← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقوله فيهِ: (شيخٌ صالحٌ) (١) أخذهُ مِن الحافظِ أبي يعلى الخليليِّ القزوينيِّ في كتابهِ " الإرشادِ ". (٢) قالهُ الشيخُ في " النكتِ " (٣). قالَ شيخُنا: ((والمرادُ أنهُ صالحٌ في دينهِ، وليسَ مرادُهُ ما يتبادرُ إلى الذهنِ مِن أنهُ صالحُ الحديثِ (٤)))، ويؤيدُ ذلِكَ قولهُ: ((غير أنَّهُ لَم يبلغْ مبلغَ مَن يحتملُ تفرّدهُ)) (٥). وقوله: (أخرجَ عَنهُ مسلمٌ في كتابهِ) (٦) أي: غيرَ هَذا الحديثِ في موضعٍ واحدٍ، وإنما ساقه متابعةً، كَما قالَ الشارحُ. قالَ الشيخُ في "النكتِ" (٧): ((وقد أطلقَ الأئمةُ عليهِ القولَ بالتضعيفِ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ - في ما رواهُ عَنه (٨) إسحاقُ الكوسجُ -: ((ضعيفٌ)) (٩). وقالَ أبو حاتمِ بنُ حبانَ: ((لا يحتجُّ بهِ)) (١٠). وقالَ العقيليُّ: ((لا يتابعُ على حديثهِ)) (١١) وأوردَ لَهُ ابنُ عدي أربعةَ أحاديثَ مناكيرَ)) (١٢) انتهى.

стр. 457

الوجهُ الثاني مِن نكارتهِ (١): ركاكةُ معناهُ، وعدمُ انطباقهِ على محاسنِ الشريعةِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يغضبُ مِن مطلقِ حياةِ ابنِ آدمَ، بل من حياتِهِ مسلماً مطيعاً، بل ولا يغضبُ مِن حياتِهِ كذلكَ لطمعهِ في إغوائهِ، بل ولا نظرَ لَهُ في غضبهِ إلى الحياةِ أصلاً، إنما نظرُهُ إلى بقائهِ على الطاعةِ، ولو ماتَ عليها لأغضبهُ ذلِكَ، ولو كانَ الأمرُ إليهِ في حياتهِ لسرَّهُ أنْ يمدَ في عمرهِ رجاء استدراجهِ أيضاً (٢)، وأيضاً (٣) فإنهُ علّلَ غضبَهُ / ١٥٠ أ / بجمعِ الجديدِ والعتيقِ، ومجردُ دخولِ زمانِ هَذا على الآخرِ كافٍ مِن غير احتياجٍ إلى أكلهِ لهُ، أو رؤيتهِ، واللهُ أعلمُ. وتمثيلُ ابنِ الصلاحِ بحديثِ: ((لا يرثُ المسلمُ الكافرَ)) (٤)، والشيخ بحديثِ: ((وضع الخاتمَ عند دخولِ الخلاءِ)) (٥)، إنما يصحُّ على طريقتِهما في جعلِ المنكرِ بمعنى الشاذِّ؛ فإنَّ المثالينِ لَم تقع فيهما المخالفةُ إلا بينَ مالكٍ وهمامٍ، ومالكٌ في غايةِ الضبطِ والإتقانِ، وهمامٌ ثقةٌ احتجَّ بهِ الجماعةُ؛ فهما مِن قبيلِ الشاذِّ لا المنكرِ على الرَأي الأسدِّ، ومن الغرائبِ أنَّ مالكاً ﵀ رَوَى حديثاً مِن طريقِ معاويةَ بنِ الحكمِ السلمي ﵁، عنِ النبي ﷺ فخالفَ الحفّاظَ في تسميتهِ، فقالَ عُمرُ بنُ الحكمِ - بضمِ العينِ - كَما وقعَ لَهُ في عمرو بنِ عثمانَ سواءً، ووقعَ لشعبةَ مِن هَذا القبيلِ أنهُ رَوَى عَن شخصٍ آخرَ يُسمَّى عَمرُو بنُ عثمانَ،

стр. 458

فخالفَ الناسَ فيهِ، وقالَ: عَن محمدِ بنِ عثمانَ. قولُهُ: (وذكرَ مسلمٌ في "التمييزِ") (١) هوَ كتابٌ وضعهُ مسلمٌ في العللِ. قولُهُ: (وفيهِ نظر مِن حيثُ إنَّ هَذا الحديث ليسَ بمنكرٍ) (٢) إلى آخرهِ، اعتراضٌ واهٍ جداً؛ فإنَّ ابنَ الصلاحِ لَم يدّعِ أنَّ الحديثَ شاذٌ، وإنما قالَ ما نصُّهُ: ((المنكرُ على قسمينِ (٣): مثالُ الأولِ - وهوَ المنفردُ المخالفُ لما رواهُ الثقاتُ - روايةُ مالكٍ .. )) (٤) إلى آخرهِ، ولا شكَّ أنَّ المنكرَ بهذا المعنى كَما يُطلقُ على المتنِ يُطلقُ على السندِ، وعلى (٥) موضعٍ منهُ، وهذا منهُ، وَهوَ دَعوَى ابنِ الصلاحِ، وربما أوقعَ صنيعَ الشيخِ في محذورٍ آخرَ، وهوَ أنهُ / ١٥٠ ب / ربما أفهمَ أَنَّهُ يشترطُ الشذوذَ فِي السندِ والمتنِ معاً، حَتَّى يُسمَّى شاذاً، وكذا النكارةُ فيهما حَتَّى يستحقَ اسمَ النكارةِ، وليسَ كذلكَ، بل يكفي شذوذُ أحدهما أو نكارتُهُ، عَلَى أنّ هُشَيماً قَدْ شذَّ فِي متنهِ أيضاً، فرواهُ عَن الزهريِّ، عَن عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، عَن أسامةَ، فَقَالَ: ((لا يتوارثُ أهلُ ملتينِ)) (٦) فخالفَ الناسَ بهذا اللفظِ. ومنَ الغريبِ فِي حديثِ مالكٍ، أنَّ

стр. 459

الرواةَ عنهُ لَمْ يتفقوا، بل رواهُ بعضُهم عنهُ فقالَ: عمرو بنُ عُثْمَانَ - أي: بفتحِ العينِ - فوافقَ الجماعةَ، لكنهُ شذَّ عَن أصْحَابِ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ عَبْد البرّ: ((المحفوظُ عَن مَالِكٍ عُمَرُ بضمِّ العينِ)) (١). وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " النكت " (٢): ((رواهُ النسائيُّ فِي "سُننهِ" (٣) من رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ المباركِ، وزيدِ بنِ الحبابِ، ومعاويةَ بنِ هِشَامٍ؛ ثلاثتهم عَن مَالِكٍ، فقالوا فِي روايتِهم: عمَرو بن عُثْمَان، كرواية بقيةِ أصْحَابِ الزُّهْرِيّ، لكن قَالَ النسائيُّ بعدَهُ (٤): والصواب من حَدِيْثِ مَالِكٍ: عَن عُمرَ ابْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: ولا نعلمُ أحداً تابعَ مالكاً عَلَى قولهِ: عُمَرَ بن عُثْمَان، انتهى. وَقَالَ ابْنُ عَبْد البر فِي "التمهيدِ" (٥): ((إنّ يَحْيَى بن بكير، رواهُ عَن مَالِك عَلَى الشكِّ فقالَ فيهِ: عَن عَمْرِو بن عُثْمَانَ، أو عُمَرَ بنِ عُثْمَانَ)) قَالَ: ((والثابت عَن مالكٍ عُمَرُ بنُ عُثْمَان كما رَوَى يَحْيَى (٦)، وتابَعَهُ القعنبيُّ (٧)، وأكثرُ الرواةِ)) (٨) انتهى.

стр. 460

وقد خالفَ مالكاً فِي ذَلِكَ: ابنُ جريجٍ (١)، وسفيانُ بن عيينةَ (٢)، وهُشَيمُ ابنُ بَشيرٍ (٣)، ويونسُ بنُ يزيدَ (٤)، ومعمرُ / ١٥١ أ / بنُ راشدٍ (٥)، وابنُ الهادِ (٦)، ومحمدُ بنُ أَبِي حفصةَ (٧)، وغيرُهم (٨)، فقالوا: عمرو، وهو الصوابُ، وقد رواهُ سفيانُ الثوريُّ، وشعبةُ (٩)، عَن عَبْدِ اللهِ بنِ عيسى، عَن الزُّهْرِيِّ. فخالفا فِيهِ الفريقينِ معاً،

стр. 461

فأسقطا منهُ ذِكرَ عَمْرِو بن عثمانَ، وجعلاهُ من رِوَايَة عَلِيّ بن حسينٍ، عَن أسامة، والصوابُ روايةُ الجمهورِ، واللهُ أعلم)). قُلتُ: وهذا يتصورُ مِنْهُ لغز، وَهُوَ أنْ يقالَ لنا: محفوظ يوصف بالشذوذِ، فإنَّ المحفوظَ عَمْرو - بفتحِ العينِ -، ومنْ رواهُ كذلكَ عنْ مالكٍ فقد شَذَّ، واللهُ أعلمُ. وَقَالَ الشيخُ فِي "النكتِ" (١): ((فالمتنُ عَلَى كلِ حالٍ صحيحٌ؛ لأنَّ عُمَرَ وعَمراً؛ كلاهما ثقةٌ)). قولُهُ: (فهذا إسنادٌ معللٌ) (٢) عبارةُ ابْن الصلاحِ: ((فهذا إسنادٌ متصلٌ بنقل العدلِ، عنِ العدلِ، وَهُوَ معللٌ غيرُ صحيحٍ)) (٣). قولُهُ: (يعلى بن عُبَيْد فِيهِ) (٤) أي: فِي الإسنادِ المتقدمِ فِي قولهِ: ((فهذا إسنادٌ معللٌ)) لا فِي المَتْن. قَوْل أَبِي داود فِي حديثِ همامٍ: ((منكرٌ)) جارٍ عَلَى قاعدتهِ فِي أَنَّهُ لا يميز بَيْن المنكرِ والشاذِّ تبعاً للإمامِ أحمدَ. قولُهُ: (ثُمَّ ألقاه) (٥) نقل عَن ابنِ سعدٍ أَنَّهُ أخرجَ فِي "الطبقاتِ" (٦) بهذا السندِ أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ نَقَشَ فِي خاتمهِ: ((مُحَمدٌ رسولُ اللهِ))، فكان إذا أرادَ الخلاءَ وضعهُ. وقولُ النسائي: ((غيرُ محفوظٍ (٧))) يعني: أَنَّهُ شاذٌّ، وهذا هُوَ المعتمدُ فِي وصفِ هَذَا الحديثِ.

