← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بابِ عددِ كفنِ الميتِ، قالَ: لكن رأيتُ في " شرحِ المختصرِ " للداوودي، وهو المعروفُ بالصيدلانيِّ: أنَّ هذا هو القديمُ، قالَ: والجديدُ أنَّهُ ليسَ بحجةٍ، ذكرَ ذلكَ في كتابِ الجناياتِ في بابِ أسنانِ إبلِ الخطأ، وقد بسطتُ ذلكَ في " شرح منهاج الأصولِ ". انتهى. قلتُ: وسياقهُ في " الأمِّ " (١) يدلُّ على أنَّهُ مذهبهُ في الجديدِ، فإنَّهُ قالَ في التكبيرِ على الميتِ، وما يُفعلُ بعدَ كلِّ تكبيرةٍ: ((وابنُ عباسٍ والضحاكُ بنُ قيسٍ ﵃ رجلانِ من أصحابِ النبي ﷺ ، لا يقولانِ: السُّنة (٢) إلا لِسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ إن شاء اللهُ. أخبرنا بعضُ أصحابنا عن ليثِ بنِ سعدٍ، عن الزُهري، عن أبي أمامةَ ﵁ قالَ: ((السُنةُ أنْ يُقرأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ)) (٣)، قالَ (٤) الشافعيُّ: وأصحابُ النبيِّ ﷺ لا يقولونَ: السُنّة (٥) والحق إلا لسُنةِ رسولِ اللهِ / ٩٨ ب / ﷺ إنْ شاءَ اللهُ)). هذا نصُّهُ بحروفهِ.

стр. 317

قولُه: (فالأصحُّ أنّهُ مسندٌ مرفوعٌ) (١) نُقلَ عن شيخنا: أنَّ ابنَ عبدِ البرِّ حَكَى فيهِ الاتفاقَ، واستبعدهُ بأنَّ للشافعيِّ قولينِ في أصلِ المسألةِ، وذهبَ غيرُهُ أيضاً (٢) إلى أنَّهُ غير مرفوع، كما سيأتي في كلامِ الشيخِ. قولُه: (إلا سنةَ رسولِ اللهِ ﷺ ) (٣) قالَ صاحبُنا العلاَّمةُ شمسُ الدينِ بنُ حسَّانَ (٤) فيما قرأتُه بخطهِ: غيرَ أنَّ اللفظَ لا يُعزى إلى النبي ﷺ ، فقَد نهى أحمدُ بنُ حنبلٍ الفريابيَّ (٥)، وكذا نهى ابنُ المباركِ عيسى بنَ يونسَ الرمليَّ عن رفعِ حديثِ أبي هريرةَ المُخرّجِ عندَ أبي داودَ (٦)، والترمذيِّ (٧)، قالَ: ((حذفُ السلامِ سنةٌ)) لفظُ الترمذيِّ، وقالَ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقالَ أبو داودَ: عن أبي هريرةَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((حذفُ السلامِ سنةٌ)) (٨).

стр. 318

قالَ المؤلِفُ في " تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ الكبيرِ" (١) بعدَ ذكرهِ الحديثَ: ((قلتُ: يعني: نهاه أنْ يعزوَ اللفظَ إلى النبيِّ ﷺ ، وإلا فقولُ الصحابيِّ: ((السنةُ كذا)) لهُ حكمُ المرفوعِ على الصحيحِ عندَ أهلِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ، قالَ: وقد ضعفَ أبو الحَسنِ بنُ القطانِ هذا الحديثَ بـ ((قُرَّةَ بنِ عبدِ الرحمانِ)))). انتهى. قولُه: (وما يجبُ اتباعهُ) (٢) إنْ قيلَ: ليسَ كُلُّ ما كانَ سنةَ النبيِّ ﷺ يجبُ فعلُهُ، قيلَ: لمْ يقلِ المصنفُ ذلكَ، وإنَّما قالَ: ((يجبُ اتباعهُ)) ولا شكَّ في وجوبِ اتباعِ كلِّ ما بلغَ درجةَ الاحتجاجِ من سنةِ النبي ﷺ / ٩٩ أ / ولو باعتقادِ أنَّهُ حقٌّ، وظاهر قولهم: إنَّهُ إذا أفصحَ بالمرادِ، فقالَ: سُنةُ النبي ﷺ ينتفي الاحتمالُ، وليسَ ذلكَ في كُلِّ صورةٍ، فينبغي أنْ تفقهَ (٣) الكلامَ في سياقهِ، ونحو ذلكَ، فإنَّ مثلَ ما أخرجهُ الدارَقطنيُّ (٤) من حديثِ عمرو بنِ العاصِ (٥) ﵁ أنَّهُ قالَ: ((لا تلبسوا علينا سُنةَ نبينا ﷺ عدةُ أمِّ الولدِ شهرانِ)) (٦) يطرقهُ احتمالُ أنْ لا يكونَ عندهُ نصٌّ صريحٌ في خصوصِ عدةِ أمِّ الولدِ، بل قالَ ذلكَ قياساً على سُنةٍ مُحققةٍ عندَهُ، وأرادَ: لا تَلبسوا علينا ما لا نشكُّ فيهِ، مِن أنَّ هذهِ تُشبهُ تلكَ.

стр. 319

قولُه: (وغيرهما) (١) نُقلَ عن شيخنا أنَّهُ قالَ: كأبي بكرٍ الرازيِّ منَ الحنفيةِ، وابنِ حَزمٍ منَ الظاهريةِ (٢). قولُه: (فلا يُحمَل على سُنَّتهِ) (٣) ينبغي أنْ يُقيدَ الاختلافَ بما إذا كانَ في غيرِ محلِ الاحتجاجِ، أمَّا إذا ساقهُ مساقَ الاحتجاجِ فَلا؛ لأنَّ المجتهدَ لا يُقلدُ مثلهُ، فلا يُريدُ إلا سُنةَ النَبي ﷺ . وكَذا قَولُهُ: ((أُمرنَا، ونُهينَا)). قَولهُ: (مِن نوعِ المرفوعِ، والمسندِ) (٤) إنَّما يَأتِي الحكمُ على ذلك بأنَّهُ مُسنَدٌ إذا قلنَا: إنَّ المسنَد مرادفٌ للمَرفوعِ. قولهُ: (وخالفَ في ذلِكَ فَريقٌ) (٥) فقَالوا: ليسَ مِن نَوعِ المرفوعِ؛ لأنَّهُ يَطرُقهُ (٦) احتمالُ كونِ غَيرِ النَبي ﷺ هوَ الآمِرُ، مِن خليفةٍ ونَحوِهِ. قَولُهِ: (وَجزمَ بهِ) (٧)، أي: بقولِ هَذا الفَريقِ، وهوَ أنَّهُ ليسَ مِن قبيل المرفوعِ. قالَ شَيخُنا البُرهانُ ﵀: هَذا الخلافُ رأيتُه في كَلامِ بَعضِ

стр. 320

العُلماءِ أنَّهُ في غيرِ الصِدِّيق ﵁، وأمَّا الصدِيقُ فَمتى قالَ ذلِكَ، كَانَ مَرفوعاً بلا خِلافٍ، قالَ: وِما قالهُ ظاهِرٌ حَسَنٌ، ورأيتُ مَعناهُ بِخطِّ بَعضِ الفُضلاءِ معزوَّاً لمقدِّمةِ /٩٩ ب/ "جامِعِ الأُصولِ" في الفَرعِ (١) الثالثِ في الكلامِ في مَراتبِ الأخبارِ (٢) انتَهى. وقَد مَضَى معنَى أصلِهِ في أول الكلامِ (٣). قُلتُ: ولفظُ (٤) صَاحبِ "الجامعِ": وقالَ بَعضُهم: في هذا تفصيل، وذَلِكَ أنَّهُ إنْ كانَ الراوِي الصِدِّيقَ ﵁، فَيُحمَلُ على أنَّ الآمِرَ النَبيُّ ﷺ ؛ لأنَّ أبا بكرٍ لا يقولُ: ((أُمِرنَا)) إلا والآمرُ النَبيُّ ﷺ ؛ لأنَّ غيرَهُ لا يَأمرُهُ، ولا يَلتزمُ أَمرَ غيرِهِ، ولا تأمَّرَ عليهِ أحدٌ مِنَ الصَحابةِ (٥) ﵃. قولهُ: (أُمِرَ بلال) (٦) كانَ ينبغِي التَمثيلُ بِغيرهِ، فَقد نُقلَ أنَّهُ عندَ أَبي عوانةَ (٧) بإبرازِ الفاعِل. قولهُ: (ولا فرقَ بينَ أنْ يقولَ ذلكَ في زَمنِ النبي ﷺ أو بعدهُ) (٨)، أي:

стр. 321

لأنَّ احتمالَ أنْ يكونَ النبيُ ﷺ نَصبَ أميراً على سريةٍ أو غيرِهَا، فأمرُهُم يَطرقُهُ، وإنْ كانَ بَعيداً. قولُهُ: (داودَ) (١) هو الظَاهِري. قولُهُ: (فَلا أعلمُ فيهِ خِلافاً) (٢)، أي: في كونهِ مَرفوعاً؛ فَالاستثناءُ حِينئذٍ غيرُ سائغٍ على تقديرِ كونهِ مُتصلاً، فَإنَّ المستثنى وهو كونُه حجةً، ليسَ مِن جنسِ المستثَنى مِنهُ، وهو كونُه مرفوعاً. قولهُ: (إلا أنْ يُريدُوا بكونِهِ لا يَكونُ حُجَّة، أَي: في الوجوبِ) (٣). قالَ (٤): هَذا مرادُهُم بغيرِ شكٍّ؛ لأنَّهُ يَطرقهُ احتمالُ أنْ يكونَ الأمرُ للندبِ. قولهُ: (تعليلُهُ) (٥)، أي: ابنِ الصباغِ. قولهُ: (كانَ لهُ وَجهٌ) (٦) أي في الجملةِ، لا أنَّهُ وجهٌ صحيحٌ، فإنَّ الحقَّ: أنَّ الصحابةَ ﵃ مِن أهل اللسانِ عارفونَ بمواقعِ الكلامِ العربيِّ، فلا يقولُ أحدُهُم: ((أمَرَنا رسولُ الله ﷺ )) إلا وقَد عَلِمَ أنَّ النبي ﷺ وجَّهَ الخِطابَ بصيغةِ ((افعلْ)) (٧). وَسألَ (٨) سائِلٌ: هل يُستثنَى مِنَ الصحابةِ مَن لَم يكنْ عَربياً حَتى /١٠٠ أ/ لا يدلَّ قولهُ ذلكَ على الوجوبِ؟ فقالَ: نَعَم.

