← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المتقنينَ في الرواياتِ))، قالَ أسلمُ: ((ماتَ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ ومئتينِ)) انتهى (١). وفي الرواةِ ممنْ يقالُ لهُ: زكريا بنُ يحيى عشرةٌ فأكثرُ، متقاربو الطبقةِ، وأشدُّهم التباساً بهذا زكريا بنُ يحيى الكسائيُّ، وممنْ رَوى هذا الحديثَ منَ الضعفاءِ: يوسفُ بنُ عديٍّ، قالَ الدارقطنيُّ في " المؤتلفِ والمختلفِ " (٢): ((وأمّا غفيرٌ - بالغينِ المعجمةِ - فهوَ الحسنُ بنُ غفيرٍ المصريُّ، منكرُ الحديثِ يروي عنْ يوسفَ بنِ عديٍّ، عنْ شريكٍ، عن الأعمشِ، عنْ أبي سفيانَ، عنْ جابرٍ / ١٨٨ أ / ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : ((منْ كثرتْ صلاتهُ بالليلِ حسنَ وجههُ بالنهارِ))، وهذا حديثٌ باطلٌ، منْ حديثِ يوسفَ بنِ عديٍّ، ويأتي منْ غيرِ يوسفَ بعجائبَ. قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٣): ((وقدْ اعترضَ بعضُ المتأخرينَ على (٤) المصنفِ بأنّهُ وَجدَ الحديثَ (٥) منْ غيرِ روايةِ ثابتِ بنِ موسى، فذكرَ منْ " معجمِ ابنِ جُميعٍ (٦) " قالَ: حدّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ الرقيُّ، حدّثنا أبو الحسنِ محمدُ ابنُ هشامِ بنِ الوليدِ، حدّثنا جُبارةُ بنُ المغلّسِ، عنْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، عنْ أنسٍ بالحديثِ مرفوعاً، انتهى. وهذا الاعتراضُ عجيبٌ؛ فإنَّ المصنفَ لمْ يقلْ إنَّهُ لمْ يرو إلاَّ منْ طريقِ ثابتٍ، ومعَ ذَلِكَ فهذه الطريقُ، التي اعترضَ بها هذا المعترضُ، أضعفُ منْ طريقِ ثابتِ بنِ موسى؛ لضعفِ كلٍّ منْ كثيرِ بنِ سُليمٍ، وجُبارةَ بنِ المغلّسِ، ثمَّ قالَ: ولو اعترضَ

стр. 562

هذا المعترضُ بواحدٍ منْ هؤلاءِ الذينَ تابعوا ثابتَ بنَ موسى عليهِ، كانَ أقلَّ خطأً من اعتراضهِ بطريقِ جُبارةَ، والحديث لهُ طرقٌ كثيرةٌ، جَمَعهَا أبو الفرجِ بنُ الجوزيّ في كتابِ " العلل المتناهيةِ " (١) وبيّنَ ضعفهَا، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (وَهلةٌ) (٢) أي: غفلةٌ، قالَ في " القاموسِ " (٣): ((وَهِلَ كَفرِحَ: ضعفَ وفزعَ، فهوَ وَهِلٌ، ككتفٍ، ومستوهلٌ، وعنهُ: غَلَطَ فيهِ ونسيهُ، ووهلَ إلى الشيءِ يوهلُ - بفتحها - أي: كوجلَ يوجَلُ، ويهلُ وهلاً: ذهبَ وَهمهُ إليهِ، / ١٨٨ ب / وتوهّلهُ: عرَّضهُ؛ لأنْ يغلطَ)). قولهُ: ٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الوَضْعُ بِالإقْرَارِ، وَمَا ... نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَرُبَّمَا ٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَةِ، قُلْتُ: اسْتَشْكَلاَ ... (الثَّبَجِيُّ) القَطْعَ بِالوَضْعِ عَلَى ٢٤١ - ما اعترف الوَاضِعُ، إذْ قَدْ يَكْذِبُ ... بَلَى نَرُدُّهُ، وَعَنْهُ نُضْرِبُ (٤) قولهُ: (بالإقرارِ وما) (٥) قافيتهُ متراكبٌ، ((وربما)) إنْ شددت فالقافيةُ متداركٌ، وإنْ خففَت فهوَ متكاوسٌ، فلو قالَ: ((بإقرارٍ وما)) لكانَ أحسنَ؛ لتوافقهِما في المتداركِ، ولو قالَ: ((يقومُ في مقامهِ)) لكانَ أخفَّ منْ ((نزلَ منْزلتَهُ))؛ لسلامتهِ من الخبلِ. قولهُ: (بالركةِ) (٦)، قالَ في " القاموسِ " (٧): ((الرّكيكُ: كأميرٍ، وغُرابٍ،

стр. 563

وغُرابةٍ، والأرَكُّ: الفَسْلُ الضعيفُ في عقلهِ ورأيهِ، أو منْ لا يغارُ، أو من لا يهابُهُ أهلُهُ، وهي (١) ركَاكةٌ ورَكِيكٌ، والجمعُ رِكاكٌ. رَكَّ يَرِكُ رَكاكةً: ضَعُفَ، ورَقَّ. واستَركّهُ: استضعفهُ، والمُرْتَكُّ: منْ تراهُ بليغاً، وإذا خاصمَ عييَ، وقد ارْتَكَّ، ومن الجمالِ: الرّخْوَ المدقوقُ (٢)، وارْتَكَّ: ارتجَّ، وفي أمرهِ: شكَّ))، وقالَ في اللامِ (٣): ((الفَسْلُ: الرّذلُ الذي لا مروءةَ لهُ)) (٤) انتهى. فمادةُ ركك كما ترى تدورُ على الضعيفِ. قولهُ: (الثبجيُّ) (٥) قالَ في " القاموسِ " (٦): ((الثَّبَجُ - مُحرّكةً - ما بينَ الكاهلِ إلى الظهرِ، ووسطُ الشيءِ، ومُعظمهُ وصدرُ القطا)). ومادتهُ تدورُ على المعظمِ والوسطِ. قولهُ: (وعنهُ نضربُ) (٧) أي: نُعرضُ، منْ أضربَ. قالَ الإمامُ عبدُ الحقِّ في كتابهِ " الواعي ": ((وأضربَ فلانٌ عنْ هذا الأمرِ، إذا كفَّ عنهُ، وقدْ ضربَ فلانٌ في عملهِ، أي: أخذَ فيهِ، وضربَ يدهُ إلى كذا، وَضربَ على يدِ فلانٍ، إذا أفسدَ / ١٨٩ أ / عليهِ أمراً أخذَ فيهِ (٨)، أو أرادهُ))، وقولهُ: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ (٩) أي:

стр. 564

منعناهم السمعَ أنْ يسمعوا، أو المعنى: أنمناهمْ فمنعناهم السمعَ (١)، وقولهُ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ (٢) أي: نهملُكم فلا نُعرّفكم ما يجبُ عليكم (٣). قولهُ: (أو ما يتنزلُ منْزلة إقرارهِ) (٤) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٥): ((هوَ كأنْ يحدّث بحديثٍ عن شيخٍ، ثمَّ يُسألُ عنْ مولدهِ، فيذكرَ تأريخاً، يُعلمُ وفاةُ ذلكَ الشيخِ قبلهُ، ولا يوجدُ ذَلِكَ الحديثُ إلاّ عنده (٦)، فهذا لم يعترفْ بوضعهِ، ولكنَّ (٧) اعترافهُ بوقتِ مولدهِ يتنزلُ منْزلةَ إقرارهِ بالوضعِ؛ لأنَّ ذَلِكَ الحديثَ لا يعرفُ إلاَّ عندَ ذَلِكَ الشيخِ، ولا يُعرفُ إلاَّ بروايةِ هذا الذي حدّثَ بهِ، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (ركاكةُ ألفاظِها ومعانيها) (٨) قالَ شيخُنا: ((إنما المدارُ على المعنى، فحيثُ ما وُجِدَتْ ركاكتُهُ، دلَّ على الوضعِ، سواءٌ كانَ وحدهُ، أو انضمتْ إليهِ ركاكةُ اللفظِ؛ فإنَّ هذا الدينَ كلَّهُ محاسنٌ، والركةُ ترجعُ إلى الرداءةِ؛ فإذن بينها وبينَ مقاصدِ الدّينِ مباينةٌ، قالَ: وركاكةُ اللفظِ لا تدلُّ على ذَلِكَ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ الراوي رواهُ بالمعنى، فغيَّر ألفاظهُ بألفاظٍ غيرِ فصيحةٍ، منْ غيرِ أنْ يُخلَّ بالمعنى، نَعَم. إنْ صرَّحَ بأنَّ هذا لفظُ النّبيِّ ﷺ فهوَ كاذبٌ، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (تعرفُهُ) (٩) الضميرُ المستترُ فيهِ / ١٨٩ ب / يعودُ على الضوءِ، وهو مُشدّدٌ

стр. 565

من التعريفِ، أي: يجعلهُ ذَلِكَ الضوءُ معروفاً، وكذا ضميرُ ((تُنْكِرُهُ)) يعودُ إلى الظلمةِ، أي: تجعلهُ تلكَ الظلمةُ نكرةً لا يُعرفُ. قولهُ: (الطالب للعلمِ) (١) أي: الكثير المخالطة (٢) لأنفاسِ الرسولِ ﷺ ، المتمكن منَ السندِ، الشديد الممارسةِ للشريعةِ، العارف بالمقبولِ منَ المردودِ، لا كلُّ طالبٍ، وعنْ خطِّ شيخِنا: مما يدخلُ في قرينةِ حالِ المرويِّ ما نقلَ عنِ الخطيبِ، عنْ أبي بكرِ بنِ الطيبِ: أنَّ من جملةِ دلائلِ الوضعِ أنْ يكونَ مخالفاً لقضيةِ العقلِ، بحيثُ لا يقبلُ التأويلَ، ويلتحقُ بهِ: ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدةُ، أو يكونَ منافياً لدلالةِ الكتابِ القطعيةِ، أو السنةِ المتواترةِ، أو الإجماعِ القطعيِّ. أمّا المعارضةُ الظاهرةُ معَ إمكانِ الجمعِ فلا، ومنها: ما يُصرحُ بتكذيبِ روايةِ جمعِ التواترِ، ومنها: أنْ يكونَ خبراً عنْ أمرٍ جسيمٍ، تتوفرُ الدواعي على نقلهِ، لمحضرِ العددِ الجمِّ، ثمَّ لا ينقلُهُ منهمْ إلاَّ واحدٌ، ومنها: الإفراطُ بالوعيدِ الشديدِ على الأمرِ الصغيرِ، أو الوعدِ العظيمِ على الفعلِ الحقيرِ، وهذا كثيرٌ في حديثِ القصاصِ، انتهى. وهو يرجعُ إلى رَكاكةِ المعنى. قولهُ: (وقد استشكلَ .. ) (٣) إلى آخرهِ، لمْ يستشكل ابنُ دقيقِ العيدِ الاعتمادَ؛ لأنَّ القطعياتِ لاتشترطُ في الحكمِ، وإنما بينَ الواقعِ في نفسِ الأمرِ، وهو أنَّهُ لا ملازمةَ بينَ الوضعِ في نفسِ الأمرِ والإخبارِ بهِ، بلْ قدْ يكونُ موضوعاً / ١٩٠ أ / ولا يُخبرُ بهِ، وقدْ يُخبرُ بهِ ولا يكونُ موضوعاً. فهوَ (٤) إنّما نَفَى القطعَ بإقرارهِ بكونهِ موضوعاً، وهو كذلكَ، واعترافهُ بذلكَ يوجبُ فسقهُ، وفسقُهُ لا يمنعُ العملَ بموجبِ

