← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

من الترجمانِ: وهو المفسِّرُ للسانِ. ووزنهُ في " القاموسِ " (١) بثلاثةِ أوزانٍ: عُنفُوان وزَعْفَران ورَيْهُقان قالَ: وقد ترجمهُ، وعنهُ والفعلُ يدلُّ على أصالةِ التاءِ. قولهُ: (إذ (٢) بجرْحٍ) (٣)، أي: احتجَّ بنحو سويدٍ؛ لأنَّهُ ما اكتفى في إسقاطهِ بجرحٍ قيلَ فيهِ. قولهُ: (واختاره) (٤) الضمير فيهِ يعودُ على المصدرِ المفهومِ منْ ((قالَ))، أي: اختارَ هذا القولَ، وهو الحكمُ بما أطلقَهُ العالمُ. قولهُ: (أنْ يحكمْ بما) (٥) بإسكانِ الميمِ، وإخفائِها بغنةٍ عندَ الباءِ، وكذا ((العالمُ بأسبابها)) على حدِّ الإقلابِ، وهو قَلبُ النُّونِ الساكنةِ، ميماً خالصةً ساكنةً، ثمَ إخفاؤها بغنَّةٍ نحو ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ (٦)، و ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (٧) وقد سكَّنَ أبو عمرٍو (٨) كلَّ ميمٍ تحرّكَ ما قبلها ولقيها أولَ الكلمةِ الأخرى باءٌ ثم أخفاها (٩) بغنةٍ نحو:

стр. 597

﴿بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (١) وذلك لما بينَ الميمِ والباءِ منَ المجانسةِ في المخرجِ، والمقاربةِ في المخرجِ والصفةِ. قولهُ: (وهما) (٢)، أي: هذان البيتان ردٌّ على السؤالِ، ليسَ هذا الردُّ بجيدٍ / ٢٠٢أ / أمَّا أولاً: فإنَّهُ يمكن حَملُ كلامِ إمامِ الحرمينِ وَمن معهُ على ما قالَ ابنُ الصلاحِ منَ التوقفِ منْ غيرِ حكمٍ بالجرحِ. وأمَّا ثانياً: فإنَّهُ يلزمُ منه لو حَملناهُ على الحكمِ بالجرحِ أحدُ أمرينِ: إمّا تبقيةُ الأمرِ على إشكالهِ، وإمّا تصحيحُ القولِ الرابعِ في شرحِ الأبياتِ قبلهُ، وتضعيفُ القولِ الأولِ الذي عليهِ الجمهورُ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ المعنى: الحقُ أنْ يحكمَ بما أطلقهُ، أي: ذَكَرَهُ العالم بالأسبابِ مع بيانِ السببِ، فهوَ الأمرُ الأولُ، وإنْ كانَ المعنى أنَّه يحكمُ بما ذَكرَهُ مطلقاً غيرَ مبينٍ السببَ فهوَ الأمرُ الثاني، وليس ذلكَ بجيدٍ. والحقُ في الجوابِ عنْ هذا الإشكالِ التفصيلُ في حالِ المجروحِ، فإنْ كانَ قد وثّقهُ أحدٌ من أئمةِ هذا الشأنِ لم يُقبلْ فيهِ الجرحُ منْ أحدٍ كائناً مَنْ كانَ إلا مفسَّراً؛ لأنَّهُ قد ثَبتتْ لهُ رتبةُ الثقةِ فلا يُزحزحُ عنها إلا بأمرٍ جليٍّ؛ فإنَّ أئمةَ هذا الشأنِ لا يُطلقونَ الثقةَ إلا على مَنْ اعتبروا حالَهُ في دينهِ، ثم اعتبروا حديثَهُ وعرضوهُ على حديثِ الحفّاظِ وتفقدوهُ على ما ينبغي، وهُم أيقظُ الناسِ فلا يُنقَضُ حكمُ أحدِهم إلا بأمرٍ صريحٍ تكونُ فيهِ قوةُ النقضِ، ومهما كانَ الجرحُ مبهماً كانَ محتملاً لوجوهٍ من الاحتمالاتِ يَضعفُ بها عنْ أنْ يكونَ ناقضاً لما أثبتَهُ الموثِّقُ. انظر إلى ما جُرِحَ بهِ سويدُ بنُ سعيدٍ لمّا بُحثَ عنهُ، كيفَ انكشفَ عمّا لا يقدحُ فيهِ أصلاً، ويقدحُ في بعضِ حديثهِ دونَ بعضٍ.

стр. 598

وانظر إلى ما ذُكِرَ في / ٢٠٢ب / شرحِ الأبياتِ التي قبلَ هذهِ منَ التفسير بركضِ البرذونِ (١) وغيرهِ، ولهذه العلة أخرجَ صاحبا " الصحيحِ " وغيرُهما حديثَ مَنْ طعنَ فيهِ بعضُ (٢) الأئمة طعناً غيرَ مُفسَّرٍ؛ فعكرمةُ مولى ابنِ عباسٍ، قد وثّقهُ ابنُ عباسٍ ﵄ في النقلِ عنهُ، فقالَ: ((ما حدّثكم عني عكرمةُ فصدِّقوهُ؛ فإنَّهُ لن يكذبَ عليَّ))، وقال لهُ: ((انطلقْ فَأَفتِ الناسَ)). وقال جابرُ بنُ زيدٍ: هذا عكرمةُ مولى ابنِ عباسٍ، هذا أعلمُ الناسِ، وقيلَ لسعيدِ بنِ جبيرٍ: ((تعلمُ أحداً أعلمُ منكَ؟ قالَ: نَعَم، عكرمةُ)). وقالَ يحيى بنُ أيوبَ: ((سألني ابنُ جُريجٍ: هل كَتبتُمْ عن عكرمةَ؟ قلتُ: لا قالَ: فاتكُم ثُلثا العلمِ))، وقالَ ابنُ معينٍ: ((إذا رأيتَ إنساناً (٣) يقعُ في عكرمة فاتّهمْهُ على الإسلامِ))، وقالَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ: ((سألتُ إسحاقَ عن الاحتجاجِ بحديثهِ فقالَ: عكرمةُ عندَنا إمامُ الدنيا، وتعجّبَ مِنْ سؤالي إياهُ))، وقالَ ابنُ منده: ((أمّا حالُ عكرمةَ في نفسهِ فقد عدّلَهُ أمةٌ منَ التابعينَ، منهم: زيادة على سبعينَ رجلاً منْ خيارِ التابعينَ، ورفعائِهم، وهذه منْزلةٌ لا تكادُ توجدُ لكبيرِ أحدٍ منَ التابعينَ، على أنَّ من جَرحَهُ منَ الأئمةِ لم يُمسكْ عن الروايةِ عنهُ))، وقالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: ((عكرمةُ من جلةِ العلماءِ، ولا يقدحُ فيهِ كلامُ مَنْ تكلّمَ فيهِ، لأنَّهُ لا حجةَ معَ أحدٍ تكلّمَ فيهِ)) ذَكرَ ذلك شيخُنا في مقدمةِ / ٢٠٣أ / "شرحِ البخاري" (٤) وأشبعَ في ذلك، وذَكرَ قولَ مَن

стр. 599

جَرحَهُ وبيّنَ أنَّهُ لايُقدَحُ فيهِ بعد ما ثبتَ لهُ منَ الرُّتبِ السنيةِ. وإسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ: عبد اللهِ بن عبدِ اللهِ وهو ابنُ أختِ الإمامِ مالكٍ، اختلفَ فيهِ قولُ ابنِ معينٍ فقالَ مرةً: ((لا بأسَ بهِ))، وقالَ مرةً: ((ضعيفٌ))، ومرةً: ((كانَ يسرقُ الحديثَ))، وقالَ أبو حاتمٍ: ((محلُّهُ الصدقُ وكانَ مغفلاً))، وقالَ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ: ((لا بأسَ بهِ))، وقالَ الدارقطنيُّ: ((لا أختارُهُ في الصحيحِ))، وضعَّفهُ النسائيُّ، واختارَ شيخُنا أنَّهُ لا يُحتجُّ بشيءٍ منْ حديثهِ غيرَ ما في الصحيحِ منْ أجلِ قدحِ النَّسائيِّ وغيرهِ (١) إلاّ إنْ شاركهُ فيه غيرُهُ، والذي في "الصحيحِ" صحيحٌ؛ لأنَّ البخاريَّ كَتبَ عنهُ من أصولهِ فلم يكتبْ إلا ما عَلِمَ صحتَهُ. وعاصمُ بنُ عليِّ بنِ عاصمِ بنِ صُهيبٍ الواسطيُّ، قالَ أحمدُ: ((ما كان أصحَّ حديثه عن شعبةَ!))، وقالَ أيضاً: ((ما أقلَّ خطأه!))، وقالَ العجليُّ: ((شَهدتُ مجلسَ عاصمِ بن عليٍّ فحرر (٢) مَنْ شَهدهُ، وكانوا مئةَ ألفٍ وستينَ ألفاً، وكان ثقةً، وثّقهُ ابنُ سعدٍ وقالَ المروزيُّ (٣): قلتُ لأحمدَ: إنَّ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: كلُّ عاصمٍ في الدنيا ضعيفٌ، فقالَ: ما أعلمُ في عاصمِ بنِ عليٍّ إلاّ خيراً، كانَ حديثُهُ صحيحاً))، وضَعّفهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ. وأوردَ له ابنُ عديٍّ أحاديثَ قليلةً عن شعبةَ، وقالَ: ((لا أعلمُ لهُ شيئاً منكراً إلاَّ هذه الأحاديثَ)) (٤) انتهى. فيمكنُ حَملُ تضعيفِ مَنْ ضَعّفهُ على / ٢٠٣ب / هذه الأحاديثِ خاصةً لكونهِ أخطأَ فيها، وهو معنى قولِ أحمدَ: ((ما أقلَّ خطأهُ!)).

