← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

اجتمعَ فيهِ الوسخُ: رُفغٌ، وفي الحديثِ: كيفَ لا أُوهِمُ ورفغ أحدِكم بين ظفرهِ وأنمُلَتهِ)). وقالَ الإمامُ عبدُ الحقِ: ((والرَّفغُ والرُّفغ: أصلُ الفخذينِ، و (١) الفتحُ لتميمٍ، والضمُّ لأهلِ العاليةِ، والأرفاغُ: أصولُ المغابنِ كلها. وفي الحديث: ورفغ أحدكم بينَ ظفرهِ وأنمُلتهِ)). قالَ الليثُ: ((الرفغُ وسخُ الظفرِ)). / ١٧٣ ب / كأنهُ أرادَ: ووسخ رُفغ أحدِكم، فاختصرَ الكلامَ. وأرادَ ﷺ : لا تقلمونَ أظفاركم ثُمَّ تَحكّونَ بِها أرفاغَكم، فيتعلّقَ بها ما في الأرفاغِ. وفي الحديثِ: ((إذا التقى الرُفغانِ فقَد وَجبَ الغُسلُ)) (٢). والرفغانُ: أصلا الفخذينِ كَما تقدّمَ، يُريدُ: إذا التقى ذَلِكَ منَ الرجلِ والمرأةِ، ولا يكونُ ذَلِكَ إلا بعدَ التقاءِ الختانينِ (٣)، انتهى. والمادةُ تدورُ على اللينِ والقَذَرَ المجتمعينِ في المغابنِ، فَمِنَ القذَرِ ما تقدّمَ، ومنهُ أيضاً: الرفْغُ الذِي هوَ: أَلأَمُ الوادي، وشرُّهُ تراباً، ومن اللينِ: رفَاغَة العيشِ ورفاغيتُهُ، أي: رفاهيتهُ (٤). قولُهُ: (على يزيدَ بنِ زُريعٍ) (٥) أي: فأدرجهُ أبو كاملٍ الجَحْدريُّ كَما ترى، وفَصَلهُ عَنهُ أبو الأشعثِ، وأحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الغَنوي، وغيرُهما (٦). قولُهُ: (الطريق إلى الحُكْمِ) (٧) هوَ بضمِ المهملةِ، وسكونِ الكافِ، أي: أنَّ الحكمَ على أول شيءٍ في الخبرِ بالإدراجِ، حُكمٌ ضعيفٌ ليسَ إليهِ طريقٌ قويٌ، وذلكَ

стр. 527

لصراحةِ قولِ الراوي في كونهِ منْ قولِ النبيِّ ﷺ ؛ لكونهِ أولَ مَعْمُولٍ لقالَ مثلاً، كأَنْ يُقالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كذا، أو غيرهُ منَ العواملِ كَما سيأتي في مسَّ. وقوله: (مما يَضعُفُ فيهِ) (١) هوَ - واللهُ أعلمُ - خبرٌ مقدمٌ وفاعلُ ((يضعفُ)) محذوفٌ، و ((أنْ يكونَ)) هوَ المبتدأُ، تقديرهُ: ومما يضعُفُ فيهِ الحكمُ بالإدراجِ، أنْ يكونَ المحكومُ عليهِ، مُدرجاً في أثناءِ اللفظِ المتفقِ عَلى أنَّهُ لفظُ رسولِ اللهِ / ١٧٤ أ / ﷺ ، أو في أولهِ. وقوله: (لما فيهِ مِن اتصال هَذهِ اللفظةِ بالعاملِ) (٢) أي: وَهوَ قولُهُ: ((مسّ)) وقد فُرضَ أنَّهُ منْ قولهِ ﷺ . قلتُ: وهَذا الكَلامُ (٣) ضعيفٌ؛ فإنَّ مَنْ رواهُ كذلكَ يمكنُ أَنْ يكونَ رواهُ بالمعنى فَقَدَّمَ وأخَّرَ، ظناً منهُ أنَّ ذلكَ كُلَّهُ منْ قولِ النبيِّ ﷺ ، ولو أدَّى لفظَ مَنْ نَقَلَهُ عَنهُ كما قالهُ؛ لكانَ المدرجُ آخرَ الخَبرِ، وأمَّا مَنْ فَصّل فإنهُ فَهِمَ الأمرَ على ما هوَ عليهِ بقرينةٍ أو تصريحٍ. قالَ شيخُنا: ((ووقعَ كثيرٌ منَ الإدراجِ في الوسطِ، كحديثِ عائشةَ في بدءِ الوَحي، فإنَّ قولَهُ: ((والتحنثُ: التعبّدُ)) مدرجٌ منْ قولِ الزهريِّ (٤)، وحديث فَضَالةَ بنِ عُبيدٍ: أنا زعيمٌ - والزعيمُ: الحميلُ - ببْيتٍ في رَبَضِ الجنّةِ ... الحديثَ (٥).

стр. 528

فقولُهُ: ((والزعيمُ الحميلُ)) مدرجٌ منْ تفسيرِ ابنِ وهبٍ. وحديث أزهرَ بنِ عليٍّ التَميميِّ، عنْ مالكٍ، عنِ الزهريِّ، عنْ أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ دَخَلَ مكةَ، وعلى رأسهِ المغْفَرُ وَهوَ غيرُ مُحْرمٍ ... الحديثَ. (١) فقولهُ: ((وَهوَ غيرُ مُحرِمٍ)) كلامُ الزهريِّ، أُدرجَ في هَذا الموصولِ، وقَدْ ذكرتُ أمثلةً غير هَذا في كِتابِ "المدرج"، واللهُ أعلم)). قولُهُ: (ولا يُعرفُ في طرقِ الحديثِ تقديمُ الأنثيين على الذَكرِ) (٢) ليسَ كذلكَ، فقدْ وقَعَ في كتابِ " الأبوابِ " لابنِ شاهينَ منْ روايةِ محمدِ بنِ دينارٍ، عنْ هشامِ بنِ عروةَ، بهِ (٣): مَنْ مسَّ أُنثييْهِ أو ذكَرَهُ. فقدّم الأُنثيينِ، والله أعلم. قلت: قولُهُ: ٢١٦ - وَمِنْهُ جَمْعُ مَا أتَى كُلُّ طَرَفْ ... مِنْهُ بِإسْنَادٍ بِوَاحِدٍ سَلَفْ ٢١٧ - كـ (وَائِلٍ) في صِفَةِ الصَّلاَةِ قَدْ ... أُدْرِجَ (ثُمَّ جِئْتُهُمْ) وَمَا اتَّحَدْ / ١٧٤ ب / هَذا مدرجُ الإسنادِ؛ لأنهُ لما رَوَى القطعتينِ بسندِ أحدِهما، كانَ كأنهُ أدرجَ أحدَ السندينِ في الآخرِ، حتى ساغَ لَهُ أنْ يركّبَ عليهِ القطعتينِ، ولو قالَ الشيخُ: ومنهُ جَمعُ طرفي حديث ... بسندِ الواحِدِ في التحديثِ كانَ أبينَ وأسلمَ مِنَ الحشوِ. قولُهُ: (أُدرجَ) (٤) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ، أي: أَدرجَ بعضُ رواةِ هَذا الحديثِ هَذا اللفظَ فيهِ، وَهوَ: ثُمَّ جئتهم ... إلى آخرهِ، وَصيَّرهُ معَ ما قبله شيئاً واحداً، والحالُ أنَّهُ

стр. 529

ما اتحدَ معَ ما (١) قبلهُ في السندِ، وإن اتحَّدَا في الصحابيِّ، بل كلٌّ منهما بسندٍ. قولُهُ: (فرقهما) (٢) أي: لَم يقلْ في سَندٍ واحدٍ: عَنْ زائدةَ وشريكٍ، عَن عاصمٍ، بل قالَ في تفريعِ أبوابِ الاستفتاحِ: حدثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، حدثنا أبو الوليدِ، حدثنا زائدةُ، عنْ عاصمِ بنِ كليبٍ ... فذكرَ الحديثَ، ثُمَّ قالَ: حدثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، حدثنا شريكٌ، عنْ عاصمِ بنِ كُليَبٍ ... ، فَذَكرهُ (٣). قولُهُ: (الحمال) (٤) بالمهملةِ، صفةٌ لوالدِ موسى بنِ (٥) هارون بنِ عبدِ اللهِ البغداديِّ، الثقةِ الحافِظِ الكبيرِ، ماتَ سَنةَ أربعٍ وتسعينَ ومئتينِ، وكانَ حافظَ بغدادَ في وقتهِ، قالَ الذهبيُّ في "الدُوَلِ" (٦): قالَ الصِّبغيُّ (٧): ((ما رأيتُ في حفّاظِ (٨) الحديث أهْيَبَ منهُ، ولا أورَعَ (٩))). وماتَ أبوه هارونُ الحمالُ، سنةَ أربعٍ وأربعينَ ومئتينِ (١٠). قولُهُ: (ومنهُ أنْ يُدرَجَ) (١١) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ.

стр. 530

قولُهُ: (ولاتَنَافسُوا) (١) هوَ مِن النفيسِ، وَهوَ ما يُرغَبُ فيهِ ويُبخَلُ بهِ لِعزّتهِ، وَهوَ مضارعُ تنافسَ فلانٌ وفلانٌ، مثلُ: تقاتلا. وهكذا بقيةُ ألفاظِ الحديثِ، كلها أفعالٌ مضارعةٌ، حُذِفَ منها حرفُ المضارعةِ تخفيفاً. ومعنى ((تنافسُوا)): تقاسَموا النفاسةَ، بأنْ يَعُدَّ كُلٌّ مِنهُم الشيءَ نَفيساً، فيتجاذبوهُ، فيؤديَ ذَلِكَ إلى فسادٍ عريضٍ (٢). والتجسسُ - بالجيمِ -: التفحّصُ منَ الجاسوسِ لصاحِبِ سِرِ الشرِّ. (٣) قالَ في "القاموسِ" (٤): ((أي: خُذوا ما ظَهرَ، ودَعوا ما سَترَ اللهُ ، ولا تَفْحصوا عنْ بواطنِ الأمورِ، ولا تبحثوا عنِ العوراتِ)). والتَحسسُ: بالحاءِ المهملةِ. قالَ في "القاموس" (٥): ((الاستماعُ لحديثِ القومِ، وطلبُ خبرِهِم في الخيرِ، والحاسوسُ: الجاسوسُ، أو هوَ في الخير، وبالجيمِ في الشر)) انتهى. والمادةُ تَدورُ على تأثّرِ النفسِ بِما تدركُهُ بإحدى حواسِّها. قولُهُ: ٢٢١ - وَمِنْهُ مَتْنٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَرَدْ ... وَبَعْضُهُمْ خَالَفَ بَعْضاً في السَّنَدْ ٢٢٢ - فَيَجْمَعُ الكُلَّ بإسْنَادٍ ذَكَرْ ... كَمَتْنِ (أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ) الخَبَرْ ٢٢٣ - فَإنَّ (عَمْراً) عِنْدَ (وَاصِلٍ) فَقَطْ ... بَيْنَ (شَقيْقٍ) وَ (ابْنِ مَسْعُوْدٍ) سَقَطْ ٢٢٤ - وَزَادَ (الاعْمَشُ) كَذَا (مَنْصُوْرُ) ... وَعَمْدُ الادْرَاجِ لَهَا مَحْظُوْرُ قولُهُ: (وبعضُهُم ... ) (٦) إلى آخرهِ، جُملةٌ في موضعِ الحالِ.

