← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الدنيا والآخرةِ، التفكرُ فيهِ يعدلُ الصيامَ، ومدارستُهُ تَعدلُ القيامَ، بهِ تُوصَلُ الأرحامُ، وبهِ يُعرَفُ الحلالُ / ٨٦أ / منَ الحرامِ، هوَ إمامُ العملِ، والعملُ تابعُهُ، يُلهَمُهُ السَّعداءُ، ويُحرَمُهُ الأشقياءُ)) (١). قالَ ابنُ عبد البرِّ: وهو حديثٌ حسنٌ جداً، ولكن ليسَ له إسنادٌ قويٌّ (٢). انتهى كلامُهُ. فأرادَ بالحسنِ حسنَ اللفظِ قطعاً، فإنَّهُ من روايةِ موسى بنِ محمدٍ البلقاويِّ، عن عبدِ الرحيمِ بنِ زيدٍ العَمِّي. والبلقاويُّ هذا كذابٌ كذبهُ أبو زرعةَ، وأبو حاتمٍ (٣)، ونَسبَهُ ابنُ حبانَ (٤) والعقيلي (٥) إلى وضعِ الحديثِ - والظاهرُ أنَّ هذا الحديثَ مما صنعت يداهُ - وعبدُ الرحيم بنُ زيدٍ العَمِّي متروكٌ أيضاً (٦) ورُوِّينا عن أميةَ بنِ خالدٍ قالَ: ((قلتُ لشعبةَ: تُحدِّثُ عن محمدِ ابنِ عبيدِ اللهِ العرزمي، وتدعُ عبدَ الملكِ بنَ أبي سليمانَ، وقد كانَ حسنَ الحديثِ؟ قالَ: من حسنِها فررتُ)) (٧) انتهى. ولابنِ دقيقِ العيدِ أنْ ينفصلَ عن ذلكَ بقولهِ: ((إذا جروا على اصطلاحهم)) (٨)، والإلزام

стр. 282

الصحيحُ ما (١) قالَه شيخُنا من أنَّهُ (٢) كان يلزمُ على قوله (٣): أنْ لا يوصفَ حديثٌ بصفةٍ إلاّ والحسنُ تابعه، فإنَّ كلَّ أحاديثِ النبي ﷺ حسنةُ الألفاظِ بليغةٌ، فلما رأينا الذي وقعَ هذا في كلامه كثيراً يفرقُ، فتارةً يقولُ: ((حسنٌ)) ويطلقُ، وتارةً يقولُ: ((صحيحٌ)) فقط، وتارةً يقولُ: ((حسنٌ صحيحٌ))، وتارةً يقولُ: ((صحيحٌ (٤) غريبٌ)) ونحوُ ذلكَ، عرفنا أنَّهُ لا محالةَ جارٍ معَ الاصطلاحِ، وأيضاً فهو قد قالَ في " العللِ " في آخرِ كتابهِ: ((وماقلنا في كتابنا حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا بهِ حسنَ إسناده عندنا)) (٥) فقد صرحَ بأنَّه إنما أرادَ حسنَ الإسنادِ، فانتفى أنْ يريدَ / ٨٦ب / حسنَ اللفظِ، فقلتُ: يمكنُ أن يجيبَ مدعي هذا بما أجبتمُ بهِ من أنَّ هذا الكلامَ خاصٌّ بما يقولُ فيهِ: ((حسنٌ)) من غيرِ صفةٍ أخرى، فقالَ: بل هذا شاملٌ للجميعِ، والذي يختصُّ بما يخصهُ بقولهِ: ((حسن)) (٦) هوَ الكلامُ الذي بعدَ هذا، وهو قولهُ: ((كلُّ حديثٍ يروى .. )) (٧) إلى آخرهِ، وإنما يَرِدُ تحسينُ أهلِ هذا الشأنِ للفظِ الضعيفِ مقيداً، كما يقولُ ابنُ عبدِ البرِّ أحياناً: ((حديثٌ حسن اللفظِ، وليسَ لهَ إسنادٌ قائم)) (٨). قوله: (وهذا معنى قوله (٩): فكيفَ إنْ فردٌ) (١٠) قال الشّيخُ في

стр. 283

" النكتِ " (١): ((وقد أجابَ بعضُ المتأخرينَ (٢) عنِ ابنِ الصلاحِ بأنَّ الترمذيَّ حيثُ قالَ هذا يريدُ بهِ تفردَ أحدِ الرواةِ بهِ عنِ الآخرِ، لا التفردَ المطلقَ. قالَ: ويوضحُ ذلكَ ما ذكرهُ في الفتنِ (٣) من حديث خالدٍ الحذّاءِ، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ يرفعه: ((من أشارَ إلى أخيهِ بحديدةٍ .. )) الحديثَ، قال فيهِ: ((هذا (٤) حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجهِ))، فاستغربهُ من حديثِ خالدٍ، لا مطلقاً. انتهى. وهذا الجوابُ لا يتمشى في المواضع التي يقولُ فيها: لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ، (٥) كحديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمان)) هكذا قالَ الشيخُ، وستعرفُ ما فيهِ فيما يليهِ (٦). قوله: (كحديثِ العلاءِ) (٧) ليسَ مثالاً صحيحاً، فإنَّ قولَ الترمذيِّ: ((على هذا اللفظِ)) يشعرُ بأنَّهُ رُوِيَ من غيرِ هذا الوجهِ على غيرِ هذا اللفظِ، وهوَ كذلكِ، فإنَّ أصلهُ: ((لا تَقدمّوا رمضانَ بصومِ يومٍ، ولا يومينِ)) (٨) وهو مروٍ من غيرِ هذهِ

стр. 284

الطريقِ، وللترمذيِّ في تعبيره عن ذلكَ أنواعٌ من التقييداتِ (١) / ٨٧ أ / لا يتنبهونَ لها، كأنْ يقولَ: ((غريبٌ من هذا الوجهِ)) (٢)، ((غريبٌ بهذا السياقِ))، ((لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ بهذا التمامِ)) (٣)، ونحوُ ذلكَ، فلا يمنعُ أنْ يكونَ رويَ من وجهٍ آخرَ، أو أوجهٍ أُخرَ من غيرِ ذلكَ الوجهِ، وبغيرِ ذلكَ السياقِ، وبغيرِ ذلكَ التمامِ. ووراءَ ذلكَ كله أنَّهُ إذا اقتصر على قوله: ((غريبٌ)) احتملَ أنْ يكونَ مرادهُ الغرابةَ النسبيةَ، أي: إنَّ ذلكَ الراوي تفرّدَ بهِ عن شيخه، وذلكَ مثل قوله: ((غريبٌ من هذا الوجهِ)) فلا يمتنعُ أنْ يكونَ رواهُ العددُ الكثيرُ عن غيرِ ذلكَ الشيخِ، فليتنبه لذلكَ كلهِ. قوله: (ولأبي الفتحِ) (٤) قال شيخنا: ((حاصلُ جوابِ ابنِ دقيقِ العيدِ: أنَّ قولهم: ((حسنٌ صحيحٌ)) مثلُ قولهم: ((هذا الراوي صدوقٌ ضابطٌ))؛ فإنَّ صدوقاً فقط قاصرٌ عن أوصافِ رجالِ الصحيحِ، وضابطاً من أوصافهم، فكما أنَّ الجمعَ بينَ هذينِ الوصفينِ لا يضرُّ ولا يشكلُ، فكذلكَ الجمعُ بينَ الحسنِ والصحةِ. وظاهرُ قولهِ: ((وأمّا إن ارتفعَ إلى درجةِ الصحةِ، فالحسنُ حاصلٌ)) إنَّ مرادَهُ بالحسنِ هنا غيرُ المعنى الاصطلاحيِّ؛ لأنَّ الاستعمالَ الشائعَ في مثلِ ((إنْ كانَ كذا فكذا، وأمّا إن كانَ كذا فكذا))، أنَّ ما بعدَ ((أمّا)) غيرُ ما قبلها، لكنَّ قولهُ: ((لأنَّ وجودَ

стр. 285

الدرجةِ العليا ... )) (١) إلى آخرهِ ينفي ذلك، ويشعرُ بأنَّ المرادَ المعنى الاصطلاحيُّ، وحينئذٍ يقال: إنْ كان الضبطُ الذي في راوي الحسنِ هو عينُ (٢) الضبطِ الذي في راوي الصحيحِ، فالجوابُ مسلمٌ، وإنْ كانَ غيرهُ - وهوَ الحقُّ - فليسَ جواباً صحيحاً، فإنَّ الضبطَ / ٨٧ ب / الذي في راوي الحسنِ مشترطٌ فيهِ القصورُ، والذي في راوي الصحيحِ مشترطٌ فيهِ التمامُ، فهما حقيقتانِ مختلفتانِ، وهذا مثلُ قولِ مَن جعلَ المباحَ جنساً للواجبِ؛ لكونِ كلٍّ منهما مأذوناً فيهِ، والجوابُ بما قالَ ابنُ الحاجب: ((قلنا: تركتم فصلَ المباحِ، أي: وهو عدمُ الذمِّ لتاركهِ))، وهذا كذلكَ سواءٌ من جعلهُ جنساً للصحيحِ؛ للاجتماعِ في القبولِ، غفلَ (٣) عن فصلِ الحسنِ، وهوَ اشتراطُ قصورِ ضبطِ راويهِ، وقد تقدّمَ بأبسط من هذا، لكنْ يعتنى بابنِ دقيقِ العيدِ بأنَّ مرادهُ أنَّ الحسنَ حيثُ انفردَ يقصدُ معناه الاصطلاحيُّ، وهوَ المشترطُ فيهِ ذلكَ القصورُ، وإذا لم ينفرد يجوزُ أنْ يُرادَ المعنى الاصطلاحيُّ أيضاً، ويلاحظُ فيهِ القصورُ، لكنْ لا يلاحظُ أنَّهُ على وجهِ الشرطِ حتى يمتنعَ ارتفاعه عن تلكَ الدرجةِ، وهذا كما تراهُ بحث بحثه، والباحثُ قد يجوزُ في توجيهِ الكلامِ ما لا يعتقدُ أنه الظاهرُ من معناهُ، فضلاً عن أنْ يعتقدَ أنَّهُ الحقُّ. قوله: (ويلزمُ على هذا ... ) (٤) إلى آخرهِ يشعرُ بعدمِ رضاهُ له، والمعتمدُ ما قدمهُ في أولِ فصلِ الحسنِ في اعتراضهِ على الخطابيِّ منِ اشتراطِ كونِ الحسنِ قاصراً عن رتبةِ الصحيحِ (٥)، فإنَّ ذاكَ الكلامَ في محلهِ، والقاعدةُ: أنَّ ما ذُكرَ في محلهِ هوَ