стр. 600

وعمرُو بنُ مرزوقٍ الباهليُّ أثنى عليهِ سليمانُ بنُ حربٍ، وأحمدُ بنُ حَنْبلٍ، قالَ ابنُ معينٍ: ((ثقةٌ مأمونٌ))، ووثّقهُ ابنُ سعدٍ، وقالَ ابنُ المدينيِّ: ((اتركوا حديثَهُ))، وعن يحيى بنِ سعيدٍ: أنَّهُ كانَ لا يرضاهُ. وقالَ الساجيُّ كانَ أبو الوليدِ يتكلّمُ فيهِ، وقالَ الدارقطنيُّ: كثيرُ الوهمِ. قالَ شيخُنا: ((لم يُخرجْ عنهُ البخاريُّ في الصحيحِ سوى حديثينِ مقروناً بغيرهِ في كلٍّ منهما)) (١). وأمّا تكذيبُ ابنِ معينٍ لسويدِ بنِ سعيدٍ فيحتمل أنْ يكونَ أرادَ بهِ مجرّدَ تخطئتهِ، أي: نقله ما لا يُطابقُ الواقعَ غير متعمدٍ، فإنَّهُم قد يطلقونَ الكذبَ على ذلكَ، وهو منْ إطلاقِ الاسمِ على جزءِ معناهُ بدلالةِ التضمن. قولهُ: (وقد تقدمَ نقلهُ) (٢)، أي: في ذكرِ القولِ الثالثِ. وقولهُ: ٢٧٩ - وَقَدَّمُوا الجَرْحَ، وَقِيْلَ: إنْ ظَهَرْ ... مَنْ عَدَّلَ الأكْثَرَ فَهْوَ المُعْتَبَرْ لو قالَ: وقدَّمْوا الجَرْحَ، وقيل: إنْ تجِدْ ... مَنْ عَدّلَ الأكثرَ قولهُ اعتمِد لكانَ أحسنَ. قولهُ (٣): (ففيهِ ثلاثة أقوال) (٤) لا بدَّ من التقييدِ بأنْ يكونَ الجرحُ مفسّراً. وأمّا إنْ كانَ مُبهماً، فإنَّهُ لا يُعارضُ التعديلَ.

стр. 601

قولهُ: (مصدقٌ للمعدلِ) (١) ليسَ كذلكَ؛ فإنَّ مجرد الجرحِ لا يتضمنُ ذلكَ بل أكثر ما فيهِ أن يتضمنَ السكوتَ عن التعديلِ. قولهُ: ٢٨٠ - وَمُبْهَمُ التَّعْدِيْلِ لَيْسَ يَكْتَفِيْ ... بِهِ (الخَطِيْبُ) والفَقِيْهُ (الصَّيْرَفِيْ) ٢٨١ - وَقِيْلَ: يَكْفِي، نَحْوُ أنْ يُقالا: ... حَدَّثَنِي الثِّقَةُ، بَلْ لَوْ قَالاَ: ٢٨٢ - جَمِيْعُ أشْيَاخِي ثِقَاتٌ لَوْ لَمْ ... أُسَمِّ، لاَ يُقْبَلُ مَنْ قَدْ أَبْهَمْ ٢٨٣ - وَبَعْضُ مَنْ حَقَّقَ لَمْ يَرُدَّهُ ... مِنْ عَالِمٍ في حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ قولهُ: (بل / ٢٠٤أ /لو قالا) (٢) يُفهِمُ أنَّ الثاني أعلى منَ الأولِ كما هو مفَادُ ((بَلْ)) التي تُفتتَحُ بها الجملُ، قال الرضيُّ: ((وأما التي تليها الجملُ ففائدتها الانتقالُ منْ جملةٍ إلى أخرى أهمُّ منَ الأولى)). (٣) انتهى. والأهميةُ هنا هي كونُ التعديلِ في الجملةِ الثانيةِ أرفعَ منه في الأولى، وليسَ الأمرُ كذلكَ هنا بل الأولُ أعلى (٤) فإنَّهُ لا (٥) يطرقهُ احتمالُ أن لا يكونَ المرادُ توثيقهُ، وأمّا إذا قالَ: جميعُ مَشايخي ثقاتٌ، ثم رَوَى عن شيخٍ ساكتاً عنْ توثيقِهِ بخصوصهِ، فإنَّهُ يطرقُهُ احتمالُ أن لا يكونَ أراد توثيقهُ؛ لكونهِ قالَ ذلك على سبيلِ الأغلبِ، أو لكونهِ ذاهلاً عما التزمَهُ مِنْ ذلكَ، أو طَرأَ لَهُ مَا غيّرَ الالتزامَ لأجلِهِ، ونحو ذلكَ. فلو قالَ الشيخُ: بدلَ قولهِ: (بل لو) أو أن، فقالَ: حدثني الثقةُ أو إن قالا، كانَ أحسنَ.

стр. 602

قولهُ: (لم يردهُ) (١) قافيتُهُ (٢) متداركٌ (٣)، وقافيةُ ((قلدهُ)) متراكبٌ (٤)، فلو قالَ: وبعضُ منْ حقق قال حَتم ... قبوله في حقِّ منْ يأتم (٥) أو قالَ: واجبٌ في حقِّ منْ يصاحبُ. قولهُ: (من يحتجُ بالمرسلِ) (٦)، أي: لأن الظنَّ يقعُ بأنَّ المرسلَ لو لم يكن ذلكَ الذي حذفهُ حجةً عندَهُ لما حَذفَهُ، فكأنّهُ بحذفهِ وثَّقهُ، وهذا أولى؛ لأنَّهُ صرّحَ بتوثيقهِ بخلافِ المرسلِ. ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنَا أنّهُ وقعَ في عبارةِ ابنِ كثيرٍ أنّ: ((المبهمَ الذي لم يسمَّ، أو منْ سمي ولا تعرفُ عينُهُ لا يَقبلُ روايتَهُ أحدٌ عَلمناهُ، ولكنّهُ / ٢٠٤ب / إذا كانَ في عصرِ التابعينَ، والقرونِ المشهودِ لها بالخيرِ فإنَّهُ يُستأنَسُ (٧) بروايتهِ ويُستضَاءُ بها في مواطنَ، وقد وَقعَ في "مسندِ الإمامِ أحمدَ " وغيرِه منْ هذا القبيلِ كثيرٌ)) (٨) انتهى.

стр. 603

قولهُ: (ريبةٌ توقعُ تردداً) (١)، أي: من جهةِ أنهُ يكونُ معتقداً؛ لأنَّهُ ثقةٌ، ويعرفُ أنهُ مجروحٌ عندَ غيرهِ فهو يُخفيهِ خوفاً منْ عدمِ قبولهِ إذا سمّاهُ، فيؤدي ذلك إلى ضياعِ ما حَمَلهُ عنهُ منَ الحديثِ، وهو يَعتقدُ أنّهُ مُصيبٌ في ثقتِهِ، وأنّ غيرَهُ مُخطىءٌ في جرحهِ. قولهُ: في الشرح (بل) تُفهمُ الانتقالَ كما سَلَفَ بالإضرابِ منْ أدنى إلى أعلى وهو مُسلّمٌ في الأولِ دونَ الثاني، وهو قولُهُ: ((بل زادَ الخطيبُ)) إلى آخرهِ، فإنَّهُ لا يشكُّ أن توثيقَ جميعِ المشايخِ على الإجمالِ يطرقُهُ منَ الاحتمالِ (٢) مالا يطرقُ التوثيقَ للواحدِ المعينِ. قولهُ: (بخلافِ العدالةِ) (٣) مُتعلّقٌ بـ ((نعرفه))، أي: بجوازِ أنْ نعرفَهُ بخلافِ العدالةِ إذا ذَكرهُ باسمهِ. قولهُ: (ابن أبي المخارقِ) (٤) هو عبدُ الكريمِ بنُ أبي المخارقِ: قيسٌ (٥)، ويقالُ: طارقٌ أبو أُميةَ المعلمُ البصريُّ (٦)، قالَ معمرٌ: ((ما رأيتُ أيوبَ اغتابَ أحداً قطُّ إلاّ عبدَ الكريمِ أبا أميةَ فإنَّهُ ذَكرهُ، فقالَ: (﵀، كانَ (٧) غيرَ ثقةٍ، لقد سألني عن حديثٍ لعكرمةَ، ثم قالَ: سمعتُ عكرمةَ)) (٨)، وقالَ عمرو بنُ عليٍّ: ((سألتُ عبدَ / ٢٠٥أ / الرحمانِ عنْ حديثٍ منْ حديثهِ، فقالَ: دَعهُ، فلما قامَ ظننتُ أنّهُ