стр. 531

قولُهُ: (فيجمع) (١) أي الراوي، وكذا ((ذكرَ)) الضمير (٢) للراوي؛ لأنّهُ حاضرٌ في الذهنِ، وإنْ لَم يكُنْ مذكوراً باللفظِ. قولُهُ: (وزادَ الأعمش) (٣) المفعولُ وَهوَ عمرٌو محذوفٌ لضيقِ النَّظمِ عَنهُ، فالتقديرُ: وزادهُ الأعمشُ، فلو أنَّهُ قالَ: وزادهُ الأعمشُ أو منصورٌ ... ... ... ... ... ... لكانَ أحسنَ منْ أجلِ ذكرِ المفعولِ، ولا يضرُّ الإتيانُ بأو، بل ربّما يكونُ متعيناً؛ لأنهُ سيذكرُ أنَّهُ اختلفَ على الأعمشِ في زيادةِ ((عمرو))، فلم يغلبْ على الظنِّ حينئذٍ أنَّهُ زَادهُ. قولُهُ: (وعَمدُ الإدراجِ لها) (٤) الظاهرُ أنَّ اللامَ بمعنى في، أي: تعمّدُ الإدراج في جميعِ الأقسامِ ممنوعٌ منه. قولُهُ: (عنْ أبي وائل، عَنْ عبدِ اللهِ) (٥) / ١٧٥ ب / أي: لأنَّ أبا وائلٍ - هوَ شقيقُ بنُ سَلَمَة الأسديُّ الكوفيُّ- أدركَ النَبيَّ ﷺ ولم يَرهُ، ورَوَى عنِ الخلفاءِ الأربعةِ وغيرِهم منَ الأكابرِ، كابنِ مسعودٍ، ورَوَى أيضاً عَن أبي مَيسرةَ عمرِو بنِ شُرحَبيلَ الهمْدانيِّ الكوفيِّ التابعيِّ الكبيرِ الراوي أيضاً، عَن الأكابرِ منَ الصحابةِ، منهُمُ: ابنُ مسعودٍ (٦)، فإدخالُ عَمرٍو، بينَ أبي وَائِل، وبينَ ابنِ مسعودٍ ((منَ المزيدِ في متصّلِ الأسانيدِ))؛ لأنَّ أبا وائِلٍ رَوَى عنهُ، وعن ابنِ مسعودٍ.

стр. 532

قولُهُ: (دعْهُ دَعْهُ (١)) (٢) أي: اتركهُ كَما حدثتُكَ بهِ، ولا تلتفتْ إلى مخالفٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ مرادُهُ: اتركْ ما حدثتُكَ بهِ منْ إثباتِ عمرٍو، فإني تذكرتُ أنّ أبا وائِلٍ رَوَى عَن ابنِ مسعودٍ نفسهِ؛ فيكونُ مرادُهُ الأمرَ بحذفِ عمرٍو مِن السندِ. قولُهُ: (لكنْ رواهُ النسائيُّ) (٣) استدراكٌ منَ الحَكمِ بكونِ واصلٍ، أسقطَ عَمراً في روايتهِ. قولُهُ: (وسيأتي التنبيهُ على ذَلِكَ في (٤) موضعهِ) (٥) يعني: في اختلافِ ألفاظِ الشيوخِ. قلتُ: قولُهُ: (أو الخمسةِ) (٦) القسمُ الخامسُ: ما في روايةِ النسائيّ منْ إدراجِ عمرٍو مِنْ روايةِ منصورٍ، والأعمشِ في روايةِ واصلٍ منْ غيرِ ذكرٍ لهما، وكذا ما شابههُ مِنَ الاقتصارِ في روايةِ حديثٍ عَلَى بعضِ الشيوخِ المجموعينَ في سندٍ واحدٍ بلفظٍ إنما رواهُ غيرُهُ من الذينَ أُسقطوا، واللهُ أعلمُ. قولُهُ: (وهذا النوعُ) (٧) أي: المدرجُ بأقسامهِ، قَد صنفَ فيهِ. عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وهذا النوعُ قَد صَنّفَ فيهِ الخطيبُ أبو بكرٍ كتابَهُ /١٧٦ أ/ الموسوم: " بالفصلِ للوصلِ المدرج في النقلِ " فشَفَى وكَفَى)) (٨).

стр. 533

الموضوع (١) قولُهُ: (الموضوعُ) (٢) هوَ اسمُ مفعولٍ، منْ وَضَعَ الشيءَ، يَضَعُهُ - بالفتحِ - وَضعاً: حَطَّهُ. إشارةٌ إلى أنَّ رتبتَهُ أنْ يكونَ دائماً مُلقى مطرحاً لا يستحقُّ الرفعَ أصلاً (٣). قولُهُ: (الكذبُ المختلقُ المصنوعُ) (٤) هَذهِ الأوصافُ بعضُ الألفاظِ التي يطلقونَها على الموضوعِ، وتوجدُ في عباراتهِم: هَذا مما عَمِلتْ يداهُ، ونَحْوُ هَذا. قولُهُ: (وهذا هوَ الصوابُ) (٥) الإشارةُ إلى أنَّ الموضوعَ شرُ ما يُروَى عَن النبيِّ ﷺ . قولُهُ: (هو القسمُ الأَخِرُ ... ) (٦) إلى آخرهِ، الأخِرُ: -بقصرِ الهمزةِ وكسرِ

стр. 534

المعجمةِ- قالَ الشيخُ في " النكت " (١) في قسمِ الضعيفِ: ((على وزنِ الفَخِذِ)) انتهى. ومعناهُ: الغائبُ. قالَ الشيخُ: ((وَهوَ بمعنَى الأرذَلِ)) (٢) انتهى. قالَ في "ترتيبِ المحكمِ": ((يُقالُ: أبعدَ اللهُ الأخِرَ، والأخيرَ، ولا تقُولهُ للأنثى)). وحَكَى بعضُهم: أبعدَ اللهُ الآخرَ بالمدِ، والأخِرُ، والأخيرُ: الغائبُ، انتهى. وكأنَّ ذَلِكَ كنايةٌ عَنِ السقوطِ والردَاءةِ، أي: أنهُ ليسَ بأهلٍ لأن يكونَ حاضراً، بل هوَ مِنَ التقذُّرِ في حدٍّ يُنزَّهُ عَنهُ مقامُ الحضور، وهذا كَما يُقالُ أيضاً في التقذُّرِ: قالَ الأبعدُ، وجَرى كذا - حاشا مقامكم - ونحو ذَلِكَ. قولُهُ: (فَهوَ محمولٌ على أنَّهُ أرادَ ما لَم يكنْ موضوعاً ... ) (٣) إلى آخرهِ، ليسَ كذلك، وإنما أرادَ أنَّ ما عَدِمَ جميعَ صفاتِ الحسنِ والصحيح هوَ القسمُ الآخرُ الأرذلُ الذِي ليسَ بَعدَهُ قِسمٌ أسوأُ حالاً منه، فَهوَ بالنسبةِ إلى كلِّ قسمٍ لَم تُعدمْ فيهِ جميعُ الصفاتِ أردأُ وأسوأُ حالاً، وهذا القسمُ - الذِي هوَ الآخرُ الأرذلُ - يدخلُ تَحتَه نوعانِ: الضعِيفُ / ١٧٦ ب / مُطلقاً، والموضوعُ. ولم يتعرّضْ للتفصيلِ بينَ النوعينِ هناك (٤)، وقال هنا: إنَّ الموضوعَ شرٌّ مِن مطلقِ الضَعيفِ. فعُلِمَ أنَّهُ ليسَ بَعَدَهُ شرٌّ منهُ، وإنما أُطلِقَ عليهِ حديثٌ بالنسبةِ إلى زَعمِ واضعِهِ، وإلى ظاهِرِ الأمرِ قبلَ البحثِ، والنظرِ، وإلا فليسَ هوَ في التحقيقِ حديثاً. قلتُ: وهذا مِثلُ قولِكَ: أفضلُ عباداتِ البدنِ الصلاةُ، فعُلِمَ منْ هَذهِ العبارةِ أنَّ الصلاةَ أرفعُ رتبةً منْ كلِّ عبادةٍ تخُصُّ البدنَ، وأمّا أنواعُ الصلاةِ فلا تعرُّضَ إليها في

стр. 535

هَذهِ العبارَةِ، فإذا أُريدَ ذَلِكَ قيل: والصلاةُ على أنواعٍ، فالفرضُ أفضلُ منَ النفلِ، والنفلُ المؤكَّدُ أفضلُ منْ غيرهِ، واللهُ أعلمُ. وكذا قولُهُ: (أو احتجاجٍ) (١) ليسَ مستثنىً منهُ بقولهِ: (إلا معَ بيانٍ) (٢) وإنْ كانَ منَ الجُملِ المتعاطفةِ بأو، فإنهُ خرجَ بقرينةٍ؛ لأنهُ لا يمكنُ أنْ يحتجَّ بهِ ويبينُ أنَّهُ موضوعٌ، إذ لا فائدةَ في ذلكَ؛ فكأنهُ قيلَ: لا يجوزُ لمنْ عَلِمَ أنَّ الحديثَ موضوعٌ أنْ يحتجَّ بهِ مطلقاً، ولا يجوزُ لَهُ أنْ يرويَهُ، أو يُرغّبَ بهِ في شيءٍ، إلا أنْ يُبيّنَ أنَّهُ موضوعٌ، كذا قالَ شيخُنا. ويمكنُ أنْ يُوجَّهَ بأنْ يكونَ لفظُ الموضوعِ حسناً، ومعناهُ صحيحاً، فيحتجَّ بهِ على شيءٍ ويُبينُ أنَّهُ موضوعٌ، إعلاماً بإنَّ المُرادَ ليسَ الاحتجاجُ بنسبةِ هَذا اللفظِ إلى النبيِّ ﷺ ، بل نسبةُ المعنى بعدَ ذكرِ ما يعضُدُهُ منَ الشريعةِ، والله أعلم. قولُهُ: (ولقد أكثرَ الذِي جمعَ في هَذا العصرِ الموضوعاتِ) (٣) قالَ شيخُنا: ((غالبُ ما في كتابِ ابنِ الجوزيِّ موضوعٌ، / ١٧٧ أ / والذي يُنتقَدُ عليهِ بالنسبةِ إلى ما لا يُنتقدُ قليلٌ جداً)). وَذكَرَ في "الذبِّ عنْ مُسندِ أحمدَ" (٤): أنَّهُ ذَكرَ فيهِ حديثاً أخرجَهُ (٥) مسلمٌ في "صحيحهِ" (٦)، قالَ: ((وَهوَ مِن عجائبهِ))، قالَ: ((وفِيهِ منَ