стр. 462

قولُهُ: (وإنما رَوَى الناسُ عَن ابْن جُرَيْجٍ الحَدِيْثَ الَّذِي أشارَ إليه أبو داودَ .. ) (١) إِلَى آخرهِ، يوهمُ أنَّ هماماً تفرّدَ بِهِ، وليسَ كذلكَ، فقدْ وَجدنا لهُ متابعاً عنِ ابنِ جريجٍ أخرجهُ الحَاكِمُ (٢) منْ طريق أَبِي / ١٥١ ب / عَقيلٍ - بفتحِ العينِ - صاحبِ بُهَيةَ - بموحدةٍ وتحتانيةٍ مصغر - واسمهُ: يَحْيَى بن المتوكلِ، [عن ابن جريجٍ] (٣)، عنِ الزهريِّ، بِهِ. ولو كانَ أبو عقيلٍ ثقةً أزالَ عنهُ اسمَ النكارةِ، لكنَّهُ ضعيفٌ، وإنما أخرجهُ الحاكمُ متابعاً لهمامٍ، والذي عَلَى شرطِهما عندَ الحاكمِ حديثُ همامٍ، وليسَ كما ظنَّ، وإنما أُتيَ عليهِ منْ حيثُ إنَّ الشيخينِ أخرجا لجميعِ رواةِ السندِ انفراداً، وفاتَهُ أَنَّهُ لا يلزمُ أنْ يكونَ عَلَى شرطِهما إلا إذا كَانَ السندُ مركباً بالهيئةِ الَّتِيْ أخرجاهُ بِهَا، فإنَّ الرجلَ قَدْ يكونُ مَعَ ثقتهِ وجلالتهِ ضعيفاً فِي بعضِ الناسِ، كما مضى تحريرهُ فِي مراتبِ الصحيحِ، وهذا السندُ منْ ذلكَ، فإنَّ هماماً لَقِيَ ابنَ جريجٍ بالبصرةِ، وابن جريجٍ وقعَ لهُ الخطأُ فيما حدّثَ بهِ فِي البصرةِ، فليسَ لهُ حكمُ بقيةِ حديثهِ، وهذهِ فائدةٌ نفيسةٌ. وقولُ الترمذيِّ فيهِ: ((حسن)) (٤)، أي: بالنظرِ إِلَى كونهِ منْ حديثِ ابنِ جريجٍ بالبصرةِ ((صحيحٌ)) بالنظرِ إِلَى ابنِ جريجٍ فِي حدِّ ذاتهِ ((غريبٌ)) أي: لَمْ يردْ إلا منْ هَذَا الوجهِ، وكأنهُ لَمْ يعتدَّ بمتابعةِ أَبِي عقيلٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي "النكتِ" (٥): ((إنَّ الترمذيَّ فِي تصحيحهِ أَجرَى الأمرَ عَلَى ظاهرِ الإسنادِ)) قَالَ: ((وقولُ أَبِي داودَ والنسائيِّ أولَى بالصوابِ، إلا أَنَّهُ قَدْ (٦) وردَ منْ

стр. 463

غيرِ روايةِ همامٍ، رواهُ الحاكمُ فِي "المستدركِ" (١)، والبيهقيُّ فِي " سُننهِ " (٢)، من رِوَايَة يَحْيَى بنِ المتوكل، عَن ابن جريجٍ. وصححهُ الحاكمُ عَلَى شرطِ الشيخينِ، وضَعَّفَهُ البيهقيُّ فَقَالَ: هَذَا شاهدٌ ضعيفٌ، وكأنّ البيهقيَّ ظنَّ أن يَحْيَى بْنَ المتوكلِ هُوَ أبو عقيلٍ صاحبُ بُهيةَ، وَهُوَ / ١٥٢ أ / ضعيفٌ عندَهم، وليس هُوَ بهِ، وإنما هُوَ باهليٌّ يُكنىَ: أَبَا بكرٍ، ذَكَرهُ ابنُ حبانَ فِي " الثقاتِ " (٣)، ولا يَقدحُ فيهِ قولُ ابنِ معينٍ: لا أعرفهُ، فَقَدْ عرفهُ غيره، ورَوَى عنهُ نحوٌ من عشرينَ نفساً، إلا أَنَّهُ اشتهرَ تفرُّد همامٍ بهِ عَن ابن جريجٍ، واللهُ أعلم))، انتهى. وقالَ المنذريُّ فِي " مختصرِ السننِ " (٤): ((وهمامٌ هَذَا هُوَ: أبو عبدِ اللهِ همامُ بنُ يَحْيَى بنِ دينارٍ الأزديُّ العوذيُّ، مولاهم البصريُّ، وإنْ كانَ قدْ تكلّمَ فيهِ بعضُهم فقدْ اتفقَ الشيخانِ عَلَى الاحتجاجِ بحديثهِ، وقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: همامٌ ثبتٌ فِي كلِ المشايخِ، وقالَ ابْنُ عديٍّ الجرجانيُّ: وهمامٌ أشهرُ وأصدقُ منْ أنْ يذكرَ لهُ حديثٌ منكرٌ، وأحاديثهُ مستقيمةٌ عنْ قتادةَ، وَهُوَ مقدّمٌ أيضاً فِي يَحْيَى بنِ أَبِي كثيرٍ، وعامةُ مَا يرويهِ مستقيمٌ، هَذَا آخرُ كلامهِ. وإذا كانَ حالُ همامٍ كذلكَ فيترجحُ مَا قالهُ الترمذيُّ (٥) وتفرّدهُ بهِ لا يوهنُ الحديثَ وإنما يكونُ غريباً، والله أعلم)).

стр. 464

الاعتبار والمتابعات والشواهد (١) قولُهُ: (الاعتبارُ والمتابعاتُ والشواهدُ) (٢) لَوْ قَالَ: الاعتبارُ فِي المتابعاتِ والشواهدِ، أو: لأجلِ المتابعاتِ والشواهدِ، لكانَ حسناً؛ فإنَّ الاعتبارَ هو: تفتيشُ المحدّثِ عَلَى طرقِ الحديثِ؛ لأجلِ معرفةِ المتابعاتِ والشواهدِ، لا أَنَّهُ نوعٌ برأسهِ كما هُوَ المتبادرُ منْ هذهِ العبارةِ، وحقيقتهُ: أنْ تُكثرَ التأمُّلَ؛ فتعبرَ منَ الشيء إِلَى غيرهِ، فتصلَ إِلَى أمورٍ دقيقةٍ فتتعجبَ مِنْهَا، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ تدلُّ عَلَى أنَّ مرادَهُ شرحُ هذهِ الألفاظِ، فالعطفُ إذنْ / ١٥٢ ب / حسنٌ؛ فإنهُ قَالَ: ((هذهِ أمورٌ يتداولونها فِي نظرِهم فِي حالِ الحديثِ، هَلْ تفرّد بهِ راويهِ، أو لا (٣)؟)). قولُهُ: ١٧١ - الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيْثَ هَلْ ... شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فيْمَا حَمَلْ ١٧٢ - عَنْ شَيْخِهِ، فَإنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ ... مُعْتَبَرٍ بِهِ، فَتَابِعٌ، وَإنْ ١٧٣ - شُورِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا ... وَقَدْ يُسَمَّى شَاهِداً، ثُمَّ إذَا ١٧٤ - مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أتَى فَالشَّاهِدُ ... وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ ١٧٥ - مِثَالُهُ ((لَوْ أَخَذُوا إهَابَهَا)) ... فَلَفْظَةُ ((الدِّبَاغِ)) مَا أتَى بِهَا

стр. 465

١٧٦ - عَنْ عَمْرٍو الاَّ (١) ابنُ عُيَيْنَةٍ (٢) وَقَدْ ... تُوبِعَ عَمْروٌ في الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ ١٧٧ - ثُمَّ وَجَدْنَا ((أَيُّمَا إِهَابِ)) ... فَكَانَ فيهِ شَاهِدٌ في البابِ قولُهُ: (معتبر بهِ) (٣) يعني: بأنْ يكونَ أهلاً للعضدِ بأنْ يكونَ فيهِ قوةٌ، فلو قالَ: ((أهل العضدِ فهو تابعٌ)) لكانَ أوضحَ؛ لأنهُ يتبادرُ إِلَى الذهنِ أنَّ معنى معتبرٌ بهِ معنى الاعتبارِ الَّذِي هُوَ السبرُ؛ لقربِ مَا بَيْنَهُمَا. هَذَا من جهةِ كونِ هذا أدلَّ عَلَى المعنى الَّذِي أرادهُ. وأمَّا الَّذِي يظهرُ منْ تصرفاتهم فعدمُ التفرقةِ بينَ الواهي وغيرهِ في تسميةِ مشاركةِ كلٍّ منهما متابعةً، وإنْ كَانَتْ متابعةُ الواهي لا تفيدُ المقصودَ منَ الحديثِ، وَهُوَ الحجيةُ إذا كانتِ الطريقُ الأخرى غيرَ قويةٍ، وكانَ (٤) حقُّهُ حينئذٍ أنْ يقولَ: ((طريق أخرى، فَهِي تابع)). وإنَّ قولهُ: ((وإنْ لَمْ تجد أحداً تابعهُ عليهِ عنْ شيخهِ، فانظرْ هَلْ تابعَ أحدٌ شيخَ شيخهِ)) (٥) فيهِ مؤاخذةٌ، وهي (٦) أنْ لا ننتقلَ إِلَى شيخِ شيخهِ إلا بعدَ فقدِ متابعةِ شيخهِ، فكانَ منْ (٧) حقهِ أنْ يقولَ: فانظر هَلْ تابعَ أحدٌ شيخَهُ؟ فإنْ فقدَ، فانظرْ فِي شيخِ شيخهِ، وكذا إِلَى الآخرِ، كما قالَ فِي النظمِ، وكما فِي مثالِ ابْنِ حبانَ. قولُهُ: (فالحديثُ إذنْ فردٌ) (٨) أي: مطلقٌ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((فقدْ

