← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

دمشقيٌّ (١) ضعيفٌ، لَيْسَ لَهُ شهرةٌ رَوَى عَنْهُ النسائي، وابنُ ماجه، وليسَ لَهُ في النسائي سوى حديثٍ واحدٍ (٢) فاتفقَ أَنَّهُ قَدِمَ الكوفةَ فحدّثَ بِهَا، فسألوهُ: مَن أنتَ؟ فَقَالَ: عَبْد الرَّحْمَان بن يزيدَ، فظنوهُ ابنَ جابرٍ الثقةَ المشهورَ، فكانَ بعضُهم (٣) إذا رَوَى عنهُ زادَ فِي نسبهِ، فقالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ يزيدَ بْنِ جابرٍ الدمشقيُّ، ويسوقُ الأحاديثَ الَّتِيْ سمعها من ابن تميمٍ، وهي ضعيفةٌ، فيجيءُ الحفَّاظُ فيروونَ تلكَ الأحاديثَ، فيضعفونَ بسببها الراوي لها عن (٤) عَبْدِ الرَّحْمَانِ؛ لأنَّهُ ثقةٌ مشهورٌ. وأمَّا الناقدُ منهم فيعرفُ أنَّ ابنَ جابرٍ لَمْ يرحلْ منْ دمشقَ، فيتحققُ أنَّ المرويَّ عَنْهُ ابنُ تميمٍ، فينسُبُ الضعفَ إليه، ويعلمُ أنَّ الراوي عَنْهُ (٥) غلطَ فِي نسبتهِ إِلَى ابنِ جابرٍ. وعنْ خطِّ شيخِنا، أَنَّهُ قَالَ: ((ومنَ الأمثلةِ اللطيفةِ ما ذكرهُ ابنُ أَبِي حاتمٍ فِي حَدِيْثِ حمادِ بنِ سَلَمَةَ، عَن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عَن ابنِ عُمَرَ رفعه: ((من باعَ عبداً .. )) (٦) الحَدِيْث، فَقَالَ: كنتُ أستحسنهُ حَتَّى رأيتَهُ فِي حَدِيْثِ بعضِ الثقاتِ: عنْ عكرمةَ بنِ خالدٍ، عَن الزهريِّ، فعادَ الحديثُ إِلَى الزهريِّ، والزهريُّ إنما رواهُ عنْ سالم، عن أبيه، وَهُوَ معلولٌ؛ لأنَّ نافعاً رواهُ عَن ابْن عُمَرَ منْ قولهِ، وهذا غايةٌ فِي الدقةِ؛ فإنَّ هذهِ الروايةَ فِي الظاهرِ كانتْ متابعةً قويةً لحديث سالمٍ، لكنّها بالتفتيشِ رجعتْ إليهِ (٧))).

стр. 492

قولُهُ: (ويعتبر بمكانهم) (١)، أي: ويعتبرُ / ١٦١ أ / الخطأُ والصوابُ بمكانِهم منَ الحفظِ. قولُهُ: (فكثرَ فيهِ لغطهُ ... ) (٢) الحَدِيْث. تمامُهُ: ((فقالَ: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ، أستغفرُكَ، وأتوبُ إليكَ، قبلَ أنْ يقومَ منْ مقامهِ، غُفِرَ لَهُ مَا وقعَ فِي ذلكَ المجلسِ)) (٣). قولُهُ: (حدَّثنا بِهِ موسى بنَ إسماعيلَ) (٤) هُوَ أبو سلمةَ المنقريُّ. (حَدَّثَنَا وهيبٌ) هُوَ ابنُ خالدٍ الباهليُّ أبو بكرٍ البصريُّ، وشيخهُ سهيل بن أَبِي صالحٍ، و (عونُ بنُ عَبْد الله) هُوَ ابنُ عتبةَ بن مسعودٍ. قَالَ البخاريُّ: ((سمعَ أبا هريرةَ، وابنَ عمرَ، ويقالُ: إنَّ روايتَهُ عَن الصحابةِ مرسلةٌ)). ذكرهُ البخاريُّ فيمنْ ماتَ مَا بينَ عشرةَ إِلَى عشرينَ ومئةٍ (٥). قولُهُ: (وغالبُ ظني أنَّ هذهِ الحكايةَ ليست بصحيحةٍ) (٦) قَالَ شيخُنا: ((بل هِيَ صحيحةٌ، وأحمدُ بن حمدونَ القصارُ ثقةٌ حافظٌ كبيرٌ، تُكلِّمَ فيهَ بكلامٍ غيرِ قادحٍ، وَهُوَ المعروفُ: بأبي حامدٍ الأعمشيِّ، نسبة إِلَى الأعمشِ؛ لاعتنائهِ بحديثهِ)) (٧).

стр. 493

قَالَ الحَاكِمُ: ((كَانَ من الحفّاظِ، وكانَ مزَّاحاً، وكانَ أبو عَلِيّ النيسابوريُّ، يقولُ: حدثنا أحمدُ بنُ حمدونَ إنْ حلَّتِ الروايةُ عنهُ)) قَالَ الحَاكِمُ: ((فقلتُ لَهُ: أهَذَا (١) الَّذِي تذكرُهُ فيهِ من جهةِ المُجُونِ، أو لشيءٍ أنكرتهُ؟ فقالَ: لشيءٍ أنكرتُهُ. فقلتُ لَهُ: مثلُ ماذا؟ فذكرَ أحاديثَ، فقلتُ لَهُ: أبو حامدٍ مظلومٌ فيما ذكرتَ كلَّهُ، وحكيتُ للحافظِ أَبِي الحسينِ الحجّاجي ذَلِكَ، فصوّبَ قولي، وَقَالَ: أحاديثُهُ كلُّها مستقيمةٌ))، وذكر أنَّ ابنَ خزيمةَ كَانَ يرجعُ إليهِ فِي حديثِ الأعمشِ، ثُمَّ ساقَ الحاكمُ عدةَ أحاديثَ مِمَّا كانَ يمزحُ بهِ، ثمَ قَالَ: وإنما سقتُ هَذَا لتعرفَ أنَّ الَّذِي أُنكِرَ عليهِ إنما سببهُ المزحُ الَّذِي كانَ فيهِ، فأمّا الانحرافُ عنِ اسمِ أهلِ / ١٦١ ب / الصدقِ فلا. (٢) قَالَ شيخنا: ((والحاملُ لشيخنا عَلَى تهمةِ أَبِي حامدٍ استبعادهُ أنْ يكونَ البخاريُّ قَالَ: ((لا أعرفُ فِي البابِ إلاّ هَذَا الحديثَ)) معَ أنَّ فِي البابِ جملةَ أحاديثَ عنْ جماعةٍ من الصحابةِ غيرِ (٣) أَبِي هريرةَ)). قُلتُ: قَالَ فِي " النكت " (٤): ((وهم: أبو برزةَ الأسلميُّ (٥)، ورافعُ بنُ خديجٍ (٦)، وجبيرُ بن مطعم (٧)، والزبيرُ بن العوامِ (٨)، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (٩)،

стр. 494

وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، وأنسُ بنُ مالكٍ، والسائبُ بن يزيدَ، وعائشةُ، وقد بيّنتُ هذهِ الطرقَ كلَّها فِي "تخريجِ أحاديثِ الإحياءِ" (١) للغزالي)). انتهى. رجع إِلَى كلامِ شيخِنا، قَالَ: ((والحقُّ أنَّ هذهِ اللفظةَ - وهي قولهُ: ((فِي البابِ)) - وردتْ عَلَى سبيلِ الخطأ، والآفةُ فيها من الحَاكِمِ حال كتابتهِ فِي " علوم الحَدِيْثِ " (٢)، وقد رواها خارجَ الكتابِ المذكورِ عَلَى الصوابِ، أوردَها عَنْهُ البيهقيُّ في "المدخلِ" (٣) والخطيبُ (٤) وغيرُهما بلفظِ: ((لا أعرفُ فِي الدنيا لهذا الإسنادِ إلا هَذَا الحديثَ))، وكذا رواها الخليليُّ في "الإرشاد" (٥)، منْ غيرِ طريقِ الحاكمِ بهذا اللفظِ، موضعَ قوله: ((فِي هَذَا الباب))، وهذا هُوَ الصوابُ، وهي عبارةٌ صحيحةٌ غيرُ مدخولةٍ، فلعلَّ الحاكمَ اعتَمدَ فيما نقلهُ فِي " علومِ الحَدِيْثِ " عَلَى حفظهِ فَوَهِمَ)). قوله: ١٩٩ - وَهْيَ تَجِيءُ غَالِباً في السَّنَدِ ... تَقْدَحُ في المتْنِ بِقَطْعِ مُسْنَدِ ٢٠٠ - أوْ وَقْفِ مَرْفُوْعٍ، وَقَدْ لاَ يَقْدَحُ ... (كَالبَيِّعَانِ بالخِيَار) صَرَّحُوا ٢٠١ - بِوَهْمِ (يَعْلَى بنِ عُبَيدٍ): أبْدَلا ... (عَمْراً) بـ (عَبْدِ اللهِ) حِيْنَ نَقَلا ٢٠٢ - وَعِلَّةِ المتْنِ كَنَفْي البَسْمَلَهْ ... إذْ ظَنَّ رَاوٍ نَفْيَها فَنَقَلَهْ ٢٠٣ - وَصَحَّ أنَّ أَنَساً يَقُوْلُ: ... (لا أحْفَظُ شَيْئاً فِيهِ) حِيْنَ سُئِلاَ

стр. 495

الضميرُ فِي ((وهي)) يعودُ عَلَى العلة القادحةِ الخفيةِ. قولهُ: (قَدْ تقدحُ فِي صحةِ المَتْن ... ) (١) إِلَى آخرهِ، كلامٌ لا يضبطُ المرادَ، والكلامُ الضابطُ لهُ أنْ يقالَ: الحديثُ لا يخلو إما أنْ يكونَ فرداً، أو لهُ أكثرُ منْ إسنادٍ، فالأولُ: يلزمُ منَ القدحِ في سندهِ، القدحُ فِي متنهِ، وبالعكسِ. / ١٦٢أ / والثاني: لا يلزمُ منَ القدحِ فِي أحدهما القدحُ فِي الآخرِ (٢). قوله: (فكالتعليلِ بالإرسالِ والوقفِ) (٣) أي: بشرطِ أنْ يَقوَى ذَلِكَ عَلَى الاتصال والرفعِ، أو يستويا، وأمّا إذا كَانَ الاتصالُ مثلاً أقوى فلا عبرةَ بمخالفهِ. هَذَا مرادُ الشيخِ، وإنْ لَمْ يؤدّهِ كلامُهُ. قوله: (وأمّا علةُ الإسنادِ الَّتِيْ لا تقدحُ فِي صحةِ المتنِ فكحديثِ ... ) (٤) إِلَى آخره، إنما لم تقدحْ فِيهِ؛ لأنهُ رُوِيَ من غيرِ هَذِهِ الطريقِ، من روايةِ من هو أحفظُ من يعلى بن عُبيدٍ بما يخالفُ روايتَهُ، فرجّحَ قولَهم عَلَى قوله، فكانتْ روايتُهُ شاذةً، وعلمَ بالتأمّلِ أنَّ سببَ وَهْمِ يعلى أَنَّهُ سلكَ الجادّةَ فِي عَمْرِو بنِ دينارٍ، فَوَهِمَ. قَالَ شيخُنا: ((وعبدُ اللهِ ليسَ أخا عَمْرِو)). قولهُ: (هكذا رواه الأئمة منْ أصحابِ سفيانَ) (٥) أفردَ لهُ أبو نعيمٍ جزءاً منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، فبلغَ نحوَ الخمسينَ نفساً. قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((وكلاهما -