стр. 536

الضررِ أنْ يظنَّ ما ليسَ بموضوعٍ موضوعاً، عكسُ الضّررِ " بمستدركِ الحاكمِ " فإنهُ يظنُّ بهِ ما ليسَ بصحيح صحيحاً))، قالَ: ((ويتعيّنُ الاعتناءُ بانتقادِ الكتابينِ؛ فإنَّ الكلامَ في تساهلِهما، أعدَمَ الانتفاعَ بهما إلا لعَالِمٍ بالفنِّ؛ لأنهُ ما من حديثٍ إلا ويمكنُ أنْ يكونَ قَد وَقعَ فيهِ التساهلُ. قولُهُ: ٢٢٨ - وَالوَاضِعُوْنَ لِلحَدِيْثِ أضْرُبُ ... أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا ٢٢٩ - قَدْ وَضَعُوْهَا حِسْبَةً، فَقُبِلَتْ ... مِنْهُمْ، رُكُوْنَاً لَهُمُ ونُقِلَتْ ٢٣٠ - فَقَيَّضَ اللهُ لَهَا نُقَّادَهَا ... فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا ٢٣١ - نَحْوَ أبي عِصْمَةَ إذْ رَأَى الوَرَى ... زَعْمَاً نَأوْا عَنِ القُرَانِ (١)، فافْتَرَى ٢٣٢ - لَهُمْ حَدِيْثَاً في فَضَائِلِ السُّوَرْ ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فبئسَمَا ابْتَكَرْ ٢٣٣ - كَذَا الحَدِيْثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ ... رَاوِيْهِ بِالوَضْعِ، وَبِئسَمَا اقتَرَفْ ٢٣٤ - وَكُلُّ مَنْ أوْدَعَهُ كِتَابَهْ ... - كَالوَاحِدِيِّ - مُخْطِىءٌ صَوَابَهْ قولُهُ: (حِسبةً) (٢) -بكسرِ المهملةِ ونصبُهُ على أنَّهُ مفعولٌ لَهُ-، أي: للحسبةِ، والحسبةُ: الأجرُ، واسمٌ منَ الاحتسابِ، واحتسبَ بكذا أجراً عندَ اللهِ: اعتدّه ينوي بهِ وَجهَ اللهِ، واحتسبَ عليهِ: أنكرَ، ومنهُ: المحتسبُ، وفُلانٌ ابناً (٣)، أو بنتاً: إذا ماتَ كبيراً؛ فإنْ ماتَ صغيراً، قيلَ: أفرطَهُ (٤). قالهُ في " القاموسِ " (٥).

стр. 537

قولُهُ: (بحسبِ الأمرِ) (١) قالَ في " القاموسِ " (٢): ((حسبَ حَسباً وحُسْباناً - بالضمِ - عَدَّ، والمعدودُ: مَحسُوبٌ، وحَسَبٌ - مُحرّكةً - ومنهُ: هَذا بحسَبِ ذا، أي: بعَدَدهِ وقدرهِ، وقدْ يُسكّنُ)). قولُهُ: (الزَنادِقة) (٣) بفتحِ الزاي، جمعُ زنديقٍ - بكسرِها -، وَهوَ منْ لا يُؤمنُ بالآخرةِ وبالربوبيةِ، أو مَنْ يُبطنُ الكفرَ ويُظهرُ الإسلامَ. (٤) قولُهُ: (كعبدِ الكريمِ بنِ أبي العوجاءِ) (٥) هوَ خالُ معنِ بنِ زائدةَ، قالَ أبو الفرجِ الأصبهانيُّ في كتابِ "الأغاني" (٦): ((عنْ جريرِ بنِ حازمٍ: كانَ بالبصرةِ ستةٌ منْ أصحابِ الكلامِ (٧): واصلُ بنُ عطاءٍ، / ١٧٧ب / وعمرو بن عُبيدٍ، وبشارُ ابنِ بُردٍ، وصالح بنُ عبدِ القدوسِ، وعبدُ الكريمِ بنُ أبي العوجاءِ، ورجلٌ منَ الأزدِ)). قلت: أظنّهُ أبا الخطابِ الذي تُنسبُ إليهِ الفرقةُ الخطّابيةُ، انتهى. قالَ: ((فكانوا يجتمعونَ في منْزلِ الأزديِّ، فأمّا عمروُ وَوَاصِلٌ فصارَا إلى الاعتزالِ، وأمَّا عبدُ الكريمِ وصالحٌ فصحَّحا الثنويَّةَ، وأمّا بشّارٌ فبقيَ متحيراً، قالَ: وكانَ عبدُ الكريمِ يُفسدُ الأحداثَ، فتَهددهُ عمرُو بنُ عبيدٍ، فلَحقَ بالكوفةِ، فَدُلَّ عليهِ محمدُ بنُ سليمانَ - يعني: العباسيَّ الأميرَ بالبصرةِ - فقتَلهُ وَصَلبهُ، وذلكَ في زمن المهديِّ.

стр. 538

وفيهِ يقولُ بشّارُ بنُ بردٍ: قلْ لعبدِ الكريمِ: يا ابنَ أبي العو ... جاءِ بِعْتَ الإسلامَ بالكفرِ مُوقا لا تصلي ولا تصومُ، فإنْ صُمـ ... ـتَ فبعضَ النهارِ صوماً رقيقا ما تُبالي إذا شربتَ منَ الخمـ ... ـرِ عتيقاً، أنْ لا يكونَ عَتِيقا وقالَ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ: لما أُخِذَ لتُضرَبَ عُنقُهُ، قالَ: وَضعتُ فيكم أربعةَ آلافِ حديثٍ، أحرّمُ فيها الحلالَ، وأُحلّلَ الحرامَ (١))). قولُهُ: (وكَبَيانٍ) (٢) هوَ ابنُ سمعانَ النهديُّ، منْ بني تَميمٍ، ظهرَ بالعراقِ بعدَ المئةِ، وقالَ بإلهيّة عليٍّ، وأنَّ فيهِ جُزءاً إلهياً بناسوتهِ، ثُمَّ منْ بعدهِ في ابنهِ محمدِ ابنِ الحنفيةِ، ثُمَّ في أبي هاشمٍ وَلدِ ابنِ الحنفيةِ، ثُمَّ منْ بعدهِ في بيانٍ هَذا، وكتبَ كتاباً إلى أبي جعفر الباقِر، يدعوهُ إلى نفسهِ، وأنَّه نبيٌّ، فأخذهُ خالدٌ القسريُّ، فقتله وأحرقهُ بالنَارِ، / ١٧٨ أ / وَهوَ الذِي ينتسبُ إليهِ البيانيةُ منَ الشيعةِ (٣). قولُهُ: (كالخَطّابيِةِ) (٤) - بفتحِ المعجمةِ وتشديدِ المهملةِ - نسبةً إلى أبي الخطابِ الأزديِّ، وكانَ عزا نفسهُ إلى جعفر الصادقِ، فلما عَلِمَ منهُ غلوَّهُ في حقِّهِ تبرّأ منهُ ولَعَنهُ، فلما اعتزلَ عَنهُ (٥) ادّعى الأمرَ لنفسِهِ، وافترقَ أصحابهُ منْ بعدهِ فمنهم: من ادّعى ألوهيتَهُ، ومنهم من ادّعى إمامتَهُ، ومنهم منْ قالَ بنبوتهِ (٦).

стр. 539

قالَ في " المواقف " (١) وشرحه: ((قالوا: الأئمةُ أنبياءٌ، وأبو الخطّابِ نبيٌّ، بل زادوا، وقالوا: الأئمةُ آلهةٌ، والحسنانِ ابنا اللهِ، وجعفرُ الصادق إلهٌ، وأبو الخطّابِ أفضلُ منهُ ومنْ عليٍّ، وهؤلاءِ يستحلونَ شهادة الزورِ لموافقيهِم على مخالفيهم)). (والرافضةُ) قالَ في " القاموسِ" (٢): ((فرقةٌ منَ الشيعةِ؛ لأنَّهم تابعوا زيدَ ابنَ عليٍّ، ثُمَّ قالوا لَهُ: تبرّأ منَ الشيخينِ، فَأَبَى، وقالَ: كانا وَزيرَي جَدِّي، فتركوهُ ورفضوهُ والنسبة: رافضيٌّ)) انتهى. والشيعةُ: همُ الذينَ شايعُوا علياً، وقالوا: إنَّهُ الإمامُ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ بالنصِّ، إمّا جليّاً، وإمّا خفيّاً، وأنَّ الإمامةَ لا تخرجُ عَنهُ وعن أولادهِ، إلاّ بظلمٍ منْ خارجٍ، وتقيةً مِنهُم (٣). ويقولونَ بعصمةِ الأئمةِ، والتولّي والتبرّي إلا في حالِ التقيةِ، وهم اثنانِ وعشرونَ فرقةً، والظاهِرُ أنَّ مرادَ الشيخِ بالرافضةِ جميعُ فِرَقِهِم؛ فإنَّ الجميعَ (٤) قائلونَ بالتُقيةِ - يعني: جوازَ أنْ يُظهِرُوا لِخلافِ ما يبطنونَ إذا خَافوا - وهذا بابُ / ١٧٨ ب / الكذبِ. قولُهُ: (والسالميةِ) (٥) هم ممّنْ وَقفَ معَ الحسِ، كالذينَ قالوا: إنَّهُ سبحانهُ على العرشِ بطريقِ المماسةِ، حتى قالوا: إنَّ الميِّتَ يأكلُ في قبرهِ، ويشربُ وينكحُ؛ لأنَّهم سمعوا أنَّهُ يُنعَّم في قبرِهِ، وليسَ النعيمُ عندَهم (٦) إلا هَذا، قالهُ ابن الجوزيِّ في

стр. 540

أوائلِ " تلبيسِ إبليسَ ". (١) وقالَ الإمامُ أبو المظفرِ شاهفورُ بنُ طاهِرٍ الشافعيُّ (٢) في كتابهِ " التبصرةِ (٣) في فِرقِ الأممِ " في نصفِهِ الثاني في الكلامِ على الحلاجية: ((إنَّ السالميّة جماعةٌ منْ متكلميِّ البصرةِ، قبلوا مِن الحلاجِ بِدعَتهُ في الحلولِ، قالَ: وهم جملةُ الحشويةِ، يتكلمونَ ببدعةٍ متناقضةٍ)). قولُهُ: (كغياثِ بنِ إبراهيم وضعَ للمهديِّ) (٤)، أمَّا غياثٌ، فإنهُ ابن إبراهيمَ النخعيُّ، رَوَى عنِ الأعمشِ وغيرهِ. نقلَ الجوزجانيُّ عنْ غيرِ واحدٍ: أنَّهُ كانَ يضعُ. (٥) وقالَ البخاريُّ: ((يُكنَى أبا عبدِ الرحمانِ، يعدُّ في الكوفيينَ، تركوُهُ (٦))) انتهى. رَوَى عَنهُ بقيّةُ، ومحمدُ بنُ حُمرانَ، وعليُّ بنُ الجعدِ، وبهلولُ بن حسان، وقصتهُ معَ المهديِّ ذكرها أبو خيثمةَ (٧)، وإن المهديَّ وَصَله (٨) فلما قامَ، قالَ : ((أشهدُ أنَّ قفاكَ قفا كذابٍ)) انتهى.

