стр. 386
← Улюм аль-хадис следующие страницы →
Улюм аль-хадис · id 23798
النكت الوفية بما في شرح الألفية
برهان الدين البقاعي
Полный текст (1 137 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 387
١٣٤ - وَالمُعْضَلُ: السَّاقِطُ مِنْهُ اثْنَانِ ... فَصَاعِداً، وَمِنْهُ قِسْمٌ ثَانِ
١٣٥ - حَذْفُ النَّبِيِّ وَالصَّحَابِيِّ مَعَا ... وَوَقْفُ مَتْنِهِ عَلَى مَنْ تَبِعَا
قولهُ: (راوٍ فَقط) (١)، أي: في الموضعِ الواحِدِ؛ وَذلكَ أنَّ الراوِيَ للجنسِ، فَإنَّما تكونُ وحدة السَاقِطِ مِن الرواةِ قَيداً بالنسبةِ إلى موضعٍ واحِدٍ، وإلاَّ فَلو تَعددتِ المَواضِعُ لَم يضرَّ تعددُ السَاقِطِ في تسميتِهِ مُنقطعاً مَا لم يَتوالَ، فلَو سَقطَ منَ السَندِ اثنانِ فصاعداً، لا على التَوالي، بل مِن كلِ مَوضعٍ واحِدٌ فَقط، كانَ منقطعاً مِن موضعينِ، أو مواضِعَ (٢)، كما ذُكرَ في الشَرحِ.
قولهُ: (وقالا بأنهُ / ١٢٤ ب / الأقربُ) (٣) رُبَّما التَبسَ فيهِ الأمرُ عَلى مَن لم ينظرْ الشَرحَ، فلا يَدرِي: هل هَذهِ ألفُ الإطلاقِ، فَيصرفُ الضَميرَ إلى ابنِ الصَلاحِ، أو ألف التثنيةِ فيصرفها إلى الشيخين؛ لأنهما منْ أهلِ الاصطلاحِ، وجائزٌ أنْ يقولا إنَّ هذا أقربُ، لكنَّ قرينةَ حكايةِ الاستعمالِ - أي: استعمالُ مَن لَهم الاصطلاحُ - تُبعدُ أنْ يكونَ المرادُ الشَيخينِ لأنَّهما منَ الأقدمينَ، وأولئكَ يندرُ أنْ ينقُلوا الاصطلاح عَنْ غيرهِم؛ فإنَّهم هُم أهلُ الاصطلاحِ.
وَقولهُ: (الأقربُ) (٤)، أي: مِن حَيثُ اللغَةُ.
قولهُ: (اثنانِ فَصاعِداً) (٥)، أي: معَ التَوالي، كَما في الشَرحِ و ((صَاعداً)) مَعمولٌ لِفعلٍ مَحذوفٍ، أي: فَاذهبْ في السُقوطِ صَاعِداً. وَشرطُ التَوالي لا يُفهمُ
стр. 388
منَ النَظمِ؛ فكانَ ينبغي التنبيهُ عليهِ بعدَ هذهِ الأبياتِ الأربعةِ بأنْ يقولَ:
أو كانَ سَاقِطاً بموضعين ... فليسَ مُعضلاً بغيرِ مين
نقلَ هَذا عن شَيخِنا البرهانِ، وهو غَيرُ وافٍ، فَلو قالَ:
والشَرطُ في ساقِطه التَوالي ... والانفراد ليسَ بالإعضَالِ
لكانَ أحسَنَ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (ومِنهُ قِسمٌ ثَانِ) (١) إنْ قيلَ: هوَ داخِل في قولهِ: ((اثنانِ فصَاعِداً)) فالجوابُ: المنعُ؛ لأنَّ الضَميرَ في قَولهِ: ((منهُ)) يَرجعُ إلى السَندِ، فتقديرُ قَولهِ:
((والمعضَلُ السَاقِط مِن إسنادِهِ اثنانِ))، والنّبي ﷺ مسندٌ إليهِ، وليسَ هوَ منَ السَندِ، وأيضاً فالإعضالُ مِن مباحثِ الإسنادِ، وإذا ذُكرَ النَّبيُّ ﷺ كانَ / ١٢٥ أ / الكَلامُ في الرفعِ، وَهوَ مِن مباحث المتنِ، وكَذا إذا حُذفَ ذِكرُهُ ﷺ كانَ الكلامُ فِي الوقفِ، وَهو من مباحثِ المتنِ أيضاً، وَكذا إذا حُذِفَ الصَحابيُّ أيضاً؛ فإنَّهُ يكونُ مَقطوعاً، وهوَ مِن مَباحثِ المتنِ أيضاً (٢)، فَلا يدخلُ ذلِكَ في قولهِ: ((اثنانِ فصاعِداً))؛ لأنَّ ذلكَ كالمستثنَى صريحاً في قواعِد هَذا العِلمِ، حَتى لا يختلطَ البَحثُ في الإسنادِ بالبحثِ في المتنِ، فاحتاجَ أنْ ينصَّ عليهِ؛ لوجودِ صُورةِ سقط اثنينِ معَ التَوالِي.
قولهُ: (وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ... ) (٣) إلى آخرِه، يقتضي أنَّ المنقطعَ يطلقُ على جميعِ الأنواعِ التي تَرجعُ إلى السَقطِ منَ السَندِ، وَخُصَّ كلٌّ مِنهَا باسمٍ، كالمعضَلِ، والمعلقِ، والمرسَلِ، وأنَّ كلاً منها دَاخِلٌ تحتَ المنقطِعِ دخولَ الأخصِّ تحتَ الأعمِّ.
стр. 389
قولهُ: (عَن بعضِهِم) (١) هَذا القَولُ يشبهُ أنْ يكونَ قولَ مَن حدَّ المرسَلَ: بأنَّهُ ما سقطَ من إسنادِهِ رَاوٍ (٢).
قولُهُ: (ما رواهُ من دون التَابعينَ عنِ الصَحابةِ) (٣) يُفهِمُ اشتراطَ الوصولِ إلى الصحابي، وليسَ كذلكَ، فإنَّهُ لو ذُكِرَ أثرٌ عمن دونَ الصحابةِ، وسَقَطَ من اثنائهِ رجلٌ سُمِّيَ منقطعاً، ويدخلُ في كلامِ ابنِ الصلاحِ أيضاً ما لو سقطَ منهُ اثنانِ فصاعداً، ولو معَ التوالي؛ فإنَّهُ قالَ: ((من دون التابعينَ)) وذلكَ يشملُ من دونهُ بقليلٍ، أو كثيرٍ، ولا يخفى ما فيهِ، اللهمَّ إلا أنْ يُعتنَى بهِ فيقالُ: المثالُ يخصصهُ. واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (والمعضلُ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهو لقبٌ لنوعٍ خاصٍ منَ المنقطعِ، فكلُّ معضلٍ منقطعٌ، وليسَ كلُّ / ١٢٥ ب / منقطعٍ معضلاً، وقومٌ يُسمونهُ مرسلاً كما سبقَ)) (٥).
قولهُ: (من موضعٍ واحدٍ) (٦) قال الشيخُ في " النكتِ ": ((وهذا مرادُ المصنِّفِ ويوضحُ مرادَهُ المثالُ الذي مَثّلَ بهِ بعدُ، وهوَ قولهُ: ومثاله ما يرويهِ تابعُ التابعي ... )) (٧) إلى آخرهِ.
قوله: (فهوَ معضَل، بفتحِ الضادِ) (٨) ينبغي أنْ يعلمَ أنَّ ذلكَ غيرُ مطَّردٍ، بل
стр. 390
قد يستعملونَ لفظة ((مُعضِل)) بكسرِ الضادِ؛ وذلكَ لأنَّهُ يوجدُ في كلامِهم أحياناً وصفُ الحديثِ الذي لم يسقطْ من إسنادهِ شيءٌ بأنَّهُ مُعضِلٌ، فهذا إنما يريدونَ بهِ أنَّهُ مُشكِلٌ، فهوَ مكسورُ الضادِ (١).
قلتُ: قولهُ: (وهو اصطلاحٌ مشكلٌ من حيثُ اللغةُ) (٢)، أي: لأنَّ مَفْعَلاً -بفتحِ العينِ - لا يكونُ إلا من ثلاثيٍّ لازمٍ عُدِّيَ بزيادةِ الهمزةِ، وهذا لازمٌ معَ الزيادةِ. وأجابَ: بأنَّهُ وجدَ لهُ قولهم: ((أمرٌ عضيلٌ))، أي: مستغلقٌ شديدٌ.
قلتُ: يريدُ أنَّ من المقررِ: أنَّ ((فعيلاً)) مبالغةُ فاعلٍ لا يكونُ من رباعي، وإنما يكون من ثلاثي، وهوَ هنا لازمٌ لتفسيرهم لهُ بمستغلقٍ شديدٍ، فيكونُ مثل جليسٍ وكريمٍ، من جلسَ وكَرُمَ، فيقالُ: عضل الأمرُ إذا اشتدَ، كما يقالُ: أعضل، فإذا ثبتَ أنَّه من ثلاثيٍّ لازمٍ عُدِّيَ بالهمزةِ، فقيلَ: أعضلهُ، كما يقالُ: أكرمهُ، وأجلسهُ، والمعضلُ في الاصطلاحِ من هذا؛ لأنهم أعضلوه، فيصيرُ كما قالوا: ظلم الليلُ وأظلمَ هوَ، وأظلمهُ اللهُ. هذا ما كانَ ظهرَ لي، ثم وجدتُ ما يؤيدُ أنَّهُ مرادهُ، قالَ
стр. 391
الشيخُ في " النكتِ " (١): ((إنَّ المصنِّفَ أملى حينَ / ١٢٦ أ / قراءة الكتابِ عليهِ أنَّ فعيلاً يدلُّ على الثلاثي)). قالَ: ((فعلى هذا يكونُ لنا عَضَلَ قاصراً، وأعضلَ متعدياً وقاصراً، كما قالوا: ظَلَمَ الليلُ، وأظلمَ الليل، وأظلمَ اللهُ الليلَ)). انتهى.
قال الشيخُ: ((وقد اعترضَ عليهِ (٢) بأنَّ ((فعيلاً)) لا يكونُ من الثلاثي القاصرِ.
والجوابُ: أنَّه إنما لا يكونُ من الثلاثي القاصرِ إذا كانَ ((فعيلٌ)) بمعنى ((مفعول)) فأما إذا كانَ بمعنى ((فاعلٍ)) فيجيءُ منَ الثلاثي القاصرِ، كقولكَ: حريصٌ من حَرَصَ، وإنما أرادَ المصنِّفُ بقولهم: ((عضيلٌ)) أنَّهُ بمعنى فاعل، من عَضَلَ الأمرُ فهوَ عاضِلٌ وعضيل، واللهُ أعلمُ.
