← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قد يكونُ بينهما واحدٌ، وقد يكونُ أكثر)) (١) انتهى. والأولُ حسنٌ، والثاني جعلهُ شيخُنا إرسالاً خفياً، ولم يجعلهُ تدليساً، فإنَّ أمرَهُ فيهِ ظهورٌ بالنسبةِ إلى التدليسِ، وقالَ الشيخُ في " النكتِ " (٢): ((وقد حدّهُ غيرُ واحدٍ من الحفّاظِ بما هوَ أخصُّ من هذا - وذكرَ تعريفَ ابنِ القطانِ والبزارِ، ثمَّ قالَ -: ويقابلُ هذا القولَ في تضييقِ حدِّ التدليسِ القولُ الآخرُ (٣) الذي حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ في " التمهيدِ " - فذكرهُ ثمَّ قالَ - وما ذكرهُ المصنفُ في حدِّ التدليسِ هوَ المشهورُ بينَ أهلِ الحديثِ، وإنما ذكرتُ قولَ البزارِ وابنِ القطانِ - يعني: عليَّ بنَ محمدِ بنِ عبدِ الملكِ - لئلا يغتر بهما من وقفَ عليهما، فيظنُّ موافقةَ أهلِ هذا الشأنِ لذلكِ، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (لا يقتضي الاتصالَ) (٤)، أي: صريحاً (٥)، أو قريباً منهُ (٦)، ويقتضيهِ في الجملةِ، ولولا أَنَّهُ يقتضيهِ ما أوهمَ. وقولهُ: (أو قالَ فلانٌ) (٧) يقتضي أنَّ ((عن)) و ((أنْ)) و ((قالَ)) على حدٍّ سواءٍ

стр. 422

في هذا / ١٣٧ ب / البابِ، وليسَ كذلكَ، فقد قالَ الخطيبُ في " الكفايةِ " (١) نقلاً عن أهلِ الحديثِ: ((إنَّ ((قالَ)) لا تحملُ على السماعِ أصلاً، إلا إذا عُرفَ من عادةِ الراوي أَنَّهُ لا يستعملُها إلا في السماعِ، كحجاجِ بنِ محمدٍ المصيصي)). قلتُ: وبهذا يُردُّ كلامُ ابنِ منده فيما نسبهُ إلى البخاريِّ من التدليسِ، وتأييدِ قاضي القضاةِ الحافظِ (٢) ولي الدينِ أبي زرعةَ أحمدَ ولد المصنفِ لكلامهِ حيثُ قالَ: ((مثالهُ: - أي: التدليس - قالَ البخاري في كتابِ الجنائزِ (٣) في بابِ ما جاءَ في قاتلِ النفسِ: وقالَ حجاجُ بنُ منهالٍ، حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبٌ في هذا المسجدِ فما نسيناهُ، وما نخافُ أنْ يكذبَ جندبٌ على النبي ﷺ قالَ: ((كانَ برجلٍ جراحٌ فقتلَ نفسَهُ ... )) الحديثَ، فحجاجٌ أحدُ شيوخهِ، سمعَ منهُ، وقد علقَ عنهُ هذا الحديثَ، ولم يسمعهُ منهُ، بدليلِ أَنَّهُ قالَ في بابِ ما ذكرَ عن بني إسرائيلَ (٤): حدثنا محمدٌ (٥)، حدثنا حجاجٌ، حدثنا جريرٌ، عنِ الحسنِ، حدثنا جندبٌ .. فذكرَ الحديثَ، وهذا هوَ التدليسُ. انتهى. وقد تقدّمَ هذا في التعليقِ عن " النكت " للمصنفِ على ابنِ الصلاحِ، وإنما جعلنا ما نقلهُ الخطيبُ رادَّاً لهذا من حيثُ إنَّهُ إذا كانَ الشائعُ عندَ أهلِ هذا (٦) الفنِّ حملها على الانقطاعِ ممن ليست له عادةٌ مطرّدةٌ، فإطلاقها منهُ فيما لم يسمعهُ جارٍ على الاصطلاحِ، فأنّى يكونُ تدليساً، ولا سيّما في مَن لم يثبتْ عنهُ أَنَّهُ مدلسٌ.

стр. 423

قالَ شيخُنا: ((وأما قولهُ: ((قالَ لنا)) فحكمهُ الاتصالُ، لكنْ إنما يعدلُ / ١٣٨ أ / عن قولهِ: ((حدثنا)) ونحوهِ لنكتةٍ بديعةٍ، فتارةً يكونُ الحديثُ ظاهرهُ الوقفُ، وهو لم يضع كتابهُ إلا للحديثِ المسندِ، لكن يكونُ فيهِ شائبة الرفعِ إذا دققَ النظر)). وقولهُ: (قد عاصرَ المرويَّ عنهُ) (١) فيهِ خلطٌ للمرسلِ الخفيِّ بالمدلسِ؛ فإنَّ المرسلَ الخفيَّ: هو أنْ يضيفَ الشخصُ إلى من عاصرهُ ولم يلقهُ حديثاً بلفظٍ موهمٍ للسماعِ (٢). فالصوابُ في العبارةِ أنْ يقالَ: وإنما يكونُ تدليساً إذا كانَ المدلسُ قد لقيَ المرويَّ عنهُ، فيخرجُ المعاصر الذي لم يلقَ، ويدخلُ من سمعَ غيرَ ذلِكَ الحديثِ الذي دلَّسهُ. وتعريفُ أبي الحسنِ القطانِ أقربُ إلى الصوابِ، وهل يعتذرُ عن قولهِ (٣): ((عن من قد سمعَ منهُ)) بأنَّهُ خارجٌ مخرجَ الغالبِ، والغالبُ أنَّ الاثنينِ إذا التقيا تحدّثا، حتى يدخلَ فيهِ مَن لَقيَ، وثبتَ أَنَّهُ لم يسمعْ، أو يجعلْ قيداً مخرجاً لهُ، فيلحقُ بالمرسلِ الخفيِّ؟ فيهِ نظرٌ. وكانَ ينبغي لهُ أنْ يبدلَ قوله: ((من غيرِ أنْ يذكرَ أَنَّهُ سمعهُ منهُ)) فيقولَ: ((بلفظٍ موهمٍ)) فإنَّهُ أخصرُ. وعبارةُ الشافعي في " الرسالةِ " (٤) في باب تثبيتِ خبرِ الواحدِ: ((ولا تقومُ الحجةُ بخبرِ الخاصةِ حتى يجمعَ أموراً، منها: أنْ يكونَ - كذا إلى أنْ قالَ - بَرِيَّاً (٥) من أنْ يكونَ مدلساً، يُحدّثُ عن مَن لَقيَ ما لم يسمعْ منهُ)) وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الصيرفيُّ: ((إذا عُرفَ بالتدليسِ لم يُقبلْ فيهِ حتى يقولَ: ((حدثني)) أو ((سمعتُ)) وذلكَ أَنَّهُ قد كشفَ عن حالِ بعضِهم، فكانَ إذا أظهرَ

стр. 424

مَن سمعهُ كانَ غيرَ ثبتٍ، فيكونُ بينه / ١٣٨ب / وبينَ الثقةِ رجلٌ غيرَ ثقةٍ، وهذهِ النكتةُ في ردِّ المرسلِ؛ لأنَّ الواسطةَ بينَ الثقةِ والثقةِ قد يجوزُ أنْ يكونَ غيرَ ثقةٍ، فإنِ اعتلَّ معتلٌ بأصحابِ النبيِّ ﷺ ، وأنَّهُ يُحدّثُ بعضُهم عن بعضٍ، وما قالَ ابنُ عباسٍ: ((ما كلُّ شيءٍ نحدّثُكم سمعناهُ منَ النبي ﷺ ، ولكنْ يحدّثُ بعضُنا بعضاً)) (١). فإنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ كلَّهم ثقاتٌ لا يُردُّ خبرُ أحدٍ منهم، ولا يكشفُ أحدٌ منهم، ولا يمتحنُ، ثمَّ قالَ: وقالَ قائلٌ: إنَّ مَن حدّثَ بحديثٍ عن مَن لقيَ ما لم يسمعْ منهُ فليسَ بتدليسٍ، وهذا إرسالٌ، قيلَ له: الإرسالُ أنْ يقولَ الرجلُ: قالَ فلانٌ، ومعلومٌ أَنَّهُ لم يلقَ، كقولِ الحسنِ: قالَ النبيُّ ﷺ ، وكقولِ مالكٍ: قالَ سعيدُ بنُ المسيبِ، وإذا لَقِيَ الرجلُ الرجلَ وسمعَ منهُ، فإذا حَكَى عنهُ ما لم يسمعْ فإنما يدرجهُ بـ ((عن)) ليكونَ في الظاهرِ كأنَّهُ سمعهُ منهُ، ألا ترى أنَّ من عُرِفَ بذلكَ وُقِفَ في حديثهِ، فقيلَ له: سمعتَهُ من فلانٍ؟ فيقولُ: لا، أخبرنيهِ فلانٌ، فربما أحالَ على ثقةٍ، وربما أحالَ على غيرِ ثقةٍ، فهذا الضربُ سُمِّيَ تدليساً، والذي بهِ وقفنا المدلس هوَ الذي رددنا بهِ المرسلَ؛ لأنَّهُ يجوزُ أنْ يكونَ ممن يرغبُ عن الروايةِ (٢) عنهُ)). قولهُ: (فجعلوا التدليسَ ... ) (٣) إلى آخره، هذا (٤) هوَ الذي سيأتي تسميته تدليسَ التسويةِ، ويؤيدهُ قوله: ((فما سلمَ منَ التدليسِ / ١٣٩ أ / أحدٌ لا مالكٌ ولا غيرهُ)) يعني: فإنَّ مالكاً مثلاً يريدُ أنْ يخرجَ من حديثِ ابنِ عباسٍ، ولم يقعْ له إلا من