стр. 541

وقال ابنُ عديٍّ: ((بيّنُ الأمرِ في الضعفِ، وأحاديثهُ كلُّها شبهُ الموضوعِ)) (١). وأمّا المهديُّ فهوَ أميرُ المؤمنينَ محمدُ بنُ أميرِ المؤمنينَ أبي جعفر عبدِ اللهِ المنصورِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ بن العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، والمهديُّ أبو هارونَ الرشيدِ. قولهُ: (في قصصهم) (٢) القصصُ: مصدرُ قصَّ، / ١٧٩ أ / مِنْ قولهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٣)، أي: نبيّنُ لكَ أحسنَ البيانِ، والمرادُ القُصّاصُ، أي: الوعَّاظُ وزناً ومعنىً، واحدُهم قاصٌّ، مأخوذٌ مِنْ ذِكرِ القِصصِ بالكسرِ، جمع قِصّةٍ، وهي الحالُ. قولهُ: (كأبي سعيد (٤) المدائني) (٥) لمْ أرَهُ. وقالَ شيخُنا في " لسانِ الميزانِ " (٦): ((ذَكرَهُ شيخُنا في " شرحِ الألفيةِ " فيمنْ كانَ يضعُ الحديثَ، فليحرّرْ ذلكَ)). قولهُ: (امتُحِنُوا) (٧)، بالبناء للمفعولِ، أي: امتَحنَهم غيرُهمْ منَ المحنةِ، وهي البليةُ. قولهُ: (بأولادٍ لهمْ) (٨) أيّ: كوكيعِ بنِ الجراحِ، هكذا رأيتُ بخطِّي وخطِّ

стр. 542

غيري منْ ثقاتِ أصحابِنَا عنْ شيخِنا، والذي رأيتُ في ترجمةِ سفيانَ بنِ وكيعٍ هذا أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ، قالَ: ((سألتُ أبا زرعةَ عَنهُ، فقالَ: لا يشتغل بهِ، كانَ يكذبُ، كانَ أبوهُ رجلاً صالحاً، قيلَ لهُ: كانَ سفيانُ يتهمُ بالكذبِ. قالَ: نَعَمْ)). وقالَ أيضاً: ((سمعتُ أبي يقولُ: كلَّمني فيهِ مشايخٌ منْ أهلِ الكوفةِ، فأتيتهُ معَ جماعةٍ منْ أهلِ الحديثِ، فقلتُ لهُ: إنَّ حقَّكَ واجبٌ علينا، لو صُنْتَ نفسكَ واقتصرتَ على كُتُبِ أبيكَ لكانتِ الرحلةُ إليكَ، فكيفَ وقدْ سمعتَ؟ فقالَ: وما الذي ينقمُ عليَّ؟ قلتُ: قد أدخلَ وَرّاقُكَ ما ليسَ منْ حديثِكَ بينَ حديثِكَ، قالَ: فكيفَ السبيلُ في هذا؟ قلت: ترمي بالمخرّجاتِ، وتقتصرُ على الأصولِ، وتنحّي هذا الورّاقَ (١)، وتدعو بابنِ كرامةَ، وتوليّهِ أصولَكَ، فإنَّهُ يُوثَقُ بهِ، فقالَ: مقبولاً منكَ، فما فعلَ شيئاً مما قالهُ)) (٢). وقالَ ابنُ حبانَ: ((كانَ شيخاً فاضلاً صدوقاً، إلاَّ أنَّهُ ابتليَّ بورَّاقِهِ (٣))) فحَكَى قصتَهُ. فهذا يقتضي أنَّ أباهُ وكيعاً / ١٧٩ ب / لم يُبتلَ بِهِ، وإنَّما ابتُلِيَ هو بورّاقِهِ، لكنَّ بليَّته بورّاقهِ صارتْ بليةً لأبيهِ بهِ (٤)، فإنَّهُ صار يروي ما دسَّهُ ورّاقُهُ في حديثِهِ، عنْ أبيهِ. ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنَا عنْ شيخِنَا: ((أنَّ حمادَ بنَ سلمةَ أيضاً ابتُلِيَ بولدِهِ، وهو وَهمٌ؛ فإنَّ حمّاداً لا ولدَ لهُ)). قالَ شهابُ بنُ المعمّرِ البلخيُّ: ((كانَ حمّادُ بنُ سلمةَ يعدُّ منَ الأبدالِ (٥))). وعلامةُ الأبدالِ أنْ لا يُولدَ لهمْ، تزوّجَ سبعينَ امرأةً فلمْ يُولَدْ لَهُ، انتهى. غيرَ أنَّ البخاريَّ اجتنبَ حديثَهُ. قالَ شيخُنَا: ((واعتذرَ أبو الفضلِ بنُ طاهرٍ

стр. 543

عنْ ذلكَ، لما ذكرَ أنَّ مسلماً أخرجَ أحاديثَ أقوامٍ تركَ البخاريُّ حديثهمْ، قالَ: وكذلكَ حمادُ بنُ سلمةَ، إمامٌ كبيرٌ، مدَحَهُ الأئمةُ وأطنبوا، ولما تكلمَ بعض مُنتحلي المعرفة، أنَّ بعضَ الكَذَبةِ أدخلَ في حديثِهِ ما ليسَ مِنْهُ لم يُخْرّجْ عنْهُ البخاريُّ معتمداً عليهِ، بل استشهدَ بهِ في مواضعَ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ ثقةٌ (١))). وقالَ الحاكمُ (٢): ((هوَ أحدُ أئمةِ المسلمينَ، إلاَّ أنَّهُ لما كبرَ ساءَ حفظهُ فلذا تركَهُ البخاريُّ))، وقالَ الدولابيُّ: ((حدّثنا محمدُ بنُ شجاعٍ البلخيُّ (٣)، حدّثني إبراهيمُ بنُ عبد الرحمانِ بنِ مهديٍّ، قالَ: كانَ حمّادُ بنُ سلمةَ لا يُعرفُ بهذهِ الأحاديثِ التي في الصفاتِ، حتى خرجَ مرَّةً إلى عَبّادانَ (٤)، فجاءَ وهو يرويها، فسمعتُ عبّادَ بنَ صُهيبٍ، /١٨٠ أ/ يقولُ: إنَّ حمّاداً كانَ لا يحفظ، وكانوا يقولونَ: إنَّها دُسّتْ في كُتبهِ، وقد قيلَ: إنَّ ابنَ أبي العوجاءِ كانَ ربيبَهُ، فكانَ يدسُّ في كتبهِ (٥)))، قرأتُ بخطِّ الذهبيِّ: ابنُ البلخيِّ ليسَ بمصدِّقٍ على حمّادٍ وأمثالهِ، وقدْ أتُّهمَ. قلتُ: وعبّادٌ أيضاً ليسَ بشيءٍ (٦))) انتهى كلامُ شيخِنا.

стр. 544

فكأنَّ مستندَ مَنْ نقلَ أنَّهُ ابتُلِيَ بابنهِ، عَنَى ما نُقِلَ عنْ ربيبهِ ابنِ أبي العوجاءِ، والله أعلمُ. قولهُ: (أو ورّاقينَ) (١)، أي: كالقداميِّ الذي ذكرهُ، والورّاقُ: هوَ الناسخُ، ولمْ أرَ في ترجمتهِ أنَّ آفتَهُ منْ وَرّاقهِ، وإنّما قالَ شيخُنَا في " لسانِ الميزانِ " (٢): ((عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ ربيعةَ بنِ قدامةَ القداميُّ المصيصيُّ، أحدُ الضعفاءِ، أتى عنْ مالكٍ بمصائبَ))، ثمَّ قالَ: ((قالَ ابنُ عديٍّ: عامةُ حديثهِ غيرُ محفوظةٍ (٣)، ولمْ أرَ للمتقدمينَ فيهِ كلاماً (٤)، وقالَ ابنُ حبّانَ: يقلّبُ الأخبارَ، لعلهُ قَلَبَ عنْ مالكٍ أكثرَ منْ مئةٍ وخمسينَ حديثاً، ورَوَى عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ نسخةً أكثرُهَا مقلوبٌ (٥)، وقالَ الحاكمُ والنقّاشُ: رَوَى عن مالكٍ أحاديثَ موضوعةً، وقال الخليليُّ: أخذَ أحاديثَ الضعفاءِ منْ أصحابِ الزهريِّ، فرواها عن مالكٍ)) (٦)، انتهى. فهذا كلُهُ يدلُّ على أنَّ الآفةَ منْهُ نفسه، والله أعلمُ. قولهُ: (ابن دحيةَ) (٧) هوَ عمرُ بنُ الحسنِ بنِ عليٍّ الدانيُّ الأندلسيُّ، قالَ في "لسانِ الميزانِ" (٨): ((متهمٌ في نقلهِ، معَ / ١٨٠ ب / أنَّهُ كانَ منْ أوعيةِ العلمِ، دخلَ فيما لا يعنيهِ، قالَ الحافظُ الضياءُ: لمْ يعجبْني حالُهُ، كانَ كثيرَ الوقيعةِ في الأئمةِ،

стр. 545

ثمَّ قالَ: أخبرني السنهوريُّ: أنَّ مشايخَ المغربِ (١) كتبوا لهُ جرحَهُ وتضعيفَهُ، وقالَ قاضي حماةَ ابنُ واصلٍ: كانَ ابنُ دحيةَ معَ فرْطِ معرفتهِ بالحديثِ، وحفظهِ الكثير لهُ، متهماً بالمجازفةِ في النقلِ. وقالَ ابنُ نقطةَ: كانَ موصوفاً بالمعرفةِ والفضلِ، إلاَّ أنّهُ كانَ يدّعي أشياءَ لا حقيقةَ لها، وذكرَ أبو القاسمِ بنُ عبدِ السلامِ، قالَ: أقامَ عندنا ابنُ دحيةَ، فكانَ يقولُ: أحفظُ "صحيحَ مسلمٍ"، والترمذيَّ، قالَ: فأخذتُ خمسةَ أحاديثَ منَ الترمذيِّ، وخمسةً منَ المسندِ، وخمسةً منَ الموضوعاتِ، فجعلتُهَا في جزءٍ، فعرضتُ حديثاً منَ الترمذيِّ عليهِ، فقالَ: ليسَ بصحيحٍ. وآخرَ، فقالَ: لا أعرفهُ. ولمْ يعرفْ منها شيئاً. وقالَ ابنُ النجارِ: رأيتُ النَّاسَ مُجْمِعينَ على كذبهِ، وضعفهِ، وادعائهِ سماعَ ما لَم يسمعْهُ، ولقاءَ منْ لمْ يلقهُ، وكانتْ أماراتُ ذلكَ عليهِ لائحةً. وقالَ: حدّثني عليُّ بنُ الحسنِ أبو العلاءِ الأصبهانيُّ - وناهيكَ بهِ جَلالاً ونُبلاً- قالَ: لما قدِمَ علينا ابنُ دحيةَ (٢) أصبهانَ دخلَ على أبي في الخانكاه (٣)، فكانَ يكرمُهُ ويبجّلُهُ، فدخلَ على والدي يوماً ومعهُ سجّادةٌ، فقبّلها ووضعَها بينَ يديهِ، وقالَ: صليتُ على هذهِ السجادةِ / ١٨١ أ / كذا وكذا ألف ركعةٍ، وختمتُ عليها القرآنَ في جوفِ الكعبةِ مراتٍ، قالَ: فأخذها والدي وقَبَّلهَا، ووضعهَا على رأسهِ، وقبِلَهَا (٤) مبتهِجاً، فلما كانَ آخرُ النهارِ، حضرَ عندنا رجلٌ منْ أهلِ أصبهانَ، يتحدّثُ عندَهُ (٥)، إلى أنِ اتفقَ أنَّهُ قالَ: كانَ الفقيهُ المغربيُّ الذي عندكمْ اليومَ في السوقِ، فاشترى سجادةً حسنةً بكذا وكذا، فأمرَ والدي بإحضارِ السجادةِ، فقالَ:

стр. 546

إي واللهِ هذه هي، فسكتَ والدي، وسقطَ ابنُ دحيةَ منْ عينهِ، وأرّخَ وفاتَهُ في ربيعٍ الأولِ سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ وستِّمئةٍ)). قولهُ: (فلا يمكنُ تركهم لذلكَ) (١)، أي: لكونهِمْ يرَونهُ قربةً، وهمْ في أنفسهِمْ متدينونَ، وقدْ جرتِ العادةُ أنَّ المتدينَ لا يكف عن قربةٍ، فهوَ مستحيلٌ عادةً. قولهُ: (جَهابذةِ الحديث) (٢) - بفتحِ الجيمِ - جمعُ جِهبذٍ - بكسرِ الجيمِ، وآخرهُ معجمةٌ -، وهو النَّقادُ الخبيرُ (٣). قولهُ: (ما حُمِّلوه) (٤) هوَ مبنيٌّ للمفعولِ مثقّلٌ، مثلَ: كـ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ (٥) أي: حَمَّلَهُم إياها (٦) غيرُهم فتحمّلُوهُ، أي: ففعلوا ما أرادَ. قولهُ: (عُوَارَها) (٧) هوَ مثلثُ العينِ، ومعناهُ: العيبُ، والخرقُ، والشقُّ في الثوبِ (٨). قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظونَ﴾ (٩) في اللفظِ والمعنى، ومنْ حفظهِ تعالى لمعناهُ: هتكُ منْ يكذبُ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فإنَّ أحاديثهُ هي المبيّنةُ للكتابِ. قولهُ: (نوحُ بنُ أبي مريمَ) (١٠) واسمهُ ناجيةُ، وقيلَ: يزيدُ بنُ جعُّونةَ المروزيُّ

стр. 547

أبو عصمةَ / ١٨١ ب / القرشيُّ مولاهم، قاضي مرو، ويعرفُ بنوحٍ الجامعِ. قالَ في " تهذيبِ التهذيب " (١): ((وكانَ معَ ذلكَ - أي: معَ روايتهِ - عالماً بأمورِ الدنيا فسُمّيَ الجامعَ، وقيل: هوَ نوحُ بنُ يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ))، وقالَ أبو رجاءٍ محمدُ بنُ حمدويهَ في " تأريخهِ ": ((نوحُ بنُ أبي مريمَ، كانَ أبوهُ مجوسياً منْ أهلِ هُرمُز، غلبَ عليهِ الإرجاءُ، ولم يكنْ بمحمودِ الروايةِ، وكانتْ ولايتهُ القضاءَ في خلافةِ المنصورِ))، وقالَ الحاكمُ: ((أبو عصمةَ مقدّم في علومِهِ، إلاَّ أنَّهُ ذاهبٌ بمرةٍ، وقدْ أفحشَ أئمةُ الحديثِ القولَ فيهِ ببراهينَ ظاهرةٍ))، وقالَ أيضاً: ((لقدْ كانَ جامعاً - كاسمهِ - رُزِقَ كلَّ شيءٍ إلاَّ الصدقَ، نعوذُ باللهِ منَ الخذلانِ))، وقالَ أبو عليٍّ النيسابوريُّ: ((كانَ كذاباً)) وقالَ أبو سعيدٍ النقاشُ: ((رَوَى الموضوعاتِ))، وقالَ الخليليُّ: ((أجمعوا على ضعفهِ (٢))). وكذبهُ ابنُ عيينةَ، وما أحسنَ قولَ أبي عصمةَ: ((ما أقبحَ اللحنَ منْ متقعِّرٍ!))، وقالَ محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ ابنِ أبي رزمةَ، عنْ أبيهِ: ماتَ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ ومئةٍ)). قولهُ: (ميسرةُ بنُ عبدِ ربهِ) (٣) هوَ الفارسيُّ، ثمَّ البصريُّ التَرّاسُ الأكّالُ، كانَ يأكلُ كثيراً. قالَ الدِّينَوريُّ في "المجالسةِ" (٤): حدّثنا ابنُ ديزيلَ (٥)، حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قالَ: سمعتُهمْ يقولونَ لميسرةَ الأكولِ: كمْ تأكلُ؟ قالَ: منْ مالي،

стр. 548

/ ١٨٢ أ / أو منْ مالِ الغيرِ؟ قالوا: مِنْ مالِكَ، قالَ: رغيفينِ، قيلَ: فمِنْ مالِ الغيرِ؟ قالَ: اخبزْ واطرحْ)). قالَ شيخُنَا: ((والذي يتبادرُ إلى ذهني أنَّ الأكّالَ غيرُهُ، فإنَّ ابنَ عبدِ ربهِ قدْ وصفهُ جماعةٌ بالزهدِ، وضعّفوهُ، وأمّا الأكّالُ فكانَ ماجناً، وقالَ مسلمةُ بنُ قاسمٍ - يعني: عن ابن عبدِ ربهِ -: كذابٌ رَوَى أحاديثَ منكرةً، وكانَ ينتحلُ الزهدَ، والعبادةَ، فإذا جاءَ الحديثُ جاءَ شيءٌ آخر)) (١). قالَ الذهبيُّ: ((رَوَى عنْ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، وابنِ جريجٍ، وموسى بنِ عبيدةَ، والأوزاعيِّ، ثمَّ قالَ: وأمّا الأكّالُ، فإن كانَ ابن عبدِ ربِهِ المذكور، فيروي عنْ غلام خليلٍ، وهو متهمٌ، قالَ: وذكرتُ في " تأريخي الكبيرِ " أنَّ بعضَ المُجّانِ (٢) أنزلوهُ عنْ حمارهِ ثمَّ ذبحوهُ، وشووهُ وأطعموهُ إياهُ على أنَّهُ كبشٌ، ثمَّ جمعوا لهُ ثمنَ الحمارِ)) (٣). قولهُ: (المؤمل بن إسماعيلَ) (٤) العدوي، مولى آلِ الخطابِ، وقيلَ: مولى بني بكرٍ، ونقلَ البخاريُّ عنْ أبيه أنَّهُ قالَ: نحن منْ صليبةِ كنانةَ، أبو عبدِ الرحمانِ البصريُّ، نزيلٌ (٥) بمكةَ، رَوَى عنْ: عكرمةَ بنِ عمّارٍ، وشعبةَ، والحمادينِ، والسفيانينِ، وغيرِهم. وعنهُ: أحمدُ بنُ حنبلٍ، وعليُّ بنُ المدينيِّ، وغيرُهما. قالَ ابنُ معينٍ: ((ثقةٌ)) (٦). وقالَ أبو حاتمٍ: ((صدوقٌ، شديدٌ في السنةِ، كثيرُ الخطأِ (٧))). وقالَ

стр. 549

البخاريُّ: ((منكرُ الحديثِ (١))). وقالَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ: ((إذا انفردَ بحديثٍ / ١٨٢ ب / يجبُ أنْ يُتوقَفَ ويُتَثبَّتَ فيهِ؛ لأنَّهُ كانَ سَيْيءَ الحفظِ كثيرَ الغلطِ)). وقالَ ابنُ حبانَ في "الثقاتِ": ((ربما أخطأَ)) (٢)، ماتَ يومَ الأحدِ لسبعَ عشرةَ ليلةً خلتْ منْ شهرِ رمضانَ سنةَ ستٍّ ومئتينِ (٣). قولهُ: ٢٣٥ - وَجَوَّزَ الوَضْعَ - عَلَى التَّرْغِيْبِ - ... قَوْمُ ابنِ كَرَّامٍ، وَفي التَّرْهِيْبِ قولهُ: (الكرّامية) (٤) - بتشديدِ المهملةِ - نسبةً إلى أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ كرّامٍ السجستانيِّ العابدِ المتكلّمِ، وبالتثقيلِ قيّدَهُ (٥) ابنُ ماكولا (٦)، والسمعانيُّ (٧)، وغيرُ واحدٍ. قالَ الذهبيُّ: ((وهوَ الجاري على الألسنةِ)) (٨)، وقالَ (٩) ابنُ الصلاحِ:

стр. 550

((إنَّهُ لا يعدل عنهُ (١)))، قالَ الذهبيُّ: ((وقد أنكرَ ذلكَ مُتكلِّمُهُمْ محمدُ بنُ الهيصمِ وغيرُهُ منَ الكرّاميةِ، فحَكَى فيهِ ابنُ الهيصمِ وجهينِ: أحدهما: كَرَام - بالتخفيفِ والفتحِ-، وذكرَ أنَّهُ المعروفُ في ألسنةِ مشايخِهمْ، وزعَمَ أنَّهُ بمعنى كَرُم، أو بمعنى: كرامةً. والثاني: أنَّهُ كِرَام - بالكسرِ - على لفظِ جمعِ كريم، وحَكَى هذا عنْ أهلِ سجستانَ، وأطالَ في ذلكَ (٢))). قالَ شيخُنا: ((وقرأت بخطِّ الشيخِ تقيِّ الدّينِ السبكيِّ: أنّ (٣) ابنَ الوكيلِ اختلفَ معَ جماعةٍ في ضبطِ ابنِ كرّام، فصمّمَ ابنُ الوكيلِ على أنَّهُ بكسرِ أولهِ والتخفيفِ، واتفقَ الآخرونَ على المشهورِ، فأنشدَهُمْ ابنُ الوكيلِ مستشهِداً على صحةِ دعواهُ قولَ الشاعرِ: الفقهُ فقهُ أبي حنيفةَ وحده ... والدينُ دينُ محمدِ بنِ كِرَامِ / ١٨٣ أ / قالَ: فظنّوا كلُّهمْ أنَّهُ اخترعهُ في الحالِ، وأنَّ البيتَ من نظمهِ، قالَ: ولما كانَ بعدَ دهرٍ طويلٍ رأيتُ الشعرَ لأبي الفتحِ البستيِّ، الشاعرِ المشهورِ، الذي يكثرُ التوليعَ (٤) بالجناسِ وقبْله: إنَّ الذينَ بجهلِهم لمْ يقتدوا ... في الدينِ بابنِ كِرَامَ غيرُ كِرَامِ قالَ: فعرفتُ جودةَ استحضارِ ابنِ الوكيلِ)) (٥). انتهى.