стр. 604

يحدّثني بهِ، فسألتُهُ، فقالَ: فأينَ التقوى؟)) (١)، وقالَ ابنُ عديٍّ (٢): ((الضعفُ على رواياتهِ بيّنٌ))، وقالَ ابنُ حبانَ (٣): ((كانَ كثيرَ الوهمِ، فاحشَ الخطأ، فلما كَثُرَ ذلكَ منهُ (٤) بطلَ الاحتجاجُ بهِ))، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٥): ((غَرَّ مالكاً سمتُهُ، ولم يكنْ منْ أهل بلدهِ، ولم يخرجْ عنهُ حكماً، إنّما ذكرَ عنهُ ترغيباً)) ونقلَ بعضهم أنَّ الشيخينِ أخرجا لهُ في كتابِ الحجِ (٦)، وهو وهمٌ، إنما هو عبدُ الكريمِ الجزريُّ، وقال المزيُّ: ((إنَّ مسلماً رَوَى لَهُ في المتابعاتِ (٧))) وُردَّ ذلكَ عليهِ، وقالَ الحافظُ المنذريُّ: ((لم يخرجْ له مسلمٌ شيئاً أصلاً لا متابعةً ولا غيرها وإنّما أخرجَ لعبدِ الكريمِ الجزريِّ)) (٨) ماتَ سنةَ سبعٍ أو ستٍ وعشرينَ ومئةٍ (٩). قولهُ: (أحدهما .. ) (١٠) إلى آخرهِ هذا القولُ هو الذي تقدّمَ آنفاً أنّ ابنَ الصباغِ حَكاهُ عن أبي حنيفةَ. قولهُ: (مخرمةَ بن بكير) (١١) هو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، أبو المسورِ المدنيُّ، وهو صدوقٌ، وروايتُهُ عنْ أبيهِ وجادةً (١٢) من كتابهِ، وقالَ ابنُ المدينيِّ: ((سمعَ من

стр. 605

أبيهِ قليلاً)) (١) ماتَ سنةَ تسعٍ وخمسينَ ومئةٍ (٢). قولهُ: (فقيلَ: الثقةُ عبدُ اللهِ بن وهب) (٣) هو (٤) بخطِّ بعضِ أصحابِنا وقعَ عندَ مالكٍ: عنِ الثقةِ عندهُ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، في الزكاةِ (٥)، قالَ شمسُ البِرماوي (٦): ((وقالَ ابنُ وهبٍ: كلُّ ما في كتابِ مالكٍ: أخبرني منْ لا أتهمُ منْ أهل العلمِ فهو ليثُ بنُ سعدٍ)) (٧). قولهُ: (فهو ابنُ أبي فديكٍ) (٨) هو محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ مسلمِ بنِ أبي فُديكٍ - بالفاءِ مصغراً -، الديليُّ مولاهمُ المدنيُّ، أبو إسماعيلَ، صدوقٌ، ماتَ سنةَ مئتينِ، رَوَى لَهُ الجماعةُ (٩). قولهُ: (فهو يحيى بن حسان) (١٠) يعني: التّنيسيَّ بكسرِ المثناةِ والنونِ الثقيلةِ، وسكونِ التحتانيةِ ثمَ مهملةٍ: أبو زكريا البكريُّ، أصلُهُ منَ البصرةِ، وهوَ ثقةٌ، رَوَى لَهُ

стр. 606

الشيخانِ ماتَ سنةَ ثمانٍ ومئتين (١). قولهُ: (فهو أبو أسامة) (٢) حمّادُ بنُ أسامةَ بنِ زيدٍ القرشيُّ مولاهم، الكوفيُّ، مشهورٌ بكنيتهِ، ثقةٌ ثَبتٌ رَوَى لهُ الجماعةُ، وربما دلّسَ، وكانَ بأخرةٍ يحدّثُ مِنْ كُتبِ غيرهِ، ماتَ سنةَ إحدى ومئتينِ (٣). قولهُ: (فهو عمرو بن أبي سلمةَ) (٤) يعني: التنيسيَّ، بفوقانيةٍ ثمّ نونٍ ثمّ تحتانيةٍ ثمّ مهملةٍ، أبو حفصٍ الدمشقيُّ، مولى بني هاشمٍ، أخرجَ لَهُ الجماعةُ، وهو صدوقٌ لَهُ أوهامٌ، ماتَ سنةَ ثلاثٍ وعشرينَ ومئتينِ أو بعدَها (٥). قولهُ: (فهو مسلمُ بن خالدٍ) (٦) هو المخزوميُّ مولاهم، المكيُّ، المعروفُ بالزنجيِّ، رَوَى لَهُ أبو داودَ، وابنُ ماجه، وهو فقيهٌ صدوقٌ / ٢٠٦أ / كثيرُ الأوهامِ، ماتَ سنةَ تسعٍ وسبعينَ ومئةٍ أو بعدها (٧). قولهُ: (فهو إبراهيم بن أبي يحيى) (٨) هو إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي يحيى: سمعانَ الأسلميُّ مولاهم، أبو إسحاقَ المدنيُّ، متروكٌ، لم يروِ عنهُ منَ الستةِ إلاّ ابنُ ماجه، وماتَ سنةَ أربعٍ وثمانينَ ومئةٍ، وقيلَ: سنةَ إحدى وتسعينَ (٩)، وقالَ بشرُ بنُ

стр. 607

المفضلِ: ((سألتُ فقهاءَ أهل المدينةِ عنهُ فكلّهم يقولُ: كذابٌ)) (١)، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ عنْ أبيهِ: ((كانَ قدرياً معتزلياً جهمياً، كلُّ بلاءٍ فيهِ)) (٢)، وقالَ الربيعُ: ((سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: كانَ إبراهيمُ بنُ أبي يحيى قدرياً، قيلَ للربيعِ: فما حَملَ الشافعيَّ على أنْ رَوَى عنهُ قالَ: كانَ يقولُ: لأن يخرَّ إبراهيمُ منْ بُعدٍ أحبُّ إليهِ من أنْ يكذبَ وكانَ ثقةً في الحديثِ)) (٣)، وقالَ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ (٤): ((سألتُ أحمدَ بنَ محمدِ بنِ سعيدٍ - يعني: ابنَ عقدةَ - (٥) فقلتُ لهُ: تعلمُ أحداً أحسنَ القولِ في إبراهيمَ غيرُ الشافعيِّ؟ فقالَ: حدثنا أحمدُ بنُ يحيى الأزديُّ (٦)، سمعتُ حمدانَ بنَ الأصبهانيِّ، قلتُ: أتدينُ بحديثِ إبراهيمَ بنِ أبي يحيى؟ قالَ: نَعَمْ، ثمّ قالَ لي أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ: نظرتُ في حديثِ إبراهيمَ كثيراً، وليسَ بمنكرِ الحديثِ))، قالَ ابنُ عديٍّ: ((وهذا الذي قالهُ كما قالَ، وقد نظرتُ أنا أيضاً في حديثهِ الكثيرَ فلم أجد فيهِ منكراً / ٢٠٦ب / إلاّ عنْ شيوخٍ يحتملونَ، وإنما يُروى المنكرُ منْ قِبَلِ الراوي عنهُ أو منْ قِبَلِ شيخهِ وهو في جملةِ من يكتبُ حديثهُ ولهُ الموطأ أضعافُ " موطأ مالكٍ ")) (٧)، وقالَ عليُّ بنُ المدينيِّ: ((كذابٌ، وكانَ يقولُ بالقدرِ)) (٨)، وقالَ ابنُ حبانَ (٩): ((كانَ يرى القدرَ

стр. 608

ويذهبُ إلى كلامِ جهمٍ، ويكذبُ في الحديثِ)) إلى أنْ قالَ: ((وأما الشافعيُّ فإنَّهُ كانَ يجالسُ إبراهيم في حداثتهِ ويحفظُ عنهُ، فلما دخلَ مصر في آخرِ عمرهِ وأخذ يصنفُ الكتبَ احتاجَ إلى الأخبارِ ولم تكن كتبهُ معهُ، فأكثرُ (١) ما أُودِعَ في الكتبِ فمن حفظهِ، وربما كنّى عن اسمهِ))، وقالَ العقيليُّ (٢): ((قالَ إبراهيمُ بنُ سعدٍ: كُنا نُسمّي إبراهيمَ بنَ أبي يحيى ونحنُ نطلبُ الحديثَ خرافةً))، وقالَ عبدُ الغني بنُ سعيدٍ المصريُّ: ((هو إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي عطاء الذي حدّثَ عنهُ ابنُ جريجٍ، وهو عبدُ الوهابِ الذي يحدّثُ عنهُ مروانُ بن معاوية، وهو أبو الذئبِ الذي يحدثُ عنهُ ابن جريجِ)) (٣) (٤)، وقال العجليُّ: ((كانَ قدرياً معتزلياً رافضياً، وكانَ منْ أحفظِ الناسِ، وكانَ قد سمعَ علماً كثيراً)) (٥)، وقالَ البزارُ: ((كانَ يضعُ الحديثَ، وكانَ توضعُ لهُ مسائلُ فيضعُ لها إسناداً، وكانَ قدرياً (٦)، وهو منْ أستاذِيّ الشافعيّ وعزَّ علينا))، وقالَ الشافعيُّ في كتابِ " اختلافِ الحديثِ ": ابنُ أبي يحيى أحفظُ منِ الدراورديِّ (٧)، وقال إسحاقُ بنُ راهويه: ((ما رأيت أحداً يحتجُّ بابنِ أبي يحيى مثلَ الشافعيِّ، قلتُ للشافعيِّ: وفي الدنيا أحدٌ يحتجُّ بإبراهيمَ / ٢٠٧أ / بنِ أبي يحيى!)) (٨)، ورأيتُ بخطِّ بعضِ الآخذينَ عن شيخِنا منْ أصحابِنا: أنَّ في " مسندِ الشافعيِّ " إذا قالَ أخبرني الثقةُ فهو يحيى بنُ حسانَ (٩)، وإذا قالَ: أخبرني منْ لا

