← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قولُهُ: (الحمال بسَندِه) (١) قالَ شَيخُنا: ((ليسَ بينَ الحمالِ وبينَ حَمادِ بنِ زيدٍ غيرُ وَاحِدٍ فَلو أبرزهُ الشيخُ كانَ أولَى، معَ عدمِ الإخلالِ بالاختصارِ، لَكن كأنَّ (٢) الشيخَ (٣) كتَبهُ مِن حفظِهِ، فَلم يستحضِرِ الواسطَةَ)). المرسل (٤) قولُهُ: (المُرسَلُ). قلتُ: هوَ مِنَ الرسالةِ، وأصلُهَا الإطلاقُ إلى ما بينكَ وبينهُ بونٌ، فَلمَّا كانَ بينَ المرسِلِ والمرسَلِ إليهِ وَاسِطةٌ هِي المُرسَلُ عنه، كانَ كأنَّهُ قَد أرسَلَ الحَديثَ إليهِ بتِلكَ الأداةِ التي أضافَهُ بها إليهِ، فَأشبهَ البَعيدَ الذِي وَصلتَ ما بينَكَ وبينهُ برسولٍ بَلّغهُ عنكَ ما تُريدُ.

стр. 352

قولُهُ: (مرفوعُ تَابعٍ ... ) (١) إلى آخرهِ، دَخلَ في التعريفِ ما إذا سمعَ الكافِرُ مِن النَبي ﷺ ، ثُمَّ لَم يُسلِم حَتى ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ ؛ فإنَّهُ تَابعيٌ اتفاقاً، فَمقتضَى التَعريفِ أنْ يَكونَ حديثُهُ الذِي سَمعَه منهُ ﷺ مُرسلاً. وليسَ كَذلِكَ، بَل هوَ موصُولٌ، لا خِلافَ في الاحتجَاجِ بهِ / ١١٢ ب / وَذلِكَ كَالتنَّوخِيِّ رَسولِ هِرقلَ - وَفي روايةٍ قَيصَرَ- (٢) فَقد أَخرجَ حدِيثَهُ الإمامُ أحمَدُ (٣) وأبو يَعلَى (٤) في مُسندَيهِمَا، وسَاقاهُ مَساقَ الأحاديثِ المُسندةِ مِن حديثِ أحدِ ثِقاتِ التابعينَ: سعيدِ ابنِ أبي راشدٍ: أنَّهُ حدثهُ أنَّهُ قدِمَ على رسولِ اللهِ ﷺ في تبوكَ، وَكانتْ (٥) لهُ معهُ قِصةٌ طويلةٌ، مِنها: نَظرُه إلى خاتِم النبوةِ، وَمنهَا: أنَّهُ ﷺ قالَ لَهُ: ((وكتبت إلى قَيصَر، فرفعَ كِتابي، فلا يزال النَّاسُ يذكرُ كلمتهُ ما كانَ في العيشِ خَير)). وفي روايةِ أحمدَ: ((وَكتبتُ إلى صاحبكَ بصحيفةٍ فأمسكهَا، فلا يزالُ النَّاسُ يجدونَ منهُ بأساً ما دامَ في العيشِ خَيرٌ)). وَيخرجُ منهُ (٦): ما أضافهُ الصَحابيُ الذِي أُحضرَ إلى النَبي ﷺ غيرَ مميزٍ، كَعبيدِ اللهِ بنِ عَدي بنِ الخِيار، الذِي مثلَ بهِ كِبارَ التابعينَ؛ فَإنَّ أباهُ قُتِلَ يومَ بَدرٍ

стр. 353

كَافِراً على ما قالَ ابنُ ماكُولا (١). وعدَّ ابنُ سعدٍ (٢) أباه في مسلِمَةِ الفَتحِ، وكمحمدِ بنِ أبي بكرٍ الصِدِّيقِ ﵄ فإنَّهُ ولدَ عامَ حجةِ الوَداعِ. فَعلى مُقتضَى التَعريفِ لا يكونُ مرسلاً، بل مَوصولاً؛ لأنَّهُ مِن إضافةِ صَحابي إلى النَبي ﷺ ، وليسَ كذلِكَ، بل هوَ مُرسَلٌ، يجيء فيهِ مَا يجيءُ في المراسِيلِ، وَلا يُقالُ: إنَّهُ مقبولٌ كمراسِيلِ الصَحابةِ؛ لأنَّ روايةَ الصَحابةِ إمَّا أنْ تكونَ عَن النَبي ﷺ ، أو عَن صَحابيٍّ آخرَ، وَالكلُّ مقبولٌ، واحتمالُ كونِ الصَحابيِ الذي أدركَ وَسَمعَ، يروي عَن التابعينَ بَعيدٌ جِداً، على أنَّ ذلِكَ استُقرئ فَلم يَبلُغ / ١١٣ أ / عشرةَ أحاديثَ، بخلافِ مَراسيلِ هَؤلاءِ، فإنَّها عَنِ (٣) التابعينَ بكثرةِ، فَقوي احتمالُ أنْ يكونَ السَاقِطُ غيرَ صَحابيٍّ، وَجاءَ احتمالُ كونِهِ غيرَ ثقةٍ. ولا يقالُ: إنَّ ما جزمَ بهِ يقبلُ قَطعاً؛ لأنَّهُ صحَّ عِندهُ؛ لأنَّ السَاقِطَ قَد يكونُ ثقةً عندهُ، ولا يكونُ ثقةً عِندنا، فَلو أبرزَهُ لأمكنَ أنْ نَطّلِعَ فيهِ على جرحٍ، فلو قالَ: ((مرفوع تابعي، أو مَن في حكمهِ لَم يَسمعْهُ مِن النَّبي ﷺ )) لَسَلِمَ، وسَيأتي حُكمُ مراسيلِ الحَسنِ البَصريِ في الكَلامِ على المَوضوعِ (٤). قولُهُ: (أو سَقط راوٍ) (٥) عَطف على مَرفوعٍ بتقديرِ مضافٍ، أي: المرسَلِ

стр. 354

مرفوع التَابعي، أو ذو سَقط راوٍ (١) مِن السَند (٢). وَجعلَ راوياً اسمَ جنسٍ، بدليلِ تفسيرِهِ إياهُ في الشرحِ بقولِهِ: ((مَا سقطَ رَاوٍ مِن إسنادِهِ فأكثرُ)). قالَ شيخُنا: ((وهَذا القولُ ظاهرُه مُشكِلٌ جدَّاً، فإنَّهُ يقتضِي أنَّهُ لو قالَ أحدٌ في هَذا الزَمانِ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كَذا يُقبلُ، ولو أسقطَ جَميعَ السَندِ عندَ مَن يقبلُ المرسلَ، وما أظنُّ أحداً يَقولُ بِهذا، فيغلبُ على الظَنِّ أنَّهُ مقيدٌ بالقرونِ الثَلاثةِ، كَما رُويَ عَن أبي حَنيفةَ (٣) ﵀)). قلتُ: لكنَّ قولَهُ: ((مِن إسنادِه)) يأبى ذلِكَ؛ فإنَّ ((مِن)) فيهِ للتَبعيضِ، فلا بدَّ مِن إبقاءِ شيء منَ السَندِ، واللهُ أعلمُ. وَقول مَن قالَ: ((المرسَلُ قولُ غيرِ الصَحابي: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ )) (٤) محمولٌ (٥) على أنَّ المراد بالغيرِ التابعيُّ لِما تَقدّمَ. قولُهُ: (فالمشهورُ أنَّهُ مارفعهُ) (٦)، أي: وَلو حُكمَاً. قولُهُ: (مِن كبارِ التابعينَ) (٧) مثَّلَ بثلاثةِ أنفُسٍ، كُلٌ مِنهُم مِن طَبقةٍ، فعبيدُ اللهِ لَهُ رؤيةٌ فَهوَ صَحابيٌ مِن جهتِهَا، وَتابعيٌ مِن جهةِ الرِوايةِ، وقيسُ بنُ أبي حازمٍ البجَلي / ١١٣ ب / مُخضرمٌ، ما أسلمَ إلا بعدَ موتِ النَبي ﷺ ، على أنَّ لأبيهِ صُحبةً، وَسعيدٌ (٨) تَابعيٌّ بكلِ اعتبارٍ. هَكذ حفظتُ هَذا عَن شَيخِنا: أنَّ ابنَ الخِيارِ لَهُ رؤيةٌ،

стр. 355

وقَد قالَ المصنِفُ في "النُكتِ": إنَّهُ اعترضَ (١) على ابنِ الصَلاحِ بأنَّ عُبيدَ اللهِ ذُكرَ في جملةِ الصَحابةِ، قالَ: ((وهَذا الاعتراضُ ليسَ بِصَحيحٍ؛ لأنَّهُم إنَّما (٢) ذكروهُ جَريَاً على قَاعدتِهم في ذكرِ مَن عَاصَرَه؛ لأنَّ عُبيدَ اللهِ وُلِدَ في حَياتِهِ ﷺ ، وَلم يُنقَل أنَّهُ رَأى النبيَّ ﷺ ، كَما ذكَروا قيسَ بنَ أبي حَازمٍ (٣) وأمثالَهُ مِمن لَم يَرَ النَبيَّ ﷺ ؛ لِكونِهم عَاصَروهُ، على القَولِ (٤) الضَعيفِ في حَدِّ الصَحابي، وإنما رَوَى عبيدُ اللهِ بنُ عَدي عنِ الصَحابةِ: عُمرَ، وعثمانَ، وعلي، في آخرينَ (٥)، ولم يسمَع مِن أبي بكرٍ، فَضلاً عَنِ النَبي ﷺ )) (٦). قولُهُ: (كالزهرِي وَأبي حَازمٍ) (٧) هوَ سَلمةُ بنُ دينارٍ، وَليسَ هوَ قَريباً لقيسٍ. قولُهُ: (بل هيَ مُنقطِعةٌ) (٨) كانَ ينَبغي ((مُعضلةٌ))؛ فإنَّ المرسَلَ والمنقطِعَ، وإنِ اشتَركا في أنَّ (٩) السَاقِطَ مِن كلٍ منهمَا واحِدٌ، لكنَّهُ صَرحَ بالمغايرةِ بينَهما، فالمنقطِعُ ما سَقطَ منهُ واحِدٌ قبلَ الصَحابِي، والمرسَلُ ما سَقطَ منهُ واحِدٌ هوَ الصَحابيُ. والفَرضُ أَنَّ التَابعيَ أسقَطَ مَن بَينهُ وَبينَ النَبي ﷺ ، والظاهِرُ أنَّ ذلِكَ