стр. 496

أي: عَمْرٌو وعبد اللهِ- ثقةٌ)) (١) أي: فلهذا لَمْ يقدحْ الخلفُ فيها فِي المتنِ. قُلتُ: قوله (أبدل عَمراً ... ) (٢) إِلَى آخرهِ، ليْسَ الأمرُ فِي هَذَا كما ذَكر، وإنما تدخلُ الباءُ هنا عَلَى المأخوذِ، وكأنك قُلتَ: ((غيرّ عَمراً، وأخذ عَبْدَ اللهِ بدلَهُ))، وهذهِ المادةُ يفترقُ الحالُ فيها بَيْن الإبدالِ والتبديلِ، والاستبدالِ والتبدُّلِ، وغيرِ ذَلِكَ، وهي كثيرةُ الدورِ مشتبهةُ الأمرِ، وقد حقّقها شيخُنا محققُ زمانهِ قاضي الشافعيةِ بالديارِ المصريةِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيّ القاياتيُّ ﵀ فقالَ - فيما علّقتهُ عنهُ، وذَكَرَ أكثرَهُ فِي شرحهِ لخطبةِ "منهاجِ" النوويِّ -: اعلمْ أنَّ هَذِهِ المادةَ - أعني: الباءَ والدالَ واللامَ مَعَ / ١٦٢ ب / هَذَا الترتيب -: قدْ يذكرُ معها المتقابلانِ (٣) فقطْ، وقد يذكرُ معهما غيرُهما، وقدْ لا يكونُ كذلكَ. فإنْ اقتصرَ عَلَيْهِمَا: فقدْ يذكرانِ مَعَ التبدل والاستبدالِ، مصحوباً أحدهما بالباءِ، كما فِي قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٤) وفي قولهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ ... ﴾ الآية (٥). فتكون الباءُ داخلةً عَلَى المتروكِ، ويتعدَّى الفعلُ بنفسهِ للمقابلِ المتخذِ. وقد يذكرانِ مَعَ التبديلِ والإبدالِ، وأحدُهما مقرونٌ بالباءِ، فالباءُ داخلةٌ عَلَى الحاصلِ، ويتعدَّ الفعلُ بنفسهِ إِلَى المتروكِ. نقلَ الأزهريُّ، عَن ثعلبَ: بدّلتُ الخاتمَ بالحلقةِ: إذا أذبتُهُ وسويتُهُ حلقةً، وبدّلتُ الحلقةَ بالخاتمِ: إذا أذبتُها وجعلتُها خاتماً، وأبدلتَ الخاتمَ بالحلقةِ: إذا نحيتَ هَذَا، وجعلتَ هَذِهِ مكانَهُ.

стр. 497

وحَكَى الهرويُّ فِي "الغريبين" (١): عَن ابنِ عرفةَ - يعني: نفطويهِ -: أَنَّهُ قَالَ: ((التبديلُ: تغييرُ الشيء عنْ حالهِ، والإبدالُ: جعلُ الشيءِ مكانَ آخرَ)). وتحقيقهُ: أنَّ معنى التبديلِ: التغييرُ وإنْ لَمْ يؤتَ ببدلٍ، كما ذكر فِي "الصحاحِ" (٢)، وكما هُوَ مقتضَى كلامِ ابنِ عرفةَ. فحيثُ ذكر المتقابلانِ، وقيل: بدَّلتُ هَذَا بذاك رجع حاصل ذَلِكَ: أنك أخذت ذاك وأعطيت هَذَا، فإذا قيلَ: بدّلَ الشيءَ بغيرهِ، فمعناه: غيّر الشيء بغيرهِ، أي: تركَ الأول وأخذ الثاني، فكانت الباءُ داخلةً عَلَى المأخوذ لا المنحى، ومعنى إبدال الشيء بغيرهِ يرجعُ إِلَى تنحية الشيء / ١٦٣ أ / وجعل غيره مكانهُ، فكانت الباءُ داخلةً عَلَى المتخذ مكان المنحى. وللتبديلِ - ولو مَعَ الاقتصارِ عَلَى المتقابلينِ - استعمالٌ آخرُ يتعدَّى إِلَى المفعولينِ بنفسهِ، كقولهِ تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (٣)، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ .. ﴾ (٤) الآية، بمعنى: يجعلُ الحسناتِ بدلَ السيئاتِ، ويعطيهما بدلَ مَا كَانَ لهما خيراً، وقد لا يَذكرُ المذهوبَ، كما فِي قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ (٥)، ومعنى التبدّلِ (٦) والاستبدالِ: أخذُ الشيءِ مكانَ غيرهِ، فإذا قُلتَ: استبدلتُ هَذَا بذاكَ، أو تبدّلتُ هَذَا بذاكَ، رجعَ حاصلُ ذَلِكَ: أنك أخذتَ هَذَا، وتركتَ ذاكَ.

стр. 498

وإنْ لَمْ يقتصرْ عَلَيْهِمَا، بل ذكرَ معهما غيرَهما، وأحدُهما مصحوبٌ بالجارِّ، وذَكرَ التبديلَ، كما فِي قولهِ تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ (١) تعدَّى الفعلُ بنفسهِ إِلَى المفعولينِ، يعني: إلى المفعولِ ذَلِكَ لأجلهِ، وإلى المأخوذِ بنفسهِ، وإلى المذهوبِ المبدلِ منهُ بالباء، كما في: ((بدّلهُ بخوفهِ أمناً)) معناهُ (٢): أزالَ (٣) خوفَهُ إلى الأمنِ. وقد يتعدَّى إِلَى المذهوبِ - والحالةُ هذهِ - بمِنْ، كما فِي ((بدّلهُ منْ خوفِهِ أمناً)) وللتبديلِ استعمالٌ آخرُ يتعدَّى إِلَى مفعولٍ واحدٍ، مثل: بدلتُ الشيءَ، أي: غيرّتَهُ، قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ (٤) عَلَى أنَّ هاهنا مَا يجبُ التنبهُ له، وَهُوَ أنَّ الشيء يكون مأخوذاً بالقياسِ والإضافةِ إِلَى شيءٍ، متروكاً بالقياسِ والإضافةِ إِلَى آخرَ، كما إذا أعطى شخصٌ شخصاً شيئاً، وأخذَ بدلَهُ مِنْهُ، فالشيءُ الأولُ مأخوذٌ للشخصِ / ١٦٣ أ / الثاني، ومتروكٌ للأولِ، والمقابلُ بالعكسِ، فيصحُّ أنْ يعبّر بالتبدّلِ والتبديلِ، ويعتبرَ فِي كلٍّ منهما مَا يناسبهُ، ولإشكالِ المقامِ قَصَدنا إِلَى بعضِ الإطنابِ. انتهى. فلو قَالَ: ((بعمرو وعبد الله)) غير مصروفٍ لاستقامَ وزناً ومعنى. قوله (٥): (قَالَ ابْن عَبْد البر: وَهُوَ عندهم خطأ) (٦) يعني: زيادةَ ذكرِ ((رسولِ الله ﷺ )) وإنما الصوابُ المحفوظ: ((وراءَ أَبِي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ)).

стр. 499

قوله: (وحديثُ أنسٍ قَدْ أعلهُ الشّافعيُّ) (١) يعني: هَذَا الَّذِي فيهِ التصريحُ بنفيِ البسملةِ. قوله: (فإنْ قَالَ قائلٌ) (٢) هَذِهِ كيفيةُ التعبير بالسؤالِ الَّذِي أوردهُ الشافعيُّ، ثُمَّ أجابَ عَنْهُ بقوله: ((قيل لَهُ)). وقوله: (فذكرهُ) (٣) أي: الحديثَ الَّذِي رواهُ الوليدُ، عن مالكٍ، ذَكرَهُ الشافعيُّ، واختصرَهُ الشيخُ هنا لذكرهِ لَهُ قَبْلُ. والفزاريُّ: هُوَ مروانُ بنُ معاويةَ، والثقفيُّ: هُوَ عبدُ الوهابِ بن عَبْدِ المجيدِ. قوله: (مؤتفقين) (٤) يعني: فِي روايتِهم لهُ عنْ حُميدٍ، وهذهِ لغةُ الشافعيِّ (٥) ﵀ فِي مثلِ هَذِهِ اللفظةِ من كلِّ معتلٍ الفاء أتى بصيغةِ ((مُفتعِلٍ)) أنْ يفكَّ الإدغامَ، ويعوضَ من فاءِ الكلمةِ الَّتِيْ هِيَ التاءُ الأولى همزةً، رداً إِلَى الأصلِ، فإنَّ المصدرَ: ((الوفاقُ))، وكذا متصل، يَقُول فِيهِ: مؤتصل، إذ مصدرهُ ((الوصلُ)) والواو قَدْ يبدلونها همزةً، مثل: ((وُقّتَتْ))، هُوَ من الوقتِ، وقُرِىءَ: ((أُقتتْ)) (٦).

стр. 500

قُلتُ: قوله: (هَذَا هُوَ المحفوظُ) (١) أي: مَا أَوَّلَهُ بهِ الشافعيُّ هُوَ الروايةُ المحفوظةُ، كما سيأتي عندَ الدارقطنيِّ. قوله: (وكذلكَ / ١٦٤ أ / رواهُ أكثرُ أصحابِ قتادةَ) (٢) يعني: مقتصرينَ عَلَى قوله: ((يفتتحونَ القراءةَ بالحمد للهِ ربِ العالمينَ))، ولم يذكروا ما بعدَهُ، فغَلبَ عَلَى الظنِّ أنَّ منْ زادَ تلكَ الزياداتِ (٣)، إنما زادها لفهمِه أنَّ المرادَ الافتتاحُ بهَذَا اللفظِ دونَ البسملةِ، كما سيأتي. قوله: (وهكذا رواه إسحاق بن عَبد الله بن أَبِي طلحة) (٤) أي: فظهرَ أنَّ قَوْلَ مسلمٍ منْ طريقه: ((أَنَّهُ سمعَ أنسَ بنَ مالكٍ يذكرُ ذَلِكَ)) (٥)، إنما المرادُ مِنْهُ أصلُ الحديثِ، لا اللفظُ السابقُ. قَالَ الشيخُ فِي " النكت عَلَى ابْن الصلاح " (٦): ((وعلى هَذَا فما فعلهُ مسلمٌ هنا ليسَ بجيدٍ؛ لأنهُ أحالَ بحديثٍ عَلَى آخرَ، وَهُوَ مخالفٌ لَهُ بلفظ: ((يذكرُ ذَلِكَ))، لَمْ يقلْ: ((نحو ذَلِكَ)) ولا غيرهُ))، انتهى. وسيأتي فِي آخر شرح هَذِهِ المقولةِ سياقُ ابْنِ عَبْد البرّ لها. قولهُ: (قال ابن عبد البر: فهؤلاء) (٧) قَالَ فِي " النكت ": ((إنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي كِتَاب " الإنصاف " (٨) فِي البسملةِ، واللهُ أعلم)) (٩).