стр. 425

طريقِ عكرمةَ، وهوَ عندهُ ضعيفٌ فيقولُ: أخبرنا ثورٌ، عنِ ابنِ عباسٍ، ويسقطُ عكرمةَ بينَ ثورٍ وابنِ عباسٍ، وثور لم يدركِ ابنَ عباسٍ. ومرادُ ابنِ عبدِ البرِّ بهذا ردُّ قولِ مَن سمّاهُ تدليساً، والتشنيعُ عليهِ؛ فإنَّ الاتفاقَ واقعٌ على أنَّ مالكاً ليسَ مدلساً، فاقتضى أنَّ التسويةَ ليست تدليساً، ويؤيدُ ذلِكَ أنَّ ابنَ القطانِ أولُ من اخترعَ اسمَ التسويةِ، ولم يسمِّها تدليساً، ولا أدخلها في أنواعهِ، هكذا قالَ شيخُنا: إنَّ هذا (١) تدليسُ التسويةِ، وفيهِ نظرٌ؛ فإنَّ قولهُ: ((يحدّثُ الرجلُ (٢) عنِ الرجلِ بما لم يسمعْهُ منهُ)) (٣) يقتضي أنَّ المحدثَ هوَ الذي حذفَ مَن بينه وبينَ المحدَّثَ عنهُ، وهذا أعمُّ من أنْ يكونَ المحدَّثُ عنهُ شيخهُ أو لا، فغايتهُ أنْ يدخلَ فيهِ المرسلُ الخفي، والمعلقُ، وتدليسُ التسويةِ الحاذف فيهِ غيرُ من وقعَ الإيهام بأنَّهُ سمعَ ممن فوقهُ. قولهُ: (فيقولُ فلانٌ) (٤) هذا سماهُ شيخنا حافظُ العصرِ تدليس القطعِ، فيكونُ رابعاً، وقد نظَمهُ بعضُهم فقالَ: وذِكرُهُ الشيخَ وحذفَ الآلة ... أيضاً منَ التدليسِ في الروايةِ وزاد شيخُنا تدليسَ العطفِ، فتصيرُ الأقسامُ خمسةً (٥)، ومثَّلهُ بما فعلَ هشيمٌ، فيما نقلَ الخطيبُ أنَّ أصحابَهُ قالوا لهُ: نريدُ أنْ / ١٣٩ ب / تُحدّثَنا اليومَ شيئاً لا يكونُ فيهِ تدليسٌ، فقالَ: خذوا. ثمَّ أملَى عليهم مجلساً، يقولُ في كلِّ حديثٍ منهُ: حدثنا فلانٌ، وفلانٌ، ثمَّ يسوقُ السند والمتنَ، فلما فرغَ قالَ: هل دلستُ لكمُ اليومَ شيئاً؟

стр. 426

قالوا: لا. قالَ: بلى، كلُّ ما قلتُ فيهِ: ((وفلانٌ)) فإني لم أسمعهُ منهُ، فيكونُ تقديرُ الكلامِ حينئذٍ: حدثنا فلانٌ، وفلانٌ رَوَى، قالا: حدثنا فلانٌ. أو حدثنا فلانٌ، ورَوَى فلانٌ، أو وحدثَ فلانٌ، ونحوَ ذلِكَ. قولهُ: (سمعته منَ الزهري) (١) قالَ العلاّمةُ شمسُ الدينِ محمدُ بنُ حسانَ القدسيُّ فيما قرأتهُ بخطهِ: ((ووقعَ لابنِ عيينةَ بإسقاطِ ثلاثةٍ، وذلكَ أَنَّهُ قالَ: الزهريُّ، ثمَّ أفصحَ بالساقطِ فقالَ: عن علي بنِ المديني، عن أبي عاصمٍ، عنِ ابنِ جريجٍ، عنِ الزهريِّ)) (٢). قوله: (مطلقاً) (٣)، أي: بيَّنَ السماعَ، أو لم يبينْ. قوله: (يقبلُ تدليس ابنِ عيينةَ) (٤)، أي: فيكونُ حكمُهُ حكمَ مراسيلِ سعيدِ بنِ المسيبِ؛ لاشتراكِهما في العلةِ الموجبةِ للقبولِ، وهي أنَّ التفتيشَ أبانَ أنَّ الأمرَ لا يخرجُ عن الثقةِ، فصارَ ذلِكَ سبباً لوقوعِ الظنِّ، وهوَ كافٍ في التصحيحِ كما مرَّ، وقد نظمَ ذلِكَ بعضُ الفضلاءِ فقالَ: أمّا الإمامُ ابنُ عيينةَ فقدْ ... اغتفروا تدليسَهُ مِن غيرِ رَدّ قولهُ: (عن ثقةٍ مثل ثقتهِ) (٥)، أي: مثل ثقة نفس ابنِ عيينةَ. قولهُ: (كبارُ التابعينَ (٦)؛ فإنهم لا يرسلونَ إلا عن صحابي) (٧) هذا الحصرُ

стр. 427

ممنوعٌ، وإلاَّ لقُبلَتْ مراسيلُهم اتفاقاً، لكنَّ الغالبَ إرسالُهم عن الصحابةِ، وإرسالُهم عن تابعيٍّ كبيرٍ قليلٌ، وعن تابعيٍّ صغيرٍ نادرٌ جداً (١)، والضعيفُ في كبارِ التابعينَ نادرٌ، فإرسالُهم عن ضعيفٍ نادرٌ جداً، ثم وجدتُ في نسخةٍ (٢) / ١٤٠ أ / ((بمراسيلِ الصحابةِ))، وفي نسخةٍ ((بمراسيلِ كبارِ الصحابةِ))، عوضَ ((كبارِ التابعينَ))، فكأنَّ الشيخَ غيَّره أخيراً، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (كانَ تدليسهُ عندَ أهلِ العلمِ مقبولاً) (٣) غير مسلمٍ؛ فإنَّ غايتهُ أنْ يكونَ كالتوثيقِ مبهماً، كأنْ يقولَ: حدّثني الثقةُ، وقد عرفَ أنَّ ذلِكَ غيرُ مجدٍ؛ لاحتمالِ أنْ يعرفَ غيرهُ من حالهِ ما خفيَ عنهُ. قلتُ: هذا إذا قالَ: أنا لا أُرسلُ إلا عن ثقةٍ، ولم يفتشْ عنهُ، وأمّا إذا فتشَ، فأبانَ عن مثلِ حالِ ابنِ عيينةَ؛ فإنَّهُ يلتحقُ بهِ. قوله: (في كتابِ " الدلائلِ ") (٤)، أي: "دلائل الاعلامِ في شرح رسالةِ الشافعي" (٥)، وقولُ الشيخِ: ((وهكذا رأيتهُ)) يوهمُ أَنَّهُ مصرّحٌ بهِ في كلامِ الصيرفي

стр. 428

الذي حكاهُ عنهُ، وليسَ كذلكَ، بل هوَ مفهومه كما ترى. قوله: (فقيلَ: يردُّ حديثهم مطلقاً) (١) ينبغي: أنْ يفصلَ في شأنهم بتفصيل غيرِ ما يأتي عن ابنِ الصلاحِ، فيقالُ: إنْ حَملَ الإنسان على التدليسِ ضعفُ الراوي رُدَّ حديثُه؛ لأنَّ تغطيتَهُ محرمةٌ عليهِ؛ لكونها غشاً وغروراً، وإنْ لم يكن الحاملُ لهُ على التدليسِ ترويجَ الضعيفِ فلا. قوله: (فإنْ صرحَ بالاتصالِ) (٢) ينبغي أنْ يزيدَ فيهِ: ولم يحملهُ على التدليسِ سترُ الضعيفِ، وترويجُ مرويهِ، قالَ الشافعيُّ في " الرسالةِ " (٣): ((وكانَ قولُ الرجلِ سمعتُ فلاناً يقولُ: سمعتُ فلاناً، وقوله: حدثني فلانٌ عن فلانٍ، سواءً عندهم، لا يحدّثُ واحدٌ منهم عن مَن لَقيَ إلا ما سمعَ منهُ، فمَن عرفناهُ بهذا الطريقِ قَبِلنا منهُ: حدّثني فلانٌ عن فلانٍ، ومَن عرفناهُ دلّسَ مرةً فقد أبانَ لنا عورتَهُ في روايتهِ، وليسَ (٤) تلكَ العورةُ بكذبٍ، فيردُّ (٥) بها حديثهُ، ولا على النصيحةِ في الصدقِ فنقبلُ (٦) منهُ ما قَبِلْنا من أهلِ / ١٤٠ ب / النصيحةِ في الصدقِ. فقلنا: لا نقبلُ (٧) من مدلسٍ (٨) حديثاً حتى يقولَ فيهِ: حدثني أو سمعتُ)). قالَ الصيرفيُّ: ((لأنَّ قولَ الإنسانِ: ((عن فلانٍ)) ليسَ بكذبٍ، وإنما فيه (٩)