стр. 566

إقرارهِ كالقاتلِ عمداً، فإنَّهُ يفسقُ، إمّا لقتلهِ الثابتِ بإقرارهِ إنْ كانَ صادقاً، وإمّا بكذبهِ في إقرارهِ. وإمّا الردُّ (١)، فقد صرّحَ ابنُ دقيقِ العيدِ بأنَّهُ لا بد منهُ، وهذا كما تقدم في الصحيحِ، في شرحِ قولهِ: ((وبالصحيحِ والضعيفِ قصدوا في ظاهر)) منْ (٢) أنَّهُ يحكمُ عليهِ بالصحةِ، ويجبُ قبولهُ والعملُ بهِ، ولا يفيدُ الحكمُ بذلكَ القطعَ بصحتهِ، هذا معَ التجرّدِ عن القرائنِ، أمّا إذا انضمَ إلى ذَلِكَ قرائنُ تدلُّ على ما أقرَّ بهِ قطعَ، كقصةِ الجويباري (٣) في سماعِ الحسنِ منْ أبي هريرةَ. قالَ شيخُنا: ((وقدْ كانَ الشيخُ عَبَّرَ في النظمِ أولاً ((بالحكمِ))، فلما قرأنا ذَلِكَ عليهِ غيّرَ ((الحكمَ)) ((بالقطعِ))، فكأنَّهُ غيرَّ النظمَ ولمْ يُغيّرِ الشرحَ. قلت: وكانَ ينبغي أيضاً تغييرُ قولهِ في النظمِ ((استشكل))، فإنَّهُ لم يستشكلْ بل أوضحَ موضعَ الحكمِ، فلو قالَ بدلها: ((استرذلا)) لزال المحذور.

стр. 567

المقلوب (١) قولهُ: (المقلوبِ) (٢) هوَ منْ قَلَبَهُ إذا حَوّلَهُ منْ حالٍ إلى حالٍ آخرَ. قولهُ: (أبدلا) (٣) الضميرُ فيهِ يعودُ على ((راوٍ))، أي: أتى لهُ ببدلٍ، وذلك البدلُ راوٍ آخرُ نظيرهُ في الطبقةِ، كما فسّرهُ في " الشرحِ " (٤) قالَ في " المجملِ " (٥): ((البدلُ: بدلُ الشيءِ وبديلُهُ، يقالُ: بدَّلتُ الشيءَ، أي: غيّرتُهُ، وإنْ لم تأتِ لهُ ببدلٍ، وأبدلتُهُ إذا أتيتَ ببدلهِ)) انتهى. فعُلِمَ أنَّ الباءَ داخلةٌ على المأخوذِ؛ لأنَّ الأولَ غُيّرَ، أي: أتى /١٩٠ب / بغيرهِ فمدخولُ الباءِ هوَ ذَلِكَ الغيرُ. قولهُ: (حمادُ بنُ عمرو النصيبيُّ) (٦) روى عنْ: زيدِ بنِ رُفيعٍ، والأعمشِ، وسفيانَ، رَوَى عنهَ: يعقوبُ بنُ حميدِ بنِ كاسبٍ وإبراهيمُ بنُ موسى الفرّاءُ، وإسماعيلُ بنُ عيسى العطارُ، وعليُّ بنُ حربٍ، وغيرُهم. قالَ الجوزجانيُّ: ((كانَ

стр. 568

يكذبُ))، وقالَ البخاريُّ: ((يكنى أبا إسماعيل، منكرُ الحديثِ)) (١)، وقالَ ابنُ حبانَ: ((كانَ يضعُ الحديثَ وضعاً)) (٢)، وقالَ ابنُ عمارٍ الموصليُّ: أتعجب من ابنِ المباركِ، والمعافى حيثُ رويا عنهُ، ولم يكنْ يدري إيش الحديثُ))، وقالَ ابنُ أبي مريمَ، عن يحيى بنِ معينٍ: ((منَ المعروفينَ بالكذبِ ووضعِ الحديثِ حمادُ بنُ عمرو))، وقالَ الحاكمُ: ((يروي عن جماعةٍ من الثقاتِ أحاديثَ موضوعةً))، وقالَ أبو سعيدٍ النَّقاشُ: ((يروي الموضوعاتِ عنِ الثقاتِ))، لخصتُهُ منْ " لسانِ الميزانِ " (٣). قولهُ: (إسماعيلُ بنُ أبي حيةَ اليسعَ) (٤) كأنّهُ أرادَ أنْ يكتبَ ((أبو إسماعيلَ)) فسقطَ ((أبو))؛ فإنَّهُ إبراهيمُ بنُ اليسعِ بنِ الأشعثِ التميميُّ المكيُّ، كنيتهُ: أبو إسماعيلَ، وكنيةُ أبيهِ: أبو حيةَ، بمهملةٍ ومثناةٍ تحت، قالَ البخاريُّ وأبو حاتمٍ: ((منكرُ الحديثِ))، وقالَ ابنُ المدينيِّ: ((ليسَ بشيءٍ))، وقالَ ابنُ حبانَ: ((رَوَى عنْ جعفرَ وهشام مناكيرَ وأوابد، يسبقُ إلى القلبِ أنّهُ المتعمدُ لها)) (٥)، منْ " لسانِ الميزانِ " (٦). قولهُ: (وبهلولُ بنُ عبيدٍ الكنديُّ) (٧) / ١٩١أ / يُكنى: أبا عُبيدٍ، وهو كوفيٌّ، وقالَ ابنُ عديٍّ: ((بصريٌّ)) يروي عنْ سلمةَ بنِ كهيلٍ، وابنِ جريجٍ، وجماعةٍ، وعنهُ: الربيعُ الجيزيُّ، والحسنُ بنُ قزعةَ، وغيرُهما.

стр. 569

قالَ محمودُ بنُ غيلانَ: ((أسقطهُ أحمدُ، وابنُ معينٍ (١)، وأبو خيثمةَ))، وقالَ ابنُ حبانَ: ((يسرقُ الحديثَ)) (٢)، وقالَ الحاكمُ: ((روى أحاديثَ موضوعة))، وقالَ أبو سعيدٍ البقالُ: ((رَوَى موضوعاتٍ))، من " اللسانِ " (٣). قولهُ: (سندٍ لمتنٍ) (٤) اللام بمعنى إلى، أي: تحويلُ سندِ متنٍ إلى متنٍ آخرَ، والمراد بالمتنِ هنا الحديثُ، وهو في الأصلِ: ما صَلُبَ من الأرضِ في ارتفاعٍ، وهو أيضاً: الظهرُ (٥)، والمتنانِ مُكَتَنفا الصُّلبِ، أي: الظهرِ منَ العَصَبِ واللحمِ، ورجلٌ متنٌ، أي: صُلْبٌ. فكأنَّ العلماء شبهّوا المقصودَ من الكلامِ بذلكَ، فأطلقوا عليهِ المتنَ، فالحديثُ الذي هوَ قولُ النّبيِّ ﷺ مثلاً هوَ المقصودُ بالذاتِ، والسندُ إنما هوَ وسيلةٌ إليهِ، وكذا (٦) الكتابُ المشروحُ مثلاً، حيثُ يقولونَ: قالَ في المتنِ كذا، وفي الشرحِ كذا. قولهُ: (حفظ المحدِّث بذلكَ) (٧) حرفُ (٨) الجرِ يتعلّقُ باختبارٍ، أي: يُختبر بذلكَ القلبِ حفظَ المحدِّثِ؛ فإنْ فطنَ لهُ عُرفَ حفظُهُ، فأخذَ عنهُ واعتمدَ عليهِ، وإن خفيَ عليهِ عُرفَ ضعفهُ فلمْ يعتمدْ عليهِ. قولهُ: (التَّلقين) (٩) المرادُ بهِ أنَّهُ إذا عَسُرَ عليهِ اسمٌ فقالَ لهُ أحدٌ: هوَ فلانٌ،

стр. 570

قالَ / ١٩١ ب /: نَعَم، وحدّثَ بهِ، فَفِعلُهُ ذَلِكَ فعلُ المتلقنِ؛ فإنَّ التلقينَ: التفهيمُ، والمتلقنُ المتفهمُ، وهو يقبلُ على ما يفهمهُ منْ غيرِ منازعةٍ، ولا توقّفٍ. قولهُ: (وهذا يحِلُّ) (١) استفهامٌ، كأنَّهُ قالَ: وهل يحلّ هذا؟ ووجهُ إنكارهِ: أنَّهُ مفسدةٌ منْ غيرِ مصلحةٍ محققةٍ، وذلكَ أنَّهُ إنْ كانتْ لمصلحةٍ (٢) فيهِ الوثوقُ بالمحدِّثِ، إذا فطنَ لهُ، وردهُ إلى الصوابِ والاعتماد عليهِ في كلِّ ما يُحدّثُ بهِ، فهي مشوبةٌ بأنَّهُ قدْ يكونُ حافظاً وكذاباً، فإذا عَلِمَ أنَّ الطالبَ قدْ وَثِقَ بهِ دَسَّ عليهِ بعدَ ذَلِكَ ما أرادَ، فقدْ فسدتْ هذهِ المصلحةُ. وأما كونُهُ مفسدةً فقدْ يكونُ ذَلِكَ الرجلُ حافظاً مأموناً، ويغفلُ عن القلبِ لعارضٍ منَ العوارضِ، فيحكمُ ذَلِكَ الفاعلُ بغفلتهِ وإسقاطِ حديثهِ، وقدْ يكونُ عندهُ حديثٌ لايوجدُ عندَ غيرهِ، فيُفَوِّتهُ على النَّاسِ، هذا معَ أنَّهُ يمكنُ معرفةُ حفظهِ بما تقدّمَ منْ قولِ الشَّافعيِّ ﵀، منْ عرضِ حديثِهِ على حديثِ الثقاتِ ونحو ذَلِكَ. وقدْ يغفلُ عنْ إعدامِ الورقةِ التي فيها الحديثُ المقلوبُ بعدَ الاستغناءِ عنها، فيعثرُ عليها منْ يُحدّث بها على القلبِ، وقدْ يكونُ حاضرَ القراءةِ على القلبِ منْ لا يعرفُ حقيقةَ الحالِ فيحفظها أو بعضهَا، فيحدّثُ بما سمعهُ كما سمعهُ، فيقعُ في الخَطَرِ وهو لا يشعرُ (٣). ووجهُ / ١٩٢ أ / الإباحةِ: أنَّ ذَلِكَ تُعرفُ رتبتُهُ في الحفظِ بسهولةٍ، بخلافِ اختبارهِ بغيرِ ذَلِكَ، فإذا عُرفَ ذَلِكَ لم يوجبِ الوثوق بهِ في الدينِ، فيختبر فيهِ بأنواعٍ أخرى، هذا إذا فطن لذلكَ، وإنْ خفيَ عنهُ، لمْ يوجبْ ذَلِكَ سقوطهُ عندَ فاعلهِ، بل