стр. 356

تَابعيٌّ وَصَحابيٌّ؛ لأنَّ فرضَ المَسألةِ أنَّهُ تَابعيٌّ صَغيرٌ يكثرُ الروايةَ عَن التابعينَ؛ فصارَ السَاقِطُ اثنينِ مُتواليينِ، فَانطبقَ عليهِ تَعريفُ المعضَلِ. قالَ ابنُ / ١١٤ أ / الصَلاحِ: ((وهَذا المَذهبُ فَرعٌ لمذهبِ مَن لا يُسمي المنقطِعَ قبلَ الوصولِ إلى التابعي مُرسَلاً)) (١). وأَمَّا مَن يسميهِ مُرسلاً، سَواءٌ كانَ انقطاعهُ بسُقوطِ اثنينِ مُتواليينِ فَأكثرَ (٢)، أم لا، فَهذا عِندهُ مرسَلٌ؛ لأنَّ المُرادَ بالتَابعي في قولهِ: ((قبل الوصولِ إلى التابعي)) مَن ليسَ بينهُ وبينَ النَبي ﷺ واسطةٌ في ذلِكَ الحَديثِ إلا الصَحابي. وأسانيدُ هَؤلاءِ الصِغارِ يحتملُ أنْ يكونَ سَقطَ فِيهَا قبلَ ذلِكَ التَابعِي واحدٌ فأكثرُ احتمالاً قوياً، فتكونُ منقطعةً كيفَ ما كانَ السَقطُ، على أنَّ الصَوابَ -كَما قالَ المصنِفُ في "النُكتِ" - أن يقولَ: ((قبلَ الوصُولِ إلى الصَحابي، فإنَّهُ لو سَقطَ التَابعيُ أيضاً كانَ مُنقطعاً، لا مُرسَلاً عندَ هَؤلاءِ، ولكن هَكذا وَقعَ في عِبارةِ الحَاكمِ، فَتبعهُ عليهِ)) (٣). قولُهُ: (ولم يلقوا مِن الصَحابةِ إلا الواحِدَ والاثنينِ) (٤) ليسَ ذلِكَ قيداً، بل وَلو لَقوا أكثرَ مِن ذلِكَ؛ فإنَّ العِبرةَ بكثرةِ الروايةِ عَنِ التابعينِ، لا بكثرةِ لِقاءِ الصَحابةِ،

стр. 357

والكَبيرُ مَن رأى أكابِرَ الصَحابةِ، والصَغيرُ مَن لَم ير إلاّ أصاغرَهُم، لا كَما يُفهمُهُ كَلامُهُ. قولُهُ: (ابن عباد) (١) قالَ في "النُكتِ": ((بكسرِ العَينِ، وتَخفيفِ الموحدَةِ، وقال: سَمعَ منهُم كُلهم، ثُمَّ استثَنى عبدَ اللهِ بنَ جَعفرَ، وعبدَ اللهِ بنَ عمرَ)) (٢) كَما ذُكِرَ (٣) في الشرحِ. قولُهُ: (وعبدُ الرحمانِ بنُ أزهرَ) (٤) قالَ في "النُكتِ": ((وَقالَ ابنُ حزمٍ: إنَّهُ لَم يسمَع أيضاً مِن عبدِ الرَحمانِ بنِ أزهرَ، ثُمَّ حكَى عَن أحمدَ بنِ صَالِحٍ المصرِي أنَّهُ قالَ: لَم يسمَع منهُ فيمَا أَرى، ولَم يدركهُ. قلتُ (٥): وكذا قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: ما أراهُ سمعَ منهُ / ١١٤ب / قالَ: وَمعمرُ وأسامةُ يقولانِ عَنهُ: إنَّهُ سَمعَ منهُ، وَلم يصنعَا عِندي شَيئاً (٦)، ثُمَّ قالَ: وسمعَ مِن جماعةٍ آخرينَ (٧) مختلفٌ في صحبتِهم، فَعدَّ مِنهُم: أبا أمامةَ بنَ سهلِ بنِ حنيفٍ، وقالَ: فهؤلاءِ سَبعةَ عشرَ ما بينَ صحابيٍ، ومختَلفٍ في صحبتهِ)) (٨) كَذا قالَ! غيرَ أنَّ الذينَ ذكر في "الشَرحِ"، و"النُكتِ" إنما هم سِتةَ عَشرَ، ثُمَّ قالَ: ((وَقد تنبهَ المصنِفُ لِهذا الاعتراضِ، فأملى حاشيةً على هَذا المكَانِ مِن كتابهِ، فَقالَ: قولُهُ: ((الواحدُ والاثنينِ)) كالمثالِ، وإلاّ فَالزهريُّ قَد

стр. 358

قيلَ: إنَّهُ رأى عَشرة منَ الصَحابةِ، وسَمعَ مِنهُم: أنساً، وسهلَ ابنَ سعدٍ، والسائبَ بنَ يزيدَ، ومحمودَ بنَ الربيعِ، وسُنيناً أبا جميلةَ، وغيرَهم، وَهوَ مع ذلِكَ أكثرُ روايتِهِ عَن التابعينَ، واللهُ أعلمُ)) (١). قولُهُ: (فَقد لَقيَ مِن الصَحابةِ) (٢) اعتراضٌ غير متمكنٍ؛ لأنَّ لقاءهُ لَهم لَم يرفعْهُ عَن رتبةِ مَن لقيَ الواحِدَ والاثنينِ فقَط بالنسبةِ إلى الروايةِ كَما تقدّمَ، على أنَّ بعضَهم رآهم رؤيةً مجردةً مِن غيرِ سماعٍ، فَقد اختلفَ في سماعهِ مِن عبدِ الله بنِ عمرَ كَما قالَ الشيخُ، بل واختلفَ في لقائهِ لَهُ، وسماعه مِن ابنِ جعفرَ بَعيدٌ، واختلفَ في سماعهِ مِن عبدِ الرحمانِ بنِ أزهرَ، وبعضُهم لَم يسمعْ مِن النبي ﷺ شَيئاً، أو إنما سَمعَ حَرفاً أو حرفينِ، فَسهلُ بنُ سَعدٍ هوَ السَاعديُّ، أدركَ مِن حياةِ النبيّ ﷺ خَمسَ عشرةَ سنةً. (٣) وربيعةُ بنُ عباد / ١١٥ أ / - بكسرِ المهملةِ، وتخفيفِ الموحدةِ - الديلي رأى النبي ﷺ في سوقِ عكاظٍ في العرضِ على القبائلِ. (٤) وعبدُ اللهِ بنُ جعفرَ بن أبي طالبٍ ابن ابنِ عمِّ النبيِّ ﷺ ولدَ بالحبشةِ في الهجرةِ إليهَا، وأدركَ مِن حياة النَبيِّ ﷺ عشرَ سنينَ (٥). والسائبُ بنُ يزيدَ هوَ الكِنديُّ، وقيلَ: أزديُّ، وقيل: غيرُ ذلِكَ، يعرف بابنِ أختِ النمر (٦)، رُوِيَ أنَّهُ قالَ: ((حُجَّ بي معَ النبي ﷺ ، وأنا

стр. 359

ابنُ ستِ سنينَ (١))) (٢). وسنينُ - بمهملةٍ ونونينِ مُصغرٌ - أبو جَميلة (٣) -بفتحِ الجيمِ- ابنُ فرقد السلمي، ويقالُ: الضَمري (٤). وعبدُ الله بنُ عامرِ بنِ ربيعةَ السلميِ العنْزي -بسكونِ النونِ -حليفُ بني عَدي، كانَ عندَ وفاةِ النبي ﷺ ابنُ خمسٍ، أو أربعِ سنينَ (٥). وأبو الطُفيلِ هوَ عامِرُ، وقيلَ: عمرُو بنُ واثلةَ -بالمثلثةِ- الليثي، وُلِدَ عامَ أحدٍ، فأدركَ نَحوَ ثماني سنينَ. (٦) ومحمودُ بنُ الربيعِ الخزرجي (٧) عَقِلَ منَ النبي ﷺ مجةً (٨) مجَّها مِن بئرٍ

стр. 360

كانت في دارِهِم (١). والمسورُ بنُ مخرمةَ الزُهري أدركَ نَحوَ ثماني سنينَ. (٢) وعبدُ الرحمانِ بنُ أزهرَ الزُهري، رُوِيَ أنَّهُ كانَ في فتحِ مكةَ محتلماً، ولهُ حديثٌ واحدٌ (٣). هَذا ما في الزُهري. ويعترضُ على العبارةِ أيضاً بأبي حَازمٍ، فَقد قيلَ: إنَّهُ لَقيَ جماعةً منَ الصحابةِ، مِنهم: أبو هريرةَ، وابن عمرَ (٤)، وابنُ الزبيرِ، والحسينُ بنُ علي ﵃. قولُهُ: (فعلى هَذا المرسَلُ والمنقطعُ واحدٌ) (٥)، أي: والمعضلُ. قولُهُ: (وبهِ قطعَ الخطيبُ) (٦) قالَ النوويُّ / ١١٥ ب / - على ما نُقلَ عَنهُ -: ((وَجماعةٌ مِن المحدثينَ)). قولُهُ: (وَعلى هَذا فيكونُ قَولاً رابعاً) (٧) ليسَ كذلِكَ، بلِ التحقيقُ أنَّهُ مقيدٌ للقولِ الثالثِ، كأنَّهُ لما قالوا: ((ما سقطَ مِن إسنادهِ راوٍ فأكثرُ)) قالَ: بشرطِ أنْ لا يكونَ تَدليساً بأنْ لا يكونَ للراوي سَماعٌ مِمَّن فوقَه (٨)، فيحملُ ذلِكَ الإطلاقُ على كلامهِ،

