ الإمامَ منهم لا يعدلُ عن قولهِ: ((صحيح)) إلى قوله: ((صحيح الإسنادِ)) إلا لأمرٍ ما)) (٣). قلتُ: وقد بانَ لكَ أنَّ هذا مرادُ ابنِ الصلاحِ، واللهُ أعلمُ. قال: وأكثرُ من يستعملُ ذلكَ / ٨٥ أ / الحاكمُ في " مستدركهِ " فتارةً يقول: ((صحيح على شرطهما))، وتارةً: ((على شرطِ أحدِهما))، وتارةً يقولُ: ((صحيحُ الإسنادِ، ولا علة له))، وتارةً: ((صحيح الإسنادِ)) ويسكتُ. قال (٤): وثمَّ مناقشةٌ أخرى في قوله: ((لأنَّ عدمَ العلةِ والقادحِ هوَ الأصلُ والظاهرُ)) (٥) فإنَّهُ هنا حكمَ بالصحةِ من غيرِ بحثٍ عن عدمِ العلةِ، وجعلَ في قسمِ الصحيحِ انتفاءَ العلةِ شرطاً لهُ، وقضيةُ كونِ عدمها فيه شرطاً أنْ يبحثَ عن حالهِ حتى يغلبَ على الظنِّ أنَّه لا علةَ لهُ.

стр. 279

قلتُ (١): وحاصلُ الاعتراضِ أنَّهُ اكتفى هنا بالعدمِ، وجعلَ الشرطَ هناكَ إثباتَ العدمِ، والفرقُ بينَ الأمرينِ مقررٌ في بحثِ الموجبةِ المعدولةِ، والسالبةِ البسيطةِ من علمِ الميزانِ، وعندي: أنَّه (٢) لا منافاةَ بينَ الموضعينِ. وقولهُ: (لأنَّ الأصلَ) (٣)، أي: الأصلَ هنا، وفي كلِّ مدعٍ العدمُ حتى يثبتَ الوجودُ. والظاهرُ هنا - أي: المغلبُ على الظنِّ - عدمُ العلةِ والقادح، من شذوذٍ ونحوه، لأجلِ سكوتِ هذا الإمامِ المعتمدِ الذي من شأنه البحثُ والإرشادُ، وعندهُ (٤) غايةُ الملكةِ لذلكَ، فهوَ لم يصححْ إسنادَهُ إلا بعدَ أنْ بحثَ، فلم يجدْ علةً ولا قادحاً، فلم يَمِلِ ابنُ الصلاحِ إلى تصحيحِ ما وصفَ بأنَّهُ صحيحُ الإسنادِ إلا لظنِّ أنَّ هذا الإمامَ المعتمدَ بحثَ عنِ القادحِ فلم يجد، وهذا معنى ما تقدّمَ (٥). وقد عرفَ أنَّ الشرطَ غلبةُ الظنِ، لا القطعُ في نفسِ الأمرِ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: ٨٥ - وَاسْتُشْكِلَ الحسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ في ... مَتْنٍ، فَإنْ لَفْظاً يُرِدْ فَقُلْ: صِفِ ٨٦ - بِهِ الضَّعِيْفَ، أوْ يُرِدْ مَا يَخْتَلِفْ ... سَنَدُهُ، فَكَيْفَ إنْ فَرْدٌ وصِفْ؟ ٨٧ - وَ (لأبي الفَتْحِ) في الاقْتِرَاحِ ... أنَّ انفِرَادَ الحُسْنِ ذُوْ اصْطِلاَحِ ٨٨ - وَإنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ ... كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ ٨٩ - وَأوْرَدوا مَا صَحَّ مِنْ أفْرَادِ ... حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إسْنَادِ