стр. 322

قولهُ: ١٠٧ - وَقَوْلُهُ (كُنَّا نَرَى) إنْ كانَ مَعْ ... عَصْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيْلِ مَا رَفَعْ ١٠٨ - وَقِيْلَ: لا، أوْ لا فَلا، كَذاكَ لَه ... و (لِلخَطِيْبِ) قُلْتُ: لكِنْ جَعَلَهْ ١٠٩ - مَرفُوعاً (الحَاكِمُ) و (الرَّازِيُّ ... ابنُ الخَطِيْبِ)، وَهُوَ القَوِيُّ تَضَمنت ثلاثةَ أقوالٍ: أولُها: مُفصَلٌ، والاثنانِ مطلقانِ. القولُ الأولُ: وهو الذِي اختارهُ ابنُ الصلاحِ (١)، والخطيبُ (٢) أنَّهُ إنْ أضافهُ إلى عَصرِ النَبي ﷺ كانَ مَرفوعاً. ومفهومهُ: أنَّهُ إنْ لَم يضفْهُ إليهِ لَم يكن مَرفوعاً، وإنَّما صَرحَ بهذا المَفهومِ في قولِهِ: ((أوْ لا فَلا)) ليرتبَ عليهِ القولَ الثالثَ. القولُ الثانِي (٣): أنَّهُ لا يكونُ مرفوعاً مُطلقاً، سَواءٌ أُضيفَ إلى عَصرِ النبي ﷺ ، أَو لا، والضميرُ في قولهِ: ((قلتُ، لكن جَعلهْ)) لِما لَم يَكُن مضافاً إلى عَصرِ النبي ﷺ ، المفهومِ من قولهِ: إنْ كانَ معَ عَصر النبي ﷺ ، والمصرحِ بهِ في قولهِ: ((أوْ لا، فَلا))، أي. القولُ الثالثُ (٤): الرَفع مطلقاً، وَلو لَم يضف إلى عَصرِ النبي ﷺ ، وهوَ قولُ الحَاكمِ (٥) وَالرازِي (٦).

стр. 323

وقولهُ: (وَقيلَ لا) (١) مُعترض (٢)، حَقُّهُ أنْ يُؤخرَ عَن قولهِ ((أوْ لا، فَلا))، فتقديرُهُ أنْ يُقالَ: قولُ الصحابيِّ: ((كنَّا نَرى كذا وكذا)) فيهِ للعلماءِ ثلاثةُ أقوالٍ: القولُ الأولُ: إنْ كانَ قولهُ: ((كنا نرى)) مَذكوراً معَ إضافتهِ إلى عصرِ النَّبيِّ، فهوَ من قبيلِ المرفوعِ، وإنْ لَم يَكن مُضافاً إلى عصرِ النبي ﷺ ، فليسَ بمرفوعٍ، هَكذا قالَ ابنُ الصَلاحِ والخطيبُ. القولُ الثَاني: لا يكونُ مَرفوعاً مُطلقاً، سَواءٌ أُضيفَ، أو لَم يُضفْ. القَولُ الثالثُ: أنْ يَجعلَ ما / ١٠٠ ب / لَم يُضف إلى عصرهِ ﷺ مرفوعاً، كَما قالَ الحَاكمُ والرازي، فيكون ما أُضيفَ أولَى بالرَفعِ. قالَ ابنُ الصَلاحِ: ((ومن هذا القَبيلِ -أي: قَبيلِ إضافتهِ إلى زَمانهِ ﷺ (٣) قولُ الصَحابِي: ((كُنَّا لا نرى بأساً بكَذا، ورسولُ الله ﷺ فيِنا)) أو ((كانَ يُقالُ: كَذا وكَذا على عَهدهِ)) أو ((كَانوا يفعلونَ كَذا وكَذا في حياتهِ ﷺ ))، فَكلُ ذلِكَ وشِبهُهُ مرفوعٌ مُسندٌ، مُخرَّجٌ في كُتبِ المسانيدِ (٤). قولُهُ: (الحاكمُ وغيرهُ من أهلِ الحديثِ) (٥)، أي: وَهم الجمهورُ، كَما نُقلَ عَن عبارةِ الشيخِ مُحيي الدِين النوويِّ (٦).

стр. 324

قولهُ: (لأنَّ ظاهِرَ ذلِكَ .. ) (١) إلى آخرهِ، أي: لأنَّ دواعِيَهم كانت متوفرةً على سؤالِه ﷺ عَن جميعِ الأُمور التي كَانوا يفعلونَها وإنْ قَلَّتْ، إذا لم تكنْ ممَّا عَرفوا حُكمهُ، حَتى إنَّ بعضهُم كانَ يَفعلُ الشيءَ المُباح، كالتقبيلِ في الصيامِ في بعضِ الصُورِ (٢)، فَلا يقدرُ أَنْ ينامَ، لا يقرُّ لهُ قرارٌ حتَّى يُرسِلَ يَسألُ عَن ذلكَ، فَيخبرهُ أزواجُ النَبي ﷺ أنَّ النبي ﷺ يَفعلُهُ، فلا يزدهُ ذلكَ إلا قَلقاً، ويَقولُ: يُحِلُّ اللهُ تعالى (٣) لِرسولهِ ﷺ ما شاءَ، فَلا يَرجعُ دونَ أنْ ينصَّ النبيُّ ﷺ على أَنَّ ذلكَ لا يختصُّ بهِ ﷺ ، وأنَّهُ حلالٌ لغيرهِ، ولا يقالُ: إنَّهُ مرفوعٌ ولو لَم يطَّلِع عليهِ؛ لأنَّهُ لو لَم يكنْ جائِزاً لَم يُقرهُم اللهُ عليهِ، ولا أطْلعَ نبيَهُ ﷺ / ١٠١أ / على ذلكَ؛ لأنَّهُ لا يُنسبُ إليهِ إلا مَا أطْلعَ عليهِ، ولو احتمالاً، فحينئذٍ يكونُ مرفوعاً حكماً، وإنْ كانَ يحتملُ مع ما تقدّمَ أَن يُريدَ قائلهُ: ((كُنَّا نرى)): إجماعَ الصحابةِ. ويُحتملُ أنْ يُريدَ نفسَهُ وَمَنْ وافقهُ، وإنْ لم يكنْ جميعَ الصحابةِ. لكن يُرجِّحُ الأولَ أَنَّ إضافتَهمْ الأشياءَ - لا سِيَّما مَا يتعلقُ بالتحليلِ والتحريمِ - إلى النبي ﷺ هوَ المستعملُ الكثيرُ الفاشي بينَهم، واستنادُهم إلى إجماعِ الصحابةِ نَادرٌ جدَّاً. وأيضاً: فإنَّ الصحابيَّ لا يَجزمُ بالإجماعِ؛ لأنَّهُ لا يَتأتَى لَه الفحصُ عَن أقوالِ جميعِ الصحابةِ مَع تشتُتِهم في البلادِ. وأيضاً: فَإنَّ داعيتَهُ ليسَت مُتوفرةً على السُؤالِ عن أَقوالِ الصحابةِ مثلهُ، إنَّما يسألُ عَن أعلى الأمورِ، وهو ما يُضافُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، بِخلافِ التَابعينَ، فإنَّ دواعيَهم مُتوفرةٌ على الرحلَةِ إلى الصحابةِ في جميعِ الأقطارِ، والفَحصِ عَن أقوالِهم،

стр. 325

وأحوالِهم، فاضمحلَّ استنادهُ إلى الإجماعِ ونحوهِ، فترجحَ الأولُ ترجُّحاً ظَاهراً. ومقابِلُهُ - وهو القولُ الثاني -شاذٌّ، كَما أَنَّ مقابلَ القولِ الثالثِ خِلافٌ كثيرٌ فَاشٍ (١). قولهُ: (فَإنَّها - أي: السُننَ المرفوعةَ - أَقوالُهُ، وأفعالهُ، وتقريرهُ) (٢) إنْ أرادَ السُننَ التي يتلقَى مِنها الأحكامَ، كَما يَقصدهُ الأصوليونَ؛ فإنَّهم لا يبحثونَ إلا عمَّا يتفرعُ عليهِ الأحكامُ، فَلا اعتراضَ عليهِ، وإنْ أَرادَ مُطلقَ الأحاديثِ المرفوعةِ، وَهوَ الظَاهر مِن كَلامهِ؛ فإنَّ وظيفةَ المحدّثِ أنْ يُبيّنَ المرفوعَ مِن غيرهِ، سَواءٌ أفادَ حُكماً، أم لا، فَيردُ / ١٠١ ب / عليهِ مَا ليسَ كذلكَ، ممَّا ليسَ فيهِ قولٌ، ولا فعلٌ، ولا تقريرٌ، كقولِ أَبي جُحيفة ﵁: ((رأيتُ النبيَّ ﷺ وكانَ الحسنُ بنُ عليّ ﵄ يُشبهُهُ)) أَخرجهُ البخَاريُّ (٣) في صِفةِ النبي ﷺ . وَكذا الأحاديثُ التي فيها ذِكر صِفةِ النبي ﷺ مِن أنَّهُ كانَ أَزهرَ اللَّونِ (٤)، أنورَ المتجردِ (٥)، أشكلَ العينينِ (٦)، أقنى الأنفِ (٧)، ضَليعَ (٨) الفَمِ (٩)، ونحو ذلكَ، فإنَّ مثلَ هَذا مرفوعٌ اتفاقاً، وليسَ فيهِ وَاحدٌ منَ الثلاثةِ.

стр. 326

قولهُ: (وَسكوتهُ عنِ الإنكارِ) (١) إن قِيلَ: كانَ مِن حقهِ حَذفُ الواوِ، أو يقولُ: وهو سُكوتهُ؛ لأنَّ ذلكَ هوَ التقريرُ، قِيلَ: المرادُ بالتقرير هُنا أنْ يُحسِّنَ فِعلَ الفاعلِ، أو قولَ القائلِ بأنْ يَقولَ: نِعمَ ما فعلتَ، أو قلت، أو أحسنتَ، ونحوَ ذلكَ. قولهُ: (وبلغني عنِ البَرْقانِيِّ (٢) .. ) إلى آخرهِ (٣)، يَجمعُ بينهُ وبينَ كَلامِ غيرهِ بأنْ يحملَ على ما حملَ عليهِ ابنُ الصَلاحِ كَلامَ الخَطيبِ الآتي في القولةِ بعدَها مِن أنَّهُ يُريدُ ليسَ مرفوعاً لفظاً، وكذا ما تقدّمَ عنِ الإمامِ أحمدَ في قولِهم: ((مِنَ السُنةِ كَذا))، فَيكون المعنى: أنَّ البَرقاني سألَ الإسماعيليَّ (٤) هَل هو مرفوعٌ؟ فأنكرَ ذلكَ، أي: أنكرَ هذا الإطلاقَ، فإنَّ لَفظَ ((مرفوعٍ)) إذا أُطلقَ، انصرفَ إلى كونهِ مُضافاً إلى رسولِ اللهِ ﷺ صريحاً، ولو سألهُ ما حُكمُ هذا؟ لقَال لهُ: حُكمُه الرفعُ، فكلامهُ حينئذٍ موافقٌ ليسَ فيهِ مخالفةٌ. وقرأ بعضُ أصحابِنا / ١٠٢أ / السَامعينَ في حاشيةِ كتابهِ: أنَّ الشيخَ أبا إسحاقَ الشيرازيَّ فَصَّل، فقالَ: ((إنْ كانَ ذلكَ الأمرُ الذي أضافهُ إلى عصرِ النَّبي ﷺ منَ الأمورِ المشهورةِ، التي لا تخفَى عنهُ ﷺ غالباً، كانَ حكمُهُ الرفعَ، وإلاّ فَلا)).