стр. 429

كتمانُ مَن سمعَ منهُ، فلأنّا احتجنا إلى معرفتهِ أنْ لا يكونَ رضى. قلنا: لسنا نأمنُ منكَ ما جرّبناهُ منَ التدليسِ، فَأَبِنْهُ لنا؛ ليزولَ العيبُ الذي ظهرَ منكَ، وكحاجتِنا إلى معرفةِ المكتومِ ما بينكَ وبينَ مَن لقيتَ، فإذا قالَ: ((ليسَ بيننا أحدٌ)) قبلنا قولَهُ، وإذا قالَ: بيني وبينهُ إنسانٌ. قلنا: سَمِّهِ لنا لنعرفَ عدلَهُ من جرحِهِ)) (١). وقالَ الشيخُ في " نكته " (٢): ((وقد ادّعى أبو الحسنِ بنُ القطانِ نفيَ الخلافِ فيهِ - أي: في قبولِ ما صرَّحَ المدلسُ فيهِ بالسماعِ - (٣) فذكرَ في كتابهِ "بيانِ الوهمِ والإيهامِ" (٤) أنَّ يحيى بنَ أبي كثيرٍ كانَ يدلسُ، وأنَّهُ ينبغي أنْ يجريَ في مُعنعَنهِ الخلافُ، ثمَّ قالَ: أمّا إذا صرّحَ بالسماعِ فلا كلامَ فيهِ، فإنَّهُ ثقةٌ حافظٌ صدوقٌ، فيقبلُ منهُ ذلِكَ بلا خلاف. انتهى كلامهُ (٥). والمشهورُ ما ذكرهُ المصنفُ من إثباتِ الخلافِ، فقد حكاهُ الخطيبُ في "الكفايةِ" (٦) عن فريقٍ منَ الفقهاءِ وأصحابِ الحديثِ، وهكذا حكاهُ غيرُهُ، والمثبتُ للخلافِ مقدمٌ على النافي لهُ، واللهُ أعلمُ)). قوله: (في كلامِ بعضهم) (٧) هو الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في "شرحِ المهذبِ " (٨)، فإنَّ الشيخَ قالَ في " نكتهِ " (٩): ((زادَ النوويُّ على هذا - أي: حكايةِ

стр. 430

القبولِ عن جمهورِ مَن يحتجُّ بالمرسلِ فقط المفهمة لأنَّ البعضَ يردهُ (١) - فحَكَى في "شرحِ المهذبِ " (٢) الاتفاقَ على أنَّ المدلسَ لا يُحتجُّ بخبره إذا عنعنَ، وهذا / ١٤١ أ / منهُ إفراطٌ، وكأنَّ الذي أوقعَ النوويَّ في ذلِكَ، ما ذكرهُ البيهقيُّ في " المدخلِ " (٣) وابنُ عبدِ البرِّ في " التمهيدِ " (٤) مما يدلُّ على ذلِكَ، أما البيهقيُّ فذكرَ ما في الشرحِ، وأمّا ابنُ عبدِ البرِّ فإنَّهُ لما ذكرَ في مقدمةِ " التمهيدِ " (٥) الحديثَ المعنعنَ، وأنَّهُ يُقبلُ بشروطٍ ثلاثةٍ قالَ: إلا أنْ يكونَ الرجلُ معروفاً بالتدليسِ، فلا يقبلُ حديثهُ حتى يقولَ: ((حدثنا)) أو ((سمعتُ))، قالَ: ((فهذا ما لا أعلمُ فيهِ أيضاً خلافاً)) (٦). انتهى كلامهُ. وما ذكرَ منَ الاتفاقِ لعلهُ محمولٌ على اتفاقِ من لا يحتجُّ بالمرسلِ خصوصاً. عبارةُ البيهقي: ((فإنَّ لفظَ ((سائر)) قد يطلقُ، ويرادُ بهِ الباقي لا الجميعُ)) والخلافُ معروفٌ في كلامِ غيرهما، وممن حكاهُ الحاكمُ في كتابِ " المدخلِ " فإنَّهُ قسّمَ الصحيحَ إلى عشرةِ أقسامٍ: خمسةٌ متفقٌ عليها، وخمسةٌ مختلفٌ فيها، فذكرَ منَ الخمسةِ المختلفِ فيها المراسيلَ (٧)، وأحاديثَ المدلسينَ (٨) إذا لم يذكروا سماعاتهم ... إلى آخرِ كلامهِ. وحَكَى الخلافَ أيضاً الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في كتابِ " الكفايةِ " (٩) فحَكَى عن خلقٍ كثيرٍ من أهلِ العلمِ أنَّ خبرَ المدلسِ مقبولٌ، قالَ:

стр. 431

وزعموا أنَّ نهايةَ أمرهِ أنْ يكونَ مرسلاً، واللهُ أعلمُ)). قوله: (من لا يحتجُّ بالمرسلِ) (١) قلتُ: أو يخصُّ الاتفاقَ بمن بعدَ القرونِ الثلاثةِ. قولهُ: (على أنَّ بعضَ من يحتجُّ بالمرسلِ لا يقبلُ عنعنةَ المدلسِ) (٢) ينبغي حملهُ على من يُدلِّسُ بعدَ القرونِ الثلاثةِ، أمّا مَن دلّسَ (٣) منهم فلا فرقَ بينهُ وبينَ المرسلِ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (عدة رواة من المدلسينَ) (٤)، أي: رويا / ١٤١ ب / عنهم بالعنعنةِ. قالَ ابنُ الصلاحِ في هذا: ((لأنَّ التدليسَ ليسَ كذباً، وإنما هو ضربٌ منَ الإيهامِ بلفظٍ محتملٍ)) (٥). قوله: (هُشَيم) (٦) مصغرٌ، ابنُ بَشيرٍ - بفتحِ الموحدةِ مكبرٌ -. قولهُ عنِ النووي: (محمولٌ على ثبوتِ سماعهِ من جهةٍ أخرى (٧)) (٨) سأل قاضي القضاةِ شيخُ الإسلامِ تقيُ الدينِ السبكيُّ، شيخَ الزمانِ وحافظَهُ أبا الحجاجِ المزيَّ عن ذلِكَ: هل وجد في الخارجِ التصريح فيهِ بالسماعِ؟ فقالَ: ما ثمَّ لنا إلا تحسينُ الظنِّ، فإنّا نعرفُ عدةَ أحاديثَ من هذا النوعِ ليسَ لها إلا ذلِكَ الطريقُ المعنعنُ.

стр. 432

قالَ شيخُنا: ((وكشفُ ذلِكَ من فوائدِ المستخرجاتِ، أي: بأنْ يرويَ ذلِكَ الحديثَ من غيرِ تلكَ الطريقِ، فيصرّحَ فيها بالسماعِ في الموضعِ المعنعنِ، واللهُ أعلمُ. واختيارُ صاحب " الصحيحِ " لطريقِ العنعنةِ على الطريقِ المصرحةِ بالسماعِ لكونِ المصرحةِ ليست على شرطهِ)) (١). قوله: (في " القِدحِ المعلى") (٢)، أي: في الاعتراضِ على " المحلى " لابنِ حزمٍ الظاهري. قوله: ١٥٧ - وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ ... وَدُوْنَهُ التَّدْليْسُ لِلشِّيُوْخِ ١٥٨ - أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ ... بِهِ، وَذَا بِمقْصِدٍ يَخْتَلِفُ ١٥٩ - فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا ... وَكـ (الخَطِيْبِ) يُوْهِمُ اسْتِكْثَارَا ١٦٠ - و (الشَّافِعيْ) أثْبَتَهُ بِمَرَّه ... قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْوِيَه قوله: (يصفُ الشيخ) (٣) سيأتي ما فيهِ. قوله: (بما لا يعرفُ) (٤) غير جيدٍ، فإنَّهُ لا بدَّ وأنْ يعرفَ بذاكَ الوصفِ في الجملةِ، فلو قالَ: أنْ يصفَ الشيخَ بشيءٍ ما اشتهر ... بهِ وبالنيةِ يحصلُ الضرر كانَ أحسنَ.

стр. 433

قوله: (واستصغارا) (١) لو قالَ بدلهُ: واستكبارا، لحصلَ له الجناسُ الخطيُّ، فإنَّ الراويَ الذي يُعمّي ذلِكَ الراويَ بأنْ يصفَهُ بما لم يشتهرْ بهِ إذا فعلَ ذلِكَ استصغاراً لهُ، فقدِ استكبرَ نفسهُ / ١٤٢ أ / عن الروايةِ عنهُ، وإنما جعلهُ خبراً لكانَ، ولم يجعلهُ مفعولاً له؛ لئلا يفهمَ أَنَّهُ منَ الشرِّ. و (٢) قوله: (والشافعيُّ أثبته) (٣) كانَ ينبغي جعلُهُ صدرَ هذهِ الأبياتِ. قوله: (وقالَ: لأن أزني) (٤) ضَبطَهُ بعضُهم بالمهملةِ ثم موحدةٍ مضموم الهمزةِ، قالَ: فإنَّ الربا أخفُّ منَ الزنا. وقالَ: وفيهِ أيضاً مناسبةٌ، وهو أنَّ الربا أصلهُ التكثرُ والزيادةُ، ومَن دلّسَ فقد كثّرَ مرويَهُ بذلكَ الشيخِ الذي ارتقَى إليهِ، وأوهمَ كثرةَ مشايخهِ عندَما عمَّى أوصافَهم. قالَ شيخُنا: ((وقوله: ((إنَّ الربا)) بالموحدةِ أخفُّ ليسَ كذلكَ، ففي بعضِ الأحاديثِ: ((لأن يأكلَ الرجلُ درهماً واحداً من رباً أشدُّ من كذا وكذا زنية)) (٥))). قلتُ: فإنَّهُ ظلمُ الغيرِ، والزنا ظلمُ النفسِ. قالَ: فما بقيَ إلا ما قالَ ابنُ الصلاحِ منَ الحملِ على المبالغةِ في الزجرِ.