وقرأتُ بخطِّ الحافظِ شرفِ الدينِ الحسنِ بن عليٍّ الصيرفي على نسخةٍ من كتابِ ابنِ الصلاحِ في هذا الموضعِ: دلنا قولهم: ((عضيل)) على أنَّ في ماضيه عضل، فيكونُ أعضلهُ منهُ، لا من أعضلَ هوَ، وقد جاءَ: ظلمَ الليلُ، وأظلمَ، وأظلمهُ اللهُ، وغطشَ، وأغطشَ، وأغطشهُ اللهُ)) (٣). انتهى.
وغطشَ - بمعجمةٍ، ثمَّ مهملةٍ، ثم معجمةٍ - أي: أظلمَ.
قوله: (ولا التفات في ذلكَ إلى معضِلٍ - بكسرِ الضادِ -) (٤)، أي: التفاتاً يشكل على ما مضى من إثباتِ كونهِ متعدياً، وإنْ كانَ مثلَ ((عضيلٍ)) في المعنى - أي: في اللزومِ - من جهةِ أنَّ معناهُ مستغلقٌ شديدٌ، ليوجبَ ذلكَ أنَّه غيرُ مُتعدٍ معَ
стр. 392
وجودِ الهمزةِ، فحينئذٍ لا يكونُ للهمزةِ (١) أثرٌ في التعديةِ؛ فلا يصحُ معضَلٌ -بالفتحِ -؛ لأنَّهُ لا يكونُ إلا من متعدٍ، لا التفاتَ إلى ذلكَ؛ لأنَّهُ ليسَ بأولِ فَعلٍ استُعمِلَ لازماً ومتعدياً، نحوَ: أَسلَمَ الرجلُ، فهوَ مسلمٌ، وأسلمتهُ أنا / ١٢٦ ب / إلى كذا، وآمنَ فهوَ مؤمنٌ، وآمنتهُ أنا من فلانٍ، واللهُ أعلمُ.
هذا توجيهُ كلامهِ، على أني وجدتُ النصَّ في كلامِ أهلِ اللغةِ على أنَّ أعضلَ متعدٍ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِ في كتابهِ " الواعي ": ((العضلُ الداهيةُ التي أعضلت، أي: غلبت)). وقالَ: ((أعضلَ الأمر إذا اشتدَ، وداءٌ عضالٌ، أي: شديدٌ أعيا الأطباء وأعضلهم فلم يقوموا بهِ)).
وقالَ صاحبُ " القاموسِ " (٢): ((عضَّلَ عليهِ: ضيَّقَ، وبهِ (٣) الأمرُ اشتدَّ، كأعضل وأعضلهُ، وتعضلَ الداءُ الأطباءَ، وأعضلهم، وداءٌ عُضالٌ، كغُرابٍ: مُعْيٍ غالِبٌ)). انتهى.
والمادةُ تدورُ على الاشتدادِ، من عضلةِ الساقِ، وهي اللحمةُ التي في باطنهِ. ونقلَ عبدُ الحقِّ، عن قاسمٍ: أنها كلُ لحمٍ اجتمعَ، قالَ: وقالَ الخليلُ: كلُ لحمةٍ اشتملت على عصبةٍ. انتهى.
وتارةً يكونُ الاشتدادُ ناظراً إلى المنعِ، وتارةً إلى الضيقِ والغلبةِ؛ فالمعنى إذن: أنَّ الذي أَسقطَ من الحديثِ راويينِ متواليينِ شدَّد في المنعِ من فهمِ الساقطِ؛ فإنَّهُ إذا كانَ الساقطُ واحداً أمكنَ أن يعرفَ من تلميذهِ وشيخهِ، فإذا زادَ السقطُ واحداً يليهِ زاد الإشكالُ، فهو إذن معضلٌ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (ومثلَ أبو نصرٍ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ قبل ذلكَ: ((ومثالُه: ما يرويهِ
стр. 393
تابعيُّ التابعيِّ قائلاً فيهِ: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، وكذلكَ ما يرويهِ مَن دونَ تابعيِّ التابعيِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أو عن أبي بكرٍ وعمرَ وغيرِهما، غيرَ ذاكرٍ للوسائطِ بينهُ وبينهم)) (١) / ١٢٧أ /.
قوله: (يقولُ مالكٌ بلغني عن أبي هريرةَ (٢) ﵁) (٣)، أي: فإنَّهُ وردَ في بعضِ طرقهِ خارجَ "الموطأ": مالكٌ، عن محمدِ بنِ عجلانَ، عن أبيهِ، عن
стр. 394
أبي هريرةَ؛ فتبينَ أنَّ الساقطَ اثنانِ متواليانِ، وهذا يؤيدُ ما أسلفنا في الإسنادِ الذي فيهِ راوٍ مبهمٌ مثل ((رجل))، من أنَّهُ لا يُسمَّى متصلاً فيهِ مبهمٌ إلا إذا صرَّحَ ذلكَ المبهمُ بالتحديثِ ممن فوقهُ؛ لأنَّ مالكاً أخذَ عن أصحابِ أبي هريرةَ.
وقولهُ هنا: (بلغني) (١) يعني: من مُبَلِّغ، فهو مبهمٌ، فلو لم يشترطِ التحديثَ لقلنا متصلٌ، فإنَّهُ كثيراً ما يكونُ بينهُ وبينَ أبي هريرةَ واحدٌ فقط، وقد تبيّنَ بخلافِ ذلكَ، وأنَّ بينهما اثنينِ، وبهذا يندفعُ ما استُشكِلَ بهِ قولُ أبي نصرٍ من أنَّه يجوزُ أنْ يكونَ الساقطُ بينَ مالكٍ وبينَ أبي هريرةَ واحداً؛ لسماعِ مالكٍ من سعيدٍ المقبري، ونعيمِ المجمرِ، ومحمدِ بنِ المنكدرِ، وغيرِهم من أصحابِ أبي هريرةَ، واللهُ الموفقُ.
قوله: (من قبيلِ المعضلِ) (٢) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((لما تقدمَ)) (٣)، أي: من سقوطِ اثنينِ فصاعداً من إسنادهِ. انتهى.
وهو من قبيلِ المعلقِ أيضاً، ولا يختصُّ بقولهم: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، بل لو قالَ أحدُهم: قالَ الشافعيُّ، أو مالكٌ مثلاً لكانَ الحكمُ كذلكَ.
قال ابنُ الصلاحِ: ((وسماهُ الخطيبُ أبو بكرٍ الحافظُ في بعضِ كلامهِ مرسلاً، وذلكَ على مذهبِ مَن يُسمِّي كلَّ ما لا يتصلُ إسنادهُ مرسلاً كما سبقَ)) (٤).
قوله: (ومنه قسمٌ ثانٍ) (٥) هذا له شرطانِ:
أحدهما: أنْ يجيءَ مسنداً من طريقِ ذلكَ الذي وُقِفَ عليهِ. (٦)
стр. 395
/ ١٢٧ ب / والثاني: أنْ يكونَ مما تجوزُ نسبتُه إلى غيرِ النبيِّ ﷺ ، مثلُ أنْ يكونَ للرأي فيهِ مجالٌ، أو يكونَ مما يمكنُ أخذهُ عنِ الكتابيينِ. فإنْ لم يأتِ مسنداً من طريقِ ذلكَ الرجلِ من وجهٍ من الوجوهِ؛ فإنَّه لا يكونُ معضلاً؛ لأنَّهُ يحتمل أنْ يكونَ قالهُ من عندِ نفسهِ، فلم يتحققْ أنَّهُ سقطَ منهُ اثنانِ، ففاتَ شرطُ التسميةِ، وإنْ كانَ مما لا تجوزُ نسبتهُ إلى غيرِ النبيِّ ﷺ كأنْ يقولَ التابعيُّ: ((أُسرِيَ بي، ورأيتُ (١) ربي)) ونحو ذلكَ مما يعلمُ أنَّهُ عنِ النبيِّ ﷺ ؛ فهوَ مرفوعٌ حكماً، وهو معضلٌ بالنظرِ إلى صورتهِ الظاهرةِ في سقوطِ اثنينِ منهُ، ومرسلٌ نظراً إلى أنَّ النبيَّ ﷺ مذكورٌ فيهِ حكماً، وإنْ لم يصرحِ بهِ.
قولهُ: (باستحقاقِ اسمِ الإعضالِ أولى) (٢)، أي: من اسمِ القطعِ والإرسالِ نظراً إلى الصورةِ.
الْعَنْعَنَةُ (٣)
قولهُ:
١٣٦ - وَصَحَّحُوا وَصْلَ مُعَنْعَنٍ سَلِمْ ... مِنْ دُلْسَةٍ رَاويْهِ، واللِّقَا عُلِمْ
١٣٧ - وَبَعْضُهُمْ حَكَى بِذَا إجمَاعَا ... و (مُسْلِمٌ) لَمْ يَشْرِطِ اجتِمَاعَا
١٣٨ - لكِنْ تَعَاصُراً، وَقِيلَ: يُشْتَرَطْ ... طُوْلُ صَحَابَةٍ، وَبَعْضُهُمْ شَرَطْ
١٣٩ - مَعْرِفَةَ الرَّاوِي بِالاخْذِ عَنْهُ، ... وَقيْلَ: كُلُّ مَا أَتَانَا مِنْهُ
١٤٠ - مُنْقَطِعٌ، حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ، ... وَحُكْمُ (أَنَّ) حُكمُ (عَنْ) فَالجُلُّ
стр. 396
١٤١ - سَوَّوْا، وَللقَطْعِ نَحَا (البَرْدِيْجِيْ) ... حَتَّى يَبِينَ الوَصْلُ في التَّخْرِيجِ
قالَ شيخُنا: ((مَن حَكَمَ بالانقطاعِ دائماً شددَ (١)، ويليهِ مَن شرطَ طولَ الصحبةِ (٢)، ومنِ اكتفى بالمعاصرةِ سهَّلَ (٣)، والمذهبُ الوسطُ الذي ما بعدهُ إلا التعنتُ مذهبُ علي بنِ المديني والبخاري من أنَّهُ يشترطُ اللقاء فقط (٤).
وما أوردهُ مسلمٌ عليهم من أنَّهُ يلزمهم ردُّ المعنعنِ دائماً لاحتمالِ عدمِ السماعِ ليسَ بواردٍ؛ لأنَّ المسألةَ مفروضةٌ في غيرِ المدلسِ، ومتى فرضَ أنَّهُ لم يسمع ما عنعنهُ كانَ مدلساً، فتنتفي المسألةُ من أصلها)).