стр. 327

فقالَ شيخُنَا: ((مَا تقدّمَ هوَ المعتمدُ لِما بينَّا منَ العللِ، لكنْ يَنفعُنا هذا التفصيلُ في الترجيحِ، فَإذا تَعارضَ حديثانِ من هذا القبيلِ، أحدُهمَا منَ الأمورِ المشهورةِ التي لا تخفَى غَالباً، والآخرُ بِخلافِهِ، رجَّحنَا الأولَ)). قلتُ: بل يَنبغي إنْ لمْ يكن الثَاني أرجحَ أن يكونا على الاستواءِ؛ فإنَّ الأمورَ التي لا تخفى غَالباً يتَّكلونَ (١) على شِيوعِهَا، فلا يَسألونهُ عنها ﷺ (٢)، وقد لا يطَّلعُ عليهَا، بِخلافِ الأُمورِ الخَفيةِ، فَإنَّ دَواعيَهم تتوفرُ على سُؤالهِ ﷺ عَنهَا. قولهُ: (كقولِ ابنِ عُمرَ ﵄: كنَّا نقولُ ورسولُ الله ﷺ حَيٌّ: ((أفضلُ الأمَّةِ بعدَ نبيها ... )) الحديثَ) (٣). قلتُ: في "مُسندِ أحمدَ" من حديثِ ابنِ عُمرَ أيضاً: ((كنَّا نَقولُ في زمنِ رسولِ الله ﷺ : رسولُ الله ﷺ خَيرُ النَّاسِ، ثمَّ أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمرُ، وَلقد أُعطيَ ابنُ أبي طالبٍ ثلاثَ خِصالٍ، لأنْ تكونَ لي واحدةٌ مِنهنَّ أحَبُ إليَّ مِن حُمُر النِعم ... )) الحديث (٤)، فَساقهُ بلفظ: ((ثمَّ)) لكن لَيسَ فيهِ التَصريحُ باطّلاعِهِ ﷺ عليهِ. قولُهُ: (في "المعجمِ الكَبيرِ") (٥) قالَ صَاحِبُنا العلاَّمةُ / ١٠٢ب / شَمسُ الدينِ محمدُ بنُ حسَّانَ القُدسِيُّ فيما رأيتُهُ بِخطِّهِ، وهوَ عندهُ في "الأوسطِ" بلفظِ: ((فَيبلغ ذلكَ رسول اللهِ ﷺ فلا ينكرهُ عَلينَا)) (٦) وعندَ أبي يَعلى بلفظ: ((فيبلغ ذلكَ رسولَ اللهِ ﷺ فلا يُنكرهُ)) (٧)، وفي فَضائِلِ عُثمانَ روايةُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حَنبلٍ بلفظِ:

стр. 328

((كُنَّا نتحدثُ على عهدِ رسولِ اللهِ أَنَّ خيرَ هذهِ الأمَّةِ بعدَ نَبيِّهَا أَبو بكرٍ، ثُمَّ عمرُ، ثُمَّ عثمانُ، فَيبلغ ذلكَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فلا يُنكرهُ)) (١). انتهى. قولهُ: (فجزما بأنَّهُ مِن قبيلِ الموقوفِ) (٢)، أي: لأنَّهُ لوكانَ في عَصرِ النَّبيّ ﷺ لَنصَّ عليهِ، فَسكوتهُ عَنهُ دَالٌ على إسنادِهِ إلى إجماعِ الصَحابةِ، أو أهلِ بلدة مِنهُم. قالَ المصَنّفُ في " النُكتِ ": ((وتبعَ المصَنّفُ في ذلكَ الخَطيبَ، فَإنَّهُ كذلكَ جَزمَ بهِ في " الكفايةِ " (٣)، وَالخِلافُ في المسألةِ مشهورٌ، واختلفَ في (٤) كَلامِ الأئمةِ أيضاً في الصحيحِ، وقد حَكى النوويُّ الخِلافَ في مقدمةِ "شَرحِ مُسلمٍ" (٥) وَحكَى ما جزمَ بهِ المصنفُ (٦) عنِ الجمهورِ منَ المحدّثينَ، وأصحابِ الفقهِ والأُصولِ)) (٧). قولهُ: (الحاكم) (٨)، أي: في "علومِ الحَديثِ" (٩)، (والرازِيُّ) (١٠)، أي: في "المحصولِ" (١١).

стр. 329

وقولهُ: (جَعلاهُ مِن قَبيلِ المرفوعِ) (١) لِما تَقدّمَ مِن نُدرةِ استنادهِم إلى الإجماعِ، وكثرةِ إسنادهِم الأمورَ إليهِ ﷺ . قولهُ: (ومقتضى كَلام البيضاوِي .. ) (٢) إلى آخرهِ، أي: فَإنَّهُ قَالَ ما معناهُ: أقوالُ الصَحابةِ -رضيَ / ١٠٣ أ / اللهُ عَنهم- سَبعةٌ، ثُمَّ قالَ: السابعةُ: ((كُنَّا نَرى في عهدهِ)) (٣). والمختصرُون يُشاحونَ أنفسَهم في حَرفٍ ونَحوهِ، فلا يَزيدونَ كَلمةً إلا ولَها معنى، فلو لم يَكنْ قولهُ: ((في عهدهِ)) قيداً لم يَقلْهُ، وكانَ معَ حذفهِ يفهمُ أنَّ ما أضيفَ إلى عهدهِ ﷺ مرفوعٌ من بابِ الأولى. قولهُ: (وهوَ قَويٌ مِن حيثُ المعنَى) (٤)، أي: مِن حَيثُ إنَّ ظاهرَ ذلكَ يَنصرفُ إلى الصَحابةِ، وإنَّ الشارعَ ﷺ اطّلعَ على ذلكَ، فأقرّهُ، أو سكتَ عليهِ؛ لأنَّ بذلكَ يَنقطعُ النِزاعُ، وينقادُ الخَصمُ المُحتج عَليهِ للحُكمِ. وعبَارةُ النَووي في مقدمةِ "شرح المهذَبِ" (٥): ((وظاهرُ استعمالِ كثيرٍ من المحدّثينَ وأصحابِنا في كتبِ الفقهِ أنَّهُ مرفوعٌ مُطلقاً، سواءٌ أضافهُ، أو لَم يُضفهُ، وهذا قوي، فَإنَّ الظاهِرَ مِن قولهِ: ((كنَّا نفعلُ)) و (٦) ((كانوا يَفعلونَ)) الاحتجاج بهِ على وجهٍ يُحتج بهِ، ولا يكونُ ذلكَ إلا في زَمنِ رَسولِ اللهِ ﷺ ويُبلغهُ)).

стр. 330

وعَن " شرحِ مسلمٍ " (١) عَن آخرينَ: ((إنَّ ذلكَ الفِعلَ إنْ كانَ مِمَّا لا يخفَى غَالباً كانَ مرفوعاً، وإلا كَانَ مَوقوفاً، وبِهذا قَطعَ الشَيخُ أبو إسحاقَ الشيرازي)). انتهى. قالَ شَيخُنا ﵀: ((ولم يتعرضِ الشيخُ، ولا ابنُ الصلاحِ لقولِهم: ((ما كنَّا نَرى بالأمرِ الفُلانِي بأساً)) وكذلكَ جَميعُ العِباراتِ المُصدرةِ بالنَفي، وذلكَ موجودٌ في عباراتِهِم، وحُكمُهُ حكمُ ما تقدَّمَ)). قُلتُ: بل قَد ذَكَرَ الشيخُ لهُ مثالاً، وهوَ قولُ عائشةَ ﵂: ((كانتِ اليدُ لا تُقطعُ في الشيءِ التافهِ)) (٢)، وعزاهُ لابنِ الصَباغِ (٣) / ١٠٣ ب /. وتقدّمَ أيضاً عنِ ابنِ الصَلاحِ: ((كنَّا لا نَرى بأساً بِكَذا)) (٤) وسَكتَ ابنُ الصَلاحِ عَن قولِ التابعي: ((كُنَّا نَفعلُ كَذا))، ونحوهِ، وعن قَولهِ: ((أمرنا بكذا)) وقوله: ((من السُنةِ كَذا)) وذَكَرَها الشَيخُ في "النُكَتِ" قالَ: ((فأمَّا المسألةُ الأُولى: فَإذا قالَ التابعيُ: ((كنا نفعلُ)) فليسَ بمرفوعٍ قَطعاً، وهل هُو موقوفٌ؟ لا يخلُو أمَّا أَنْ يُضيفَه إلى زمنِ الصَحابةِ، أم لا. فإنْ لَم يُضفهُ إلى زَمنِهم، فَليسَ بموقوفٍ أيضاً، بل هوَ مقطوعٌ، وإنْ أضافهُ إلى زَمنهِم فَيحتملُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ موقوفٌ؛ لأنَّ الظاهرَ اطلاعُهم على ذلكَ، وتقريرُهم، ويحتملُ أنْ يقالَ: ليسَ بموقوفٍ أيضاً؛ لأنَّ تقريرَ الصحابي قَد لا يُنسبُ إليهِ، بِخلافِ تقريرِ النَبي ﷺ ، فَإنَّهُ أحدُ وجوهِ السُننِ.