стр. 501

قوله: (وهذا اضطرابٌ لا تقومُ مَعَهُ حجةٌ) (١) لَيْسَ كذلكَ؛ فإنَّ الاضطرابَ الَّذِي لا تقومُ مَعَهُ حجة شرطُهُ عدمُ إمكانِ الجمعِ، وتساوي الطرقِ قوةً وضعفاً (٢)، وهذا ليس كذلك، فإنَّ أصحَّ مَا فيهِ روايةُ: ((يفتتحونَ القراءةَ بالحمد لله ربّ العالمين))، ويليهِ: ((كانوا لا يجهرونَ ببسم الله الرحمن الرحيم))، ويليه: ((كانوا لا يذكرونَ بسم الله الرحمن الرحيم فِي أول قراءةٍ، ولا آخرها)) مَعَ أنَّ الجمعَ ممكنٌ، بحمل نفي قراءةِ البسملةِ عَلَى نفيِ الجهرِ بها، وكذا القراءةُ بالحمد لله رب العالمين، أي: / ١٦٤ ب / الفاتحة، وإنْ أريدَ اللفظُ حملَ عَلَى الجهرِ. وأمّا: ((فكانوا يجهرونَ ببسمِ الله الرحمن الرحيم)) فضعيفٌ. وأمّا: ((كانوا يسرّونَ ببسم الله الرحمن الرحيم)) فقدْ رواها ابْنُ خزيمةَ (٣)، وفِي سندهِ راوٍ ضَعِيفٌ (٤)، فلا يسمَّى الصحيحُ الَّذِي هُوَ فِي أعلى الدرجاتِ مضطرباً بما لا يقاويه (٥). قوله: (إذ ظنَّ راوٍ ... ) (٦) إِلَى آخرهِ، أي: الَّذِي قالَ: ((يستفتحونَ بالحمد للهِ ربِ العالمين))، ظنَّ أنَّ المرادَ منْ هَذَا انتفاء البسملةِ، يعني: أنهم يفتتحونَ بهَذَا اللفظِ فزادَ فِيهِ (٧): ((لا يذكرونَ ((بسمِ الله الرحمن الرحيم)) فِي أولِ قراءةٍ، ولا

стр. 502

آخرِها))، قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((فعلل (١) قومٌ (٢) رِوَايَةَ اللفظِ المذكورِ- يعني: فيما انفردَ بِهِ مسلمٌ. بنفيِ البسملةِ (٣) - لما رأوا الأكثرينَ إنما قالوا فِيهِ : ((فكانوا يستفتحونَ القراءةَ بالحمد لله رب العالمين)) منْ غيرِ تعرُّضٍ لذكرِ البسملةِ، وَهُوَ الَّذِي اتفقَ البخاريُّ (٤) ومُسلمٌ (٥) عَلَى إخراجهِ فِي الصحيحِ، ورأوا أنَّ مَنْ رواهُ باللفظِ المذكورِ رواهُ بالمعنَى الَّذِي وقعَ لهُ (٦)، ففَهِمَ منْ قولهِ: ((كانوا: يستفتحونَ بالحمد ... )) أنهمَّ كانوا لا يبسملونَ، فرواهُ عَلَى مَا فَهِم وأخطأَ؛ لأنَّ معناهُ: أنَّ السورةَ التي كانوا يفتتحونَ بِهَا من السورِ هِيَ الفاتحةُ، وليسَ فِيهِ تعرّض لذكرِ التسميةِ، وانضمَّ إِلَى ذَلِكَ أمورٌ، مِنْهَا: أَنَّهُ ثبتَ عنْ أنس أَنَّهُ سُئِلَ عنِ الافتتتاحِ بالتسميةِ، فَذَكرَ أَنَّهُ لا يحفظُ فيهُ شيئاً عن رسولِ اللهِ ﷺ (٧). قولُ / ١٦٥ أ / أنسٍ: ((إنكَ لتسألُني عنْ شيءٍ مَا أحفظُهُ، وما سألَني عنهُ أحدٌ قبلَكَ)) يحتملُ أنْ يكونَ المعنى مَا سألني عنْ مجموعِ هذهِ المسألةِ، ويحتملُ أن يكونَ سُئِلَ ونَسِيَ، ويحتملُ أنْ يكونَ كانَ ناسياً، ثُمَّ تذكّرَ.

стр. 503

قولُ البيهقيِّ: ((فِي هَذَا دلالةٌ عَلَى أنَّ مقصودَ أنسٍ مَا ذَكَرهُ الشافعيُّ)) (١)، يعني: أنَّ هَذَا السؤالَ لهُ شقّانِ: أحدهما: السؤالُ عنِ الافتتاحِ بالبسملةِ. والثاني: الافتتاحُ بأمِّ القرآنِ، وَهُوَ المرادُ بقولهِ: ((الحمد لله رب العالمين)) فنفيهُ إنما يتسلطُ عَلَى الشقِّ الأولِ، لأنَّ الافتتاحَ بأمِّ القرآنِ قَدْ أثبتَهُ فِي غيرِ هذهِ الروايةِ. هكذا فهمتُ منْ تقديرِ شيخِنا. والذي يظهر لِي أنَّ هَذَا لا يدلُّ عَلَى مَا قالَ الشافعيُّ؛ لأنهُ لا يخلو إمّا أنْ تكونَ البسملةُ من الفاتحةِ، فيكونَ الابتداءُ بِهَا، أو لا تكونُ مِنْهَا، فيكون الابتداءُ، بقوله: ((الحمد لله رب العالمينَ)). فلا يصحُّ نفيُّ السؤالِ عنِ البسملةِ، وإثباتهُ لأمِّ القرآنِ؛ لأنَّ ذلكَ يؤدي إِلَى أنْ يكونَ جزءُ الشيء قسيماً لهُ. قولُ أَبِي شامةَ: ((قَالَ: نحنُ سألناهُ عنهُ)) (٢) تلبيسٌ، فإنَّهُ يُفهِمُ أنَّ سؤالَ قتادةَ عنِ الاستفتاحِ بأيّ سورةٍ، وإنما سؤالهُ عنِ الجهر؛ فإنَّ مسلماً (٣) قالَ: حَدَّثَنَا ابنُ المثنى وابنُ بشارٍ، كلاهما عنْ غندرٍ (٤)، حَدَّثَنَا شعبةُ، سمعتُ قتادةَ يحدّثُ، عنْ أنسٍ قَالَ: ((صلّيتُ مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ ﵃ فَلَمْ أسمع أحداً منهم يقرأُ: بسم الله الرحمن الرحيم)) حَدَّثَنَا / ١٦٥ب/ محمدُ ابنُ المثنى، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو داود، قَالَ: حَدَّثَنَا شعبةُ في هَذَا الإسنادِ، وزادَ: قَالَ شعبةُ فقلتُ لقتادةَ: أسمعتَهُ منْ أنسٍ؟ قَالَ: ((نحنُ سألناهُ عَنْهُ)). قَالَ شيخُنا: ((فهذا

стр. 504

صريحٌ فِي أنَّ السؤالَ كَانَ عنْ عدمِ سماعِ القراءةِ، لا عَن الاستفتاحِ بأيِّ سورةٍ)). قلتُ: قولُهُ: (غير سؤالِ أَبِي مسلمةَ) (١) أفادَ بعضُ أصحابِنا: أنَّ شيخَنا نقلَ عنْ جزءٍ للخطيبِ فِي الجهرِ بالبسملةِ: أنَّ قتادةَ سألهُ، كما سألهُ أبو مسلمةَ، فأجابهُ: ((بالحمد لله رب العالمين)). قولُهُ: (ففيه نظرٌ) (٢) قَالَ المصنفُ فِي " النكت " (٣) مَا حاصلُه: ((إنَّهُ إنْ كَانَ مرادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ صحيحاً فليسَ كذلكَ، وإنْ كانَ مرادُهُ أَنَّهُ ليسَ فِي واحدٍ من صحيحي البخاريِّ ومسلمٍ فلا يلزمُ من (٤) ذَلِكَ كونهُ غيرَ صحيحٍ، وإنْ كَانَ مرادُهُ أَنَّهُ وإنْ كَانَ صحيحاً لا يكونُ فِيهِ قوةُ المعارضةِ لما فِي أحدِهما؛ لأنَّهُ يرجّحُ عِنْدَ التعارضِ بالأصحيةِ. فالجوابُ من وجهينِ: أحدهما: إنَّ هَذَا إذا لَمْ يمكنِ الجمعُ، وقدْ تقدّمَ الجمعُ بأنَّ المرادَ بحديثِ "الصحيحينِ" الابتداءُ بالفاتحةِ لا نفي البسملةِ. والثاني: أنهُ إنما يرجّحُ مَا فِي أحدِهما حيثُ كَانَ مِمَّا لَمْ يضعفْهُ الأئمةُ، فأمّا ماضعَّفوهُ - كهذا الحديثِ - فلا)). قولُهُ: (والبيهقيُّ لا يقولونَ بصحةِ حديثِ أنسٍ) (٥) زادَ المصنفُ فِي "تخريجهِ لأحاديثِ الإحياء"، فَقَالَ: ((وابن عَبْد البرّ))، ولعلهُ أخذهُ مِمَّا تقدّمَ فِي قوله: ((وقد اعترضَ ابْن عَبْد البر))، وكذا قولُهُ: ((وهذا اضطرابٌ .. )) إِلَى آخرهِ. والله أعلمُ.