стр. 286

المعتمدُ، فاللائقُ ردُّ هذا الكلامِ إلى ذاكَ، لا (١) كما فعلَ التبريزيُّ حيثُ أرادَ ردَّ ذلكَ إلى هذا (٢). قال شيخنا: ((هذا (٣) ما يتعلقُ بما أوردهُ في النظمِ منَ الأجوبةِ، وبقي جوابٌ رابعٌ / ٨٨ أ /: وهوَ التوسطُ بينَ كلامِ ابنِ الصلاحِ، وابنِ دقيقِ العيدِ، فيخصُّ جواب ابنِ الصلاحِ بما يكونُ لهُ إسنادانِ فصاعداً، وجواب ابنِ دقيقِ العيد بما يكونُ فرداً. وجوابٌ خامسٌ - وهو الذي ارتضاهُ (٤) (٥)، ولا غبارَ عليهِ -: وهوَ أنَّ الحديثَ إنْ كانَ متعددَ الإسنادِ، فالوصفُ راجعٌ إلى الحديثِ باعتبارِ الإسنادينِ، أو الأسانيدِ، كأنَّه قيلَ: ((حديثٌ حسنٌ بالإسنادِ الفلاني، صحيحٌ بالإسنادِ الفلاني))، وإنْ كانَ الحديثُ فرداً فالوصفُ وقعَ بحسبِ اختلافِ النقادِ في راويهِ، فيرى المجتهدُ منهمُ - كالترمذيِّ - بعضهم يقولُ: صدوقٌ مثلاً، وبعضهم يقولُ: ثقةٌ، ولا يترجّحُ عنده قولُ واحدٍ منهما، أو يترجحُ، ولكنهُ أرادَ أنْ يشيرَ إلى كلامِ الناسِ فيهِ، فيقولَ: ((حسنٌ صحيحٌ))، أي: حسنٌ عندَ قومٍ؛ لأنَّ راويهِ عندَهم صدوقٌ،

стр. 287

صحيحٌ عندَ آخرينَ؛ لأنَّ راويهِ عندهم ثقةٌ، وهوَ نظيرُ قولِ الفقيهِ: في المسألةِ قولانِ، أو بحسبِ ترددِ المجتهدِ نفسهِ في الراوي، فتارةً يؤديهِ اجتهادهُ باعتبارِ حديثهِ وعرضهِ على حديثِ الحفّاظِ، ونحو ذلكَ إلى قصورِ ضبطهِ، وتارةً إلى تمامهِ، فكأنهُ حينئذٍ قالَ: حسنٌ أو صحيحٌ، وغايتهُ: أنَّه حذفَ كلمة ((أو))، وحذفُها شائعٌ في كلامِهم، كما في أثرِ عمرَ ﵁ في " الصحيحِ " في أوائلِ كتابِ الصلاةِ (١): ((صلى في قميصٍ وإزارٍ، في تبان ورداءٍ، في كذا وكذا ... )) (٢) إلى آخرهِ، وكما في حديثِ عدي بنِ حاتمٍ رفعهُ: ((تصدّقَ رجلٌ من درهمهِ، من دينارهِ، من صاعِ تمرهِ)) (٣) إلى آخرهِ، ذكرهُ ابنُ مالكٍ في " شواهدِ / ٨٨ ب / التوضيحِ " (٤) وهذا الحديثُ رواهُ مسلمٌ في الزكاةِ عن جريرِ بن عبدِ اللهِ ﵁: ((أنَّ ناساً من الأعرابِ جاءوا، فرأى سوءَ حالهم، فخطبَ الناسَ، ثم حثَّهُم على الصدقةِ)) (٥)، وقالَ هذا الكلام. في " صحيحِ مسلمٍ " أيضاً في البرِ والصلةِ عن أبي هريرةَ ﵁، أنَّ النّبيَّ ﷺ قالَ: ((اللهمَّ إني أتخذُ عندكَ عهداً، فأيُ المسلمينَ آذيتُهُ، شتمتُهُ، لعنتُهُ، جلدتُه، فاجعلها لَه صلاةً، وزكاةً، وقُربةً)) (٦).

стр. 288

وروى أبو داودَ (١) والنسائيُّ (٢) وابنُ حبان في "صحيحهِ" (٣) عن عمارِ بنِ ياسرٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: ((إنَّ الرجلَ لينصرفُ، وما كُتبَ لهُ إلا عُشرُ صلاتهِ، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدسُها، خُمسُها، رُبعُها، ثُلثُها، نصفُها)). ورَوَى أبو يعلى (٤) - قالَ المنذريُّ: ورجالهُ محتجٌ بهم في الصحيحِ - عن ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: ذكرتُ قيامَ الليلِ فقالَ بعضُهم: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((نِصفُهُ، ثُلثُه، ربعُه، فواقَ حلبِ ناقةٍ، فواقَ حلبِ شاةٍ)) (٥) ويتفرعُ على هذا الجوابِ سؤال مَن أجابَ فيهِ من غيرِ تفصيلٍ أخطأَ، وهوَ أن يقالَ: أي ما أرفع: ما يقالُ فيهِ: ((صحيحٌ)) فقط، أو ما يقالُ فيهِ: ((حسنٌ صحيحٌ))؟ والجوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ متعددَ الإسنادِ، فما جُمِعَ الوصفانِ فيهِ أعلى مِمَّا لم يكُن لهُ إلا إسنادٌ واحدٌ صحيحٌ؛ لأنَّهُ زادَ عليهِ بالطريقِ الحسنةِ، وإنْ كانَ فرداً، فما أفردَ وصفهُ بالصحةِ أعلى؛ لأنهُ لا تَردُّدَ فيهِ، واللهُ أعلمُ. وقد ذكرَ / ٨٩ أ / الشيخُ في "النكتِ" (٦) عن الحافظِ عمادِ الدينِ إسماعيلَ ابنِ كثيرٍ جواباً وردَّهُ، فقالَ: ((أجابَ بما حاصلهُ: أنَّ الجمعَ في حديثٍ واحدٍ بينَ الصحةِ والحُسنِ درجةٌ متوسطةٌ بينَ الصحيحِ والحسنِ، فقالَ: والذي يظهرُ (٧) أنَّهُ يُشربُ الحُكمَ بالصحةِ على الحديثِ بالحسنِ، كما يُشربُ الحسنَ بالصحةِ، قالَ:

стр. 289

فعلى هذا يكونُ ما يقولُ فيه: حسنٌ صحيحٌ، أعلى رتبةً عندهُ من الحسنِ ودونِ الصحيحِ، ويكونُ حكمهُ على الحديثِ بالصحةِ المحضةِ أقوى من حكمهِ عليهِ بالصحةِ مع الحسنِ (١). انتهى)). قالَ الشيخُ (٢): ((وهذا الذي ظهرَ لهُ تحكمٌ، لا دليلَ عليهِ، وهو بعيدٌ من فهمِ معنى كلامِ الترمذي)) (٣)، انتهى. وقد ظهرَ بما حررهُ شيخُنا أنَّهُ ليسِ ببعيدٍ، فإنَّهُ واقعٌ على ما هو فردٌ، واللهُ أعلمُ (٤). قولُه: (ويؤيدُه قولهم: حَسنٌ) (٥) ليسَ كذلكَ، فإنَّ المتقدمين الذين أطلقوا وصفَ الحسنِ على ما هو صحيحٌ كالشافعيِّ وغيرهِ، لمْ يكن تقررَ عندهم الاصطلاحُ على أنَّ الحسنَ قاصرٌ عن الصحيحِ، ولو تقرّرَ لما خالفوهُ. قولهُ: (وأوردوا ... ) (٦) إلى آخره، هذا الاعتراضُ لا يردُ على واحدٍ من ابنِ دقيقِ العيدِ، وابنِ المواقِ إنْ سُلِّمَ (٧) أنَّ وجودَ الدرجةِ الدُنيا لا تنافي العُليا؛ لأنَّ الحسنَ الذي اشترطَ فيهِ أنْ يُروَى من غيرِ وجهٍ هوَ الحسنُ لغيرهِ، فكلُّ صحيحٍ حسنٌ لذاتهِ، لم يقلْ واحدٌ منهما: كُلُّ صحيحٍ حسنٌ لذاتهِ ولغيرهِ، ولا قالَ: كلُّ حسنٍ صحيحٌ، حتى يشملَ الحسنَ بقسميهِ، بل السور لَم يرِد إلاَّ على الصحيحِ؛ فشملَ