стр. 361

وإنَّما القولُ الرابعُ الذِي لا بدَّ منهُ: قولُ مَن يسوي بينَ المرسلِ والمنقطعِ، فَيقولُ: المرسلُ ما سقطَ مِن إسنادهِ راوٍ واحدٌ، وهَذا موجودٌ في استعمالِ أهل الحديثِ، فَقد رَوَى البخاريُّ خَبراً عَن إبراهيمَ النخعي، والضَحاكِ المشْرَقي، عَن أبي سَعيدٍ، ثُمَّ قالَ: إبراهيمُ، عَن أبي سعيدِ مرسلٌ (١). وعبارةُ ابنِ الحَاجِب في " مختصرهِ " (٢): ((المرسلُ قولُ غيرِ الصَحابي: قالَ ﷺ )) (٣). قالَ بعضُ أصحابِنا: كَما حكاهُ ابنُ كثيرٍ شاهداً لتناولهِ غيرَ التَابعي (٤)، فَعلى هَذا يُعدُّ قولاً آخرَ، فَتأملْ. قولُهُ: ١٢٢ - وَاحتَجَّ (مَالِكٌ) كَذا (النُّعْمَانُ) ... وَتَابِعُوْهُمَا بِهِ وَدَانُوْا ١٢٣ - وَرَدَّهُ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ؛ ... لِلجَهْلِ بِالسَّاقِطِ في الإسْنَادِ ١٢٤ - وَصَاحِبُ التَّمهيدِ عَنهُمْ نَقَلَهْ ... وَ (مُسْلِمٌ) صَدْرَ الكِتَابِ أصَّلَهْ مَضمونُ هذهِ الأبياتِ ليسَ مِن مباحثِ هَذا الفنِّ، ولذلكَ لَم يستقصِ تفاريعهُ. والحنفيةُ لا يقبلونَ المرسلَ إلاّ إذا كانَ مرسِلُه مِن أهلِ القُرونِ الثلاثةِ الفاضلةِ، فإنْ كانَ مِن غيرها لَم يقبلوهُ؛ لقولهِ ﷺ في حديثِ عمرَ ﵁: ((ثُمَّ يفشُو الكذِبُ)) أخرجهُ النسائي (٥) بسندٍ صحيحٍ، وَهوَ في

стр. 362

"الصحيحينِ" (١) وغيرهِمَا (٢) عَن عمران بنِ حصينٍ وأبي هريرةَ بلفظِ: ((خيرُ أمتي قَرني، ثُمَّ الذينَ يلونَهم، ثُمَّ الذين يلونهم، ثُمَّ الذينَ يلونَهم))، وفي روايةٍ: ((فلا أدري أذكرَ بعدَ قرنهِ قَرنينِ (٣)، أو ثلاثاً، ثُمَّ ذكرَ قوماً يَشهدونَ / ١١٦ أ / ولا يُستشهَدونَ، ويخونونَ ولا يُؤتمنونَ، وينذرونَ ولا يفونَ)) وَهوَ بمعنى: يفشُو الكذبُ، واللهُ أعلم. وَقالَ أبو الوليد (٤) الباجيُّ منَ المالكيةِ، وأبو بكرٍ الرازيُّ منَ الحنفيةِ: لا يقبلُ المرسلُ إلا مِمن عُرِفَ أنَّهُ لا يرسلُ إلاَّ عَن ثقةٍ إجماعاً (٥). ومَذهبُ أحمدَ ﵁ (٦) في رواية عنه: قَبول المرسلِ ما لَم يُعارضْ مُسنداً، وَهذا مِن فروعِ عَملهِ

стр. 363

بالضعيفِ الذِي لَم يجِد في البابِ غَيرَه، فلا أدرِي لِمَ لَمْ يُنَبِّه (١) على مذهبهِ (٢) فيهِ؟! لكنْ وردَ عنهُ روايةٌ بالرّدِ، والأولُ أشهرُ، نقلَ ذلكَ عَنه جماعةٌ مِن الشافعيةِ (٣). وعن شيخنِا البرهانِ أَنهُ نقلهُ عنهُ مِنَ الحنابلةِ الشيخُ شمسُ الدينِ ابنُ قيمِ الجوزيةِ. (٤) قالَ: وألفَ فيهِ ابنُ عبدِ الهادي (٥)، قالَ شيخنا البرهان: ونظمتهُ في بيتٍ، فقلتُ: قُلتُ عَزَى لأحمدَ بنَ حنبلٍ ... شَيعتُه احتجاجَه بالمرسلِ انتهى. والشافعيُ يقبلُهُ بالشروطِ السبعةِ المذكورةِ عَنهُ (٦)، فلا يعلمُ أحدٌ ردَّ المرسَلَ مطلقاً، بل ذكر عَن بعضِهم أنَّهُ قَواهُ على المسندِ، وقال: مَن أسندَ لكَ فَقد أحالكَ، ومن أرسلَ فَقد تكفَّلَ لكَ (٧). نَعم، شَذَّ أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو بكرٍ البَاقلاني فردّا كلَّ مرسلٍ، حتى مراسيلَ الصحابةِ (٨).

стр. 364

قولُهُ: (إلى أنَّ المرسلَ ضعيفٌ) (١) يعني: مطلقَ المرسلِ، وإلا فَقد يكونُ حسناً، وذلكَ إذا تقوّى وَاعتضدَ. وعبارةُ ابنِ الصَلاحِ: ((ومَا ذكرناهُ مِن سقوطِ الاحتجاجِ / ١١٦ ب / بالمرسلِ والحكمِ بضعفهِ، هُوَ المذهبُ الذِي استقرَّ عليهِ آراءُ جماهيرِ حُفّاظِ الحَديث، وَنقّادِ الأثرِ (٢)، وتَداولوه في تصانيفهِم)) (٣). وَلما ذكرَ ما نقلَ عَن مُسلمٍ (٤)، سُئِلَ شَيخُنا عنِ الذِي بحثَ مسلمٌ معهُ مَن هوَ؟ فقالَ: عليُ بنُ المَدِيني (٥)، وَإنَّما اتجهتْ نِسبةُ ردِّ المرسلِ إلى مُسلمٍ؛ لأنَّ خَصمهُ نقلَ اتفاقَ المحدّثينَ على ردِّهِ، ثُمَّ نقض (٦) جميعَ كلامهِ، غيرَ هَذا الموضعِ منهُ، فَلولا أنَّ ذلِكَ شَائعٌ عِندهُم لَردهُ عليهِ بأنَّ هَذا لا يعرفُ، أو قَد قالَ فلانٌ بخلافهِ، أو نَحوَ ذلِكَ. قلتُ: قَولهُ: (وقالَ مسلمٌ) (٧) قول مسلمٍ إنما هوَ في ما سقطَ مِن إسنادهِ راوٍ، سواءٌ كانَ بعدَ التابعي، أو قَبلَه، فيعمُّ المرسَلَ والمنقطعَ. قولُهُ: (خَصمه الذِي ردَّ عليهِ) (٨) الضَميرُ المستترُ لمسلمٍ، والمجرورُ لـ ((الذي))، أي: هَذا الكلامُ ذكرهُ مسلمٌ عَن خصمهِ الذِي ردَّ مسلمٌ عليهِ اشتراطَ

стр. 365

ثبوتِ اللقي في الإسنادِ المعنعنِ؛ وذلكَ لأنَّهُ (١) حُكِيَ عَن بعضِ الناسِ: أنَّهُ لا تقبلُ الأخبار المعنعنة عَن الثقاتِ، إلا إذا نقلَ أنَّ الراويَ لَقي مَن رَوَى عَنهُ بالعنعنةِ ونحوِها ولو مرةً منَ الدهرِ، وَلو لَم ينقَل أنَّهُ سمعَ منهُ، وأمَّا إذا لَم يُنقلْ لُقيّهُ لَهُ فإنَّهُ يوقَف خَبرُه، ولو كانَ العلمُ حَاصلاً بإمكانِ لقائهِ لَهُ؛ لإدراكهِ حَياته (٢). والضَميرُ في قولهِ: ((قلتهُ)) للاشتراطِ، أي: فإنْ قالَ هَذا الخَصمُ، قلتُ: اشتراطُ ثبوت اللقاءِ. ولفظُ مسلمٍ (٣): ((وَقد تَكلّمَ بعضُ منتحلي الحَديثِ مِن أهلِ عصرِنَا بقولٍ، لو ضربنَا / ١١٧ أ / عَن حكايتهِ صَفحاً، لكانَ رأياً (٤) مَتيناً ... - إلى أنْ قالَ: - زعمَ أنَّ كلَ إسنادٍ لحديثِ فيهِ فلانٌ عَن فلانٍ، وقد أحاطَ العلمُ بأنَّهما قَد كانا في عَصرٍ واحدٍ، وجائز أنْ يكونَ الحديثُ الذِي رَوَى الراوي عَمَّن رَوَى عَنهُ قَد سمِعَهُ منهُ، وشَافههُ بهِ، غيرَ أنَّهُ لا يعلمُ لَهُ منهُ سَماعاً، وَلم نَجد في شيءٍ منَ الروايات أنَّهما التقيا قطُّ، أو تَشافها بحديثٍ، أنَّ الحجةَ لا تقومُ عِندهُ بكلِ خبرٍ جاءَ هَذا المجيء حَتى يكونَ عندهُ العلمُ بأنَّهما قدِ اجتَمعا مِن دهرهما مرةً فَصاعداً، وتشافهَا بالحديثِ بينَهما، أو يردَ خبرٌ فيهِ بيانُ اجتماعِهمَا، أو تلاقِيهمَا مرةً من دهرهما، فَما فوقَها)). انتهى. وَفي أولهِ اختصارٌ. قولُهُ: ١٢٥ - لَكِنْ إذا صَحَّ لَنَا مَخْرَجُهُ ... بمُسْنَدٍ أو مُرْسَلٍ يُخْرِجُهُ