стр. 609

أتهمُ، فهو إبراهيمُ بنُ أبي يحيى، وقالَ: قالَ شيخنا: يوجدُ في كلامِ الشافعيِّ، أخبرني الثقةُ، عنْ يحيى بنِ كثيرٍ، والشافعيّ لم يأخذْ عنْ أحدٍ ممنْ أدركَ يحيى بنَ كثيرٍ فيحتملُ أنَّهُ أرادَ بسندهِ إلى يحيى، قالَ: وذكرَ عبد اللهِ بن أحمد (١): أنَّ الشافعيّ إذا قالَ: أخبرنا الثقةُ، وذكرَ أحداً منَ العراقيينَ فهو يعني: أباه (٢). انتهى. قالَ: ثمّ رأيتُ في " منتخبِ تاريخِ ابنِ عساكرَ " للذهبيِّ بخطِّهِ: قالَ عبدُ اللهِ: كلُّ شيءٍ في كتابِ الشافعيِّ: أخبرنا الثقةُ، فهو عن أبي، رواها ابنُ أبي حاتمٍ عنْ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ كتابةً. انتهى ما وجدتُ بخطِّ صاحبِنا. قولهُ: (ولم يروا فتياهُ) (٣). قولهُ: (ولم يَرَوا فتيا العالمِ على وفقِ حديثٍ، حكماً منهُ بصحةِ ذلكَ الحديثِ) (٤) قالَ ابنُ كثيرٍ في " مختصرِ ابنِ الصلاحِ ": ((فيهِ نظرٌ إذا لم يكنْ في البابِ غيرُ ذلكَ الحديثِ إذا (٥) تعرّضَ للاحتجاجِ بهِ في فتياه أو حكمهِ و (٦) استشهدَ بهِ عندَ العملِ بمقتضاهُ)). (٧) انتهى. وهو ظاهرٌ في أنَّ ذلكَ حكمٌ منه بكونهِ محتجاً بهِ أعمَ منْ أنْ يكونَ صحيحاً أو حسناً، ولا يقدحُ في ذلكَ احتمالُ أنْ يكونَ لذلكَ دليلٌ آخر منْ قياسٍ أو إجماعٍ تركَ ذكره وذكرَ هذا على سبيلِ الاستئناسِ بهِ؛ لأنَّ ذلكَ احتمالٌ ضعيفٌ، فإنَّ المسألةَ مفروضةٌ فيما إذا صرّحَ باحتجاجهِ بالحديثِ، لكنْ لا بدَّ أنْ يكونَ ذلكَ العالمُ

стр. 610

/ ٢٠٧ب /ممنْ لا يَرى العملَ بالحديثِ الضعيفِ مقدّماً على القياسِ، كما تقدّمَ حكايةُ ذلكَ (١) عنْ أبي داود تبعاً للإمامِ أحمدَ، قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((وحملَ بعضهم هذا على أنَّهُ أريدَ بالضعيفِ هنا - أي: في قولِ أحمدَ وأبي داودَ أنّهُ مقدّمٌ على رأي الرجالِ - الحديثُ الحسنُ)) (٢) أي: فإنَّهُ دونَ الصحيحِ فهوَ ضعيفٌ بالنسبةِ إليه ضعفاً لغوياً قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وليست مخالفتهُ - أي: مخالفةُ العالمِ - للحديثِ ليستْ قدحاً في صحتهِ، ولا في راويهِ)) (٣). قالَ بعضُ أصحابِنا: ونقلَ ابنُ كثيرٍ عبارةَ ابنِ الحاجبِ (٤): ((أنَّ حكمَ الحاكمِ المشترطِ العدالةَ بالشهادةِ (٥) تعديلٌ باتفاقٍ، وأما إعراضُ العالمِ عنِ الحديثِ المعينِ بعدَ العلمِ بهِ فليسَ قادحاً في الحديثِ باتفاقٍ؛ لأنَّهُ قد يعدلُ عنهُ لمعارضٍ أرجحَ عندَهُ منِ (٦) اعتقادِهِ صحتَهُ)) (٧). قولهُ: (الثاني: أنه تعديلٌ) (٨) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وقالَ بعضُ أهلِ الحديثِ، وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يجعلُ ذلكَ تعديلاً منهُ؛ لأنّ ذلكَ يتضمنُ التعديلَ)). (٩) انتهى.

стр. 611

وعبارةُ ابن حبانَ تنطبقُ على هذا بلْ على أعمِّ منهُ، فإنَّهُ قال - فيما نقلَ عنْ خطِّ شيخِنا -: ((العدلُ منْ لمْ يتقدّمهُ الجرحُ إذ الجرحُ ضدُّ التعديلِ، فمَنْ لم يُعرفْ بجرحٍ فهو عدلٌ حتى يتبيّنَ ضدُّهُ)) (١). قولهُ: (تعريفٌ لهُ) (٢)، أي: مطلقُ تعريفٍ حتى كأنّهُ قالَ: في الناسِ شخصٌ يُسمّى بكذا حدّثني بكذا، وأمّا التعديلُ فلا بدّ أنْ يُعرفَ فيهِ أنّهُ اختبرَ حالهُ اختباراً / ٢٠٨أ / يكونُ مثلهُ صالحاً لأنْ يعرفَ بهِ (٣) بواطنَ أمورهِ، ولم يرَ منها إلاّ حسناً جميلاً. قولهُ: (بل ولو عدلهُ) (٤) إلى آخرهِ، غيرُ منتظمٍ معَ ما قبلَهُ، فإنَّ الأولَ: في أنَّ مجرّدَ الروايةِ عنِ المبهمِ لا يكونُ تعديلاً، والثاني: في أنَّ تعديلَ المبهمِ لا يقبلُ؛ فالمحكومُ عليهِ وبهِ في كلٍّ منهما غيرُ ما في الآخرِ، وهو واضحٌ، ومرادُ الشيخِ ﵀: أنّهُ إذا كان التصريحُ بتعديلهِ لم ينفعهُ كانَ الاقتصارُ على الروايةِ عنهُ أولى بأنْ لا ينفعَهُ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (واختلفوا هل يقبلُ المجهولُ) (٥). قولهُ: (خبرةُ بعضٍ) (٦) هو مبتدأٌ ضميرهُ (٧) فاعلُ ((تعذرت))، التقدير: في كتبٍ من الحديثِ مشهورةٍ تعذرتْ خبرةُ بعضِ منْ ذكرَ فيها من الرواةِ في باطنِ الأمرِ.

стр. 612

قولهُ: (مستوراً) (١) منصوبٌ بنزعِ الخافضِ أو يُضمنُ (٢) ((يَشْهَرُ)) معنى يُسمّي ويكونُ مفعولاً ثانياً لهُ. قولهُ: (منْ لم يرو عنهُ إلاّ راوٍ واحدٌ) (٣)، أي: وسماهُ ذلكَ الراوي، وحكمهُ حكمُ المبهمِ الذي لم يسمَّ، وإنما جعلَ مثلَ هذا مجهولَ العينِ؛ لأنَّهُ لما كانَ مبنى الدّينِ على الاحتياطِ والتحرّي، عدَّ تعريفَ الواحدِ الذي لم يتأيّدْ بغيرهِ عدماً؛ لأنَّ الشياطينَ أعداءُ الدينِ، ولهم قوةُ التشكّلِ، فيحتملُ أنْ يكونَ هذا الذي حدّثهُ شيطاناً. قولهُ: (إنّهُ لا يقبل) (٤)، أي: ولو كانَ الراوي عنهُ لا يروي إلاّ عنْ ثقةٍ لتلكَ الاحتمالاتِ التي تخصُّ منْ يقولُ: كلُّ منْ أروي عنهُ ثقةٌ. قولهُ: (على الإسلام) (٥) هذا مُسلّمٌ فيمن ثبتَ إسلامهُ وأمّا / ٢٠٨ب / هذا فأنّى لهُ بذلكَ؛ لأنَّهُ عُدَّ (٦) مجهولَ العينِ، والإسلامُ حالٌ من أحوالهِ، ومعرفةُ الحالِ فرعُ معرفةِ العينِ. قولهُ: (واكتفينا (٧) في التعديلِ بواحد) (٨)، أي: كما سبقَ أنّهُ الصحيحُ لكنَّ الصحيحَ: أنَّ هذا ليسَ بتعديلٍ؛ لأنَّهُ ليسَ صريحاً فيهِ؛ لما يطرقهُ منَ الاحتمالاتِ التي قدّمتها.