стр. 466

تحققَ فيهِ التفردُ المطلقُ حينئذٍ، وينقسمُ عندَ ذلكَ إِلَى مردودٍ منكرٍ، وغيرِ مردودٍ كما سبقَ، وإذا قالوا فِي مثلِ هَذَا: تفرّدَ بهِ أبو هريرةَ، وتفرّد بهِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ ابنُ سيرينَ، وتفرّدَ بهِ عَن ابنِ سيرينَ أيوبُ، وتفرّدَّ بهِ عَن أيوبَ حمادُ بنُ سلمةَ، كانَ فِي ذلكَ / ١٥٣ أ / إشعارٌ بانتفاءِ وجوهِ المتابعاتِ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يدخلُ فِي بابِ المتابعةِ والاستشهاد روايةُ من لا يحتجُّ بحديثهِ وحدَهُ، بل يكونُ معدوداً فِي الضعفاءِ، وفي كتابي (١) البخاريِّ ومُسلمٍ جماعةٌ منَ الضعفاءِ ذَكَرَاهُم فِي المتابعاتِ والشواهدِ (٢)، وليسَ كلُّ ضعيفٍ يصلحُ لذلكَ؛ ولهذا يقولُ الدارقطنيُّ وغيرهُ فِي الضعفاء: فلانٌ يعتبرُ (٣) بهِ، وفلانٌ لا يعتبرُ بهِ، وقدْ تقدّمَ التنبيهُ عَلَى نحوِ ذَلِكَ)) (٤). - أي فِي قسمِ الْحَسَن -. قولُهُ: (وقد يسمى) (٥) أي: الحديثُ الَّذِي شُوركَ فيهِ الشيخُ (شاهداً) (٦) أي: وهي المتابعةُ القاصرةُ، وأمّا المتابعةُ التامةُ، وهي متابعةُ الرَّاوي نفسهِ عنْ شيخهِ فلا يُسمَّى شاهداً؛ لأنها هِيَ المتابعةُ الحقيقيةُ، ومتى كَانَتِ المشاركةُ فِي ذلكَ

стр. 467

الصحابيِّ فَهِيَ متابعةٌ سواءٌ كانتْ باللفظ أو بالمعنى، تامةً أو قاصرةً (١). قولُهُ: (ثُمَّ إذا متنٌ بمعناه أتى) (٢) أي: عنْ صحابيٍّ آخرَ. قالَ شيخُنا: ((وكذا مَا كَانَ باللفظِ، وإنما تَركَ ذِكرَهُ؛ لأنهُ مفهومُ موافقة، وخصَّ قومٌ المتابعةَ بما كانَ باللفظِ، سواءٌ كانَ منْ روايةِ ذلكَ الصحابيِّ، أو لا، والشاهدُ بما كَانَ بالمعنى)) (٣)، كذلكَ قَالَ وَهُوَ الأليق. قولُهُ: (وقد توبع عَمْرو (٤)) (٥) هذهِ متابعةٌ قاصرةٌ، والمتابعة التامةُ: أنْ يتابعَ أحدٌ ابْنَ عيينةَ فِي الروايةِ عَن عَمْرٍو، والإتيانُ بلفظةِ ((الدباغِ)) وقد ذكرَ شيخُنا مثالاً فِي "شرحِ النخبةِ" (٦) جمعَ المتابعةَ التامةَ والقاصرةَ والشاهدَ، وَهُوَ مَا رواهُ الشَّافِعِيّ فِي "الأم" (٧)، عَن مَالِكٍ، عَن عَبْد الله بنِ دينارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ / ١٥٣ ب /: ((الشهرُ تسعٌ وعشرونَ، فلا تصوموا حَتَّى تروا الهلالَ، ولا تفطروا حَتَّى تروهُ، فإنْ غمَّ عليكم؛ فأكملوا العدةَ ثلاثينَ)) ورواهُ عدةٌ منْ أصحابِ مالكٍ بلفظِ: ((فاقدروا لَهُ)) فظنَّ قومٌ أنَّ الشَّافِعِيّ تفرد بقولِهِ: ((فأكملوا العدةَ ثلاثينَ)) وقد تابعَهُ عَلَيْهَا عَبْدُ اللهِ بنُ مسلمةَ القعنبيُّ، عنْ مالكٍ، كذلك أخرجهُ البخاريُّ (٨)، وله (٩) متابعةٌ قاصرةٌ فِي "صحيحِ

стр. 468

ابنِ خزيمةَ" (١) منْ روايةِ عاصمِ بنِ مُحَمَّدٍ، عنْ أبيه مُحَمَّدِ بن زيدٍ، عَن جدهِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، بلفظ: ((فكملوا ثلاثين)) (٢)، وفي "صحيحِ مُسْلِمٍ" (٣) منْ روايةِ عبيدِ الله بن عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، بلفظِ: ((فاقدروا ثلاثين)). وأخرجَ النسائيُّ (٤) لَهُ شاهداً منْ روايةِ مُحَمَّد بن حنين، عَن ابنِ عباسٍ، عَن النبيِّ ﷺ . فذكرَ مثلَ حَدِيْث عَبْدِ اللهِ بن دينارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ سواءً، فهذا باللفظِ. وأخرج البخاريُّ (٥) منْ روايةِ مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَن أَبِي هريرةَ، بلفظ: ((فإن غمي عليكم فأكملوا عدةَ شعبانَ ثلاثينَ)) فهذا بالمعنى. قولُهُ - عَن ابْن حبانَ -: (وإلاَّ فلا) (٦)، أي: وإنْ لَمْ يوجدْ شيءٌ منْ ذلكَ لَمْ يعلمْ أنَّ للحديثِ أصلاً يرجعُ إليهِ، وظاهرُ هَذِهِ العبارةِ مشكلٌ منْ حيثُ إنهُ يوهمُ أَنَّهُ لَوْ رُوِيَ حديثٌ بمثلِ هؤلاءِ الرجالِ لا يقبلُ إذا لَمْ يوجدْ لهُ متابعٌ أصلاً؛ لأنَّ مثلَ هَذِهِ

стр. 469

العبارةِ تقالُ فِي استعمالهم فِي ما لا يقبلُ، ولولا تقييدُهُ بالثقاتِ لسَهُلَ الأمرُ، ولولا ذلكَ لقلنا: إنهُ يساعدُ مَنْ قَالَ: إنَّ المتابعةَ لا تكونُ إلا منْ معتبرٍ بهِ، لكنَّ تقييدَهُ منعَ منْ ذلكَ؛ فإنَّ المعتبرَ بهِ قَدْ لا يبلغُ رتبةَ الثقةِ، بأنْ يكونَ فيهِ ضعفٌ يسيرٌ. قولُهُ: (فمثالُ ماعدمتْ فيهِ المتابعاتُ منْ هَذَا / ١٥٤ أ / الوجهِ) (١) أي: من روايةِ حمادٍ ... إِلَى آخرهِ. قولُهُ: (ومنْ حديثِ أيوبَ عن ابنِ سيرينَ) (٢) يتعلّقُ (٣) بقوله بعدهُ: ((رواهُ (٤) حمادُ بنُ سلمةَ)) وَهُوَ منْ تتمةِ كلامِ ابنِ عديٍّ، فهو معطوفٌ عَلَى الحسنِ بنِ دينارٍ فِي المعنى، أي: وإلاَّ أيوب. قولُهُ: (ويرويهِ الحسنُ بنُ أَبِي جَعْفَر .. ) (٥) إِلَى آخرهِ. قَالَ شيخنا: ((هَذَا هُوَ المحفوظُ - يعني: كونهُ عنْ عليٍّ - لكنْ غلطَ فِي رفعهِ، فالمحفوظُ أَنَّهُ من (٦) قوله (٧))). قولُهُ: (فجعلهُ منْ مسندها) (٨) قَالَ فِي " النكت " (٩): ((منْ روايةِ ابْن عباسٍ

стр. 470

عَنْهَا، لا منْ روايةِ (١) ابنِ عباسٍ وقد رواهُ مسلمٌ (٢) عَلَى الوجهينِ معاً منْ طريقِ ابنِ عيينةَ، فجعلهُ منْ مسندِ ابنِ عَبَّاسٍ، ومنْ طريقِ ابنِ جريجٍ فجعلهُ منْ مسندِ ميمونةَ)). قولُهُ: (فلهذا مثلتُ بإبراهيمَ) (٣) أي: لأنهُ وافقَ ابنَ عُيَيْنَةَ فِي سندهِ، وخالفَهُ فِي المَتْنِ، فأسقطَ الدِباغَ. قولُهُ: (أيما إِهابٍ دُبغَ فَقَدْ طهر) (٤) هَذَا لفظُ غيرِ "صحيحِ مُسْلِمٍ"، ولفظُ مُسلمٍ: ((إذا دُبغَ الإهابُ فَقَدْ طهر)) (٥).

стр. 471

زيادات الثقات (١) قولُهُ: ١٧٨ - وَاقْبَلْ زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ مِنْهُمُ ... وَمَنْ سِوَاهُمْ فَعَلَيْهِ المُعْظَمُ ١٧٩ - وَقِيْلَ: لاَ، وَقِيْلَ: لاَ مِنْهُمْ، وَقَدْ ... قَسَّمَهُ الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا انْفَرَدْ ١٨٠ - دُوْنَ الثِّقَاتِ ثِقَةٌ خَالَفَهُمْ ... فِيْهِ صَرِيْحَاً فَهُوَ رَدٌّ عِنْدَهُمْ ١٨١ - أَوْ لَمْ يُخَالِفْ، فَاقْبَلَنْهُ، وَادَّعَى ... فِيْهِ الخَطِيْبُ الاتِّفَاقَ مُجْمَعَا ١٨٢ - أَوْ خَالَفَ الاطْلاَقَ نَحْوُ ((جُعِلَتْ ... تُرْبَةُ الارْضِ)) (٢) فَهْيَ فَرْدٌ نُقِلَتْ ١٨٣ - فَالْشَّافِعِيْ وَأَحْمَدُ احْتَجَّا بِذَا ... وَالوَصْلُ والارْسَالُ مِنْ ذَا أُخِذَا ١٨٤ - لَكِنَّ في الإرْسَالِ جَرْحاً فَاقْتَضَى ... تَقْدِيْمَهُ وَرُدَّ أنَّ مُقْتَضَى ١٨٥ - هَذَا قَبُولُ الوَصْلِ إذْ فِيْهِ وَفِيْ ... الجَرْحِ عِلْمٌ زَائِدٌ لِلْمُقْتَفِيْ