стр. 366

١٢٦ - مَنْ لَيْسَ يَرْوِي عَنْ رِجَالِ الأوَّلِ ... نَقْبَلْهُ، قُلْتُ: الشَّيْخُ لَمْ يُفَصِّلِ ١٢٧ - و (الشَّافِعِيُّ) بِالكِبَارِ قَيَّدَا ... وَمَنْ رَوَى عَنِ الثِّقاتِ أبَدَا ١٢٨ - وَمَنْ إذا شَارَكَ أهْلَ الحِفْظِ ... وَافَقَهُمْ إلاّ بِنَقْصِ لَفْظِ حُكِيَ عَن شَيخِنا البرهَانِ الحلَبي أنَّهُ قالَ: بقيَ على شيخِنا في كلامِ الشافعي الذِي ساقهُ في جوازِ العَملِ بالمرسلِ شرطانِ آخرانِ، وَقد نظمتُهما فقلتُ: أو كانَ قول واحد مِن صَحْبِ ... خير الأنامِ عَجَمٍ وَعُرْبِ أو كانَ فتوى جُل أهلِ العلمِ ... وشيخُنا أهملَهُ في النظمِ (١) أي: أهملَ المذكورَ، وَهوَ الشَرطانِ المذكورَانِ. قولُهُ: (المرسِل الأولُ) (٢) هوَ بكسرِ السينِ، يوضحُهُ قولُ الشافِعي ((مَن أخذ العلمَ عَن غيرِ رجالِ التَابعي الأولِ)) (٣). قولُهُ: (هوَ مجزومٌ ... ) (٤) إلى آخرهِ، الشاهِدُ في قولهِ: ((تصبك)) وَهوَ فعلُ الشَرطِ، فإنَّ جزمهُ بـ ((إذا)) يدلُ على جزمِهَا للجزاءِ؛ لأنَّهُ ليسَ لنا أداةٌ تجزمُ الشَرطَ فَقط، بل متى صَحَّ / ١١٧ ب / جَزمها لَهُ جُزِمَ الجَزاءُ، وبالعكسِ، ولو جعلَ الشيخُ ((متى)) موضِعَ ((إذا)) لكانَ جَارياً على الكثيرِ (٥) الفَاشي، وَلم يَحتجْ إلى أنْ يخرجَهُ على مذهبِ الكُوفيينَ، أو كانَ يبقِي ((إذا)) ويسقطُ ((الهاءَ)) ويقولُ: ((يقبلُ)) مَرفوعاً.

стр. 367

قولُهُ: (الخصاصَةُ) (١) هي الفَقرُ، وكَذا الخَصاصُ. قولُهُ: (فَتجَمل) (٢) بالجيمِ، أي: فأظهِرِ الجميلَ، ولا تشكُ حالَكَ إلى غَيرِ الذِي خلقكَ. وَقولهُ: (إلى آخرِ البيوتِ الأربعةِ) (٣) يَعني: مِن أولِ هَذهِ المقولةِ، وقد أصلحهُ الشيخُ بأنْ قالَ: ((الأبيات)). قالهُ شَيخُنا البرهَان. قولُهُ: (في نوعِ الحَسنِ) (٤) تَتمَةُ كلامِ ابنِ الصَلاحِ هُنا: ((ولهَذا احتجَّ الشّافِعيُّ بمرسلاتِ سَعيدِ بنِ المسيبِ؛ فَإنها وُجدَت مسانيدَ مِن وجوهٍ أُخرَ، ولا يختص ذلِكَ عِندهُ بإرسالِ ابنِ المسيبِ كَما سَبقَ، وَمن أنكر هَذا زاعماً أنَّ الاعتمادَ حينئذٍ يَقعُ على المسنَدِ دونَ المرسلِ، فَيقع لغوَاً لا حَاجَةَ إليهِ؛ فَجوابُه: بالمسندِ يتبينُ صِحة الإسنادِ الذِي فيهِ الإرسالُ، حَتى يحكمَ لَهُ معَ إرسالهِ بأنَّهُ إسنادٌ صحيحٌ، تقومُ بهِ الحُجةُ على ما مَهدْنا سبيلهُ في النَوعِ الثَاني، وإنَّما ينكرُ هَذا مَن لا مذاقَ لَهُ في هَذا الشأنِ)) (٥). انتهى. وسَيأتي لَهُ مزيدُ بيانٍ في حَاشيةِ قولهِ: ((فإنْ يقل فالمسندُ المعتمدُ)) معَ ما سبقَ في نوعِ الحَسنِ. قولُهُ: (إنَّه حَكَى هناكَ) (٦)، أي: ابنُ الصَلاحِ ذكرَ كَلامَ الشَافعيِّ في نَوعِ الحَسنِ، والنَاظِم أسقطهُ، وَنبهَ عليهِ بقولِهِ: ((كَما يجيءُ)).

стр. 368

قولُهُ: (ووجهُ الاعتراضِ عليهِ) (١) لا يقالُ: الجَوابُ عَنهُ أنَّهُ أرشدَ إلى / ١١٨ أ / بقيةِ كَلامِ الشَافِعي، ليعلمَ بقيةَ الشُروطِ؛ لأنا نقولُ: العَادةُ في مثلِ هَذا أنْ يكونَ الكَلامُ المطويُ لا حاجةَ إليهِ في المسألةِ المَذكورةِ. قَولُه: (كبارُ التابعينَ) (٢) الظاهرُ أنَّ المعيارَ إنَّما هوَ كَونُ جل رواية التَابِعي عَن الصحابةِ، ولو كانَ صَغيراً، وَأمَّا إذا كانَ جُلُّ روايتهِ عَن التابعينَ؛ فإنَّه لا يقبلُ مرسلُه ولو كانَ كبيراً (٣)، وإلى ذلِكَ يرشد كَلامُ الشّافِعي الآتي في قولهِ: ((والآخر: كثرةُ الإحالةِ ... )) إلى آخرِه. قولُهُ: (معَ وجودِ الشَرطينِ) (٤)، أي: فَهذهِ الثلاثةُ شُروطٍ معتبرةٌ، معَ كلِ قرينةٍ منَ السبعِ، التي قَوَّى بهَا الشّافِعي المرسَلَ (٥). قولُهُ: (بإسنادَيهما إليهِ) (٦) عجيبٌ! أمَّا أولاً: فإنَّ كلاً منَ الطَريقينِ ينتهي إلى الأصمِّ (٧)، فالإسنادَان ينتهيانِ حينئذٍ إلى الأصمِّ، ومِن ثَمَّ إلى الشّافِعي طريقٌ واحدَةٌ وهيَ: الربيعُ عنِ الشّافِعيّ.

стр. 369

وأمَّا ثانياً: فإنَّ بينَ كلٍ منَ الخَطيبِ والبَيهقِي، وَبينَ الأصمِّ واحداً فقط، (١) فلو أبرزهُ لم يخل بالاختصارِ، أو كانَ يقولُ: عَن شَيخِهما بدلَ بإسنادَيهما (٢). وقول الشّافِعي: ((على صحةِ مَا قبل (٣) عَنهُ)) (٤) لفظُه ((قبل)) في مثلِ هَذا الموضعِ مراد بهَا: أخذَ، وحمَلَ، وَرَوى. قولُهُ: (فلا أعلمُ واحِداً) (٥)، أي: منهُم (يُقبَل) بالضمَ على البناءِ للمجهولِ (مرسلُهُ) مرفوعٌ لنيابتِهِ عَنِ الفَاعلِ. قولُهُ: (أحببنا أن نقبلَ مرسلَهُ) (٦) قالَ الشّافِعي بعدَ هَذا: ((ثُمَّ لا تنتهض (٧) الحجَةُ بهِ انتهاضَها (٨) بالحديثِ المسنَدِ)) وكانَ ينبغِي للشيخِ أنْ لا يحذفَ ذلِكَ. قولُهُ: (لَم يسمِّ إلا ثقةً) (٩) لا يُقال: كانَ ينبغي الاكتفاءُ بهَذا الشَرطِ، / ١١٨ب / ولا يُحتاجُ إلى تقييدِ كَونهِ مِن كبارِ التابعينَ، لأنَّا نَقولُ: إذا كانَ مِن صغارِهم، أو كثرت روايتهُ عنِ التابعين (١٠)، وإنْ كانَ كبيراً، غلب على الظنِّ أنَّ (١١)

стр. 370

بينهُ وبينَ الصحابةِ اثنينِ، فإذا سَلِم لَنا كونُ شَيخِه ثقةً، لَم ندرِ مَا حالُ شَيخِ شَيخهِ. قالَ شَيخُنا: ((لكن معَ وجودِ الشَرطينِ، وهما: كونهُ إذا سَمَّى لا يسمِي إلا ثِقةً، وكونهُ مِن كبارِ التابعينَ، ينبغي أنْ لا يحتَاج إلى عاضِدٍ)). قولُهُ: (فليحمل النظم ... ) (١) إلى آخرِه، الظَاهِرُ أنَّ المحمَلَ الأولَ أظهرُ وأرجحُ؛ لأنَّ الكلامَ في المرسلِ، وَهوَ إنَّما رد للجهلِ بهذا (٢) المحذوف، فإذا عُلم أنَّهُ لا يحذفُ إلاَّ ثقةً تقوّى بذلِكَ، ولا يَضرُّ كونُهُ يروي المسنداتِ عَن الضعفاءِ؛ لأنَّه بإبرازِ رجالِ المسندِ تَخلّصَ منَ العُهدةِ. وتقديرُ البيتِ في قولهِ: ((وافقهم إلا بنقصِ لَفظ)) وافقهم (٣)، فإنْ خالفَهم رُدَّ مُرسلُه، إلا إذا كَانت مخالفتُه بالنقصِ، وَهلِ المرادُ بالمخالفةِ المنافاةُ، أو مَا هوَ أعمُّ حتى يَدخلَ ما إذا وَردَ أحدُهُما مُطلقاً، والآخرُ مُقيداً، ونحوهُ؟ الظَاهرُ أنَّ المرادَ ما هوَ أَعمُّ، فإنْ زادَ أحدُهُما زيادةً مستقِلةً، فحكمُها حكمُ الحَديثِ المستقِلِ، فيتوقفُ فيها حَتى تعتضدَ. قولُهُ: ١٢٩. فإنْ يُقَلْ: فالمسندُ المعتَمدُ ... فقُلْ: دليلان به يعتضدُ سَبقَ بيانُه، وأنَّ الفخرَ الرازي حَملَهُ على ما إذا كانَ المسندُ أيضاً لا يقومُ بنفسِهِ، فكلٌ مِنهمَا حينئذٍ يعتضدُ بالآخرِ، وأنَّ المختارَ أنْ يُركبَ مِن كلامهِ وكلامِ ابنِ الصلاحِ الذِي سبقَ قريباً جَوابُهُ، فيقالُ: فائدتُه تظهرُ بأنْ ينظرَ، فإنْ كانَ ضَعيفاً يصلحُ لأنْ يَنجبرَ / ١١٩ أ / فَهمَا (٤) حينئذٍ كالمرسلينِ، كلٌ منهما يعتضد بالآخرِ،