وقوله: (معرفةُ الراوي بالأخذِ عنهُ) (٥) لا يطابقُ قوله / ١٢٨ أ / في الشرحِ: ((أنْ يكونَ معروفاً بالروايةِ عنهُ)) فإنَّ الأخذَ أخصُّ منَ الروايةِ، فالأخذُ عنِ الشخصِ التلقي منهُ بلا واسطةٍ، والروايةُ عنه النقلُ عنهُ، سواءٌ كانَ بواسطةٍ أم لا؛ فالعبارةُ المساويةُ لما في الشرحِ أنْ يقالَ (٦): معرفةُ الراوي بنقلٍ عنهُ.
стр. 397
قوله: (وللقطعِ نحا البرديجي) (١)، أي: وللقطعِ في الخبرِ الذي رواهُ الراوي بـ ((أنَّ)) ونحوها منَ الصيغِ المشبهةِ بـ ((عن)) في كونها تحتملُ عدمَ السماعِ مطلقاً، أي: سواءٌ كانَ قائلُها مدلساً أو لا، لقيَ مَن رَوَى بها عنه أم لا.
قوله: (من أئمةِ الحديثِ وغيرهم) (٢) قال ابنُ الصلاحِ عقبهُ: ((وأودعهُ المشترطونَ للصحيحِ في تصانيفهم فيهِ وقبلوهُ)) (٣).
قوله: (بشرطِ سلامةِ الراوي الذي رواهُ بالعنعنةِ منَ التدليسِ) (٤)، أي: فإنْ كانَ مدلساً لم تقبلْ عنعنتُهُ حتى يتبيَّنَ سماعُه لذلكَ الحديثِ ممن عنعنهُ عنهُ، قالَ الشافعي في بابِ تثبيتِ خبرِ الواحدِ: ((وأقبلُ في الحديثِ حدثني فلانٌ، عن فلانٍ إذا لم يكن مدلساً، ولا أقبلُ في الشهادةِ إلا سمعتُ، أو رأيتُ، أو أشهدني)) (٥).
قالَ الإمامُ أبو بكرٍ الصيرفي في شرحهِ (٦): ((لأنَّ فلاناً، عن فلانٍ إذا لقيهُ فهوَ على السماعِ حتى يُعرفَ خلافهُ، وليسَ الناسُ على أنَّ عليهم ديوناً حتى يُعلمَ خلافه، فالشهادةُ تختصُ بأنْ يحتاطَ فيها من هذا الوجهِ)). وقالَ الشافعيُّ: ((فقالَ - يعني: شخصاً ناظرهُ (٧) - فما بالكَ قبلتَ مَن لم تعرفهُ بالتدليسِ أنْ يقولَ: عن، ويمكنُ (٨)
стр. 398
فيهِ أنْ يكونَ لم يسمعهُ؟ فقلتُ لهُ: المسلمونَ / ١٢٨ ب / العدولُ عدولٌ أصحاءُ الأمرِ في أنفسهم)) (١).
وقالَ الصيرفي: ((المعنى: أني إذا عرفتُ العدلَ فهو على العدالةِ حتى أعلمَ الجرحَ، وكذلكَ إذا علمتُ السماعَ فهوَ على السماعِ حتى أعلمَ التدليسَ؛ فإذا علمته وقفته، وما لم نجدْ لهُ فهوَ موقوفٌ على الاختبارِ (٢))).
قولهُ: (وبشرطِ ثبوتِ ملاقاتهِ) (٣)، أي: فإنْ لم تثبتْ ملاقاتهُ لمن عنعنَ عنهُ وقفَ الحديث حتى يثبتَ اللقيُّ، فقد عنعنَ أناسٌ عن من لم يلقوه، مثل حديثِ: ((كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يستفتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ، والقراءة بالحمد للهِ ربِ العالمينَ، وكانَ إذا ركعَ لم يشخص رأسهُ ولم يصوبهُ، ولكن بينَ ذلكَ، وكانَ إذا رفعَ رأسهُ من الركوعِ لم يسجدْ حتى يستويَ قائماً، وكانَ إذا رفعَ رأسهُ منَ السجدةِ لم يسجدْ حتى يستويَ جالساً، وكانَ يقولُ في كلِّ ركعتينِ التحيةَ، وكانَ يفرشُ رجله اليسرى، وينصبُ رجله اليمنى، وكانَ ينهى عن عقبة --وفي روايةٍ: عقب - الشيطانِ، وينهى أنْ يفترشَ الرجلُ ذراعيهِ افتراشَ السبعِ، وكانَ يختمُ الصلاةَ بالتسليمِ)).
أوردهُ صاحبُ "العمدةِ" (٤) فيها ظاناً أنَّهُ مما اتفقَ عليهِ الشيخانِ، وإنما رواهُ مسلمٌ (٥) فقط، عن أبي الجوزاءِ أوسِ بنِ عبدِ اللهِ الربعي، عن عائشةَ ﵂، ولم يلقَها.
قالَ شيخُنا في " تهذيبِ التهذيبِ" (٦) عنِ ابنِ عديٍ: ((وأبو الجوزاءِ رَوَى عن
стр. 399
الصحابةِ، وأرجو أنَّه لا بأسَ بهِ، ولا تصحُّ روايته عنهم أنَّهُ قد سمعَ منهم، وقولُ البخاري: ((في إسنادهِ نظرٌ)) يعني: أنهُ لم يسمع من مثلِ ابنِ مسعودٍ، وعائشةَ وغيرِهما، لا أنَّه / ١٢٩ أ / ضعيفٌ عندهُ)).
قالَ شيخُنا (١): ((وذكرَ ابنُ عبدِ البرِ في "التمهيدِ" أيضاً أنَّهُ لم يسمعْ منها (٢). وقالَ جعفرُ الفريابي في " كتابِ الصلاةِ ": حدثنا مزاحمُ بنُ سعيدٍ (٣)، حدثنا ابنُ المباركِ، حدثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ، حدثنا بديلُ العقيليُّ، عن أبي الجوزاءِ، قالَ: أرسلتُ رسولاً إلى عائشةَ ﵂ يسألها ... فذكرَ الحديثَ - يعني: ((كانَ يستفتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ ... )) إلى آخرهِ - (٤) فهذا ظاهرهُ أنَّه لم يشافهها، لكنْ لا مانعَ من جوازِ كونهِ توجهَ (٥) بعدَ ذلكَ، فشافهها على مذهبِ مسلمٍ في إمكانِ اللقاءِ، واللهُ أعلمُ)) (٦).
قولهُ: (فقدِ ادعاهُ) (٧) فيهِ نظرٌ، فإنَّ ابن عبدِ البرِ لم يصرّحْ بذلكَ، إنما ادّعى الإجماعَ على قبولهِ كما في " التمهيدِ " (٨)، لكن يلزمُ من ذلكَ أنْ يكونَ متصلاً، وعبارته - كما نقلها (٩) الشيخُ في "النكتِ" (١٠) -: ((اعلمْ وفقكَ اللهُ، أني تأملتُ
стр. 400
أقاويلَ أئمةِ الحديثِ، ونظرتُ في كتبِ مَنِ اشترطَ الصحيحَ في النقلِ منهم، ومن لم يشترطهُ، فوجدتهم أجمعوا على قبولِ الإسنادِ المعنعنِ، لا خلافَ بينهم في ذلكَ إذا جمعَ شروطاً ثلاثةً، وهي: عدالةُ المحدثينَ، ولقاءُ بعضهم بعضاً مجالسةً ومشاهدةً، وأنْ يكونوا بُرَآءً من التدليسِ - ثم قالَ -: وهو قولُ مالكٍ، وعامةِ أهلِ العلمِ)). انتهى.
لكنْ نقل عن شيخِنا الحافظِ (١) برهانِ الدينِ الحلبي أنَّ ابنَ عبدِ البرِّ قال في مقدمةِ " التمهيدِ " (٢): ((لا خلافَ في ذلكَ)) - أي: في كونهِ متصلاً - بين أئمةِ الحديثِ.
قوله: (وادعى أبو عمرٍو الداني ... ) (٣) إلى آخره، يُنظرُ كلامُ أبي عمرٍو في كتابه في " القراءاتِ "، هل الشرطُ داخلٌ في الإجماعِ، أو هوَ قَيَّدَ الإجماع من عنده؟
قوله - مستدركاً على أبي عمرٍو -: (لكنْ قد يظهر عدمُ / ١٢٩ ب / اتصاله) (٤)، أي: لا يلزمُ من كونهِ معروفاً بالروايةِ عنهُ أنْ يكونَ متصلاً؛ فإنَّ الشخصَ قد يُكثِرُ النقلَ عن شخصٍ، فيُعرفُ بالروايةِ عنهُ، ولا يكونُ اجتمعَ بهِ أصلاً، أو يكونُ اجتمعَ بهِ، ولم يسمعْ منهُ شيئاً.
قلتُ: والمسألةُ مفروضةٌ فيمن ثبتَ لقاؤهُ، وهو معَ ذلكَ غيرُ مدلسٍ، فمن رَوَى عمن لم يجتمعْ بهِ فقَدْ فَقَدَ الشرطَ الأولَ، فلم يردْ عليهِ الشقُّ الأولُ منَ الاعتراضِ، ومَن رَوَى عن مَن اجتمعَ بهِ، ولم يسمعْ منهُ شيئاً بلفظِ ((عن)) ونحوها كان مدلساً، ففاتهُ الشرطُ الثاني؛ فسلمَ منَ الشقِ الثاني، وليسَ طولُ الصحبةِ شرطاً
стр. 401
لمعرفةِ الراوي بالأخذِ عن الشخصِ، فقد يلقاهُ بعضَ يومٍ ويحملُ عنهُ أحاديثَ، ثم ينشرُها، فيشيعُ أنَّهُ يرويها عنهُ، فيقبلُ الرواةُ إليهِ، ويشتهرُ ذلكَ، وإنما كانَ اجتماعهُ بهِ بعضَ يومٍ، واللهُ أعلمُ.
قولهُ: (والبخاريُّ وغيرهما) (١) منهم: أبو بكرٍ الصيرفي الشافعي، والمحققونَ. قالهُ النوويُّ (٢) فيما نقل عنهُ (٣).