стр. 290

كُلَّ صحيحٍ، وإذا صحَّ وصفهُ بأحدِ نوعي الحسنِ كَفَى، ولا يضُرُّ / ٨٩ب / تخلفُ وصفهِ بالنوعِ الآخرِ؛ لأنَّ السورلم يرد على الحسنِ حتى يشمل كلاً من نوعيهِ، واللهُ أعلمُ. ولو كانَ ابنُ سيّدِ الناسِ يعتقدُ أنَّ الترمذيَّ يشترطُ في كُل حسنٍ أنْ يُروى من غيرِ وجهٍ، لاعتذرَ عنهُ بذلك، لكنَّهُ قدمَ أنَّ الترمذيَّ إنَّما قالَ ذلك في نوعٍ من الحسنِ (١). قولُه: (كحديثِ الأعمالِ بالنياتِ) (٢) هذهِ أمثلةٌ للأفرادِ الصحيحةِ، فهذا (٣) تفردَ به عمرُ عنِ النبيِّ ﷺ ، وتفرّدَ بهِ عنهُ علقمةُ، واستمرَّ التفردُ إلى يحيى ابنِ سعيدٍ. وحديثُ السفرِ تفرّدَ بهِ مالكٌ (٤).

стр. 291

وحديثُ الولاءِ تفرّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ (١). قولُه: (إذا لم يبلغْ رتبةَ الصحيحِ) (٢) إنما عبّرَ بهذا، ولم يقُل: ((إذا كانَ في روايةِ مستورٍ)) كما مضى؛ لأنَّ المسألةَ مفروضةٌ في الحديثِ الموصوفِ بالصحةِ والحسنِ، لكنْ (٣) كانَ منْ حقهِ أنْ يقول: إذا لم يبلغْ رتبةَ الحسنِ لذاتهِ، فإنَّ الحسنَ لذاتهِ لَم يبلغ رتبةَ الصحيحِ، ولا يشترطُ أنْ يُروَى من وجهٍ آخرَ. قولُه: (القِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيْفُ) (٤) في عبارةِ ابنِ الصلاحِ ضبطٌ للذهنِ، وتنبيهٌ على فوائِد، قالَ: ((كُلُّ حديثٍ لم تجتمع فيهِ صفاتُ الحديثِ الصحيحِ، ولا

стр. 292

صفاتُ الحديثِ الحسنِ -المذكوراتِ فيما تقدّم- فهو حديثٌ ضعيفٌ (١) وأطنبَ أبو حاتِم بنُ حبانَ البستيُّ في تقسيمهِ، فبلغَ بهِ خمسينَ قسماً إلا واحداً (٢)، وما ذكرتهُ ضابطٌ جامعٌ لجميعِ ذلكَ، وسبيلُ من أرادَ البسطَ أنْ يعمدَ إلى صفةٍ معينةٍ منها، فيجعلَ ما عُدمتْ فيه من غيرِ أنْ يخلفَها جابرٌ - على حسبِ ما تقرّرَ في نوعِ الحسنِ- قسماً واحداً، ثمَّ ما عُدمت فيه تلكَ الصفةُ مع صفةٍ أخرى (٣) /٩٠أ / معينة قسماً ثانياً، ثم ما عُدِمتْ فيهِ مع صفتينِ معينتينِ قسماً ثالثاً، وهكذا إلى أنْ تُستوفَى الصفاتُ المذكوراتُ جُمَعَ، ثم يعودُ ويعيّنُ منَ الابتداءِ صفةً غيرَ التي عينها أولاً، ويجعل ما عُدمت فيهِ وحدَها قسماً، ثمَّ القسم الآخر ما عُدِمت فيهِ مع صفةٍ أخرى. ولتكنِ

стр. 293

الصفةُ الأخرى غيرَ المبدوءِ بها، لكونِ ذلكَ سبقَ في أقسامِ عدمِ الصفةِ الأولى، وهكذا هَلمَّ جرَّاً ... (١) إلى آخرِ الصفاتِ. ثمَّ ما عُدمَ فيهِ جميعُ الصفاتِ هو القسمُ الأخِرُ (٢) الأرذلُ. وما كانَ منَ الصفاتِ لَهُ شروطٌ فاعملْ في شروطهِ نحو ذلك، فتتضاعفُ بذلكَ الأقسامُ. والذي لهُ لقبٌ خاصٌّ معروفٌ منَ أقسامِ ذلكَ: الموضوعُ، والمقلوبُ، والشاذُّ، والمعللُ، والمضطربُ، والمرسلُ، والمنقطعُ، والمعضلُ - في أنواعٍ - سيأتي عليها الشرحُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. والملحوظُ في ما نوردهُ منَ الأنواعِ: عمومُ أنواعِ علومِ الحديثِ، لا خُصوص أنواعِ التقسيمِ الذي فرغنا الآنَ من أقسامِه)) (٣). قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٤): ((فجعلَ المصنفُ ما عدمَ منهُ هذهِ الصفاتُ هو القسم الأرذل، وخالفَ ذلك في النوعِ الحادي والعشرينَ - أي: وهو الموضوعُ - (٥) فقالَ: ((اعلمْ أنَّ الحديثَ الموضوعَ شرُّ الأحاديثِ الضعيفةِ)) (٦) وما

стр. 294

ذكرهُ هناك هوَ الصوابُ: أنَّ شرَّ أقسامِ الضعيفِ الموضوعُ؛ لأنَّهُ كذبٌ، بخلافِ ما عدمَ فيهِ الصفاتُ المذكورةُ، فإنَّه لا يلزمُ من فقدِها كونهُ كذباً)). انتهى. وسيأتي في الموضوعِ أنَّهُ لا اعتراضَ على ابنِ الصلاحِ، فإنَّ كلامَهُ لا يقتضي أنَّ القسمَ الأرذلَ /٩٠ ب / يلزمُ أنْ يكونَ كذباً، بل إنَّهُ قسمٌ تحتهُ نوعانِ: مطلقُ الضعفِ الواهي، والموضوعُ، وبيَّن في الموضوعِ أنَّهُ شرُّ النوعينِ (١). قَولُه: ٩٠ - أمَّا الضَّعِيْفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ ... مَرْتَبَةَ الحُسْنِ، وإنْ بَسْطٌ بُغِي: ٩١ - فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلٍ قِسْمُ ... وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ، وَضَمُّوْا ٩٢ - سِوَاهُما فَثَالِثٌ، وَهَكَذَا ... وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرَ مَبْدُوٍّ فَذَا ٩٣ - قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي ... قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلى ذَا فَاحْتَذِي الشروطُ ستةٌ: وهي الضبطُ، والعدالةُ، والاتصالُ، وفقدُ الشذوذِ، وفقدُ العلةِ، ووجود (٢) العاضدِ عندَ الاحتياجِ إليه. فالأولُ يتنازعه الصحيحُ والحسنُ، فما كانَ في أعلاهُ فهوَ صحيحٌ، وما كانَ في (٣) أدناهُ فهوَ حسنٌ. والسادسُ يختصُّ بهِ (٤) الحسنُ والأربعةُ الباقيةُ يشتركانِ فيها، فإذا أردتَ تقسيمَ الضعيفِ بحسبِ ما يفقدهُ من هذهِ الشروطِ، انحصرَ في ستةِ أقسامٍ.

стр. 295

وطريقُ الحصرِ أنَّ الخبرَ لا يخلو إمَّا أنْ يفقدَ شرطاً من هذهِ الشروطِ، أو شرطينِ، أو ثلاثةً، أو أربعةً، أو خمسةً، أو الكُلَّ، وهي ستةٌ، إذا نوعتَ ما يدخُل تحت هذهِ الستةِ بلغَ بالسبرِ والتقسيمِ ثلاثاً وستينَ (١) صورةً. فالقسمُ الأولُ: وهو ما فقدَ شرطاً شرطاً، تحتهُ ستُّ صورٍ: الأولى: ما فقد الخبرُ فيها الشرطَ الأولَ. الثانيةُ: ما فقدَ الثاني. الثالثة: ما فقدَ الثالثَ. الرابعةُ: ما فقدَ الرابعَ. الخامسةُ: ما فقدَ الخامسَ. السادسةُ: ما فقدَ السادسَ. الثاني: ما فقدَ شرطينِ شرطينِ (٢) تحتهُ خمسَ عشرةَ صورةً: الأولى: ما فقدَ الأول والثاني. الثانيةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ. الثالثةُ: ما فقدَ الأولَ والرابعَ. الرابعةُ: ما فقدَ الأولَ والخامسَ. الخامسةُ: ما فقدَ الأولَ والسادسَ / ٩١ أ / السادسةُ: ما فقدَ الثانيَ والثالثَ. السابعةُ: ما فقدهُ مع الرابعِ. الثامنةُ: ما فقدهُ مع الخامسِ. التاسعةُ: ما فقدهُ مع السادسِ. العاشرةُ: ما فقدَ الثالثَ والرابعَ. الحاديةَ عشرةَ: ما فقدهُ مع الخامسِ. الثانيةَ عشرةَ: ما فقدهُ مع السادسِ. الثالثةَ عشرةَ: ما فقد الرابعَ والخامسَ. الرابعةَ عشرةَ: ما فقدهُ مع السادسِ. الخامسةَ عشرةَ: ما فقدَ الخامسَ والسادسَ، صارت إحدى وعشرين. الثالثُ: وهو ما فقدَ ثلاثةً ثلاثةً (٣)، تحتهُ عشرون صورةً: الأولى: ما فقدَ الأولَ والثاني والثالثَ (٤). الثانيةُ: ما فقدهُما مع الرابعِ، الثالثةُ: ما فقدهُما مع الخامسِ.