стр. 331

وأمَّا إذا قالَ التابعيُّ: ((كَانوا يَفعلونَ كَذا)) فقالَ النَوويُّ في "شَرحِ مُسلِمٍ" (١): ((إنَّهُ لا يَدلُّ على فعل جَميعِ الأُمةِ، بل على البَعضِ، فَلا حُجةَ فِيهِ، إلا أنْ يُصرحَ بنقلهِ عَن أهل الإجماعِ، فيكونَ نَقلاً للإجماعِ، وفي ثُبوتهِ بخبرِ الواحدِ خِلافٌ)). وأمَّا المسألةُ الثانيةُ: فإذا قالَ التَابعيُّ: ((أُمرنا بكَذا))، أو ((نُهينا عَن كَذا)) فَجزمَ أبو نَصرِ بنُ الصباغِ في كِتاب "العُدةِ في أُصولِ الفقهِ" أنَّهُ مُرسلٌ، وذكرَ الغزاليُّ في "المستصفَى" (٢) فيهِ احتمالينِ مِن غيرِ ترجيحٍ: هل يكونُ موقوفاً، أو مرفوعاً مُرسلاً؟ وحَكى ابنُ الصباغِ في "العُدةٍ" وجهينِ فِيما إذا قالَ ذلكَ سَعيدُ / ١٠٤ أ / ابنُ المُسَيّبِ، هل يكونُ ذلكَ حُجةً، أَم لا (٣)؟. وأمَّا المسألةُ الثالثةُ: إذا قالَ التَابعيُّ: ((منَ السُنةِ كَذا))، كَقولِ عُبيدِ اللهِ ابنِ عَبدِ اللهِ بن عُتبةَ: ((السُنةُ تكبيرُ الإمامِ يومَ الفِطرِ، ويوم الأضحَى، حينَ يَجلسُ على المنبرِ قبلَ الخُطبةِ تَسعَ تكبيراتٍ))، رواهُ البيهقيُّ في "سُننهِ" (٤)، فَهل هوَ مُرسلٌ مرفوعٌ، أو موقوفٌ متصلٌ؟ فيهِ وَجهانِ لأصحابِ الشافِعي، حكاهُما النوويُّ في "شَرحِ مُسلمٍ" (٥)، و"شَرح المهذَّبِ" (٦)، و"شرحِ الوسيطِ"، قالَ: ((والصَحيحُ أَنَّهُ موقوفٌ)). انتهى. وحكى الدَاوودِيُّ في "شَرحِ مختَصرِ المُزني": أنَّ الشَافعيَّ كانَ يرى في القديمِ أَنَّ ذلكَ مرفوعٌ، إذا صَدرَ من الصحابي أو التابعي، ثُمَّ رجعَ عنهُ؛ لأنَّهم قَد

стр. 332

يطلقونهُ، ويريدونَ به سُنةَ البلدِ. انتهى (١). وما حكاهُ الداوودِيُّ مِن رجوعِ الشافعيِّ عن ذلكَ فيما إذا قالهُ الصحابيُّ لَم يوافِق عَليهِ، فَقدِ احتجَّ بهِ في مواضعَ منَ الجديدِ، فيمكنُ أنْ يحملَ قولهُ: ((ثُمَّ رجعَ عَنهُ))، أي: عمّا إذا قالهُ التابعيُّ، واللهُ أعلمُ (٢). قولهُ: ١١٠ - لكنْ حَدِيْثُ (كانَ بَابُ المُصْطَفَى ... يُقْرَعُ بالأَظْفَارِ) مِمَّا وُقِفَا ١١١ - حُكْماً لَدَى (الحَاكِمِ) و (الخَطِيْبِ) ... وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيخِ ذُوْ تَصْوِيْبِ هَذا اعتراضٌ على الخطيبِ، والحَاكمِ، وإلزامٌ لَهما بالتناقضِ، فَإنَّهُ قَدْ (٣) تقدّمَ عنِ الخطيبِ أَنَّهُ ممَن يَحكمُ على ما أُضيفَ إلى عصرهِ ﷺ بالرفعِ. والتناقضُ في كَلامِ الحاكِمِ أظهرُ، فَإنَّهُ يَحكمُ بالرفعِ على مَالم يُضف إلى عصرِهِ ﷺ أيضاً، فكيفَ مَا لا يَحتملُ عدم اطلاعهِ ﷺ عليهِ إلا / ١٠٤ ب / احتمالاً واهياً، فقالَ قَائل: يحتملُ احتمالاً قوياً أنْ يكونَ إنَّما كانَ يُقرعُ بعدَ موتهِ ﷺ ، فقالَ: (٤) الاحتمالاتُ هُنا ثلاثةٌ: أن يكونَ في عصرهِ؛ وَهوَ في ذلكَ البيتِ ليسَ إلا، وهُوَ الظاهرُ. وأنْ يكونَ في عصرِهِ، وليسَ هوَ في البيتِ وَهوَ مرفوعٌ على هذينِ الاحتمالينِ؛ لأنَّهُ مُضافٌ إلى عهدهِ ﷺ . وأن يكونَ بعدَ عصرهِ، فيكونَ الخَلافُ كثيراً فَاشياً في أنَّهُ ليسَ مَرفوعاً، وهَذا احتمالٌ مِن ثلاثةٍ (٥)، فَضعفَ بِهذا الاعتبارِ.

стр. 333

وأيضاً: فإنَّهُ لو كانَ بعدَ عصرهِ ﷺ لَم يطلقْ، بلَ كانَ يُقيدهُ ببيتِ عائشةَ ﵂ مَثلاً، أو غيرِها مِن نِسائهِ ﷺ ورضي عَنهُنَّ. وأيضاً: فإنَّهم بعدَ موتهِ ﷺ وإنْ كانوا في الأدبِ معهُ ﷺ في الدرجةِ العُليا، لكنهُم لا يبلغونَ فيهِ ما كانوا يبلغونَ في الحياةِ، ألا تَرى قولَ عروة بنِ الزُبيرِ لعائشةَ ﵂ مِن وراءِ الحُجرةِ: يا أُمتاهُ ألا تنظرينَ إلى ما يقولُ أبو عبدِ الرحمان -يعني: ابنَ عمَر- ﵄. . . الحديثَ في الاعتمارِ في رجبَ، أخرجهُ مُسلمٌ (١) وغيرهُ (٢). وأيضاً: فلو كانَ بعدَ عصرهِ ﷺ لَم يَخصُّهُ بالصحابةِ، بل إضافةُ هَذا الأدبِ إلى التَابعينَ أَولى. وأيضاً: فَإنَّهم أكثرُ اختلافاً إلى أمهاتِ المؤمنينَ منَ الصحابةِ، لأجلِ استفتائهنَّ ﵅. وقولُ الشيخِ في نظمهِ: ((حُكمَا)) ليسَ بجيدٍ، فإنَّ ذلكَ / ١٠٥ أ / ليسَ في عبارةِ الحَاكمِ، ولا ابنِ الصَلاحِ، معَ إمكانِ تأويلِهَا، كمَا قال ابنُ الصلاحِ، فالتصرفُ فيهَا بما يُقوي الاعتراضَ ويوجبُ التناقضَ غيرُ حسنٍ، فكانَ ينبغي أنْ يقالَ: ((مما وقَفا لفظاً))، ويقالَ: ((والرفعُ عندَ الكل)). قولهُ: (في نظيرهِ) (٣)، أي: فِي حَديثِ جابرٍ: ((كُنا نعزلُ)) كَما مرَّ آنفاً. قولهُ: (وهذا الحَديثُ رواهُ المغيرةُ بنُ شُعبةَ ﵁) (٤) قالَ شَيخُنا:

стр. 334

((تَعبَ الناسُ في التفتيشِ على روايتهِ من حديثِ المغيرةِ، فلم يظفروا بها، وإنَّما هو من حديثِ أنسٍ ﵁، كذلكَ)). أخرجهُ البخاريُّ في "الأدبِ المفردِ" (١)، والشيخُ تبعَ في عزوهِ إلى المغيرةِ ابنَ الصَلاحِ (٢)، وهوَ تَبعَ الحاكمَ في "علومِ الحديثِ" (٣)، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (ثم تأولناهُ لهُ) (٤) مما يؤيدُ هذا التأويلَ أنَّ النبيَّ ﷺ مذكورٌ لَفظاً في هذا الحديثِ، فيتبادرُ إلى الذِهنِ حينئذٍ أنَّهُ مرفوعٌ لفظاً، فاحتاجَ الحَاكمُ والخطيبُ إلى استثنائهِ من ذلكَ؛ نفياً لهذا الاحتمالِ، ويبقى كونهُ مرفوعاً حُكماً داخلاً في كلامِهمَا في أشكالِ (٥) ذلكَ، مُقضياً بأنَّ حكمهُ الرفعُ. قولهُ: (وإنَّما جعلناهُ مرفوعاً من حيثُ المعنى) (٦)، أي: وكذلكَ كلُّ ما تقدمَ من أقوالِ الصحابةِ: ((السنةُ كَذا، وأُمرنا بكَذا، وكنَّا نَرى كَذا)) موقوفٌ لفظاً، وهو موجودٌ في كلامِ ابنِ الصَلاحِ في هَذا الموضعِ، فَحذفُهُ ليسَ بجيدٍ. قولهُ: ١١٢ - وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابي ... رَفْعَاً فَمَحْمُوْلٌ عَلَى الأسْبَابِ

стр. 335

سُئلَ (١) ما موقعُ الفاء في قولهِ: ((فمَحمولٌ))، فقالَ: الناظِم يتسامحُ فيهِ / ١٠٥ ب / فَقلتُ: قَد تشعر بتفصيل، فتكونُ مقصودةً لهُ، كأنَّ القائلَ: ((إنَّ تفسيرَ الصحابةِ مرفوعٌ)) أجمل قولهُ، ومن حقهِ أنْ يَفصلَ فيقولَ: تفسيرُ الصحابةِ لا يخلو إمَّا أنْ يكونَ للرأي فيهِ مَجالٌ، أو لا، فالأولُ: لا يكونُ مرفوعاً، والثاني: لا يَخلُو إمَّا أنْ لا يؤخذَ عن غيرِ النَبي ﷺ نَحو أسبابِ النُزولِ، أو لا. والثاني: لا يكونُ مرفوعاً؛ لاحتمالِ أخذهِ عَن أهلِ الكتابِ، والأولُ: مرفوعٌ فلم يرتضهِ، فَليتأمل، ولو قالَ الشيخُ: ((في الرفعِ محمولٌ)) لاتَّزَنَ، وإنَّما كانَ التفسيرُ المتعلقُ بأسبابِ النُزولِ مرفوعاً؛ لأنَّهم شاهدُوا النُزولَ، وتلقُوا عنهُ ﷺ القرآنَ. قولهُ: (ونحوَ ذلكَ) (٢) عَطفٌ على قولهِ: ((تفسيرُ)) وشبيهُ ذلكَ هوَ ما لا يمكنُ أنْ يؤخذ إلا عنِ النَّبي ﷺ مثلُ بيانِ أسماءِ من نزلتْ فيهِم الآيةُ، وكَذا كلُّ ما لا مجالَ للرأي فيهِ، إذا كان الصحابيُّ ممَّن لم يأخذْ عن أهلِ الكتابِ، فَنظمُ الشيخِ حينئذٍ غَيرُ وافٍ بكلامِ ابن الصلاحِ، حيث لم يأتِ بما يدلُّ على قولهِ: ((ونحو ذلكَ))، فلو قال: ... ... ... ... ... رافعاً إذا ما كانَ كالأسبابِ لَوَفى. قولهُ: (على إضافةِ شيءٍ) (٣)، أي: لا حكماً، ولا قولاً.