стр. 371

كَما تقدّمَ في كلامِ الشافِعي، وإنْ كانَ فوقَ ذلِكَ أفادَنا المسندُ أنَّ ذلِكَ السَاقِطَ فِي طَريقِ المرسَلِ مَقبولٌ، ثُمَّ يرجحُ هَذا المسندُ بانضمامِ المرسَلِ إليهِ على مسندٍ آخرَ في رتبتِهِ لَم يعتضِد. قالَ شَيخُنا: وقولُ الشافِعي: ((فإنْ شَركَهُ الحفَّاظُ المأمونونَ (١))) لا يشملُ ما إذا كانَ المسندُ ضَعيفاً، وقَد تَقدمَ مَا فيهِ عندَ قولهِ: ((فإنْ يقل يحتجُ بالضعيفِ)). قولُهُ: (تبيَّنَّا صحةَ المرسلِ) (٢)، أي: صحةَ ذلك الموضعِ، السَاقطِ منهُ مَا بينَ التَابِعي وبينَ النبي ﷺ ، وأنَّ ذلِكَ السَاقِطَ مقبولٌ، وَهذا كَما ترى يتعلقُ بالطريقِ. وأمَّا المتنُ فربمَّا عارضَهُ شيءٌ، فَيرجحُ حينئذٍ بمَا عَضدَ بهِ، وَقد عُرفَ أنَّ مذهبَ الشافِعي في المرسَلِ - بل وَمطلقِ الانقطاعِ - أعدلُ المذاهبِ؛ لأنَّ قولَ النبي ﷺ في الحديثِ الصحيحِ: ((ثُمَّ يَفشو الكذِبُ)) يدلُ على أنَّ الكذِبَ كانَ موجوداً، والذي يكونُ بعدَ القرونِ الثلاثةِ فَشوُه وَانتشارُه. قالَ شَيخُنا في خطبةِ كتابهِ "لسانِ الميزانِ": ((وقد حَكَى القاضِي عبدُ اللهِ ابنُ عيسَى بنِ لَهيعةَ (٣)، عَن شيخٍ منَ الخوارجِ أنَّهُ سَمِعَهُ يقولُ بعدَ ما تابَ: إنَّ هَذهِ الأحاديثَ دِينٌ، فانظروا عَمن تأخذونَ دينَكُم، فَإنَّا كنَّا إذا هَوينا أمراً صيَّرناهُ حَديثاً. حدَّثَ بهَا عبدُ الرحمانِ بنُ مَهدي الإمامُ، عنِ ابنِ لَهيعَةَ، فَهي من قديمِ حَديثهِ الصحيحِ. وهذهِ والله / ١١٩ ب / قَاصمةُ الظَهرِ للمحتجينَ بالمراسيلِ؛ إذ بدعةُ الخوارجِ كَانت في صدرِ الإسلامِ، والصَحابةُ ﵃ متوافرونَ، ثُمَّ في عَصرِ التَابعينَ فَمن بَعدَهم. فَربما سمعَ الرجلُ السُنّي - يَعني: مِن أحدٍ مِنهُم (٤) - فَحدّثَ بهِ،

стр. 372

ولم يذكرْ مَن حَدَّثهُ بهِ، تحسِيناً للظنِّ بهِ، فيحملهُ عَنهُ غيرهُ، ويجيءُ الذِي يحتجُ بالمقاطيعِ فَيحتجُ بهِ، ويكونُ أصلهُ ما ذكرتُ، فلا حَولَ وَلا قوةَ إلا باللهِ)). ثمَّ قالَ: ((وقالَ حمادُ بنُ سلمةَ: حَدَّثني شَيخٌ لَهُم - يَعني: الرافضةَ - قالَ: كنَّا إذا اجتمعنا، فَاستحسَنّا شيئاً جعلناهُ حديثاً. وقالَ مُسَبِّحُ (١) بنُ الجَهمِ الأسلَميُّ التَابِعي: كانَ رجلٌ منَّا في الأهواءِ مدةً، ثُمَّ صارَ إلى الجماعةِ، وقالَ لنا (٢): أنشدكُم اللهَ أنْ تَسمعوا (٣) مَن أحدِ مِن أصحابِ الأَهواءِ؛ فإنّا واللهِ كنَّا نروي لكُمُ الباطِلَ، ونَحتَسبُ الخيرَ في إضلالِكُم. وقالَ زهيرُ بنُ معاويةَ: حَدَّثنا محرزُ أبو رجَاء، وكان يرى (٤) القدر، فَتابَ منهُ فقالَ: لا ترووا عَن أحدٍ مِن أهلِ القدرِ شَيئاً، فواللهِ لَقد كنَّا نضعُ (٥) الأحاديثَ، ندخل بهَا الناسَ في القَدرِ، نَحتَسبُ بهَا، فالحكمُ للهِ. (٦) قولُهُ: ١٣٠ - وَرَسَمُوا مُنْقَطِعاً عَنْ رَجُلِ ... وَفي الأصُوْلِ نَعْتُهُ: بِالمُرْسَلِ مَعنى ((رَسموا)) سَمُّوا مِن الرَسم، وَهوَ الأثرُ، والمادةُ تدورُ على الإعلامِ، قالَ في "القاموسِ" (٧): ((الرَسمُ الأثرُ، وبقيتهُ، والروسمُ الداهيةُ، وطابعٌ يطبع بهِ رأس الخَابيةِ، كالراسومِ، والعلامةِ، وثوبٌ مُرسَّم كمعظّم (٨) مخطّط)). وقالَ ابنُ الصلاحِ

стр. 373

- بعدَ ما نقلَ عَن الحاكمِ - (١): ((وَهوَ في بعضِ / ١٢٠ أ / المصنفاتِ المعتبرةِ في أصولِ الفِقهِ (٢)، معدودٌ في أنواعِ المرسَلِ)) (٣). وعن شيخِنا الحافظِ بُرهانِ الدينِ: أنَّ جمهورَ أهلِ الحَديثِ على أنَّ ((عَن رجلٍ)) متصلٌ، في إسنادهِ مجهولٌ، وقَد نَظَمَهُ فقالَ: قلتُ الأصحُ أنَّهُ متصِل ... لكنَّ في إسنادِهِ مَن يُجهلُ وَهَذا هُوَ التحقيقُ، أنَّ هَذا ليسَ مُرسلاً ولا منقطعاً؛ لأنهُ لا ينطبقُ عليهِ تَعريفُ واحدٍ منهما، بل هوَ مُتصِلٌ، في إسنادهِ راوٍ مبهمٌ، وهَذا إذا لَم يُعنعنْ كَما إذا قيل (٤): ((رجلٌ قالَ: حَدثني فلانٌ))، فإنْ عنعنَ الرجلُ المبهمُ لَم يُحكَمْ عليهِ بالاتصالِ؛ و (٥) لاحتمالِ أنْ يكونَ ذلِكَ المبهَمُ مدلِساً، فيقالُ: هَذا ظاهرُهُ

стр. 374

الاتصالُ، فيهِ مبهمٌ (١). وعبارةُ الشَيخِ في " النُكتِ ": ((اقتصرَ المصنِّفُ (٢) على هَذينِ القَولينِ - أي: إنهُ مرسَلٌ أو منقطعٌ - (٣) وَكلٌّ مِن القَولينِ خلافُ ما عليهِ الأكثر؛ فإنَّ الأكثرينَ ذَهبوا إلى أنَّ هَذا متصلٌ، في إسنادهِ مَجهولٌ)) ثُمَّ قالَ: ((وما ذكرهُ المصنِّفُ عَن بعضِ المصنفاتِ المعتبرةِ، ولَم يُسمِّهِ فالظاهرُ أنهُ أرادَ بهِ "البرهانَ" لإمامِ الحَرمينِ (٤))) ثُمَّ قالَ: ((وما ذكرهُ المصنِّفُ عَن بعضِ كُتبِ الأصولِ قَد فَعلهُ أبو داودَ في كِتابِ "المراسيلِ" (٥)، فيروي في بعضها ما أبهمَ فيهِ الرجلُ؛ ويجعلهُ مرسلاً؛ بل زادَ البيهقيُّ على هَذا في "سُننهِ" (٦) فجعلَ ما رواهُ التابعيُّ عَن رجلٍ منَ الصَحابةِ لَم يسمَّ مرسلاً، وليسَ هَذا منهُ بجيدٍ، اللهمَّ إلا إنْ كانَ يسميهِ مرسلاً، ويجعلُه حُجةً كمراسيلِ الصَحابةِ فهوَ قَريبٌ. وقد /١٢٠ ب/ روى البخاريُ، عَن الحميدي، قالَ: إذا صحَّ الإسنادُ عَن الثقاتِ إلى رَجلٍ مِن أصحابِ النَبي ﷺ فهوَ حُجةٌ، وإنْ لَم يسمَّ ذَلِكَ الرجلُ، وقالَ الأثرمُ (٧): قلتُ لأبي عبدِ اللهِ -يعني:

стр. 375

أحمدَ بنَ حنبلٍ -: إذا قالَ رَجلٌ مِن التابعينَ: حَدّثَني رجلٌ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولم يُسمِّهِ، فالحديث صَحيحٌ؟ قالَ: نَعم (١). وَقد ذكرَ المصنِّفُ في آخرِ هَذا النوعِ التَاسعِ أن الجَهالةَ بالصحابيِّ غَيرُ قادحةٍ؛ لأنَّهم كلَهم عدولٌ (٢). وحكاهُ الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ الكريمِ الحَلبيُّ (٣) في كتابِ "القِدحِ المعلى" عَن أكثرِ العُلماءِ. انتهى (٤). نَعَم، فَرّقَ أبو بكرٍ الصَيرفِيُّ مِن الشافعيةِ في كتابِ "الدلائلِ" بين أنْ يرويه التَابِعيُّ عَن الصَحابيِّ مُعنعناً، أو معَ التَصريحِ بالسماعِ، فقالَ: وإذا قالَ في الحديثِ بعضُ التابعينَ: عَن رجلٍ منْ أصحابِ النَبي ﷺ ، لا يقبلُ؛ لأنِّي لَم (٥) أعلم، سَمعَ التَابِعيُّ مِن ذَلِكَ الرجلِ، إذ قَد يُحدِّثُ التَابِعيُّ عَن رجلٍ وعن رجلينِ عَن الصَحابيِّ، ولا أدرِي هل أمكنَ لقاء ذَلِكَ الرجلِ أم لا؟ فَلو علمتُ إمكانَهُ منهُ لجعلتُه كمدركِ العَصرِ. قالَ: وإذا قالَ سمعتُ رَجلاً مِن أصحابِ النبي ﷺ قُبِلَ؛ لأنَّ الكلَّ عدولٌ. انتهى كلامُ الصَيرفي. وَهوَ حَسنٌ متجهٌ، وكلامُ مَن أطلقَ قَبولَه، محمولٌ على هَذا التفصيلِ واللهُ أعلمُ)) (٦) انتهى كَلامُ الشَيخِ في "النكتِ". ولا يتجهُ كَلامُ الصَيرفي إلا بعدَ تَقييدِ المعنعنِ بكونهِ مُدلساً. وقَولهُ في إمكانِ التقائِهِ يدلُ على اكتفائهِ بالمعاصرةِ، وقد عرفت أنَّ الصَحيحَ خلافهُ (٧)، واللهُ الموفق.

стр. 376

قولُهُ: (وفِي / ١٢١ أ / البُرهانِ لإمامِ الحَرمينِ .. ) (١) إلى آخرهِ، هوَ مِن فروعِ تَسميةِ المنقطعِ مرسَلاً، بعدَ تسليم أنَّ هَذا مِن المنقطِعِ. قولُهُ: (التي (٢) لَم يسمَّ حاملها) (٣) أي: إنهُ يحتملُ أن يكونَ ذَلِكَ الكتابُ جواباً، وذلكَ الحَامِلُ رسول المكتوبِ إليهِ، أعيدَ الجوابُ على يدهِ، وَهوَ كَافرٌ. قولُهُ: (إذا سَمى الأصلَ باسمٍ لا يعرفُ بهِ) (٤) يدخلُ فيهِ ((المهملُ))، كَما إذا قالَ: حَدثني محمدٌ مثلاً، وفي مشَايخهِ جَماعةٌ كلٌ مِنهُم اسمهُ محمدٌ، وبعضُهم ضعيفٌ، و ((المجهول))، كَما إذا قالَ: حَدثني فلانُ بنُ فُلانٍ الفُلانيُّ باسمهِ، واسمِ أبيهِ ونَسبهِ مَثلاً، وكانَ معَ هَذا مجهولاً، لا يعرفُ. قولُهُ: (كالمرسَلِ) (٥) في أنَّهُ مردودٌ إلاّ إن اعتضدَ. قولُهُ: (قلتُ ... ) (٦) إلى آخرهِ، مُنْصَبٌّ إلى هَذهِ الصُورةِ الأخيرةِ. قولُهُ (٧): ١٣١ - أمَّا الَّذِي أرْسَلَهُ الصَّحَابِيْ ... فَحُكمُهُ الوَصْلُ عَلى الصَّوَابِ (يسمَّى في أصولِ الفِقهِ) (٨) قالَ الشَيخُ في "النكتِ": ((اعتُرضَ عليهِ بأنَّ المحدّثينَ أيضاً يذكرونَ مراسيلَ الصحابَةِ، فَما وجهُ تخصيصهِ بأصولِ الفِقهِ؟

стр. 377

والجوابُ: أنَّ المحدّثينَ وإن ذكروا مراسِيلَ الصَحابةِ، فَإنَّهم لَم يختلِفوا في الاحتجاجِ بهَا، وأما الأصوليونَ فَقد اختلَفوا فيهَا)) (١) ثُمَّ ذكر قولَ الأستاذِ (٢)، وأنَّ عَامَة أهلِ الأصولِ خَالفوهُ، فاحتجوا بهَا. قولُهُ: (إذ قَد سَمعَ جماعةٌ مِن الصَحابةِ مِن بعضِ التَابعينَ) (٣) استقرئ ما وقعَ مِن روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينَ، فلَم يوجدْ فيهِ حكمٌ مِن الأحكامِ، وإنما ذَلِكَ مجردُ قَصصٍ وأخبارٍ، هَكذا حَفظتُ مِن شيخِنا، وقالَ شيخُهُ المصنِّفُ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما / ١٢١ب / هوَ بحسبِ الأكثرِ (٤). قالَ في " النكتِ ": ((وقد صنَّفَ الحافِظُ أبو بكر الخطيبُ، وغيرهُ في روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينَ، فبلغوا جَمعاً كَثيراً، إلا أنَّ الجوابَ عَن ذَلِكَ: أن روايةَ الصَحابةِ عَن التابعينَ (٥)، غالبُها ليست أحاديثَ مرفوعةً، وإنما هيَ مِن الإسرائيلياتِ، أو حكاياتٍ، أو موقوفاتٍ، وبلَغني أنَّ بعضَ أهلِ العلمِ أنكرَ أنْ يكونَ قَد وَجَدَ شَيئاً مِن روايةِ الصَحابةِ، عَن التابعينَ، عَن الصَحابةِ، عَن النَبي ﷺ ، فرأيتُ أنْ أَذكرَ هنا ما وقعَ لي مِن ذَلِكَ للفائدةِ، فمِن ذَلِكَ: حَديثُ سهلِ بنِ سَعدٍ، عنْ مروانَ بنِ الحَكمِ، عَن زيدِ بنِ ثابتٍ: ((أنَّ النَبي ﷺ أملى عليهِ: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) فجاءَ ابنُ أمِّ مكتومٍ ... ))

стр. 378

الحَديثَ رواهُ البخاريُّ (١)، والنَسائِيُّ (٢)، والتِرمذيُّ (٣)، وقالَ: ((حَسنٌ صحيحٌ)). وحديثُ السَائبِ بنِ يزيدَ، عَن عبد الرحمانِ بنِ عبدٍ (٤) القَارِيّ، عَن عمرَ ابنِ الخَطابِ ﵁، عَن النَبي ﷺ قالَ: ((مَن نامَ عَن حَزبهِ، أو عَن شَيءٍ منهُ، فقرأهُ ما بينَ صلاةِ الفَجرِ إلى صَلاةِ الظُهرِ، كُتبَ لَهُ كأنَّما قَرأهُ منَ الليلِ)). رواهُ مسلمٌ (٥)، وأصحابُ السُننِ الأربعةِ (٦). وحديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، عنْ أمِّ كلثوم بنتِ أبي بكرٍ الصديقِ، عَن عائشةَ ﵃ (٧) أنَّ رجلاً سألَ النَبيَّ ﷺ عَن الرجلِ يجامعُ ثُمَّ يُكسِلُ (٨)، هَل عليهمَا مِن غُسلٍ؟ - وعائشةُ جَالِسةٌ- فقالَ: ((إنّي لأفعلُ ذَلِكَ أنا وهذهِ، ثُمَّ نغتسلُ)). أخرجهُ مسلمٌ (٩). وحديثُ عَمرو بنِ / ١٢٢ أ / الحَارثِ المصطلقِي، عَن ابنِ أَخي زينبَ امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، عَن زينب امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ (١٠)، قالت: خَطبَنا رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: ((يا معشرَ النِساءِ تَصدقنَ، وَلو مِن حليكنَّ، فإنكنَّ أكثرُ أهلِ

стр. 379

جَهنمَ يومَ القِيامَةِ)) رواهُ التِرمذيُّ (١)، والنَسائِيُّ (٢)، والحديثُ متفقٌ عليهِ (٣) مِن غيرِ ذكرِ ابنِ أخي زينبَ، جَعلاهُ مِن روايةِ عمرو بنِ الحَارثِ، عَن زينبَ نفسها، واللهُ أعلمُ. وحديثُ يَعلى بنِ أميةَ، عَن عنبسةَ بنِ أبي سُفيانَ، عَن أختهِ أمِّ حبيبةَ عَن النبي ﷺ قالَ: ((مَن صَلّى ثنتي عَشرةَ ركعةً بالنهارِ، أو بالليلِ بُنِيَ لهُ بيتٌ في الجنةِ)) رواهُ النسائيُّ (٤). وحَديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، عَن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ أَبي بكرٍ الصديقِ، عَن عائشةَ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((ألم تَرَي أنَّ قومَكِ حينَ بنوا الكعبةَ قَصروا عَن قواعدِ إبراهيم ... )) الحديثَ. رواهُ الخطيبُ في كتابِ "روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينِ" بإسنادٍ صَحيحٍ، والحديثُ متفقٌ عَليه (٥) مِن طريقِ مالكٍ، عَن ابْنِ شِهابٍ، عَن سالمِ بْنِ عبدِ اللهِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ أَبِي بكرٍ أخبرَ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، عَن عائشةَ بذلكَ، فجعلهُ مِن روايةِ سَالمٍ، عنَ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، وهذا يشهدُ لصحةِ طَريقِ الخَطيبِ، أنَّ ابنَ عمرَ سَمعهُ مِن عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، عن عائشةَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 380