стр. 571

يورثهُ شكّاً فيهِ يعتبرُ أمرهُ بهِ. وربما يكونُ الذي يُرامُ اختبارُهُ مشهور الثقةِ والأمانةِ والحفظِ والجلالةِ فترادُ النقلة (١) في أمرهِ منْ علمِ اليقينِ، إلى عينِ اليقينِ في أقربِ وقتٍ، كقصةِ البخاريِّ، ولو تُركِ ذَلِكَ لفوَّتَ الاشتغالَ باختبارهِ بغيرِ ذَلِكَ كثيراً من الأخذِ عنهُ، وربما يكونُ أحدٌ قد ادّعى اختلاطَهُ، فيرامُ بذلكَ صدقُهُ ليميزَ ما حدّثَ بهِ قبلَ ذَلِكَ فيعتمدَ، وما حدّثَ بهِ بعدهُ، فيطرح، أو كذبهُ ليستمر على رتبتهِ، والأمور بالمقاصدِ، واللهُ وليُّ التوفيقِ. قولهُ: (وقلبُ ما لم يقصدِ الرواةُ) (٢) مثالهُ: حديثٌ رواهُ جريرٌ حتى قالَ: فلا تقوموا حتى تروني (٣). قالَ شيخُنا: ((أخرجَ هذا الحديثَ أبو داودَ في " السننِ " (٤)، فإنْ كانَ أراد على الصوابِ، فقد ذكر المصنفُ أنَّهُ أخرجهُ الخمسةُ (٥). وإنْ كانَ أرادَ على الوهمِ، فلم أرهُ في روايةِ اللؤلؤيِّ، ولا ابنِ داسةَ، فلعلّهُ في غيرهما، واللهُ أعلمُ)) (٦). قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهو يصلحُ مثالاً للمعلل (٧) - وعبارته -: فظنَّ أبو النَّضرِ أنَّهُ فيما حدّثنا ثابتٌ، عنْ أنسٍ)) (٨)، وهي أوضحُ منْ عبارةِ الشيخِ في إقامةِ عذرِ أبي

стр. 572

النَّضرِ جريرِ بنِ حازمٍ، فإنَّها تفهمُ أنَّهمْ حمّلوهُ (١) في ذَلِكَ المجلسِ، عنْ ثابتٍ أحاديثَ عنْ أنسٍ، وحدَّثَهم /١٩٢ب/ الصوافُ (٢) في ذَلِكَ المجلسِ أيضاً بهذا الحديثِ، فالتبسَ أمُرهُ على جريرٍ، فظنَّهُ منْ حديثِ ثابتٍ، وحَكَى عنْ خطِّ شيخِنا: أنَّ البخاريَّ أيضاً بيّنَ ذَلِكَ، فيما حكاهُ الترمذيُّ في " جامعهِ " (٣) ثمّ رأيت ذلك فيه، في أبواب الجمعة، في بابِ ما جاءَ في الكلامِ بعدَ نزولِ الإمامِ من المنبرِ، قالَ: ((حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁، قالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يتكلّمُ بالحاجةِ إذا نزلَ عن المنبرِ)). قالَ أبو عيسى: ((هذا حديثٌ لا نعرفهُ، إلاَّ من حديثِ جرير بن حازمٍ، وسمعتُ محمداً يقولُ: وَهِمَ جريرٌ في هذا الحديث، والصحيحُ ما رُوِيَ عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قالَ: أقيمتِ الصلاةُ فأخذَ رجلٌ بيدِ النبيِّ ﷺ فما زالَ يكلمُهُ حتى نعسَ القومُ، قالَ محمدٌ: والحديثُ هو هذا، وجرير بن حازم ربما يَهِمُ في الشيءِ، وهو صدوقٌ، قال محمدٌ: وَهِمَ جريرٌ في حديثِ ثابتٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: ((إذا أقيمتُ الصلاةُ .. ))، فذكرَ نحوَ ما في الشرحِ. ورواهُ أبو داود (٤): حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، عن جريرٍ بهِ، ولفظهُ: ((رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ينْزلُ من المنبرِ فيعرض له الرجلُ الحاجةَ، فيقومُ معهُ حتى يقضيَ حاجتَهُ، ثمَّ يقوم فيصلي))، ثمَّ قالَ: ((والحديثُ ليسَ بمعروفٍ عن ثابتٍ، هو مما تفرّدَ بهِ جريرٌ)). قالَ أبو داودَ: ((وكانَ الضبطُ عن ثابتٍ شديداً، كانَ رجلاً يقصُّ، فكانَ يقولُ: عن ابنِ أبي ليلى، وعن فلانٍ، فيجعلونهُ عن أنسٍ ﵁)).

стр. 573

تنبيهات (١) قولهُ: (تنبيهات (٢)) (٣)، أي: إيضاحاتٌ لأشياءَ يُشعرُ بها ما قبلَ هذا منَ الأنواعِ التي حُكمَ بضعفِها منَ المقلوبِ، والموضوعِ، والمضطربِ، وغيرها، إشعاراً خفياً. قولهُ: (لبيان وجه الضعف) (٤)، أي: بأنْ نقولَ: وجهُ ضعفهِ أنَّ راويه فلانٌ مُتَهمٌ بالكذبِ، أو هوَ سييءُ الحفظِ مثلاً، وإنْ لمْ يُبينْ فسيأتي فيهِ تفصيلٌ. قولهُ: (لا بإسنادِهما) (٥) الضمير فيهِ للواهي والذي يشكُّ فيهِ، أي: إذا نقلتَ (٦) الضعيفَ بغيرِ سندٍ، أو المشكوكَ في ضعفهِ بغيرِ سندٍ. قولهُ: (في غيرِ موضوعٍ رووا) (٧)، أي: رووهُ بإسنادٍ، فهوَ قسيمُ ما قالَ فيهِ: ((لا بإسنادِهما))، والحاصلُ أنَّ الحديثَ إذا ذُكِرَ، فإمّا أنْ يذكرَ إسنادُهُ أو لا، فإنْ ذُكرَ إسنادُهُ فلا يخلو أمّا أنْ يكونَ ضعيفاً أو لا، وإذا كانَ ضعيفاً فإمّا أنْ يكونَ في الفضائلِ أو لا، على كلِّ تقديرٍ، فلا يخلو إمّا أن يكونَ موضوعاً، أو لا، فإنْ كانَ موضوعاً، فلا يحلُّ لمنْ عَلِمَ حالَهُ أنْ يذكرَهُ بروايةٍ أو غيرها في أي بابٍ كانَ إلاَّ على سبيلِ القدحِ فيهِ، وإنْ كانَ ضعيفاً غيرَ موضوعٍ، فإنْ كانَ في الفضائلِ جازتْ روايتُهُ منْ غيرِ (٨) / ١٩٣ أ / بيانٍ، وإلاَّ فلا.

стр. 574

والقسمُ الثاني منْ أصلِ التقسيمِ، وهو الذي لمْ يُذكرْ إسنادُهُ هوَ القسمُ الأولُ الذي ذكرَ الشيخُ أنَّهُ إنْ لمْ يكنْ صحيحاُ ذُكِرَ ممرضاً، وأمّا الصحيحُ فيجزمُ بهِ. قولهُ: (وممنْ نصَّ على ذَلِكَ) (١) أي: على جوازِ التساهلِ، فإنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ: ((وممنْ رُوِّينا عنهُ التنصيص على التساهلِ في نحوِ ذَلِكَ: عبدُ الرحمانِ ابنُ مهديٍّ (٢)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (٣))) (٤).

стр. 575

معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد (١) قولهُ: (منْ تقبلُ روايتهُ ومنْ تردُّ) (٢). قولهُ: (أجمع) (٣) عبارةٌ مَهُولةٌ بلفظِ الإجماعِ، ومحطُّها على قولِ الجمهورِ، ومثلهُ لا يعدُّ إجماعاً اصطلاحاً وكان هذا فيه نظرٌ فتارة (٤) يمكنهُ أن يقول: قد قالَ: جمهور (٥). قولهُ: (في قبولِ ناقلِ الخبرِ) (٦) ليسَ كذلكَ، لم يشترطوا هذا في القبولِ بل في الصحةِ، وأما مطلقُ القبولِ المبيحِ للاحتجاجِ فيكفي في ناقلهِ مطلقُ اليقظةِ منْ غيرِ أنْ يشترطَ في يقظتهِ نفيُ الغفلةِ عنهُ، فلو كانَ فيهِ غفلةٌ يسيرةٌ لم يخرجهُ عن مطلقِ القبولِ، وكذا مَنْ يَهِمُ يسيراً، أو يُخالفُ (٧) الثقاتِ كذلكَ، كما تقدّمَ في بحثِ الصحيحِ والحسنِ.