стр. 434

قولهُ: (ودونهُ التدليسُ للشيوخِ) (١) إنْ قيلَ: ليسَ كذلكَ؛ فإنَّ تدليسَ الإسنادِ فيهِ محذورٌ واحدٌ، وَهوَ أنْ يكونَ الساقطُ ضعيفاً، وبقيةُ الإسنادِ ثقاتٌ، فيتسببُ إلى قبولِ ما لَم يصحَّ عنِ النبي ﷺ ، وفي هَذا محذورانِ: أحدهما: أنْ يصفَ ضعيفاً بغير ما يشتهرُ بهِ، مما لعلهُ يشتركُ (٢) بهِ بعضُ من يكونُ في تلكَ الطبقةِ منَ الثقاتِ، فإذا نظرَ الناظرُ ظنَّهُ ذلِكَ الثقةَ فقَبِلَ الحديثَ. الثاني: أنْ يكونَ ثقةً، فيصفهُ بما لا يعرفُ بهِ، فيصيرُ مجهولاً فيطرحُ ذلكَ المروي، فيكونُ سبباً في تركِ حكمٍ منَ الأحكامِ، وقد حضَّ النبي ﷺ / ١٤٢ ب / على التبليغِ، وتوعدَ على الكتمانِ، وهذا في حكمِ مَن كَتمَ، فغايةُ المحذورِ في تدليسِ الإسنادِ أنْ يوازيَ هذينِ المحذورينِ، فيكونانِ سواءً. قيلَ: الحقُّ أن الأولَ أشدُّ، فإنَّ هَذا يعرفهُ الماهرُ مِن أهل الصنعةِ، وذاكَ لا يطّلعُ عليهِ إلاّ مَن قَبِلَهُ، إمَّا باعترافهِ بأنَّهُ لَم يسمعْ هَذا الحديثَ مِن ذلِكَ الشيخِ، أو بأنْ يرويَهُ مرةً أخرى فيدخلَ بينهُ وبينهُ راوياً، وينضمُّ إلى ذلِكَ مِن القرائنِ ما يعرفُ بهِ أنه لَم يسمعهُ مِن شيخهِ الذِي رواهُ عنهُ أولاً باللفظِ المحتملِ إلا بواسطةٍ. قولُهُ: (قالَ ابنُ الصلاحِ: أمرهُ أخفُّ منهُ) (٣) لو قالَ: الأولُ أشدُّ مِن هَذا لكانَ أولَى؛ لأنهُ ليسَ في واحدٍ منهما خفةٌ، لكن تارةً يطلقونَ ((أفعلَ)) ولا يريدونَ معناها حقيقةً، إنما يجعلونَ ذلِكَ على سبيلِ الفرضِ، كحديثِ: ((لكانَ أنْ يُلقَى في النارِ أحبّ إليهِ مِن أن يعودَ في الكفرِ)) (٤)، وليسَ في الإلقاءِ في النارِ شيءٌ مِن

стр. 435

الحبِّ، وإنما المعنى: لو فرضَ أن يكونَ الكفرُ محبوباً، والنارُ كذلكَ، لكانَ الإلقاءُ في النارِ أحبَّ إليهِ. ثُمَّ ظهرَ لي أنَّ مثل هَذا مجازٌ عَن ((أقلِّ)) مِن ضدِّ مأخذِ اشتقاقِ أفعل، والعلاقةُ فيهِ الضديةُ، كَما بينتُهُ في كتابي "نظمِ الدررِ في (١) تناسبِ الآي والسورِ" (٢) عند قولهِ تعالى: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٣) فالمعنى هنا: هَذا أقلُّ شدةً مِن الأولِ، وكذا ما أتى لكَ مِن أمثالهِ، واللهُ أعلمُ. قولُهُ: (وهوَ / ١٤٣ أ / أنْ يصفَ المدلسُ شيخَهُ الذِي سمعَ منهُ ذلِكَ الحديثَ) (٤) لا يختصُّ ذلِكَ بشيخهِ الذِي سَمعَ منهُ، بل لو فعلَ ذلِكَ في شيخِ شيخهِ ومَن فوقه إلى آخرِ السندِ، كانَ حكمُهُ كذلكَ، فكانَ ينبغي لهُ أنْ يقولَ: ((أنْ يصفَ الراوي)) مسكناً؛ لئلا ينكسرَ الوزنُ. قولُهُ: (السجستاني) (٥) قالَ ابنُ الصلاح: ((ورَوَى -يعني: ابنَ مجاهدٍ، - عَن أبي بكرٍ محمدِ بنِ الحسنِ النقّاشِ (٦) المفسرِ فقالَ: حدثنا محمدُ بنُ سندٍ، نسبهُ إلى

стр. 436

جدٍّ لهُ)) (١). قولُهُ: (قلتُ: وللمروي أيضاً) (٢) ليستْ زيادةً محضةً، إنما هي كالشرحِ؛ فإنه إذا ضاعَ المرويُّ عنهُ لزمَ منهُ ضياع المرويِّ. قولُهُ: (باختلافِ المقصدِ) (٣) يجوزُ كسرُ الصادِ على إرادةِ محل القصدِ. قولُهُ: (وممن يفعلُ ذلِكَ كثيراً الخطيبُ) (٤) قالَ: ينبغي أنْ يكونَ الخطيبُ قدوةً في ذلكَ، وأنْ يستدلَّ بفعلهِ على جوازهِ، فإنهُ إنَّما يُعمّي على غيرِ أهل الفنِّ، وأمّا (٥) أهلُهُ فلا يخفَى ذلِكَ عليهم لمعرفتِهم بالتراجمِ، ولم يكنِ الخطيبُ يفعلُهُ إيهاماً للكثرةِ، فإنهُ مكثرٌ منَ الشيوخِ والمروياتِ، والناسُ بعدهُ عيالٌ عليهِ (٦)، وإنما يفعلُ ذلِكَ تفنناً في العبارةِ، وربما أدتْ ضرورةُ التصنيفِ إلى تكرارِ الشيخِ الواحدِ عَن قربٍ، فينوعُ أوصافهُ لئلا يصيرَ مبتذلاً ينفرُ السمعُ منهُ؛ للتكرارِ المحضِ، واللهُ أعلمُ. قولُ ابنِ الصباغِ: ((فَقد غلطَ))، أي: الذِي فعلَ هذهِ الفعلةَ مِن تعميةِ الراوي،

стр. 437

وصورته: أنْ يكونَ شيخُهُ ضعيفاً عند الناسِ، ثقةً عندهُ، فيصفهُ بوصفٍ لا يعرفُ بهِ، /١٤٣ب/ ثُمَّ يقولُ: وَهوَ ثقةٌ، أو ثبتٌ، أو نحو ذلِكَ، ويكونُ مِن أهلِ الجرحِ والتعديلِ، فيقلّدهُ مَن لَم يطّلعْ على حقيقةِ ذلكَ. قولهُ: (وكفعلِ الخطيبِ) (١)، أي: ويكونُ لإيهامِ الكثرة كفعلِ الخطيبِ. قولُهُ: (أصلُ التدليسِ) (٢) ليسَ (٣) بجيدٍ؛ فإنَّ التدليسَ مِن حيثُ هوَ (٤) تَشتركُ فيهِ الأقسامُ الثلاثةُ، لكن فُهمَ مرادُهُ بقولهِ: ((لا هَذا القسمَ الثاني)) فكانَ ينبغي لهُ أنْ يقولَ: أي تدليس الإسنادِ (٥). قولهُ: (فَقد أجراهُ الشافعيُّ) (٦) قالَ شيخُنا: ((قالَ الشافعيُّ (٧): فَمَن عرفناهُ دلَّسَ مرةً فَقد أنبأَ ذلِكَ عَن عُوارٍ في حديثهِ، فإنْ كانَ ثقةً لَم نقبلْ (٨) مِن حديثهِ إلا ما صرّحَ فيهِ)) (٩). قلتُ: وقد تقدّمَ نقلي لَهُ عنِ الشافعيِّ في كِتابِ " الرسالة " قريباً بلفظِ الشافعي فيها (١٠)، وكأنَّ المصنفَ ما راجعَ "الرسالةَ"، فاحتاجَ إلى نقلهِ مِن كتابِ

стр. 438

" المدخلِ " (١). قولُهُ: (لَم يذكرهُ ابنُ الصلاحِ وَهوَ تدليسُ التسويةِ) (٢) قالَ: عندي أنَّ ما فعلهُ ابنُ الصلاحِ هوَ اللائقُ، والتحقيقُ أنَّهُ ليسَ لنا إلا قسمانِ: الأولُ: تدليسُ الإسنادِ، والثاني: تدليسُ الشيوخِ. ويتفرعُ على الأولِ تدليسُ العطفِ (٣)، وتدليسُ الحذفِ (٤). وأما تدليسُ التسويةِ، فيدخلُ في القسمينِ، فتارةً يصفُ شيوخَ السندِ بما لا يعرفونَ بهِ مِن غيرِ إسقاطٍ، فيكونُ تسويةَ الشيوخِ، وتارةً يسقطُ الضعفاءَ، فيكونُ تسويةَ السند، وهذا يُسميهِ القدماءُ: تجوِيداً، فيقولونَ (٥): جوَّده فلانٌ، يريدونَ ذكرَ مَن فيهِ منَ الأجوادِ، وحذفَ / ١٤٤ أ / الأدنياءَ (٦). قولُهُ: (ويجعلُ الحديثَ عَن شيخهِ الثقةِ، عنِ الثقةِ الثاني) (٧) قالَ: شرطهُ أنْ يكونَ الثقةُ الأولُ قَد سمعَ مِن الثقةِ الثاني غيرَ هَذا الحديثِ، وأنْ يرويَهُ بلفظٍ محتملٍ، وإلاَّ فليسَ بتدليسٍ. قالَ: ووجهُ كونِ هَذا شرَّاً منَ الأولِ: أنَّ القسمَ الأولَ

стр. 439

يحترزُ فيهِ مِن موضعٍ واحدٍ، وَهوَ عنعنةُ ذلِكَ المدلسِ. وأمّا مَن (١) عُرفَ بالتسويةِ فيتحيرُ (٢) الناظرُ في حديثهِ مِن أولِ السندِ إلى آخرهِ؛ فإنَّهُ ما مِن شيخٍ إلاّ ويحتملُ أنْ يكونَ حذفَ دونه أو فوقهُ ضعيفاً. قولُهُ: (قَد لا يكونُ معروفاً بالتدليسِ) (٣) قالَ في " النكتِ " (٤) عَقِبَهُ: ((ويكونُ المدلسُ قَد صرّحَ بسماعهِ مِن هَذا الشيخِ الثقةِ، وَهوَ كذلكَ، فتزولُ تهمةُ تدليسهِ، فيقفُ الواقفُ على هَذا السندِ فلا يرى فيهِ موضعَ علةٍ؛ لأنَّ المدلسَ قَد (٥) صرّحَ باتصالهِ، والثقةُ الأولُ ليسَ مدلساً، وقد رواهُ عَن ثقةٍ آخرَ، فيحكمُ لَهُ بالصحةِ، وفيهِ ما فيهِ منَ الآفةِ التي ذكرناها، وهذا قادحٌ في مَن تعمَّدَ فعلهُ، واللهُ أعلمُ)). قولُهُ: (عَن الأوزاعي عَن نافعٍ ... ) (٦) إلى آخرهِ، قَد سمعَ الأوزاعيُّ مِن نافعٍ، والزهريِّ، ويحيى بنِ سعيدٍ، ولهذا كانَ تدليساً. قولهُ: (ضُعفَ الأوزاعي) (٧) قَد وقعَ ما خافهُ الهيثمُ؛ فإنَّ أحمدَ سُئِلَ عنِ الأوزاعيِّ فقالَ: رأيٌ ضعيفٌ، وحديثٌ ضعيفٌ (٨).