стр. 280

قوله: (كقولِ الترمذيِّ وغيرهِ) (١) إنما قالَ: ((وغيرهِ)) حتى لا يظنَّ أنَّ الجمعَ بينَ / ٨٥ب / الوصفينِ إنما وقعَ في كلامه فقط، فقد جاء في كلامِ غيرهِ، كعلي بنِ المديني، ويعقوبَ بنِ شيبةَ. قوله: (إذا كانَ حسنَ اللفظِ أنه حسنٌ) (٢) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ بعد ذلكَ: ((وذلكَ لا يقوله أحدٌ من المحدّثينَ (٣) إذا جروا على اصطلاحهم)) (٤). نقلهُ عنهُ الشيخُ في " النكت " (٥)، ثمَّ قالَ: ((قلتُ: قد أطلقوا على الحديثِ الضعيفِ بأنَّهُ حسنٌ، وأرادُوا حسنَ اللفظِ، لا المعنى الاصطلاحي، فرَوَى ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِ " بيانِ آدابِ العلمِ " حديثَ معاذ بنِ جبلٍ مرفوعاً: ((تعلّموا العلمَ؛ فإنَّ تعلّمَهُ للهِ خشيةٌ، وطلبهُ عبادةٌ، ومذاكرتهُ تسبيحٌ، والبحثَ عنهُ جهادٌ، وتعلمهُ لمن لا يعلمهُ صدقةٌ، وبذلهُ لأهلهِ قربةٌ؛ لأنَّهُ معالمُ الحلالِ والحرامِ، ومنارُ سُبُلِ (٦) أهلِ الجنةِ، وهو الأنس في الوحشةِ، والصاحبُ في الغربةِ، والمحدثُ في الخلوةِ، والدليلُ على السراءِ والضراءِ، والسلاحُ على الأعداءِ، والزينُ عندَ الأخِلاءِ، يرفعُ اللهُ بهِ أقواماً، فيجعلهم في الخيرِ قادةً، وأئمةً تُقتصُ آثارُهم، ويُقتدَى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، ترغبُ الملائكةُ في خلّتِهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفرُ لهمُ كلُّ رطْبٍ ويابسٍ، وحيتانُ البحرِ وهوامُهُ، وسباعُ البرِّ وأنعامُهُ؛ لأنَّ العلمَ حياةُ القلوبِ منَ الجهلِ؛ ومصابيحُ الأبصارِ منَ الظلمِ، يبلغُ العبدُ بالعلمِ منازلَ الأخيارِ، والدرجاتِ العلى في

стр. 281

الدنيا والآخرةِ، التفكرُ فيهِ يعدلُ الصيامَ، ومدارستُهُ تَعدلُ القيامَ، بهِ تُوصَلُ الأرحامُ، وبهِ يُعرَفُ الحلالُ / ٨٦أ / منَ الحرامِ، هوَ إمامُ العملِ، والعملُ تابعُهُ، يُلهَمُهُ السَّعداءُ، ويُحرَمُهُ الأشقياءُ)) (١). قالَ ابنُ عبد البرِّ: وهو حديثٌ حسنٌ جداً، ولكن ليسَ له إسنادٌ قويٌّ (٢). انتهى كلامُهُ. فأرادَ بالحسنِ حسنَ اللفظِ قطعاً، فإنَّهُ من روايةِ موسى بنِ محمدٍ البلقاويِّ، عن عبدِ الرحيمِ بنِ زيدٍ العَمِّي. والبلقاويُّ هذا كذابٌ كذبهُ أبو زرعةَ، وأبو حاتمٍ (٣)، ونَسبَهُ ابنُ حبانَ (٤) والعقيلي (٥) إلى وضعِ الحديثِ - والظاهرُ أنَّ هذا الحديثَ مما صنعت يداهُ - وعبدُ الرحيم بنُ زيدٍ العَمِّي متروكٌ أيضاً (٦) ورُوِّينا عن أميةَ بنِ خالدٍ قالَ: ((قلتُ لشعبةَ: تُحدِّثُ عن محمدِ ابنِ عبيدِ اللهِ العرزمي، وتدعُ عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ، وقد كانَ حسنَ الحديثِ؟ قالَ: من حسنِها فررتُ)) (٧) انتهى. ولابنِ دقيقِ العيدِ أنْ ينفصلَ عن ذلكَ بقولهِ: ((إذا جروا على اصطلاحهم)) (٨)، والإلزام