стр. 296

الرابعةُ: ما فقدهُما مع السادسِ. الخامسةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ والرابعَ. السادسةُ: ما فقدهُما مع الخامسِ. السابعةُ: ما فقدهُما مع السادسِ. الثامنةُ: ما فقدَ الأولَ والرابعَ والخامسَ. التاسعةُ: ما فقدهُما مع السادسِ. العاشرةُ: ما فقدَ الأولَ والخامسَ والسادسَ. الحاديةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والثالثَ والرابعَ. الثانيةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع الخامسةِ. الثالثةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع السادسِ. الرابعةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والرابعَ والخامسَ. الخامسةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع السادسِ. السادسةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والخامسَ والسادسَ. السابعة عشرةَ: ما فقدَ /٩١ ب/ الثالثَ والرابعَ والخامسَ. الثامنةَ عشرةَ: ما فقدهُما مع السادسِ. التاسعةَ عشرةَ: ما فقدَ الثالثَ والخامسَ والسادسَ. العشرونَ: ما فقدَ الرابعَ والخامسَ (١) والسادسَ. صارت إحدى وأربعين صورةً. الرابع: وهو ما فقدَ أربعةً أربعةً، تحتهُ خمسَ عشرةَ صورةً كالثاني، الأولى: ما فقدَ الأولَ والثاني والثالثَ والرابعَ. الثانيةُ: ما فقدها مع الخامسِ. الثالثة: ما فقدها مع السادسِ. الرابعةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والرابعَ والخامسَ. الخامسةُ: ما فقدها مع السادسِ. السادسةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والخامسَ والسادسَ. السابعةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ والرابعَ والخامسَ. الثامنةُ: ما فقدَها مع السادسِ. التاسعةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ والخامسَ والسادسَ. العاشرةُ: ما فقدَ الأولَ والرابعَ والخامسَ والسادسَ (٢). الحاديةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والثالثَ والرابعَ والخامسَ. الثانيةَ عشرةَ: ما فقدها مع السادسِ. الثالثةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والثالثَ والخامسَ والسادسَ. الرابعةَ عشرةَ: ما فقدَ الثاني والرابعَ والخامسَ والسادسَ. الخامسةَ عشرة: ما فقدَ

стр. 297

الثالثَ وما بعدهُ. صارت سِتاً وخمسينَ صورةً. القسمُ الخامسُ: وهو ما فقدَ خمسةً خمسةً، تحتهُ ستُّ صورٍ: الأولى: ما / ٩٢ أ / فقدَ الخمسةَ الأولى. الثانيةُ: ما فقدَ الأربعةَ الأولى والسادسَ. الثالثةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والثالثَ والخامسَ والسادسَ. الرابعةُ: ما فقدَ الأولَ والثاني والرابعَ وما بعدهُ. الخامسةُ: ما فقدَ الأولَ والثالثَ وما بعدهُ. السادسةُ: ما فقدَ الثاني وما بعدهُ. صارتِ اثنتينِ وستينَ صورةً. السادسُ: تحتهُ صورةٌ واحدةٌ، وهي: ما فقدَ الستةَ. فتلكَ ثلاثٌ وستونَ صورةً، يتفرع منها صورٌ كثيرةٌ بالطريقِ التي ذكرها المصنفُ، وهي أنَّك تأخُذ ما يدخلُ تحتَ فقدِ الاتصالِ مثلاً، فتجدهُ أربعةً: وهي المعلقُ، والمرسلُ، والمعضلُ، والمنقطعُ، فتصير الصورةُ الواحدةُ صوراً كثيرةً، وعلى هذا المنوالِ ينسجُ. ومن هنا يُعلمُ أنَّ قولَ الشيخِ: ((فما فقدَ فيهِ الاتصالُ قسمٌ، ويدخلُ تحتهُ قسمانِ)) (١) معترضُ الظاهرِ، حيثُ أفهمَ الانحصارَ في القسمينِ، واللهُ أعلمُ. وقدْ وضعتُ لهذهِ الصور الثلاثِ والستينَ جدولاً يضبطُها ويسهلُها، كنَيتُ فيهِ عنِ الشرطِ الأولِ بالألفِ، وعنِ الثاني بالباءِ، وعنِ الثالثِ بالجيمِ، وعنِ الرابعِ بالدالِ، وعنِ الخامسِ بالهاءِ، وعنِ السادسِ بالواوِ، وقدمتُ فيهِ الصورةَ الأخيرةَ، وهو هذا /٩٢ ب/:

стр. 298

أب ج د هـ و |أ |ب |ج |د |هـ |و أب |أج |أد |أه |أو |ب ج |ب د ب هـ |ب و |ج د |ج هـ |ج و |ده |د وه و |أب ج (١) |أب د |أب هـ | أب و |أج د |أج هـ أج و |أد هـ |أد و |أهو |ب ج د |ب ج هـ |ب ج وب د هـ |ب د و |ب هـ و |ج د هـ |ج د و |ج هـ و |د هـ وأ ب ج د | أب ج هـ |أب ج و |أب د هـ |أب د و |أب هـ و |أج د هـ أج د و |أج هـ و |أد هـ و |ب ج د هـ |ب ج د و |ب ج هـ و |ب د هـ وج د هـ و |أب ج د هـ |أب ج د و |أب ج هـ و |أب د هـ و |أج د هـ و |ب ج د هـ و (٢) قالَ شيخُنا: ((وأنا أرى هذا التقسيمَ تعَباً، ليسَ وراءهُ أربٌ، فإنَّه لا يخلو إمَّا أنْ يكونَ لأجلِ معرفةِ ما كانَ من أقسامِ الضعيفِ أضعفُ من بعضٍ، أو لا، فإنْ كانَ الأولُ فلا يخلو من أنْ يكونَ لأجلِ أنْ يعرفَ أنَّ (٣) ما فقدَ منَ الشروطِ أكثر أضعفُ أو لا، فإنْ كانَ الأولُ، فليسَ كذلكَ؛ لأنَّ لنا ما يفقدُ شرطاً واحداً ويكونُ أضعف مما يفقدُ الشروطَ الخمسةَ الأُخَر، وهو ما يفقدُ راويهِ (٤) بعضَ ما تقومُ بهِ العدالةُ وهو

стр. 299

الصدقُ، وإنْ كانَ الثاني فما هوَ، وإن كانَ الثاني وهو أنْ يكونَ لأمرٍ آخرَ غير معرفةِ الأضعفِ فلا يخلو من أنْ يكونَ لأجلِ تخصيصِ كلِّ قسمٍ باسمٍ أو لا، فإنْ كانَ الأولُ فليسَ كذلكَ؛ فإنَّهم لم يُسمُّوا من ذلكَ / ٩٣أ / إلا القليلَ كالمعضلِ والمرسلِ ونحوهما، وإنْ كانَ الثاني فلا يخلو من أنْ يكونَ لأجلِ معرفةِ كم تبلغ قسماً بالبسطِ، أو لا، فإنْ كانَ الأول؛ فهذهِ (١) ثمرة مرة، وإنْ كانَ الثاني فما هوَ (٢)؟!)). قولُه في الشرحِ: (وقولُ ابنِ الصلاحِ .. ) (٣) إلى آخرهِ، اعتراضهُ عليهِ غيرُ متجهٍ؛ لأنَّهُ يمكنُ أنْ لا يجمعَ صفاتِ الحسنِ، ويكونُ صحيحاً، وذلكَ أنَّهُ قد تحرّرَ فيما (٤) سلفَ أنَّها مباينةٌ لشروطِ الصحيحِ، فإذا انتفى الضبطُ المقيّدُ بالقصورِ، لم يمتنع أن يكونَ الضبطُ الموصوفُ بالتمامِ، وإذا انتفى كونُ الراوي مستوراً (٥) أو مجهولاً لَمْ يمتنع وجودُ الثقةِ الضابطِ، وعلى هذا. نَعَم عبارةُ الشيخِ (٦) هي التي لا يُحتاجُ معها إلى ذكرِ الصحيحِ من أجلِ تعبيرهِ بـ ((يبلغ))، وهيَ ملاحظٌ فيها كونُ البالغِ كانَ قبلُ قاصراً عن تلكَ الرتبةِ التي بلغها، ويكونُ معناها: ما قَصُرَ عن رتبةِ الحسنِ. قولُه: (لأنَّ ما قصُرَ) (٧) منَ الغرائبِ فإنَّهُ لا يصلحُ تعليلاً لردِّ قولِ ابنِ الصلاحِ، إلا إذا عبَّرَ بأنَّهُ القاصرُ عن رتبةِ الحسنِ، أو ما في معنى ذلكَ.