стр. 440

قولُهُ: (قالَ الخطيبُ: وكانَ الأعمشُ، والثوريُّ، وبقيةُ يفعلونَ مثلَ هَذا) (١) وقالَ الشيخُ في " نكتهِ " (٢) على ابنِ الصلاحِ: ((وهذا قادحٌ في مَن تعمّدَ فعلهُ)). انتهى. وسألتُ / ١٤٤ ب / شيخنا: هل تدليسُ التسويةِ جرحٌ؟، فقالَ: لا شكَّ أنَّهُ جرحٌ؛ فإنَّهُ خيانةٌ لمن ينقلُ إليهم وغرورٌ، قلتُ: فكيفَ يوصفُ بهِ الثوريُّ والأعمشُ معَ جلالتِهما؟ فقالَ: أحسنُ ما يعتذرُ (٣) بهِ في هَذا البابِ أنَّ مثلَهما لا يفعلُ ذلِكَ إلا في حقِّ مَن يكونُ ثقةً عندهُ، ضعيفاً عندَ غيرهِ (٤). قولُهُ (٥): (وقد سماهُ ابنُ القطانِ تدليسَ التسويةِ) (٦) قالَ شيخُنا: ((ليسَ كذلكَ، فإنَّ ابنَ القطانِ إنما سمّاهُ ((تسويةً)) لَم يذكرْ معهُ لفظةَ ((التدليسِ))، وإنما يقولُ: ((سواهُ فلانٌ))، و ((هذهِ تسويةٌ)) ونحو هَذا. والتحقيقُ في هَذا القسمِ، أنْ يقالَ: متى قيل: ((تدليسُ التسويةِ)) فلا بدَّ أنْ يكونَ كلٌّ منَ الثقاتِ الذينَ حُذفتْ بينهمُ الوسائطُ في ذلِكَ الإسنادِ قَد اجتمعَ الشخصُ منهمُ بشيخِ شيخهِ في ذلِكَ الحديثِ، وإنْ (٧) قيلَ: ((تسويةٌ)) من غيرِ أنْ يُذكرَ تدليسٌ، فلا يحتاجُ إلى اجتماعِ أحدٍ مِنهُم بمن فوقه، كَما فعلَ مالكٌ ﵀ (٨)، فإنَّهُ لَم يقعْ في التدليسِ أصلاً، ووقعَ في هَذا، فإنَّهُ يروي عَن ثورٍ، عنِ ابنِ

стр. 441

عباسٍ، وثورٌ لَم يلقَ ابنَ عباسٍ، وإنما رَوَى عَن عكرمةَ عنهُ، فأسقطَ مالكٌ عكرمةَ؛ لأنَّهُ غيرُ حجةٍ عندهُ. فإنْ قيلَ: ما الفرقُ بين هَذا القسمِ، وبينَ المنقطعِ؟ قيلَ: هَذا شرطُهُ أنْ يكونَ الساقطُ ضعيفاً، فهوَ منقطعٌ خاصٌ. الشَّاذُّ (١) قولهُ: ١٦١ - وَذُو الشُّذُوذِ: مَا يُخَالِفُ الثِّقَهْ ... فِيهِ المَلاَ فَالشَّافِعيُّ حقَّقَهْ ١٦٢ - والحَاكِمُ الخِلاَفَ فِيهِ ما اشْتَرَطْ ... وَلِلْخَلِيليْ مُفْرَدُ الرَّاوي فَقَطْ ١٦٣ - وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثِّقَةِ ... كالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلاَ (٢) وَالهِبَةِ ١٦٤ - وَقَوْلُ مُسْلِمٍ: رَوَى الزُّهْرِيُّ ... تِسْعِينَ فَرْداً كُلُّهَا قَوِيُّ ١٦٥ - واخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أنَّ مَنْ ... يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ ١٦٦ - أوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فًصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ ... عَنْهُ فَمِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ

стр. 442

قولهُ: (الملأ) (١) همُ الأشرافُ (٢)، ولاشكَّ أنَّ الشرفَ في كلِ شيءٍ بحسبهِ، فالأشرافُ في هَذا / ١٤٥ أ / الفنِّ همُ حفّاظُهُ، فالشرطُ مخالفةُ الثقةِ لمن هوَ أعلى منهُ صفةً، كأنْ يخالفَ واحداً هوَ أوثقُ منهُ، أو عدداً كأنْ يخالفَ اثنينِ مساويينِ لَهُ في الثقةِ فأكثرَ. قولُهُ: (والحاكم) (٣) قالَ شيخُنا: ((أسقطَ مِن قولِ الحاكمِ قيداً لابدَّ منهُ، وَهوَ أنَّهُ قالَ: ((وينقدحُ في نفسِ الناقدِ أنَّهُ غلطٌ، ولا يقدرُ على إقامةِ الدليلِ على ذلِكَ)) ويؤيدُ هَذا قولهُ: ((وذكرَ أنَّهُ يُغايرُ المعللَ))، فظاهرهُ أنَّهُ لا يغايرُهُ إلا مِن هَذهِ الجهةِ، وهي كونُهُ لَم يطّلعْ على علتهِ، وأمّا الردُّ فهما مشتركانِ فيهِ، ويوضحهُ قولُهُ: ((والشاذُّ لَم يوقفْ فيهِ على علتهِ كذلكَ))، أي: كالمعلّلِ، يعني: بل وقفَ على علتهِ حدساً، لكن في نسخِ الشرحِ ((علته)) بالضميرِ، وفي عبارةِ ابنِ الصلاحِ: ((لَم يوقفْ فيهِ على علتهِ)) (٤) بالتنكيرِ)). قالَ شيخُنا: ((وهذا على هَذا أدقُّ مِن المعلّلِ بكثيرٍ، فلا يتمكنُ مِن الحكمِ بهِ إلا مَن مارسَ الفنَّ غايةَ الممارسةِ، وكانَ في الذروةِ مِن الفهمِ الثاقبِ، ورسوخِ القدمِ في الصناعةِ، فرزقهُ اللهُ تعالى نهايةَ الملكةِ)). وملخصُ الأقوالِ أنَّ الشافعي قيَّدَ بقيدينِ: الثقةِ، والمخالفةِ. والحاكمُ قيَّدَ بالثقةِ فقط - على ما قالَ الشيخُ -، والخليليُّ لَم يُقيِّد بشيءٍ، فهما ناظرانِ إلى الشاذِّ مِن حيثُ اللغةُ (٥)، وادّعيا أنَّ الاصطلاحَ كذلكَ.

стр. 443

قولُهُ: (وردَ ما قالا) (١)، أي: لأنَّ الصحيحَ قَد تقدّمَ أنَّ مِن جملةِ تعريفهِ أنَّ لا يكونَ شاذاً، فالشاذُ لا يكونُ صحيحاً، ومتى لَم نشترطِ المخالفةَ ورد علينا مما (٢) في الصحيحِ منَ الأحاديثِ الغريبةِ، فيقتضي عدمُ صحتِها، أو التوقف فيها /١٤٥ب/ كَما قالَ الخليلي: ((وما كانَ عَن ثقةٍ فيتوقفُ فيهِ، ولا يحتجُّ بهِ)) (٣). وقد حصلَ الاتفاقُ على الحكمِ بصحةِ ما في " الصحيحينِ " غيرَ (٤) المستثنى (٥)، فتكونُ صحيحةً غيرَ صحيحةٍ، أو معمولاً بها متوقفاً فيها، وذلكَ محالٌ، وَهوَ لازمٌ للخليلي. وأمّا الحاكمُ فبعدَ علمكَ بالقيدِ الذِي قالهُ تَعلمُ أنَّهُ لا يردُ عليهِ ذلِكَ؛ لأنَّ ما في الصحيحِ مِن ذلِكَ مما مثّلَ بهِ الشيخُ، وما شَاكلَهُ لَم يقعْ في قلبِ أحدٍ منَ النقادِ ضعفُهُ. قلتُ: والظاهرُ أنَّ كلامَ الخليليِّ مقيدٌ بما قيّدَ بهِ الحاكمُ، أو نحو ذلِكَ، وإلا كانَ كلامهُ ساقطاً؛ لأنَّهُ لَم يذكر (٦) فيمنِ اشترطَ العددَ في الصحيحِ. قولُهُ: (أنَّ مَنْ يقرُبُ مِنْ ضبطٍ) (٧) غيرُ وافٍ بقولِ ابنِ الصلاحِ: ((فإنْ كانَ المنفردُ بهِ غيرَ بعيدٍ مِن درجةِ الحافظِ الضابطِ المقبولِ تفردهُ)) (٨)؛ لأنَّ الحافظَ