قولهُ: (لم يسبقْ قائله إليهِ) (٤) قال ابنُ كثيرٍ - فيما نقل عنهُ -: ((قيلَ: إنَّهُ يريدُ البخاريَّ، والظاهرُ أنَّهُ يريدُ عليَّ بنَ المديني، فإنَّهُ يشترطُ ذلكَ في أصلِ صحةِ الحديثِ، وأما البخاريُّ فإنَّهُ لا يشترطهُ في أصل الصحةِ، ولكن التزمَ ذلكَ في كتابهِ " الصحيحِ")) (٥).
قولهُ: (أو تشافها) (٦) وقد التزمَ مسلمٌ منِ اشترطَ اللقاء؛ لاحتمالِ الإرسالِ أنْ يردَ المعنعنَ دائماً، فقالَ: ((فإنْ كانتِ العلةُ في تضعيفِكَ الخبرَ / ١٣٠ أ / وتركِكَ الاحتجاجَ بهِ إمكانُ الإرسالِ فيهِ، لزمكَ أنْ لا تثبتَ إسناداً معنعناً حتى ترى فيهِ
стр. 402
السماعَ من أولهِ إلى آخرهِ)). (١) انتهى. وهذا ليسَ بلازمٍ؛ لأنَّ المُعَنْعِنَ لو كانَ بينهُ وبينَ مَن رَوَى عنهُ بعن واسطةٌ كانَ مدلساً، والمسألةُ مفروضةٌ في غيرِ المدلسِ، كما قالَ شيخنا في " شرحهِ لنخبتهِ " (٢).
وقال ابنُ الصلاحِ في تفريعاتِ هذا الباب: ((الثالث: قد ذكرنا ما حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ من تعميمِ الحكمِ بالاتصالِ فيما يذكرهُ الراوي عن مَن لقيهُ بأي لفظٍ كانَ، وهكذا أطلقَ أبو بكرٍ الشافعي الصيرفي (٣) ذلِكَ فقالَ: ((كلُّ مَن عُلمَ له سماعٌ من إنسانٍ فحدّثَ عنهُ، فهوَ على السماعِ حتى يعلمَ أَنَّهُ لم يسمع منهُ ما
حكاهُ، وكل مَن عُلمَ له لقاءُ إنسانٍ فحدّثَ عنهُ، فحكمهُ هذا الحكم)) (٤)، وإنما قالَ هذا فيمن لم يظهرْ تدليسُه.
ومن الحجةِ في ذلِكَ وفي سائرِ البابِ أَنَّهُ لو لم يكن قد سمعهُ منهُ لكانَ بإطلاقهِ الروايةَ عنهُ من غيرِ ذكرِ الواسطةِ بينهُ وبينهُ مدلساً، والظاهرُ السلامةُ من وصمةِ التدليسِ، والكلامُ فيمن لم يُعرفْ بالتدليسِ.
ومن أمثلةِ ذلِكَ، قوله: قالَ فلانٌ كذا وكذا، مثلُ أنْ يقولَ نافعٌ: قالَ ابنُ عمرَ. وكذلكَ لو قالَ عنهُ: ذكرَ، أو فعلَ، أو حدّثَ، أو كانَ يقولُ كذا وكذا، وما جانسَ ذلِكَ، فكلُ ذلِكَ محمولٌ ظاهراً على الاتصالِ، وأنَّه تلقى ذلِكَ منهُ من غيرِ واسطةٍ بينهما، مهما ثبتَ لقاؤهُ له على الجملةِ)) (٥).
стр. 403
قوله: (وفيما قالهُ مسلمٌ نظرٌ) (١)، أي: لأنهم كثيراً / ١٣٠ ب / ما يرسلونَ عن من عاصروهُ، ولم يلقوهُ.
قولهُ: (قالَ: وهذا الحكمُ) (٢)، أي: المسألةُ من أصلها وهي العنعنةُ، أي: لأنَّ المتأخرينَ ليسَ لهم اعتناءٌ بأمرِ الروايةِ في الكتبِ العلميةِ، إنما جلُّ مقصودِهم إبداءُ الفوائدِ من غيرِ نظرٍ إلى إسنادٍ.
قوله: (أبو الحسنِ القابسي) (٣) قيلَ: وهو حسنٌ لو رتبَ (٤) هذهِ الأمورَ المزيدةَ كما فعلَ النوويُّ كانَ أحسنَ، فإنَّهُ قالَ (٥) - بعدَ ذكر مذهبِ البخاريِّ وغيرهِ -: ((وقد زادَ جماعةٌ من المتأخرينَ على هذا، فاشترطَ أبو الحسنِ
القابسيُّ ... فذكرهُ، وزادَ أبو المظفرِ السمعاني فاشترطَ طولَ الصحبةِ بينهما، وزادَ أبو عمرٍو الداني ... )) (٦) إلى آخرهِ.
قوله: (إدراكاً بيناً) (٧)، أي: إدراكاً يمكنهُ فيهِ لقاؤه والسماعُ منهُ، وإلاّ فلا فائدةَ في كونهِ أدركهُ (٨) بالسن، ثم ماتَ المرويُّ عنهُ قبلَ تمييزهِ، وهذا
مرادُ مسلمٍ في اكتفائهِ بالمعاصرةِ، ولأجلِ هذا قالَ الشيخُ: ((وهذا داخلٌ فيما تقدّمَ)) (٩).
стр. 404
وكذا مرادُ مَنِ اشترطَ اللقاءَ أنْ يقترنَ باللقاءِ إمكانُ السماعِ، وإلاّ فلو وردَ في القصةِ التي ثبتَ بها اللقاءُ ما يدلُ على عدمِ السماعِ (١) لم يعتدَّ بذلكَ اللقاءِ، وإنما تركوا الاحترازَ عن ذلِكَ؛ لأنَّ المقامَ يدلُ عليهِ، والمتقدمونَ كانوا يكتفونَ في عباراتهم بالإشاراتِ والتلويحاتِ، وما يدلُّ عليهِ المقامُ، ونحو ذلِكَ، وعلى هذا مبنى كلامِ العربِ، وإنما جاءَ الاحترازُ في الألفاظِ، وشدةِ التَّقيُّدِ بها من حينِ ظهورِ المنطقِ في الملةِ الإسلاميةِ؛ لأنَّ مبناهُ على حقائقِ / ١٣١ أ / الأشياءِ، وذلكَ لأنَّ الذي اخترعهُ كانَ يونانياً، فإذا رأى كلاماً أمسكَ حروفه وبحثَ فيما تدلُّ عليهِ، من غيرِ اعتبارٍ لشيء زائدٍ على تلكَ الألفاظِ. هكذا قالَ شيخُنا، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ المناطقةَ تارةً يحملونَ الكلامَ على القوةِ، وتارةً على الفعلِ، وهذا تارةً يكونُ بالضرورةِ، وتارةً بالإمكانِ. إلى غيرِ ذلكَ مما هو مشهورٌ.
قالَ شيخُنا: ((ووجدتُ في بعض الأخبارِ ورودَ ((عن)) فيما لا يمكنُ أنْ يكونَ الراوي سمعهُ ممن رواهُ عنهُ، وإنْ كانَ لقيهُ وسمعَ منهُ الكثيرَ، أخرجَ (٢) عن أبي إسحاقَ عمرِو بنِ عبدِ اللهِ السبيعي، عن عبدِ اللهِ بنِ خبابِ بنِ الأرّت: أنَّهُ خرجَ عليهِ الحروريةُ فقتلوهُ حتى جرى دمه في النهرِ (٣). فهذا كما تراهُ لا يمكنُ أنْ يكونَ
стр. 405
أبو إسحاقَ سمعهُ منِ ابنِ خبابٍ، كما هو ظاهرُ العبارةِ؛ لأنَّهُ هو المقتولُ، فهذا لا يوصفُ بالتدليسِ، وإنْ كانَ أبو إسحاقَ مدلساً لظهورهِ، فهوَ غيرُ داخلٍ في تعريفِ التدليسِ، فإنَّهُ: أنْ يرويَ الشخصُ عن من لقيهُ شيئاً لم يسمعْهُ منهُ بصيغةٍ محتملةٍ)). واللهُ أعلمُ.
قوله: (من قبيلِ المرسلِ والمنقطعِ) (١)، أي: حتى لا يحتج بهِ، نقلَ عنِ النووي أنَّهُ قالَ: ((هذا المذهبُ مردودٌ بإجماعِ السلف)) (٢) (٣).
قولهُ: (لإجماعهم على أنَّ الإسنادَ المتصلَ بالصحابي .. ) (٤) إلى آخرهِ، قياسٌ لحالِ غيرِ الصحابي في إتيانهِ بـ ((أنَّ)) ونحوها على حالِ الصحابي معَ وجودِ الفارقِ، بوجودِ مانعٍ في الفرعِ، وهوَ احتمالُ / ١٣١ ب / كونِ من ليسَ بصحابيٍّ غير ثقةٍ، ووجود شرطٍ في الأصلِ، وهو ثبوتُ عدالةِ جميعِ الصحابةِ، وفقدهِ في الفرعِ، فإنما قبلوا منَ الصحابي مطلقاً، حتى بالصيغةِ المحتملة؛ لأنَّ أمرَهُ دائرٌ بينَ أنْ يكونَ سمعهُ منَ النبي ﷺ ، أو من صحابي آخر، والصحابةُ كلهم عدولٌ، فلا يضرُّ الجهلُ بالساقطِ منهم، واحتمالُ كونهِ سمعهُ من بعضِ التابعينَ بعيدٌ جداً، لا سيما إنْ كانَ في ذلكَ الخبرِ حكمٌ، والحكمُ دائرٌ على غلبةِ الظنِّ فلا يؤثرُ فيهِ هذا الاحتمالُ.
стр. 406
وأما غيرُ الصحابي وإنْ كانَ تابعياً فإنَّهُ يحتملُ احتمالاً قوياً أنْ يكونَ سمعَ معَنعِنهُ أو مُؤنئِنه من غيرِ صحابيٍّ، وأنْ يكونَ ذلكَ المسموعُ منهُ غيرَ ثقةٍ.
قوله:
١٤٢ - قَالَ: وَمِثْلَهُ رَأى (ابْنُ شَيْبَهْ) (١) ... كَذا لَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَهْ
١٤٣ - قُلتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أدْرَكَ مَا ... رَوَاهُ بالشَّرْطِ الَّذي تَقَدَّمَا
١٤٤ - يُحْكَمْ لَهُ بالوَصْلِ كَيفَمَا رَوَى ... بـ (قَالَ) أو (عَنْ) أو بـ (أنَّ) فَسَوَا
١٤٥ - وَمَا حَكَى عَنْ (أحمَدَ بنِ حَنْبَل) ... وَقَولِ (يَعْقُوبٍ) عَلَى ذا نَزِّلِ
قوله: (ومثلهُ) (٢)، أي: ومثلُ ما نحا إليهِ البرديجي.