стр. 336

قولُهُ: ١١٣ - وَقَوْلُهُمْ (يَرْفَعُهُ) (يَبْلُغُ بِهْ) ... روَايَةً يَنْمِيْهِ رَفْعٌ فَانْتَبِهْ ١١٤ - وَإنْ يَقُلْ (عَنْ تَابعٍ) فَمُرْسَلٌ ... قُلْتُ: مِنَ السُّنَّةِ عَنْهُ نَقَلُوْا ١١٥ - تَصْحِيْحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ ... نَحْوُ (أُمِرْنَا) مِنْهُ (للغَزَالِيْ) ١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا ... يُقَالُ رَأياً حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى ١١٧ - مَا قَالَ في المَحْصُوْلِ نَحْوُ مَنْ أتَى ... (فَالحَاكِمُ) الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا ١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ (أبِي هُرَيْرَةِ) ... (مُحَمَّدٌ) وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَةِ ١١٩ - كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ، (فَالخَطِيْبُ) ... رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ قُلتُ: إيرادهُ هَذا أولَ الفروعِ أليق، حتى يبقى قولُ الصَحابي صريحاً. وقولهُ: ((تأويلاً في فَصلٍ واحدٍ))، قالَ شيخُنا: ((ولم يذكروا رواهُ بلفظِ الماضي، وقد وقعتْ / ١٠٦ أ / في عِباراتهِم، ولا ذكروا ما حُكم هذِهِ الصِيغِ لو قِيلت عَن النبي ﷺ ، قالَ: وقد ظفرتُ لذلكَ بمثالٍ في "مُسندِ البزارِ" (١) عَن النبي ﷺ يرويهِ، أي: عن ربهِ فهوَ حينئذٍ منَ الأحاديثِ القُدسيةِ)) (٢). قولهُ: (قلتُ: من السُنةِ .. ) (٣) إلى آخرهِ، كان إيرادهُ عِند قوله: ١٠٥ - قَوْلُ الصَّحَابيِّ (مِنَ السُّنَّةِ) أوْ ... نَحْوَ (أُمِرْنَا) حُكْمُهُ الرَّفْعُ، وَلَوْ ١٠٦ - بَعدَ النَّبِيِّ قالَهُ بِأَعْصُرِ ... عَلى الصَّحِيْحِ، وهوَ قَوْلُ الأكْثَرِ أولى، وإنْ كانَ له هنا مناسبةٌ ما، وهوَ ذِكرُ التابعيِّ. قولهُ: (حُكمُ المرفوعِ) (٤) قالَ صاحبُنا العلاَّمةُ شَمسُ الدينِ بنُ حسَّانَ فيمَا

стр. 337

وجدتهُ بخطِّهِ: قالَ النوويُّ (١): ((كلُهُ مرفوعٌ متصلٌ بلا خِلافٍ))، وأخرجَ البخاريُّ (٢) عَن عليٍّ هوَ ابنُ المديني، عن سفيانَ (٣)، عنِ الزُهري، عن سعيدِ بنِ المُسيبِ، عن أبي هُريرةَ روايةً: ((الفطرةُ خَمسٌ، أو خَمسٌ منَ الفطرةِ: الخِتانُ، والاستحدادُ، ونتفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظافرِ، وقصُ الشاربِ))، ووقعَ في روايةِ مسددٍ، عن سفيانَ، عن أبي داودَ (٤) يَبلغُ بهِ النبيَ ﷺ ، وفي روايةِ أبي بكر بنِ أبي شيبةَ عن سفيانَ - عندَ مسلمٍ - (٥) قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وبيَّنَ أحمدُ (٦) في روايتهِ أَنَّ سفيانَ كانَ تارةً يُكني، وتارةً يُصرِحُ. قولهُ: (الشِفاءُ في ثلاثٍ. . .) الحديث (٧)، إن قيلَ: قولهُ: ((وأنهى أمتي عن الكي)) يَدلُّ على الرفعِ، فَلا يَحتاجُ إلى قولهِ: ((رفعَ الحديثَ))، قيل: إنَّما يَدلُّ ذلكَ على رفعِ النَهي عَنِ الكَي، فيبقَى مَا عدا ذلكَ، ويكونُ كأنَّهُ قِيلَ: وقالَ النَّبيُّ ﷺ : ((أنهى (٨) أمتي عَن الكَي)).

стр. 338

قولهُ: (على ذراعِهِ / ١٠٦ ب / اليُسرى في الصلاةِ) (١) هذا الحُكمُ مما خالَفَ مَالكاً فيهِ أصحابُهُ، معَ كونهِ في "الموطأ" (٢). قولُهُ: (وقد رواهُ البخَاريُّ مِن طَريقِ القعنبي) (٣) ليسَ بجيدٍ، فَإنَّ عادتَهم أنْ يقولوا: ((مِن طريق)) فِيمن بينَ المُخرج (٤) وبينهُ وَاسطةٌ، فكان ينبغي أنْ يقولَ: ((عن القَعنبي)). قولهُ: (فَصرحَ برفعهِ) (٥) قالَ ابنُ الصلاحِ بعدَ إيرادهِ بعضَ هذهِ الأحاديثِ: ((فكلُ هَذا وأمثالهُ كِنايةٌ عَن رفعِ الصحابي الحديثَ إلى رسول اللهِ ﷺ ، وحكم ذلكَ ... )) (٦) إلى آخرهِ. قولهُ: (فهو مرسلٌ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وإذا قالَ الراوي عن التابعيِّ: يرفعُ الحديثَ، أو يبلغُ بهِ، فذلكَ أيضاً مرفوعٌ، ولكنهُ مرفوعٌ مرسلٌ (٨))). قولهُ: (قلتُ: منَ السُنةِ) (٩) هذهِ العبارةِ أولى بالاحتمالِ من ((أُمرنا))، وممَّا يؤيدُهُ قولُ الزُهريِّ لمن سَألهُ عن قولِ سالمٍ للحجاجِ: ((إنْ كنتَ تُريدُ السُنةَ فافعل كَذا)) يُريدُ سُنةَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: ((وهل يَعنونَ بذلكَ إلا سُنتَهُ))، وكانَ ذلكَ مقررٌ عندهُم، لا يحتاجُ إلى تأملٍ، ولا توقفٍ.

стр. 339

قولهُ: (ثُمَّ رَجعَ عنهُ) (١) تقدّمَ في أولِ هذهِ الفروعِ عن الشافعي من كلامهِ في بابِ الجنائزِ منَ "الأمِّ" ما يدلُ على أنَّهُ مذهبهُ في الجديدِ بالنسبةِ إلى الصحابي، ولم يرجع عنهُ (٢)، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (يمكنُ أنْ يُجابَ بأنَّ قولهُ: ((يَرفعُ الحديثَ)) تصريحٌ بالرفعِ) (٣) يخدشهُ أنَّ هذهِ الألفاظَ واردةٌ قبلَ تقرير الاصطلاحِ، على أنَّ الرفعَ لِما يُضافُ إلى النبي ﷺ بِسندٍ يَظهرُ فيهِ الاتصالُ / ١٠٧ أ /، فقولكَ تصريحٌ بالرفعِ مُسلّمٌ، لكنْ مَا المرادُ إلا الرفعُ اللغويُّ، ويصدقُ بأنْ يرفعهُ التابعيُ إلى الصحابةِ فيرويهِ عن بعضهِم، بل وبأنْ يرويه عن تَابعي أكبر منهُ، فأينَ الصراحة في الرفعِ الاصطلاحِي؟ وهَذا بِخلافِ ما إذا قالَ التابعيُ ذلكَ عنِ الصحابيِّ؛ فإنَّهُ يكونُ مرفوعاً؛ لضعفِ الاحتمالِ ثمة؛ لأنَّهُ يرجح رُجحاناً واضحاً أنَّ الصحابيَّ لا يرفعُ إلا إلى أعلى الناسِ، وهوَ صاحبُ الشَرعِ ﷺ ، ويضعفُ احتمالُ غيرهِ، بِخلافِ هَذا الحالِ في حَقِّ التابعي؛ فَإنَّ الاحتمالينِ فيهِ على حَدٍّ سَواءٍ، أو مُتقاربانِ. قولهُ: (هَل يكونُ حُجةً؟) (٤) كونهُ حُجة مبنيٌّ على الحُكمِ بإرسالهِ؛ لأنَّ مراسيلَ ابنِ المسيبِ حُجةٌ، وإنما جاءَ الوجهُ الثاني؛ لأنَّ هَذا وإنْ جَزمَ بكونهِ مُرسَلاً يَطرقُهُ احتمالُ الوَقفِ، فَضَعُفَ، بِخلافِ المرفوعِ صريحاً، فَإنَّهُ مُرسلٌ قَطعاً. قولهُ: ١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بحَيْثُ لا ... يُقَالُ رَأياً حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى ١١٧ - مَا قَالَ في "المَحْصُوْلِ" نَحْوُ مَنْ أتَى ... (فَالحَاكِمُ) الرَّفْعَ لِهَذَا أثْبَتَا

стр. 340

قولهُ: (في "المحصولِ") (١) كانَ ينبغي عَزوهُ لمن هُو أقدمُ من صاحبِ "المحصول" وأجلُّ، فَإنَّهُ موجودٌ كَما هو في الشرحِ في كلامِهِم (٢)، حَتَّى نُقلَ عن الإمامِ الشافعي، فَإني رأيتُ عن شَيخِنا البُرهان الحلبيِّ أنَّ الجمالَ الإسنويَّ قالَ: إن الشَافعيَّ قالَ في كتابِ "اختلافِ الحديثِ": رُوِيَ عن علي ﵁: ((أنَّهُ صَلى في ليلةٍ ستَ ركعاتٍ، في كلِّ ركعةٍ ستُ سجداتٍ)) (٣)، وقالَ (٤): ((لو ثبتَ ذلكَ عن عليٍّ لَقلتُ بهِ، فإنَّهُ لا مجالَ للقياسِ فيهِ، والظاهرُ أنَّهُ فعلهُ (٥) توقيفاً))، فنظمَ /١٠٧ ب / ذلكَ شيخُنا فقالَ: قلتُ: (٦) حكى فقيهُ مصرَ الإسنوي ... نصاً بهِ عنِ الإمام الشافعيِّ هكذا رأيتُ عن شيخِنا، فراجعتُ "اختلافَ الحديثِ"، فَلم أَجدْ ذلكَ فيهِ، ووجدتُ مِمَّا يُقاربهُ في ((بابِ الخِلافِ في أنَّ الغُسلَ لا يجبُ إلا بِخروجِ المَاء)): أنَّ شَخصاً ناظرهُ في ذلكَ، فقالَ لهُ: أمَّا قولُ عائشةَ ﵂ (٧) -: ((فعلتُهُ - أي: الغُسل - مِن مسِّ الختانِ الختان أنا ورسولُ اللهِ ﷺ ، فاغتسلنا)) (٨) فَقد يَكونُ