стр. 472

قولُهُ: (منهم) (١) تقديرهُ: منهم عليهم، أي: اقبلْ زياداتِ الثقاتِ الكائنةَ من أحدِهم عَلَى نفسهِ، بأنْ حدّثَ بحديثٍ مرةً ناقصاً، ومرةً زادَ فيهِ. (ومنْ سواهم)، أي: واقبلها أيضاً منْ سوى أنفسهم من الثقاتِ بأن يحدّثَ بهِ ثقةٌ عَلَى كيفيةٍ، فيحدّث بهِ ثقةٌ آخرُ فيزيدُ عليهِ. (وقيلَ: لا منهم) أي: وقيل: لا تقبلُ الزياداتُ من الثقةِ عَلَى نفسهِ. قولُهُ: (فِيهِ صريحاً) (٢) يعني: منافياً منافاةً صريحةً بأنْ لا يمكنُ الجمعُ، فلو قَالَ: ((وَهُوَ منافٍ)) عوض ((فيهِ صريحاً)). لكان أصرحَ وأحسنَ. قولُهُ: (فَهي فردٌ) (٣) لَوْ نصبهُ لكان (٤) أحسنَ، ويكون التقديرُ: فَهي نُقِلتْ / ١٥٤ ب / فِي حالِ كونها حديثاً فرداً. قولُهُ: (والوصلُ والإرسال منْ ذا أخذا) (٥) الإشارة بـ ((ذا)) إِلَى أصلِ هَذَا النوعِ، وَهُوَ زياداتُ الثقاتِ، لا إِلَى تفصيلِ ابنِ الصلاحِ، ولأجلِ هَذَا أعادَ اسم الإشارةِ؛ فإنهُ كَانَ يمكنهُ أنْ يقولَ: ((مِنْهُ أخذا)). قولُهُ: (وردَّ أنَّ مقتضى ... ) (٦) إِلَى آخرهِ، صعبُ التركيبِ، تقديرهُ - واللهُ أعلمُ -: ورُدَّ هَذَا البحثُ بأنَّ مقتضاهُ عكسُ القضيةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يقتضي قبولَ الوصلِ؛ لأنَّ فِيهِ علماً زائداً عَلَى الإرسالِ للذي قلتم إنَّهُ جرحٌ، والجرحُ إنما يقدّمُ عَلَى التعديلِ؛ لأنهُ فِي الغالبِ يكونُ فيه علمٌ زائدٌ عَلَى التعديل، فلما وُجِدَتْ فِيهِ (٧) العلة

стр. 473

التي قُدّمَ منْ أجلها مقابلهُ (١) قُدّمَ هُوَ. قولُهُ: (الألفاظِ فِي المتونِ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((زياداتُ الألفاظِ الفقهيةِ فِي الأحاديثِ)) (٣). قولُهُ: (ابْن سريج) (٤) بالمهملةِ والجيمِ، وَهُوَ الإمامُ أبو العباسِ، أحدُ أئمةِ الشافعيةِ (٥). قولُهُ: (سواءٌ تعلقَ بِهَا حكمٌ ... ) (٦) إِلَى آخرهِ، مقابلُ كلِّ جملةٍ منْ هذهِ قولٌ مفصلٌ بحسبِ مَا يليقُ بكلِّ واحدةٍ مِنْهَا، فمقابلُ الأولى: قول إنها لا تقبلُ إلا إنْ تعلّقَ بِهَا حكمٌ شرعيٌّ. والثانيةُ: أنَّ شرطَ القبولِ أنَ لا تُغيّرَ حكماً ثابتاً (٧)، وهكذا إِلَى الآخرِ. وقولُ ابْنِ طاهرٍ: ((لا خلافَ نجدهُ .. )) إِلَى آخرهِ (٨)، أي: لا نجدُ أحداً منْ أهلِ الفنّ إلا وقد قَبِلَ زيادةَ الثقاتِ، ولو فِي مكانٍ منَ الأماكنِ، فهم مُجمِعونَ بهذا الاعتبارِ بالفعلِ، ولكنّهم مختلِفونَ فِي التفاصيلِ؛ فتجدُ هَذَا يقبلُ فِي مكانٍ لا يقبلُ فيهِ الآخرُ، / ١٥٥ أ / ويقبلُ فِي آخرَ غيره، ومنْ تأمّلَ تصرّفَهم حقَّ التأمُّلِ عَلِمَ أنهم لا يحكمونَ فِي هَذِهِ المسألةِ بحكمٍ كليٍّ، ولكنّهم دائرون فِي أفرادِها مَعَ

стр. 474

القرائنِ، فتارةً يرجّحونَ الوصلَ، وتارةً الإرسالَ، وتارةً روايةَ منْ زادَ، وتارةً روايةَ منْ نقصَ، ونحو ذلكَ، وهذا هُوَ المعتمدُ، وَهُوَ فِعلُ جَهابذةِ النقدِ وأعلامِهم. قولُهُ: (لا يجوزُ عليهمُ الوهمُ) (١) قالَ الآمديُّ: ((إذا دارَ الأمرُ بينَ أنْ يوهمَ مَنِ ادّعى وجودَ شيءٍ، ومَنِ ادّعى عدمَهُ، فتُوهيمُ مُدّعي العدمِ، أو الساكتِ عَن الوجودِ أقربُ)). قُلتُ: لأنّهُ يمكنُ الاعتذارُ عنهُ بأنّ (٢) جزمَهُ بالعدمِ مستنِدٌ إِلَى الخفاءِ، وأمّا مُدّعى الوجودِ فتوهيمُهُ يؤدي إِلَى تكذيبهِ، والفرضُ أَنَّهُ ثقةٌ. قولُهُ: (فيما إذا روياهُ) (٣) أي: من زادَ ومنْ نقصَ، سواءٌ كانا شخصينِ، أو أكثرَ، فالضميرُ للفريقينِ. قولُهُ: (لا ممنْ رواهُ ناقصاً) (٤) أي: لأنَّ روايتَهُ ناقصاً أورثتْ شكَّاً ما فِي تلكَ الزيادةِ؛ لأنَّ أصلَ الحديثِ متفقٌ عليهِ عندَ مَنْ زادَ، ومَنْ نقصَ، والزيادة فِي صورةِ المختلفِ فِيهِ، وهذا القولُ قادحٌ فيما سلفَ منْ حكايةِ الاتفاقِ عَلَى قبولِ الزيادةِ من الثقةِ. قولُهُ: (وتقبل من غيرهِ) (٥) أي: لأنّ روايةَ الشخص لهُ ناقصاً إنْ (٦) أورثتْ شكَّاً فِي روايتهِ لَهُ مرةً أخرى بزيادةٍ، منْ حيثُ إنَّ الإنسانَ مطبوعٌ عَلَى تحسينِ حالهِ، وإِشهار علمهِ (٧)، فاقتصارهُ عَلَى النقصِ يورثُ شكَّاً فِي الزيادةِ، لَمْ

стр. 475

يورثْ (١) شكاً فيما إذا / ١٥٥ ب / كانتِ الزيادةُ منْ غيرهِ؛ لأنَّ تلكَ العلةَ لا تتمشَّى فِيهِ. قولُهُ: (إنْ كانتِ الزيادةُ مغيرةً) (٢) أي: لأنَّ المحدّثَ يحكِي لفظَ النبيِّ ﷺ ، فإذا حكاهُ عَلَى صفةٍ لَمْ تُقبلْ حكايتُهُ لَهُ عَلَى مَا يخالفُها، واللهُ أعلمُ. قولُهُ: (إلاَّ إذا أفادتْ حكماً) (٣) قلتُ: لأنّ الأحكامَ مدارُ الحديثِ، والراوي ثقةٌ، فلا وجه للردِّ، واللهُ أعلم. فأمّا إذا كانتْ زيادةً لفظيةً، كتأكيدٍ لشيءٍ، أو إطنابٍ فِي مختصرٍ، ونحو ذلكَ؛ فإنها تردُّ. قُلتُ: لأنهُ تصرفٌ فِي اللفظِ، وليسَ ذلكَ منْ وظيفتهِ، ويشبهُ أنْ يكونَ هَذَا قَوْلَ مَنْ يمنعُ الروايةَ بالمعنى، واللهُ أعلم. والقولُ السادسُ: نقيضُ هَذَا: وَهُوَ أنها إنْ كانتْ زيادةً لفظيةً قُبلتْ. قلتُ: لأنَّ ذَلِكَ راجعٌ إِلَى التصرفِ فِي الألفاظِ المترجمةِ عنِ المعاني، وذلكَ جائزٌ عَلَى الأصحِّ، واللهُ أعلم. وإنْ كانتْ معنويةً أفادتْ معنىً وحكماً لَمْ تقبلْ. قُلتُ: لأنَّ روايتهُ مرةً بدونها أورثتْ شكَّاً فيها، ويحتاطُ فِي المعاني ما لا يحتاطُ فِي الألفاظِ، واللهُ أعلم. قولُهُ: (اتفاق العلماءِ عليهِ) (٤) قلتُ لشيخِنا: لِمَ لا يكونُ الحكمُ فِي هَذَا أيضاً معَ القرائنِ؟ فقالَ: لأنّ هذهِ الزيادةَ فِي حكمِ خبرٍ مفردٍ، فلا مدخلَ للقرينة فيها بالنسبةِ إِلَى بقيةِ الخبرِ. فَقُلْتُ: فماذا نفعلُ (٥) في كلامِ الشَّافِعِيّ ﵀ فِي