стр. 551

وقالَ الذهبيُّ: ((إنَّ (١) ابنَ كرّامٍ ساقطُ الحديثِ على بدعتهِ)) (٢)، وقالَ ابنُ حبّانَ: ((خذِلَ حتى التقطَ منَ البراهينِ ومنَ الأحاديثِ أوهاها)) (٣)، وقالَ أبو العباسِ السَّراجُ: ((شهدتُ البخاريَّ، ودُفِعَ إليهِ كتابٌ منْ ابنِ كرّامٍ يسألهُ عنْ أحاديثَ، منها: الزهريُّ، عنْ سالمٍ، عنْ أبيهِ مرفوعاً: الإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقصُ. فكتبَ أبو عبدِ اللهِ على ظهرِ كتابهِ: منْ حدّثَ بهذا استوجبَ الضربَ الشديدِ، والحبسَ الطويلَ))، وقالَ (٤) ابنُ حبانَ: ((جعلَ ابن كرَّام الإيمانَ قولاً بلا معرفةٍ))، وقالَ ابنُ حزمٍ: ((قالَ ابنُ كرَّامٍ: الإيمانُ قولٌ باللسانِ، وإنِ اعتقدَ الكفرَ بقلبهِ فهوَ مؤمنٌ))، قالَ الذهبيُّ: قلتُ: هذا منافقٌ محضٌ في الدركِ الأسفلِ منَ النَّارِ قطعَاً، فَإِيشِ ينفعُ ابنَ كرّامٍ أنْ يسميهِ مؤمناً. ومنْ بدعِ الكرّاميّةِ قولُهمْ في المعبودِ تعالى: إنَّهُ جسمٌ لا كالأجسامِ، وقدْ سجنَ بنيسابورَ لأجلِ بدعتهِ ثمانيةَ أعوامٍ (٥))). قالَ شيخُنَا: ((وقالَ الحاكمُ: قيلَ: إنَّ /١٨٣ ب / أصلهُ منْ زَرَنْجَ (٦)، ونشأ بسجستانَ، ثمَّ دخلَ بلادَ خراسانَ، وجاورَ بمكةَ خمسَ سنينَ، ولما شاعتْ بدعتُهُ، حَبسَهُ طاهرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهرٍ، فلما أطلقوهُ توجَّه إلى الشامِ، ثمَّ رجعَ إلى نيسابورَ، فحَبسَهُ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهرٍ، وطالَ حبسُهُ، فكانِ يتأهّبُ يومَ الجمعةِ، ويقولُ للسجّانِ: أتأذن؟ فيقولُ: لا. فيقولُ: اللهمَّ إنَّكَ تعلمُ أنَّ المنعَ منْ

стр. 552

غيري، ثمَّ لما أُطلقَ تحوّلَ فسكنَ بيتَ المقدسِ، وقالَ ابنُ عساكرَ: كانَ للكرّاميةِ رباطٌ ببيتِ المقدسِ، وكانَ هناكَ رجلاً يقالُ لهُ: هجَّامٌ، يحسنُ الظنَّ (١) بهمْ، فنهاهُ الفقيهُ نصرٌ (٢)، فقالَ: إنَّما لي الظاهرُ. فرأى (٣) هجّامٌ بعدَ ذَلِكَ أنَّ في رباطِهِمْ حائطاً فيهِ نباتُ النرجسِ، فاستحسنَهُ، فمدَّ يدَهُ فأخذَ منهُ شيئاً، فوجدَ أصولَهُ في العذرةِ، فقالَ لهُ الفقيهُ نصرٌ: الذي قلتُ لكَ تعبيرُ رؤياكَ، ظاهرُهم حسنٌ، وباطنُهمْ خبيثٌ، قالَ ابنُ عساكرَ: ولما دخلَ القدسَ، سمعَ النَّاسَ منهُ حديثاً كثيراً، فجاءهُ إنسانٌ فسألهُ عن الإيمانِ، فلمْ يجبهُ ثلاثاً، ثمَّ قالَ: الإيمانُ قولٌ. فلما سمعوا ذَلِكَ حَرَّقوا (٤) الكتبَ التي كتبوا عنهُ، ونفاهُ والي الرملةِ إلى زُغَرٍ (٥) فماتَ بها)) (٦). قالَ الذهبيُّ: ((سنةَ خمسٍ وخمسينَ ومئتينِ، وعكف أصحابُهُ على قبرهِ مدةً)) (٧). وقالّ القاضي عضدُ الدينِ في " المواقفِ " (٨) والسيدُ في / ١٨٤ أ / " شرحهِ ": ((وقالوا - أي الكرّاميةُ -: الإيمانُ قولُ الذرِّ في الأزلِ: بلى. أي: الإيمانُ هوَ الإقرارُ الذي وُجِدَ منَ الذَرِّ حينَ قالَ تعالى لهمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٩)، وهو باقٍ في الكلِّ على السويةِ،

стр. 553

إلاَّ المرتدينَ، وإيمانُ المنافقِ مع كفرهِ، كإيمانِ الأنبياءِ، لاستواءِ الجميعِ في ذَلِكَ الإيمانِ، والكلمتانِ ليستا بإيمانٍ إلاَّ بعدَ الردّةِ، نسألُ اللهَ العافيةَ آمينَ)). قولهُ: (منَ الثوابِ) (١) ((منْ)) بيانية، أي: في المعنى الذي هوَ منَ الثوابِ والعقابِ الذي انتفى عنهُ حكمٌ، وقدْ جهلَ هؤلاءِ أنَّ الثوابَ والعقابَ حكمانِ منْ أحكامِ الشرعِ؛ فإنَّ الثوابَ إمّا أنْ يترتبَ على مُسْتحبٍ، أو واجبٍ (٢)، والعقاب إنّما يترتبُ على الحرامِ، فهذهِ ثلاثةُ أحكامٍ منَ الخمسةِ. قولهُ: (محمد بن سعيدٍ) (٣) بنِ حسان بنِ قيسٍ الأسديِّ، ويقالُ: محمدُ ابنُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، ويقالُ: ابنُ أبي عتبةَ، ويقالُ: ابنُ أبي قيسٍ، ويقالُ: ابنُ أبي حسان، ويقالُ: ابنُ الطبريِّ أبو عبدِ الرحمانِ، ويقالُ: أبو عبدِ اللهِ، ويقالُ: أبو قيسٍ الملائيُّ الدمشقيُّ، ويقالُ: الأزديُّ، ويقالُ: محمدُ بنُ أبي (٤) زينبَ، وابنُ زكريا، وابنُ أبي الحسنِ. وبعضُهمْ يقولُ: عنْ أبي عبدِ الرحمانِ الشاميِّ، ويقولونَ: محمدُ بنُ حسان الطبريُّ، وربما قالوا: عبدُ اللهِ، وعبدُ / ١٨٤ ب / الرحمانِ، وعبدُ الكريمِ وغيرُ ذَلِكَ، على معنى التعبيد (٥) فيهِ، وينسبونهُ إلى جدّهِ، ويكنونَ الجدَّ حتى يتسعَ جداً في هذا، قالهُ العقيليُّ (٦)، وقالَ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ المصريُّ نحو ذَلِكَ، وزاد: وهوَ محمدٌ الذي نسبهُ المحاربيُّ إلى ولاءِ بني هاشمٍ، وهوَ محمدٌ الطبريُّ، ومحمدٌ الأزديُّ، وهوَمحمدُ بنُ سعيدٍ الأسديُّ، الذي رَوَى عنهُ سعيدُ بنُ هلالٍ،

стр. 554

ولو قالَ قائلٌ: إنَّهُ أبو عبدِ اللهِ محمدٌ الأسديُّ الذي يروي عن (١): وابصة بن معبدٍ، وعنهُ: محمدُ بنُ صالحٍ لما دفعتُ ذَلِكَ، وقالَ ابنُ عقدةَ: ((سمعتُ أبا طالبٍ عبدَ اللهِ بنَ أحمدَ بنِ سوادةَ يقولُ: قَلَبَ أهلُ الشامِ اسمَ محمدِ بنِ سعيدٍ، على مئةِ اسمٍ، وكذا وكذا اسماً قدْ جمعتُها في كتابٍ))، وقالَ ابنُ القطانِ: ((منْ جملةِ ما قلبوهُ: محمدُ بنُ أبي سهْلٍ))، حَكَى ذَلِكَ شيخُنَا في "تهذيبهِ" (٢)، وقالَ: ((رَوَى عنْ: نافعٍ مولى ابنِ عمرَ، والزهريِّ ومكحولٍ (٣). رَوَى عنهُ: ابنُ عجلانَ، والثوريُّ، وسعيدُ بنُ أبي هلالٍ، وغيرهمْ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، عنْ أبيهِ: ((قتله أبو جعفر في الزندقةِ، حديثهُ حديثٌ موضوعٌ))، وقالَ دحيمٌ: ((سمعتُ خالدَ بنَ يزيدَ الأزرقِ، يقولُ: سمعتُ محمدَ بنَ سعيدٍ الأزديَّ، يقولُ: إذا كانَ الكلامُ حسناً لمْ أُبالِ أن أجعلَ (٤) لهُ إسناداً))، وقالَ أبو مسهرٍ: ((هوَ منْ كذابي الأردنِ)). وقالَ ابنُ رشدينَ / ١٨٥ أ /: ((سألتُ أحمدَ بنَ صالحٍ المصريَّ، فقالَ: زنديقٌ، ضربتْ عُنقُهُ، وضعَ أربعةَ آلافِ حديثٍ عندَ هؤلاءِ الحمقَى، فاحذروها)). وقالَ ابنُ حبانَ: ((كانَ يضعُ الحديثَ، لا يحلُّ ذكرُهُ إلاَّ على وجهِ القدحِ فيهِ (٥))). قالَ أبو أحمدَ الحاكمُ: ((كانَ يضعُ الحديثَ، صُلِبَ على الزندقةِ)). وقالَ الجوزجانيُّ: ((هوَ مكشوفُ الأمرِ هالكٌ))، وقالَ الحاكمُ: ((هوَ ساقطٌ لا خلاف بينَ أئمةِ النقلِ فيهِ)) (٦).

стр. 555

قولهُ: ٢٣٦ - وَالوَاضِعُوْنَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا ... مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَبَعْضٌ وَضَعَا ٢٣٧ - كَلامَ بَعْضِ الحُكَمَا في المُسْنَدِ ... وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ ٢٣٨ - نَحْوُ حَدِيْثِ ثَابِتٍ (مَنْ كَثُرَتْ ... صَلاَتُهُ) الحَدِيْثَ، وَهْلَةٌ سَرَتْ قولهُ: (ولا أصلَ لهُ) (١)، أي: بإسنادٍ إلاّ منْ مراسيلِ الحسنِ، ونقلَ بعضُ أصحابِنا عنْ خطِّ شيخِنا: أنَّ إسنادَهُ إلى الحسنِ حسنٌ، وقدْ أثنَى أبو زرعةَ، وابنُ المدينيِّ على مراسيلِ الحسنِ، فلا دليلَ على وضعهِ، كذا نُقِلَ هذا عنْ خطِّ شيخِنا. ثمَّ رأيتُ في ترجمةِ الحسنِ منْ "عمدةِ الأندرشي": قالَ عليُّ بنُ المديني: ((مرسلاتُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ، شبهُ الريحِ، ومرسلاتُ الحسنِ التي رواها عنهُ الثقاتُ صحاحٌ، ما أقلَّ ما يسقطُ منها)) (٢)، وقالَ ابنُ عديٍّ: ((سمعتُ الحسنَ بنَ عثمانَ يقولُ: كلُّ شيءٍ، قالَ الحسنُ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ وجدتُ لهُ أصلاً يرجعُ إليهِ إلاَّ أربعةَ أحاديثَ)). وقالَ لهُ رجلٌ: إنَّكَ تقولُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ فلو كنتَ (٣) تسندُهُ لنا؟ فقالَ: ((ما كَذَبْنا ولا كُذِبنَا))، ثمَّ ذكرَ أنَّهُ اعتذرَ ليونسَ بنِ عبيدٍ بأنّهُ يروي عنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وهو يخشَى منْ تسميتهِ في زمنِ الحجاجِ. ثمَّ قالَ: ((وقالَ ابنُ سعدٍ: كلُ ما أَسندَ منْ /١٨٥ ب / حديثهِ، ورَوَى عنْ منْ سَمِعَ منهُ، فحسنٌ حجةٌ، وما أرسلَ فليسَ بحجةٍ)) (٤) وكذا هوَ في ترجمتهِ منْ "تهذيبِ" (٥) شيخِنا، وقالَ: ((قالَ أبو زرعةَ: ((كلُّ شيءٍ يقولُ الحسنُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وجدتُ لهُ أصلاً