قوله: (ووجدتُ مثل ما حكاه) (٣)، أي: ابنُ عبد البرِّ.
قولهُ: (الفحلُ) (٤) ابنُ الصلاحِ يصفُ هذا الرجلَ بأنَّه فحلٌ (٥)، إشارةً إلى أنَّهُ قد بلغَ الغايةَ من معرفةِ هذا الفنِّ، ويصفُ مسندَهُ بالفحولةِ أيضاً إشارة إلى أنَّهُ في غايةِ التحريرِ.
قوله: (عن محمدِ بنِ الحنفيةِ) (٦) نُسبتْ كذلكَ؛ لأنها من سبي بني حنيفةَ، واسمها خولةُ، قال شيخنا: ((وقد بشَّر النبي ﷺ علياً ﵁ بابنهِ محمدٍ منها، ففي جزء أحمدَ بنِ كاملٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى الحنفيةَ في بيتِ فاطمةَ ﵄ فقال لعليٍّ: ((إنَّكَ ستتزوجُ هذهِ، ويولدُ لكَ ولدٌ منها، فسمِّهِ محمداً)) (٧).
стр. 407
قوله: (فكانَ نقله لذلكَ مرسلاً) (١)، أي: من حيثُ / ١٣٢ أ / اللفظُ، وإلاّ فالتحريرُ: أنَّ ما أتى بمثلِ هذهِ الصيغةِ إنْ كانَ لم يأتِ إلا كذلكَ فهو مرسلٌ، وإنْ أتى موصولاً من طريقٍ أخرى بعن أو غيرِها منَ الصيغِ؛ فإنَّ الحكمَ للوصلِ، فيحكمُ على تلكَ الطريقِ المرسلةِ بأنها موصولةٌ نظراً إلى ما بانَ بتلكَ الطريقِ
الأخرى، وهنا قد وصلَ منَ الطريقِ الأولى؛ فيعقوبُ إنما حكمَ على ظاهرِ لفظِ الطريقِ الثانيةِ ليعلمَ منهُ ما شابههُ.
قوله: (فهوَ مرسل صحابي) (٢) من هذا ما ذكرهُ ابنُ الصلاحِ عقبَ قصةِ عمارٍ التي ذكرها ابنُ شيبةَ فقالَ: ((ثمَّ إنَّ الخطيبَ (٣) مثَّلَ هذهِ المسألةَ - أي: مسألةَ المؤنئنِ - بحديثِ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عن عمرَ: أنَّهُ سألَ النبيَّ ﷺ : ((أينامُ أحدنا وهوَ جنبٌ؟ ... )) الحديثَ (٤)، وفي روايةٍ أخرى: عَن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ: أنَّ عمرَ قالَ: ((يا رسولَ اللهِ ... )) الحديثَ (٥). ثُمَّ قالَ -يعني: الخطيبَ-: ((ظاهرُ الروايةِ الأولى يوجبُ (٦) أنْ تكونَ مِن مسندِ عمرَ، عنِ النبي ﷺ ، والثانيةُ ظاهرها يوجبُ أن تكونَ مِن مسندِ ابنِ عمرَ، عنِ النبي ﷺ (٧))).
стр. 408
قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ليسَ هذا المثالُ مماثلاً لما نحنُ بصددهِ؛ لأنَّ الاعتمادَ فيهِ في الحكم بالاتصالِ على مذهبِ الجمهورِ - أي: في التسويةِ بينَ ((أنْ)) و ((عن)) في أنَّ حكمهما الاتصالُ بشرطِ ثبوتِ اللقاءِ والسلامةِ منَ التدليسِ (١) - إنما هو على اللقاءِ والإدراكِ، وذلك في الحديثِ مشتركٌ مترددٌ؛ لتعلّقهِ بالنبي ﷺ ، وبعمرَ، وصحبةِ الراوي ابنَ عمرَ ﵄ لهما، فاقتضى / ١٣٢ ب / ذلِكَ من جهةِ كونهِ رواهُ عنِ النبي ﷺ ، ومن جهةٍ أخرى كونه رواهُ عن عمرَ، عنِ النبي ﷺ )) (٢). انتهى.
وهو يريدُ أَنَّهُ محكومٌ باتصالهِ على كلِّ حالٍ، فليسَ هو مثلُ قصةِ ابنِ الحنفيةِ؛ فإنَّ الروايةَ الثانيةَ محكومٌ بإرسالها، ولولا الروايةُ الأولى لم نعلم اتصالها. هذا ما
قالهُ، وفي فَرْقِهِ (٣) بينهما نظرٌ؛ فإنهما متساويانِ، لأنَّ روايةَ ابنِ عمرَ الثانيةَ محكومٌ بإرسالها من غيرِ شكٍّ، فهي مساويةٌ لروايةِ ابنِ الحنفيةِ الثانيةِ، وإنْ كانَ لروايةِ ابنِ عمرَ (٤) حكمُ الاتصالِ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ أدركَ سؤالَ أبيهِ فلا شكَّ في اتصالهِ، وإلا فهو مرسلُ صحابي، ولهُ حكمُ الاتصالِ، ويتضحُ الفرقُ بينَ الروايةِ الأولى والثانيةِ، وكذا بينَ ما يأتي نقلهُ عن أحمدَ، بأنْ يجعلَ موضعَ ((عن)) ((حدثني)) أو ((أخبرني)).
قولهُ: (فهو منقطعٌ) (٥)، أي: لم يتصل؛ لأنَّهُ حكى عن فعلِ الصحابي، أو قولهِ للنبي ﷺ شيئاً ما أدركهُ، ولا يقالُ: إنَّهُ مقطوعٌ؛ لأنَّ المقطوعَ ما قالهُ التابعيُّ من عندِ نفسهِ.
стр. 409
قوله: (كان متصلاً) (١) قالَ في " النكتِ " (٢): ((ولو لم يصرحْ بما يقتضي الاتصال إنْ سَلِمَ ذلِكَ التابعيُّ من وصمةِ التدليسِ)).
قولهُ: (وأسندها) (٣)، أي: أسندَ حكايتَها إلى الصحابي، قالَ في "النكتِ" (٤): ((بلفظِ ((عن)) أو بلفظِ ((أنَّ فلاناً قالَ)) أو بلفظِ ((قالَ: قالَ فلان)) فهي متصلةٌ أيضاً، كروايةِ ابنِ الحنفيةِ الأولى عن عمارٍ، بشرطِ السلامةِ من التدليسِ كما تقدّمَ)).
قولهُ / ١٣٣ أ /: (ولابدَّ منِ اعتبارِ السلامةِ من التدليسِ) (٥) هو معنى قوله: ((بالشرطِ الذي تقدما)).
قوله: (الحديثُ عندَ أبي داودَ مرسل) (٦)، أي: لفظاً، وهوَ متصلٌ حكماً؛ لأنَّهُ وردَ من طريقٍ أخرى: ((عبدُ الرحمانِ بنُ طرفةَ، عن جدهِ، أَنَّهُ قُطعَ أنفُهُ يومَ الكُلابِ)) وهو بضمِ الكافِ مخففاً: اسمُ موضعٍ كانتَ بهِ وقعةٌ من وقائعِهم. ورأيتُ عن شيخِنا البرهانِ: أَنَّهُ يومانِ من أيامِ العربِ المشهورةِ: الكلابُ الأولُ، والكلابُ (٧) الثاني، واليومانِ في موضعٍ واحدٍ. وقيلَ: هو اسمُ ماءٍ بينَ البصرةِ والكوفةِ على سبعةِ أيامٍ من اليمامةِ، وكانت بهِ (٨) وقعةٌ في الجاهليةِ (٩).
стр. 410
قوله: (كما في هذا الحديثِ) (١) قالَ في " النكتِ " (٢): ((وذكرَ - أي: ابنُ المواقِ (٣) - نحوَ ذلِكَ أيضاً في حديثِ أبي قيسٍ: ((أنَّ عمرَاً بنَ العاصِ كانَ على سريةٍ ... )) الحديث في التيممِ من عندِ أبي داودَ (٤) أيضاً، وكذلكَ فعلَ غيرهُ فهوَ أمرٌ واضحٌ، واللهُ أعلمُ)).
قولهُ: (لم يسند ذلِكَ إلى عائشةَ) (٥) هو واضحٌ في عدمِ الإسنادِ إليها.
((ولا أدركَ القصةَ)) أي: الراوي وهو عروةُ لم يدركْ زمنَ قولها ذلِكَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ شيخُنا: ((الذي أستحضرُه أنَّ الذي سُئِلَ عنه أحمدُ: عن عمرةَ، عن عائشةَ ﵂: ((أنها كانت ترجلُ رأسَ رسولِ الله ﷺ )) (٦) وفي
стр. 411
لفظٍ: عن عمرةَ أنَّ عائشةَ ﵂ (١): ((كانت ترجلُ)) فعمرةُ لم تدركْ زمنَ ترجيلها له صلى الله عليه / ١٣٣ ب / وسلمَ (٢)، فإنها تابعيةٌ، وهي بنتُ عبدِ الرحمان بنِ سعدِ بنِ زرارةَ، فهو مرسلٌ لفظاً؛ فإنْ (٣) كانتِ الطريقُ الأولى بينتْ وصله، ولا أستحضر قصةَ عروةَ، فاللهُ أعلمُ)).
قوله: (فأسندَ ذلِكَ إليها بالعنعنةِ) (٤) أي: لأنَّ التقديرَ: ((عن عائشةَ أنها قالتْ: يا (٥) رسولَ اللهِ)) ويوضحُ ذلِكَ أنْ تضعَ موضعَ ((عن)) ((حدثني)) فلو قلت في اللفظِ الأولِ: حدثني عروةُ أنَّ عائشةَ ﵂ قالت؛ لانتظمَ الكلامُ، وكانَ ظاهراً في أنَّ عروةَ أدركَ زمنَ قولها. ولو قلتَ: حدثني عروةُ، قالَ: حدثتني عائشةُ ﵂ أنّها قالتْ: يا رسولَ اللهِ، لم يكن معناهُ أَنَّهُ أدركَ زمنَ قولها، وإنما هو ظاهرٌ في أَنَّهُ أدركَ تحديثَها (٦) لهُ، وهو كذلكَ.