стр. 300

وتعبيرهُ بـ ((لَم يجمعْ)) لا ((بِما قصرَ))، أو ((لم (١) يبلُغْ))، لكنّ هذا كلَّهُ بناءٌ من الشيخِ (٢) على أنَّ الحسنَ جنسٌ للصحيحِ بدليلِ قولِهِ: ((وإن كانَ بعضُهمْ .. )) إلى آخرهِ، ولو سُلِّمَ لَه هذا لكانَ الاعتراضُ متجهاً؛ لأنَّهُ إذا انتفى العامُّ، انتفى الخاصُّ، لكِن قدْ مضى إفسادهُ. قولُه: (حيثُ لَم ينجبرِ المرسلُ) (٣) قالَ شيخُنا: ((المنقطعُ ونحوهُ كذلكَ، فكانَ الصوابُ حَذفَ القيدِ؛ لئلا يُفهَمَ اختصاصهُ بهِ-أي: بالمُرسَل- (٤) أو يُقيدُ / ٩٣ب / المنقطعُ بذلكَ أيضاً، وكأنَّهُ أرادَ بالانقطاعِ المعنى اللغوي، حتى يشملَ المعضلَ ونحوَهُ؛ فلذا لَم يقيدهُ لكونِ المعضلِ لا ينجبرُ بتعددِ طُرقهِ)). وعن شيخنا: أنَّ الأَوْلَى ذِكرُ كُلٍّ منهما، وتقييدُ المنقطعِ. وبخطِّ بعضِ أصحابنا: فيهِ نظرٌ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الساقطُ لا يصلحُ للاعتبار، فلا ينجبرُ. قولُه: (وأدخلَتِ الياءُ لضرورةِ القافيةِ) (٥) ليسَ كذلكَ، فإنَّ هذهِ الياءَ ليستْ لامَ الفعلِ التي تذهبُ من آخرِ الأمرِ، بل هيَ ياءُ الإطلاقِ. قولُه: (السابعُ والثلاثونَ) (٦) هذا القسمُ هوَ الثالثُ والثلاثونَ، فليتأملْ، فإنَّ المرادَ بقولهِ: ((كذلكَ)): كثير الخطأ، ولا يظنُّ أنَّ المرادَ المغفل الذي ليسَ بعدل؛ لأنَّه سيقولُ: إنَّ الشاذَّ لا يُجامعُ الضعيفَ. أفادهُ بعضُ أصحابِنا فيما رأيتُه بخطهِ.

стр. 301

قولُه: (لا يمكنُ اجتماعُ ذلكَ على الصحيحِ) (١) ليسَ كذلكَ، بل يمكنُ؛ لأنَّ تفرّدَ الثقةِ لا يمنعُ أنْ يكونَ غيرُهُ منْ رواةِ ذلكَ الحديثِ ضعيفاً، أو مستوراً، ونحو ذلكَ. وفائدةُ ذلكَ: كثرةُ الضعفِ؛ لكثرةِ الأسبابِ، وهذا مثلُ ما مضى في قولهِ في فقدِ الشرطِ الثاني وهو العدالةُ: ((الحاديَ عشرَ: مرسلٌ فيهِ شاذٌّ)) فإنَّ وصفهُ بالضعفِ إنّما جاءَ من جهةِ احتمالِ كونِ المرسلِ عنهُ ضعيفاً، فعلى هذا الاحتمالِ يكونُ قدِ اجتمعَ الشذوذُ والراوي الضعيفُ، وكذا قولُه: ((الخامسَ عشرَ: مرسلٌ شاذٌّ فيهِ عدلٌ مغفلٌ كثيرُ الخطأ)) فإنّهُ لا يمكنُ وصفُ المغفَّلِ الكثيرِ الخطأ بالثقةِ / ٩٤ أ /؛ لأنّها (٢) عبارةٌ عن جمعِ العدالةِ والضبطِ. وهذا وإنْ كانَ عدلاً، فهوَ غيرُ ضابطٍ إلى غيرِ ذلكَ، وهوَ إذا لم يكنْ ثقةً كانَ ضعيفاً، واللهُ أعلمُ. وبخطِّ بعضِ أصحابنا: لكنْ يُقالُ: إذا كانَ في السندِ ضعيفٌ (٣)، يُحال ما في الخبرِ من تغييرٍ عليهِ، إلا إنْ عُرِفَ من خارجٍ أنَّ المخالفةَ منَ الثقةِ. قولُه: (تفردُ الثقةِ) (٤) يعني: مع مخالفةِ الناسِ لهُ، كما سيأتي في موضعهِ. قولُه: (وعَدَّهُ البستيّ .. ) (٥) إلى آخرهِ. قالَ شيخُنا: ((الذي اطّلعَ عليهِ ابنُ الصلاحِ لَم يقَع لنا فيما رأيناهُ من كتبِ ابنِ حبّانَ، ولهُ كتابُ "الضعفاءِ" وضعَ لهُ مقدمةً، قسَّمَ فيها الرواةَ إلى نحوِ عشرينَ قسماً (٦).

стр. 302

وقولُ الشيخِ: (وعدَّهُ .. لتسعةٍ) كأنَّهُ ضمَّن ((عدَّ)) معنى ((عَدّي)). فعدَّاهُ باللامِ التي بمعنى ((إلى)). قالَ: ولو قالَ: وعدَّهُ البستِيُّ فيما أوعَى ... مُستوعباً خمسينَ إلا نَوعَا لكانَ أحسنَ، من جهةِ زوالِ ما في تعدية ((عَدَّه)) بحرفِ الجرِّ من الثقلِ على السمعِ، ومن جهةِ السلامةِ من إمكانِ تصحيفِ تسعةٍ بسبعةٍ - بتقديمِ السِّين ثمَّ موحدةٍ - ومن جهة موافقة عبارةِ ابنِ الصلاحِ، فإنَّهُ قالَ: ((وأطنبَ أبو حاتمِ بنِ حبَّانَ البستيُّ في تقسيمهِ فبلغَ بهِ خمسينَ قسماً إلا واحداً)) (١). ويكونُ فيهِ من وُجوه الحسنِ أيضاً موافقةُ القرآنِ العظيمِ في قولهِ تعالى: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ (٢) (٣). قولهُ: المرفوع (٤)

стр. 303

٩٥ - وَسَمِّ مَرْفُوْعاً مُضَافاً لِلنَّبي ... وَاشتَرَطَ (الخَطِيْبُ) رَفْعَ الصَّاحِبِ ٩٦ - وَمَنْ يُقَابِلْهُ بِذي الإرْسَالِ ... فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَالِ فرضَ ابنُ الصلاحِ سائلاً قالَ لهُ: أنتَ قدْ قلتَ: إنَّ أهلَ هذا الشأنِ قسَّموهُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: صحيحٍ، وحسنٍ، وضعيفٍ، فما هذهِ الأنواع التي تذكرها بعدَ ذلكَ، أهيَ عندَ غيرِ أهلهِ، أم اصطلاحٌ جديدٌ، أم ما ذاكَ؟ / ٩٤ ب / فقالَ: ((الملحوظُ فيما نوردهُ منَ الأنواعِ: عمومُ أنواعِ علومِ الحديثِ، لا خصوصُ أنواعِ التقسيمِ الذي فرغنَا الآنَ من شرحِ أقسامهِ)) (١). قالَ شيخُنا: ((وقبلَ الخوضِ في ذلكَ نقولُ: الكلامُ في هذهِ الأنواعِ كلها لا يخلو إمّا أنْ يكونَ صفةً للإسنادِ، أو للمتنِ، أو حكماً على أحدهما. فالأولُ: كالمعلَّقِ، والمنقطعِ، والمعضلِ. والثاني: كالمرفوعِ، والمقطوعِ. والثالثُ: كالصحيحِ (٢)، والحسنِ، والضعيفِ. فإذا وصفنا الإسنادَ بصفةٍ تخصُّه كأنْ يُقالَ: منقطعٌ مثلاً، لم يُنظرْ إلى الحديثِ أصلاً، بل تارةً يكونُ صحيحاً، وتارةً يكونُ حسناً، وتارةً يكونُ ضعيفاً. وإذا وصفنا المتنَ بصفةٍ تخصُّه، كأنْ يُقالَ: مرفوعٌ، لمْ يُنظرْ إلى السندِ أصلاً، بلْ سواءٌ كانَ منقطعاً، أم مُعضلاً، أم غيرَ ذلكَ)). قولُه: (مضافاً للنبيِّ) (٣)، أي: سواء أضافهُ الصحابيُّ، أم التابعيُّ، أم منْ بعدهُ إلى اليومِ.

стр. 304

قولُه: (واشترطَ الخطيبُ) (١)، قالَ شيخُنا: ((لَمْ يشترطِ الخطيبُ (٢) ذلكَ، والذي حملَ الشيخَ على قولهِ هذا عنهُ، هوَ ظاهرُ هذهِ العبارةِ التي ساقها عنهُ. وعندي أنَّ كلامهُ إنَّما خرجَ مخرجَ الغالبِ؛ إذ غالبُ ما يُضافُ إلى النبيِّ ﷺ هوَ من إضافةِ الصحابيِّ)). وقولُه: (ومنْ يقابلهُ) (٣)، أي: كأنْ يقول: أرسلهُ فلانٌ، ورفعهُ فلانٌ، فإنَّهُ يريدُ بقولهِ: ((ورفعهُ)): وصلَهُ. فالنظرُ حينئذٍ في معنى رفعه إلى المعنى اللغويِّ، لا الاصطلاحي. قالَ في " القاموسِ " (٤): ((فرُشٌ مرفوعةٌ، أي: بعضُها فوقَ (٥) بعضٍ، أو مقربةٌ لَهمْ))، وقالَ عبدُ الحقِّ (٦) في "الواعي" (٧): ((رفعتُ فلاناً إلى الحاكمِ، إذا قدّمتهُ إليهِ، ورفعتُ هذا الأمرَ إلى السلطانِ إذا بلّغتهُ إياهُ، ورفعتُ الشيءَ رفعاً قربتُهُ / ٩٥ أ / من غيرهِ، وفي التنزيلِ: ﴿وفُرشٍ مرفوعةٍ﴾ (٨)، أي: مُقربةٍ إليهم)). انتهى.