стр. 556

ثابتاً، ما خلا أربعةَ أحاديثَ))، وقالَ أبو زرعةَ: ((إنَّهُ لمْ يسمعْ منْ عليٍّ))، وقالَ الترمذيُّ: ((لا يُعرفُ لهُ سماعٌ منْ عليٍّ ﵁)) (١)، وقالَ الدارقطنيُّ: مراسيلهُ فيها ضعفٌ)) (٢). وقالَ في ترجمةِ يحيى بنِ أبي كثيرٍ: ((عنْ يحيى بنِ سعيدٍ: مرسلاتُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ (٣) شبهُ الريحِ)) (٤). وكذا نقلَ الأندرشيُّ في ترجمته. هذا ما وجدتُهُ ولمْ أجدْ هذهِ العبارةَ عنِ الحسنِ إلاَّ في " شرحِ الألفيةِ "، وما أدري عمنْ نقلَها، وقدْ عُرفَ منْ مجموعِ هذا الكلامِ أنَّ المرادَ بها الضعفُ، وأصرحُ منْ ذَلِكَ ما في مقدمةِ "صحيحِ مسلمٍ" في آخرِ بابِ بيانِ أنَّ الإسنادَ من الدِّينِ: ((سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ القطانَ، ضعّفَ حكيمَ (٥) بنَ جبيرٍ، وعبد الأعلى، وضعّفَ يحيى بنَ موسى بنِ دينارٍ، وقالَ: حديثُهُ ريحٌ)) (٦) انتهى. وقالَ الأندرشيُّ في " مختصرهِ للتهذيبِ " المسمى بـ" العمدةِ " في ترجمةِ سعيدِ بنِ المسيّبِ: ((عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ، أنَّهُ قالَ: عنْ سعيدٍ: لا يُرى أصحّ منْ مرسلاتهِ، قالَ: وأمّا مرسلاتُ الحسنِ وعطاءٍ فأضعفُ المرسلاتِ، كأنهما كانا يأخذانِ منْ كلٍّ)) (٧). قولهُ: (وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّهُ شبهُ الوضعِ) (٨)، قالَ / ١٨٦ أ / المصنفُ في " النكتِ " (٩): ((إنَّهُ حسنٌ إذ لمْ يضعهُ ثابتُ بنُ موسى، وإنْ كانَ ابنُ

стр. 557

معينٍ (١) قالَ فيهِ (٢): إنَّهُ كذابٌ (٣). نعَمْ، بقيةُ الطرقِ التي سرقَها مَنْ سرقَهَا موضوعةٌ، ولذلكَ جَزَمَ أبو حاتمٍ الرّازيُّ: بأنّهُ موضوعٌ فيما حكاهُ عنّهُ ابنُهُ أبو محمدٍ في " العللِ " (٤)، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (عنِ الأعمشِ) (٥) هوَ سليمانُ بنُ مهرانَ. وشيخهُ ((أبو سفيانَ)) هوَ طلحةُ بنُ نافعٍ القرشيُّ مولاهمُ الواسطيُّ، والأعمشُ رَاويتُهُ (٦)، وهو صدوقٌ، رَوَى لهُ البخاريُّ مقروناً بغيرهِ، وقالَ عليُّ بنُ المدينيِّ: ((لمْ يسمعْ منْ جابرٍ إلاَّ أربعةَ أحاديثَ))، وكذا قالَ أبو حاتمٍ، عنْ شعبةَ (٧). قالَ شيخُنا: ((لم يخرجْ لهُ البخاريُّ إلاَّ أربعةَ أحاديثَ عنْ جابرٍ، وأظنُّها التي عناها شيخُهُ عليُّ بنُ المدينيِّ، منها حديثانِ في الأشربةِ (٨)، قرنهُ بأبي صالحٍ، وفي الفضائلِ (٩) حديثُ: ((اهتزَّ العرشُ)) كذلكَ، والرابعُ في تفسيرِ سورةِ الجمعةِ (١٠)، قرنهُ بسالمِ بنِ أبي الجعدِ)) (١١) انتهى. فتحرّرَ أنَّ هذا الحديثَ، وهو ((يعقد الشيطانُ)) ليسَ منها وهو متَفقٌ عليهِ منْ

стр. 558

حديثِ أبي هريرةَ (١)، فلعلَّ الوهمَ في هذا الحديثِ منْ شيخِ ابنِ ماجه، فإنّهُ صدوقٌ يَهِمُ، أو منْ شيخهِ ثابتٍ؛ فإنّهُ ضعيفٌ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (منْ كثرتْ صلاتهُ بالليلِ) (٢) مثلُهُ ما رويناهُ في "جزءِ لوين"، وهو أبو جعفرَ محمدُ بنُ سليمانَ المصيصيُّ: حدّثنا ابنُ أبي الزنادِ، حدّثنا هشامُ / ١٨٦ ب / ابنُ عروةَ، عنْ أبيهِ، قالَ: كانَ الزبيرُ ﵁ قاعداً، ورجلٌ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ عامَّةُ مجلسهِ. قالَ: فسكتَ الزبيرُ ﵁ حتى انقضتْ مقالتهُ، فقالَ الزبيرُ: ما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ شيئاً منْ هذا، قالَ: واللهِ يا أبا عبدِ اللهِ، إنَّكَ لحاضرٌ المجلسَ يومئذٍ، قالَ: صدقتَ، إنما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ أنْ تجيءَ، قالَ الرجلُ منْ أهلِ الكتابِ، فجعلَ يذكرُ عنهُ، فجئت وهو يذكرُ ذاكَ، فذاكَ الذي يمنعني من الحديثِ، عنْ رسولِ اللهِ ﷺ . قولهُ: (عبدُ الحميدِ بنُ بحرٍ) (٣)، قالَ في " لسانِ الميزانِ " (٤): ((هو بصريٌّ روى عنْ مالكٍ، وقالَ ابنُ حبانَ: كانَ يسرقُ الحديثَ (٥)، وكذا قالَ ابنُ عديٍّ)) (٦). قولهُ: (وعبدُ اللهِ بنُ شبرمةَ الشريكيُّ) (٧) لمْ أرَ لهُ ذكراً معَ الفحصِ عنهُ، وأظنّهُ عبدَ اللهِ بنَ شبيبٍ الرّبعيَّ، تصحّفَ على بعضِ النقلةِ، وكنيتهُ: أبو سعيدٍ، وهو

стр. 559

أخباريٌّ علامةٌ. قالَ شيخُنَا في " لسانِ الميزانِ " (١): ((يروي عنْ أصحابِ مالكٍ، وآخرُ منْ حدَّثَ عنهُ المحامليُّ، وأبو روقٍ الهزانيُّ، لكنهُ واهٍ بمرةٍ، وبالغَ فَضْلَكُ (٢) الرّازيُّ، فقالَ: ((يحلُّ ضرب عنقهِ)) (٣)، وقالَ الحافظُ عبدانُ: ((قلتُ لعبدِ الرحمانِ بنِ خراشٍ: هذه الأحاديثُ التي يحدّثُ بها غلامُ خليلٍ منْ أينَ لهُ؟ قالَ: / ١٨٧ أ / سرقهَا منْ عبدِ اللهِ بنِ شبيبٍ، وسَرقَها ابنُ شبيبٍ من النضرِ بنِ سلمةَ شاذانَ، ووضعها شاذانُ))، وقالَ ابنُ حبانَ: ((يقلبُ الأخبارَ ويسرقُهَا)) (٤). لكنَّ هذا أصغرُ منْ عبدِ الحميدِ، ومنْ عدَّ معهُ، ثمَّ رأيتُ عنْ خطِّ شيخِنا على حاشيةِ " شرحِ الألفيةِ " ما صورتهُ: ((وَهِمَ بعضُ النَّاسِ فظنَّ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ شبرمةَ الشريكيَّ، هو عبدُ اللهِ بنُ شبرمةَ القاضيّ، وليسَ بهِ؛ لأنَّهُ أكبرُ منْ شريكٍ، ولمْ يلحقْهُ الراوي عن الشريكيِّ)) انتهى. قولهُ: (وإسحاق بن بشرٍ) (٥) هوَ ابنُ مقاتلٍ، أبو يعقوبَ الكاهليُّ الكوفيُّ. قالَ في " لسانِ الميزانِ " (٦): ((عنْ: كاملٍ أبي العلاءِ، وأبي معشرٍ السنديِّ، ومالكٍ، وغيرِهم، وعنهُ: عمرُ بنُ حفصٍ السدوسيُّ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ السجستانيُّ، قالَ مُطَيَّنٌ (٧): ((ما سمعتُ أبا بكرِ بنَ أبي شيبةَ كذَّبَ أحداً، إلاَّ إسحاقَ بنَ بشرٍ الكاهليَّ)). وكذا كذّبهُ موسى بنُ هارونَ، وأبو زرعةَ، وقالَ

стр. 560

الدارقطنيُّ: ((هوَ في عدادِ منْ يضعُ الحديثَ)). وأرَّخَ موسى بنُ هارونَ وفاتَهُ في سنةِ ثمانٍ وعشرينَ ومئتينِ)). قولهُ: (موسى بن محمد) (١) في " لسانِ الميزانِ " (٢): أنَّهُ ابنُ عطاءٍ الدمياطيُّ البلقاويُّ الرمليُّ المقدسيُّ، أبو طاهرٍ، رَوى عنْ: مالكٍ، وشريكٍ، وعنهُ: الربيعُ بنُ محمدٍ الأزديُّ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ الدارميُّ (٣)، وبكرُ بنُ / ١٨٧ ب / سهلٍ الدمياطيُّ، كذّبهُ أبو زرعةَ، وأبو حاتمٍ، وقالَ ابنُ حبانَ: ((لا تحلُّ الروايةُ عنهُ، كانَ يضعُ الحديثَ)) (٤)، وقالَ ابنُ عديٍّ: ((كانَ يسرقُ الحديثَ)) (٥)، وقالَ منصورُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي قرةَ: ((كانَ يضعُ الحديثَ على مالكٍ والموقري))، وذكرَ عنْ أبي زرعةَ: أنَّهُ قالَ: ((لمْ يزلْ حديثُ الوليدِ ابنِ محمدٍ الموقريَّ - يعني: مقارباً - حتى ظهرَ أبو طاهرٍ المقدسيُّ لا جُزِيَ خيراً)). قولهُ: (عن زَحْمُويهِ) (٦) هوَ زكريا بنُ يحيى بنِ صَبيحٍ - بالفتحِ - الواسطيُّ، أحدُ الثقاتِ، وزحمويهِ لقبهُ، رَوَى عنْ: أبيهِ، وهشيمٍ، وصالحِ بنِ عمرَ، وفرجِ بنِ فضالةَ، وزيادِ البكائي، وغيرِهم. وعنهُ: الحسنُ بنُ سفيانَ، وأبو زرعةَ، وأبو يعلى، وابنُ حبّانَ في " صحيحهِ "، وقالَ في الطبقةِ الرابعةِ من " ثقاتهِ " (٧): ((كانَ من