قولهُ (٧):
١٤٦ - وَكَثُرَ استِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ ... إجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَنْ
لما تقدّمَ الكلامُ على حكمِ اتصالِ الحديثِ وعدمهِ، إذا كانَ في سندهِ لفظةُ ((عن)) أرادَ أنْ ينبهَ على أنّا حيثُ حكمنا باتصالِ ما فيهِ ((عن)) في المتقدمينَ، فاتصاله بالسماعِ بخلافِ المتأخرينَ، فإنَّ اتصاله فيهم إنما هوَ بالإجازةِ.
стр. 412
قوله: (فَظُنّ بهِ أَنَّهُ رواهُ بالإجازةِ) (١) هو فعلُ أمرٍ، وإنما أمرَ بالظنِّ ولم يطلقِ الحكمَ؛ لأنَّ في زمنهِ لَم يكن تقررَ الاصطلاحُ أنَّ ذلكَ للإجازةِ، وإنما كانَ قَد فشا ذلِكَ الاستعمالُ فيهم، وأمّا في هَذا الزمانِ فمتى وجدنا محدثاً قالَ: حدثني فلانٌ - مثلاً - عَن فلانٍ، فإنا نتحققُ أنَّ ذلِكَ إجازةٌ؛ لأنَّ الاصطلاحَ تقرّرَ على ذلِكَ.
قالَ شيخُنا: ((وحكمُ ((أن)) في المتأخرينَ / ١٣٤ أ / أيضاً حكمُ ((عن)) إذا لم يُحكَ بها الإخبارُ، أو التحديثُ مسنداً إلى ضميرهِ، ونحو ذلِكَ، لكنْ استعمالهُم لها قليلٌ، فإذا قالَ المحدّثُ: أخبرني فلانٌ أنَّ فلاناً قالَ: حدثنا فلانٌ، ونحو ذلِكَ، كانَ المرادُ بـ ((أنَّ)) الإخبارَ الإجمالي، وهوَ للإجازةِ، فإنْ حُكِيَ بها الإخبارُ بأن يقولَ: حدثنا فلانٌ أن فلاناً أخبرهُ، فهوَ تصريحٌ بالسماعِ، وهذا كلُّه في المشارقةِ. وأما المغاربةُ فالأمرُ عندهم مشكلٌ جداً في ((عن)) و ((حدثنا))
و ((أخبرنا)) ونحوِها؛ فإنهم يستعملونَ كلاً من ذلِكَ في السماعِ والإجازةِ، فلا يُحملُ شيءٌ منهُ على السماعِ إلا إذا صرّحَ بأنْ يقولَ: ((قراءةً مني عليهِ))، أو
((حدثنا فلانٌ من لفظهِ))، أو نحوَ ذلِكَ)).
قوله: (وقَمَن بفتح الميمِ) (٢) أي: ليسلمَ من السنادِ، فإنه لو كسرَ الميمَ على اللغةِ الأخرى لكانَ من سنادِ التوجيهِ، وهوَ اختلافُ حركةِ ما قبلَ الروي المقيدِ، على أنَّ مثلَ هذا السنادِ كَثُرَ في أشعارِ العربِ كثرةً، حملت بعضَ علماءِ العروضِ، على منعِ كونهِ سناداً.
стр. 413
قولهُ:
تَعَارُضُ الْوَصْلِ وَالإِرْسَالِ، أَو الرَّفْعِ وَالوَقْفِ (١)
١٤٧ - وَاحْكُمْ لِوَصْلِ ثِقَةٍ في الأظْهَرِ ... وَقِيْلَ: بَلْ إرْسَالُهُ لِلأكْثَرِ
١٤٨ - وَنَسبَ الأوَّلَ لِلْنُّظَّارِ ... أنْ صَحَّحُوْهُ، وَقَضَى (البُخَارِيْ)
١٤٩ - بِوَصْلِ ((لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيْ)) ... مَعْ كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ كَالْجَبَلِ
١٥٠ - وَقِيْلَ الاكْثَرُ، وَقِيْلَ: الاحْفَظُ ... ثُمَّ فَمَا إرْسَالُ عَدْلٍ يَحْفَظُ
١٥١ - يَقْدَحُ فِي أَهْليَّةِ الوَاصِلِ، أوْ ... مُسْنَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَرَأَوْا
١٥٢ - أَنَّ الأصَحَّ: الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ ... مِنْ وَاحِدٍ في ذَا وَذَا، كَما حَكَوْا
كانَ الأليقُ ذكرَ هذا ضمنَ زياداتِ الثقاتِ؛ فإنهُ من جملتها؛ فإنَّ الوصلَ يستلزمُ الزيادةَ على الإرسالِ، لكنَّ الرفعَ قد لا يزيدُ على الوقفِ، مثلَ أنْ يرويَ مالكٌ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عن عمرَ حديثاً موقوفاً عليهِ، فيرويهِ غيرُ مالكٍ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ ﷺ / ١٣٤ب / فيرفعَهُ، ولا يذكرُ عمرَ ﵁، فهذا كما ترى ليسَ فيهِ زيادةٌ في العددِ على الموقوفِ، بل ربما يقضي للموقوفِ هنا ويقالُ: إنَّ مَن رفعَهُ مشى على الجادةِ، فالذي خالفها معهُ زيادةُ علمٍ، لكنَّ الأغلبَ الزيادةُ، فدمجها بمسألةِ ((زياداتِ الثقاتِ)) كانَ أنسبَ، ولم يحكِ هنا إلا أربعةَ أقوالٍ، ويمكنُ أنْ تُزَادَ من زياداتِ الثقاتِ، ثم إنَّ ابنَ الصلاحِ خلطَ هنا طريقةَ المحدّثينَ بطريقةِ الأصوليينَ، على أنَّ لحذاقِ (٢) المحدّثينَ في هذهِ المسألةِ نظراً آخرَ لم يحكهِ، وهوَ الذي لا ينبغي أنْ يُعدلَ عنهُ، وذلكَ أنهم لا يحكمونَ فيها بحكمٍ مطّردٍ، وإنما يدورونَ في ذلِكَ معَ القرائنِ؛ ولذلكَ حكمَ البخاريُّ بوصلِ حديثِ:
стр. 414
((لا نكاحَ إلابولي)) (١) لا لأنَّهُ زيادةُ ثقةٍ، ولا لأنَّ سفيانَ وشعبةَ اختلفَ عليهما، فروياهُ مرةً مرسلاً، ومرةً متصلاً، والطريقُ التي رُويَ منها مرسلاً إليهما ضعيفةٌ، بل لأنهما وإنْ كانا جبلينِ في الحفظِ فالذينَ (٢) وصلوهُ سبعةٌ، منهم: إسرائيلُ بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السبيعيُّ، عن جدهِ أبي إسحاق، فإذا جعلنا كلاً من شعبةَ وسفيانَ برجلينِ، أو بثلاثةٍ، كانَ الواصلونَ أكثرَ على كلِ حالٍ، وأيضاً فإنَّ يونسَ ابنَ أبي إسحاقَ سمعهُ مع (٣) أبيهِ، من أبي بردةَ، ورواهُ متصلاً، وإسرائيلُ أثبتُ منهما في حديثِ جدهِ؛ لكثرةِ ممارستهِ له، فهذا وجهٌ مرجحٌ، فإذا تأيَّدَ بروايةِ أبيهِ يونسَ، عن أبي بردةَ صارَ / ١٣٥ أ / بمنْزلةِ روايةِ شعبةَ وسفيانَ، فيتعارضانِ ويترجحُ الوصلُ بروايةِ الستةِ الباقينَ، وأيضاً فإن شعبةَ وسفيانَ، سمعاه في مجلسٍ واحدٍ، بدليلِ روايةِ أبي داودَ الطيالسيِّ في "مسندهِ" (٤)، قالَ: حدثنا شعبةُ، قالَ: سمعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ لأبي إسحاقَ السبيعيِّ: أحدَّثَكَ أبو بردةَ عنِ النبيِّ ﷺ ؟ ... فذكرَ الحديثَ. فرجعا كأنهما واحدٌ، فإنّ (٥) شعبةَ إنما رواهُ بالسماعِ على أبي إسحاقَ بقراءةِ سفيانَ، وحَكَمَ الترمذيُّ في "جامعهِ" (٦) بأنَّ روايةَ الذينَ وصلوهُ أصحُّ، قالَ: ((لأنَّ سماعَهم من أبي إسحاقَ في أوقاتٍ مختلفةٍ، وإنْ كانَ شعبةُ والثوريُّ أحفظَ وأثبتَ من جميعِ هؤلاءِ، الذينَ رووا عن أبي إسحاقَ هذا الحديثَ؛ لأنَّ شعبةَ والثوريَّ سمعا هذا الحديثَ من أبي إسحاقَ (٧) في مجلسٍ واحدٍ))، ثم استدلَّ بما تقدّمَ عنِ الطيالسي.
стр. 415
وأيضاً فسفيانُ لم يقلْ لأبي إسحاقَ: ولم يحدثك بهِ أبو بردةَ إلا مرسلاً، فهو حدثهُ بهِ عنِ النبيِّ ﷺ لكن بواسطةٍ، ولو أبرزَ له الواسطةَ لقالَ له (١): نعم، وهذا كما لو قلت لشيخٍ: أسمعتَ البخاريَّ على (٢) فلانٍ من روايةِ الفربري؟ فقالَ: نعم، فجاءَ آخرُ فقالَ للشيخِ: أسمعتَ البخاريَّ على فلانٍ (٣)، حدثنا فلانّ ... إلى أنْ يقولَ: حدثنا الفربري، حدثنا البخاري؟ فلا يكونُ بينَ الكلامينِ تعارضٌ، وكأنَّ سفيانَ قالَ لهُ: أسمعتَ الحديثَ من أبي بردةَ؟ فقصدهُ إنما هوَ السؤالُ عن سماعه الحديثَ، / ١٣٥ ب / لا عن كيفيةِ روايتهِ له، واللهُ أعلمُ (٤).
ويؤيدُ ما قالهُ شيخنا: ترجيحُ الدارقطني لإرسالِ حديثِ: ((كفى بالمرءِ إثماً (٥) أنْ يحدّثَ بكلِ ما سمعَ)) (٦)، فإنَّهُ اختلفَ فيهِ على شعبةَ: فرواهُ معاذُ بنُ معاذٍ، وابنُ مهديٍّ، وغندرُ، وحفصُ بنُ عمرَ النميري عنهُ، عن خبيبِ بنِ عبدِ الرحمان، عن حفصِ بنِ عاصمٍ، عنِ النبي ﷺ مرسلاً. ورواهُ عليُ بنُ حفصٍ، عن شعبةَ بهِ، فوصلهُ عن أبي هريرة ﵁، فصارَ المرسِلونَ أربعةً والواصلُ واحداً، فلذلك قالَ الدارقطني: ((الصوابُ المرسل عن شعبةَ)) انتهى.