وَحديثُ ابنِ عمرَ، عَن صفيةَ بنتِ أبي عبيدٍ، عَن عائشةَ: ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رخصَ للنساءِ فِي الخُفينِ / ١٢٢ ب / عندَ الإحرامِ)). رواهُ الخطيبُ فِي الكتابِ المذكورِ، والحديثُ عندَ أبي دَاودَ (١) من طريقِ ابنِ إسحاقَ، قَالَ: ذكرتُ لابنِ شهَابٍ فقَالَ: حَدثني سَالمٌ، أنَّ عبدَ اللهِ كَانَ يصنعُ ذَلِكَ - يَعني: قطع الخُفينِ للمرأةِ المحرمةِ - ثُمَّ حَدثتهُ صفيةُ بنتُ أَبِي عبيدٍ، أنَّ عَائِشَة حَدثتها: ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَدْ كَانَ رَخصَ للنساءِ فِي الخفينِ)) فَتركَ ذَلِكَ. وحَديثُ جابرِ بْنِ عبدِ اللهِ، عَن أَبِي عَمروٍ مَولى عَائِشَة - واسمهُ ذكوانُ - عَن عَائِشَة: ((أنَّ النَبي ﷺ كَانَ يكونُ جنباً فَيريدُ الرقادَ، فَيتوضأ وَضوءهُ للصَلاةِ، ثُمَّ يرقدُ)) رَواه أحمد فِي "مسندهِ" (٢)، وفي إسنادهِ ابنُ لَهيعةَ (٣). وحَديث (٤) ابنِ عباسٍ قَالَ: ((أتى عليَّ زمانٌ وأنا أقول: أولادُ المسلمينَ مَعَ المسلمينَ، وأولادُ المشركينَ مَعَ المشركينَ، حَتَّى حَدَّثَنِي فلانٌ، عَن فلانٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ، فَقَالَ: ((اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملينَ))، قَالَ: فلقيتُ الرجل فأخبرَني، فأمسكتُ عَن قولِي))، روَاهُ أحمدُ فِي "مسندِهِ" (٥)، وَأبو داود الطيالِسي أَيْضاً فِي "مسندِه" (٦)، وإسناده صحيحٌ، وبيَّنَ راويهِ (٧) عنِ الطيالسي - وهو يونسُ

стр. 381

ابنُ حبيبٍ - أنَّ الصحابيَّ المذكورَ فِي هَذَا الحَديثِ، هُوَ أُبي بنُ كعبٍ، وكذا قَالَ الخطيبُ، وترجمَ لَهُ فِي "روايةِ الصَحابةِ عَن التابعينَ": عبد الله بن عباسٍ، عَن صاحبٍ لأُبي بنِ كَعبٍ. وحديثُ ابنِ عمرَ، عَن أسماءَ بنتِ زَيدِ بنِ الخَطابِ، عَن عبدِ اللهِ بنِ حنظلةَ ابنِ أبي عَامرِ: ((أنَّ النَبي ﷺ أمرَ بالوضوءِ لكلِ صلاةٍ طَاهراً، أَوْ غيرَ طَاهِرٍ، فَلما شَقَّ ذَلِكَ / ١٢٣ أ / عَليهِم أمرَ بالسِواكِ لكلِ صَلاةٍ))، رواهُ أبو داودَ (١) مِن طريقِ ابنِ إسحاقَ، عَن مُحمدِ بنِ يَحيى بنِ حِبانَ، عَن عبدِ اللهِ بنِ عَبد اللهِ بنِ عُمرَ، قَالَ: قلتُ (٢): أرأيتَ تَوضؤَ ابنِ عمرَ لكلِ صَلاةٍ طاهِراً، أَوْ غَيرَ طاهِرٍ، عَمَّ ذلكَ؟ قَالَ: حَدثَتْهُ أسماءُ بنتُ زيدِ بنِ الخَطابِ: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ حنظلةَ بنِ أَبِي عَامرٍ حَدَّثَها ... (٣) فذكرهُ. وفي روايةٍ عَلقها أبو دَاود، وأسندَهَا الخَطيبُ إِلَى (٤) عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، كَذا أوردهُ الخطيبُ فِي روايةِ ابن عمرَ، عَن أسماءَ، والظاهرُ أنَّهُ مِن روايةِ ابنهِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عَن أسماءَ، وإنْ كانت حَدثَتْ بِهِ ابنَ عمرَ نَفسَهُ، وكذا جَعلَ المزي فِي "تهذيبِ الكَمالِ" (٥) الراويَ عنها عبدَ اللهِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ. وَحديثُ ابنِ عمرَ، عَن أسماءَ بنتِ زيدِ بنِ الخَطابِ، عَن عبدِ اللهِ بنِ حنظلةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَولا أنْ أشقَّ عَلَى أُمتي لأمرتُهم بالسِواكِ عندَ كلِّ صَلاةٍ)) رواهُ الخَطيبُ فِيهِ (٦).

стр. 382

وحَديثُ سُليمانَ بنِ صُرد، عَن نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مطعمٍ، عَن أبيهِ، قَالَ: تذاكروا غسلَ الجنابةِ عندَ النَبي ﷺ ، فَقَالَ: ((أمَّا أنا فَأفيضُ عَلَى رأسِي ثلاثاً ... )) الحديثَ، رواهُ الخَطيبُ، وَهو متفقٌ عَليهِ (١) مِن روايةِ سليمانَ، عَن جبيرٍ، لَيْسَ فِيهِ نَافعٌ. وَحديثُ أَبِي الطفيلِ عَن بكرِ بنِ قرواش (٢)، عَن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ((شَيطانُ الردهةِ يحدرهُ رجلٌ مِن بجيلةَ ... )) الحديثَ، رواهُ أبو يَعلى الموصلي فِي "مسندهِ" (٣)، قَالَ صَاحبُ "الميزانِ" (٤): ((بكرُ بنُ قرواشٍ لا يعرفُ، والحَديثُ منكرٌ)). وحديثُ أَبِي هُريرَةَ، عَن أمِّ / ١٢٣ ب / عبدِ اللهِ بنِ أَبِي ذباب، عَن أمِّ سَلمةَ، سَمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ((مَا ابتلى اللهُ عَبداً ببلاءٍ وَهُوَ عَلَى طريقةٍ يكرهُهُا، إلا جعلَ اللهُ ذَلِكَ البلاءَ له كفارةٌ)) رَواهُ ابنُ أَبِي الدُنيا فِي كتابِ "المرضِ والكفاراتِ" (٥) وَمن طريقهِ الخَطيبُ. وحَديثُ ابنِ عمرَ، عَن صَفيةَ بنتِ أبي عُبيدٍ، عن (٦) حفصَةَ، عنِ النَبيِّ ﷺ : ((مَن لَم يُجمعِ الصَومَ قبلَ الصُبحِ فلا صَومَ لهُ)) (٧).

стр. 383

وَحديثُ ابنِ عمرَ، عَن صفيةَ، عن حفصَةَ، عنهُ ﷺ : ((لا يُحرِّمُ من الرضاعِ إلاّ عشرُ رضَعاتٍ فَصاعِداً)) رَواهما الخَطيبُ، وفي إسنادِهِمَا مُحمدُ بنُ عمرَ الواقِدي (١). وحديثُ [أنسٍ] (٢) عَن وقاصِ بنِ ربيعةَ، عَن أبي ذرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ فيمَا يرويهِ عن ربهِ : ((ابنَ آدمَ، إنَّكَ إنْ دنوتَ مِني شِبراً دنوتُ منكَ ذراعاً ... )). الحديثَ (٣). وحديثُ أَبي الطُفيلِ، عَن عبدِ الملك (٤) ابنِ أخِي أَبي ذرٍّ، عن أبي ذرٍّ (٥) قالَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَخبرني: ((أنَّهم لَنْ يُسلطوا على قتلي، وَلَن يفتنونِي عَن ديني ... )) الحديثَ. وَحديثُ أبِي أُمامةَ، عَن عَنبسةَ بنِ أبي سُفيانَ، عن أمِ حبيبةَ، سَمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ((ما مِن رجلٍ مُسلمٍ يحافظُ على أربعِ ركعاتٍ قَبل الظهرِ، وأربعٍ بعدَ

стр. 384

الظُهرِ، فَتمسُهُ النَّارُ)). (١) وحديثُ أبي الطُفيلِ، عَن حلامِ بنِ جَزلٍ، عَن أَبي ذرٍّ مَرفوعاً: ((النَّاسُ ثلاثُ طبقاتٍ ... )) الحديثَ. رَوَى هذهِ الأحاديثَ أيضاً الخَطيبُ بأسانيدَ ضعيفةٍ. فَهذهِ عِشرونَ حَديثاً مِن روايةِ الصَحابةِ، عن التابعينَ، عَنِ الصَحابةِ مَرفوعةً، / ١٢٤ أ / ذكرتُها للفائدةِ، واللهُ أعلَمُ)) (٢). قولهُ: (وَرَوى كعبٌ أيضاً عنِ التابعينَ) (٣) يَعني: فيحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ الذي رَواهُ الصَحابي، عن كعبٍ ونحوهِ، قد رواهُ كعبٌ، عَن تَابعيٍّ آخرَ، لَكنْ لم يوجدْ في سندٍ منَ الأسانيدِ صَحابيٌ شَيخهُ تَابعيٌ، ذلكَ التابعيُ شَيخُه في ذلكَ السندِ تَابعيٌ. قولهُ: (وفي بعضِ كُتبِ) (٤) قالَ في " النُكتِ ": ((وفي بعضِ شروحِ "المنارِ" في الأصولِ للحنفيةِ .. )) إلى آخرهِ (٥). قولهُ (٦): (فَقد قالَ الأستاذُ أبو إسحاقَ) (٧) وكَذا قالَ القاضِي

стр. 385

أبو بكرٍ (١) البَاقلاني، وهو عَجيبٌ منَ القَاضِي؛ فإنَّ مالِكاً وَأتباعَهُ يَقبلونَ المرسَلَ مطلقاً، فكيفَ إذا كانَ مرسلُ صحابيٍّ، ونقلَ عنِ ابنِ كَثيرٍ أنَّهُ قالَ: ((وذكرَ ابنُ الأثيرِ وَغيرُهُ في ذلِكَ خِلافاً)) (٢). وَكذا نقلَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ((والحافِظُ البيهقيُّ في كتابهِ "السُننِ الكَبيرِ" (٣) وَغيرِه يُسمِّي ما رواهُ التَابعيُّ، عن رَجلٍ منَ الصَحابةِ - يَعني: بلفظِ الإبهامِ- (٤) مُرسلاً (٥)، فإنْ كَانَ يذهبُ معَ هذا إلى أنَّهُ ليسَ بحجةٍ، فيلزمهُ أنْ يكونَ مرسَلُ الصَحابةِ أيضاً ليسَ بِحجَةٍ)) (٦). انتهى.