стр. 305

والذي اضطرنا إلى هذا أنَّهُ لا يمكن أنْ يكونَ الرفعُ بالمعنى الاصطلاحيِّ مقابلاً للإرسالِ؛ لأنَّهُ من صفاتِ المتنِ، والإرسالُ من صفاتِ الإسنادِ، فتعيَّنَ حينئذٍ أنْ يُعنى بهِ المتصل، أي: من عندِ التابعي، سواءٌ كانَ ما دونهُ متصلاً، أم منقطعاً، أم مُعضلاً، أم غيرَ ذلكَ. قولُه: (ما أضيفَ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((هوَ ما أضيفَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ خاصةً، ولا يقعُ مطلقهُ على غيرِ ذلكَ، نحو الموقوفِ على الصحابةِ، وغيرهم)) (٢). المسند (٣) قولُه: ٩٧ - وَالمُسْنَدُ المَرْفُوْعُ أوْ مَا قَدْ وُصِلْ ... لَوْ مَعَ وَقفٍ وَهوَ في هَذَا يَقِلْ ٩٨ - وَالثالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الوَصْلِ مَعَا ... شَرْطٌ بِهِ (الحَاكِمُ) فِيهِ قَطَعَا

стр. 306

قولُه: (لو مع وقف) (١) قالَ شيخُنا: ((الذي أظنّهُ أنَّ هذا من تتمَّةِ كلامِ الخطيبِ، وظنَّ الشيخُ أنَّهُ من عندِ ابنِ الصلاحِ، فأفصحَ في الشرحِ بهِ)). قلتُ: والظاهرُ مع الشيخِ (٢)، فإنَّ ابنَ الصلاحِ قالَ: ((ذكرَ أبو بكرٍ الخطيبُ أنَّ المسنَدَ عندَ أهلِ الحديثِ: هو الذي اتصلّ إسنادهُ من أولِّهِ إلى منتهاهُ، وأكثر ما يُستعملُ (٣) .. )) إلى آخرهِ، فلو كانَ من تتمَّةِ كلامِ الخطيبِ لكررَ (أنَّ) فقالَ: ((وأنَّ أكثر ما يُستعملُ .. )) أو كانَ يُعبرُ بـ ((قالَ)) موضِعَ ((ذَكَرَ)) فينتظم الكلامُ. وبما قررهُ الشيخُ (٤) يندفعُ ما ذكرَ في " النكتِ " أنَّهُ اعترضَ بهِ على ابنِ الصلاحِ بأنَّهُ ليس في كلامِ الخطيبِ: ((دونَ ما جاءَ عن الصحابةِ وغيرهم)) لا في "الكفايةِ"، ولا في "الجامعِ" (٥). وقولُه: (لو مع وقفٍ) (٦) ليس الوقفُ شرطاً في قولهِ: ((وُصِلَ))، فواو العطفِ محذوفةٌ منهُ، كما حُذِفت في نظائرهِ، والتقديرُ: ولو كانَ مع وقفٍ، فإنَّهُ يُسمى مُسنداً أيضاً على هذا القولِ. وقولُه: (الحاكمُ فيهِ قطعا) (٧) يشعرُ بأنَّ الحاكمَ يشترطُ أنْ يكونَ متصلاً

стр. 307

/ ٩٥ ب / بصيغةٍ صريحةٍ، أو ما يقومُ مقامها، وكلامُ الحاكمِ ظاهرٌ فيه (١)، فإنَّهُ قالَ: ((المسنَدُ ما أضيفَ إلى النبيِّ ﷺ بسندٍ يظهرُ فيهِ الاتصالُ)) (٢)، فقولهُ : ((يظهرُ فيهِ)) يدخلُ فيهِ عنعنةُ المدلسِ، والإرسالُ الخفيُّ، ونحوُهما ممَّا ظاهرهُ الاتصالُ، وقد يفتشُ فيوجدُ منقطعاً (٣). وكلامُ ابنِ الصباغِ (٤) منَ الخطيبِ مأخوذٌ، فهوَ من تلامذتهِ، وكلُّ ما يلزمُ على قولِ الخطيبِ يلزمهُ بلا فرقٍ، نُقلَ عن شيخنا البرهانِ (٥)، وهوَ ظاهرٌ. قوله: (فيدخلُ فيهِ المقطوعُ، وهوَ قولُ التابعيِّ .. ) (٦) إلى آخرهِ، مُنافٍ لقولهِ بعدَ ذلكَ في تعريفِ المتصلِ: ((ولمْ يروا أنْ يدخلَ المقطوعُ)) (٧)، ويجمعُ بينَ كلاميهِ (٨) بأنَّ الباحثَ يلزمُ خصمَهُ بما يقتضيهِ كلامُهُ، وإنْ كانَ لا يراهُ، ولا شكَّ

стр. 308

أنَّ قولَ الخطيبِ (١): ((ما اتصلَ إسنادهُ إلى منتهاهُ)) يشملُ ما لو اتصلَ سندهُ مثلاً إلى نحوِ مالكٍ، وانقطعَ عندهُ، فكأنَّهُ يقولُ: إنَّ عبارةَ الخطيبِ قاصرةٌ يدخلُ فيها ما صرَّحوا بأنَّه لا يدخلُ في المتصلِ، فكان من حقهِ أنْ يُخرجَهُ بأنْ يقولَ: ما اتصلَ إسنادهُ إلى من فوقَ التابعي، أو نحو ذلكَ من العباراتِ، هكذا قالَ شيخُنا. وللخطيبِ أنْ يقولَ: إني إنَّما أُكلمُ القومَ بلسانهم، لا بلسانِ أهلِ اللغةِ، فكيفَ يدخلُ المقطوعُ (٢)؟ قالَ: ومحصِّلُ هذا أنَّ بعضَ أهلِ الحديثِ جعلَ المسندَ من صفاتِ المتنِ، وهو القولُ الأولُ (٣)، فإذا قيلَ: ((هذا حديثٌ مسندٌ)) علمنا أنَّهُ مضافٌ إلى النبيِّ ﷺ ، ثمَّ قد يكونُ معضلاً، أو مرسلاً، إلى غيرِ ذلكَ. قالَ بعضُ أصحابنا (٤): وكلامُ الدارَقطنيِّ منطبقٌ عليهِ، حيثُ قالَ في جوابِ سؤالِ الحاكمِ / ٩٦ أ / عن سعيدِ بنِ عبيد اللهِ الثقفيِّ: ((هذا ابنُ عبيدِ اللهِ ابنِ جبيرِ بن حيةَ، وليسَ بالقويِّ، يحدّثُ بأحاديثَ يسندُها، ويقِفها غيرُهُ)) (٥). انتهى. وبعضُهم جعلهُ من صفاتِ الإسنادِ، وهوَ القولُ الثاني، فإذا قيلَ: ((هذا مسندٌ)) علمنا أنَّهُ لا بدَّ وأنْ يكونَ متصلَ الإسنادِ، ثمَّ قدْ يكونُ موقوفاً، وقد يكونُ مرفوعاً.

стр. 309

وبعضُهم نظرَ إليهِ بحسبِ المتنِ والإسنادِ معاً، وهو قولُ الحاكمِ (١)، وهو الذي اختارهُ (٢)، ولهُ ترجيحانِ: الأولُ: أنَّ المسندَ في القولينِ الأولينِ يكونُ مرادفاً لغيرهِ (٣)، والأصلُ عَدَمُ الترادفِ، وإنَّ كلَّ اسمٍ من هذهِ الأسماءِ يخصُّ نوعاً من الأنواعِ. الترجيح الثاني: أنَّهُ الموافقُ لاستعمالاتهم، وبيانهُ: أنَّ الشخصَ منهُم إذا جمعَ مسنداً، وأخرجَ فيهِ موقوفاً، أو ظاهرَ الانقطاعِ، ونحوَ ذلكَ اعترضوا عليه، وقالوا: أخرجهُ في مسندهِ وهو موقوفٌ، أو منقطِعٌ، ونحو ذلكَ، أو اعتذروا عنهُ بأنْ قالوا: ظنَّ فلاناً صحابياً فأخرجَ حديثهُ في مسندهِ، وليس بصحابي، ونحو ذلكَ. ولا يزالون يُخرجونَ في المسانيدِ معنعناتِ المدلسينَ، فلا يُنكرُ ذلكَ أحدٌ؛ فإنَّ معنعنَ المدلسِ ظاهرهُ الاتصالُ، وإنْ كانَ في الواقعِ بخلافِ ذلكَ، من حيثُ كونه نقلَ ذلكَ الحديثَ عن شيخهِ الذي قد (٤) عرفَ لقاؤهُ إياهُ، وسماعهُ منهُ، ومن تأمَّلَ (٥) كلامَهُم ولاحظَ صنيعَهُم اتضحَ لهُ ذلكَ. قولُه: (وبهِ جزمَ الحاكمُ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وبهذا قطعَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ، ولمْ يذكُرْ في كتابهِ غيرَهُ)) (٧). انتهى. لكنَّ الحاكمَ ما اشترطَ إلاّ ظهورَ / ٩٦ ب / الاتصالِ، فيدخلُ فيهِ المعنعنُ منَ المدلسِ، كما مضى آنفاً.