стр. 505

قولُهُ: (وفيه دلالةٌ عَلَى الجهرِ مطلقاً .. ) (١) إِلَى آخرهِ، ليسَ كذلكَ، فإنهُ يحتملُ أنْ يكونَ فهمَ منهُ قرينةً تدلُ عَلَى أنَّ سؤالَهُ عنْ بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ، ولا يدلُّ عَلَى إثباتِ ((بسم / ١٦٦ أ / الله الرحمن الرحيم)) فإنهُ إنما سألهُ عَن الكيفيةِ، فذكرَ لهُ كلاماً، لَوْ قرأَهُ النبيُّ ﷺ لقرأَهُ كذلك، ولم يسأْلهُ عَن المقروءِ مَا هُوَ. وقولُ أَبِي شامةَ: ((ولنا أنْ نقولَ: الظاهرُ أنَّ السؤالَ لَمْ يكنْ إلا عنْ قراءتهِ فِي الصلاةِ، حَتَّى قَالَ: نحنُ سألناهُ عَنْهُ)). ليس كذلكَ؛ فإنَّ قتادةَ إنما قَالَ: نحن سألناهُ عنهُ، فِي الروايةِ الَّتِيْ فيها نفيُ الجهرِ، كما تقدّمَ. قولُهُ: (والخلافُ فِي الكتابةِ معروفٌ كما سيأتي) (٢) وسيأتي أنَّ الصحيحَ العملُ بِهَا، غيرَ أنها لا تكونُ كالتحديثِ، فيقدّمُ عَلَيْهَا عندَ التعارضِ، لكنَّ هَذَا إذا كانَ الكاتبُ هُوَ الرَّاوي، وأمّا هنا فالأمرُ عَلَى غيرِ ذلكَ، فإنْ قتادةَ وُلِدَ أكمهَ، فمن الأمر المحققِ أَنَّهُ لمْ يكتبِ الكتابَ، إنما كتبهُ غيرُهُ، ولم يعرفْ ذلكَ الغيرَ مَنْ هُوَ. قَالَ شيخُنا: ((ولا ينبغي أنْ يعرجَ فِي إعلالِ هَذَا الحَدِيْث، عَلَى سوى هذهِ العلةِ، فإنَّ أمرَها راجعٌ (٣) إِلَى أنَّ فِي السندِ مجهولاً، وكأنَّ الأوزاعيَّ، قَالَ: كتبَ إليَّ كاتبٌ عَن قتادةَ ... )) إِلَى آخرهِ. وأمّا أمرُ البسملةِ فِي إثباتها فِي الصلاةِ أولَ الفاتحة ونفيِها، فالذي تعيّنَ (٤) - كما حرّرهُ شيخُنا -: أن يقالَ بهِ ولا يلتفتُ إِلَى سواهُ: أنْ ينظرَ إليها نَظرَ (٥) الفقهاءِ والقراءِ، وَهُوَ أنَّ الشافعيَّ إنما أثبتَها؛ لأنهُ صرّحَ أنَّ قراءتَهُ قراءةُ عَبْدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، وهي ثابتةٌ فِي روايتهِ قرآناً متواتراً، مَنْ جَحَدَها من

стр. 506

روايتهِ بعد علمهِ بتواترِها كَفَرَ، كما لَوْ جحدَ مثلاً كلمة ((مِنْ)) فِي قولهِ تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ فِي سورةِ براءةَ (١)، ونحو ذَلِكَ، وإنما نفاها مالكٌ -- مثلاً-؛ لأنّ قراءتَهُ قراءةُ المدنيينَ، ولم تثبتْ فِي روايتِهم. فالذي يتحرّرُ أنَّ الشخصَ - شافعياً كانَ، أو غيرَهُ- إذا قرأَ فِي صلاةٍ أو غيرها بروايةِ مَنْ يَرى البسملةَ / ١٦٦ ب / آيةً وأَسقطَها، فَقَدْ أساءَ لمخالفتهِ للروايةِ، وإنْ قرأَ لغيرهِ وأسقطَها، فهوَ محسنٌ. وهذا واضحٌ لا غبارَ عَلِيهِ، وَهُوَ موافقٌ لما قالَ شيخُنا، إمامُ أهلِ القراءاتِ فِي عصرهِ شمسُ الدينِ أبو الخيرِ مُحَمَّدُ بنُ الجزرِيِّ فِي كتابهِ " النشرِ " الَّذِي تلقّتهُ الأمةُ بالقبولِ وأقرّ لهُ الفحولُ أَنَّهُ لَمْ تسمعِ (٢) الأعصارُ بمثلهِ، بعدَ أنْ حَكَى الأقوالَ فِي أنها آيةٌ من الفاتحةِ أو غيرها، أو ليست بآيةٍ فإنهُ قَالَ (٣): ((وهذه الأقوالُ ترجعُ إِلَى النفي والإثباتِ، والذي نعتقدُهُ أنَّ كليهما صحيحٌ، وأنَّ ذَلِكَ حقٌّ؛ فيكونُ الاختلافُ فيهما كاختلافِ القراءاتِ)). قَالَ السخاويُّ (٤): ((واتفقَ القرّاءُ عَلَيْهَا فِي أولِ الفاتحةِ، فابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، والكسائيُّ، يعتقدونها آيةً منها ومنْ كلِّ سورةٍ، ووافقهم حَمْزَةُ عَلَى الفاتحة خاصةً، وأبو عَمْرٍو، وقالونُ، ومَنْ تابعَهُ من قرّاءِ المدينةِ لا يعتقدونَها آيةً من الفاتحةِ)). انتهى. ويحتاج إِلَى تعقّبٍ، فلو قَالَ: ((يعتقدونها من القرآنِ أول سورةٍ)) ليعمَّ كونها

стр. 507

آيةً مِنْهَا أو فيها، أو بعضَ آيةٍ، لكانَ أسدَّ؛ لأنّا لا نعلمُ أحداً منهم عدَّها آيةً منْ سورةٍ سوى الفاتحة نصاً. وقولُهُ: ((إنَّ قالونَ ومَنْ تابعهُ منْ قرّاءِ المدينةِ لا يعتقدُونَها آيةً من الفاتحةِ)). فِيهِ نظرٌ، إذْ قَدْ صحَّ نصاً، أنَّ إسحاقَ (١) بنَ مُحَمَّدٍ المسيبيَّ، أوثقُ أصْحَابِ نافعٍ وأجلُّهم، قَالَ: سألتُ نافعاً عنْ قراءةِ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فأمرني بِهَا، وَقَالَ: ((أشهدُ أنها من السبعِ المثاني، وأنَّ اللهَ أنزلها)) رَوَى ذَلِكَ الحافظُ أبو عَمْرِو الدانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ، وكذلك / ١٦٧ أ / أبو بَكْر بنُ مجاهدٍ، عنْ شيخهِ موسى بنِ إِسْحَاقَ القاضي، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ المسيبيِّ، عنْ أبيهِ، ورويا أيضاً عَن ابن المسيبيِّ، قَالَ: ((كنا نقرأُ بسم الله الرحمن الرحيم أول فاتحةِ الكتابِ، وفي أولِ سورةِ البقرةِ، وبينَ السورتينِ فِي العرضِ والصلاةِ (٢)))، هَذَا كانَ مذهبَ القرّاءِ بالمدينةِ. قَالَ (٣): ((وفقهاءُ المدينةِ لا يفعلونَ ذَلِكَ)). قُلتُ: حَكَى أبو الْقَاسِمِ الهذليُّ، عنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ سألَ نافعاً عَن البسملةِ، فقالَ: ((السُنّةُ الجهرُ بِهَا)) فسلمَ إليه، وَقَالَ: ((كلُ عِلمٍ يُسألُ عنهُ أهلُهُ)) (٤) انتهى. فإنْ كَانَ ماذَكرَهُ شيخُنا عنْ قالونَ صحيحاً؛ فَقَد اضطربَ النقلُ عنْ نافعٍ. والظاهرُ أنَّ أولَ من حرّرَ هذهِ المسألةَ، أبو محمدِ بنُ حزمٍ فِي كتابه "المحلى" (٥) فَقَالَ فِي كِتَاب الصلاةِ: ((مَن كانَ يقرأُ بروايةِ مَنْ عَدَّ من القرّاءِ البسملةَ آيةً مِنْ أمّ القرآنِ، لمْ تجزئهُ الصلاةُ إلا بالبسملةِ، وهم: عاصمٌ، وحمزةُ،

стр. 508

والكسائيُّ، وابنُ كثيرٍ، وغيرُهم من الصحابةِ والتابعينَ، ومَنْ كَانَ يقرأُ بروايةِ مَنْ لا يعدُّها آيةً مِنْ أمِّ القرآنِ، فهو مُخيرٌ بَيْنَ أنْ يبسملَ، وبين أنْ لا يبسملَ، وهم: ابنُ عامرٍ، وأبو عَمْرٍو، ويعقوبُ، وفي بعضِ الرواياتِ عَن نافعٍ)) انتهى (١). قولُهُ: (مدلس كما تقدمَ) (٢) أي: فِي فنِّ التدليسِ. وأفادَ شيخُنا أنَّ روايةَ الوليدِ هذهِ فِي " جزءِ القراءةِ خلفَ الإمامِ " (٣) للبخاري، وفيها التصريحُ بالتحديثِ، لكنْ قَالَ الشيخُ فِي " النكت " (٤): ((وإنْ كانَ قَدْ صرّحَ بسماعهِ من الأوزاعيّ، فإنهُ يدلّسُ تدليسَ التسويةِ، أي: يسقط [شيخَ] (٥) شيخهِ الضعيفَ كما تقدّمَ نقُلهُ عَنْهُ)). قولُهُ: (وكثرَ التعليلُ بالإرسالِ) (٦) تقدّمَ مَا فِي قولهِ: ((التعليلُ)) فلوْ / ١٦٧ ب / قال (٧): ((الإعلالُ)) لكانَ أولى، والإرسالُ مرادُهُ بِهِ هنا ((المرسلُ))، وكذا الوصلُ مرادهُ بِهِ ((الموصولُ)) أي: وكثر إعلالُ الموصولِ بالمرسلِ. قولُهُ: (ونوع جرح) (٨) أي: ويعلّونَهُ بأي نوعٍ كانَ منْ أنواعِ الجرحِ، لا يقالُ: لَوْ قَالَ: ((كلُ جرح)) كَانَ أحسنَ؛ لأنهُ لَوْ قَالَ كذلكَ؛ لفُهِم منهُ أَنَّهُ لا يحكمُ بالعلةِ فِي حَدِيْثٍ، إلاّ إن اجتمعَ فِيهِ كلُّ جرحٍ.

стр. 509

قولُهُ: (وكثيراً مَا يعللونَ) (١) تقدّمَ أنَّ صوابَهُ: ((يعلّونَ))، منْ أعلّ. قولُهُ: (ولهذا) (٢) أي: لمعرفة العللِ جليِّها وخفيِّها. (اشتملتْ كتبُ عللِ الحديثِ)، أي: فإنهم إذا جمعوا طرقَ الحَدِيْثِ تبينتْ عللُهُ. قولُهُ: (وقد يعلّونَ الحَدِيْثَ بأنواع الجرح) (٣) أي: من الأشياءِ الَّتِيْ ليستْ بخفيةٍ، وذلكَ مِنْ قائلهِ إما تجوّزاً عنِ الاصطلاحِ، ونظراً إِلَى معناها اللغويِّ فَقَطْ، وإمّا أنْ يكونَ قالهَ قَبْلَ تقرّرِ الاصطلاحِ (٤). قُلتُ: قولُهُ: (وأرسلهُ غيره) (٥) أي: بشرط أنْ يكونَ مثلَهُ فِي الثقةِ، ولا مرجحَ، أو دونهُ، وأمّا إذا كَانَ فوقَهُ فإنهُ يكونُ الحكمُ لَهُ فيقدحُ، والله أعلمُ. قولُهُ: (صحيحٍ متفقٍ عليهِ) (٦) ليسَ مرادُهُ بالمتفقِ عليهِ المخرجَ فِي "الصحيحينِ"، إنما مرادُهُ الَّذِي اتفق عَلَى وصفِ راويهِ بالثقةِ أهلُ الحديثِ، ولم يذكرْ أحدٌ لَهُ علةً. قولُهُ: (وصحيح معلول) (٧) أي: كأنْ يظهر أنَّ فِيهِ علّةً، فيتبينُ بعدَ ذلكَ بالفحصِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ علةٌ، كحديثِ أَبِي هريرةَ الآتي، فيسميه معلولاً باعتبارِ مَا كانَ عَليهِ، وصحيحاً باعتبارِ ما آلَ بهِ النظرُ إليه (٨).