стр. 613

قولهُ: (مشهوراً في غيرِ (١) العلمِ بالزهدِ والنجدةِ) (٢) أي: ونحو ذلكَ، فإدخالُ (٣) هذا القولِ في هذه المسألةِ عجيبٌ؛ فإنَّهُا مفروضةٌ فيمن لم يرو عنهُ مطلقاً إلاّ راوٍ واحد، والمشهورُ بحالٍ من الأحوالِ لا بدَّ منْ (٤) أنْ يكونَ رَوَى عنهُ تلكَ الحالَ منْ بلغوا الكثرةَ التي تصيّرُهُ في عدادِ المشهورينَ فلا يكونُ حينئذٍ مجهولَ العينِ، ثمّ نقولُ: إنْ كانَ في حالهِ التي اشتهرَ بها ما يتضمنُ العدالةَ فقد زالتْ عنهُ جهالةُ الحالِ أيضاً، وانطبقَ عليهِ قولهُ فيما تقدّمَ: ((وصحّحوا استغناءَ ذي الشهرةِ عن تزكيةٍ)) وإلاَّ فهوَ مجهولُ الحالِ، وسيأتي في ردّهِ لمنْ قالَ: إنَّ مرداساً وربيعةَ الأسلميينِ مجهولانِ ما يؤيدُ هذا من أنَّ الشهرةَ تزيلُ الجهالةَ. قولهُ: (وهو اختيارُ أبي الحسنِ بن القطانِ) (٥) وهو الذي صحّحهُ شيخُنا (٦) تلميذُ المصنّفِ، بل وصحّحَ قبولَهُ أيضاً إذا كانَ الراوي عنهُ هو المعدّلُ له، وهو الحقُّ؛ لأنَّهُ تقدّمَ أنَّ الصحيحَ الاكتفاءُ في التعديلِ بواحدٍ، ولم يفرّقوا هناكَ بينَ المجهولِ وغيرهِ. قولهُ: (ومَنْ لم يُعرفْ) (٧) عبارتهُ في " النكتِ " نقلاً عن الخطيبِ (٨): ((ولا عَرَفهُ العلماءُ بهِ ولم يعرفْ حديثهُ)) (٩) فأَسقطَ ((مَن)) وهو أحسنُ.

стр. 614

قولهُ: (عمرو ذي مرٍّ) (١) ذُو مُرٍّ / ٢٠٩أ /: كأنَّهُ لقبٌ لهُ، وهوَ ((ذو)) الذي بمعنى صاحبٍ، و ((مُر)) بضمِ الميمِ وتشديدِ الراءِ. قالَ شيخُنا في "التقريبِ": ((عمرو ذو مُرٍّ الهمدانيُّ، الكوفيُّ، مجهولٌ، من الطبقةِ الثالثةِ)) (٢). وقالَ في أصلهِ " تهذيبِ التهذيب " عنْ علي في قصةِ غديرِ خمٍّ (٣): ((وعنهُ أبو إسحاقَ السبيعيُّ وحدَهُ، قالَ البخاريُّ: لا يعرفُ، وقالَ ابنُ عديٍّ: هو في جملةِ مشايخِ أبي إسحاقَ المجهولينَ الذينَ لا يحدِّثُ عنهم غيرُهُ، قالَ شيخُنا: وقال البخاريُّ: فيهِ نظرٌ، وقال مسلمٌ، وأبو حاتمٍ: لم يروِ عنهُ غيرُ أبي إسحاقَ، وقالَ ابنُ حبانَ: في حديثهِ مناكيرُ، وقالَ العجليُّ: تابعيٌ ثقةٌ)) (٤). قولهُ: (وجَبّارُ الطائيُّ) (٥) قال شيخُنا في " لسانِ الميزانِ": ((جبارُ بنُ فلانٍ الطائيُّ، عنْ أبي موسى (٦)، ضعّفهُ الأزديُّ، انتهى، وقالَ ابن أبي حاتمٍ: جبارُ بن القاسمِ الطائيُّ، رَوَى عن ابنِ عباسٍ، رَوَى عنهُ أبو إسحاقَ، ولم يذكرْ فيهِ جرحاً، وكذا ذَكَرهُ ابنُ حبان في " الثقاتِ " بروايتهِ عن ابنِ عباسٍ، وكذا ذَكرَهُ البخاريُّ في التاريخِ؛ فينظرُ من أينَ للمؤلفِ أنهُ يروي عن أبي موسى الأشعريِّ، ثم وجدتهُ (٧) تَبعَ في ذَلِكَ ابنَ الجوزيِّ، وابنُ الجوزيِّ تبعَ الأزديَّ، والأزديُّ صحّفهُ، فقالَ: جَنَان

стр. 615

بنونينِ، وقد ذَكرهُ الذهبيُ في " المشتبهِ " في جبّار، بموحدةٍ ثقيلةٍ وآخرهُ راءٌ وهذا هوَ الصواب ُ- (١) وذكرهُ النَّباتيُّ (٢) في "الحافلِ" تبعاً للأزديِّ، ولم ينبه على تصحيفهِ، وأوردَ لهُ من طريقِ الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي موسى، رفعهُ: ((إذا كانَ يومُ القيامةِ كنتُ أنا / ٢٠٩ب / وعليٌّ وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ في قبةٍ تحتَ العرشِ)) (٣))) (٤)، انتهى. ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا ما صورتَهُ: ححبارُ الطائي، وعلّم تحتَ أولهِ علامة الحاءِ المهملةِ، ثم قالَ: بالجيمِ عند الدارقطنيِّ (٥). قولهُ: (وعبد الله بن أعزّ) (٦) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((فرقَ الخطيبُ بينهُ وبين مالك بن أعزّ، أي: الآتي، وكلاهما بالعينِ المهملةِ والزاي، وجعلهما ابنُ ماكولا في "الإكمالِ" (٧) واحداً، وأنهُ اختلف اسمهُ على أبي إسحاق، فالله أعلم)) (٨).

стр. 616

قولهُ: (والهيثمُ بن حنشٍ) (١) يعني: بمهملةٍ، ثمَّ نونٍ، ثم معجمةٍ، قال شيخُنا في " لسانِ الميزانِ ": ((قال الخطيبُ في " الكفايةِ " (٢): لم يروِ عنه غيرُ أبي إسحاقَ السبيعيِّ)) (٣). انتهى. وغَفلَ عما ذَكرَ الشيخُ هنا أنَّهُ رَوَى عنه أيضاً سلمةُ ابنُ كهيلٍ (٤) كما قالَ أبو حاتمٍ (٥). قولهُ: (ومالك بن أعزّ) (٦) قالَ في " لسانِ الميزانِ ": ((عنهُ أبو إسحاقَ السبيعيُّ قالهُ في " الكفايةِ " (٧)، قالَ: وذَكرَهُ عليُّ بن المدينيِّ في شيوخِ أبي إسحاقَ الذين لا يُعرفونَ)) (٨). قولهُ: (وسعيد بن ذي حُدّانَ) (٩) قال شيخُنا في " التقريبِ ": ((بضمِّ المهملةِ، وتشديدِ الدالِ، - أي: المهملةِ - كوفيٌّ مجهولٌ منَ الثالثةِ)) (١٠)، أي (١١): ممن تُوفي بعدَ المئةِ من الهجرةِ وهوَ من الطبقةِ الوسطَى من التابعينَ، وقالَ في " التهذيبِ": ((كوفيٌّ رَوَى عن سهلِ بن حنيفٍ، وعليِّ، وقيلَ عن من سمعَ علياً، وعنْ علقمةَ، وعنهُ أبو إسحاق السبيعيُّ ذكرَهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ" (١٢) وقالَ: ربما

стр. 617

أَخطأَ، قالَ (١): وقالَ ابنُ المدينيِّ في حديثهِ عن سهلِ بنِ حُنيفٍ في جَعلِ الحجِّ عمرةً: لا أدري سمعَ منْ سهلِ بن حُنيفٍ أم لا؟ / ٢١٠أ / وهو رجلٌ مجهولٌ، لا أعلمُ أحداً رَوَى عنهُ إلا أبا إسحاقَ)) (٢). قولهُ: (وقَيسُ بن كُرْكُم) (٣)، قالَ في (٤) " لسانِ الميزانِ ": ((الأحدبُ المخزوميُّ الكوفيُّ، قالَ الخطيبُ (٥): تفرّدَ عنهُ أبو إسحاقَ، انتهى، وقالَ الأزديُّ: ليسَ بذاكَ لا أحفظُ لهُ حديثاً مسنداً)) (٦). قولهُ: (خَمْر بن مَالكٍ) (٧)، قالَ شيخُنا في "رجالِ الأئمةِ الأربعةِ" ممن (٨) رُقمَ لهُ علامةُ الإمامِ أحمد: ((خُمير بن مالكِ - يعني: بمعجمةٍ مصغرٌ - ويقال: خَمرُ الهمدانيُّ الكوفيُّ، عنْ عليٍّ وابنِ مسعودٍ ﵄ (٩) وعنهُ أبو إسحاقَ السبيعيُّ وعبدُ الله بنُ قيسٍ (١٠)، وثّقهُ ابنُ حبان (١١)، وقالَ ابنُ سعدٍ: ((لهُ حديثانِ)) (١٢) خُميرُ بنُ مالكٍ الكلاعيُّ الحميريُّ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو - رضي الله