стр. 444

الموصوفَ هوَ التامُّ الضبطِ الذِي تقدّمَ تحريرُ الكلامِ فيهِ في تعريفِ الصحيحِ، فالقريبُ منهُ مَن كانَ ضابطاً، ولكنهُ في أدنى درجاتِ الضبطِ المعتبرِ، فلو قالَ: ... ... ... ... ... أنَّ مَنْ دانى تمامَ الضبطِ فرده حسنٌ لَوَفَى، واللهُ أعلمُ. قولُهُ: (مواضعُ التفردِ منهُ) (١) عبارته: ((فإنَّهُ حديثٌ فردٌ، تفرّدَ بهِ عمرُ ﵁، عَن رسولِ الله ﷺ ، ثُمَّ تفرّدَ بهِ عَن عمرَ: علقمةُ بنُ وقاصٍ، ثُمَّ عَن علقمةَ: محمدُ بنُ إبراهيمَ، ثُمَّ عنهُ: يحيى بنُ سعيدٍ (٢) على ما هوَ الصحيحُ عندَ أهلِ الحديثِ)) (٣). قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٤): ((وقد اعترضَ عليهِ بأمرينِ: أحدهما: أنَّ الخليليَّ والحاكمَ / ١٤٦أ / إنما ذكرا تفرّدَ الثقةِ، فلا يردُ عليهما

стр. 445

تفرّد الحافظِ لما بينهما منَ الفرقانِ (١). والأمرُ الثاني: أنَّ حديثَ النيةِ لَم ينفرد بهِ عمرُ، بل رواهُ أبو سعيدٍ الخدري وغيرُه، عنِ النبي ﷺ ، فيما ذكرهُ الدارقطني (٢) وغيرهُ. انتهى ما اعترض بهِ. والجوابُ عنِ الأولِ: أنَّ الحاكمَ ذكرَ مطلقَ الثقةِ، والخليليَّ ذكرَ مطلقَ الراوي، فيردُ على إطلاقهما تفرّد العدلِ الحافظِ، ولكنَّ الخليليَّ يجعلُ تفرّدَ الراوي الثقةِ شاذاً صحيحاً، وتفرّدَ الراوي غيرِ الثقةِ شاذاً ضعيفاً؛ فلذلكَ استشكلهُ المصنفُ، أي: لأنَّهُ يخصُّ الشاذَّ بالمردودِ. وعَن الثاني: أنَّهُ لَم يصحَّ مِن حديثِ أبي سعيدٍ، ولا غيرهِ سوى عمرَ، وقد أشارَ المصنفُ إلى أنَّهُ قَد قيلَ: إنَّ لهُ غيرَ طريقِ عمرَ بقولهِ: ((على ما هوَ الصحيحُ عندَ أهلِ الحديثِ))، فلم يبقَ للاعتراضِ عليهِ وجهٌ، ثُمَّ إنَّ حديثَ أبي سعيدٍ الذِي ذكرهُ هَذا المعترضُ صرحوا بتغليطِ ابنِ أبي رَوَّادٍ (٣) الذِي رواهُ عَن مالكٍ، وممن وهَّمهُ في ذلِكَ الدارقطنيُّ (٤) وغيرهُ، وإذ قدِ اعترضَ عليهِ في حديثِ عمرَ هَذا، فهلاّ اعترضَ عليهِ في الحديثِ الذِي بعدهُ، فَقد ذكرَ المصنفُ أنَّهُ أوضحُ في التفرّدِ مِن حديثِ عمرَ، وَهوَ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عمرَ في النهي عَن بيعِ الولاءِ وعن هبتهِ كَما سيأتي.

стр. 446

ومما يستغربُ حكايتُه في حديثِ عمرَ أنيِّ رأيتُ في " المستخرجِ مِن أحاديثِ الناسِ " لعبدِ الرحمانِ / ١٤٦ ب / بنِ منده: أنَّ حديثَ الأعمالِ بالنياتِ رواهُ سبعةَ عشرَ مِن الصحابةِ، وأنَّهُ رواهُ عَن عمرَ غيرُ علقمةَ (١)، وعن علقمةَ غيرُ محمدِ بنِ إبراهيمَ، وعن محمدِ بنِ إبراهيمَ غيرُ يحيى بن سعيدٍ (٢). وقد بلغني أنَّ الحافظَ أبا الحجاجِ المزيَّ سُئِلَ عَن كلامِ ابنِ منده هَذا فأنكرهُ واستبعدهُ. وقد تتبعتُ (٣) كلامَ ابنِ منده المذكورَ، فوجدتُ أكثرَ الصحابةِ الذينَ ذكرَ حديثهم في الباب إنما لَهُم أحاديثُ أخرى في مطلقِ النيةِ، كحديثِ: ((يبعثونَ على نياتهم)) (٤)، وكحديثِ: ((ليسَ لهُ مِن غزاتهِ إلا ما نوى)) (٥) ونحو ذلِكَ، وهكذا يفعلُ الترمذي في "الجامعِ" (٦) حيثُ يقولُ: ((وفي البابِ عَن فلانٍ وفلانٍ))

стр. 447

فإنَّهُ لا يريد ذلِكَ الحديثَ المعينَ، وإنما يريد أحاديثَ أخرَ يصحُّ أنْ تكتبَ في ذلِكَ البابِ، وإنْ كانَ حديثاً آخرَ غيرَ الذِي يرويهِ في أولِ البابِ، وَهوَ عملٌ صحيحٌ، إلاّ أنَّ كثيراً مِن الناسِ يفهمونَ منْ ذلكَ: أنَّ من سُمِّي منَ الصحابةِ يروونَ ذلكَ الحديثَ الذي رواه في أولِ البابِ بعينهِ، وليس الأمرُ على ما فهموه، بل قَد يكونُ كذلكَ، وقد يكونُ حديثاً آخرَ يصحُّ إيراده في ذلِكَ البابِ، ثمَّ إني تتبعتُ الأحاديثَ التي ذكرها ابنُ منده، فلم أجدْ منها بلفظِ حديثِ عمرَ، أو قريباً مِن لفظهِ بمعناهُ إلا حديثاً لأبي سعيدٍ الخدريِّ (١)، وحديثاً لأبي هريرةَ (٢)، وحديثاً لأنسِ ابنِ مالكٍ (٣)، وحديثاً لعلي بنِ أبي طالبٍ (٤)، وكلها ضعيفةٌ، ولذلكَ قالَ / ١٤٧ أ / الحافظُ أبو بكرٍ البزارُ في "مسنده" (٥) بعدَ تخريجه: ((لا يصحُّ عنِ النبي ﷺ إلا مِن حديثِ عمرَ، ولا عَن

стр. 448

عمر إلا مِن حديثِ علقمةَ، ولا عن علقمةَ إلا مِن حديثِ محمدِ بنِ إبراهيمَ، ولا عَن محمدِ بنِ إبراهيمَ إلاّ مِن حديثِ يحيى بنِ سعيدٍ))، واللهُ أعلمُ. وذكرهُ المصنفُ بعدَ هَذا في النوعِ الثلاثينَ، ونبسطُ الكلامَ عليهِ هناكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى (١). قولهُ: (وأوضحُ مِن ذلِكَ) (٢)، أي: مِن التمثيلِ بحديثِ الأعمالِ ((في ذلكَ)) أي: التمثيلِ للشذوذِ، ووجهُ أرجحيتهِ في الوضوحِ: أنَّ حديثَ الأعمالِ وردتْ لهُ متابعاتٌ، فهو ليسَ بفردٍ، وإنْ كانت تلكَ المتابعاتُ كلُّها واهيةً جداً، بخلافِ حديثِ: ((بيعِ الولاءِ)) (٣) فلم يردْ لهُ متابعٌ، إلا في قولِ مَن أبدلَ عبدَ اللهِ بعمرٍو، وقد صرّحوا بغلطهِ (٤).

стр. 449

وأما حديثُ المِغْفرِ، فَقد قالَ القاضي أبو بكرِ بن العربي في إشبيليةَ (١) لما ادّعوا تفرّدَ مالكٍ بهِ: ((قَد كتبتُهُ مِن ثلاثةَ عشرَ طريقاً غيرَ طريقِ مالكٍ)) ثمَّ سألوهُ أنْ يملي عليهم ذلِكَ فأبطأَ بهِ، فقالَ قائلُهم: يا أهلَ حمصَ ومَنْ بها أوصيكُمُ ... بالبرِّ والتقوى وصيَّةَ مُشْفقِ فخُذُوا عنِ العَرَبيِّ أسمارَ الدجى ... وخُذُوا الرِّوايةَ عَن إمامٍ متَّقِ إنَّ الفتى ذَرِبُ اللسانِ مُهذَّبٌ ... إنْ لَم يَجِدْ خَبَراً صحيحاً يَخْلُقِ (٢) وإنما قالَ: حمص؛ لأنَّ أهلَها نزلوا بإشبيليَّةَ عندما فُتحتْ، فصارتْ تُسمَّى حمص. قالَ شيخُنا: ((فإمّا أنَّه بلغَ ابن العربي / ١٤٧ ب / ذلِكَ فعلمَ تعنتَهم، فحملهُ الحنقُ على كتمانِ ذلِكَ عَنهُم، أو لَم يبلغهُ وعاقه عَن الوفاءِ عائقٌ، فَقد جمعتُ (٣) طرقَهُ، فوصلتُها إلى سبعةَ عشرَ طريقاً، فظهرَ صدقُ ابنِ العربي)) (٤). قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٥) بعد أنْ أوردَ كلامَ ابنِ الصلاحِ إنَّهُ (٦) ليسَ لكلٍّ منهما إلاّ إسنادٌ واحدٌ تفرّدَ بهِ ثقةٌ (٧): ((فيهِ أمرانِ: أحدهما: أنَّ الحديثَ الأولَ -