стр. 561

المتقنينَ في الرواياتِ))، قالَ أسلمُ: ((ماتَ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ ومئتينِ)) انتهى (١). وفي الرواةِ ممنْ يقالُ لهُ: زكريا بنُ يحيى عشرةٌ فأكثرُ، متقاربو الطبقةِ، وأشدُّهم التباساً بهذا زكريا بنُ يحيى الكسائيُّ، وممنْ رَوى هذا الحديثَ منَ الضعفاءِ: يوسفُ بنُ عديٍّ، قالَ الدارقطنيُّ في " المؤتلفِ والمختلفِ " (٢): ((وأمّا غفيرٌ - بالغينِ المعجمةِ - فهوَ الحسنُ بنُ غفيرٍ المصريُّ، منكرُ الحديثِ يروي عنْ يوسفَ بنِ عديٍّ، عنْ شريكٍ، عن الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ / ١٨٨ أ / ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : ((منْ كثرتْ صلاتهُ بالليلِ حسنَ وجههُ بالنهارِ))، وهذا حديثٌ باطلٌ، منْ حديثِ يوسفَ بنِ عديٍّ، ويأتي منْ غيرِ يوسفَ بعجائبَ. قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٣): ((وقدْ اعترضَ بعضُ المتأخرينَ على (٤) المصنفِ بأنّهُ وَجدَ الحديثَ (٥) منْ غيرِ روايةِ ثابتِ بنِ موسى، فذكرَ منْ " معجمِ ابنِ جُميعٍ (٦) " قالَ: حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ الرقيُّ، حدّثنا أبو الحسنِ محمدُ ابنُ هشامِ بنِ الوليدِ، حدّثنا جُبارةُ بنُ المغلّسِ، عنْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، عنْ أنسٍ بالحديثِ مرفوعاً، انتهى. وهذا الاعتراضُ عجيبٌ؛ فإنَّ المصنفَ لمْ يقلْ إنَّهُ لمْ يرو إلاَّ منْ طريقِ ثابتٍ، ومعَ ذَلِكَ فهذه الطريقُ، التي اعترضَ بها هذا المعترضُ، أضعفُ منْ طريقِ ثابتِ بنِ موسى؛ لضعفِ كلٍّ منْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، وجُبارةَ بنِ المغلّسِ، ثمَّ قالَ: ولو اعترضَ

стр. 562

هذا المعترضُ بواحدٍ منْ هؤلاءِ الذينَ تابعوا ثابتَ بنَ موسى عليهِ، كانَ أقلَّ خطأً من اعتراضهِ بطريقِ جُبارةَ، والحديث لهُ طرقٌ كثيرةٌ، جَمَعهَا أبو الفرجِ بنُ الجوزيّ في كتابِ " العلل المتناهيةِ " (١) وبيّنَ ضعفهَا، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (وَهلةٌ) (٢) أي: غفلةٌ، قالَ في " القاموسِ " (٣): ((وَهِلَ كَفرِحَ: ضعفَ وفزعَ، فهوَ وَهِلٌ، ككتفٍ، ومستوهلٌ، وعنهُ: غَلَطَ فيهِ ونسيهُ، ووهلَ إلى الشيءِ يوهلُ - بفتحها - أي: كوجلَ يوجَلُ، ويهلُ وهلاً: ذهبَ وَهمهُ إليهِ، / ١٨٨ ب / وتوهّلهُ: عرَّضهُ؛ لأنْ يغلطَ)). قولهُ: ٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالإقْرَارِ، وَمَا ... نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا ٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ، قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ ... (الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى ٢٤١ - ما اعترف الوَاضِعُ، إذْ قَدْ يَكْذِبُ ... بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ (٤) قولهُ: (بالإقرارِ وما) (٥) قافيتهُ متراكبٌ، ((وربما)) إنْ شددت فالقافيةُ متداركٌ، وإنْ خففَت فهوَ متكاوسٌ، فلو قالَ: ((بإقرارٍ وما)) لكانَ أحسنَ؛ لتوافقهِما في المتداركِ، ولو قالَ: ((يقومُ في مقامهِ)) لكانَ أخفَّ منْ ((نزلَ منْزلتَهُ))؛ لسلامتهِ من الخبلِ. قولهُ: (بالركةِ) (٦)، قالَ في " القاموسِ " (٧): ((الرّكيكُ: كأميرٍ، وغُرابٍ،

стр. 563

وغُرابةٍ، والأرَكُّ: الفَسْلُ الضعيفُ في عقلهِ ورأيهِ، أو منْ لا يغارُ، أو من لا يهابُهُ أهلُهُ، وهي (١) ركَاكةٌ ورَكِيكٌ، والجمعُ رِكاكٌ. رَكَّ يَرِكُ رَكاكةً: ضَعُفَ، ورَقَّ. واستَركّهُ: استضعفهُ، والمُرْتَكُّ: منْ تراهُ بليغاً، وإذا خاصمَ عييَ، وقد ارْتَكَّ، ومن الجمالِ: الرّخْوَ المدقوقُ (٢)، وارْتَكَّ: ارتجَّ، وفي أمرهِ: شكَّ))، وقالَ في اللامِ (٣): ((الفَسْلُ: الرّذلُ الذي لا مروءةَ لهُ)) (٤) انتهى. فمادةُ ركك كما ترى تدورُ على الضعيفِ. قولهُ: (الثبجيُّ) (٥) قالَ في " القاموسِ " (٦): ((الثَّبَجُ - مُحرّكةً - ما بينَ الكاهلِ إلى الظهرِ، ووسطُ الشيءِ، ومُعظمهُ وصدرُ القطا)). ومادتهُ تدورُ على المعظمِ والوسطِ. قولهُ: (وعنهُ نضربُ) (٧) أي: نُعرضُ، منْ أضربَ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِّ في كتابهِ " الواعي ": ((وأضربَ فلانٌ عنْ هذا الأمرِ، إذا كفَّ عنهُ، وقدْ ضربَ فلانٌ في عملهِ، أي: أخذَ فيهِ، وضربَ يدهُ إلى كذا، وَضربَ على يدِ فلانٍ، إذا أفسدَ / ١٨٩ أ / عليهِ أمراً أخذَ فيهِ (٨)، أو أرادهُ))، وقولهُ: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ (٩) أي:

стр. 564

منعناهم السمعَ أنْ يسمعوا، أو المعنى: أنمناهمْ فمنعناهم السمعَ (١)، وقولهُ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ (٢) أي: نهملُكم فلا نُعرّفكم ما يجبُ عليكم (٣). قولهُ: (أو ما يتنزلُ منْزلة إقرارهِ) (٤) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٥): ((هوَ كأنْ يحدّث بحديثٍ عن شيخٍ، ثمَّ يُسألُ عنْ مولدهِ، فيذكرَ تأريخاً، يُعلمُ وفاةُ ذلكَ الشيخِ قبلهُ، ولا يوجدُ ذَلِكَ الحديثُ إلاّ عنده (٦)، فهذا لم يعترفْ بوضعهِ، ولكنَّ (٧) اعترافهُ بوقتِ مولدهِ يتنزلُ منْزلةَ إقرارهِ بالوضعِ؛ لأنَّ ذَلِكَ الحديثَ لا يعرفُ إلاَّ عندَ ذَلِكَ الشيخِ، ولا يُعرفُ إلاَّ بروايةِ هذا الذي حدّثَ بهِ، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (ركاكةُ ألفاظِها ومعانيها) (٨) قالَ شيخُنا: ((إنما المدارُ على المعنى، فحيثُ ما وُجِدَتْ ركاكتُهُ، دلَّ على الوضعِ، سواءٌ كانَ وحدهُ، أو انضمتْ إليهِ ركاكةُ اللفظِ؛ فإنَّ هذا الدينَ كلَّهُ محاسنٌ، والركةُ ترجعُ إلى الرداءةِ؛ فإذن بينها وبينَ مقاصدِ الدّينِ مباينةٌ، قالَ: وركاكةُ اللفظِ لا تدلُّ على ذَلِكَ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الراوي رواهُ بالمعنى، فغيَّر ألفاظهُ بألفاظٍ غيرِ فصيحةٍ، منْ غيرِ أنْ يُخلَّ بالمعنى، نَعَم. إنْ صرَّحَ بأنَّ هذا لفظُ النّبيِّ ﷺ فهوَ كاذبٌ، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (تعرفُهُ) (٩) الضميرُ المستترُ فيهِ / ١٨٩ ب / يعودُ على الضوءِ، وهو مُشدّدٌ

стр. 565

من التعريفِ، أي: يجعلهُ ذَلِكَ الضوءُ معروفاً، وكذا ضميرُ ((تُنْكِرُهُ)) يعودُ إلى الظلمةِ، أي: تجعلهُ تلكَ الظلمةُ نكرةً لا يُعرفُ. قولهُ: (الطالب للعلمِ) (١) أي: الكثير المخالطة (٢) لأنفاسِ الرسولِ ﷺ ، المتمكن منَ السندِ، الشديد الممارسةِ للشريعةِ، العارف بالمقبولِ منَ المردودِ، لا كلُّ طالبٍ، وعنْ خطِّ شيخِنا: مما يدخلُ في قرينةِ حالِ المرويِّ ما نقلَ عنِ الخطيبِ، عنْ أبي بكرِ بنِ الطيبِ: أنَّ من جملةِ دلائلِ الوضعِ أنْ يكونَ مخالفاً لقضيةِ العقلِ، بحيثُ لا يقبلُ التأويلَ، ويلتحقُ بهِ: ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدةُ، أو يكونَ منافياً لدلالةِ الكتابِ القطعيةِ، أو السنةِ المتواترةِ، أو الإجماعِ القطعيِّ. أمّا المعارضةُ الظاهرةُ معَ إمكانِ الجمعِ فلا، ومنها: ما يُصرحُ بتكذيبِ روايةِ جمعِ التواترِ، ومنها: أنْ يكونَ خبراً عنْ أمرٍ جسيمٍ، تتوفرُ الدواعي على نقلهِ، لمحضرِ العددِ الجمِّ، ثمَّ لا ينقلُهُ منهمْ إلاَّ واحدٌ، ومنها: الإفراطُ بالوعيدِ الشديدِ على الأمرِ الصغيرِ، أو الوعدِ العظيمِ على الفعلِ الحقيرِ، وهذا كثيرٌ في حديثِ القصاصِ، انتهى. وهو يرجعُ إلى رَكاكةِ المعنى. قولهُ: (وقد استشكلَ .. ) (٣) إلى آخرهِ، لمْ يستشكل ابنُ دقيقِ العيدِ الاعتمادَ؛ لأنَّ القطعياتِ لاتشترطُ في الحكمِ، وإنما بينَ الواقعِ في نفسِ الأمرِ، وهو أنَّهُ لا ملازمةَ بينَ الوضعِ في نفسِ الأمرِ والإخبارِ بهِ، بلْ قدْ يكونُ موضوعاً / ١٩٠ أ / ولا يُخبرُ بهِ، وقدْ يُخبرُ بهِ ولا يكونُ موضوعاً. فهوَ (٤) إنّما نَفَى القطعَ بإقرارهِ بكونهِ موضوعاً، وهو كذلكَ، واعترافهُ بذلكَ يوجبُ فسقهُ، وفسقُهُ لا يمنعُ العملَ بموجبِ
следующие страницы →