стр. 576

ولعلَّ الحجةَ في قولِ الشافعيِّ: ((لا تقومُ الحجةُ)) (١) لمعهودٍ هوَ الحجةُ الموصوفةُ بالصحةِ، فلو قالَ (٢): ((في توثيقِ ناقلِ الخبرِ)) سَلِمَ من الاعتراضِ؛ فإنَّ الثقةَ مَن جَمعَ الوصفينِ: العدالةَ، وتمامَ الضبطِ. ومنْ نزلَ عن التمامِ إلى أوّلِ درجاتِ النقصانِ، قيلَ فيهِ: صدوقٌ، أو لا بأس بهِ ونحوُ ذلكَ، ولا يقالُ فيه (٣) ثقةٌ، إلاّ / ١٩٣ب / مع الإردافِ بما يزيلُ اللبسَ. قولهُ: (يقظاً) (٤)، أي: فطناً، وهو كما قالَ في " الشرح " (٥) -بضمِّ القافِ وكسرها-، وكذا فعلهُ. قالَ في " القاموسِ " (٦): ((يقظَ كَعَلِمَ وكَرُمَ)). وقالَ ابنُ القطاعِ في " الأفعالِ " (٧): ((يقظَ يقظاً ويقاظةً ويقظةً تنبه للأمورِ)). قولهُ: (ذا عقل) (٨) قالَ في " القاموسِ (٩) " (١٠): ((الحقُ أنَّه نورٌ روحانيٌّ، به تُدْرِكُ النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ، وابتداءُ وجودِهِ عندَ اجتنانِ الولدِ، ثمّ لا يزالُ ينمو إلى أنْ يكملَ عندَ البلوغِ)). انتهى. ومادةُ ((عقلَ)) بكلِ ترتيبٍ تدورُ على عقالِ البعيرِ، ويلزمهُ المنعُ والتعلّقُ

стр. 577

والانفكاكُ والرمي إذا نشطَ، فمنَ المنعِ خصوصُ ترتيب ((عقلَ)) وقد يلزمهُ النفاسةُ والكرمُ (١). ومنهُ العقيلةُ للمرأةِ المخدرةِ، والعقلُ للثوبِ الأحمرِ، ومنَ المنعِ القَواعِلُ للجبالِ الطوالِ، والقلعةُ للحصنِ المعروفِ، ومنَ التعلّقِ ترتيبُ علق كله، وكذا لقعه بعينهِ إذا أصابهُ بها، وكذا ألعقَ ويلزمُ هذا الفراغُ، ومنهُ: لعقَ إصبعَه إذا ماتَ، ومن الانفكاكِ القعالُ: وهو ما تناثرَ منْ نورِ العنبِ والفاغيةِ (٢) ونحوهِ، وترتيبُ قلعَ، ومنَ الرمي ترتيبُ لقعَ. وفي " شرحِ آدابِ البحثِ " المنسوبِ إلى الشيخِ سعدِ الدينِ التفتازاني - وقد أضفتُ إليه شيئاً من كلامهِ في غيرهِ - العقلُ عندَ الحكماءِ: ((جوهرٌ مجردٌ عن المادةِ (٣)، متعلقٌ بالبدنِ تعلّقَ التدبيرِ والتصرفِ))، وقالَ غيرُهم: ((نورٌ في الباطنِ تدركُ بهِ حقائقُ المعلوماتِ، كما يُدرَكُ /١٩٤أ/ بالنورِ الحسي المبصراتُ))، وعرّفه الشاشيُّ: ((بأنَّه قوةٌ يحصلُ بها العلمُ بالأشياءِ، أي: هي السببُ القريبُ لحصولِ العلمِ الأعمِّ من القطعيِّ وغيرهِ))، وقالَ غيرُهُ: ((هو نورٌ يضيءُ بهِ طريق يبتدأُ بهِ منْ حيثُ ينتهي إليهِ دركُ (٤) الحواسِ فيبتدي المطلوبُ للقلبِ، أي: نورٌ يحصلُ بإشراقِ العقلِ، الذي أخبر النبيُّ ﷺ فيما رواهُ الطبرانيُّ (٥)، وأبو الشيخِ عنْ أبي أمامةَ ﵁. وأبو نعيمٍ في " الحليةِ " (٦) عن عائشةَ ﵂ أنّهُ أولُ

стр. 578

المخلوقاتِ، فكما أنّ العينَ مدركةٌ بالقوةِ فإذا وجدَ النورُ الحسيُّ يخرجُ إدراكَها إلى الفعلِ، فكذا القلبُ، أي: النفسُ الإنسانيةُ مع هذا النورِ العقليِّ)). وقولهُ: ((يبتدأ بهِ)) فابتدَاءُ إدراك الحواسِ ارتسامُ المحسوسِ في الحاسةِ الظاهرةِ، ونهايةُ (١) ارتسامهِ في الحواسِ الباطنةِ (٢)، وهيَ خمسٌ. زعم الحكماءُ أنّ الدماغَ ثلاثُ طبقاتٍ: الأولى: قسمانِ: مقدمهما الذي في الناصيةِ الحسُ المشتركُ، والثاني: خزانةُ الخيالِ. الطبقةُ الثانيةُ: المفكرةُ. الثالثةُ: قسمانِ: أولهُما: الواهمةُ، ثانيهما: الحافظة، وهي (٣) القسمُ الأخيرُ المقابلُ للحسِ المشتركِ؛ فالحسُ المشتركُ: قوةٌ تُدرِكُ صورَ المحسوساتِ بأسرِها تتأدَى إليها منْ طرقِ الحواسِ الظاهرةِ، فتشتركُ فيها الحواسُّ الظاهرةُ والباطنةُ (٤)، والخيالُ: قوةٌ تحفظُ تلكَ الصورَ المؤداةَ /١٩٤ب/ إليها، من الحسِ المشتركِ بعد غيبتها عنهُ (٥)، والواهمةُ: قوةٌ تُدرِكُ المعانيَ الجزئيةَ الموجودةَ في الأمورِ المحسوسةِ، منْ غيرِ أنْ تتأدَى إليها منْ طرقِ الحواسِ، وبها تُدرِكُ الحيواناتُ مضارَها ومنافعَها، كعداوةِ الذئبِ ونحوِها. والحافظةُ: قوةٌ تحفظُ ما يُدرِكهُ الوهمُ (٦). والمتصرفةُ: هي التي تُحلِّلُ

стр. 579

وتُركبُ الصورَ المأخوذةَ عنِ الحسِ والمعاني المدركة بالوهمِ، وليسَ منْ شأنها أنْ يكونَ عملُها منتظماً، بل النفسُ تستعملُها على أيِّ نظامٍ تريدُ، فإنِ استعملَتْها بواسطةِ القوةِ العاقلةِ وحْدَها، أو معَ القوةِ الوهميةِ فهي المفكرةُ، وإنِ استعملَتها بواسطةِ القوةِ الوهميةِ فقط، فهي المتخيلةُ، ومنِ اختراعاتها أشياء لا حقائقَ لها كإنسانٍ له رأسانِ، وكأنيابِ الغولِ ونحوِ ذلكَ (١). هذا نهايةُ إدراكِ الحواسِ، فإذا تمَّ هذا تنتزعُ النفسُ الإنسانيةُ منَ المفكرةِ علوماً، مثلَ أنْ تنتزعَ الكلياتِ منْ تلكَ الجزيئاتِ المحسوسةِ، إذْ تدرِكُ الغائبَ منَ الشاهدِ فهاهنا بدايةُ تصرّفِها بواسطةِ إشراقِ العقلِ، ولهذا التصرّفِ مراتبُ: استعداده لهذا الانتزاعِ كما للأطفالِ، ويُسمَّى العقلُ الهيولانيُّ (٢)، ثمَ علمُ البديهياتِ على وجهٍ يوصِلُ إلى النظرياتِ - والبديهةُ: المعرفةُ الحاصلةُ للنفسِ لا بسببِ الفكرِ - / ١٩٥أ / ويُسمَّى العقلُ بالملكةِ، ثمَ علمُ النظرياتِ منها، ويُسمَّى العقلُ بالفعلِ، ثمَ استحضارها بحيثُ لا تغيبُ (٣) ويُسمَّى العقلُ المستفادُ (٤). قولهُ: (الحلمَ) (٥) هوَ - بضمِّ المهملة وإسكانِ اللامِ - قالَ في " القاموسِ " (٦): ((الجماعُ في النومِ، والاسمُ الحُلُمُ كعُنقٍ، والحِلمُ - بالكسرِ - الأناةُ والعقلُ)). قولُ الشافعيِّ: (خبرُ الخاصةِ) (٧)، أي: خبرُ الواحدِ، والأصلُ في خبرِ

стр. 580

الواحدِ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُرسل رسلَهُ إلى الآفاقِ وحداناً بأوامرهِ ونواهيهِ التي تُستباح بها الدماءُ والأموالُ وغيرُها، بكُتبٍ وبغيرِ كُتبٍ، ولم يشهدْ على شيءٍ من ذلكَ اثنينِ، وكانَ يأمرُ بقبولِ أخبارهم، في كتابِ قيصرَ: ((أسلِمْ تَسلمْ، فإنْ تولَّيتَ فإنَّ عليكَ إثمَ الأرِيسِيَّين (١) (٢). وقالَ لمعاذٍ ﵁ حين أرسلهُ إلى اليمنِ: ((فادعُهم إلى شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ فإنْ هُمْ أطاعوا لذلكَ ... )) (٣) إلى آخرهِ، وغير ذلكَ. وأيضاً فقد قَبِلَ (٤) ﷺ الواحدَ في هلالِ شهرِ رمضانَ، فصامَ وأمرَ الناسَ بالصيامِ بمجرّدِ خبرهِ، مع أنَّ المرجحَ عندَنا: أنَّ الإخبارَ برؤيةِ الهلالِ شهادةٌ لا روايةٌ، فَنظَرْنا فوَجدْناها فارقتِ الشهادةَ في المعنى ووافقتِ الروايةَ أيضاً؛ لأنَّهُم عرّفوا الشهادةَ بأنها: خبرٌ يختصُ بمعينٍ / ١٩٥ب /. والروايةَ بأنها: خبرٌ لا يختصُ بمعينٍ. فلما جامعتِ الروايةُ هذا المعنى، وكانَ تعلقُ الفرضِ بالكذبِ في ما هذا سبيلهُ بعيداً، جَمعَهما الشارعُ ﷺ (٥) في الاكتفاءِ في كلِّ منهما بالواحدِ، ثم ألحقنا بالروايةِ ما شاركَها في هذا المعنى -وهو بُعدُ القصدِ بالكذبِ- كالإخبارِ بأنَّ المرضَ يُبيحُ التيممَ، وكذا إخبارُ القائفِ (٦) بالنسبِ، ومثلُ ذلكَ واردٌ على منعِ تعريفِ الشهادةِ، وجمعِ تعريفِ الروايةِ الماضيينِ، فصحّحَ بأنَّ الشهادةَ: خبرٌ لتصحيحِ