стр. 450

وهوَ حديثُ النهي عَن بيعِ الولاءِ وهبتهِ (١) - قَد رُوِيَ مِن غيرِ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، رواهُ الترمذيُّ في كتابِ " العلل المفردِ " (٢) حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشواربِ، حدثنا يحيى بنُ سليمٍ، عَن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عَن نافعٍ، عَن ابنِ عمرَ فذكرهُ، ثُمَّ (٣) قالَ (٤): والصحيحُ عَن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، وعبدُ الله بنُ دينارٍ قَد تفرّدَ بهذا الحديثِ عَن ابنِ عمرَ، ويحيى بنُ سليمٍ أخطأ في حديثهِ، وقال الترمذيُّ أيضاً في " الجامعِ ": إنَّ يحيى بنَ سليمٍ وَهِمَ في هَذا الحديثِ. قلت (٥): وقد وردَ مِن غيرِ روايةِ يحيى بنِ سليمٍ، عَن نافعٍ، رواهُ ابنُ عدي في "الكاملِ" (٦) فقالَ: حدثنا عصمةُ بنُ بجماك البخاريُّ، حدثنا إبراهيمُ بنُ فهدٍ، حدثنا مسلمٌ، عَن محمدِ ابنِ دينارٍ، عَن يونسَ -يعني: ابنَ عبيدٍ-، عَن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ)) فذكرهُ، أوردهُ في ترجمةِ إبراهيمَ بنِ فهدِ بنِ حكيمٍ، وقال: ((لَم أسمعْهُ إلاَّ مِن عصمةَ عَنهُ - ثُمَّ قالَ: وسائرُ أحاديثِ إبراهيمَ بنِ فهدٍ مناكيرُ، وهوَ مظلمُ الأمرِ، وحَكَى أيضاً أنَّ ابنَ (٧) صاعدٍ، كانَ إذا حدّثَ عَنهُ يقولُ: حدثنا إبراهيم بنُ حكيمٍ، ينسبهُ إلى جدهِ / ١٤٨ أ / لضعفهِ)). انتهى.

стр. 451

والجوابُ عنِ المصنفِ (١): أنه لا يصحُّ أيضاً إلا مِن روايةِ عبدِ الله بنِ دينارٍ، كَما تقدمَ في حديثِ الأعمالِ بالنياتِ، واللهُ أعلمُ. الأمرُ الثاني: إنَّ حديثَ المغفرِ قَد وردَ مِن عدةِ طرقٍ غيرَ طريقِ مالكٍ (٢): مِن روايةِ ابنِ أخي الزهري، وأبي أويسٍ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي عامرٍ، ومعمرَ، والأوزاعي، كلهم عنِ الزهري، فأمّا روايةُ ابنِ أخي الزهري عنهُ، فرواها أبو بكرٍ البزار في "مسندهِ" (٣)، وأمّا روايةُ أبي أويسٍ، فرواها ابنُ سعدٍ في " الطبقاتِ " (٤)، وابنُ عدي في " الكاملِ " (٥) في ترجمةِ أبي أويسٍ، فأمّا (٦) روايةُ معمرٍ، فذكرها ابنُ عدي في " الكامل "، وأمّا روايةُ الأوزاعيِّ، فذكرها المزيُّ في " الأطرافِ " (٧)، وقد بيّنتُ ذلِكَ في "شرحِ

стр. 452

الترمذي". ورَوَى ابنُ مسدي في " معجمِ شيوخهِ" أنَّ أبا بكرٍ بنَ العربيِّ قالَ لأبي جعفرَ بنِ المرخي، حينَ ذكرَ أنهُ لا يعرفُ إلا مِن حديثِ مالكٍ عنِ الزهري: قَد رويتُهُ مِن ثلاثةَ عشرَ طريقاً غيرَ طريقِ (١) مالكٍ، فقالوا لهُ: أفدْنا هذهِ الفوائدَ، فَوعدَهم ولم يخرجْ لَهُم شيئاً، ثُمَّ تعقبَ ابنُ مسدي هذهِ الحكايةَ بأنّ شيخَهُ فيها - وهوَ أبو العباسِ العشاب - كانَ متعصباً على ابنِ العربي؛ لكونهِ كانَ متعصباً على ابنِ حزمٍ، واللهُ أعلمُ)). قولُهُ: (وقد قالَ مسلمُ بنُ الحجاجِ) (٢) أي: في بابِ مَن حلفَ باللاتِ والعزى مِن بابِ الأيمانِ والنذورِ (٣). قولُهُ: (بأسانيدَ جيادٍ) (٤) يتبادرُ منهُ قبولُ نفسِ المتونِ، فلا يقالُ: يحتملُ أنْ يرادَ جودةُ الأسانيدِ / ١٤٨ب / مِن الزهري إلى النبي ﷺ ، بل الظاهرُ إرادةُ الجودةِ في جميعِ السندِ مِن مسلمٍ .. إلى آخرهِ. قولُهُ: (على تفصيلٍ نبينه) (٥) ليسَ في هَذا التفصيلِ مِن الشاذِّ إلا ما قالهُ أولاً، وهوَ الذِي عُرفَ بهِ الشافعي، وأمّا الثاني: فهو صحيحٌ غريبٌ، وأمّا الثالثُ: فهوَ حسنٌ لذاتهِ غريبٌ، وأمّا الرابعُ: فإنهُ ضعيفٌ إذا أتى ما يجبرهُ صار حسناً لغيرهِ، وتسميتهُ لَهُ شاذاً نظراً إلى محض التفرّدِ، فهوَ نظرٌ لغوي. قولُهُ: (خارماً لَهُ) (٦) أي: للخبرِ، فإنهُ لو حصلَ لهُ متابعٌ انجبرَ، فصارَ

стр. 453

صحيحاً لغيرهِ، فالتفرّدُ هوَ الذِي قَصَرَ بهِ عَن درجةِ الصحيحِ. قلتُ: قولُهُ: (فينظرُ في هَذا الراوي ... ) (١) إلى آخرهِ، قولٌ منهُ بإمكانِ التصحيحِ في هَذا الزمانِ، وقد تقدّمَ نفيُهُ لَهُ في شرح قوله: (وعنده التصحيحُ ليسَ يمكنُ) (٢) فكأنهُ نسيَ ما قالَ هناكَ، ولا يقالُ: إنهُ عَنَى قبولَ الخبرِ مِن جهة أنهُ حسنٌ، لا مِن جهةِ الصحةِ؛ لأنهُ لا يكونُ حينئذٍ بينهُ وبينَ منِ استحسنَ حديثهُ فرقٌ، فيتهافتُ الكلامُ، واللهُ أعلمُ. المنكر (٣) قولهُ: ١٦٧ - وَالْمُنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْدِيجِيْ ... أَطْلَقَ، وَالصَّوَابُ فِي التَّخْرِيْجِ ١٦٨ - إِجْرَاءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَرْ ... فَهْوَ بِمَعْناهُ كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ ١٦٩ - نَحْوَ ((كُلُوا البَلَحَ بالتَّمْرِ)) الخَبَرْ ... وَمَالِكٍ سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ: عُمَرْ ١٧٠ - قُلْتُ: فَمَاذَا؟ بَلْ حَدِيْثُ ((نَزْعِهْ ... خَاتَمَهُ عِنْدَ الخَلاَ وَوَضْعِهْ))

стр. 454

قوله (١): (كذا البرديجي) (٢) ما أطلقهُ البرديجيُّ موجودٌ في كلامِ أحمدَ، فإنهُ يصفُ بعضَ ما تفرّدَ بهِ بعضُ الثقاتِ بالمنكرِ، ويحكمُ على بعضِ رجالِ الصحيحينِ أنَّ لَهُم مناكيرَ، لكن يعلمُ مِن استقراءِ كلامهِ أنهُ لابدَّ معَ التفرّدِ مِن أنْ ينقدحَ في النفسِ أنَّ لَهُ علةً / ١٤٩أ /، ولا يقومُ عليها دليلٌ على نحوِ ما تقدّمَ عَن الحاكمِ في الشاذَ، ويؤيدُه قولُ مسلمٍ: ((إنَّ المنكرَ أن يَعمدَ الرجلُ إلى مثلِ الزهريِّ في كثرةِ الأصحابِ، فينفردَ مِن بينهم عَنهُ بروايةِ حرفٍ لا يوجدُ عندَ أحدٍ منهم، فمثلُ هَذا يقومُ في النفسِ فيهِ ريبةٌ لمجردِ التفرّدِ، وقد لا يقدرُ على التعبيرِ عنها)) (٣). قولُهُ: (فهوَ بمعناهُ) (٤) أي: فالمنكرُ بمعنى الشاذِّ، ليسَ كذلكَ، بل كلٌّ منهما اسمٌ لشيءٍ مخصوص (٥)، فالشاذُّ: اسمٌ لما خالفَ فيهِ الثقةُ مَن هوَ أوثقُ منهُ، أو تفرّدَ بهِ الخفيفُ الضبطِ. والمنكرُ: اسمٌ لما خالفَ فيهِ الضعيفُ، أي الذِي ينجبرُ إذا تُوبعَ، أو تفرّدَ بهِ الأضعفُ، أي: الذِي لا ينجبرُ وَهيُهُ بمتابعةِ مثلهِ. قولُهُ: (ومالك) (٦) عطفٌ على ((كلوا))، أي: نحوَ كلوا، ونحوَ مالكٍ في تسميةِ ابنِ عثمانَ عمرَ، وهوَ على حذفِ مضافٍ، أي: ونحو تسميةِ مالكٍ، فكأنهُ قيلَ: ما سَمَّى؟ قالَ: سَمَّى ابنَ عثمانَ عمرَ، أو يكونُ التقديرُ: ونحو مالكٍ في أن سَمَّى .. (٧) فالحاصلُ أنَّ مرادَهُ: نحو هَذا الحديثِ، ونحو هَذا السندِ.