стр. 476

قوله: ((ومتى خالفَ مَا وصفتُ أضرَّ ذَلِكَ بحديثهِ)) (١) ومن جملتهِ أنْ يخالفَ بالزيادةِ؟ فقالَ: كلامهُ هناكَ فِي شخصٍ مَا علمنا حالَهُ، بل نريدُ أنْ نعلمَ حالَهُ منْ هَذَا التفتيشِ، وأمّا هنا فالمسألةُ مفروضةٌ فيمن عُلمتْ ثقتُهُ وأمانتُهُ وحفظُهُ منْ غيرِ / ١٥٦ أ / حديثهِ المبحوثِ عنهُ (٢). قولُهُ: (مَا يقعُ بينَ هاتينِ المرتبتينِ) (٣) حدٌ صحيحٌ لَوْ سكتَ عليهِ. قولُهُ: (مثلُ زيادةِ .. ) (٤) إِلَى آخرهِ، ليسَ بجيدٍ؛ فإنهُ يدخلُ فِي كلٍ من القسمينِ الماضيينِ؛ فإنَّ اللفظةَ الَّتِي لم يذكرْها سائرُ مَن رَوَى ذلكَ الحديثَ يصلحُ أنْ تكونَ منافيةً، وأنْ لا تكونَ منافيةً أصلاً. قولُهُ: (من المُسْلِمِين) (٥) هَذَا الحديثُ أخرجهُ الشيخانِ (٦). قولُهُ: (فذكرَ أبو عيسى الترمذيُّ (٧) أنَّ مالكاً انفردَ .. ) (٨) إِلَى آخرهِ، ليسَ كذلكَ، فلفظُ الترمذيِّ: ((لا يقولُ فِي هَذَا الحديثِ: ((من المُسْلِمِين)) كبيرُ أحدٍ غيرُ مالكٍ)) (٩). فهوَ كما تراهُ لَمْ ينفِ مَنْ دونَ ذلكَ: لأنّ قولَهُ: ((كبيرُ أحدٍ)) ينحل إِلَى

стр. 477

أحدٍ كبيرٍ. هكذا قالَ شيخُنا. ولم أرَ هَذَا اللفظَ فِي الترمذيِّ، ولا فِي "العللِ" الَّتِيْ بآخرهِ، عَلَى أَنَّهُ لا يصلحُ اعتراضاً عَلَى ابْن الصلاح؛ فإنهُ قَالَ: ((انفردَ منْ بينِ الثقاتِ)) يعني: أَنَّهُ لَمْ يروِها من الثقات غيرُهُ، وإلا لَمْ يكنْ لقولهِ: ((منْ بَيْن الثقاتِ)) كبيرُ فائدةٍ، وكانَ حذفُه أخصرَ، وأدلَّ عَلَى الإطلاقِ، وبهذا يندفعُ أيضاً اعتراضُ الشيخِ فِي " النكتِ " بمثلِ ذلكَ في قوله: ((وكلامُ الترمذيِّ هَذَا ذَكَرَهُ فِي " العلل " (١) التي فِي آخرِ " الجامع "، ولم يصرّحْ بتفرّدِ مالكٍ بِهَا مطلقاً، فَقَالَ: ((ورُبَّ حديثٍ إنما يستغربُ لزيادةٍ تكونُ فِي الحديثِ، وإنما يصحُّ إذا كانتْ الزيادةُ ممن يعتمدُ عَلَى حفظهِ، مثل مَا رَوَى مالكُ بنُ أنسٍ ... فذكرَ الحديثَ، ثُمَّ قَالَ: وزادَ مالكٌ فِي هَذَا الحديثِ ((من المسلمينَ)) ورَوَى أيوبُ السختيانيُّ وعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ وغيرُ واحدٍ من الأئمةِ هَذَا الحديثَ عنْ نافعٍ، عَن ابنِ عُمرَ، ولم يذكروا فيهِ: ((من المُسْلِمِين)) وقد رَوَى بعضُهمْ / ١٥٦ ب / عَن نافعٍ مثلَ روايةِ مالكٍ ممن لا يعتمدُ عَلَى حفظهِ)). انتهى كلامُ الترمذيِّ. فلم يذكرِ التفرّدَ مطلقاً عن مالكٍ، وإنما قيّدهُ بتفرّدِ الحافظِ كمالكٍ، ثمَّ صرّحَ بأنَّهُ رواهُ غيرُهُ، عن نافعٍ ممن لم يعتمدْ على حفظهِ، فأسقطَ المصنفُ آخرَ كلامهِ، وعلى كلِّ تقديرٍ فَلَمْ ينفردْ مَالِكٌ (٢) بهذه الزيادةِ، بل تابَعَهُ عَلَيْهَا جماعةٌ منَ الثقاتِ: عُمَر بن نافعٍ .. إِلَى آخرِ كلامهِ، ثُمَّ قَالَ: فأمّا روايةُ ابنهِ عُمَرَ فأخرجهاُّ البخاري فِي "صحيحهِ" (٣) من رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بنِ جعفر، عَن عُمَرَ بن نافعٍ، عَن أبيهِ، فقالَ فِيهِ: ((منَ المُسْلِمِين))، - قَالَ العلامة شمسُ الدينِ بنُ حسّانَ: ((وهو فِي أَبِي داود (٤)

стр. 478

والنسائيِّ (١))). انتهى. (٢) - وأمّا رِوَايَةُ الضحاكِ بْن عُثْمَانَ: فأخرَجَها مُسْلِمٌ فِي "صحيحهِ" (٣) من رِوَايَةِ ابنِ أبي فديك، قَالَ: أخبرنا الضحاكُ، عَن نَافِعٍ، وَقَالَ فِيهِ أيضاً: ((من المُسْلِمِين)). وأمّا روايةُ كثيرِ بنِ فرقد: فأخرَجَها الدارقطنيُّ فِي "سننهِ" (٤) والحاكمُ فِي " المستدركِ " (٥) من رِوَايَة الليثِ بنِ سعدٍ، عَن كثيرِ بنِ فرقد، عَن نافعٍ، فقالَ فيها أيضاً: ((منَ المُسْلِمِين))، وَقَالَ الحاكمُ بعد تخريجهِ: ((هَذَا حديثٌ صحيحٌ عَلَى شرطهما، ولم يخرجاه)). انتهى. وكثيرُ بنُ فرقد احتجَ بهِ البخاريُّ، ووثقهُ ابْنُ معينٍ وأبو حاتمٍ (٦). وأمّا روايةُ يونسَ بنِ يزيدَ: فأخرجها أبو جَعْفَر الطحاويُّ فِي " بيانِ المشكل " (٧) من روايةِ يَحْيَى بن أيوبَ، عَنْ يونس بن يزيدَ، أنَّ نافعاً أخبرهُ، فذكر فيهُ: ((منَ المسلمينَ)) - قَالَ ابنُ حسان: ((وَهُوَ عندَ الدارقطنيِّ وأبي داودَ)). انتهى (٨) -. وأمّا روايةُ المعلّى بنِ إسماعيلَ: فأخرجها ابنُ حبانَ فِي " صحيحهِ " (٩) / ١٥٧ أ /، والدارقطني فِي " سننهِ" (١٠) منْ روايةِ أرطاةِ بن

стр. 479

المنذرِ، عَن المعلى بن إسماعيل، عَن نافعٍ، فَقَالَ فِيهِ: ((عنْ كلِّ مسلمٍ))، وأرطاة وثّقه أحمد بن حنبلٍ، ويحيى بنُ معينٍ وغيرُهما (١)، والمعلى بن إسماعيل، قَالَ فيهِ أبو حاتم الرَّازِي: ((ليسَ بحديثهِ بأسٌ، صالحُ الحديثِ لَمْ يرو عَنْهُ غيرُ أرطاة (٢))) وذكرهُ ابن حبان فِي " الثقات " (٣). وأمّا رِوَايَةُ عبدِ اللهِ بن عُمَرَ: فأخرجها الدارقطنيُّ فِي " سننهِ " (٤) منْ روايةِ رَوْحٍ، وعبد الوهاب، فرقهما، كلاهما عنْ عَبْد الله بن عُمَر، عَن نافعٍ، فَقَالَ فِيهِ: ((عَلَى كلِّ مُسْلِم))، وقد رواه أبو مُحَمَّد ابن الجارود فِي " المنتقى" (٥) فقرنَ بينه وبين مالكٍ، فرواهُ منْ طريقِ ابن وهبٍ، قال: حَدَّثَنِي عبيدُ اللهِ بنُ عُمَر (٦) ومالكٌ، وَقَالَ فيهِ: ((منَ المُسْلِمِين)). وأمّا الاختلاف فِي زيادتها عَلَى عبيد الله بن عمرَ وأيوب، فَقَدْ ذكرتهُ فِي شرحِ الترمذي (٧)، واللهُ أعلم (٨))). انتهى كلامُ " النكت " (٩). قَالَ ابنُ حسان: ((و (١٠) أورده بالزيادةِ الحاكمُ والدارقطنيُّ والطحاويُّ، وبدونها مُسْلِمٌ)). وللزيادة شاهدٌ، وَهُوَ حديثُ ابْن عَبَّاس: ((فرضَ

стр. 480

رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفطرِ طهرةً للصائم منَ اللغوِ والرفثِ)) أخرجهُ أبو داود (١) والحاكمُ (٢) والدارقطنيُّ (٣). ووجه الدلالةِ منهُ: أنَّ الكافرَ لا طهرةَ لهُ. قولُهُ: (فهذهِ الزيادةُ) (٤) يعني: ((وتربتها طهوراً)). (تفرّدَ (٥) بِهَا أبو مالكٍ)، ليسَ كذلكَ، فإنهُ إنْ أرادَ أنّ غيرهُ خالفهُ عنْ ربعيّ، لَمْ يصحَّ لهُ (٦)؛ لأنَّهُ ما رَوَى هَذَا الحديثَ عَن ربعيٍّ / ١٥٧ ب / غيرُهُ، وإنْ أرادَ أَنَّهُ انفردَ بهذهِ اللفظةِ، و (٧) لَمْ توجدْ عندَ أحدٍ ممن رَوَى هَذَا الحديثَ، فليسَ كذلكَ، فَقَدْ رَوَى أحمدُ فِي " مسندهِ " هَذَا الحديثَ منْ حديثِ عليٍّ ﵁ بلفظِ: ((وجعلَ ترابها لنا طهوراً)) (٨)، فَلَمْ يبقَ إلاّ ما قَالَ الشيخُ فِي " نكته " (٩): ((إنْ تفردهُ بِهَا بالنسبةِ إِلَى حديثِ حذيفةَ، كما رواهُ مسلمٌ (١٠) منْ روايةِ أَبِي مالكٍ، عنْ ربعي، عنهُ، قال: وقد اعترضَ عَلَى المصنفِ بأنهُ يحتملُ أنْ يريدَ بالتربةِ الأرضَ منْ حيثُ هِيَ أرضٌ، لا التراب، فلا يبقى فيهِ زيادةٌ، ولا مخالفة لمنْ أطلقَ فِي سائرِ الرواياتِ (١١).