стр. 581

دعوى عندَ حاكمٍ تقدّمَ العلمُ بهِ عليها- أي: بمضمونهِ على الدعوى-فخرجَ الإخبارُ في نحوِ مسألةِ التيممِ، بقولهِ: ((لتصحيحِ دعوى))، وخرجَ مثلَ مسألةِ القائفِ، بقولهِ: ((تقدمَ العلمُ بهِ عليها))، والروايةُ خبرٌ لا لذلك. قولهُ: (عاقلاً لما يحدث بهِ) (١)، أي: فاهماً يقالُ: عَقلَ الشيءَ، أي: فهمهُ. ((عالماً))، أي: ذا علمٍ، أي: صفةٍ وملكةٍ راسخةٍ بذلكَ. قولهُ (وافقَ حديثَهم) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((فإنْ وجدنا رواياتهِ موافقةً، ولو مِن حيثُ المعنى لرواياتِهم أو موافِقةً لها في الأغلبِ، والمخالفةُ نادرةٌ عَرفنا حينئذٍ كونَهُ ضابطاً ثَبْتاً، وإنْ وجدناهُ كثيرَ المخالفةِ لهم عَرفنا اختلالَ ضبطهِ، ولم يحتجَّ (٣) بحديثهِ)) (٤). قولهُ: (مثبتٌ من حَدّثهُ) (٥) الظاهر أنَّه من ثَبتَ تثبيتاً من قولِ المحدّثينَ / ١٩٦أ /: ((حدثني فلانٌ بكذا وثبتني فيهِ فلانٌ)) إذا كانَ قد سمعَ منْ أحدٍ شيئاً فلم يتقنهُ كما يجبُ؛ فأعادَهُ له بعضُ مَنْ سمعَهُ فجعلَهُ متقِناً لهُ ثابتاً فيهِ بعدَ أنْ كانَ مزلزلاً. وقولهُ: (ومثبتٌ على من حدّث عنهُ) (٦) هو من أثبتَ، أي: مثبتٌ عليهِ ذلكَ القولَ الذي حدّثَ بهِ عنهُ بمعنى أنَّه جعلَهُ منسوباً إليهِ لازماً لهُ ماكثاً عليهِ لا يتعدّاهُ، وكلٌّ منهما لا بدَّ فيهِ مما وصفهُ به (٧) الشافعيُّ، وإلا لم يثبتْ بخبرهِ شيءٌ لا لمنْ

стр. 582

حدّثهُ، ولا على مَن حدّثَ عنهُ. وكِلا الفعلينِ منْ ثَبتَ القولُ إذا صحَّ، وهوَ يرجعُ إلى المكثِ على حالةٍ لا تزول (١). قولهُ: (مما يخرمُ المروءةَ) (٢) قال الشيخُ في " النكتِ ": ((وقد اعترضَ عليهِ - أي: ابنُ الصلاحِ - (٣) بأنَّ المروءةَ لم يشترطْها إلاّ الشافعيُّ وأصحابهُ (٤)، وليسَ على ما ذَكَرَهُ المعترضُ، بل الذينَ لمْ يشترطوا على الإسلامِ مزيداً، لم يشترطوا ثبوتَ العدالةِ ظاهراً، بل اكتفوا بعدمِ ثبوتِ ما ينافي العدالةَ. فمَن ظَهرَ منه ما ينافي العدالةَ لم يقبلوا شهادتَهُ ولا روايتَهُ. وأمَّا مَنِ اشترطَ العدالةَ - وهُم أكثرُ العلماءِ - فاشترطوا في العدالةِ المروءةَ، ولم يختلفْ قولُ مالكٍ وأصحابهِ في اشتراطِ المروءةِ في العدالةِ مطلقاً)) (٥). قولهُ: (بخلاف الشهادة) (٦)، أي: فإنَّ الحريةَ شرطٌ فيها عندَ أكثر أهل العلم. قولهُ: (لمْ يشترطِ البلوغَ) (٧)، أي: في الروايةِ. وأمّا الشهادةُ فإنَّها غيرُ مقبولةٍ من الصبيِّ المميزِ عندَ أصحابِ الشافعيِّ والجمهورِ / ١٩٦ب /، كما قالَهُ الشيخُ في " النكتِ " (٨). قولهُ: (إلا أنّه قيد الوجهينِ في التيمُّمِ) (٩)، أي: في مسألةِ الاعتمادِ في كونِ

стр. 583

المرضِ مرخصاً على واحدٍ، وعبارتهُ: ((وفي وجهٍ يُقبلُ في ذلكَ خبرُ الصبيِّ المراهقِ (١) والفاسقِ أيضاً، ولا فرقَ بينَ الحرِّ والعبدِ والذكرِ والأنثى؛ لأنَّ طريقَهُ الخبرُ، وأخبارُهم مَقبولةٌ، ولا يشترطُ العددُ)) (٢). فَجعلَهُ من بابِ الخبرِ لا الاجتهادِ، والذي يظهرُ أنهُ اجتهادٌ. ولم يبينْ في " الروضةِ " كونهُ خبراً أو اجتهاداً، وعبارتهُ: ((فرعٌ: يجوزُ أنْ يعتمدَ في كونِ المرضِ مرخصاً معرفةَ (٣) نفسهِ إنْ كانَ عارفاً، ويجوزُ اعتمادُ طبيبٍ حاذقٍ، بشرطِ الإسلامِ، والبلوغِ، والعدالةِ، ويعتمدُ العبدُ والمرأةُ. ولنا وجهٌ شاذٌ: أنَّه يعتمدُ الصبيُّ المراهقُ، والفاسقُ)) (٤). قولهُ: (وقيَّدهُ في استقبالِ القبلةِ) (٥) ذكرَ ذلك في البابِ المذكورِ في مكانينِ: أحدهما: في أنَّ العاجزَ عن معرفةِ القبلةِ يقيناً يجوزُ لهُ الأخذُ بقولِ من يخبرُهُ عنها عن عِلمٍ، وعبارتهُ: ((ولكنَّ قبولَ الخبرِ منْ أهل الروايةِ، وليس منَ التقليدِ في شيءٍ)) ثمَّ قالَ: ((وفي الصبيِّ بعد التمييزِ وجهانِ كما في روايةِ أخبار الرسولِ ﷺ ، والأكثرون على أنَّه لا يُقبلُ)) (٦) والثاني: في تَفقّدِ ألفاظِ " الوجيزِ " في مسألةِ تقليدِ الأعمى لمكلفٍ قالَ: ((فليعلمَ لفظ المكلفِ بالواو؛ لأنَّ في كلامِ الأصحابِ وجهاً أنَّهُ يجوزُ تقليدُ / ١٩٧أ / الصبيِّ، وهو كالخلافِ المذكورِ في الرجوعِ إلى أخبارهِ)) (٧). انتهى. ولا يلزمُ من التشبيهِ (٨) أنْ يتساوَى الوجهانِ في الموضعينِ في القوةِ.

стр. 584

وعبارةُ " الروضةِ " في الموضعِ الأولِ: ((فإنْ وَجدَ مَن يخبرُهُ بالقبلةِ عن عِلمٍ اعتمدَ قولَهُ، ولم يجتهدْ، بشرطِ عدالةِ المخبرِ، يستوي (١) الرَّجلُ والمرأةُ والعبدُ. ولا يُقبلُ كافرٌ قطعاً ولا فاسقٌ، ولا صبيٌّ مميزٌ على الصحيحِ فيهما)) (٢). وفي الثاني: ((وجهٌ شاذٌ، لهُ تقليدُ صبيٍّ مميزٍ، والتقليدُ قبولُ قولِ (٣) المستندِ إلى الاجتهادِ)) (٤). قولهُ: (كالإفتاءِ) (٥) في جَعْلِ الإفتاءِ مِنْ قَبيلِ الإخبارِ المجرَّدِ كالروايةِ نظرٌ، بل هو وإنْ كانَ إخباراً فلهُ شبهٌ بالاجتهادِ من أجلِ احتياجهِ إلى عِلمٍ وفهمٍ تُنزَل بهِ الصورةُ المستفتَى عنها على العموماتِ التي ذَكَرها العلماءُ. قولهُ: (والذي يوجبهُ القياسُ) (٦) زادَ في " النكتِ " (٧) وهو قولُ أبي حنيفةَ، وكأنَّهُ يشيرُ -واللهُ أعلمُ- إلى حديثِ سؤالِ بريرةَ (٨) فيقولُ -واللهُ أعلمُ -: لو لمْ يكنْ كلامُ بريرةَ مقبولاً في حقِ الصدِّيقةِ ﵂ في كلٍّ من الجانبينِ لما سَألها ﷺ فعُلِمَ منْ سؤالِها قبولُ الجرحِ والتعديلِ منَ المرأةِ، ومَن حُكِمَ بعدالتهِ قُبلَت شهادتُهُ كما قُبِلَتْ روايتُهُ؛ لأنَّ العدالةَ لا تتجزأُ، فإنْ كانَ هذا الذي أشارَ إليه ففيهِ نظرٌ.

стр. 585

أمّا أولاً: فلا يلزمُ من سؤالِها الاعتمادُ على قولهِا، بلْ يكونُ المرادُ التنبيهَ على وجهٍ ليتتبعَ، وكذا وقعَ، فإنَّها لما أخبرَتْ بما تعرفُ من العدالةِ تأيَّد بها للاستصحابِ، فخطبَ النَّبيُّ ﷺ وأسندَ براءَتها (١) إلى علمه وما سَترَهُ / ١٩٧ب / منْ أحوالِها، لا (٢) إلى خبرِ بريرةَ ﵂ فقالَ: ما علمتُ على أهلِي إلاّ خيراً ... ، إلى آخرِ خطبتهِ ﷺ . وأمّا ثانياً: فلا مانعَ من أنَّ العدلَ يكونُ مقبولاً في شيءٍ دونَ شيءٍ، كما تُقبلُ المرأةُ في الأموالِ وما لايطَّلعُ عليهِ الرجالُ غالباً، وتُردُّ في العقوباتِ وما يطَّلعُ عليهِ الرجالُ غالباً كالطّلاقِ والنِّكاحِ، وسيأتي التقييدُ في كلامهِ نفسهِ بما تُقبلُ شهادتُها فيهِ. قولهُ: (وهو مخالفٌ لما نقلهُ) (٣) ليس فيهِ مخالفةٌ؛ لأنَّ النقلَ عنِ الأكثرينَ مطلقاً لا يخالفُ النقلَ عنهم بقيدِ كونهم فقهاءَ. قولهُ: (بخلافِ الشهاداتِ) (٤)، أي: لضيقِ الأمر فيها لكونَّهِا في حقوقِ العبادِ غالباً؛ ولأنَّها محلُّ الأغراضِ. وأمّا الخبرُ فيبعدُ فيهِ الغرضُ؛ لعمومهِ، ويندرُ تعلّقُ الغرضِ مِنْ متشرّعٍ بإلزامِ جميعِ الناسِ حكماً؛ فلذا قُبِلَ فيها الواحدُ نقلاً، وكذا تزكيتُهُ، فإنْ كانَ جرحُهُ وتعديلُهُ مستنداً إلى نقلٍ، فهوَ مِنْ بابِ الخبرِ، والخبرُ يكفي فيهِ الواحدُ؛ وإنْ كانَ مستنداً إلى اجتهادهِ، فهو منْ بابِ الحكمِ، والحاكمُ لا يشترطُ تعددهُ.