стр. 341

تطوعاً مِنهمَا بالغُسلِ. قالَ الشافعيُ: فقلتُ لهُ: الأغلبُ (١) أنَّ عائشةَ لا تقولُ: ((إذا مسَّ الختانُ الختانَ فَقد وجبَ الغُسلُ)) إلا خَبراً، وتقولُ: ((فعلتهُ أنَا ورسولُ اللهِ ﷺ فاغتسلنا)) إلا خَبراً عَن رسولِ اللهِ ﷺ بوجوبِ الغُسلِ منهُ، قالَ: فيحتملُ أَنْ يكونَ لمَّا رأتِ النبيَ ﷺ اغتسلَ اغتسلتْ رَأتهُ وَاجباً، ولم تَسمع مِن النبي ﷺ إيجابَهُ، قُلتُ: نَعمْ، قالَ: فَليسَ هَذا بخبرٍ عَن النبي ﷺ ، فَقلتُ: الأغلبُ أنَّهُ خبرٌ عنهُ. (٢) انتهى. ومن أمثلتهِ الحَسنةِ ما قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ في كتابِ "قيام الليلِ": ((حدّثنا مُحمدُ بنُ يحيى، حدثَنا مؤملُ بنُ الفَضلِ، حدّثَنا عيسى بنُ يونسَ، عن أبي مالِكٍ - يعني: النَخعي-، حدثنا زيادُ بنُ فياضٍ، عنَ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: ((التقى ملكانِ في صلاةِ /١٠٨ أ/ المغربِ، فقالَ أحدهُما لصاحبهِ: اصعَد بِنا، فقالَ: إنَّ صَاحبي لَم يُصلِ، قالَ: فَمِن أجل ذلِكَ يُكرهُ أن يُؤخرَ المغرب)))). ولو قالَ شيخُنا البُرهان: قُلتُ: وَعن فقيهِ مِصرَ البارعِ ... نَصٌّ بهِ عن الإمامِ الشَافعيِّ لكانَ أحلى. قولُهُ: (نَحوَ مَن أتى) (٣) هَذا المثال ليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّهُ يُمكنُ أنْ يُقال مِن جهةِ الرَأي، فَإنَّ الحديثَ جاءَ في بعضِ طرقهِ تَقييد الكُفرِ بأن يصدقهُ، والعرَّافُ يَدّعي عِلمَ الغيبِ، فَمن صدَّقهُ في هَذهِ الدَعوى، فَقد كذبَ بقولِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي

стр. 342

السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (١) وَمَن كذَّبَ بحرفٍ مِن القُرآنِ فَقد كفرَ. وأيضاً: فَقد أخبرَ النّبيُّ ﷺ أنَّهم: ((لَيسُوا بشيءٍ))، وأنَّهم كَذَبَةٌ، فَمن صَدَّقهُم فَقد كفرَ بتكذيبهِ ﷺ ، ومن أتى السَاحِرَ مُصدِّقاً بِسحرهِ، أي: مؤمناً بأنَّهُ حَقٌّ، أو أنَّهُ يؤثرُ بطبعهِ، فَقد كَذبَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ .. ﴾ الآية كلها (٢) ثُمَّ إنَّ القولَ السَديدَ في أصلِ المسألةِ: أنَّ ما يأتي عن الصَحابةِ مِمّا لا مجالَ للرأي فيهِ، إنْ كانَ حُكماً مِنَ الأحكامِ فهوَ مرفوعٌ؛ لأنَّ الأحكامَ لا تؤخذُ إلا بالاجتهادِ، أو بقولِ مَن لهُ الشرعُ، وقد فَرضنا أنَّهُ ممَّا لا يُجتهدُ فيهِ، فانحصر في أنَّهُ مِن قولهِ ﷺ . وإنْ لم يَكنْ مِن الأحكامِ، فَإنْ كانَ ذلِكَ الصَحابي لم يأخذ عنِ الإسرائيلياتِ فكذلك؛ لأنَّ ما لا مجالَ للرأي فيهِ، لا بدَّ للصحابي فيهِ مِن مُوقِّفٍ، فيكونُ النبيُّ ﷺ ، إذ / ١٠٨ ب / المسألةُ مفروضةٌ فيمَن لم يأخذ عن أهلِ الكِتابِ، وإلا فموقوفٌ؛ لاحتمال أنْ يكونَ سَمعهُ مِن أهلِ الكتابِ، وما يَرِد عن أهلِ الكتابِ ينحصِرُ في ثلاثةِ أقسامِ: أنْ يكونَ شرعُنا قَد جَاءَ بتصديقهِ، فالعمل بشَرعِنا حينئذٍ، أو بتكذيبهِ، فلا يَحلُّ نقلهُ مَسكوتاً عنهُ، أو يكونَ شَرعُنا سَاكتاً عنهُ، فهذا هوَ الذِي نقلهُ بعضُ الصَحابةِ عن أهلِ الكِتابِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ صِدقاً، وَيحتملُ أيضاً أنْ يكونَ قَد بدّلَ، فيكذبُ. ففِي البخارِي: عَن معاويةَ ﵁ أنَّهُ قالَ: ((أصدقُ هؤلاءِ الذينَ يحدثونَنا عَن أهلِ الكتابِ كَعبٌ (٣)، ومعَ ذلِكَ فإنا لَنبلوا عَليهِ الكذب)) (٤).

стр. 343

قالَ شيخُنا: ((يعني: إنَّ الخَبرِ الذي ينقلهُ، وفيهِ إخبارٌ ببعضِ ما يأتي، قد لا يقعُ كما في الخبرِ؛ لِكونهم قَد بدَّلوهُ، ولَم يطلعْ كَعبٌ على ذَلِكَ، لا أنَّهُ نَفسهُ يكذبُ، فإنهُ ثقةٌ مأمونٌ ﵀)). قلتُ: فَإنْ قِيل: كيفَ يؤخَذُ عن بني إسرائيلَ، أو يُنقلُ مِن كتبهم، وَقد رَوَى البُخاريُّ في التفسيرِ (١) والاعتصامِ (٢) مِن "صَحيحهِ" عَن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: ((كانَ أهلُ الكتابِ يَقرؤونَ التوراةَ بالعبرانيةِ، ويفسرونَها بالعربيةِ لأهلِ الإسلامِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((لا تُصَدِقوا أهلَ الكِتابِ، ولا تكذبوهُم، و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا .. ﴾ (٣) الآية)). وللبغويِّ في تفسيرِ قولهِ تَعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤) بسندٍ لا بأسَ بهِ / ١٠٩ أ / عن أبي نَملةَ الأنصاريِّ ﵁: أنَّهُ بينَا هوَ جالِسٌ عندَ النَبي ﷺ جاءهُ رَجل مِن اليَهودِ، وَمُرَّ بجنازةٍ، فقالَ: يا مُحمَّدُ، هل تتكلمُ هَذهِ الجَنازةُ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : ((اللهُ أعلمُ))، فقالَ اليَهوديُّ: إنها تتَكلمُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((مَا حدّثكُم بهِ أهلُ الكتابِ فلا تصدقُوهم، ولا تكذبوهُم، وقولوا: آمنَّا باللهِ وَكُتبهِ وَرسُلهِ، فإنْ كانَ باطلاً لَم تُصدقوهُ، وإنْ كانَ حَقاً لم تكذبوهُ)) (٥).

стр. 344

ولأحمدَ (١)، والدارمي (٢) والبَيهقي في "الشّعبِ" (٣) عَن جابرٍ: أنَّ عمرَ ﵄ أتى النَبيَّ ﷺ فقالَ: إنَّا نَسمعُ أحاديثَ مِن يهودٍ، فتعجبنا (٤)، أفتَرى أن نكتبَ بعضَها؟ فقالَ: ((أَمُتَهوِّكونَ أنتُم كَما تَهوَّكتِ اليهودُ والنصارى؟ لَقدِ جِئتُكم بهَا بيضاءَ نقيةً، ولَو كانَ موسى حَياً لَما وَسِعَهُ إلاّ اتباعِي)). وَلفظُ الدَارمي: عن جابرٍ ﵁: أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أتى رسولَ اللهِ ﷺ بنسخةٍ منَ التوراةِ فقالَ: يارسولَ اللهِ، هذهِ نُسخةٌ مِن التوراةِ، فسكتَ، فجعلَ يقرأُ، ووجهُ رسولِ اللهِ ﷺ يتغيرُ، فقالَ أبو بكرٍ ﵁ (٥): ثكلتكَ الثواكلُ، ما تَرى ما بوجهِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فنظرَ عُمرُ إلى وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: أعوذُ باللهِ مِن غضبِ اللهِ، وغَضَبِ رسولِ اللهِ ﷺ /١٠٩ ب/، رَضينَا باللهِ رَباً، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمَّدٍ نَبياً، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((والذِي نَفسُ محمدٍ بيدهِ، لو بَدا لكُم مُوسى، فاتبعتموهُ وتركتُموني، لضللتُم عن سَواءِ السَبيلِ، ولو كانَ حيَّاً وَأدركَ نُبوتِي لاتبّعَني))، وفي سَندهِ مجالدُ بن سَعيدٍ، وَليسَ بالقوي، وَقَد تَغَيَّر في آخرِ عُمرهِ (٦).

стр. 345

قولُهُ: (مُتهوكونَ) قالَ ابنُ فارسٍ: ((الهَوَكُ: الحُمقُ والتهوكُ: الوقوعُ في الأشياءِ)) (١). وقالَ ابنُ القطاعِ: ((هَوَكَ هَوَكاً: حَمُقَ، وأيضاً: تَحيَّرَ)) (٢). وَقال عَبدُ الحقِ في "الواعِي": ((والهَوَكُ والتَهَوُّكُ: الحيرةُ في الأمورِ)). وقولُهُ: (أمتهوكونَ)، أي: أمتحيرونَ، ورَجلٌ هوَّاكٌ وَمتهوكٌ، إذا كانَ يقعُ في الأُمورِ بحمقٍ، والأهوكُ: الأهوجُ، وأصلُهُ الذي يتهوكُ في الأُمورِ، أي: يتحيرُ فِيهَا (٣). وللدارمي (٤) أيضاً: عن يَحيى بنِ جَعدةَ مُرسلاً قالَ: أُتِيَ النَبيُّ ﷺ بكتفٍ فيهِ كِتابٌ، فقالَ: ((كَفى بقومٍ ضَلالاً أنْ يرغَبوا عما جاءَ بهِ نبيُهُم، إلى ما جَاءَ بهِ نبيٌ غيرُ نبيهِم، أو كتابٌ غيرُ كتابِهم)) فأنزلَ اللهُ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ .. (﴾ الآيةَ (٥) (٦). فَالجوابُ: أَنَّ هَذهِ الأحاديثَ الناهيةَ تحملُ على تَصديقِهم فيمَا لَم يكن في شَرعِنا ما يصدقُه، أو يكذبهُ، جَمعاً بينهَا وبينَ احتجاجِهِ ﷺ بالتوراةِ في قِصةِ الزَاني، كَما في الصَحيحَينِ (٧)، عَن ابنِ عُمرَ ﵄.