стр. 386

الْمُنْقَطِعُ (١) وَالْمُعْضَلُ (٢) قولهُ: ١٣٢ - وَسَمِّ بِالمُنْقَطِعِ: الَّذِي سَقَطْ ... قَبْلَ الصَّحَابيِّ بِهِ رَاوٍ فَقَطْ ١٣٣ - وَقِيْلَ: مَا لَمْ يَتَّصِلْ، وَقَالا: ... بِأنَّهُ الأقْرَبُ لا استِعمَالا

стр. 387

١٣٤ - وَالمُعْضَلُ: السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ ... فَصَاعِداً، وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَانِ ١٣٥ - حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعَا ... وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعَا قولهُ: (راوٍ فَقط) (١)، أي: في الموضعِ الواحِدِ؛ وَذلكَ أنَّ الراوِيَ للجنسِ، فَإنَّما تكونُ وحدة السَاقِطِ مِن الرواةِ قَيداً بالنسبةِ إلى موضعٍ واحِدٍ، وإلاَّ فَلو تَعددتِ المَواضِعُ لَم يضرَّ تعددُ السَاقِطِ في تسميتِهِ مُنقطعاً مَا لم يَتوالَ، فلَو سَقطَ منَ السَندِ اثنانِ فصاعداً، لا على التَوالي، بل مِن كلِ مَوضعٍ واحِدٌ فَقط، كانَ منقطعاً مِن موضعينِ، أو مواضِعَ (٢)، كما ذُكرَ في الشَرحِ. قولهُ: (وقالا بأنهُ / ١٢٤ ب / الأقربُ) (٣) رُبَّما التَبسَ فيهِ الأمرُ عَلى مَن لم ينظرْ الشَرحَ، فلا يَدرِي: هل هَذهِ ألفُ الإطلاقِ، فَيصرفُ الضَميرَ إلى ابنِ الصَلاحِ، أو ألف التثنيةِ فيصرفها إلى الشيخين؛ لأنهما منْ أهلِ الاصطلاحِ، وجائزٌ أنْ يقولا إنَّ هذا أقربُ، لكنَّ قرينةَ حكايةِ الاستعمالِ - أي: استعمالُ مَن لَهم الاصطلاحُ - تُبعدُ أنْ يكونَ المرادُ الشَيخينِ لأنَّهما منَ الأقدمينَ، وأولئكَ يندرُ أنْ ينقُلوا الاصطلاح عَنْ غيرهِم؛ فإنَّهم هُم أهلُ الاصطلاحِ. وَقولهُ: (الأقربُ) (٤)، أي: مِن حَيثُ اللغَةُ. قولهُ: (اثنانِ فَصاعِداً) (٥)، أي: معَ التَوالي، كَما في الشَرحِ و ((صَاعداً)) مَعمولٌ لِفعلٍ مَحذوفٍ، أي: فَاذهبْ في السُقوطِ صَاعِداً. وَشرطُ التَوالي لا يُفهمُ

стр. 388

منَ النَظمِ؛ فكانَ ينبغي التنبيهُ عليهِ بعدَ هذهِ الأبياتِ الأربعةِ بأنْ يقولَ: أو كانَ سَاقِطاً بموضعين ... فليسَ مُعضلاً بغيرِ مين نقلَ هَذا عن شَيخِنا البرهانِ، وهو غَيرُ وافٍ، فَلو قالَ: والشَرطُ في ساقِطه التَوالي ... والانفراد ليسَ بالإعضَالِ لكانَ أحسَنَ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (ومِنهُ قِسمٌ ثَانِ) (١) إنْ قيلَ: هوَ داخِل في قولهِ: ((اثنانِ فصَاعِداً)) فالجوابُ: المنعُ؛ لأنَّ الضَميرَ في قَولهِ: ((منهُ)) يَرجعُ إلى السَندِ، فتقديرُ قَولهِ: ((والمعضَلُ السَاقِط مِن إسنادِهِ اثنانِ))، والنّبي ﷺ مسندٌ إليهِ، وليسَ هوَ منَ السَندِ، وأيضاً فالإعضالُ مِن مباحثِ الإسنادِ، وإذا ذُكرَ النَّبيُّ ﷺ كانَ / ١٢٥ أ / الكَلامُ في الرفعِ، وَهوَ مِن مباحث المتنِ، وكَذا إذا حُذفَ ذِكرُهُ ﷺ كانَ الكلامُ فِي الوقفِ، وَهو من مباحثِ المتنِ أيضاً، وَكذا إذا حُذِفَ الصَحابيُّ أيضاً؛ فإنَّهُ يكونُ مَقطوعاً، وهوَ مِن مَباحثِ المتنِ أيضاً (٢)، فَلا يدخلُ ذلِكَ في قولهِ: ((اثنانِ فصاعِداً))؛ لأنَّ ذلكَ كالمستثنَى صريحاً في قواعِد هَذا العِلمِ، حَتى لا يختلطَ البَحثُ في الإسنادِ بالبحثِ في المتنِ، فاحتاجَ أنْ ينصَّ عليهِ؛ لوجودِ صُورةِ سقط اثنينِ معَ التَوالِي. قولهُ: (وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ... ) (٣) إلى آخرِه، يقتضي أنَّ المنقطعَ يطلقُ على جميعِ الأنواعِ التي تَرجعُ إلى السَقطِ منَ السَندِ، وَخُصَّ كلٌّ مِنهَا باسمٍ، كالمعضَلِ، والمعلقِ، والمرسَلِ، وأنَّ كلاً منها دَاخِلٌ تحتَ المنقطِعِ دخولَ الأخصِّ تحتَ الأعمِّ.

стр. 389

قولهُ: (عَن بعضِهِم) (١) هَذا القَولُ يشبهُ أنْ يكونَ قولَ مَن حدَّ المرسَلَ: بأنَّهُ ما سقطَ من إسنادِهِ رَاوٍ (٢). قولُهُ: (ما رواهُ من دون التَابعينَ عنِ الصَحابةِ) (٣) يُفهِمُ اشتراطَ الوصولِ إلى الصحابي، وليسَ كذلكَ، فإنَّهُ لو ذُكِرَ أثرٌ عمن دونَ الصحابةِ، وسَقَطَ من اثنائهِ رجلٌ سُمِّيَ منقطعاً، ويدخلُ في كلامِ ابنِ الصلاحِ أيضاً ما لو سقطَ منهُ اثنانِ فصاعداً، ولو معَ التوالي؛ فإنَّهُ قالَ: ((من دون التابعينَ)) وذلكَ يشملُ من دونهُ بقليلٍ، أو كثيرٍ، ولا يخفى ما فيهِ، اللهمَّ إلا أنْ يُعتنَى بهِ فيقالُ: المثالُ يخصصهُ. واللهُ أعلمُ. قولهُ: (والمعضلُ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهو لقبٌ لنوعٍ خاصٍ منَ المنقطعِ، فكلُّ معضلٍ منقطعٌ، وليسَ كلُّ / ١٢٥ ب / منقطعٍ معضلاً، وقومٌ يُسمونهُ مرسلاً كما سبقَ)) (٥). قولهُ: (من موضعٍ واحدٍ) (٦) قال الشيخُ في " النكتِ ": ((وهذا مرادُ المصنِّفِ ويوضحُ مرادَهُ المثالُ الذي مَثّلَ بهِ بعدُ، وهوَ قولهُ: ومثاله ما يرويهِ تابعُ التابعي ... )) (٧) إلى آخرهِ. قوله: (فهوَ معضَل، بفتحِ الضادِ) (٨) ينبغي أنْ يعلمَ أنَّ ذلكَ غيرُ مطَّردٍ، بل

стр. 390

قد يستعملونَ لفظة ((مُعضِل)) بكسرِ الضادِ؛ وذلكَ لأنَّهُ يوجدُ في كلامِهم أحياناً وصفُ الحديثِ الذي لم يسقطْ من إسنادهِ شيءٌ بأنَّهُ مُعضِلٌ، فهذا إنما يريدونَ بهِ أنَّهُ مُشكِلٌ، فهوَ مكسورُ الضادِ (١). قلتُ: قولهُ: (وهو اصطلاحٌ مشكلٌ من حيثُ اللغةُ) (٢)، أي: لأنَّ مَفْعَلاً -بفتحِ العينِ - لا يكونُ إلا من ثلاثيٍّ لازمٍ عُدِّيَ بزيادةِ الهمزةِ، وهذا لازمٌ معَ الزيادةِ. وأجابَ: بأنَّهُ وجدَ لهُ قولهم: ((أمرٌ عضيلٌ))، أي: مستغلقٌ شديدٌ. قلتُ: يريدُ أنَّ من المقررِ: أنَّ ((فعيلاً)) مبالغةُ فاعلٍ لا يكونُ من رباعي، وإنما يكون من ثلاثي، وهوَ هنا لازمٌ لتفسيرهم لهُ بمستغلقٍ شديدٍ، فيكونُ مثل جليسٍ وكريمٍ، من جلسَ وكَرُمَ، فيقالُ: عضل الأمرُ إذا اشتدَ، كما يقالُ: أعضل، فإذا ثبتَ أنَّه من ثلاثيٍّ لازمٍ عُدِّيَ بالهمزةِ، فقيلَ: أعضلهُ، كما يقالُ: أكرمهُ، وأجلسهُ، والمعضلُ في الاصطلاحِ من هذا؛ لأنهم أعضلوه، فيصيرُ كما قالوا: ظلم الليلُ وأظلمَ هوَ، وأظلمهُ اللهُ. هذا ما كانَ ظهرَ لي، ثم وجدتُ ما يؤيدُ أنَّهُ مرادهُ، قالَ
следующие страницы →