стр. 586

قولهُ: (وصححَ استغناءُ ذي الشهرةِ عن) (١) في نسخةٍ بخطِ شيخنا (وصححوا استغناءَ) وعَن شيخِنا البرهانِ الحلبيِّ أنَّ المصنفَ جَعَلها جمعاً بعدَ قراءتهِ الألفيةَ عليهِ / ١٩٨أ /. قولهُ في شرحهِ في قولِ ابن عبدِ البرِّ: (حَتى يتبينَ جرحهُ) (٢) عجيبٌ مع استدلالهِ بالحديثِ، فإنَّ الحديثَ لا يدلُّ على ذلكَ إلا إذا كانَ خبراً، وإذا كانَ خبراً ثَبَتَ مضمونُهُ فلم يقدحْ فيمن عدلهُ تجريحُ أحدٍ كائناً مَنْ كانَ. قولهُ: (مُعَان بن رفاعةَ السَّلامي) (٣) بالتخفيفِ (٤) الدمشقي، ويقالُ: الحمصيُّ، هو منْ رجالِ ابن ماجهْ، قالَ أحمدُ: ((لا بأسَ بهِ)) (٥)، وكذا مَشَّاهُ غيرُهُ (٦). قالَ أبو حاتمٍ: ((حمصيٌّ يُكتبُ حديثهُ ولا يُحتجُّ بهِ)) (٧)، وقال ابنُ معينٍ: ((ضعيفٌ)) (٨) وقالَ الجوزجانيُّ: ((ليس بحجةٍ)) (٩)، وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: ((لينُ

стр. 587

الحديثِ)) (١)، وقالَ ابنُ حبانَ: ((منكرُ الحديثِ، يروي مراسيلَ كثيرةً، ويحدثُ عنْ أقوامٍ مجاهيلَ، لا يُشبهُ حديثهُ حديثَ الأثباتِ؛ فلما صارَ الغالبُ في حديثهِ ما ينكرُهُ الثبتُ استحقَّ تركَ الاحتجاجِ بهِ)) (٢)، وقالَ ابنُ عديٍّ: ((عامةُ ما يرويهِ لا يُتابعُ عليهِ)) (٣). وعنِ الذهبيِّ: ((أنَّهُ ماتَ مع الأوزاعيِّ (٤)، والأوزاعيُّ (٥) ماتَ سنةَ سبعٍ وخمسينَ ومئةٍ)) (٦). قولهُ: (تحريفَ الغالينَ) (٧) التحريفُ: التغييرُ (٨)، والغالي من غَلا في الأمرِ غلواً، أي: جاوزَ حدَّهُ (٩). وانتحالَ من قولهم: انتحلَهُ، أي: ادّعاهُ لنفسهِ وهوَ لغيرهِ. والمبطلُ مِنْ أبطلَ إذا أتى بغيرِ الحقِ. و ((تأويلِ)) منْ آلَ إليه أولاً ومآلاً رَجَعَ. وأولهُ إليه رجعهُ وأولَ الكلامَ تأويلاً، وتأولهُ: تدبّرهُ وقدّرهُ وفسّرهُ؛ فالمعنى - واللهُ أعلم -: يبعدونَ عنهُ تغييرَ مَنْ يفسِّرُهُ بما يتجاوزُ فيهِ /١٩٨ب/ الحدَّ فيخرج بهِ عن قوانينِ الشرعِ، وادّعاء منْ يدّعي فيهِ شيئاً يكونُ باطلاً لا يطابقُهُ (١٠) الواقعُ.

стр. 588

وكأنَّهُ يشيرُ بالجملةِ الأولى إلى مَنْ يفسرُ حديثَ النَّبيِّ ﷺ بغيرِ تفسيرهِ تعمُّداً وتلبيساً، وبالثانيةِ إلى منْ يكذبُ على النَّبيِّ ﷺ فإنَّهُ بادعائهِ تحديثَ مَن لم يحدثهُ والسَماعَ ممن لم يسمعْ منهُ منتحلٌ ذلكَ باطلاً. وبالثالثةِ إلى مَنْ يفسِّرهُ، وهو غيرُ عالمٍ. قولهُ: (مرسلٌ أو معضلٌ ضعيفٌ) (١) أمَّا احتمالُ كونهِ مرسلاً؛ فلكونِ إبراهيمَ تابعياً، وذكرهُ ابنُ حِبانَ في "الثقاتِ" (٢) وقالَ: ((يروي المراسيلَ)) وساقَ حديثَهُ هذا منْ طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ، عنْ بقية، عنْ معانٍ، عنهُ. وأمّا احتمالُ كونهِ معضلاً فلكونهِ قالَ في بعضِ الرواياتِ: حدثنا الثقةُ منْ أصحابِنا، ومرةً قالَ: من مشايخنا، فَغَلبَ على الظنِّ أنَّ من حَدَّثهُ غيرُ صحابيٍّ؛ لكونهِ لم يعبرْ بما يدلُّ على أنَّ مَنْ حدَّثهُ صحابيٌّ بدلَ ما يدلُّ على أنَّهُ صاحبٌ لهُ أو شيخٌ. وأمّا كونُهُ ضعيفاً فلأنَّ الذهبيَّ وصفَ إبراهيمَ بأنَّهُ مُقلٌّ واهي لا يُدرَى مَن هو (٣). قولهُ: (ابن القطَّانِ) (٤)، أي: في كتابِ " بيانِ الوهمِ والإيهام " (٥). قولهُ: (والسَّعدي) (٦) في " النكتِ " (٧) التعبير عنهُ بالجوزجانيِّ.

стр. 589

قولهُ: (وكلُّها ضعيفةٌ) (١) تتمةُ كلامهِ في " النكتِ ": ((لا يثبتُ منها شيءٌ، وليسَ فيها شيءٌ يُقوّي المرسلَ المذكورَ)). (٢) انتهى (٣). وقد بقي عليهِ أسامة بن زيدٍ ﵄ فقد قرأتُ بخطِّ بعضِ الفضلاءِ من أصحابنا: ((أوردَ الحافظُ صلاحُ /١٩٩أ/ الدينِ العلائيُّ هذا الحديثَ عنْ أسامةَ بنِ زيدٍ (٤) مرفوعاً: وقالَ فيهِ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وصحّحهُ ابن حِبانَ)) (٥). قولهُ: (منْ وجهينِ) (٦) قد أبديتُ ثالثاً: وهوَ أنَّه لو كانَ خبراً لم يُسمعِ الجرحُ أصلاً فيبقى قولهُ: ((حَتى يتبينَ جرحهُ)) مناقضاً لاستدلالهِ. قولهُ: (ابن أبي حاتمٍ) (٧)، أي: الإمامُ أبو محمدٍ في مقدمةِ كتابِ " الجَرْحِ والتعديلِ " (٨) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((ومما يُستغربُ (٩) في ضبطِ هذا الحديثِ أنَّ ابنَ الصلاحِ حَكَى في " فوائدِ الرحلةِ " لهُ أنَّهُ وجدَ بنيسابورَ في كتابٍ يشتملُ على مناقبِ ابنِ كَرَّامٍ جمعُ محمد بن الهيصمِ، قالَ فيهِ: سمعتُ الشيخَ أبا جعفرَ أحمدَ بنَ جعفر (١٠) يقولُ: سمعتُ أبا عمرو محمدَ بنَ أحمدَ التميميَّ، يروي هذا الحديث

стр. 590

بإسنادهِ فيضمُّ الياءَ منْ قولهِ ((يُحملُ)) على أنَّه فعلٌ لما لمْ يُسمَّ فاعلُهُ، ويرفعُ الميمَ من ((العلمِ))، ويقولُ: ((منْ كلِ خلفٍ عَدولَه))، - مفتوحُ العينِ واللامِ وبالتاءِ - ومعناه أنَّ الخلفَ، هو العدولةُ بمعنى: أنَّهُ عادلٌ، كما يقالُ: شكورٌ: بمعنى: شاكرٍ، وتكونُ الهاءُ للمبالغةِ، كما يقال: رجلٌ صررورةٌ (١). والمعنى أنَّ العلمَ يحملُ عنْ كلِ خلفٍ كاملٍ في عدالتهِ. وأمَّا أبو بكرٍ المفيدُ فإني قد حفظتُ عنهُ: ((يَحمل)) مفتوح الياء ((منْ كل خلفٍ عُدولُهُ)) مضموم العين، واللام مرفوعاً. هكذا نقلتهُ منْ خطِّ ابنِ الصلاحِ في "رحلتهِ")) (٢). انتهى /١٩٩ب/. قولهُ: (ومنْ يوافقْ غالباً) (٣). قولهُ - أي: في الشرح -: (٤) (فنادر) (٥)، أي: فَوِفاقهُ نادرٌ. قولهُ: (وصححوا قبولَ تعديل) (٦). قولهُ: (أن يتعدَّ) (٧)، أي: خشيةَ أنْ تثقلَ الأسبابُ عليهِ، أي: ذكرها (٨).