стр. 282

الصحيحُ ما (١) قالَه شيخُنا من أنَّهُ (٢) كان يلزمُ على قوله (٣): أنْ لا يوصفَ حديثٌ بصفةٍ إلاّ والحسنُ تابعه، فإنَّ كلَّ أحاديثِ النبي ﷺ حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلما رأينا الذي وقعَ هذا في كلامه كثيراً يفرقُ، فتارةً يقولُ: ((حسنٌ)) ويطلقُ، وتارةً يقولُ: ((صحيحٌ)) فقط، وتارةً يقولُ: ((حسنٌ صحيحٌ))، وتارةً يقولُ: ((صحيحٌ (٤) غريبٌ)) ونحوُ ذلكَ، عرفنا أنَّهُ لا محالةَ جارٍ معَ الاصطلاحِ، وأيضاً فهو قد قالَ في " العللِ " في آخرِ كتابهِ: ((وماقلنا في كتابنا حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا بهِ حسنَ إسناده عندنا)) (٥) فقد صرحَ بأنَّه إنما أرادَ حسنَ الإسنادِ، فانتفى أنْ يريدَ / ٨٦ب / حسنَ اللفظِ، فقلتُ: يمكنُ أن يجيبَ مدعي هذا بما أجبتمُ بهِ من أنَّ هذا الكلامَ خاصٌّ بما يقولُ فيهِ: ((حسنٌ)) من غيرِ صفةٍ أخرى، فقالَ: بل هذا شاملٌ للجميعِ، والذي يختصُّ بما يخصهُ بقولهِ: ((حسن)) (٦) هوَ الكلامُ الذي بعدَ هذا، وهو قولهُ: ((كلُّ حديثٍ يروى .. )) (٧) إلى آخرهِ، وإنما يَرِدُ تحسينُ أهلِ هذا الشأنِ للفظِ الضعيفِ مقيداً، كما يقولُ ابنُ عبدِ البرِّ أحياناً: ((حديثٌ حسن اللفظِ، وليسَ لهَ إسنادٌ قائم)) (٨). قوله: (وهذا معنى قوله (٩): فكيفَ إنْ فردٌ) (١٠) قال الشّيخُ في

стр. 283

" النكتِ " (١): ((وقد أجابَ بعضُ المتأخرينَ (٢) عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّ الترمذيَّ حيثُ قالَ هذا يريدُ بهِ تفردَ أحدِ الرواةِ بهِ عنِ الآخرِ، لا التفردَ المطلقَ. قالَ: ويوضحُ ذلكَ ما ذكرهُ في الفتنِ (٣) من حديث خالدٍ الحذّاءِ، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ يرفعه: ((من أشارَ إلى أخيهِ بحديدةٍ .. )) الحديثَ، قال فيهِ: ((هذا (٤) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجهِ))، فاستغربهُ من حديثِ خالدٍ، لا مطلقاً. انتهى. وهذا الجوابُ لا يتمشى في المواضع التي يقولُ فيها: لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ، (٥) كحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمان)) هكذا قالَ الشيخُ، وستعرفُ ما فيهِ فيما يليهِ (٦). قوله: (كحديثِ العلاءِ) (٧) ليسَ مثالاً صحيحاً، فإنَّ قولَ الترمذيِّ: ((على هذا اللفظِ)) يشعرُ بأنَّهُ رُوِيَ من غيرِ هذا الوجهِ على غيرِ هذا اللفظِ، وهوَ كذلكِ، فإنَّ أصلهُ: ((لا تَقدمّوا رمضانَ بصومِ يومٍ، ولا يومينِ)) (٨) وهو مروٍ من غيرِ هذهِ