стр. 618

عنهما - (١)، عِدادُهُ في المصريينَ قالَهُ الدارقطنيُّ (٢)، قالَ شيخُنا: ولا يبعدُ أنْ يكونَ هو الذي قبلَهُ)) (٣). ورَقَمَ لهذا تمييزاً. قولهُ: (و (٤) مثلُ سمعانَ بن مُشنَّجٍ) (٥)، قالَ في " التقريبِ ": ((بمعجمةٍ ونونٍ ثقيلةٍ)) (٦) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٧): ((مفتوحةٍ ثم جيمٍ))، وقيلَ: مُشَمرِج كوفيٌّ صدوقٌ من الثالثةِ (٨)، أي: ممنْ تُوفيَ بعدَ المئةِ وهوَ منْ أوساطِ التابعينَ، وقالَ في " التهذيبِ ": ((العمريُّ، ويقالُ: العبديُّ الكوفيُّ، رَوَى عن سمرةَ بن جُندبٍ ﵁ (٩)، وعنهُ الشعبيُّ، قالَ البخاريُ: ((لا نعرفُ لسمعانَ سماعاً منْ سمرةَ، ولا للشعبيِّ سماعاً منهُ)) (١٠) وذَكرَهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ " (١١)، وقالَ ابنُ مَاكُولا: ثقةٌ ليسَ لهُ غيرُ / ٢١٠ب / حديثٍ واحدٍ رواهُ أبو داودَ (١٢) والنسائيُّ (١٣)، وهوَ: أنَّ

стр. 619

الميتَ مأسورٌ بدينِهِ (١)، قالَ شيخُنا: وقالَ العجليُّ: كوفيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، وقالَ الخطيبُ في " رافعِ الارتياب ": وَهِمَ فيهِ الجراحُ بن مليحٍ فقالَ: المشنّجُ بنُ سمعانَ)) (٢). قولهُ: (والهَزْهَاز بن مَيزن) (٣) لم أجدْهُ، وقولُ الشيخِ بعدَ ذلكَ: ((ولعلَ بعضهُم أمالَهُ)) (٤) ذَكرَ في " النكتِ على ابنِ الصلاحِ ": أنَّ ابنَ الصلاحِ تَبعَ الخطيبَ في تسميةِ أبيهِ مَيزناً بالياءِ التحتانيةِ، ثم قالَ: ((والذي ذَكرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِ " الجرحِ والتعديلِ " (٥) أنَّه مازِنٌ - بالألفِ - وفي بعضِ النُسخِ بالياءِ، ولعلَ بعضَهم أمالَهُ في اللفظِ فكتبَ بالياءِ، واللهُ أعلمُ)) (٦). قولهُ: (ومثلُ: بَكرِ بنِ قِروَاشٍ) (٧)، قالَ في " اللسانِ ": ((عنْ سعدِ بنِ مالكٍ ﵁ (٨)، لا يعرفُ، والحديثُ منكرٌ، رَوَى عنهُ أبو الطفيلِ ﵁ (٩)، قالَ ابنُ المدينيِّ: لم أسمعْ بذكرهِ إلا في هذا الحديثِ يعني: في

стр. 620

[ذكرِ] (١) ذي الثُديةِ (٢)، انتهى، قالَ: وكنتُ أظنُّ أن أبا الطفيلِ شيخهُ، وهو بينهُ وبينَ سعدٍ، وأما الذي يروي ذلكَ الحديثَ فقتادةُ، كذا ذكرهُ ابن حبان في " الثقاتِ " (٣) ثم تبينَ أن الذي في كتابِ ابنِ حبانَ خطأٌ، والصوابُ ما في الأصلِ فقد ذَكرَ ابنُ المديني أنَّهُ لا راويَ له سوى أبي الطفيلِ، وقالَ ابنُ عديٍّ: ((ما أقلَّ مَا لهُ من الرواياتِ!)) (٤) وروايةُ أبي الطفيلِ عنهُ منْ روايةِ الصحابةِ عن التابعينَ / ٢١١أ / وقد ذَكَرهُ بعضُهم في الصحابةِ، فإنْ صحَّ فهي مِنَ الأقرانِ)). (٥) انتهى. وأغفلَ ما قالَ الشيخُ في هذا الشرحِ أنَّهُ رَوَى عنهُ أيضاً قتادةُ (٦)، وقالَ (٧) في " النكتِ " (٨) كما ذَكَرهُ البخاريُّ في " التاريخِ الكبيرِ " (٩).

стр. 621

قولهُ: (وحَلاّم بن جَزْلٍ) (١) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((بفتحِ الحاءِ المهملةِ وتشديدِ اللامِ وآخرُهُ ميمٌ (٢))) (٣). قولهُ: (عامرُ بن واثلة) (٤) قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في أبي الطفيلِ من الكنى: ((الكنانيُّ، وقيلَ: عَمرُو بنُ واثلةَ، قالهُ معمرٌ، والأولُ أكثرُ وأشهرُ وهوَ عامرُ بنُ واثلةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ جَحشِ بنِ جُريِّ بنِ سَعدٍ بن ليثِ بنِ بَكرٍ بنِ عَبدِ مناةَ بنِ (٥) عليِّ بنِ كنانةَ، وقالَ: الليثيُّ المكيُّ وُلِدَ عامَ أُحُدٍ، وأدركَ منْ حياةِ رسولِ اللهِ ﷺ ثمان سنينَ، نَزلَ الكوفةَ وصَحبَ علياً ﵁ في مشاهدِهِ كلِّها، فلمَّا قُتِلَ عليٌّ ﵁ انصرفَ إلى مكةَ، فأقامَ بها حتى ماتَ سنةَ مئةٍ، ويقالُ: إنَّهُ آخرُ مَن ماتَ ممن رَأَى النبيَّ ﷺ ، ثم قالَ: وكانَ شاعراً محسناً وهو القائلُ: أيدعونَني شيخاً وقد عشتُ حقبةً ... وهنَّ منَ الأزواجِ نحوي نَوازعُ وما شابَ رأسي منْ سنينَ تتابعَتْ ... عليَّ ولكِنْ شَيبتْني الوَقائعُ ثمَّ قالَ: وكانَ فاضلاً عاقلاً حاضرَ الجوابِ فصيحاً، قدمَ يوماً على معاويةَ بالمدينةِ، فقالَ لهُ: كيفَ وجْدُكَ على خليلِكَ / ٢١١ب / أبي الحسنِ؟ قالَ: كَوَجْدِ أُمِّ موسَى على موسَى، وأشكو إلى اللهِ التقصيرَ، فقالَ لهُ معاويةُ: كنتَ فيمن حَصرَ عثمانَ؟ قالَ: لا، ولكنّي كنتُ فيمنْ حَضَرَهُ، قالَ: ما مَنعَكَ منْ نَصرِهِ؟ قالَ: وأنتَ ما منعكَ منْ نصرِهِ إذْ تربصتْ بهِ ريبُ المنونِ، وأنتَ في أهلِ الشامِ، وكلُّهم تابعٌ لكَ فيما تريدُ؟ فقالَ معاويةُ: أَوَ ما تَرى طَلبي لدمِهِ نصرةً لهُ؟ قالَ: بَلَى، ولكنّكَ كما قالَ أخو بني جُعفٍ:

стр. 622

لا أَلفينّكَ بعدَ الموتِ تندبُني ... وفي حياتيَ مازوّدتني زادي)). (١) قولهُ: (ومثلُه: يَزيدٍ بن سُحَيمٍ) (٢). قولهُ: (ومثلُ: جُرَي) (٣) قالَ شيخُنا في " التقريبِ ": ((تَصغيرُ جروٍ، ابنُ كليب السدوسيُّ البصريُّ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ (٤): مقبولٌ مِن الثالثةِ)) (٥)، أي: من الطبقةِ الوسطى من التابعينَ ممنْ ماتَ بعدَ المئةِ، وقالَ في " التهذيبِ ": ((حديثُهُ في أهلِ المدينةِ، رَوَى عن عليٍّ ﵁ (٦) وبشيرِ (٧) بنِ الخصاصيةِ، وعنهُ قتادةُ وكانَ يثني عليهِ خيراً، وقالَ همامٌ، عنْ قتادةَ: حدثني جُريُّ ابنُ كليبٍ وكانَ منَ الأزارقةِ (٨)، وقالَ ابنُ المدينيّ: مجهولٌ ما رَوَى عنهُ غيرُ قتادةَ، وقالَ العجليُّ: بصريٌّ تابعيٌّ ثقةٌ، وصحَّحَ الترمذيُّ حديثَهُ (٩))) (١٠)، وقالَ البزارُ:

стр. 623

((لا أَعلمُ قتادةَ رَوَى عن جُريٍّ إلاَّ حديثينِ)) (١) يعني: حديثَ العضباءِ، أي: الأضحيةِ بعضباءِ الأذنِ، وحديثَ المتعةِ (٢) / ٢١٢ أ /، ثم ذَكرَ عنْ أبي داودَ في ترجمةِ جُريّ بنِ كليبٍ النهديِّ الكوفيِّ أنَّهُ قالَ: ((جُريُّ بنُ كُليبٍ صاحبُ قتادةَ سدوسيٌّ بصريٌّ لم يروِ عنهُ غيرُ قتادةَ)) (٣). قولهُ: (ومثلُ: عُمَير بن إسحاقَ) (٤) قالَ في " التقريبِ ": ((أبو محمدٍ مولى بني هاشمٍ: مقبولٌ منَ الثالثةِ)) (٥)، وقالَ في " التهذيبِ ": ((رَوَى عن المقدادِ بنِ الأسودِ وعمرِو بنِ العاصِ والحسنِ بنِ عليٍّ ﵃ (٦) - وَعَدَّ جماعةً -، وعنهُ عبدُ اللهِ بنُ عونٍ، قالَ أبو حاتمٍ، والنسائيُّ: لا نعلمُ رَوَى عنهُ غيرُهُ، وقالَ ابنُ معينٍ: لا يُساوي شيئاً ولكنْ يُكتبُ حديثُهُ، وقالَ ابنُ عديٍّ: لا أعلمُ رَوَى عنهُ غيرُ ابنِ عونٍ ولهُ منَ الحديثِ شيءٌ يسيرٌ ويُكتبُ حديثُهُ)) (٧). قولهُ: (رَوَى عنهُ الثوريُّ) (٨) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((اعترضَ على المصنِّفِ بأنَّ الثوريَّ لم يروِ عن الشعبيِّ نفسِهِ، فكيفَ يروي عن شيوخهِ؟ وقد

стр. 624

يقالُ: لا يلزمُ منْ عدمِ روايتهِ عن الشعبيِّ عدمُ روايتهِ عن الهزهازِ، ولعلَّ الهزهازَ تأخّرَ بعدَ الشعبيِّ، ويقوي ذلكَ أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ ذَكرَ في "الجرحِ والتعديلِ" أنَّهُ رَوَى عن الهزهازِ هذا: الجراحُ بنُ مليحٍ، والجراحُ أصغرُ منَ الثوريِّ وتأخّرَ بعدَهُ مدةَ سنينَ، واللهُ أعلمُ)) (١). قولهُ: (منهم: مرداسٌ الأسلميُّ) (٢) قالَ شيخُنا في " تهذيبِ التهذيبِ ": ((مرداسُ بنُ مالكٍ الأسلميُّ كانَ منْ أصحاب الشجرةِ (٣) ﵃ (٤)))، وقالَ ابنُ عبد البرِّ: ((كانَ ممنْ بايعَ تحتَ الشجرةِ، ثم سكنَ الكوفةَ وهو معدودٌ في أهلِها)). (٥) انتهى. ((رَوَى (٦) عن النبيِّ ﷺ حديثَ: ((يذهبُ الصالحونَ)) (٧)، وعنهُ قيسُ بنُ أبي حازمٍ وزيادُ بنُ علاقةَ، قالَ شيخُنا: مرداسُ الذي رَوَى عنهُ زيادُ ابنُ

стр. 625

علاقةَ إنما هو مرداسُ بنُ عروةَ صحابيٌّ آخرُ ذكرهُ البخاريُّ (١) وأبو حاتمٍ (٢) وابنُ حبانَ (٣) / ٢١٢ب / وابنُ منده وغيرُ واحدٍ، وصرّحَ مُسلمٌ وأبو الفتحِ الأزديُّ وجماعةٌ أنَّ قيسَ بنَ أبي حازمٍ تفرّدَ بالروايةِ عنْ مرداسِ بنِ مالكٍ الأسلميِّ، وهو الصوابُ، لكنْ قالَ ابنُ السكنِ: إنَّ بعضَ أهلِ الحديثِ زعمَ أنَّ مرداسَ بنَ عروةَ هو مرداسٌ الأسلميُّ الذي رَوَى عنهُ قيسُ بنُ أبي حازمٍ، قال: والصحيحُ أنَّهما اثنانِ (٤))). (٥) انتهى. وقد تبيّنَ منْ ذلكَ وجهُ نظرِ الشيخِ في قولِ المزيِّ: إنَّ زيادَ بنَ علاقةَ رَوَى عنهُ (٦). قولهُ: (منهم: ربيعةُ) (٧) قالَ شيخُنا: ((ابنُ كعبِ بنِ مالكٍ الأسلميُّ، أبو فراسٍ المدنيُّ: كانَ منْ أصحاب الصفةِ ﵃ (٨) خَدَمَ النبيَّ ﷺ ورَوَى (٩) عنهُ)) (١٠). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (١١): ((وكانَ يلزمُ رسولَ اللهِ ﷺ في السفرِ والحضرِ، وصَحِبَهُ قديماً وعمَّرَ بعدَهُ، وهو الذي سألَ النبيَّ ﷺ مرافقتَهُ في الجنةِ، فقالَ: أَعنّي

стр. 626

على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ (١))). انتهى. قالَ (٢) شيخنا: ((وعنهُ أبو سلمةَ بن عبدِ الرحمانِ، ومحمدُ بن عمرو بن عطاءٍ، وحنظلة بن عليٍّ الأسلميُّ، ونعيم المجمر، ويقال: إنَّهُ أبو فراسٍ الذي رَوَى عنهُ أبو عمرانَ الجوني، وقد رَوَى عن أبي عمرانَ، عنْ ربيعةَ الأسلميِّ، ذكرَ غيرُ واحدٍ أنَّهُ ماتَ سنةَ ثلاثٍ وستينَ بعد الحرَّةِ (٣)، لهُ في الكتبِ حديثٌ واحدٌ فيهِ: ((أعنّي على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ)) /٢١٣أ / - قالَ شيخُنا -: وصوَّبَ الحاكمُ أبو أحمدَ وابنُ عبدِ البرِّ تبعاً للبخاري أنَّ ربيعةَ بنَ كعبٍ غيرُ أبي فراسٍ الذي رَوَى عنهُ أبو عمرانَ، وذكرَ مُسلمٌ والحاكمُ في "علومِ الحديثِ" أنَّ ربيعةَ تفرّدَ بالروايةِ عنهُ أبو سلمةَ، وليسَ ذلكَ بجيدٍ لما تراهُ منْ ذكرِ روايةِ هؤلاءِ عنهُ، لكنَّ قولَ المزيِّ (٤): إنَّ محمدَ بنَ عمرِو بنِ عطاءَ رَوَى عنه، ليس بجيدٍ لأنَّهُ لم يأخذ عنه، وإنما رَوَى عن نعيمِ المجمرِ عنهُ (٥) كما هو في "مسندِ أحمدَ " (٦) وغيرهِ. هكذا تعقّبهُ شيخُنا في " النكتِ " على ابنِ الصلاحِ، وقد وردتْ روايةُ محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءَ، عن أبي فراسٍ الأسلميِّ عندَ ابنِ منده في "المعرفةِ " وغيرهِ، فمَنْ قالَ: إنَّ أبا فراسٍ (٧) هو ربيعةُ فَوَحَّدهما، أثبتَ روايةَ محمدِ بنِ عمرِو بن عطاءَ

стр. 627

عنهُ بهذا، ومَنْ زعمَ أنهما اثنانِ أنكرَ كما قالَ الشيخُ. لكنِ الحديثُ الذي أوردهُ ابنُ منده هو متنُ الحديثِ الذي أوردهُ مسلمٌ لربيعةَ ابنِ كعبٍ، وإنْ كان في ألفاظهِ اختلافٌ فيقوى أنَّهُ واحدٌ. وكذلك رَوَى الحاكمُ في "المستدركِ" (١) من طريقِ المباركِ بنِ فضالةَ، قالَ: حدثني أبو عمرانَ الجوني، قالَ: حدثني ربيعةُ بنُ كعبٍ الأسلميُّ، قالَ: كنتُ أخدمُ النبيَّ ﷺ ، فقالَ لي: يا ربيعةُ، ألا تَزوَّجُ، وهذا هو الحديثُ الذي رُوِيَ عن أبي عمرانَ، عن أبي فراسٍ، فيتجهُ أنَّهُ هو، والله أعلمُ)). (٢) انتهى. وقد تبيّنَ بهذا أنَّ الشيخينِ ما رَوَيا عن مثلِ هذينِ / ٢١٣ ب / مصيراً منهما إلى الاكتفاءِ في نفيِ الجهالةِ بروايةِ واحدٍ؛ فقد تبيّنَ أنَّ كلاً منْ هذين صُحبتُهُ مشهورةٌ، وهذا مرادُ الشيخِ محيي الدينِ -﵀ في اعتراضهِ على ابنِ الصلاحِ بأنَّ مرداساً وربيعةَ صحابيانِ، والصحابةُ كلُّهمُ عدولٌ أي صحبةُ هذينِ عندَ أهلِ الفنِّ مشهورةٌ لا كلامَ فيها، ولم يَشرِطْ أحدٌ وجهاً معيناً في شهرتهِ. قالَ الشيخُ في "النكتِ ": ((والحقُ أنَّهُ إنْ كانَ معروفاً بذكره في الغزواتِ أو في مَنْ وفدَ من الصحابةِ أو نحو ذلكَ فإنَّهُ تثبتُ صحبتهُ وإنْ لم يروِ عنهُ إلا راوٍ واحدٌ)). (٣) انتهى. قولهُ: (غير أبي هانئ) (٤) بل رَوَى عنهُ غيرُهُ، قال شيخُنا في "تهذيبهِ": ((عمرُو بنُ مالكٍ الهمدانيُّ المراديُّ، أبو عليٍّ الجَنْبيُّ المصريُّ، رَوَى عنْ فضالةَ بنِ عبيدٍ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي ريحانةَ على خلافٍ فيهِ، رَوَى عنهُ أبو هانىءٍ حميدُ بنُ