стр. 310

وقدْ خالفَ الشيخُ ترتيبَ ابنِ الصلاحِ، فإنَّ ابنَ الصلاحِ (١) ذكرَ المسندَ أولاً؛ لأنّهُ جمعَ بينَ الطريقِ والغايةِ، وهي المتنُ، فكان الاهتمامُ بهِ أشدَّ، ثمَّ قدَّمَ المتصلَ على المرفوعِ؛ لأنَّ معرفةَ الطريقِ قبلَ معرفةِ ما جعلَ الطريق لأجلهِ، ثمَّ ذكرَ المرفوعَ؛ لأنَّهُ الأصلُ، ومناسبةُ تقديمِ الموقوفِ على المقطوعِ واضحةٌ، وأمَّا الشيخُ (٢) فإنَّهُ ذكرَ المرفوعَ؛ لأنَّهُ هوَ المقصودُ من هذا العلمِ، وهوَ أيضاً أعمُّ منَ المسندِ، ولا بدَّ من معرفةِ العامِّ قبلَ معرفةِ الخاصِّ، وثَنَّى بالمسندِ؛ لأنَّهُ جمعَ الإسنادَ والمتنَ، ولأنَّهُ ينْزعُ إلى كلٍّ ممَّا هوَ بينهما، ثمَّ ثلثَ بالمتصلِ؛ لأنّهُ معرفةُ الطريقِ، ولمْ يبقَ إلا هيَ؛ لتقدمِ معرفةِ المتنِ خاصةً على المركبِ منهُ، ومنَ الطريقِ، والباقي واضحٌ. المتصل والموصول (٣) قولُه: ٩٩ - وَإنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُوْلاَ ... فَسَمِّهِ مُتَّصِلاً مَوْصُوْلا ١٠٠ - سَوَاءٌ المَوْقُوْفُ وَالمَرْفُوْعُ ... وَلَمْ يَرَوْا أنْ يَدْخُلَ المَقْطُوْعُ

стр. 311

جعلوا ((المتصلَ)) و ((الموصولَ)) (١) بمعنىً واحدٍ، وهو أنْ يَسْلَمَ السندُ منِ ابتدائهِ إلى انتهائهِ منَ السقطِ حقيقةً وحكماً، حتى يُخرجَ عن ذلكَ معنعنَاتُ المدلسينَ؛ فإنَّها محكومٌ عليها بالانقطاعِ، إلاَّ إنْ فتَّشَ، فبانَ الاتصالُ. فالمتصلُ والموصولُ من صفاتِ الإسنادِ، ولمْ يفعلوا ذلكَ في المنقطعِ والمقطوعِ، بل غايروا، فجعلوا المنقطعَ من مباحثِ الإسنادِ، والمقطوعَ من مباحثِ المتنِ. قولُه: (متصلاً موصولاً) (٢) مُرادُه: وموصولاً، يعني: أنَّهُما اسمانِ لشيءٍ واحدٍ مترادفانِ، لكنَّ النظمَ ضاقَ عن / ٩٧ أ / إثباتِ واوِ العطفِ. قولُه: (ولمْ يروا أنْ يدخلَ المقطوعُ) (٣) كالشرحِ لعبارةِ ابنِ الصلاحِ، والتصريح بمفهومِها، وإنَّما فرُّوا منَ الاصطلاحِ على أنْ يسمُّوا نوعاً واحداً متصلاً مقطوعاً؛ لنفورِ الطبعِ من وصفِ شيءٍ واحدٍ بوصفينِ متضادَّينِ لغةً. الموقوف (٤) قولُه: ١٠١ - وَسَمِّ بالمَوْقُوْفِ مَا قَصَرْتَهُ ... بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ

стр. 312

١٠٢ - وَبَعضُ أهْلِ الفِقْهِ سَمَّاهُ الأثَرْ ... وَإنْ تَقِفْ بِغَيرِهِ قَيِّدْ تَبَرْ قولُه: (بصاحبٍ) (١)، أي: على بعضِ أصحابِ النبي ﷺ ، أي: جعلتهُ مقصوراً عليهِ، لمْ تتجاوز بهِ إلى من سواهُ. قولُه: (وصلتَ أو قطعتهُ) (٢) غيرُ محتاجٍ إليهِ؛ لأنَّهُ لما جعلَ اتصالَ السندِ شرطاً في تسميةِ الموقوفِ متصلاً؛ عُلمَ أنَّهُ إذا زالَ الشرطُ فزالَ المشروطُ وهوَ التسميةُ بالمتصلِ، بقيت التسميةُ بالموقوفِ، سواءٌ كانَ منقطعاً، أو معلقاً، أو غيرَ ذلكَ مما دخلَ تحتَ عدمِ الاتصالِ، وفي قولهِ: ((سواءٌ الموقوفُ)) التصريحُ بأنَّ الموقوفَ قد يكونُ متصلاً. قولُه: (ما قصرتهُ بواحدٍ منَ الصحابةِ، قولاً لهُ، أو فعلاً، أو نحوهما) (٣) غيرُ مانعٍ، إذ قد (٤) يردُ على طردهِ ما ليسَ للرأي فيهِ مجالٌ من ذلكَ، فإنَّهُ فعلُ الصحابي قطعاً، وقولُه في الظاهرِ وهوَ غيرُ موقوفٍ حكماً، بل محكومٌ برفعهِ،

стр. 313

فالتعريفُ أعمُّ من المعرفِ (١)، فينبغي أنْ يزادَ فيهِ بعدَ قولهِ: ((نحوهما)): ما (٢) للرأي فيهِ مجالٌ؛ ليصيرَ مساوياً للمعرفِ. قولُه: (عنِ الصحابةِ) (٣) قالَ ابنُ كثيرٍ فيما نُقلَ عنهُ: ((وهوَ الذي يسميهِ كثيرٌ منَ الفقهاءِ والمحدّثينَ أثراً)) (٤). المقطوع (٥) قوله: ١٠٣ - وَسَمِّ بِالمَقْطُوْعِ قَوْلَ التَّابِعي ... وَفِعْلَهُ، وَقَدْ رَأى (للشَّافِعِي) ١٠٤ - تَعْبِيرَهُ بِهِ عَنِ المُنقطِعِ ... قُلْتُ: وَعَكسُهُ اصطِلاحُ (البَردَعِي)

стр. 314

الشّافعيُّ قالَ ذلكَ / ٩٧ ب / قبلَ استقرارِ الاصطلاحِ، وكذا وصفُهُ لبعضِ الأحاديثِ التي على شرطِ الشيخينِ بأنّهُ حسنٌ، فإنَّ ذلكَ يقعُ في عبارتِهِ ﵀. قولُه: (ووجدتهُ أيضاً في كلامِ الحُميدي) (١) كالشرحِ لقولِ ابنِ الصلاحِ: وغيرهما. قولهُ: ١٠٥ - قَوْلُ الصَّحَابيِّ (مِنَ السُّنَّةِ) أوْ ... نَحْوُ (أُمِرْنَا) حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ ١٠٦ - بَعدَ النَّبِيِّ قالَهُ بِأَعْصُرِ ... عَلى الصَّحِيْحِ، وَهْوَ قَوْلُ الأكْثَرِ لما تقدّمَ أنَّ المرفوعَ ما أضيفَ إلى النبيِّ ﷺ ، والموقوفَ ما اقتُصرَ فيهِ على الصحابيِّ، أخذَ في التنبيهِ على صِيغٍ يقتصرُ بها على الصحابيِّ، فيكونُ حُكمُها حكمَ الإضافة إلى النبيِّ ﷺ . إذا قالَ الصحابيُّ: ((منَ السُنّةِ كذا)) انصرفَ إلى سنةِ النبيِّ ﷺ (٢). ويطرقهُ احتمالُ أنْ يكونَ أرادَ بهِ سُنةَ البلدِ، أو سُنةَ الخلفاءِ الراشدينَ، أو أحدِهم، فإنَّهُ يلزمُ اتباعُ ذلكَ، قالَ ﷺ كما أخرجهُ أحمدُ (٣)، وأبو داودَ (٤)، والترمذيُّ (٥)، وابنُ ماجه (٦) عنِ العرباضِ بنِ ساريةَ ﵁: ((عليكُم بسنتي وسُنةِ الخُلفاءِ الراشدينَ))، فإذا كانَ الصحابيُّ مجتهداً وهوَ في مقامِ الاحتجاجِ

стр. 315

والفتوى بعُد احتمالُ أنْ يريدَ سُنةَ غيرِ النبي ﷺ ؛ لأنَّهُ لا يقلدُ مجتهداً مثلَهُ، وكذا كُلما قَرُبَ عصرُ القائلِ من رسولِ اللهِ ﷺ ، فالاحتمالُ في قولِ عمرَ مثلاً أضعفُ من الاحتمالِ في قولِ عثمانَ ﵄، وخصَّ بعضُهم (١) الخلافَ بغيرِ أبي بكرٍ ﵁، قالَ: أمَّا إذا قالَ أبو بكرٍ ﵁: ((من السنةِ كذا))، فإنّما يريدُ النبي ﷺ جزماً؛ لأنَّهُ لا / ٩٨ أ / سُنةَ إذ ذاكَ غيرُ سنتهِ. وضابطهُ: أنَّهُ كلّما قربَ العهدُ بَعُدَ الاحتمالُ، وكلّما بعُدَ العهدُ قرُبَ الاحتمالُ وقويَ. هذا توجيهُهُ (٢). والشيخُ (٣) ﵀ لم يبيِّنْ وجهَ واحدٍ منَ القولينِ، وإنَّما رجحَ بالكثرةِ، وجزمَ الرافعيُّ في البابِ الثالثِ منَ التيممِ في قولِ ابنِ عباسٍ ﵄: ((منَ السُنةِ أنْ لا يصلَّى بالتيممِ إلا مكتوبةٌ واحدةٌ)) (٤) بأنَّ السُنةَ في كلامِ الصحابيِّ تنصرفُ إلى سُنةِ النبي ﷺ . (٥) وقالَ الإسنوي في " المهمِّاتِ " (٦): إنَّهُ رأى المسألةَ كذلكَ في " الأمِّ " في