стр. 510

قولُهُ: (وصحيح مختلف فِيهِ) (١) أي: بعضهم يَقُولُ: إنَّ راويَهُ ثقةٌ، وبعضُهم يَقُولُ: إنهُ لَيْسَ بثقةٍ، فاختلفوا / ١٦٨ أ / فِي علّتهِ، فمنهم مَنْ أثبتَها، ومنهم مَن نفاها. قولُهُ: (ثُمَّ مثل الصحيحَ المعلَّ ... ) (٢) إلى آخرهِ، هَذَا عكسُ المعلولِ سواءً، فإنَّ المعلولَ (٣) مَا كانَ ظاهرُهُ السلامةُ، فاطّلعَ فِيهِ بعدَ الفحصِ عَلَى عوارٍ، وهذا لما اتفق أصْحَابُ مالكٍ عَلَى روايتهِ معضلاً، كَانَ ظاهرُهُ الإعلالُ، فلما فتشَ؛ وُجِدتِ الطريقُ الموصلةُ، فتبيّنَ بِهَا صحتهُ. قُلتُ: قولُهُ: (فقدْ صار الحديثُ بتبين الإسناد صحيحاً) (٤) أي: بالاتفاقِ، وإلا فهو قَدْ كَانَ صحيحاً عِنْدَ مَن يحتجُ بالمنقطع، ومنهم مالكٌ، واللهُ أعلم. قولُهُ: (وكانَ مالكٌ يرسلُ أحاديث) (٥) إنما كَانَ (٦) يفعلُ ذَلِكَ؛ لأنَّ المرسلَ ونحوَهُ عندَهُ حجةٌ (٧)، فسواءٌ عندَهُ روايتهُ موصولاً، وغير موصولٍ. قولُهُ: (كما قالَ بعضهم: من الصحيح مَا هُوَ صحيحٌ شاذٌ) (٨) قائلُ ذَلِكَ هُوَ الخليليُّ أيضاً (٩)، فلو أسقطَ كلمةَ ((بعضهم)) (١٠) من البيتينِ لانتظمَ الكلامُ.

стр. 511

قُلتُ: وكأن يقولَ فِي البيت: يقولُ معلولٌ صحيحٌ مثل مَا ... قَالَ: صحيح بشذوذٍ وُسما قولُهُ: (لأنَّ فِي الصحيحِ أحاديثَ كثيرةً) (١) مرادهُ صحيحُ البخاريِّ ومسلمٍ، واللهُ أعلمُ. المضطرب (٢) قولُهُ: ٢٠٩ - مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا ... مُخْتَلِفاً مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا ٢١٠ - في مَتْنٍ اوْ (٣) في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ ... فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ ٢١١ - بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا ... وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا ٢١٢ - كَالخَطِّ للسُّتْرَةِ جَمُّ الخُلْفِ ... والاضْطِرَابُ مُوْجِبٌ للضَّعْفِ

стр. 512

قولُهُ: (كالخطِّ للسترةِ) (١) راجعٌ إِلَى أصلِ المسألةِ، فهوَ مثالٌ للمضطربِ لا للراجحِ فِي قولهِ: (والحكم للراجح) (٢). قُلتُ (٣): قولهُ: (جمُّ الخلف) (٤) أي: كثيرُ الاختلافِ، أي: كَثُرَ اختلافُ العلماءِ فِي روايتهِ، فإنَّ ((الجَمَّ)) - بفتحِ الجيمِ، وتشديدِ الميمِ - الكثيرُِ، وأمّا: تنْزيلُ ((الخُلفِ)) - بضمِ الخاءِ - عَلَى الاختلافِ عَلَى قواعدِ اللغةِ فعَسِرٌ، وقد سهلهُ اللهُ لِي / ١٦٨ ب / فله الحمدُ. قَالَ الزبيديُّ فِي "مختصرِ العينِ": ((والخُلفُ - أي: بالضم - إخلافُ الوعدِ)) (٥) انتهى. وإخلافُ الوعدِ: هُوَ أنْ لا يقعَ الوفاءُ بِهِ - كما سيأتي - ومنْ لازمه أنْ يفعلَ مَا يخالفهُ. وقالَ ابنُ فارسٍ فِي "المجملِ" (٦): ((وفي خُلُقِ فلانٍ خُلْفَة (٧) (٨) -يعني: بكسرٍ، ثُمَّ فتحٍ، ثُمَّ سكونٍ- أي: خِلافٌ، من الخُلفِ فِي الوَعدِ)) قَالَ: ((والقومُ خِلفَهٌ - أي: بالكسرِ - مُختَلِفونَ)). وَقَالَ ابنُ القطاعِ فِي " الأفعالِ" (٩): ((وخَلَفَ الرجلُ عَن خُلُقِ أبيهِ خلوفاً، وخلافةً: تغيّر)). وَقَالَ أبو إبراهيمَ الفارابي فِي "ديوانِ الأدبِ" (١٠) فِي بَابِ الأفعالِ: ((وأخلفَهُ: مَا وعدَهُ، وَهُوَ أنْ يقولَ شيئاً، ولا

стр. 513

يفعلَهُ عَلَى الاستقبالِ، وأخلَفَهُ: أي: وافقَ موعَدَهُ، وهذا الحرفُ من الأضدادِ))، وَقَالَ فِي بَاب المفاعلةِ: ((خالفهُ نقيضُ وافقهُ)) (١)، وقالَ فِي آخرِ الباب: ((ومصدر هَذَا الباب عَلَى مُفاعلةٍ وفِعالٍ)) (٢). فتبيّنَ منْ هَذَا أنَّ الخلفَ، والمخالفةَ، والخلافَ، يرجعُ إِلَى معنى واحدٍ، وذلكَ منْ قولِ ابنِ فارسٍ فِي الخلفِ: ((أنَّ الخلافَ من الخلف فِي الوعدِ))، ومنْ قولِ الفارابي: ((أنَّ المخالفةَ والخلافَ واحدٌ))، فصارَ الخلفُ، والمخالفةُ، والخلافُ واحداً، وكأنهُ اسمٌ لذلك، كما أنهُ اسمٌ للإخلاف. قَالَ فِي "القاموسِ" (٣): ((والخُلْفُ - بالضمِ - الاسمُ منَ الإخلافِ، وَهُوَ فِي المستقبلِ كالكذبِ فِي الماضي، أو هُوَ أنْ يعدَّ عدةً ولا ينجزها)) انتهى. وأيضاً: فكأنَّ العالمَ إذا قَالَ قولاً، فكأنهُ قَدْ عهدهُ إِلَى الناسِ، وتقدّم إليهم فِيهِ، فمنْ لَمْ يوافقهُ عَليهِ فقدْ أخلفَ / ١٦٩ ب/ مَا عهدهُ إليهِ، فمنْ هنا يرجعُ الاختلافُ في الأقوال إِلَى الخلفِ الَّذِي هُوَ اسمٌ لإخلافِ الوعد، ثمَّ إنَّ المادةَ عَلَى طولها تدورُ عَلَى ((خَلْف)) الَّذِي هُوَ ضدُ ((قُدَّام))، فكلُّ قَوْلٍ يخالفُكَ، فكأنه كائنٌ خلفَكَ؛ لأنهُ لَوْ لائمك لكان مواجهاً لَكَ. وترجيع مَا قالَ الفارابيُّ في أخلف: أنهُ بمعنى خالفَ، وبمعنى وافقَ إِلَى الخلف، بأنْ نقولَ: الظاهرُ أنهُ مِمَّا قَالَ ابنُ القطاعِ إنهُ يقالُ: خلف الرجلُ إذا فسد. فإذا قيلَ: أخلف الوعدَ وأريد خالفَ، فالمعنى: أدخل عَليهِ الفسادَ الَّذِي هُوَ الخلفُ الراجعُ إِلَى خلافِ المواجهة، والملامةِ الراجعِ إِلَى الفسادِ، وإذا أريدَ وافق، فالمعنى: أزالَ عنهُ هَذَا (٤) الفسادَ؛ لأنَّ ((أفعلَ)) للتصيير والإزالةِ، وَقَالَ ابنُ القطاع: ((حيٌّ خلوفٌ، أي: غيبٌ، وحضورٌ، وَهُوَ من الأضدادِ)) (٥) انتهى.

стр. 514

فترجيعهُ إِلَى الخلفِ بأنْ يقالَ: إذا كانوا غيباً فالمعنى: أنهم أهلٌ لأن تُغزَى أهلُهم؛ لأنهم يكونونَ خلفَ غازيهم، ويكونُ هُوَ خلفَهم، فيتمكنُ مِمَّا يريدُ منهم، وإذا كانوا حضوراً، فالمعنى: أنهم أهلٌ لأنْ يتنكبَ غازيهم أهلَهم، أي: يعرضَ عنهم ويوجهَ إِلَى جهةٍ غيرِ جهتِهم؛ ليكونوا خلفَهُ، أي: خلوفاً لَهُ كما كانوا خلوفاً لَهُ، لما كانوا بحيث تُغزَى أهلهم، وهم غيبٌ، واللهُ أعلم. قولُهُ: (والاضطرابُ موجبٌ للضعف) (١) راجعٌ إِلَى أصلها أيضاً، أي: متى وُجِدَ الاضطرابُ، وُجِدَ الضعفُ، وليسَ كذلكَ كما سيأتي البحثُ فِيهِ فِي المثالِ. قولُهُ: / ١٦٩ ب / (بكون راويها أحفظَ وأكثرَ صحبةً للمروي عنهُ) (٢) لا يقالُ: هذهِ العلةُ إنما تأتي (٣) فِي أكثرَ منْ راوٍ واحدٍ، فإنهُ يمكن أن يكونَ الراوي الواحدُ في بعضِ الأزمان أحفظَ منهُ في بعضِها، ويكون أكثرَ صحبةً لأحدِ الشيوخِ الذين رَوَى عَنهُم ذَلِكَ الحديثَ الذِي اضطربَ فيهِ. قلتُ (٤): قولُهُ: (مثال الاضطرابِ في السندِ: ما رواهُ أبو داودَ (٥) وابنُ ماجه (٦)) (٧) ورواهُ أحمدُ (٨) وابنُ حبّانَ (٩)، قالَ ابنُ عبد الهادي: ((هوَ حديثٌ