стр. 284

الطريقِ، وللترمذيِّ في تعبيره عن ذلكَ أنواعٌ من التقييداتِ (١) / ٨٧ أ / لا يتنبهونَ لها، كأنْ يقولَ: ((غريبٌ من هذا الوجهِ)) (٢)، ((غريبٌ بهذا السياقِ))، ((لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ بهذا التمامِ)) (٣)، ونحوُ ذلكَ، فلا يمنعُ أنْ يكونَ رويَ من وجهٍ آخرَ، أو أوجهٍ أُخرَ من غيرِ ذلكَ الوجهِ، وبغيرِ ذلكَ السياقِ، وبغيرِ ذلكَ التمامِ. ووراءَ ذلكَ كله أنَّهُ إذا اقتصر على قوله: ((غريبٌ)) احتملَ أنْ يكونَ مرادهُ الغرابةَ النسبيةَ، أي: إنَّ ذلكَ الراوي تفرّدَ بهِ عن شيخه، وذلكَ مثل قوله: ((غريبٌ من هذا الوجهِ)) فلا يمتنعُ أنْ يكونَ رواهُ العددُ الكثيرُ عن غيرِ ذلكَ الشيخِ، فليتنبه لذلكَ كلهِ. قوله: (ولأبي الفتحِ) (٤) قال شيخنا: ((حاصلُ جوابِ ابنِ دقيقِ العيدِ: أنَّ قولهم: ((حسنٌ صحيحٌ)) مثلُ قولهم: ((هذا الراوي صدوقٌ ضابطٌ))؛ فإنَّ صدوقاً فقط قاصرٌ عن أوصافِ رجالِ الصحيحِ، وضابطاً من أوصافهم، فكما أنَّ الجمعَ بينَ هذينِ الوصفينِ لا يضرُّ ولا يشكلُ، فكذلكَ الجمعُ بينَ الحسنِ والصحةِ. وظاهرُ قولهِ: ((وأمّا إن ارتفعَ إلى درجةِ الصحةِ، فالحسنُ حاصلٌ)) إنَّ مرادَهُ بالحسنِ هنا غيرُ المعنى الاصطلاحيِّ؛ لأنَّ الاستعمالَ الشائعَ في مثلِ ((إنْ كانَ كذا فكذا، وأمّا إن كانَ كذا فكذا))، أنَّ ما بعدَ ((أمّا)) غيرُ ما قبلها، لكنَّ قولهُ: ((لأنَّ وجودَ

стр. 285

الدرجةِ العليا ... )) (١) إلى آخرهِ ينفي ذلك، ويشعرُ بأنَّ المرادَ المعنى الاصطلاحيُّ، وحينئذٍ يقال: إنْ كان الضبطُ الذي في راوي الحسنِ هو عينُ (٢) الضبطِ الذي في راوي الصحيحِ، فالجوابُ مسلمٌ، وإنْ كانَ غيرهُ - وهوَ الحقُّ - فليسَ جواباً صحيحاً، فإنَّ الضبطَ / ٨٧ ب / الذي في راوي الحسنِ مشترطٌ فيهِ القصورُ، والذي في راوي الصحيحِ مشترطٌ فيهِ التمامُ، فهما حقيقتانِ مختلفتانِ، وهذا مثلُ قولِ مَن جعلَ المباحَ جنساً للواجبِ؛ لكونِ كلٍّ منهما مأذوناً فيهِ، والجوابُ بما قالَ ابنُ الحاجب: ((قلنا: تركتم فصلَ المباحِ، أي: وهو عدمُ الذمِّ لتاركهِ))، وهذا كذلكَ سواءٌ من جعلهُ جنساً للصحيحِ؛ للاجتماعِ في القبولِ، غفلَ (٣) عن فصلِ الحسنِ، وهوَ اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ، وقد تقدّمَ بأبسط من هذا، لكنْ يعتنى بابنِ دقيقِ العيدِ بأنَّ مرادهُ أنَّ الحسنَ حيثُ انفردَ يقصدُ معناه الاصطلاحيُّ، وهوَ المشترطُ فيهِ ذلكَ القصورُ، وإذا لم ينفرد يجوزُ أنْ يُرادَ المعنى الاصطلاحيُّ أيضاً، ويلاحظُ فيهِ القصورُ، لكنْ لا يلاحظُ أنَّهُ على وجهِ الشرطِ حتى يمتنعَ ارتفاعه عن تلكَ الدرجةِ، وهذا كما تراهُ بحث بحثه، والباحثُ قد يجوزُ في توجيهِ الكلامِ ما لا يعتقدُ أنه الظاهرُ من معناهُ، فضلاً عن أنْ يعتقدَ أنَّهُ الحقُّ. قوله: (ويلزمُ على هذا ... ) (٤) إلى آخرهِ يشعرُ بعدمِ رضاهُ له، والمعتمدُ ما قدمهُ في أولِ فصلِ الحسنِ في اعتراضهِ على الخطابيِّ منِ اشتراطِ كونِ الحسنِ قاصراً عن رتبةِ الصحيحِ (٥)، فإنَّ ذاكَ الكلامَ في محلهِ، والقاعدةُ: أنَّ ما ذُكرَ في محلهِ هوَ
следующие страницы →