стр. 455

قولهُ: (لا مِن الوجهِ الذِي رواهُ منهُ .. ) (١) إلى آخرهِ، أي: لا يعرفُ إلا عَنهُ، لا بمتابعةٍ تامةٍ، ولا بمتابعةٍ قاصرةٍ، وإلى ذلِكَ أشارَ ((بالوجهِ الذِي رواهُ منهُ)) ولا بشاهدٍ، وإلى ذلِكَ أشارَ ((بالوجهِ الآخرِ)). قولُهُ: (في كلامِ كثيرٍ مِن أهل الحديثِ) (٢) أي: كَما تقدّمَ عَن أحمدَ، ومسلمٍ، ويأتي عَن أبي داودَ. قولُهُ: (نحو كلوا البلحَ بالتمرِ، فإنَّ ابنَ آدمَ إذا أكلهُ غضبَ الشيطانُ) (٣) وقالَ: ((عاشَ (٤) ابنُ آدمَ حتى أكلَ الجديدَ بالخَلقِ)) (٥) فيهِ (٦) مِن النكارةِ / ١٤٩ ب / وجهانِ: الأول: تفرّدُ أبي زكيرٍ، وَهوَ غيرُ ضابطٍ، فإنهُ صدوقٌ يخطىءُ (٧) كثيراً، وَهوَ وإن كانَ في عدادِ مَن ينجبرُ، لكنهُ لما أتى بهذا المتنِ الركيكِ الألفاظِ، البعيدِ مِن القواعدِ، كانَ كأنهُ خالفَ مَن هوَ أقوى منهُ.

стр. 456

وقوله فيهِ: (شيخٌ صالحٌ) (١) أخذهُ مِن الحافظِ أبي يعلى الخليليِّ القزوينيِّ في كتابهِ " الإرشادِ ". (٢) قالهُ الشيخُ في " النكتِ " (٣). قالَ شيخُنا: ((والمرادُ أنهُ صالحٌ في دينهِ، وليسَ مرادُهُ ما يتبادرُ إلى الذهنِ مِن أنهُ صالحُ الحديثِ (٤)))، ويؤيدُ ذلِكَ قولهُ: ((غير أنَّهُ لَم يبلغْ مبلغَ مَن يحتملُ تفرّدهُ)) (٥). وقوله: (أخرجَ عَنهُ مسلمٌ في كتابهِ) (٦) أي: غيرَ هَذا الحديثِ في موضعٍ واحدٍ، وإنما ساقه متابعةً، كَما قالَ الشارحُ. قالَ الشيخُ في "النكتِ" (٧): ((وقد أطلقَ الأئمةُ عليهِ القولَ بالتضعيفِ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ - في ما رواهُ عَنه (٨) إسحاقُ الكوسجُ -: ((ضعيفٌ)) (٩). وقالَ أبو حاتمِ بنُ حبانَ: ((لا يحتجُّ بهِ)) (١٠). وقالَ العقيليُّ: ((لا يتابعُ على حديثهِ)) (١١) وأوردَ لَهُ ابنُ عدي أربعةَ أحاديثَ مناكيرَ)) (١٢) انتهى.

стр. 457

الوجهُ الثاني مِن نكارتهِ (١): ركاكةُ معناهُ، وعدمُ انطباقهِ على محاسنِ الشريعةِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يغضبُ مِن مطلقِ حياةِ ابنِ آدمَ، بل من حياتِهِ مسلماً مطيعاً، بل ولا يغضبُ مِن حياتِهِ كذلكَ لطمعهِ في إغوائهِ، بل ولا نظرَ لَهُ في غضبهِ إلى الحياةِ أصلاً، إنما نظرُهُ إلى بقائهِ على الطاعةِ، ولو ماتَ عليها لأغضبهُ ذلِكَ، ولو كانَ الأمرُ إليهِ في حياتهِ لسرَّهُ أنْ يمدَ في عمرهِ رجاء استدراجهِ أيضاً (٢)، وأيضاً (٣) فإنهُ علّلَ غضبَهُ / ١٥٠ أ / بجمعِ الجديدِ والعتيقِ، ومجردُ دخولِ زمانِ هَذا على الآخرِ كافٍ مِن غير احتياجٍ إلى أكلهِ لهُ، أو رؤيتهِ، واللهُ أعلمُ. وتمثيلُ ابنِ الصلاحِ بحديثِ: ((لا يرثُ المسلمُ الكافرَ)) (٤)، والشيخ بحديثِ: ((وضع الخاتمَ عند دخولِ الخلاءِ)) (٥)، إنما يصحُّ على طريقتِهما في جعلِ المنكرِ بمعنى الشاذِّ؛ فإنَّ المثالينِ لَم تقع فيهما المخالفةُ إلا بينَ مالكٍ وهمامٍ، ومالكٌ في غايةِ الضبطِ والإتقانِ، وهمامٌ ثقةٌ احتجَّ بهِ الجماعةُ؛ فهما مِن قبيلِ الشاذِّ لا المنكرِ على الرَأي الأسدِّ، ومن الغرائبِ أنَّ مالكاً ﵀ رَوَى حديثاً مِن طريقِ معاويةَ بنِ الحكمِ السلمي ﵁، عنِ النبي ﷺ فخالفَ الحفّاظَ في تسميتهِ، فقالَ عُمرُ بنُ الحكمِ - بضمِ العينِ - كَما وقعَ لَهُ في عمرو بنِ عثمانَ سواءً، ووقعَ لشعبةَ مِن هَذا القبيلِ أنهُ رَوَى عَن شخصٍ آخرَ يُسمَّى عَمرُو بنُ عثمانَ،

стр. 458

فخالفَ الناسَ فيهِ، وقالَ: عَن محمدِ بنِ عثمانَ. قولُهُ: (وذكرَ مسلمٌ في "التمييزِ") (١) هوَ كتابٌ وضعهُ مسلمٌ في العللِ. قولُهُ: (وفيهِ نظر مِن حيثُ إنَّ هَذا الحديث ليسَ بمنكرٍ) (٢) إلى آخرهِ، اعتراضٌ واهٍ جداً؛ فإنَّ ابنَ الصلاحِ لَم يدّعِ أنَّ الحديثَ شاذٌ، وإنما قالَ ما نصُّهُ: ((المنكرُ على قسمينِ (٣): مثالُ الأولِ - وهوَ المنفردُ المخالفُ لما رواهُ الثقاتُ - روايةُ مالكٍ .. )) (٤) إلى آخرهِ، ولا شكَّ أنَّ المنكرَ بهذا المعنى كَما يُطلقُ على المتنِ يُطلقُ على السندِ، وعلى (٥) موضعٍ منهُ، وهذا منهُ، وَهوَ دَعوَى ابنِ الصلاحِ، وربما أوقعَ صنيعَ الشيخِ في محذورٍ آخرَ، وهوَ أنهُ / ١٥٠ ب / ربما أفهمَ أَنَّهُ يشترطُ الشذوذَ فِي السندِ والمتنِ معاً، حَتَّى يُسمَّى شاذاً، وكذا النكارةُ فيهما حَتَّى يستحقَ اسمَ النكارةِ، وليسَ كذلكَ، بل يكفي شذوذُ أحدهما أو نكارتُهُ، عَلَى أنّ هُشَيماً قَدْ شذَّ فِي متنهِ أيضاً، فرواهُ عَن الزهريِّ، عَن عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَن أسامةَ، فَقَالَ: ((لا يتوارثُ أهلُ ملتينِ)) (٦) فخالفَ الناسَ بهذا اللفظِ. ومنَ الغريبِ فِي حديثِ مالكٍ، أنَّ

стр. 459

الرواةَ عنهُ لَمْ يتفقوا، بل رواهُ بعضُهم عنهُ فقالَ: عمرو بنُ عُثْمَانَ - أي: بفتحِ العينِ - فوافقَ الجماعةَ، لكنهُ شذَّ عَن أصْحَابِ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ عَبْد البرّ: ((المحفوظُ عَن مَالِكٍ عُمَرُ بضمِّ العينِ)) (١). وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " النكت " (٢): ((رواهُ النسائيُّ فِي "سُننهِ" (٣) من رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ المباركِ، وزيدِ بنِ الحبابِ، ومعاويةَ بنِ هِشَامٍ؛ ثلاثتهم عَن مَالِكٍ، فقالوا فِي روايتِهم: عمَرو بن عُثْمَان، كرواية بقيةِ أصْحَابِ الزُّهْرِيّ، لكن قَالَ النسائيُّ بعدَهُ (٤): والصواب من حَدِيْثِ مَالِكٍ: عَن عُمرَ ابْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: ولا نعلمُ أحداً تابعَ مالكاً عَلَى قولهِ: عُمَرَ بن عُثْمَان، انتهى. وَقَالَ ابْنُ عَبْد البر فِي "التمهيدِ" (٥): ((إنّ يَحْيَى بن بكير، رواهُ عَن مَالِك عَلَى الشكِّ فقالَ فيهِ: عَن عَمْرِو بن عُثْمَانَ، أو عُمَرَ بنِ عُثْمَانَ)) قَالَ: ((والثابت عَن مالكٍ عُمَرُ بنُ عُثْمَان كما رَوَى يَحْيَى (٦)، وتابَعَهُ القعنبيُّ (٧)، وأكثرُ الرواةِ)) (٨) انتهى.

стр. 460

وقد خالفَ مالكاً فِي ذَلِكَ: ابنُ جريجٍ (١)، وسفيانُ بن عيينةَ (٢)، وهُشَيمُ ابنُ بَشيرٍ (٣)، ويونسُ بنُ يزيدَ (٤)، ومعمرُ / ١٥١ أ / بنُ راشدٍ (٥)، وابنُ الهادِ (٦)، ومحمدُ بنُ أَبِي حفصةَ (٧)، وغيرُهم (٨)، فقالوا: عمرو، وهو الصوابُ، وقد رواهُ سفيانُ الثوريُّ، وشعبةُ (٩)، عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عيسى، عَن الزُّهْرِيِّ. فخالفا فِيهِ الفريقينِ معاً،
следующие страницы →