стр. 346

وقوله ﷺ : ((بَلِّغوا عَني ولو آيةً / ١١٠أ / وحَدِّثوا عَن بني إسرائيلَ ولا حرجَ)) كَما في البخارِي (١) في ((ذكرِ بَني إسرائِيلَ))، والترمذيِّ (٢)، والدَارمِي (٣)، عَن عَبداللهِ بنِ عَمرو ﵄. وقولهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)، وَقولُهُ تَعالى (٥): ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٦) وَعلى هَذا يتنَزلُ قولُ الخَطَّابي في حديثِ أبي هريرةَ ﵁ (٧): ((هَذا الحديثُ أصلٌ في وجوبِ التوقفِ عمَّا يشكلُ في (٨) الأمورِ، فلا يُقضَى عليهِ بصحةٍ، ولا بطلانٍ، ولا بتحليلٍ، ولا تَحريمٍ)) (٩). انتهى. وأوضَحُ دَليلٍ على ذلِكَ قولُهُ تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ (١٠)، أي: شاهِداً وَرقيباً، فَما صَدَّقهُ صَدقناهُ، وما كذَّبهُ كَذبناهُ (١١). على أنَّهُ قَد نُقل عَن كَثيرٍ مِن الصَحابةِ - رضي الله

стр. 347

عنهم السَماع مِن أهلِ الكتابِ، والنقل عَنهم (١)، ولهذا فَرقَ المحدثونَ كَما ترى في هَذهِ المسألةِ بينَ ما يكونُ راويهِ مِمَّن حملَ عَن أهل الكِتابِ، فَلا يُحكمُ لهُ بالرَفعِ، وبينَ غَيرِه فَيحكَم لَهُ بهِ، فلعلهُم حَملوا النَهي فِي الحَديثِ الأَولِ والثاني على التنْزيهِ، أو أنَّ ذلِكَ الحكم كانَ قَبلَ أنْ يتمَّ نزولُ الكتابِ المُهيمنِ ويَكملَ الدينُ، فيعرفَ بهِ (٢) الصِدق مِن الكَذبِ. وَقيدَوا نَهي الحَديث الثالث، وما بعدهُ على تقديرِ الصحَةِ بحياتهِ ﷺ ، خَوفاً مِن تَشعبِ الأَمرِ قبلَ تقررِ / ١١٠ ب / الدِينِ باتباعِ مَا لم يأذَنْ بهِ اللهُ، أو ما نَهى الله عَنهُ، وَلفظُ الدارمِي ظاهِرٌ في ذلك، وفِراراً منْ دخولِ اللَبسِ على مِن كانَ يقولُ عِناداً: إنَّما يُعلمُهُ بشر، أو التسبب في وجدانِ المَطعنِ لَهُم بأنْ يقولُوا: إنَّهُ يتعلمُ مِن أهلِ الكِتابِ، فَلمَّا تقررَ الشَرعُ، وكَملَ الدينُ، وَتمَّ إنزالُ الكتَابِ مُهيمناً على كُلِّ كتابٍ، زالت هَذهِ الاحتمالاتُ كُلُها. وأما غَضبُهُ وتغيرُ وَجهِه ﷺ فَقد يكونُ مِن فعلِ المكروهِ، بَل ومن خِلافِ الأَولَى إذا صَدر مِن عالِي المرتبةِ، كتَطويلِ مُعاذٍ ﵁ الصلاةَ، ومِنَ التَقصيرِ في فَهمِ الأَمرِ الواضِحِ، كَالذي سَألَ عَن ضَالةِ الأبلِ، بَل ولمجردِ الوعظِ، ونَحو ذلِكَ، واللهُ الهادِي. قالَ شيخُنا شَيخُ الإسلامِ ابنُ حَجرٍ في أواخرِ شَرحهِ للبخَارِي - بعدَ أنْ ذكرَ بعضَ (٣) ما ذَكرَه أصحابُ الشَافِعي في الزجرِ عَن استفتاءِ الكتابيين كَما هوَ مشهورٌ في بابِ الأحداثِ، وفي بابِ السِيرِ -: ((والأولَى في هَذهِ المسألةِ التَفرقةُ بينَ مَن لَم يتمكنْ، ويصير منَ الراسخينَ في الإيمانِ، فَلا يجوزُ لَه النَظرُ في شيء مِن ذلِكَ، بخِلافِ الراسِخِ فيجوزُ لهُ، ولا سيمَا عندَ الاحتياجِ إلى الرَدِّ على المخالِفِ،

стр. 348

ويَدلُ على ذلِكَ نَقلُ الأئمةِ قَديماً وَحديثاً مِن التوراةِ، والزامهمُ اليَهودَ بالتصديقِ بِمحمدٍ ﷺ / ١١١ أ / بما يَستخرجونهُ مِن كِتابِهِم، وَلولا اعتقادُهُم جَوازَ النَظرِ فيهِ، لَما فَعلوه، وَتوارَدوا عليهِ)). (١) انتهَى. وَإذا تُؤمِلَ كلامُ أئمتِنا وإمامِهم أرشدَ إلى ذلِكَ، قالَ الشافِعي ﵀ في " الأمِّ " (٢) في بابِ تَرجمتِهِ كتبِ الأعاجمِ مَا نصُه: ((وَما وجِدَ مِن كتبهِم فَهو مَغنمٌ كُلهُ، وَينبغِي للإمامِ أنْ يدعوَ مَن يترجمهُ، فإنْ كانَ عِلماً مِن طِبٍّ أو غَيرهِ لا مكروهَ فيهِ باعَهُ، كَما يبيعُ ما سِواهُ مِنَ المغانمِ، وإنْ كانَ كتابَ شِركٍ شَقوا الكِتابَ فانتفَعوا بأوعيتِهِ وأداتهِ، فباعهَا، ولا وجهَ لتحريقهِ، ولا دفنهِ قبلَ أن يعلَمَ مَا هوَ)). فهو كما ترى قَد عمَّ، ولَم يَخصَّ توراةً، ولا غيرَهَا، وَقيدَ ما يشقُ بكونهِ كتابَ شِركٍ، وأباحَ الانتفاعَ بمَا لا مكروهَ فيهِ، وَجعلَ مِعيارَ ذلِكَ النَظرَ، وزجرَ عَن إتلافِهِ قبلَ معرفتهِ، فَكلُّ ما صدّقَهُ كتابُنا، بَل ما لَم يكذبهُ لا مكروهَ فيهِ، وَكلُّ مَن نصَّ على التوراة والإنجيل، منَ الأصحابِ عَلَّلَ ذلِكَ بالتَبديلِ، فَيجعلُ ذلِكَ هوَ المَدار، وَادعاؤهُ في الكلِّ مكابرةٌ؛ فَيخصُّ بما بُدِّلَ مِنهَا بشهادةِ الذِكرِ الحَكيمِ. وقالَ البغويُّ: ((إنَّهُ يجوزُ للجنبِ قراءتهمَا)) وَأوضحُ منهُ في جوازِ مطالعتهِما وَاحترامِهمَا نَقْلُ الشيخِ محيي الدِينِ النَوويِّ في " شرحِ المهذَبِ " (٣) عَن المتولي: ((أنَّهُ إنْ ظنَّ أنَّ فيهمَا شيئاً غيرَ مبدلٍ، كُرِهَ مسُّهُ - أي: للمحدثِ - ولا يحرمُ)) / ١١١ب / وأقرّهُ عليهِ، واللهُ الموفقُ.

стр. 349

قولُهُ: (تَحسينَاً للظنِّ بهِ) (١)، أي: أنَّ الصحابيَّ الذِي لَم يُعرفْ أنَّهُ أخذَ عَن أهلِ الكِتابِ يُحسنُ الظنُّ بهِ، ويحملُ حالُهُ على أنَّهُ كَفَّ عَن السَماعِ مِنهُم، والروايةِ عَنهم؛ لتنفيرِ النبي ﷺ عَنهُم. قولُهُ: (فَيقول عَهِدنَاهُم) (٢) يَعني: أنَّ ابنَ حزمٍ يقولُ في هَذهِ المسألةِ بالوقفِ، مشياً معَ اللفظِ، فإذا رَأى القائلينَ بالرَفعِ تَركوا حَديثاً مِن هَذهِ يُلزمهُم بذلِكَ التناقُض، فَيقولُ: عَهِدناهُم يقولونَ: ((لا يقالُ مثلُ هَذا مِن قبلِ الرَأي))، يعني: فلأي شيء لا يعمَلونَ بهَذا الحَديثِ. قولُهُ: (ولإنكارهِ وَجهٌ) (٣) إذا قيلَ بالتفصيلِ المتقدِمِ، انتَفى أنْ يكونَ لإنكارهِ وَجهٌ. قولُهُ: (فَلعلَ بعضَ ذلِكَ سَمِعهُ ذلِكَ الصَحابيُ) (٤) قَد علمت أَنَّ هَذا لا يجرِي إلا في حَقِّ مَن نُقلَ أنَّهُ أخذَ عَن أَهلِ الكِتابِ، وأمَّا مَن جُهلَ حَالهُ فَيحسن الظنُّ بهِ، كَما قالَ الإمامُ، ولا يحمَل ذلِكَ إلا على سَماعهِ لَه مِن النَّبي ﷺ ، فإنْ كانَ منقولاً عَنهُ التنفيرُ عَن أهلِ الكِتابِ، والزجرِ عَن السَماعِ مِنهُم، فَهوَ أحرَى بأنْ يحكُمَ عَلى ما قالَهُ بالرَفعِ. قولُهُ: (كَما سَيأتي) (٥)، أي: في روايةِ الأكابرِ عَن الأصاغِرِ (٦).

стр. 350

قولُهُ: ١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ (أبِي هُرَيْرَةِ) (١) ... (مُحَمَّدٌ) وَعَنْهُ أهْلُ البَصْرَةِ ١١٩ - كَرَّرَ (قَالَ) بَعْدُ، (فَالخَطِيْبُ) ... رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيْبُ الأحسنُ تحريكُ هَاءِ التأنيثِ، وَسكونُها قَبيحٌ؛ لأنَّهُ يَصيرُ في القَافيةِ سِنادُ الردفِ (٢) فَـ ((هريرةُ)) مردفٌ، و ((البصرة)) غَيرُ مردف. قولُهُ: (عَجيب) (٣) هوَ عجيبٌ! لأنَّ ابنَ سيرينَ قَد صَرحَ - كَما فِي الشَرحِ - بأنَّ كلَّ ما يَرويهِ / ١١٢أ / عَن أبي هُريرةَ فَهو مرفوعٌ، فانتَفى التعجبُ مِن الحُكمِ على ما كررَ فيهِ ((قالَ))، بل وَمِنَ الحُكمِ على ما لَم يكرر فيهِ، فَإنَّهُ لم يُقيد. قالَ شيخُنا: ((فَلو قالَ: ((وَذا تجريب)) كانَ أحسن؛ لأنَّ هَذا الاصطلاحَ لم يُعرفْ إلاّ لمحمدِ بنِ سيرينَ مِن أهلِ البَصرةِ)). وَقلتُ أَنا: لو قالَ وَ ((ذا قَريبٍ)) لكانَ (٤) أحسنَ؛ لأنَّ هذا أقربُ في كونهِ مرفوعاً مِمَّا تقدّمَ، ولا سِيَّما إذا انضمَّ إلى ذلِكَ كونُه لا مجالَ للرَأيِ فيهِ، وَوراءَ هَذا أنَّهُ لا تعجبَ منَ الشَيخِ؛ فَإنَّ تصريحَ ابنِ سيرينَ بما أرادَ لا يخرجُ ذلِكَ عنِ العجبِ، فإنَّهُ أمرٌ خارِجٌ عَن أشكالِه (٥)، ويَخفَى سببُهُ على مَن لَم يعرفِ المرادَ، وهم الأكثرُ (٦)، والمثالانِ اللذانِ أوردَهمَا لا يحتاجُ فيهمَا إلى شَيء مِن هَذا، فإنَّ كلاً مِنهمَا قَد وردَ مسنداً.