стр. 481

والجواب: أنَّ فِي طرقهِ (١) التصريحَ بالترابِ، كما فِي روايةِ البيهقيِّ: ((وجعلَ ترابها لنا طهوراً (٢))).)) هكذا قَالَ الشيخُ. ومتى جوّزنا طروقَ الاحتمالِ المذكورِ للأولِ جازَ فِي الثاني؛ فإنَّ التربةَ والترابَ واحدٌ، والأحسنُ منعهُ منْ أصلهِ؛ لأنهُ ينحلّ إِلَى أنَّ أرضَ الأرضِ طهورٌ، وَهُوَ تقديرٌ يجلّ عنهُ كلامُ آحادِ البلغاء، فكيفَ بمن أُعطِيَ جوامعَ الكلمِ (٣) ﷺ (٤). قولُهُ: (وسائر الروايات) (٥) أي: روايات حديثِ حذيفةَ لا غيره؛ فإنهُ وردتْ كما تقدّمَ منْ حديثِ عليٍّ ﵁، قَالَ الشيخُ فِي " النكت " (٦): ((وذلك فيما رواهُ أحمد فِي "مسندهِ" (٧) منْ روايةِ عبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بْن عقيل، عنْ مُحَمَّدِ ابْن عَلِيٍّ الأكبرِ (٨)، أَنَّهُ سمعَ عليَّ بنَ أَبِي طالب ﵁ (٩) يقولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أُعطيتُ مالمْ يُعطَهُ أحدٌ منَ الأنبياء ... )) فذكرَ الحديثَ، وفيه: ((وجعل التراب لِي طهوراً))، وهذا إسنادٌ حسنٌ (١٠) / ١٥٨ أ / وقد رواهُ البيهقيُّ أيضاً

стр. 482

فِي "سننهِ" (١) منْ هَذَا الوجهِ)). قولُهُ: (إنَّ الحكمَ لمنْ أرسلَ) (٢)، قَالَ ابْن الصلاحِ: ((معَ أنَّ وصلَهُ زيادةٌ من الثقةِ (٣))) (٤). الأفراد (٥) قولُهُ فِي الأفراد: ١٨٦ - الفَرْدُ قِسْمَانِ، فَفَرْدٌ مُطْلَقَاْ ... وَحُكْمُهُ عِنْدَ الشُّذُوْذِ سَبَقَا ١٨٧ - وَالفَرْدُ بِالنِّسْبَةِ: مَا قَيَّدْتَهُ ... بِثِقَةٍ، أوْ بَلَدٍ ذَكَرْتَهُ ١٨٨ - أوْ عَنْ فُلانٍ نَحْوُ قَوْلِ القَائِلْ ... لَمْ يَرْوِهِ عَنْ (بَكْرٍ) الاَّ (٦) وَائِلْ

стр. 483

١٨٩ - لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ الاّ (ضَمْرَهْ) ... لَمْ يَرْوِ هَذَا غيرُ أهْلِ البَصْرَهْ ١٩٠ - فَإنْ يُرِيْدُوا وَاحِدَاً مِنْ أهْلِهَا ... تَجَوُّزَاً، فاجْعَلْهُ مِنْ أوَّلهِا ١٩١ - وَلَيْسَ في أفْرَادِهِ النِّسْبِيَّهْ ... ضَعْفٌ لَهَا مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّهْ ١٩٢ - لَكِنْ إذَا قَيَّدَ ذَاكَ بِالثِّقَهْ ... فَحُكْمُهُ يَقْرُبُ مِمَّا أطْلَقَهْ قولُهُ: (فاجعله من أولها) (١)، أي: منْ أولِ الأقسامِ، وَهُوَ الفردُ المطلقُ، كما سيجيءُ. قولُهُ: (عَن ابنه) (٢) هُوَ من البنوّة، أي: ابْن الرَّاوي عنهُ وائل، فإنَّ بكراً (٣) رَوَى عنهُ هشامُ بنُ عروةَ، وَهُوَ أكبرُ مِنْهُ، وأبوهُ وائلُ بنُ داودَ (٤) فهو منْ روايةِ الأكابرِ عن الأصاغرِ. وقد رَوَى سفيانُ بنُ عيينةَ أيضاً عنْ بكرٍ، كما رَوَى عَن أبيهِ وائل، ورَوَى عَن الزهريِّ أيضاً. قولُهُ: (غريبٌ منْ حديثِ بكرِ بنِ وائل عنهُ) (٥) أي: عنِ الزهريِّ (٦). قولُهُ: (تفردَ بهِ وائلُ بنُ داود) (٧)، أي: عَن ابنه بكرٍ. قولُهُ: (محمدُ بنُ الصلتِ التَّوزَّيُّ) (٨) بمثناةٍ، وتشديدِ الواو المفتوحةِ (٩)، ثُمَّ

стр. 484

زايّ. قولُ الدارقطني: ((والمحفوظُ ... )) إِلَى آخره. قَالَ شيخُنا: ((هذهِ الطريقُ هِيَ المعتمدةُ، ولا يضرنا روايةُ جماعةٍ لهُ عنْ ابنِ عيينةَ، عَن الزهريِّ بلا واسطةٍ)). قولُهُ: (قَالَ شيخنا علاءُ الدينِ ابنُ التركماني (١) ... ) (٢) إِلَى آخرهِ، إنْ كانَ أرادَ أَنَّهُ تفرّدَ بروايتهِ عنْ عبيدِ اللهِ، عَن أَبِي واقدٍ، فهو صحيحٌ، وإنْ أرادَ أَنَّهُ انفردَ بالحديثِ منْ أصلهِ - وَهُوَ الظاهرُ منْ كلامهِ، وإلاَّ لقالَ: طريقُ أَبِي واقد، ولم يقل: حَدِيْث - فليسَ كذلك بدليلِ روايةِ ابْنِ لهيعةَ، فإنهُ وإنْ كانَ قَدْ ضعفَ لكنْ إنما ضعفَ لأجلِ أنَّ كُتبَهُ احترقتْ، فصارَ يُحدّثُ منْ حفظهِ، فربما غلطَ، فإذا عضدتْ حديثَهُ الشواهدُ ارتقَى إِلَى رتبةِ الصحيح (٣). قَول الحَاكِم: ((تفرّدَ بِهَا أهلُ مصرَ)) (٤). قَالَ شيخُنا: ((لَمْ يروهِ من أهلِ مصرَ إلا / ١٥٨ ب / عَمْرو بن الحارثِ عن حَمزَة بن يَحيَى المَازِنيِّ، فأطلقَ أهلَ البلدِ وأرادَ واحداً منهم)). قولُهُ: (تفرّدَ بهِ أبو زكيرٍ إِلَى قوله: وأرادَ بهِ واحداً منهم) (٥) أي: وَهُوَ أبو زكير، وكذا (٦) قولُهُ: ((عَن المدنيينَ))، يعني: عَن هشامِ بنِ عروةَ؛ فإنهُ مدنيٌّ.

стр. 485

المعلل (١) قولُهُ: (المعلل) (٢) قالَ ابنُ كثيرٍ: ((هُوَ فنٌ خفيٌّ عَلَى كثيرٍ منْ علماءِ الحديثِ، حَتَّى قالَ بعضُ حُفّاظهم: معرفتُنا بهذا كهانةٌ عندَ الجاهلِ)) (٣) انتهى. وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((اعلمْ أنَّ معرفةَ عللِ الحَدِيْثِ منْ أجلِّ علومِ الحديثِ، وأدقِّها، وأشرفِها، وإنما يضطلعُ (٤) بذلك أهلُ الحفظِ والخبرةِ، والفهمِ الثاقبِ)) (٥). قولُهُ: (وذلك موجودٌ فِي كلامِ الترمذيِّ ... ) (٦) إِلَى آخره. قَالَ شيخُنا: ((وفي كلامِ البخاريِّ)) كما سيأتي آخرَ شرحِ هَذِهِ الأبيات.

стр. 486

قُلتُ: وَقَالَ المصنفُ فِي " نكتهِ عَلَى ابْنِ الصلاحِ " (١): ((وحكاهُ جماعةٌ منْ أهلِ اللغةِ منهم: قطربُ فيما حكاهُ اللّبليُّ، والجوهريُّ فِي " الصحاحِ " (٢)، والمطرزيُّ فِي "المغرب")) (٣). قَالَ شيخُنا: ((والأولى عندي أنْ يقالَ: معلولٌ؛ لأنها وقعتْ فِي عباراتِ أهلِ الفنِّ كما تقدّمَ، وهي لغةٌ، كما فِي كلامِ أَبِي إسحاقَ، وعلى مَا خرّجهُ سيبويهُ، وقد فَرّ ابنُ الصلاحِ منِ استعمالِ لغةٍ، هِيَ عَلَى زعمهِ رديئةٌ، فوقعَ بقوله: ((معلل)) فِي أشدِّ منْ ذلكَ باستعمالِ ما ليسَ منْ هذَا البابِ أصلاً، بلْ منْ بابِ التعللِ، الذِي هُوَ التشاغلُ والتلهي)). قولُهُ: (قُلتُ: والأجود) (٤) يُفهمُ أنَّ فِي استعمالِ ((معللٍ)) جودةً مَا، وليسَ كذلكَ؛ فإنهُ لا يجوزُ أصلاً، فيحمل عَلَى أنَّ مرادَ الشيخِ أَنَّهُ أجودُ منَ ((المعلولِ)). قولُهُ: (واستعمل أبو إسحاق) (٥) هُوَ الزجاجُ (٦)، إن شاءَ اللهُ تعالى (٧). قُلتُ: قولُهُ: (ثُمَّ قَالَ: والمتكلمون) (٨) الضميرُ / ١٥٩ أ / فِي ((قالَ)) لصاحبِ "المحكم" وكذا فِي (قَالَ: وبالجملة). قولُهُ: (ولا ثلج) (٩)، وَقَالَ صاحبُ "القاموس" (١٠): ((والعِلّة -بالكسرِ-