فهذا ما عليهِ حذاقُ المحدّثينَ، وإنْ كانَ النوويُّ رجَّحَ الوصلَ (٧) عملاً بما عليهِ الفقهاءُ، والأصوليونَ، وبعضُ أهلِ الحديثِ.
стр. 416
قولهُ: (كما صححهُ الخطيب) (١)، قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وإنْ خالفهُ غيرهُ، سواءٌ كانَ المخالفُ لهُ واحداً أو جماعةً)) (٢).
قوله: (في الفقهِ وأصولهِ) (٣)، نُقلَ عن النوويِّ أَنَّهُ عزاهُ للمحققينَ أيضاً من أصحابِ الحديثِ (٤).
قوله: (الحكمُ لمن أرسلَ) (٥)، وكذا لمن وقفَ. قيلَ: إنَّ النوويَّ قالَ: إنَّ الخطيبَ حكاهُ أيضاً عن أكثرِ أصحابِ الحديثِ (٦).
قوله: (إنَّ الحكمَ للأكثرِ) (٧) عن "سؤالاتِ الحاكمِ لأبي الحسنِ الدارقطني" (٨): ((قلتُ (٩): فخلادُ بنُ يحيى؟ قالَ: خلادٌ ثقةٌ، إنما أخطأ في حديثٍ واحدٍ: حديثِ الثوري، عن إسماعيل، عن عمرِو بنِ حريثٍ، عن عمرَ فرفعهُ، وأوقفهُ الناسُ)) وفيها (١٠): ((قلتُ: فسعيدُ بنُ عبيدِ اللهِ (١١) الثقفي؟ قالَ: هذا ابنُ عبيدِ اللهِ بن جبيرِ بنِ حيةَ، وليسَ بالقوي، يحدّثُ / ١٣٦ أ / بأحاديثَ يسندها، ويقفها غيره)) انتهى.
стр. 417
قالَ بعضُ أصحابنا: فقد ضعفهُ بذلكَ. انتهى.
قلتُ: ولا يظنُّ أَنَّهُ إنما ضعفهُ؛ لأنَّ القاعدةَ أنَّ مَن لَم يوثقْ، وخالفَ الثقاتِ ضعفَ بذلكَ، فإنَّ سعيداً (١) هَذا قَد وثقهُ مِن قبل الدارقطني، فنقلَ شيخُنا في "تهذيبهِ" (٢): ((أنَّ أحمدَ، وابنَ معينٍ، وأبا زرعةَ قالوا: ثقة. قالَ: وقالَ النسائيُّ: ليسَ بهِ بأسٌ. ثمَّ ساقَ ما (٣) عَن الدارقطني، وقالَ: واستنكرَ البخاريُّ لَهُ حديثاً (٤) في "تاريخهِ" (٥))). فلم يبقَ إلا أنَّ الدارقطني قضى للأكثرِ.
قوله: (في مسندهِ وفي عدالتهِ وفي أهليتهِ) (٦) زيادةُ بيانٍ، وإلا فالقدحُ في العدالةِ مستلزمٌ للقدحِ في المسندِ، والأهليةُ هي العدالةُ، وإنما لم يقدح ذلِكَ فيهِ على الأصحِّ، لأنّا لم نردهُ إلا احتياطاً، معَ أَنَّهُ يمكنُ إمكاناً قوياً أن يكونَ الصوابُ معهُ، وأن يكونَ الأحفظُ وَهِمَ.
قولهُ: (لأنَّهُ علمَ ما خفي عليهِ) (٧)، قال (٨) عَقِبَهُ: ((ولهذا الفصلِ تعلّقٌ بفصلِ زيادةِ الثقةِ في الحديثِ، وسيأتي)) (٩).
قولهُ: (هكذا صححهُ ابنُ الصلاحِ) (١٠) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (١١): ((وما
стр. 418
صححهُ هو الذي رجحه أهلُ الحديثِ))، وعن تخريجهِ لأحاديثِ "الإحياءِ" أَنَّهُ قالَ بعدَ أن أوردَ حديثاً اختلفَ على راويهِ في رفعهِ ووقفهِ: ((فالصحيحُ (١) الذي عليهِ الجمهورُ أنَّ الراويَ إذا روى الحديثَ موقوفاً ومرفوعاً، فالحكمُ للرفعِ؛ لأنَّ معهُ في حالةِ الرفعِ زيادةً، وهذا هوَ المرجحُ عندَ أهلِ الحديثِ)) ثم ساقَ كلامَ الأصوليينَ. وهذا التفصيلُ عنهم قد يخالفُ ما تقدّمَ / ١٣٦ ب / من حكايتهِ عنهم أنَّ الحكمَ للوصلِ، إلا أنْ يفرقَ بينَ اختلافِ الرواةِ، واختلافِ الراوي الواحدِ.
قولهُ: (وأما الأصوليونَ فصححوا أنَّ الاعتبارَ بما وقعَ منهُ أكثر) (٢) ربما ناقضَ قبولَ الوصلِ، ولو كانَ مَن أرسلَ أكثرَ، وتبيّنا بذلكَ ملاحظتهم القرينة، فقويَ نظرُ المحدّثينَ في دورانِهم معها، واللهُ أعلمُ.
стр. 419
التدليس (١)
قولهُ:
١٥٣ - تَدلِيْسُ الاسْنَادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ ... حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ (أَنْ)
١٥٤ - وَقَالَ: يُوْهِمُ اتِّصَالاً، وَاخْتُلِفْ ... فِي أَهْلِهِ، فَالرَّدُّ مُطْلَقاً ثُقِفْ
١٥٥ - وَالأكْثَرُوْنَ قَبِلُوْا مَا صَرَّحَا ... ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
١٥٦ - وَفي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ كـ (الاعْمَشِ) ... وكـ (هُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّشِ
التدليسُ: مأخوذٌ منَ الدَّلَسِ - بالتحريكِ - وهو اختلاطُ الظلامِ الذي هو سببٌ لتغطيةِ (٢) الأشياءِ عن البصرِ (٣). قالَ أبو عبدِ الله القزازُفي "ديوانهِ": ((ومنهُ التدليسُ في البيعِ، يقالُ: دلسَ فلانٌ على فلانٍ، أي ستر عنهُ العيبَ الذي في متاعهِ، كأنهُ أظلمَ عليهِ الأمر، وأصلهُ
стр. 420
مما ذكرنا منَ الدلسِ)). انتهى.
وهو في الاصطلاحِ: راجعٌ إلى ذلِكَ من حيثُ إنَّ مَن أسقطَ منَ الإسنادِ شيئاً، فقدَ غطّى ذلِكَ الذي أسقطهُ، وزادَ في التغطيةِ في إتيانهِ بعبارةٍ موهمةٍ، وكذا تدليسُ الشيوخِ؛ فإنَّ الراويَ يغطي الوصفَ الذي يُعرفُ بهِ الشيخُ، أو يغطي الشيخَ بوصفهِ بغيرِ ما يشتهرُ بهِ.
قولهُ: (على ثلاثةِ أقسامٍ) (١) إنْ أرادَ أصلَ التدليسِ فليسَ إلا ما ذكرَ ابنُ الصلاحِ من كونهما اثنينِ: باعتبارِ إسقاطِ الراوي (٢)، أو ذكرهِ وتعميةِ وصفهِ (٣)، وإنْ أرادَ الأنواعَ فهي أكثرُ من ثلاثةٍ، لما يأتي من تدليسِ القطعِ، وتدليسِ العطفِ.
قولهُ: (يسقطُ اسمَ شيخهِ ويرتقي إلى شيخِ شيخهِ) (٤) يعني: بالنسبةِ إلى هذا / ١٣٧ أ / الحديثِ بعينهِ، وإلا فشرطُ هذا الذي سماهُ شيخَ شيخهِ أنْ يكونَ شيخهُ نفسهُ حتى يحصلَ الإيهامُ، وقد يكونُ شيخهُ في هذا الحديثِ تلميذه أو قرينهُ، فالأحسنُ في العبارةِ أنْ يقولَ: ((تدليسُ الإسنادِ: أنْ يسندَ عن من لقيهُ ما لم يسمعْ منهُ بلفظٍ موهمٍ)). وعبارةُ ابن الصلاحِ: ((وهوَ أنْ يرويَ عن مَن لقيهُ ما لم يسمعهُ منهُ موهماً أَنَّهُ سمعهُ منهُ، أو عن مَن عاصَرهُ (٥) ولم يلقهُ موهماً أَنَّهُ قد لقيهُ وسمعهُ منهُ، ثمَّ
стр. 421
قد يكونُ بينهما واحدٌ، وقد يكونُ أكثر)) (١) انتهى.
والأولُ حسنٌ، والثاني جعلهُ شيخُنا إرسالاً خفياً، ولم يجعلهُ تدليساً، فإنَّ أمرَهُ فيهِ ظهورٌ بالنسبةِ إلى التدليسِ، وقالَ الشيخُ في " النكتِ " (٢): ((وقد حدّهُ غيرُ واحدٍ من الحفّاظِ بما هوَ أخصُّ من هذا - وذكرَ تعريفَ ابنِ القطانِ والبزارِ، ثمَّ قالَ -: ويقابلُ هذا القولَ في تضييقِ حدِّ التدليسِ القولُ الآخرُ (٣) الذي حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ في " التمهيدِ " - فذكرهُ ثمَّ قالَ - وما ذكرهُ المصنفُ في حدِّ التدليسِ هوَ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ، وإنما ذكرتُ قولَ البزارِ وابنِ القطانِ - يعني: عليَّ بنَ محمدِ بنِ عبدِ الملكِ - لئلا يغتر بهما من وقفَ عليهما، فيظنُّ موافقةَ أهلِ هذا الشأنِ لذلكِ، واللهُ أعلمُ)).
قولهُ: (لا يقتضي الاتصالَ) (٤)، أي: صريحاً (٥)، أو قريباً منهُ (٦)، ويقتضيهِ في الجملةِ، ولولا أَنَّهُ يقتضيهِ ما أوهمَ.
وقولهُ: (أو قالَ فلانٌ) (٧) يقتضي أنَّ ((عن)) و ((أنْ)) و ((قالَ)) على حدٍّ سواءٍ
стр. 422
في هذا / ١٣٧ ب / البابِ، وليسَ كذلكَ، فقد قالَ الخطيبُ في " الكفايةِ " (١) نقلاً عن أهلِ الحديثِ: ((إنَّ ((قالَ)) لا تحملُ على السماعِ أصلاً، إلا إذا عُرفَ من عادةِ الراوي أَنَّهُ لا يستعملُها إلا في السماعِ، كحجاجِ بنِ محمدٍ المصيصي)).