стр. 316

بابِ عددِ كفنِ الميتِ، قالَ: لكن رأيتُ في " شرحِ المختصرِ " للداوودي، وهو المعروفُ بالصيدلانيِّ: أنَّ هذا هو القديمُ، قالَ: والجديدُ أنَّهُ ليسَ بحجةٍ، ذكرَ ذلكَ في كتابِ الجناياتِ في بابِ أسنانِ إبلِ الخطأ، وقد بسطتُ ذلكَ في " شرح منهاج الأصولِ ". انتهى. قلتُ: وسياقهُ في " الأمِّ " (١) يدلُّ على أنَّهُ مذهبهُ في الجديدِ، فإنَّهُ قالَ في التكبيرِ على الميتِ، وما يُفعلُ بعدَ كلِّ تكبيرةٍ: ((وابنُ عباسٍ والضحاكُ بنُ قيسٍ ﵃ رجلانِ من أصحابِ النبي ﷺ ، لا يقولانِ: السُّنة (٢) إلا لِسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ إن شاء اللهُ. أخبرنا بعضُ أصحابنا عن ليثِ بنِ سعدٍ، عن الزُهري، عن أبي أمامةَ ﵁ قالَ: ((السُنةُ أنْ يُقرأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ)) (٣)، قالَ (٤) الشافعيُّ: وأصحابُ النبيِّ ﷺ لا يقولونَ: السُنّة (٥) والحق إلا لسُنةِ رسولِ اللهِ / ٩٨ ب / ﷺ إنْ شاءَ اللهُ)). هذا نصُّهُ بحروفهِ.

стр. 317

قولُه: (فالأصحُّ أنّهُ مسندٌ مرفوعٌ) (١) نُقلَ عن شيخنا: أنَّ ابنَ عبدِ البرِّ حَكَى فيهِ الاتفاقَ، واستبعدهُ بأنَّ للشافعيِّ قولينِ في أصلِ المسألةِ، وذهبَ غيرُهُ أيضاً (٢) إلى أنَّهُ غير مرفوع، كما سيأتي في كلامِ الشيخِ. قولُه: (إلا سنةَ رسولِ اللهِ ﷺ ) (٣) قالَ صاحبُنا العلاَّمةُ شمسُ الدينِ بنُ حسَّانَ (٤) فيما قرأتُه بخطهِ: غيرَ أنَّ اللفظَ لا يُعزى إلى النبي ﷺ ، فقَد نهى أحمدُ بنُ حنبلٍ الفريابيَّ (٥)، وكذا نهى ابنُ المباركِ عيسى بنَ يونسَ الرمليَّ عن رفعِ حديثِ أبي هريرةَ المُخرّجِ عندَ أبي داودَ (٦)، والترمذيِّ (٧)، قالَ: ((حذفُ السلامِ سنةٌ)) لفظُ الترمذيِّ، وقالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقالَ أبو داودَ: عن أبي هريرةَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((حذفُ السلامِ سنةٌ)) (٨).

стр. 318

قالَ المؤلِفُ في " تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ الكبيرِ" (١) بعدَ ذكرهِ الحديثَ: ((قلتُ: يعني: نهاه أنْ يعزوَ اللفظَ إلى النبيِّ ﷺ ، وإلا فقولُ الصحابيِّ: ((السنةُ كذا)) لهُ حكمُ المرفوعِ على الصحيحِ عندَ أهلِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ، قالَ: وقد ضعفَ أبو الحَسنِ بنُ القطانِ هذا الحديثَ بـ ((قُرَّةَ بنِ عبدِ الرحمانِ)))). انتهى. قولُه: (وما يجبُ اتباعهُ) (٢) إنْ قيلَ: ليسَ كُلُّ ما كانَ سنةَ النبيِّ ﷺ يجبُ فعلُهُ، قيلَ: لمْ يقلِ المصنفُ ذلكَ، وإنَّما قالَ: ((يجبُ اتباعهُ)) ولا شكَّ في وجوبِ اتباعِ كلِّ ما بلغَ درجةَ الاحتجاجِ من سنةِ النبي ﷺ / ٩٩ أ / ولو باعتقادِ أنَّهُ حقٌّ، وظاهر قولهم: إنَّهُ إذا أفصحَ بالمرادِ، فقالَ: سُنةُ النبي ﷺ ينتفي الاحتمالُ، وليسَ ذلكَ في كُلِّ صورةٍ، فينبغي أنْ تفقهَ (٣) الكلامَ في سياقهِ، ونحو ذلكَ، فإنَّ مثلَ ما أخرجهُ الدارَقطنيُّ (٤) من حديثِ عمرو بنِ العاصِ (٥) ﵁ أنَّهُ قالَ: ((لا تلبسوا علينا سُنةَ نبينا ﷺ عدةُ أمِّ الولدِ شهرانِ)) (٦) يطرقهُ احتمالُ أنْ لا يكونَ عندهُ نصٌّ صريحٌ في خصوصِ عدةِ أمِّ الولدِ، بل قالَ ذلكَ قياساً على سُنةٍ مُحققةٍ عندَهُ، وأرادَ: لا تَلبسوا علينا ما لا نشكُّ فيهِ، مِن أنَّ هذهِ تُشبهُ تلكَ.

стр. 319

قولُه: (وغيرهما) (١) نُقلَ عن شيخنا أنَّهُ قالَ: كأبي بكرٍ الرازيِّ منَ الحنفيةِ، وابنِ حَزمٍ منَ الظاهريةِ (٢). قولُه: (فلا يُحمَل على سُنَّتهِ) (٣) ينبغي أنْ يُقيدَ الاختلافَ بما إذا كانَ في غيرِ محلِ الاحتجاجِ، أمَّا إذا ساقهُ مساقَ الاحتجاجِ فَلا؛ لأنَّ المجتهدَ لا يُقلدُ مثلهُ، فلا يُريدُ إلا سُنةَ النَبي ﷺ . وكَذا قَولُهُ: ((أُمرنَا، ونُهينَا)). قَولهُ: (مِن نوعِ المرفوعِ، والمسندِ) (٤) إنَّما يَأتِي الحكمُ على ذلك بأنَّهُ مُسنَدٌ إذا قلنَا: إنَّ المسنَد مرادفٌ للمَرفوعِ. قولهُ: (وخالفَ في ذلِكَ فَريقٌ) (٥) فقَالوا: ليسَ مِن نَوعِ المرفوعِ؛ لأنَّهُ يَطرُقهُ (٦) احتمالُ كونِ غَيرِ النَبي ﷺ هوَ الآمِرُ، مِن خليفةٍ ونَحوِهِ. قَولُهِ: (وَجزمَ بهِ) (٧)، أي: بقولِ هَذا الفَريقِ، وهوَ أنَّهُ ليسَ مِن قبيل المرفوعِ. قالَ شَيخُنا البُرهانُ ﵀: هَذا الخلافُ رأيتُه في كَلامِ بَعضِ

стр. 320

العُلماءِ أنَّهُ في غيرِ الصِدِّيق ﵁، وأمَّا الصدِيقُ فَمتى قالَ ذلِكَ، كَانَ مَرفوعاً بلا خِلافٍ، قالَ: وِما قالهُ ظاهِرٌ حَسَنٌ، ورأيتُ مَعناهُ بِخطِّ بَعضِ الفُضلاءِ معزوَّاً لمقدِّمةِ /٩٩ ب/ "جامِعِ الأُصولِ" في الفَرعِ (١) الثالثِ في الكلامِ في مَراتبِ الأخبارِ (٢) انتَهى. وقَد مَضَى معنَى أصلِهِ في أول الكلامِ (٣). قُلتُ: ولفظُ (٤) صَاحبِ "الجامعِ": وقالَ بَعضُهم: في هذا تفصيل، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ الراوِي الصِدِّيقَ ﵁، فَيُحمَلُ على أنَّ الآمِرَ النَبيُّ ﷺ ؛ لأنَّ أبا بكرٍ لا يقولُ: ((أُمِرنَا)) إلا والآمرُ النَبيُّ ﷺ ؛ لأنَّ غيرَهُ لا يَأمرُهُ، ولا يَلتزمُ أَمرَ غيرِهِ، ولا تأمَّرَ عليهِ أحدٌ مِنَ الصَحابةِ (٥) ﵃. قولهُ: (أُمِرَ بلال) (٦) كانَ ينبغِي التَمثيلُ بِغيرهِ، فَقد نُقلَ أنَّهُ عندَ أَبي عوانةَ (٧) بإبرازِ الفاعِل. قولهُ: (ولا فرقَ بينَ أنْ يقولَ ذلكَ في زَمنِ النبي ﷺ أو بعدهُ) (٨)، أي:
следующие страницы →