стр. 515

مضطربُ الإسنادِ)). وكذلكَ ضعّفهُ الشافعيُّ (١) وغيرُه (٢)، أي: كالبيهقيِّ (٣) كَما حكاه عنهما في " النكت " (٤) وصححه ابن المديني وغيره. وقالَ ابنُ عُيينَةَ - كَما قالَ في " الشرح " (٥) -: ((لَم نجدْ شيئاً نشدُّ بهِ هَذا الحديثَ)) كَما حكاهُ عَنهُ أبو داود في " سننهِ " (٦). وذكرهُ النوويُّ في " الخلاصةِ " في فصلِ الضعيفِ، وقالَ: ((قالَ الحفّاظُ هوَ ضعيفٌ؛ لاضطرابهِ)). وقال البيهقيُّ: ((لا بأسَ بهذا الحديثِ في هَذا الحكمِ)) (٧) واللهُ أعلم. قالَ شيخُنا: ((وأتقنُ هَذهِ الرواياتِ روايةُ بشرٍ، وروحٍ، وأجمعُها رواية حميدِ بنِ الأسودِ، ومنْ قالَ: ((أبو عُمرِو بنُ محمد)) أرجحُ ممنْ قالَ: ((أبو محمدِ بنُ عمرٍو))؛ فإنَّ رواةَ الأولِ أكثرُ، وقد اضطربَ منْ قالَ: ((أبو محمدٍ))، فوافقَ مرةً رواية الأكثرينَ، فقالَ: ((أبو عمرِو بنُ محمدٍ)) فتلاشَى الخلافُ)). قلت: وقالَ الشيخُ في " النكت " (٨): ((وقولهُم - أي الأكثرينَ -: عَن جدهِ أرجحُ - أي ممنْ قالَ عَن أبيهِ - وإن كانَ أحفظَ لوجهينِ: أحدُهما: الكثرة، والثاني: أنَّ إسماعيلَ بنَ أُميةَ مكيٌّ، وابنَ عُيينةَ / ١٧٠ أ / كانَ مقيماً بمكةَ))، واللهُ أعلم.

стр. 516

قال شيخُنا: ((والمضطربُ من الرواياتِ فيهِ: التي لا يمكنُ الجمعُ بينَها، روايةُ من قالَ: ((أبو عمرٍو بنُ حريثٍ)) مع روايةِ من قالَ: ((أبو محمدِ بنَ عمرِو ابنِ حريثٍ))، وروايةُ من قالَ: ((حريثُ بنُ عمّار))، وباقي الرواياتِ يمكنُ الجمعُ بينهما (١)، فروايةُ من قالَ: ((عن جدّهِ)) بمعنى روايةِ من قالَ: ((عن أبيهِ))؛ فإنَّ الجدَّ أبٌ، وغايته: أن من قالَ: ((عن أبيهِ)) أسقطَ الأبَ، فصارَ سياقُهُ موهماً، لكن بروايةِ غيرهِ يتبيّنُ المرادُ، وروايةُ من قالَ: ((عن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ عمرِو ابنِ حُريثٍ)) فأدخلَ في الأثناءِ عَمراً لا ينافي روايةَ من أسقطَهُ، فإنَّهم يكثرونَ نسبةَ الشخصِ إلى جدِّهِ المشهورِ، ويسقطونَ الواسطةَ بينَهما، ومَنْ قالَ: ((سليم)) يمكنُ أنْ يكونَ اختصرَهُ منْ سليمانَ كالترخيمِ. قلتُ: تنبيهٌ: قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ورواهُ حميدُ بنُ الأسودِ، عن إسماعيلَ، عَن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ حُريثٍ بنِ سليمٍ، عَن أبيهِ، عَن أبي هرَيرَةَ)) (٢) فَذكرَ الناظمُ في " النكتِ " (٣) عليهِ أنَّ قولَهُ في هَذهِ الروايةِ ((عَن أبيهِ)) فيهِ نظرٌ؛ لأنّ ابنَ ماجه ساقَه عنْ حُميدٍ، بلفظ: ((عَنْ إسماعيلَ بنِ أميّةَ، عَن أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حُريثٍ، عنْ جدّهِ حريثِ بنِ سُليمٍ، عَن أبي هريرةَ))، ثُمَّ اعتذرَ عَن ابنِ الصلاحِ بأنهُ: ((اعتمدَ على روايةِ البيهقيِّ؛ فإنَّ فيها: منْ روايةِ حميدٍ، عَن إسماعيلَ، عنْ أبي عمرِو بنِ محمدِ بنِ حريثٍ، عَن أبيهِ، عَن أبي هريرةَ))، قالَ: ((فأمّا أنْ يكونَ قَد اختُلفَ فيهِ، على حميدِ بنِ الأسودِ في قولهِ: ((عَن أبيهِ))، أو ((عنْ جَدهِ))، أو يكونَ ابنُ ماجه قَدْ حمَل / ١٧٠ ب / روايةَ حميدِ بنِ الأسود، على روايةِ سفيانَ بنِ عُيينةَ، ولم يُبينِ الاختلافَ الذِي بينهما كَما يقعُ في الأسانيدِ، على أنَّهُ قَد اختلفَ فيهِ أيضاً

стр. 517

على ابنِ عيينةَ)) انتهى. وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((وقالَ عبدُ الرزاقِ (١)، عَن ابنِ جريجٍ: سمعَ إسماعيل، عَن حريثِ بنِ عمارٍ، عَن أبي هريرةَ. وفيهِ منَ الاضطرابِ أكثرُ مما ذكرناهُ)) (٢). قولُهُ (ذوّاد) (٣) -بفتحِ المعجمةِ وتشديدِ الواوِ، وبعدَ الألفِ مُهملةٌ - منَ الذَودِ، بمعنى الطّردِ. و (عُلبةَ) - بضم المهملةِ وسكونِ اللامِ وفتحِ الموحدةِ - (٤)، والله أعلمُ. وقولُ: أبي زرعةَ ((لا نعلمُ أحداً .. )) إلى آخرهِ، إنما نَفَى علمَهُ، وقد وُجدَ مَنْ نَسبه غيرُ ذاودٍ، ولا يضرُ خَفَاؤهُ على أبي زرعةَ. قولُهُ: (وَهوَ المرادُ بقولي) (٥) أي: والاضطرابُ في السندِ هوَ المرادُ بقولي: ((كالخطِّ)) أي كسندِ حديثِ الخطِّ للسترةِ. قالَ شيخُنا: ((والحقُّ أنَّ التمثيلَ لا يليقُ إلا بحديثٍ لولا الاضطرابُ لَم يضعُفْ، وهذا الذِي ذَكرَهُ ليسَ كذلكَ، فلا يصلحُ مثالاً لمضطربِ السندِ الذِي يوجبُ ضعفَ المتنِ؛ فإنهم اختلفوا في ذاتٍ واحدةٍ؛ فلا يخلو إمَّا أن يكونَ ثقةً أولا؛ فإنْ كانَ ثقةً، فلا يضرّ هَذا الاختلافُ في اسمهِ، أو نسبهِ، وقد وَجدَ مِثلُ ذَلِكَ في الصحيحِ، ويُفزَعُ إلى الترجيحِ، ولهذا صححهُ ابنُ حبّانَ؛ لأنهُ عِندَه ثقةٌ، وَرجّحَ أحدَ الأقوالِ في اسمهِ، واسمِ أبيهِ، وإنْ لم يكن ثقةً، فالضعفُ غيرُ حاصلٍ بجهةِ الاضطرابِ، بل بجهةِ كونهِ مجهولاً مثلاً، أو غيرِ ذَلِكَ منْ أنواعِ الضعفِ)) (٦).

стр. 518

نَعَمْ، يزدادُ بالاختلافِ ضعفاً فمثلُ هَذا داخلٌ في المضطربِ؛ لكونِ راويهِ (١) اختلفوا فيهِ، ولا مرجّحَ، وَهوَ واردٌ على قولِهم: الاضطرابُ / ١٧١ أ / يُوجبُ الضعفَ. قلتُ: والواقعُ في هَذا المثالِ أنَّ الراويَ مجهولٌ. قالَ شيخُنا في " تقريبِ التهذيبِ " (٢): ((أبو عمرِو بنُ محمدِ بنِ حُريثٍ، أو ابن محمدِ بنِ عمرِو بنِ حُريثٍ، وقيل: أبو محمدِ عَمْرُو بنُ حريثٍ: مجهولٌ)). قالَ المصنفُ في " النكت " (٣): ((فإنهُ لَم يروِ عَنهُ في ما علمتُ، غير إسماعيلَ بنِ أميّةَ، معَ هَذا الاختلافِ في اسمهِ، واسمِ أبيهِ، وهل يرويهِ عَن أبيهِ (٤)، أو عنْ جدِهِ، أو هوَ نَفسُهُ، عَن أبي هُريرةَ؟))، واللهُ أعلم. قولُهُ: (ومثالُ الاضطرابِ في المتنِ .. ) (٥) إلى آخرهِ، لا يصلحُ هَذا أيضاً أنْ يكونَ مثالاً لمضطربِ المتنِ، أمَّا أولاً: فلأنَّ أبا حمزةَ شيخَ شريكٍ ضعيفٌ، فَهوَ مردودٌ منْ قبلِ ضعفِ راويهِ، لا مِن قَبل اضطرابهِ. وأمّا ثانياً: فإنهُ يمكنُ تأويلُه بأنَّهُما رويا (٦) كلاً مِنَ اللفظينِ، عَن النَبيِّ ﷺ ، ويكونُ الحقُّ المثبتُ في اللفظِ الأولِ المرادِ بهِ الحق المستحب الذِي لَم يجبْ، كالصدقةِ النفلِ، وإكرامِ الضيفِ، ونحوِ ذَلِكَ، كَما يُقال: حَقُّكَ واجبٌ عليَّ، والحقُّ المنفيُّ في قولهِ: ليسَ في المالِ حقٌّ سوى الزكاةِ هوَ الفرْضُ. فلمْ يسلمْ لَهُ واحِدٌ منْ مثاليهِ. وأمّا المثالُ الصحيحُ لمضطربِ الإسنادِ، فحديثُ أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله

стр. 519

عنه، قالَ: يا رسولَ اللهِ، أراكَ شِبتَ؟ قالَ: ((شَيبتني هُوُدٌ وأخواتُها (١))). قالَ الدارقطني: ((هَذا مضطربٌ؛ فإنهُ لَم يُروَ إلاَّ من طريقِ أبي إسحاقَ، وقد اختُلِفَ عليهِ فيهِ على نَحوِ عشرةِ أوجهٍ، فمنهم مَن رواهُ عَنهُ مرسلاً، ومنهم منْ رواهُ موصولاً، ومنهم من جَعَلهُ منْ مسندِ أبي بكرٍ، ومنهم من جَعَلهُ منْ مسندِ سعدٍ، ومنهم من رَواه منْ مسندِ عائشةَ، وغيرُ ذَلِكَ. ورواتُهُ ثقاتٌ، لا يُمكنُ ترجيحُ بعضِهِم على / ١٧١ب / بعضٍ، والجمعُ متعذرٌ)) (٢)، والمرادُ بقولهِ: ((شَيَّبتني هودٌ)) بعضُها، وَهوَ قولُهُ تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (٣) كَما وَرد مُفسراً في بعضِ طرقِ الحديثِ، وكذا أخواتها.