стр. 487

المرضُ، علّ يَعِلُّ، واعْتلَّ، وأعلَّه اللهُ، فهو مُعَلٌّ، وعليلٌ، ولا تقل: معلولٌ، والمتكلمون يستعملونها، ولستُ منهُ عَلَى ثلجٍ)). والثلجُ - بالمثلثةِ والجيمِ محرّكاً -: الطمأنينةُ، قَالَ فِي مادةِ ((ثلج)): ((وثلجَتْ نفسي كنَصَرَ وفَرحَ ثلوجاً وثلجاً: اطمأنت)) (١). قولُهُ: (قالوا: وإذا قالوا) (٢) كذا هُوَ فِي جميعِ النُّسخِ الَّتِيْ وقفتُ عَلَيْهَا من هَذَا الشرحِ بلفظِ: ((قالوا))، وكذا هُوَ فِي " نكتهِ عَلَى ابنِ الصلاحِ" (٣)، والظاهرُ أَنَّهُ سَبقُ قلمٍ، وأنهُ ((قَالَ)) والضميرُ فيهِ إما لسيبويهِ، أو لصاحبِ " المحكم ". قولُهُ: (كما قالوا: حُرِقَ وفُسِلَ) (٤) أي: مبنيينِ للمفعولِ، والقاعدةُ أنَّ مثلَ هَذَا البناءِ لا يكونُ إلا منْ معدّىً، ولا تعديةَ هنا. قَالَ فِي " القاموس " (٥): ((الفَسْلُ الرَّذْلُ الذِي لا مروءةَ لهُ، كالمفسولِ، فَسُل كَكَرُمَ وعلمَ وعنِيَ فَسالةً وفُسولةً)). وَقَالَ ابْنُ القطاعِ: ((وحَرِقَ الرجلُ - أي: كغنيَ -: زالَ حقُّ وركهِ)). وَقَالَ الزبيديُّ فِي " مختصر العين ": ((والحارقةُ عصبةٌ متصلةٌ بَيْنَ وابلةِ الفخذِ والعضدِ، وإذا انقطعتِ الحارقةُ لَمْ تلتئمْ)). وقيلَ: ((رجلٌ محروقٌ، وقد حرقَ)) وكذا قَالَ عَبْدُ الحقِّ في "الواعي" إلا أَنَّهُ قَالَ: ((بَيْنَ وابلة الفخذِ والوركِ)) وَقَالَ: ((فإذا انقطعتِ الحارقةُ، قيلَ: حَرِقَ الرجلُ فهو محروقٌ، ويقالُ ذَلِكَ إذا زالَ حقُ وركهِ. وحرَّقتُ الرجلَ (٦) تحريقاً: إذا فعلت بهِ ذلكَ)). انتهى. والوابلةُ - بالموحدةِ - طرفُ رأسِ

стр. 488

العضدِ والفخذِ، أو طرفُ الكتفِ، أو عظمٌ فِي مفصلِ الركبةِ، أو مَا التفَّ منْ لحمِ الفخذِ، قاله فِي " القاموس ". (١) فثبتَ أنَّ هذين الفعلينِ لم يستعملا إلا لما لَمْ يسمَّ فاعلهُ، بمعنى جعلَ مِنْهُ (٢) الحرقُ والفسلُ استغناءاً عَن / ١٥٩ ب / معداهما الَّذِي هُوَ حَرَقهُ وفَسَلهُ منْ غيرِ همزةٍ، ولا تضعيفٍ بأفعلتُ أو فعَّلتُ بهمزةِ النقلِ، أو التضعيفِ، والله أعلم. قولُهُ: (والعلةُ: عبارةٌ .. ) (٣) إِلَى آخرهِ. قُلتُ: فإذا أردتَ تعريفَ المعلولِ منْ هَذَا التعريفِ، قلتَ: هُوَ الخبرُ الَّذِي فيهِ أسبابٌ خفيةٌ طرأتْ عليهِ، فأثّرتْ فِيهِ. قَالَ شيخُنا: ((وأحسنُ من هَذَا أنْ يقالَ: هُوَ خبرٌ ظاهرهُ السلامةُ اطلعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ عَلَى قادحِ)). فَقُلت لَهُ: فحينئذٍ يكفي أنْ يقالَ: مَا اطلعَ فيهِ بعدَ التفتيشِ عَلَى قادحٍ (٤). ويفهمُ منَ التقييدِ بالتفتيش أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ، فقالَ: ((لا يلزمُ ذلكَ، بل قَدْ يطلعُ فِي الخبرِ الَّذِي ضعفُهُ ظاهرٌ عَلَى علةٍ خفيةٍ أيضاً، وهذهِ لا يمكنُ أنْ تكونَ قادحةً، فإنها صادفتْهُ ضعيفاً مقدوحاً فيهِ)). فَقُلْت: فحينئذٍ يخرجُ هَذَا (٥) منْ هَذَا الحدِّ بالتقييدِ بقادحٍ، فلا يكونُ معلولاً إلاّ إذا قدحتْ فِيهِ العلةُ الخفيةُ. ويقال أيضاً فِي حدّه: هُوَ خبرٌ ظاهرهُ السلامةُ اطلعَ فيهِ عَلَى قادحٍ. ولا حاجة إِلَى ذكرِ التفتيشِ، فإنهُ يفهمُ منَ العبارةِ، والتقييدِ بظهورِ السلامةِ يخرجُ ما علّتهُ

стр. 489

ظاهرةٌ، وجَعلُ الشَّيْخِ ما ذكرهُ تفسيراً للعلةِ، يُفهمُ أنها لا تسمَّى علةً إلا إذا كانتْ موصوفةً بما ذَكَرَ. قَالَ شيخنا: ((وفيه نظرٌ، وإنما هذا تفسيرٌ للمعلولِ، وهذا الوصفُ غيرُ لازمٍ للعلةِ؛ فالعلةُ أعمُّ منْ أنْ تكونَ بهَذَا الوصف أم لا)). وعبارةُ ابْن الصلاحِ: ((فالحديث المعلول (١): هُوَ الَّذِي اطلعَ فيهِ عَلَى علةٍ تقدحُ فِي صحتهِ، معَ أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ مِنْهَا. ويتطرقُ ذَلِكَ إِلَى الإسنادِ الَّذِي رجالهُ ثقاتٌ، الجامعِ شروطَ الصحةِ منْ حيثُ الظاهرُ (٢). ويستعانُ / ١٦٠ أ / عَلَى إدراكها بتفرّدِ الرَّاوي .. )) (٣) إِلَى آخر مَا فِي الشرحِ. وقالَ الحَاكِمُ: ((إنما يعلُّ الحديثُ منْ أوجهٍ ليسَ للجرحِ فيها مدخلٌ، فإنَّ حديثَ المجروحِ ساقطٌ - أي: ظاهرُ السقوطِ والمعلولُ يوجدُ فِي حديثِ الثقاتِ؛ لأنهم يحدثونَ بالحديثِ فيخفَى عليهم، والحجةُ فيهِ العلمُ والفهمُ)) (٤). قَالَ شيخُنا: ((فعلى هَذَا لا يُسمَّى المنقطعُ، ولا المعضلُ، ولا الضعيفُ معلولاً، وإنما يُسمَّى بذلكَ إذا آلَ أمرُهُ إِلَى شيءٍ منْ ذلكَ مَعَ كونِ ظاهرهِ السلامةَ)) (٥). وهذا الفنُّ أغمضُ الأنواعِ وأدقُّها مسلكاً، ولا ينهض بهِ إلا أئمةُ هَذَا الشأنِ وحذاقُهمُ، ولهذا لم يتكلمْ فيهِ إلاَّ أفرادٌ منهم (٦)، وقد تقصرُ عبارةُ الواحدِ منهم، فلا

стр. 490

يفصحُ بما قامَ فِي نفسهِ من الترجيحِ، ومن ثمةَ يحيلُ الشافعيُّ مَعَ إمامتهِ عَلَى أئمةِ الحديثِ فِي كتبهِ. فعلى هَذَا فما جَزَمَ الواحدُ منهم بكونهِ معلولاً، ولم يخالفْ، فالأصل أن يُتبعَ، فإن خُولفَ نظرَ في الترجيح بَيْنَهُمَا، ووجوهُ الترجيح كثيرةٌ لا ضابطَ لها بالنسبةِ إِلَى جميعِ الأَحَادِيث، بلْ كلُّ حَدِيْثٍ يقومُ بهِ ترجيحٌ خاصٌّ. قولُهُ: (وأنشد الأخفش) (١) الشاهدُ فِي قولهِ: ((وأومتْ))، أصلهُ: وأومأتْ. قولُهُ: (وإنْ لَمْ يغلبْ عَلَى ظنهِ صحةُ التعليل .. ) (٢) إِلَى آخره، قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((وكلُ ذلكَ مانعٌ منَ الحكمِ بصحة مَا وجدَ ذلكَ فيهِ)) (٣). أي: لا يقالُ كَيْفَ يتوقفُ الجهبذ عنِ الحكمِ بصحتهِ، والحالُ أنَّ ظاهرَهُ السلامةُ، ولم يظهرْ لَهُ فيهِ قادحٌ، بل يتوقفُ عنِ الحكمِ بالصحةِ، ولو لَمْ يغلبْ عَلَى ظنهِ صحةُ كونهِ معلولاً، ويكفي فِي الإعلالِ والإيقافِ عَن الجزمِ بالصحةِ وجودُ الشكِّ، بأنْ تظهرَ قرينةٌ واهيةٌ مانعةٌ من الحكمِ بالصحةِ، وإنْ لَمْ يقدرْ عَلَى التعبير / ١٦٠ ب / عَنْهَا. وقولُهُ: (التعليل) (٤) عُرفَ مِمَّا مضى أنَّ صوابَهُ: الإعلالُ، ومنْ أمثلةِ المعلولِ أحاديثُ رواها أهلُ الكوفةِ عنْ عبدِ الرَّحْمَانِ بنِ يزيدَ، وذلكَ أَنَّهُ كَانَ فِي الشامِ رجلانِ كلٌّ منهما يُسمَّى عَبْدَ الرَّحْمَانِ بنَ يزيدَ، وأحدُهما اسمُ جدّهِ جابرٌ وَهُوَ أزديٌّ دارانيٌّ (٥)، ثقةٌ مشهورٌ، رَوَى عَنْهُ الستة (٦)، والآخرُ اسم جدهِ تميمٌ وَهُوَ سلميٌّ