стр. 351

قولُهُ: (الحمال بسَندِه) (١) قالَ شَيخُنا: ((ليسَ بينَ الحمالِ وبينَ حَمادِ بنِ زيدٍ غيرُ وَاحِدٍ فَلو أبرزهُ الشيخُ كانَ أولَى، معَ عدمِ الإخلالِ بالاختصارِ، لَكن كأنَّ (٢) الشيخَ (٣) كتَبهُ مِن حفظِهِ، فَلم يستحضِرِ الواسطَةَ)). المرسل (٤) قولُهُ: (المُرسَلُ). قلتُ: هوَ مِنَ الرسالةِ، وأصلُهَا الإطلاقُ إلى ما بينكَ وبينهُ بونٌ، فَلمَّا كانَ بينَ المرسِلِ والمرسَلِ إليهِ وَاسِطةٌ هِي المُرسَلُ عنه، كانَ كأنَّهُ قَد أرسَلَ الحَديثَ إليهِ بتِلكَ الأداةِ التي أضافَهُ بها إليهِ، فَأشبهَ البَعيدَ الذِي وَصلتَ ما بينَكَ وبينهُ برسولٍ بَلّغهُ عنكَ ما تُريدُ.

стр. 352

قولُهُ: (مرفوعُ تَابعٍ ... ) (١) إلى آخرهِ، دَخلَ في التعريفِ ما إذا سمعَ الكافِرُ مِن النَبي ﷺ ، ثُمَّ لَم يُسلِم حَتى ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ ؛ فإنَّهُ تَابعيٌ اتفاقاً، فَمقتضَى التَعريفِ أنْ يَكونَ حديثُهُ الذِي سَمعَه منهُ ﷺ مُرسلاً. وليسَ كَذلِكَ، بَل هوَ موصُولٌ، لا خِلافَ في الاحتجَاجِ بهِ / ١١٢ ب / وَذلِكَ كَالتنَّوخِيِّ رَسولِ هِرقلَ - وَفي روايةٍ قَيصَرَ- (٢) فَقد أَخرجَ حدِيثَهُ الإمامُ أحمَدُ (٣) وأبو يَعلَى (٤) في مُسندَيهِمَا، وسَاقاهُ مَساقَ الأحاديثِ المُسندةِ مِن حديثِ أحدِ ثِقاتِ التابعينَ: سعيدِ ابنِ أبي راشدٍ: أنَّهُ حدثهُ أنَّهُ قدِمَ على رسولِ اللهِ ﷺ في تبوكَ، وَكانتْ (٥) لهُ معهُ قِصةٌ طويلةٌ، مِنها: نَظرُه إلى خاتِم النبوةِ، وَمنهَا: أنَّهُ ﷺ قالَ لَهُ: ((وكتبت إلى قَيصَر، فرفعَ كِتابي، فلا يزال النَّاسُ يذكرُ كلمتهُ ما كانَ في العيشِ خَير)). وفي روايةِ أحمدَ: ((وَكتبتُ إلى صاحبكَ بصحيفةٍ فأمسكهَا، فلا يزالُ النَّاسُ يجدونَ منهُ بأساً ما دامَ في العيشِ خَيرٌ)). وَيخرجُ منهُ (٦): ما أضافهُ الصَحابيُ الذِي أُحضرَ إلى النَبي ﷺ غيرَ مميزٍ، كَعبيدِ اللهِ بنِ عَدي بنِ الخِيار، الذِي مثلَ بهِ كِبارَ التابعينَ؛ فَإنَّ أباهُ قُتِلَ يومَ بَدرٍ

стр. 353

كَافِراً على ما قالَ ابنُ ماكُولا (١). وعدَّ ابنُ سعدٍ (٢) أباه في مسلِمَةِ الفَتحِ، وكمحمدِ بنِ أبي بكرٍ الصِدِّيقِ ﵄ فإنَّهُ ولدَ عامَ حجةِ الوَداعِ. فَعلى مُقتضَى التَعريفِ لا يكونُ مرسلاً، بل مَوصولاً؛ لأنَّهُ مِن إضافةِ صَحابي إلى النَبي ﷺ ، وليسَ كذلِكَ، بل هوَ مُرسَلٌ، يجيء فيهِ مَا يجيءُ في المراسِيلِ، وَلا يُقالُ: إنَّهُ مقبولٌ كمراسِيلِ الصَحابةِ؛ لأنَّ روايةَ الصَحابةِ إمَّا أنْ تكونَ عَن النَبي ﷺ ، أو عَن صَحابيٍّ آخرَ، وَالكلُّ مقبولٌ، واحتمالُ كونِ الصَحابيِ الذي أدركَ وَسَمعَ، يروي عَن التابعينَ بَعيدٌ جِداً، على أنَّ ذلِكَ استُقرئ فَلم يَبلُغ / ١١٣ أ / عشرةَ أحاديثَ، بخلافِ مَراسيلِ هَؤلاءِ، فإنَّها عَنِ (٣) التابعينَ بكثرةِ، فَقوي احتمالُ أنْ يكونَ السَاقِطُ غيرَ صَحابيٍّ، وَجاءَ احتمالُ كونِهِ غيرَ ثقةٍ. ولا يقالُ: إنَّ ما جزمَ بهِ يقبلُ قَطعاً؛ لأنَّهُ صحَّ عِندهُ؛ لأنَّ السَاقِطَ قَد يكونُ ثقةً عندهُ، ولا يكونُ ثقةً عِندنا، فَلو أبرزَهُ لأمكنَ أنْ نَطّلِعَ فيهِ على جرحٍ، فلو قالَ: ((مرفوع تابعي، أو مَن في حكمهِ لَم يَسمعْهُ مِن النَّبي ﷺ )) لَسَلِمَ، وسَيأتي حُكمُ مراسيلِ الحَسنِ البَصريِ في الكَلامِ على المَوضوعِ (٤). قولُهُ: (أو سَقط راوٍ) (٥) عَطف على مَرفوعٍ بتقديرِ مضافٍ، أي: المرسَلِ

стр. 354

مرفوع التَابعي، أو ذو سَقط راوٍ (١) مِن السَند (٢). وَجعلَ راوياً اسمَ جنسٍ، بدليلِ تفسيرِهِ إياهُ في الشرحِ بقولِهِ: ((مَا سقطَ رَاوٍ مِن إسنادِهِ فأكثرُ)). قالَ شيخُنا: ((وهَذا القولُ ظاهرُه مُشكِلٌ جدَّاً، فإنَّهُ يقتضِي أنَّهُ لو قالَ أحدٌ في هَذا الزَمانِ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كَذا يُقبلُ، ولو أسقطَ جَميعَ السَندِ عندَ مَن يقبلُ المرسلَ، وما أظنُّ أحداً يَقولُ بِهذا، فيغلبُ على الظَنِّ أنَّهُ مقيدٌ بالقرونِ الثَلاثةِ، كَما رُويَ عَن أبي حَنيفةَ (٣) ﵀)). قلتُ: لكنَّ قولَهُ: ((مِن إسنادِه)) يأبى ذلِكَ؛ فإنَّ ((مِن)) فيهِ للتَبعيضِ، فلا بدَّ مِن إبقاءِ شيء منَ السَندِ، واللهُ أعلمُ. وَقول مَن قالَ: ((المرسَلُ قولُ غيرِ الصَحابي: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ )) (٤) محمولٌ (٥) على أنَّ المراد بالغيرِ التابعيُّ لِما تَقدّمَ. قولُهُ: (فالمشهورُ أنَّهُ مارفعهُ) (٦)، أي: وَلو حُكمَاً. قولُهُ: (مِن كبارِ التابعينَ) (٧) مثَّلَ بثلاثةِ أنفُسٍ، كُلٌ مِنهُم مِن طَبقةٍ، فعبيدُ اللهِ لَهُ رؤيةٌ فَهوَ صَحابيٌ مِن جهتِهَا، وَتابعيٌ مِن جهةِ الرِوايةِ، وقيسُ بنُ أبي حازمٍ البجَلي / ١١٣ ب / مُخضرمٌ، ما أسلمَ إلا بعدَ موتِ النَبي ﷺ ، على أنَّ لأبيهِ صُحبةً، وَسعيدٌ (٨) تَابعيٌّ بكلِ اعتبارٍ. هَكذ حفظتُ هَذا عَن شَيخِنا: أنَّ ابنَ الخِيارِ لَهُ رؤيةٌ،

стр. 355

وقَد قالَ المصنِفُ في "النُكتِ": إنَّهُ اعترضَ (١) على ابنِ الصَلاحِ بأنَّ عُبيدَ اللهِ ذُكرَ في جملةِ الصَحابةِ، قالَ: ((وهَذا الاعتراضُ ليسَ بِصَحيحٍ؛ لأنَّهُم إنَّما (٢) ذكروهُ جَريَاً على قَاعدتِهم في ذكرِ مَن عَاصَرَه؛ لأنَّ عُبيدَ اللهِ وُلِدَ في حَياتِهِ ﷺ ، وَلم يُنقَل أنَّهُ رَأى النبيَّ ﷺ ، كَما ذكَروا قيسَ بنَ أبي حَازمٍ (٣) وأمثالَهُ مِمن لَم يَرَ النَبيَّ ﷺ ؛ لِكونِهم عَاصَروهُ، على القَولِ (٤) الضَعيفِ في حَدِّ الصَحابي، وإنما رَوَى عبيدُ اللهِ بنُ عَدي عنِ الصَحابةِ: عُمرَ، وعثمانَ، وعلي، في آخرينَ (٥)، ولم يسمَع مِن أبي بكرٍ، فَضلاً عَنِ النَبي ﷺ )) (٦). قولُهُ: (كالزهرِي وَأبي حَازمٍ) (٧) هوَ سَلمةُ بنُ دينارٍ، وَليسَ هوَ قَريباً لقيسٍ. قولُهُ: (بل هيَ مُنقطِعةٌ) (٨) كانَ ينَبغي ((مُعضلةٌ))؛ فإنَّ المرسَلَ والمنقطِعَ، وإنِ اشتَركا في أنَّ (٩) السَاقِطَ مِن كلٍ منهمَا واحِدٌ، لكنَّهُ صَرحَ بالمغايرةِ بينَهما، فالمنقطِعُ ما سَقطَ منهُ واحِدٌ قبلَ الصَحابِي، والمرسَلُ ما سَقطَ منهُ واحِدٌ هوَ الصَحابيُ. والفَرضُ أَنَّ التَابعيَ أسقَطَ مَن بَينهُ وَبينَ النَبي ﷺ ، والظاهِرُ أنَّ ذلِكَ
следующие страницы →