стр. 520

ومثالُ الاضطرابِ في المتنِ: حديثُ الواهبةِ نفسَها، ففيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صوَّبَ النظرَ فيها وَصعّده، ثُمَّ طأطأ رأسهُ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، زوّجْنيها إنْ لَم يكنْ لك بها حاجةٌ، فقالَ: ((هل معَكَ شيءٌ؟)) قالَ: ما معيَ إلا إزاري، فذكرَ القصةَ، وفيها: ((التمسْ ولو خاتماً منْ حديدٍ)) فلم يجدْ شيئاً، وفيها: فقالَ: ((زوجتُكَها (١) بما معكَ منَ القرآنِ))، فقالَ بعضُهم كذلك، وقال بعضُهم: ((زوجناكَها)) (٢)، وقال بعضُهم:

стр. 521

((أملكناكَها (١))) (٢)، وقال غيره: ((ملكتُكَها)) (٣)، وقالَ بعضٌ غير ذَلِكَ (٤) فهذهِ الألفاظُ لا يمكنُ الاحتجاجُ بواحدةٍ منها، حتى لو احتجَّ حنفيٌّ مثلاً على أنَّ التمليكَ من ألفاظِ النكاحِ لَم يسغْ لَهُ ذَلِكَ (٥)؛ لأنَّ اللفظةَ التي قالها النبيُّ ﷺ ، مشكوكٌ فيها، لَم تعْرَفْ عينُها؛ بسببِ أنَّ الواقعةَ واحِدةٌ لَم تتعددْ، وأمّا بقيةُ الأحكام التي في القصةِ: كتخفيفِ الصداق، وعدمِ تَحديده بحدٍ معينٍ، ونحوِ ذَلِكَ فَهوَ كذلكَ لا مريةَ فيهِ، والله أعلم.

стр. 522

المُدْرَجُ (١) قولُهُ: ٢١٣ - المُدْرَجُ: المُلْحَقُ آخِرَ الخَبَرْ ... مِنْ قَوْلِ راوٍ مَا، بلا فَصْلٍ ظَهَرْ ٢١٤ - نَحْوُ (إذَا قُلْتَ: التَّشَهُّدَ) وَصَلْ ... ذَاكَ (زُهَيْرٌ) وَ (ابنُ ثَوْبَانَ) فَصَلْ ٢١٥ - قُلْتُ: وَمِنْهُ مُدْرَجٌ قَبْلُ قُلِبْ ... (كأسْبِغُوا الوُضُوْءَ وَيْلٌ لِلعَقِبْ) المدرجُ قسمانِ (٢): مدرجُ المتنِ (٣)، ومدرجُ الإسنادِ (٤). فالأولُ: هوَ ما أُضيفَ

стр. 523

إلى الخبرِ، من غيرِ كلامِ صاحبهِ بلا تمييزٍ (١)، فيدخلُ فيهِ المرفوعُ، والموقوفُ، ونحوهُ، بخلافِ قولِ الشيخِ (٢): ((ويتوهمُ أنَّ الجميعَ مرفوعٌ (٣))). وكذا قولُ ابنِ الصَلاحِ: ((ما أدرجَ في حديث /١٧٢ أ/ رسولِ اللهِ ﷺ منْ كلامِ بعضِ رواتهِ)) (٤)، فإنَّهُ يُوهِمُ أنَّ التسميةَ خاصةٌ بالمرفوعِ وليسَ كذلكَ، فليسَ المرفوعُ شرطاً فيها. وتارةً يكونُ سببُ الإدراجِ، استنباطَ الراوي حكماً مِنَ الأحكامِ، مثل ما ذكرهُ منْ حديثِ ابنِ مسعودٍ في التشهدِ (٥)، فإنَّهُ استنبطَ منَ الخبرِ أنَّهُ إذا فرغَ منَ التشهدِ فقدْ خرجَ منَ الصَلاةِ، وهكذا حديث عروةَ، عنْ بسرةَ (٦) بنتِ صفوانَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكرَهُ أو أنثييه أو رفغهُ فليتوضأ)) (٧). فَهِمَ عروةُ منَ الخبرِ أنَّ سببَ نقضِ الوضوءِ مظنَّةُ الشهوةِ، فجعلَ حُكمَ ما قربَ منَ الذَّكرِ كذلكَ؛ لأنَّ ما قاربَ الشيءَ أُعطيَ حكمُهُ، فقالَ كلٌّ منهما ذَلِكَ، فظنَّ بعضُ الرواةِ أنَّهُ منْ صُلبِ الخبرِ فنَقلهُ مُدرجاً فيهِ، وفهمَ الآخرونَ حقيقةَ الحالِ، فَفصّلوا. وتارةً يكونُ سَببُهُ غرابةَ بعضِ الألفاظِ، فيفسرها، كحديثِ الزُهريِّ، عَنْ عائشةَ ﵂: ((كانَ النَبيُّ ﷺ يتحنّثُ في غارِ حراءِ، -وَهوَ التعبُّد- اللياليَ ذواتِ العددِ ... )) (٨). فقوله: ((وَهوَ التعبّد)) تفسير للتَحنّث المضمّن ليتَحنّث.

стр. 524

قلتُ: قولُهُ: (مثلَ حديثِ الأعمشِ) (١) الذِي في نسختي منْ أبي داود: فَعلمه التشهّدَ في الصلاةِ، فذكرَ مثلَ دعاءِ حديثِ الأعمشِ، ولفظه بحديثِ الأعمشِ الذِي أحال عليهِ: حدثنا مسددٌ، قالَ: حدثنا يحيى (٢)، عنْ سليمانَ الأعمشِ، حدثني شقيقُ بنُ سلمةَ، عنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قالَ: كنا إذا جلسنَا / ١٧٢ ب / معَ رسولِ اللهِ ﷺ في الصلاةِ، قلنا: السلامُ على اللهِ قبلَ عبادِهِ، السلامُ على فلانٍ وفلانٍ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : ((لا تقولوا السلامُ على اللهِ؛ فإنَّ اللهَ هوَ السلامُ، ولكن إذا جلسَ أحدُكم فليقلْ: التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليكَ أيها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحينَ - فإنَّكم إذا قلتُم ذَلِكَ أصابَ، وفي روايةِ ابنِ داسةَ: أصبتُم، كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرضِ - أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولهُ، ثُمَّ ليتخيَّرْ أحدُكم منَ الدعاءِ أعجَبَهُ إليهِ فيدعوَ بهِ)) (٣). قالَ شيخُنا: ((ويعرفُ هَذا المدرجُ بتفصيلِ بعضِ الرواةِ، بأنْ ينسبَ كلَّ مقالةِ إلى قائلها، كحديثِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁ رَفَعَهُ: ((منْ ماتَ لا يُشرِكُ باللهِ شيئاً دَخَلَ الجَنَّةَ، ومنْ ماتَ يشركُ باللهِ شَيئاً دَخَلَ النارَ)). وجاء في روايةٍ أُخرى: قالَ النَبيُّ ﷺ : كلمةً، وقلت أَنا أُخرى: ((منْ ماتَ لا يشركُ باللهِ شَيئاً دَخَلَ الجنةَ، ومنْ ماتَ يشركُ باللهِ شيئاً دَخَلَ النارَ))، فأفادَ هَذا أنَّ إحدى الكلمتينِ منْ قولِ ابنِ مسعودٍ، لكنْ لَم يعينْها، فجاءتْ روايةٌ ثالثةٌ: قالَ النبيُّ ﷺ كلمةً وقلت أنا أُخرى: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((منْ ماتَ لا يُشركُ باللهِ شيئاً دخَلَ الجَنةَ، ومنْ ماتَ يشرِكُ

стр. 525

باللهِ شيئاً دخلَ النّارَ)) / ١٧٣ أ / فعلمنا أنَّ الثانيةَ منْ قولِ ابنِ مسعودٍ، وأكّدَ ذَلِكَ روايةٌ رابعةٌ، اقتصرَ فيها على الكلمةِ الأولى، مضافةً إلى النبي ﷺ (١). ولا بدَّ أن تأتيَ روايةٌ غيرُ مفصّلةٍ، ثُمَّ تأتيَ أخرى مُصرّحة، فيُكتفَى بها في معرفة الإدراجِ، وتارةً يُقتصرُ عليها، وتارةً تؤكدُ بمجيءِ الحديثِ منْ طريقٍ أخرى محذوفاً منهُ القدر المدرجُ. قولُهُ: (ومالكُ بنُ إسماعيلَ النهديُّ عَنهُ) (٢) أي: عَن زهيرٍ. قولُهُ: (ثُمَّ رواه - أي: الدارقطنيُّ - منْ روايةِ غسان) (٣). قلت: قولُهُ: (فَرّقَهما) (٤) أي: ذكرَ لكلٍ منهما إسناداً إلى شُعبةَ على حدتِهِ، ولم يقلْ مثلاً: حدثنا أبو قطن وشبابةُ، عنْ شعبةَ. قولُهُ: (أو رفغهُ) (٥) الرفغُ: بالمهملةِ وآخرُهُ معجمةٌ. قالَ في " القاموسِ " (٦): ((بضمٍ أو بفتحٍ: المغابنُ، وأصلهُ (٧) الفخذُ، وكلُ مجتَمعِ وسخٍ منَ الجسدِ، والجمعُ: أرفاغٌ، ورفوغٌ، وبالضمِ: الإبطُ، وما حولَ فرجِ المرأةِ)). وقالَ الزبيديُّ في " مختصر العين ": ((الرفغُ باطنُ الفخذِ، والرفغُ وسخُ الظفرِ)) (٨). وقالَ ابنُ فارسٍ في " المجمل " (٩): ((الرُفْغُ: أصلُ الفخذينِ (١٠) وسائِرُ المغابنِ: أرفاغٌ، وكلُّ موضعٍ