قلتُ: وبهذا يُردُّ كلامُ ابنِ منده فيما نسبهُ إلى البخاريِّ من التدليسِ، وتأييدِ قاضي القضاةِ الحافظِ (٢) ولي الدينِ أبي زرعةَ أحمدَ ولد المصنفِ لكلامهِ حيثُ قالَ: ((مثالهُ: - أي: التدليس - قالَ البخاري في كتابِ الجنائزِ (٣) في بابِ ما جاءَ في قاتلِ النفسِ: وقالَ حجاجُ بنُ منهالٍ، حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبٌ في هذا المسجدِ فما نسيناهُ، وما نخافُ أنْ يكذبَ جندبٌ على النبي ﷺ قالَ: ((كانَ برجلٍ جراحٌ فقتلَ نفسَهُ ... )) الحديثَ، فحجاجٌ أحدُ شيوخهِ، سمعَ منهُ، وقد علقَ عنهُ هذا الحديثَ، ولم يسمعهُ منهُ، بدليلِ أَنَّهُ قالَ في بابِ ما ذكرَ عن بني إسرائيلَ (٤): حدثنا محمدٌ (٥)، حدثنا حجاجٌ، حدثنا جريرٌ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبٌ .. فذكرَ الحديثَ، وهذا هوَ التدليسُ. انتهى.
وقد تقدّمَ هذا في التعليقِ عن " النكت " للمصنفِ على ابنِ الصلاحِ، وإنما جعلنا ما نقلهُ الخطيبُ رادَّاً لهذا من حيثُ إنَّهُ إذا كانَ الشائعُ عندَ أهلِ هذا (٦) الفنِّ حملها على الانقطاعِ ممن ليست له عادةٌ مطرّدةٌ، فإطلاقها منهُ فيما لم يسمعهُ جارٍ على الاصطلاحِ، فأنّى يكونُ تدليساً، ولا سيّما في مَن لم يثبتْ عنهُ أَنَّهُ مدلسٌ.
стр. 423
قالَ شيخُنا: ((وأما قولهُ: ((قالَ لنا)) فحكمهُ الاتصالُ، لكنْ إنما يعدلُ / ١٣٨ أ / عن قولهِ: ((حدثنا)) ونحوهِ لنكتةٍ بديعةٍ، فتارةً يكونُ الحديثُ ظاهرهُ الوقفُ، وهو لم يضع كتابهُ إلا للحديثِ المسندِ، لكن يكونُ فيهِ شائبة الرفعِ إذا دققَ النظر)).
وقولهُ: (قد عاصرَ المرويَّ عنهُ) (١) فيهِ خلطٌ للمرسلِ الخفيِّ بالمدلسِ؛ فإنَّ المرسلَ الخفيَّ: هو أنْ يضيفَ الشخصُ إلى من عاصرهُ ولم يلقهُ حديثاً بلفظٍ موهمٍ للسماعِ (٢). فالصوابُ في العبارةِ أنْ يقالَ: وإنما يكونُ تدليساً إذا كانَ المدلسُ قد لقيَ المرويَّ عنهُ، فيخرجُ المعاصر الذي لم يلقَ، ويدخلُ من سمعَ غيرَ ذلِكَ الحديثِ الذي دلَّسهُ. وتعريفُ أبي الحسنِ القطانِ أقربُ إلى الصوابِ، وهل يعتذرُ عن قولهِ (٣): ((عن من قد سمعَ منهُ)) بأنَّهُ خارجٌ مخرجَ الغالبِ، والغالبُ أنَّ الاثنينِ إذا التقيا تحدّثا، حتى يدخلَ فيهِ مَن لَقيَ، وثبتَ أَنَّهُ لم يسمعْ، أو يجعلْ قيداً مخرجاً لهُ، فيلحقُ بالمرسلِ الخفيِّ؟ فيهِ نظرٌ.
وكانَ ينبغي لهُ أنْ يبدلَ قوله: ((من غيرِ أنْ يذكرَ أَنَّهُ سمعهُ منهُ)) فيقولَ: ((بلفظٍ موهمٍ)) فإنَّهُ أخصرُ. وعبارةُ الشافعي في " الرسالةِ " (٤) في باب تثبيتِ خبرِ الواحدِ: ((ولا تقومُ الحجةُ بخبرِ الخاصةِ حتى يجمعَ أموراً، منها: أنْ يكونَ - كذا إلى أنْ قالَ - بَرِيَّاً (٥) من أنْ يكونَ مدلساً، يُحدّثُ عن مَن لَقيَ ما لم يسمعْ منهُ)) وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الصيرفيُّ: ((إذا عُرفَ بالتدليسِ لم يُقبلْ فيهِ حتى يقولَ: ((حدثني)) أو ((سمعتُ)) وذلكَ أَنَّهُ قد كشفَ عن حالِ بعضِهم، فكانَ إذا أظهرَ
стр. 424
مَن سمعهُ كانَ غيرَ ثبتٍ، فيكونُ بينه / ١٣٨ب / وبينَ الثقةِ رجلٌ غيرَ ثقةٍ، وهذهِ النكتةُ في ردِّ المرسلِ؛ لأنَّ الواسطةَ بينَ الثقةِ والثقةِ قد يجوزُ أنْ يكونَ غيرَ ثقةٍ، فإنِ اعتلَّ معتلٌ بأصحابِ النبيِّ ﷺ ، وأنَّهُ يُحدّثُ بعضُهم عن بعضٍ، وما قالَ ابنُ عباسٍ: ((ما كلُّ شيءٍ نحدّثُكم سمعناهُ منَ النبي ﷺ ، ولكنْ يحدّثُ بعضُنا بعضاً)) (١). فإنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ كلَّهم ثقاتٌ لا يُردُّ خبرُ أحدٍ منهم، ولا يكشفُ أحدٌ منهم، ولا يمتحنُ، ثمَّ قالَ: وقالَ قائلٌ: إنَّ مَن حدّثَ بحديثٍ عن مَن لقيَ ما لم يسمعْ منهُ فليسَ بتدليسٍ، وهذا إرسالٌ، قيلَ له: الإرسالُ أنْ يقولَ الرجلُ: قالَ فلانٌ، ومعلومٌ أَنَّهُ لم يلقَ، كقولِ الحسنِ: قالَ النبيُّ ﷺ ، وكقولِ مالكٍ: قالَ سعيدُ بنُ المسيبِ، وإذا لَقِيَ الرجلُ الرجلَ وسمعَ منهُ، فإذا حَكَى عنهُ ما لم يسمعْ فإنما يدرجهُ بـ ((عن)) ليكونَ في الظاهرِ كأنَّهُ سمعهُ منهُ، ألا ترى أنَّ من عُرِفَ بذلكَ وُقِفَ في حديثهِ، فقيلَ له: سمعتَهُ من فلانٍ؟ فيقولُ: لا، أخبرنيهِ فلانٌ، فربما أحالَ على ثقةٍ، وربما أحالَ على غيرِ ثقةٍ، فهذا الضربُ سُمِّيَ تدليساً، والذي بهِ وقفنا المدلس هوَ الذي رددنا بهِ المرسلَ؛ لأنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ ممن يرغبُ عن الروايةِ (٢) عنهُ)).
قولهُ: (فجعلوا التدليسَ ... ) (٣) إلى آخره، هذا (٤) هوَ الذي سيأتي تسميته تدليسَ التسويةِ، ويؤيدهُ قوله: ((فما سلمَ منَ التدليسِ / ١٣٩ أ / أحدٌ لا مالكٌ ولا غيرهُ)) يعني: فإنَّ مالكاً مثلاً يريدُ أنْ يخرجَ من حديثِ ابنِ عباسٍ، ولم يقعْ له إلا من
стр. 425
طريقِ عكرمةَ، وهوَ عندهُ ضعيفٌ فيقولُ: أخبرنا ثورٌ، عنِ ابنِ عباسٍ، ويسقطُ عكرمةَ بينَ ثورٍ وابنِ عباسٍ، وثور لم يدركِ ابنَ عباسٍ.
ومرادُ ابنِ عبدِ البرِّ بهذا ردُّ قولِ مَن سمّاهُ تدليساً، والتشنيعُ عليهِ؛ فإنَّ الاتفاقَ واقعٌ على أنَّ مالكاً ليسَ مدلساً، فاقتضى أنَّ التسويةَ ليست تدليساً، ويؤيدُ ذلِكَ أنَّ ابنَ القطانِ أولُ من اخترعَ اسمَ التسويةِ، ولم يسمِّها تدليساً، ولا أدخلها في أنواعهِ، هكذا قالَ شيخُنا: إنَّ هذا (١) تدليسُ التسويةِ، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ قولهُ: ((يحدّثُ الرجلُ (٢) عنِ الرجلِ بما لم يسمعْهُ منهُ)) (٣) يقتضي أنَّ المحدثَ هوَ الذي حذفَ مَن بينه وبينَ المحدَّثَ عنهُ، وهذا أعمُّ من أنْ يكونَ المحدَّثُ عنهُ شيخهُ أو لا، فغايتهُ أنْ يدخلَ فيهِ المرسلُ الخفي، والمعلقُ، وتدليسُ التسويةِ الحاذف فيهِ غيرُ من وقعَ الإيهام بأنَّهُ سمعَ ممن فوقهُ.
قولهُ: (فيقولُ فلانٌ) (٤) هذا سماهُ شيخنا حافظُ العصرِ تدليس القطعِ، فيكونُ رابعاً، وقد نظَمهُ بعضُهم فقالَ:
وذِكرُهُ الشيخَ وحذفَ الآلة ... أيضاً منَ التدليسِ في الروايةِ
وزاد شيخُنا تدليسَ العطفِ، فتصيرُ الأقسامُ خمسةً (٥)، ومثَّلهُ بما فعلَ هشيمٌ، فيما نقلَ الخطيبُ أنَّ أصحابَهُ قالوا لهُ: نريدُ أنْ / ١٣٩ ب / تُحدّثَنا اليومَ شيئاً لا يكونُ فيهِ تدليسٌ، فقالَ: خذوا. ثمَّ أملَى عليهم مجلساً، يقولُ في كلِّ حديثٍ منهُ: حدثنا فلانٌ، وفلانٌ، ثمَّ يسوقُ السند والمتنَ، فلما فرغَ قالَ: هل دلستُ لكمُ اليومَ شيئاً؟