стр. 491

دمشقيٌّ (١) ضعيفٌ، لَيْسَ لَهُ شهرةٌ رَوَى عَنْهُ النسائي، وابنُ ماجه، وليسَ لَهُ في النسائي سوى حديثٍ واحدٍ (٢) فاتفقَ أَنَّهُ قَدِمَ الكوفةَ فحدّثَ بِهَا، فسألوهُ: مَن أنتَ؟ فَقَالَ: عَبْد الرَّحْمَان بن يزيدَ، فظنوهُ ابنَ جابرٍ الثقةَ المشهورَ، فكانَ بعضُهم (٣) إذا رَوَى عنهُ زادَ فِي نسبهِ، فقالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ يزيدَ بْنِ جابرٍ الدمشقيُّ، ويسوقُ الأحاديثَ الَّتِيْ سمعها من ابن تميمٍ، وهي ضعيفةٌ، فيجيءُ الحفَّاظُ فيروونَ تلكَ الأحاديثَ، فيضعفونَ بسببها الراوي لها عن (٤) عَبْدِ الرَّحْمَانِ؛ لأنَّهُ ثقةٌ مشهورٌ. وأمَّا الناقدُ منهم فيعرفُ أنَّ ابنَ جابرٍ لَمْ يرحلْ منْ دمشقَ، فيتحققُ أنَّ المرويَّ عَنْهُ ابنُ تميمٍ، فينسُبُ الضعفَ إليه، ويعلمُ أنَّ الراوي عَنْهُ (٥) غلطَ فِي نسبتهِ إِلَى ابنِ جابرٍ. وعنْ خطِّ شيخِنا، أَنَّهُ قَالَ: ((ومنَ الأمثلةِ اللطيفةِ ما ذكرهُ ابنُ أَبِي حاتمٍ فِي حَدِيْثِ حمادِ بنِ سَلَمَةَ، عَن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عَن ابنِ عُمَرَ رفعه: ((من باعَ عبداً .. )) (٦) الحَدِيْث، فَقَالَ: كنتُ أستحسنهُ حَتَّى رأيتَهُ فِي حَدِيْثِ بعضِ الثقاتِ: عنْ عكرمةَ بنِ خالدٍ، عَن الزهريِّ، فعادَ الحديثُ إِلَى الزهريِّ، والزهريُّ إنما رواهُ عنْ سالم، عن أبيه، وَهُوَ معلولٌ؛ لأنَّ نافعاً رواهُ عَن ابْن عُمَرَ منْ قولهِ، وهذا غايةٌ فِي الدقةِ؛ فإنَّ هذهِ الروايةَ فِي الظاهرِ كانتْ متابعةً قويةً لحديث سالمٍ، لكنّها بالتفتيشِ رجعتْ إليهِ (٧))).

стр. 492

قولُهُ: (ويعتبر بمكانهم) (١)، أي: ويعتبرُ / ١٦١ أ / الخطأُ والصوابُ بمكانِهم منَ الحفظِ. قولُهُ: (فكثرَ فيهِ لغطهُ ... ) (٢) الحَدِيْث. تمامُهُ: ((فقالَ: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ، أستغفرُكَ، وأتوبُ إليكَ، قبلَ أنْ يقومَ منْ مقامهِ، غُفِرَ لَهُ مَا وقعَ فِي ذلكَ المجلسِ)) (٣). قولُهُ: (حدَّثنا بِهِ موسى بنَ إسماعيلَ) (٤) هُوَ أبو سلمةَ المنقريُّ. (حَدَّثَنَا وهيبٌ) هُوَ ابنُ خالدٍ الباهليُّ أبو بكرٍ البصريُّ، وشيخهُ سهيل بن أَبِي صالحٍ، و (عونُ بنُ عَبْد الله) هُوَ ابنُ عتبةَ بن مسعودٍ. قَالَ البخاريُّ: ((سمعَ أبا هريرةَ، وابنَ عمرَ، ويقالُ: إنَّ روايتَهُ عَن الصحابةِ مرسلةٌ)). ذكرهُ البخاريُّ فيمنْ ماتَ مَا بينَ عشرةَ إِلَى عشرينَ ومئةٍ (٥). قولُهُ: (وغالبُ ظني أنَّ هذهِ الحكايةَ ليست بصحيحةٍ) (٦) قَالَ شيخُنا: ((بل هِيَ صحيحةٌ، وأحمدُ بن حمدونَ القصارُ ثقةٌ حافظٌ كبيرٌ، تُكلِّمَ فيهَ بكلامٍ غيرِ قادحٍ، وَهُوَ المعروفُ: بأبي حامدٍ الأعمشيِّ، نسبة إِلَى الأعمشِ؛ لاعتنائهِ بحديثهِ)) (٧).

стр. 493

قَالَ الحَاكِمُ: ((كَانَ من الحفّاظِ، وكانَ مزَّاحاً، وكانَ أبو عَلِيّ النيسابوريُّ، يقولُ: حدثنا أحمدُ بنُ حمدونَ إنْ حلَّتِ الروايةُ عنهُ)) قَالَ الحَاكِمُ: ((فقلتُ لَهُ: أهَذَا (١) الَّذِي تذكرُهُ فيهِ من جهةِ المُجُونِ، أو لشيءٍ أنكرتهُ؟ فقالَ: لشيءٍ أنكرتُهُ. فقلتُ لَهُ: مثلُ ماذا؟ فذكرَ أحاديثَ، فقلتُ لَهُ: أبو حامدٍ مظلومٌ فيما ذكرتَ كلَّهُ، وحكيتُ للحافظِ أَبِي الحسينِ الحجّاجي ذَلِكَ، فصوّبَ قولي، وَقَالَ: أحاديثُهُ كلُّها مستقيمةٌ))، وذكر أنَّ ابنَ خزيمةَ كَانَ يرجعُ إليهِ فِي حديثِ الأعمشِ، ثُمَّ ساقَ الحاكمُ عدةَ أحاديثَ مِمَّا كانَ يمزحُ بهِ، ثمَ قَالَ: وإنما سقتُ هَذَا لتعرفَ أنَّ الَّذِي أُنكِرَ عليهِ إنما سببهُ المزحُ الَّذِي كانَ فيهِ، فأمّا الانحرافُ عنِ اسمِ أهلِ / ١٦١ ب / الصدقِ فلا. (٢) قَالَ شيخنا: ((والحاملُ لشيخنا عَلَى تهمةِ أَبِي حامدٍ استبعادهُ أنْ يكونَ البخاريُّ قَالَ: ((لا أعرفُ فِي البابِ إلاّ هَذَا الحديثَ)) معَ أنَّ فِي البابِ جملةَ أحاديثَ عنْ جماعةٍ من الصحابةِ غيرِ (٣) أَبِي هريرةَ)). قُلتُ: قَالَ فِي " النكت " (٤): ((وهم: أبو برزةَ الأسلميُّ (٥)، ورافعُ بنُ خديجٍ (٦)، وجبيرُ بن مطعم (٧)، والزبيرُ بن العوامِ (٨)، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (٩)،

стр. 494

وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، وأنسُ بنُ مالكٍ، والسائبُ بن يزيدَ، وعائشةُ، وقد بيّنتُ هذهِ الطرقَ كلَّها فِي "تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ" (١) للغزالي)). انتهى. رجع إِلَى كلامِ شيخِنا، قَالَ: ((والحقُّ أنَّ هذهِ اللفظةَ - وهي قولهُ: ((فِي البابِ)) - وردتْ عَلَى سبيلِ الخطأ، والآفةُ فيها من الحَاكِمِ حال كتابتهِ فِي " علوم الحَدِيْثِ " (٢)، وقد رواها خارجَ الكتابِ المذكورِ عَلَى الصوابِ، أوردَها عَنْهُ البيهقيُّ في "المدخلِ" (٣) والخطيبُ (٤) وغيرُهما بلفظِ: ((لا أعرفُ فِي الدنيا لهذا الإسنادِ إلا هَذَا الحديثَ))، وكذا رواها الخليليُّ في "الإرشاد" (٥)، منْ غيرِ طريقِ الحاكمِ بهذا اللفظِ، موضعَ قوله: ((فِي هَذَا الباب))، وهذا هُوَ الصوابُ، وهي عبارةٌ صحيحةٌ غيرُ مدخولةٍ، فلعلَّ الحاكمَ اعتَمدَ فيما نقلهُ فِي " علومِ الحَدِيْثِ " عَلَى حفظهِ فَوَهِمَ)). قوله: ١٩٩ - وَهْيَ تَجِيءُ غَالِباً في السَّنَدِ ... تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَدِ ٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ ... (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا ٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا ... (عَمْراً) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا ٢٠٢ - وَعِلَّةِ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ ... إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ ٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَساً يَقُوْلُ: ... (لا أحْفَظُ شَيْئاً فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ

стр. 495

الضميرُ فِي ((وهي)) يعودُ عَلَى العلة القادحةِ الخفيةِ. قولهُ: (قَدْ تقدحُ فِي صحةِ المَتْن ... ) (١) إِلَى آخرهِ، كلامٌ لا يضبطُ المرادَ، والكلامُ الضابطُ لهُ أنْ يقالَ: الحديثُ لا يخلو إما أنْ يكونَ فرداً، أو لهُ أكثرُ منْ إسنادٍ، فالأولُ: يلزمُ منَ القدحِ في سندهِ، القدحُ فِي متنهِ، وبالعكسِ. / ١٦٢أ / والثاني: لا يلزمُ منَ القدحِ فِي أحدهما القدحُ فِي الآخرِ (٢). قوله: (فكالتعليلِ بالإرسالِ والوقفِ) (٣) أي: بشرطِ أنْ يَقوَى ذَلِكَ عَلَى الاتصال والرفعِ، أو يستويا، وأمّا إذا كَانَ الاتصالُ مثلاً أقوى فلا عبرةَ بمخالفهِ. هَذَا مرادُ الشيخِ، وإنْ لَمْ يؤدّهِ كلامُهُ. قوله: (وأمّا علةُ الإسنادِ الَّتِيْ لا تقدحُ فِي صحةِ المتنِ فكحديثِ ... ) (٤) إِلَى آخره، إنما لم تقدحْ فِيهِ؛ لأنهُ رُوِيَ من غيرِ هَذِهِ الطريقِ، من روايةِ من هو أحفظُ من يعلى بن عُبيدٍ بما يخالفُ روايتَهُ، فرجّحَ قولَهم عَلَى قوله، فكانتْ روايتُهُ شاذةً، وعلمَ بالتأمّلِ أنَّ سببَ وَهْمِ يعلى أَنَّهُ سلكَ الجادّةَ فِي عَمْرِو بنِ دينارٍ، فَوَهِمَ. قَالَ شيخُنا: ((وعبدُ اللهِ ليسَ أخا عَمْرِو)). قولهُ: (هكذا رواه الأئمة منْ أصحابِ سفيانَ) (٥) أفردَ لهُ أبو نعيمٍ جزءاً منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، فبلغَ نحوَ الخمسينَ نفساً. قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((وكلاهما -
следующие страницы →