стр. 526

اجتمعَ فيهِ الوسخُ: رُفغٌ، وفي الحديثِ: كيفَ لا أُوهِمُ ورفغ أحدِكم بين ظفرهِ وأنمُلَتهِ)). وقالَ الإمامُ عبدُ الحقِ: ((والرَّفغُ والرُّفغ: أصلُ الفخذينِ، و (١) الفتحُ لتميمٍ، والضمُّ لأهلِ العاليةِ، والأرفاغُ: أصولُ المغابنِ كلها. وفي الحديث: ورفغ أحدكم بينَ ظفرهِ وأنمُلتهِ)). قالَ الليثُ: ((الرفغُ وسخُ الظفرِ)). / ١٧٣ ب / كأنهُ أرادَ: ووسخ رُفغ أحدِكم، فاختصرَ الكلامَ. وأرادَ ﷺ : لا تقلمونَ أظفاركم ثُمَّ تَحكّونَ بِها أرفاغَكم، فيتعلّقَ بها ما في الأرفاغِ. وفي الحديثِ: ((إذا التقى الرُفغانِ فقَد وَجبَ الغُسلُ)) (٢). والرفغانُ: أصلا الفخذينِ كَما تقدّمَ، يُريدُ: إذا التقى ذَلِكَ منَ الرجلِ والمرأةِ، ولا يكونُ ذَلِكَ إلا بعدَ التقاءِ الختانينِ (٣)، انتهى. والمادةُ تدورُ على اللينِ والقَذَرَ المجتمعينِ في المغابنِ، فَمِنَ القذَرِ ما تقدّمَ، ومنهُ أيضاً: الرفْغُ الذِي هوَ: أَلأَمُ الوادي، وشرُّهُ تراباً، ومن اللينِ: رفَاغَة العيشِ ورفاغيتُهُ، أي: رفاهيتهُ (٤). قولُهُ: (على يزيدَ بنِ زُريعٍ) (٥) أي: فأدرجهُ أبو كاملٍ الجَحْدريُّ كَما ترى، وفَصَلهُ عَنهُ أبو الأشعثِ، وأحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الغَنوي، وغيرُهما (٦). قولُهُ: (الطريق إلى الحُكْمِ) (٧) هوَ بضمِ المهملةِ، وسكونِ الكافِ، أي: أنَّ الحكمَ على أول شيءٍ في الخبرِ بالإدراجِ، حُكمٌ ضعيفٌ ليسَ إليهِ طريقٌ قويٌ، وذلكَ

стр. 527

لصراحةِ قولِ الراوي في كونهِ منْ قولِ النبيِّ ﷺ ؛ لكونهِ أولَ مَعْمُولٍ لقالَ مثلاً، كأَنْ يُقالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كذا، أو غيرهُ منَ العواملِ كَما سيأتي في مسَّ. وقوله: (مما يَضعُفُ فيهِ) (١) هوَ - واللهُ أعلمُ - خبرٌ مقدمٌ وفاعلُ ((يضعفُ)) محذوفٌ، و ((أنْ يكونَ)) هوَ المبتدأُ، تقديرهُ: ومما يضعُفُ فيهِ الحكمُ بالإدراجِ، أنْ يكونَ المحكومُ عليهِ، مُدرجاً في أثناءِ اللفظِ المتفقِ عَلى أنَّهُ لفظُ رسولِ اللهِ / ١٧٤ أ / ﷺ ، أو في أولهِ. وقوله: (لما فيهِ مِن اتصال هَذهِ اللفظةِ بالعاملِ) (٢) أي: وَهوَ قولُهُ: ((مسّ)) وقد فُرضَ أنَّهُ منْ قولهِ ﷺ . قلتُ: وهَذا الكَلامُ (٣) ضعيفٌ؛ فإنَّ مَنْ رواهُ كذلكَ يمكنُ أَنْ يكونَ رواهُ بالمعنى فَقَدَّمَ وأخَّرَ، ظناً منهُ أنَّ ذلكَ كُلَّهُ منْ قولِ النبيِّ ﷺ ، ولو أدَّى لفظَ مَنْ نَقَلَهُ عَنهُ كما قالهُ؛ لكانَ المدرجُ آخرَ الخَبرِ، وأمَّا مَنْ فَصّل فإنهُ فَهِمَ الأمرَ على ما هوَ عليهِ بقرينةٍ أو تصريحٍ. قالَ شيخُنا: ((ووقعَ كثيرٌ منَ الإدراجِ في الوسطِ، كحديثِ عائشةَ في بدءِ الوَحي، فإنَّ قولَهُ: ((والتحنثُ: التعبّدُ)) مدرجٌ منْ قولِ الزهريِّ (٤)، وحديث فَضَالةَ بنِ عُبيدٍ: أنا زعيمٌ - والزعيمُ: الحميلُ - ببْيتٍ في رَبَضِ الجنّةِ ... الحديثَ (٥).

стр. 528

فقولُهُ: ((والزعيمُ الحميلُ)) مدرجٌ منْ تفسيرِ ابنِ وهبٍ. وحديث أزهرَ بنِ عليٍّ التَميميِّ، عنْ مالكٍ، عنِ الزهريِّ، عنْ أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ مكةَ، وعلى رأسهِ المغْفَرُ وَهوَ غيرُ مُحْرمٍ ... الحديثَ. (١) فقولهُ: ((وَهوَ غيرُ مُحرِمٍ)) كلامُ الزهريِّ، أُدرجَ في هَذا الموصولِ، وقَدْ ذكرتُ أمثلةً غير هَذا في كِتابِ "المدرج"، واللهُ أعلم)). قولُهُ: (ولا يُعرفُ في طرقِ الحديثِ تقديمُ الأنثيين على الذَكرِ) (٢) ليسَ كذلكَ، فقدْ وقَعَ في كتابِ " الأبوابِ " لابنِ شاهينَ منْ روايةِ محمدِ بنِ دينارٍ، عنْ هشامِ بنِ عروةَ، بهِ (٣): مَنْ مسَّ أُنثييْهِ أو ذكَرَهُ. فقدّم الأُنثيينِ، والله أعلم. قلت: قولُهُ: ٢١٦ - وَمِنْهُ جَمْعُ مَا أتَى كُلُّ طَرَفْ ... مِنْهُ بِإسْنَادٍ بِوَاحِدٍ سَلَفْ ٢١٧ - كـ (وَائِلٍ) في صِفَةِ الصَّلاَةِ قَدْ ... أُدْرِجَ (ثُمَّ جِئْتُهُمْ) وَمَا اتَّحَدْ / ١٧٤ ب / هَذا مدرجُ الإسنادِ؛ لأنهُ لما رَوَى القطعتينِ بسندِ أحدِهما، كانَ كأنهُ أدرجَ أحدَ السندينِ في الآخرِ، حتى ساغَ لَهُ أنْ يركّبَ عليهِ القطعتينِ، ولو قالَ الشيخُ: ومنهُ جَمعُ طرفي حديث ... بسندِ الواحِدِ في التحديثِ كانَ أبينَ وأسلمَ مِنَ الحشوِ. قولُهُ: (أُدرجَ) (٤) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ، أي: أَدرجَ بعضُ رواةِ هَذا الحديثِ هَذا اللفظَ فيهِ، وَهوَ: ثُمَّ جئتهم ... إلى آخرهِ، وَصيَّرهُ معَ ما قبله شيئاً واحداً، والحالُ أنَّهُ

стр. 529

ما اتحدَ معَ ما (١) قبلهُ في السندِ، وإن اتحَّدَا في الصحابيِّ، بل كلٌّ منهما بسندٍ. قولُهُ: (فرقهما) (٢) أي: لَم يقلْ في سَندٍ واحدٍ: عَنْ زائدةَ وشريكٍ، عَن عاصمٍ، بل قالَ في تفريعِ أبوابِ الاستفتاحِ: حدثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدثنا أبو الوليدِ، حدثنا زائدةُ، عنْ عاصمِ بنِ كليبٍ ... فذكرَ الحديثَ، ثُمَّ قالَ: حدثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدثنا شريكٌ، عنْ عاصمِ بنِ كُليَبٍ ... ، فَذَكرهُ (٣). قولُهُ: (الحمال) (٤) بالمهملةِ، صفةٌ لوالدِ موسى بنِ (٥) هارون بنِ عبدِ اللهِ البغداديِّ، الثقةِ الحافِظِ الكبيرِ، ماتَ سَنةَ أربعٍ وتسعينَ ومئتينِ، وكانَ حافظَ بغدادَ في وقتهِ، قالَ الذهبيُّ في "الدُوَلِ" (٦): قالَ الصِّبغيُّ (٧): ((ما رأيتُ في حفّاظِ (٨) الحديث أهْيَبَ منهُ، ولا أورَعَ (٩))). وماتَ أبوه هارونُ الحمالُ، سنةَ أربعٍ وأربعينَ ومئتينِ (١٠). قولُهُ: (ومنهُ أنْ يُدرَجَ) (١١) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ.

стр. 530

قولُهُ: (ولاتَنَافسُوا) (١) هوَ مِن النفيسِ، وَهوَ ما يُرغَبُ فيهِ ويُبخَلُ بهِ لِعزّتهِ، وَهوَ مضارعُ تنافسَ فلانٌ وفلانٌ، مثلُ: تقاتلا. وهكذا بقيةُ ألفاظِ الحديثِ، كلها أفعالٌ مضارعةٌ، حُذِفَ منها حرفُ المضارعةِ تخفيفاً. ومعنى ((تنافسُوا)): تقاسَموا النفاسةَ، بأنْ يَعُدَّ كُلٌّ مِنهُم الشيءَ نَفيساً، فيتجاذبوهُ، فيؤديَ ذَلِكَ إلى فسادٍ عريضٍ (٢). والتجسسُ - بالجيمِ -: التفحّصُ منَ الجاسوسِ لصاحِبِ سِرِ الشرِّ. (٣) قالَ في "القاموسِ" (٤): ((أي: خُذوا ما ظَهرَ، ودَعوا ما سَترَ اللهُ ، ولا تَفْحصوا عنْ بواطنِ الأمورِ، ولا تبحثوا عنِ العوراتِ)). والتَحسسُ: بالحاءِ المهملةِ. قالَ في "القاموس" (٥): ((الاستماعُ لحديثِ القومِ، وطلبُ خبرِهِم في الخيرِ، والحاسوسُ: الجاسوسُ، أو هوَ في الخير، وبالجيمِ في الشر)) انتهى. والمادةُ تَدورُ على تأثّرِ النفسِ بِما تدركُهُ بإحدى حواسِّها. قولُهُ: ٢٢١ - وَمِنْهُ مَتْنٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَرَدْ ... وَبَعْضُهُمْ خَالَفَ بَعْضاً في السَّنَدْ ٢٢٢ - فَيَجْمَعُ الكُلَّ بإسْنَادٍ ذَكَرْ ... كَمَتْنِ (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ) الخَبَرْ ٢٢٣ - فَإنَّ (عَمْراً) عِنْدَ (وَاصِلٍ) فَقَطْ ... بَيْنَ (شَقيْقٍ) وَ (ابْنِ مَسْعُوْدٍ) سَقَطْ ٢٢٤ - وَزَادَ (الاعْمَشُ) كَذَا (مَنْصُوْرُ) ... وَعَمْدُ الادْرَاجِ لَهَا مَحْظُوْرُ قولُهُ: (وبعضُهُم ... ) (٦) إلى آخرهِ، جُملةٌ في موضعِ الحالِ.
следующие страницы →