стр. 591

قولهُ: (إلا مفسراً) (١)، أي: كلٍّ منهما. وكأنَّهُ حذفَهُ؛ لوضوحهِ، ثم رأيتُها في نسخةٍ قرئتْ على المصنِّفِ أصلحتْ مُفسَّرَينِ. قولهُ: (أهوَ قادحٌ أم لا) (٢) تتمةُ كلامِ ابنِ الصلاحِ: ((وهذا ظاهرٌ مقررٌ في الفقهِ وأصولهِ)) (٣) وسيأتي في آخرِ شرحِ هذه الأبياتِ: ((وذَكرَ (٤) الخطيبُ (٥) الحافظُ: أنَّه مذهبُ الأئمةِ منْ حُفّاظِ الحديثِ (٦) مثل البخاريِّ ومسلمٍ، وغيرِهما، ولذا (٧) احتجَّ البخاريُّ بجماعةٍ سَبَقَ من غيرهِ الجرحُ لهم)) (٨) إلى آخرِ ما سيأتي في شرحِ الأبياتِ التي بعدها، ثمّ قالَ: ((وذلكَ دالٌّ على أنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الجرحَ لا يثبُتُ إلا إذا فُسِّرَ سببُهُ. ومذاهبُ النُّقّادِ للرجالِ غامضةٌ مختلِفةٌ)) (٩). قولهُ: (فما يلزم من ركضهِ) (١٠) ربما يلزمُ منهُ خَرْمُ مروءتهِ، وذلكَ إذا كانَ في موضعٍ أو حالٍ لا يليقُ بذلكَ، وعليهِ تُحملُ رؤيةُ شعبةَ تحسيناً للظنِّ بهِ، لما ثَبتَ منْ جلالتهِ واتساعِ معرفتهِ، حتى قالَ الإمامُ أحمدُ: ((إنَّهُ أمةٌ وحدهُ في هذا الشأنِ)) يعني: في الرجالِ وبصرِهِ بالحديثِ وتثبتهِ وتنقيتهِ للرجالِ، ولا يُحصَى مَنْ أثنى عليهِ،

стр. 592

فحالهُ أشهرُ منْ أنْ يُذكرَ (١). / ٢٠٠أ / قولهُ: (أن لا يعلم هو) (٢)، أي: لأجلِ عدمِ علمهِ، أي: لأجلِ أنَّهُ يحتملُ عدمُ علمهِ بذلك، أو يكونُ التقديرُ: خشيةَ أنْ لا يعلمَ. والورعُ ما فعلَ شعبةُ؛ لأنَّ الطُّنْبورَ لا يُضربُ في بيتِ أحدٍ إلا بعلمِهِ، أو بأنْ يعرفَ أهلُهُ منه السماحَ فيما يقاربُ ذلكَ مما يخرمُ المروءةَ إنْ لم يكنْ مفسِّقاً، وهوَ جعلُ ذلكَ علةً لعدمِ سماعهِ منهُ لا لإثباتِ جرحهِ. والمنهالُ في الدرجةِ السُّفلى منَ الثقةِ؛ فلذلكَ لم يستبعدْ شُعبةُ علمَهُ بهِ. ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا أنَّهُ وثّقهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ واحتجَّ بهِ البخاريُّ في صحيحهِ (٣). قولهُ: (كان كثيرَ الكلامِ) (٤) يحملُ ذلك على أنَّهُ فيما لا يعنيهِ مما يخرمُ المروءةَ، فإنَّ الحكمَ في العبادةِ والفضلِ وسعةِ العلمِ ممن لا يظنُّ بهِ إلا ذلكَ، فقد أثنى عليهِ الأكابرُ بأنَّهُ ما بينَ لابتيها أفقهُ منهُ (٥)، وبأنَّهُ كانَ في مسجدِ الخيفِ (٦)، وعلماءُ الناس عيالٌ عليهِ، وبأنَّهُ ما كانَ بالكوفةِ بعدَ إبراهيمَ والشعبيِّ مثلُهُ، ومثلُ حَمّادٍ.

стр. 593

وأمّا زاذانُ فهو في الدرجةِ السُّفلى من الثقةِ وفيهِ شيعيةٌ، وقد قالَ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ ": ((كانَ يخطئُ كثيراً)) (١) انتهى. وقد قيلَ: مَنْ كَثُرَ كلامُهُ كَثُرَ سقطُهُ، أي (٢): ولو كانَ متحرّزاً فكيفَ إذا كانَ كثيرَ الخطأ. قولهُ: (يبول قائماً) (٣) يُحملُ على أنَّهُ في مكانٍ يخرمُ المروءةَ البولُ فيهِ، ككونهِ في الطريقِ / ٢٠٠ب / وبحيثُ يراهُ الناسُ؛ فإنَّ جريرَ بنَ عبدِ الحميدِ من سعةِ العلمِ والجلالةِ والثقةِ بحيثُ لا يُظنُّ بهِ إلاّ ذلكَ. وأمّا سِماك فإنَّهُ في الدرجة الدُّنيا من الثقةِ، وقد تغيّرَ بأخرةٍ. وبقيةُ كلامِ جريرٍ يرشدُ إلى خوفِ الاختلاطِ، فإنَّهُ قالَ: أتيتُهُ فرأيتُهُ يبولُ قائماً فرجعتُ، ولم أسألْهُ عن شيءٍ قلتُ: قد خرفَ. قولهُ: (لو رأيتَ لحيتَه .. ) (٤) إلى آخرهِ، يُحمَلُ على أنَّ مرادَهُ أنَّكَ لمجرّدِ ذلكَ تقضي عليهِ بالعدالةِ توسّماً، فكيفَ إذا تأملتَ دينَهُ ومروءتَهُ وضبطَهُ، وهذا منْ وادي قولِ عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ ﵁ في النَّبيِّ ﷺ فلما تأملتُهُ عرفتُ أنَّ وجههُ ليس بوجهِ كَذّابٍ. ومثلُ هذا كثيرٌ في كلامِ الناسِ؛ فإنَّ أحمدَ بنَ يونسَ قد أمر الإمام أحمدَ بالرحلةِ إليهِ، ووصفهُ بأنَّهُ شيخُ الإسلامِ. وأمّا عبدُ اللهِ - مكبراً - ابنُ عُمرَ بنِ حفصٍ العُمريُّ فإنَّهُ وإنْ كان الصحيحُ فيهِ أنَّهُ ضعيفٌ، ولكن أثنى عليهِ غيرُ واحدٍ، فقالَ ابنُ معينٍ - فيما نقلهُ عنهُ عثمانُ الدارميُّ -: ((إنَّهُ صالحٌ ثقةٌ))، وقالَ الحافظُ أبو يَعلَى الخليليُّ: ((ثقةٌ، غير أنَّ

стр. 594

الحفاظَ لم يرضوا حفظهُ)) (١). وأوردَ لهُ يعقوبُ بنُ شيبةَ الفحلُ في " مسندهِ " حديثاً (٢)، فقالَ: ((هذا حديثٌ حسنُ الإسنادِ مدنيٌّ)). وقالَ في موضعٍ آخرَ: ((هو رجلٌ صالحٌ مذكورٌ بالعلمِ والصلاحِ، وفي حديثهِ بعضُ الضعفِ والاضطرابِ (٣)، ويزيدُ في الأسانيدِ (٤) كثيراً)). وقالَ ابنُ حِبانَ / ٢٠١أ /: ((كانَ ممن غَلبَ عليهِ الصلاحُ حَتىّ غفلَ عن الضبطِ فاستحقَّ التركَ)) (٥). قولهُ: (كما رواهُ الخطيبُ عنهُ في " الكفايةِ ") (٦) قالَ في " النكتِ ": ((بإسنادهِ الصحيحِ)) (٧). قولهُ: (فإنْ يُقلْ قَلَّ بيانُ منْ جرح) (٨) هو على حذفِ مضافٍ، أي: بيانُ جرحِ مَنْ جَرحَ، وهوَ غيرُ مُفهِمٍ للمرادِ إلاَّ بأنْ يضافَ إليه، نحو أنْ يقالَ: واشتراطُ البيانِ مسقطٌ لكلامِهم المبهمِ، وذلك موجبٌ لردِّ الجرحِ في الأغلبِ، وهو خلافُ ما عليهِ عملُهم، كذا اشتراطُ بيانِ القادحِ مسقطٌ لقولِهم إذا قالوا المتنُ: لم يصحَّ، وأبهموا وهو مخالفٌ لعملِهم، فعملُهم في رَدِّ ذلكَ مخالفٌ لقولِهم: لا يُقبلُ الجرحُ مبهماً.

стр. 595

قولهُ: (وأبهموا) (١) حالٌ منْ فاعلِ ((قالوا))، أي: وأبهموا الجهةَ التي منْ أجلِها وصفوهُ بعدمِ الصحةِ فلم يفسّروها. قولهُ: (أنْ يجب الوقف) (٢) هو على حذفِ الجارِّ والتأويلِ بالمصدرِ، أي: بوجوب الوقفِ، أي: بأنَّهُ يجبُ أنْ يقف للاحتجاجِ بذلكَ الراوي إذا وجدَ منْ يريدُ الاحتجاجَ بهِ فيهِ ريبةٌ، كما صَرّحوا بذلك، والجرحُ المبهمُ يوجبُ ريبةً، فعدمُ الاحتجاج للتوقفِ لا لقبولِ الجرحِ المبهمِ. قولهُ: (حَتى يُبين) (٣) هو منْ أبانَ، و ((بحثهُ)) فاعلهُ و ((قبولهُ)) مفعولهُ، أي: حَتىّ يتبينَ بالبحثِ أنَّ راويَ ذلك الخبرِ مقبولٌ، وأنَّ ذلك الجرحَ غيرُ مؤثرٍ فيهِ. قولهُ: (كمن أولوا) (٤) مثالٌ للراوي الذي أبانَ البحثُ قبولهُ. قولهُ: (عكرمة) (٥) / ٢٠١ب / هو مبتدأٌ خبرُهُ ((في البخاريِّ)) و ((واحتجاجاً)) تمييزٌ. أي: فعكرمةُ مُخرجٌ لهُ في البخاريِّ من جهةِ الاحتجاجِ، لا منْ جهةِ المتابعةِ ونحوِها. قولهُ: (وغير ترجمة) (٦) يجوزُ أنْ يكونَ مجروراً عطفاً على ((ابن مرزوقٍ))، وأنْ يكونَ مرفوعاً عطفاً على ((عكرمةَ)). والترجمةُ: الاسمُ منْ إطلاقِ السببِ على المسبَّبِ؛ فإنَّ الاسمَ سببٌ لبيانِ حالِ المسمَّى، وتفسيرُ ما أبهمَ منْ أمرهِ منْ نسبٍ، وغيرهِ من جميعِ أوصافهِ، أخذاً

стр. 596

من الترجمانِ: وهو المفسِّرُ للسانِ. ووزنهُ في " القاموسِ " (١) بثلاثةِ أوزانٍ: عُنفُوان وزَعْفَران ورَيْهُقان قالَ: وقد ترجمهُ، وعنهُ والفعلُ يدلُّ على أصالةِ التاءِ. قولهُ: (إذ (٢) بجرْحٍ) (٣)، أي: احتجَّ بنحو سويدٍ؛ لأنَّهُ ما اكتفى في إسقاطهِ بجرحٍ قيلَ فيهِ. قولهُ: (واختاره) (٤) الضمير فيهِ يعودُ على المصدرِ المفهومِ منْ ((قالَ))، أي: اختارَ هذا القولَ، وهو الحكمُ بما أطلقَهُ العالمُ. قولهُ: (أنْ يحكمْ بما) (٥) بإسكانِ الميمِ، وإخفائِها بغنةٍ عندَ الباءِ، وكذا ((العالمُ بأسبابها)) على حدِّ الإقلابِ، وهو قَلبُ النُّونِ الساكنةِ، ميماً خالصةً ساكنةً، ثمَ إخفاؤها بغنَّةٍ نحو ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ (٦)، و ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (٧) وقد سكَّنَ أبو عمرٍو (٨) كلَّ ميمٍ تحرّكَ ما قبلها ولقيها أولَ الكلمةِ الأخرى باءٌ ثم أخفاها (٩) بغنةٍ نحو:

стр. 597

﴿بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (١) وذلك لما بينَ الميمِ والباءِ منَ المجانسةِ في المخرجِ، والمقاربةِ في المخرجِ والصفةِ. قولهُ: (وهما) (٢)، أي: هذان البيتان ردٌّ على السؤالِ، ليسَ هذا الردُّ بجيدٍ / ٢٠٢أ / أمَّا أولاً: فإنَّهُ يمكن حَملُ كلامِ إمامِ الحرمينِ وَمن معهُ على ما قالَ ابنُ الصلاحِ منَ التوقفِ منْ غيرِ حكمٍ بالجرحِ. وأمَّا ثانياً: فإنَّهُ يلزمُ منه لو حَملناهُ على الحكمِ بالجرحِ أحدُ أمرينِ: إمّا تبقيةُ الأمرِ على إشكالهِ، وإمّا تصحيحُ القولِ الرابعِ في شرحِ الأبياتِ قبلهُ، وتضعيفُ القولِ الأولِ الذي عليهِ الجمهورُ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ المعنى: الحقُ أنْ يحكمَ بما أطلقهُ، أي: ذَكَرَهُ العالم بالأسبابِ مع بيانِ السببِ، فهوَ الأمرُ الأولُ، وإنْ كانَ المعنى أنَّه يحكمُ بما ذَكرَهُ مطلقاً غيرَ مبينٍ السببَ فهوَ الأمرُ الثاني، وليس ذلكَ بجيدٍ. والحقُ في الجوابِ عنْ هذا الإشكالِ التفصيلُ في حالِ المجروحِ، فإنْ كانَ قد وثّقهُ أحدٌ من أئمةِ هذا الشأنِ لم يُقبلْ فيهِ الجرحُ منْ أحدٍ كائناً مَنْ كانَ إلا مفسَّراً؛ لأنَّهُ قد ثَبتتْ لهُ رتبةُ الثقةِ فلا يُزحزحُ عنها إلا بأمرٍ جليٍّ؛ فإنَّ أئمةَ هذا الشأنِ لا يُطلقونَ الثقةَ إلا على مَنْ اعتبروا حالَهُ في دينهِ، ثم اعتبروا حديثَهُ وعرضوهُ على حديثِ الحفّاظِ وتفقدوهُ على ما ينبغي، وهُم أيقظُ الناسِ فلا يُنقَضُ حكمُ أحدِهم إلا بأمرٍ صريحٍ تكونُ فيهِ قوةُ النقضِ، ومهما كانَ الجرحُ مبهماً كانَ محتملاً لوجوهٍ من الاحتمالاتِ يَضعفُ بها عنْ أنْ يكونَ ناقضاً لما أثبتَهُ الموثِّقُ. انظر إلى ما جُرِحَ بهِ سويدُ بنُ سعيدٍ لمّا بُحثَ عنهُ، كيفَ انكشفَ عمّا لا يقدحُ فيهِ أصلاً، ويقدحُ في بعضِ حديثهِ دونَ بعضٍ.

стр. 598

وانظر إلى ما ذُكِرَ في / ٢٠٢ب / شرحِ الأبياتِ التي قبلَ هذهِ منَ التفسير بركضِ البرذونِ (١) وغيرهِ، ولهذه العلة أخرجَ صاحبا " الصحيحِ " وغيرُهما حديثَ مَنْ طعنَ فيهِ بعضُ (٢) الأئمة طعناً غيرَ مُفسَّرٍ؛ فعكرمةُ مولى ابنِ عباسٍ، قد وثّقهُ ابنُ عباسٍ ﵄ في النقلِ عنهُ، فقالَ: ((ما حدّثكم عني عكرمةُ فصدِّقوهُ؛ فإنَّهُ لن يكذبَ عليَّ))، وقال لهُ: ((انطلقْ فَأَفتِ الناسَ)). وقال جابرُ بنُ زيدٍ: هذا عكرمةُ مولى ابنِ عباسٍ، هذا أعلمُ الناسِ، وقيلَ لسعيدِ بنِ جبيرٍ: ((تعلمُ أحداً أعلمُ منكَ؟ قالَ: نَعَم، عكرمةُ)). وقالَ يحيى بنُ أيوبَ: ((سألني ابنُ جُريجٍ: هل كَتبتُمْ عن عكرمةَ؟ قلتُ: لا قالَ: فاتكُم ثُلثا العلمِ))، وقالَ ابنُ معينٍ: ((إذا رأيتَ إنساناً (٣) يقعُ في عكرمة فاتّهمْهُ على الإسلامِ))، وقالَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ: ((سألتُ إسحاقَ عن الاحتجاجِ بحديثهِ فقالَ: عكرمةُ عندَنا إمامُ الدنيا، وتعجّبَ مِنْ سؤالي إياهُ))، وقالَ ابنُ منده: ((أمّا حالُ عكرمةَ في نفسهِ فقد عدّلَهُ أمةٌ منَ التابعينَ، منهم: زيادة على سبعينَ رجلاً منْ خيارِ التابعينَ، ورفعائِهم، وهذه منْزلةٌ لا تكادُ توجدُ لكبيرِ أحدٍ منَ التابعينَ، على أنَّ من جَرحَهُ منَ الأئمةِ لم يُمسكْ عن الروايةِ عنهُ))، وقالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: ((عكرمةُ من جلةِ العلماءِ، ولا يقدحُ فيهِ كلامُ مَنْ تكلّمَ فيهِ، لأنَّهُ لا حجةَ معَ أحدٍ تكلّمَ فيهِ)) ذَكرَ ذلك شيخُنا في مقدمةِ / ٢٠٣أ / "شرحِ البخاري" (٤) وأشبعَ في ذلك، وذَكرَ قولَ مَن

стр. 599

جَرحَهُ وبيّنَ أنَّهُ لايُقدَحُ فيهِ بعد ما ثبتَ لهُ منَ الرُّتبِ السنيةِ. وإسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ: عبد اللهِ بن عبدِ اللهِ وهو ابنُ أختِ الإمامِ مالكٍ، اختلفَ فيهِ قولُ ابنِ معينٍ فقالَ مرةً: ((لا بأسَ بهِ))، وقالَ مرةً: ((ضعيفٌ))، ومرةً: ((كانَ يسرقُ الحديثَ))، وقالَ أبو حاتمٍ: ((محلُّهُ الصدقُ وكانَ مغفلاً))، وقالَ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ: ((لا بأسَ بهِ))، وقالَ الدارقطنيُّ: ((لا أختارُهُ في الصحيحِ))، وضعَّفهُ النسائيُّ، واختارَ شيخُنا أنَّهُ لا يُحتجُّ بشيءٍ منْ حديثهِ غيرَ ما في الصحيحِ منْ أجلِ قدحِ النَّسائيِّ وغيرهِ (١) إلاّ إنْ شاركهُ فيه غيرُهُ، والذي في "الصحيحِ" صحيحٌ؛ لأنَّ البخاريَّ كَتبَ عنهُ من أصولهِ فلم يكتبْ إلا ما عَلِمَ صحتَهُ. وعاصمُ بنُ عليِّ بنِ عاصمِ بنِ صُهيبٍ الواسطيُّ، قالَ أحمدُ: ((ما كان أصحَّ حديثه عن شعبةَ!))، وقالَ أيضاً: ((ما أقلَّ خطأه!))، وقالَ العجليُّ: ((شَهدتُ مجلسَ عاصمِ بن عليٍّ فحرر (٢) مَنْ شَهدهُ، وكانوا مئةَ ألفٍ وستينَ ألفاً، وكان ثقةً، وثّقهُ ابنُ سعدٍ وقالَ المروزيُّ (٣): قلتُ لأحمدَ: إنَّ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: كلُّ عاصمٍ في الدنيا ضعيفٌ، فقالَ: ما أعلمُ في عاصمِ بنِ عليٍّ إلاّ خيراً، كانَ حديثُهُ صحيحاً))، وضَعّفهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ. وأوردَ له ابنُ عديٍّ أحاديثَ قليلةً عن شعبةَ، وقالَ: ((لا أعلمُ لهُ شيئاً منكراً إلاَّ هذه الأحاديثَ)) (٤) انتهى. فيمكنُ حَملُ تضعيفِ مَنْ ضَعّفهُ على / ٢٠٣ب / هذه الأحاديثِ خاصةً لكونهِ أخطأَ فيها، وهو معنى قولِ أحمدَ: ((ما أقلَّ خطأهُ!)).

стр. 600

وعمرُو بنُ مرزوقٍ الباهليُّ أثنى عليهِ سليمانُ بنُ حربٍ، وأحمدُ بنُ حَنْبلٍ، قالَ ابنُ معينٍ: ((ثقةٌ مأمونٌ))، ووثّقهُ ابنُ سعدٍ، وقالَ ابنُ المدينيِّ: ((اتركوا حديثَهُ))، وعن يحيى بنِ سعيدٍ: أنَّهُ كانَ لا يرضاهُ. وقالَ الساجيُّ كانَ أبو الوليدِ يتكلّمُ فيهِ، وقالَ الدارقطنيُّ: كثيرُ الوهمِ. قالَ شيخُنا: ((لم يُخرجْ عنهُ البخاريُّ في الصحيحِ سوى حديثينِ مقروناً بغيرهِ في كلٍّ منهما)) (١). وأمّا تكذيبُ ابنِ معينٍ لسويدِ بنِ سعيدٍ فيحتمل أنْ يكونَ أرادَ بهِ مجرّدَ تخطئتهِ، أي: نقله ما لا يُطابقُ الواقعَ غير متعمدٍ، فإنَّهُم قد يطلقونَ الكذبَ على ذلكَ، وهو منْ إطلاقِ الاسمِ على جزءِ معناهُ بدلالةِ التضمن. قولهُ: (وقد تقدمَ نقلهُ) (٢)، أي: في ذكرِ القولِ الثالثِ. وقولهُ: ٢٧٩ - وَقَدَّمُوا الجَرْحَ، وَقِيْلَ: إنْ ظَهَرْ ... مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ فَهْوَ المُعْتَبَرْ لو قالَ: وقدَّمْوا الجَرْحَ، وقيل: إنْ تجِدْ ... مَنْ عَدّلَ الأكثرَ قولهُ اعتمِد لكانَ أحسنَ. قولهُ (٣): (ففيهِ ثلاثة أقوال) (٤) لا بدَّ من التقييدِ بأنْ يكونَ الجرحُ مفسّراً. وأمّا إنْ كانَ مُبهماً، فإنَّهُ لا يُعارضُ التعديلَ.
следующие страницы →