стр. 628

هانىءٍ ومحمدُ بنُ شميرٍ الرعيني، قالَ الدوريُّ، عن ابن معينٍ: ((ثقةٌ))، وذَكرَهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ " (١)، قالَ ابنُ يونسَ: ((يقالُ: توفيَ سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ))، وقالَ الحسنُ بنُ عليٍّ الخلال (٢): ((ماتَ سنةَ اثنتينِ)) - قالَ شيخنا -: ووثقهُ العجليُّ والدارقطنيُّ، وقالَ ابنُ حبانَ: ((رَوَى عنْ عقبةَ بنِ عامرٍ الجهنيِّ)))) (٣) انتهى. فقد /٢١٤أ / بَانَ بهذا أنَّهُ ارتفعتْ جهالتُهُ وبانَتْ عدالتُهُ بروايةِ غيرِ أبي هانىءٍ، وتوثيقِ أهلِ الفنِّ لهُ، لكنَّ المقصودَ منْ سوقِ الشيخِ لذلكَ عن ابنِ مسعودٍ إنَّما هو أنَّ منْ كانَ معروفاً في قبيلتهِ لا يكونُ مجهولاً، ولو أنَّهُ ما رَوَى عنهُ إلاَّ واحدٌ، وقالَ الشيخُ في "النكتِ": إنَّهُ جَمعَ منْ رَوَى لهُ الشيخانِ أو أحدُهما منْ غيرِ الصحابةِ، ولم يروِ عنهُ إلا راوٍ واحدٌ، وقالَ: منهم عندَ البخاريِّ جويريةُ بنُ قدامةَ تفرّدَ عنهُ أبو جمرةَ رجّحَ شيخنا في " تهذيبهِ" (٤): أنهُ جاريةُ عمُّ الأحنفِ، وممنْ صرّح بذلك ابنُ أبي شيبةَ في مصنفهِ (٥)، وجاريةُ بنُ قدامةَ صحابيٌّ رَوَى عنهُ الأحنفُ بنُ قيسٍ، والحسنُ البصريُّ (٦) ثم ذكرَ عنهُ أشياءَ تدلُّ على أنَّهُ منَ الشهرةِ بمحلٍ كبيرٍ قالَ الشيخُ: وزيدُ بن رباحٍ الذي تفرّدَ عنهُ مالكٌ، قالَ أبو حاتمٍ: ((ما أرى بحديثهِ بأساً)) (٧) وذَكرَهُ ابنُ حبان في الثقاتِ (٨)، وقال

стр. 629

ابنُ البَرقي (١) والدارقطنيُّ: ثقةٌ، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: ((ثقةٌ مأمونٌ)) (٢)، فانتفتْ عنهُ الجهالةُ بتوثيقِ هؤلاءِ. قالَ: والوليدُ بنُ عبدِ الرحمانِ الجاروديُّ (٣) تفرّدَ عنهُ ابنهُ المنذرُ بنُ الوليدِ، ذَكرَ شيخُنا أموراً تخرجهُ عن الجهالةِ منها: أنهُ نسبهُ فقالَ: ابنُ عبدِ الرحمانِ بن حبيبِ بنِ عامر بنِ حبيب بنِ الجارودِ العبديُّ /٢١٤ب / الجاروديُّ البصريُّ، ومنها: أنَّ ابنَ حبانَ ذَكرَهُ في "الثقاتِ" (٤)، ومنها: أنَّ الدارقطنيَّ قال: ثقةٌ. قالَ الشيخُ: ومنهم عندَ مُسلمٍ جابرُ بنُ إسماعيلَ الحضرميَّ تفرَد عنهُ عبدُ الله ابنُ وهبٍ، قالَ شيخُنا: إنَّ (٥) ابنَ حِبانَ ذَكرَهُ في " الثقاتِ" (٦)، وإنَّ (٧) ابنَ خزيمةَ أخرجَ له في "صحيحهِ" (٨) وصرّحَ أنهُ ممن يحتجُّ بهِ، قالَ: وخبابُ صاحبُ المقصورةِ تفرّد عنهُ عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، قالَ شيخُنا: قال ابنُ ماكولا: أدركَ الجاهليةَ، وكذا قالَ ابنُ عبد البر في "الاستيعاب": ((خبابُ مولى فاطمةَ بنتِ عتبةَ بنِ ربيعةَ، أدركَ (٩) الجاهليةَ واختُلِفَ في صحبتهِ)) (١٠) وذَكرَهُ ابنُ منده وأبو نعيمٍ في

стр. 630

الصحابةِ وساقَ ابنُ منده منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ السائبِ بنِ خبابٍ، عنْ أبيه، عنْ جدهِ ﵁ (١) قالَ: ((رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ متكئاً على سريرٍ .. )) (٢) الحديث، فهذهِ أمورٌ أخرجتْهُ عن الجهالةِ وأوجبتْ ثقتَهُ. قولهُ: (في غيرِ حملِ العلمِ) (٣) ليس قيداً، بل بيانٌ للواقعِ؛ فإنَّ الأمرَ مفروضٌ فيمنْ لم يروِ عنهُ العلمَ غيرُ واحدٍ، على أنَّهُ يُفهمُ ارتفاعَ الجهالةِ بالشهرةِ في العلمِ منْ بابِ الأولى (٤). قولهُ: (غير مقبولةٍ) (٥)، أي: لأنَّ مجردَ الروايةِ عنهُ لا تكونُ تعديلاً. قولهُ: (تقبلُ مطلقاً) (٦) هذا يُشبهُ أنْ يكونَ قولُ مَنْ يجعلُ روايةَ العدلِ / ٢١٥أ / عن الراوي تعديلاً لهُ، لكنَّ هذا أوسعُ؛ لأنَّهُ ما شَرَطَ فيهِ عدالةَ الراويينِ، ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا أنَّ ابنَ كثيرٍ عزاهُ لابنِ حبانَ (٧)، قال: فإنَّهُ حَكَى عنِ الخطيبِ (٨) أنَّ جهالةَ العينِ تزولُ بروايةِ اثنينِ وأنّهُ لا تثبتُ عدالتُهُ بروايتهِما، قال: ((وعلى هذا النمطِ مشى ابنُ حبانَ وغيرهُ بل حَكمَ له بالعدالةِ بمجرّدِ هذه الحالةِ)) (٩). انتهى.

стр. 631

قولهُ: (الإمام سليم) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وهو قولُ بعض الشافعيينَ، وبهِ قَطَعَ منهم الإمامُ سُليمُ بنُ أيوبَ الرازيُ، قال: لأنَّ أمر الأخبارِ مبنيٌّ على حسنِ الظنِّ)) (٢) إلى آخرِ كلامهِ. قولهُ: (ويشبهُ أن يكونَ العملُ على هذا) (٣) لم يبيّنْ وجهَ الشبهِ وليسَ بيّناً، ولعلهُ بناء على مثلِ قولهِ إنَّ البخاريَّ ومسلماً رَوَيا عنْ مجهولِ العينِ مصيراً منهما إلى أنَّ الجهالةَ ترتفعُ بروايةِ واحدٍ، والبيِّنُ في كلامِ أهل الفنِّ أنهم لا يحتجونَ إلاَّ بمصرَّحٍ بتوثيقهِ، ولا فرقَ بينَ القديمِ والحديثِ، وما ذكرهُ الشيخُ بعدَهُ من كلامِ الشافعيِّ بَيِّنٌ في ذلكَ. قولهُ: (فيهِ نظر) (٤)، أي: في تسميتهِ مستوراً، وتوجيهُه النظرَ بكلامِ الشافعيِّ ليسَ بواضحٍ، فإنَّ الحكمَ بشهادتِهما قد لا (٥) يخرجهما عن السترِ، ولعلَّ الذي سوّغَ الحكمَ أنَّ المحاكماتِ تكونُ فيها الأخصامُ وهم (٦) يجتهدونَ في ردِّ حججِ أخصامِهم ويزيدونَ / ٢١٥ب / في البحثِ عنْ أحوالِهمْ فالظاهرُ: أنهُ لولا عجزُهم عنْ قادحٍ لما سكتوا عنهُ، وعجزُهم مع شدةِ بحثهم قرينةٌ مقويةٌ للحكمِ عليهم بشهادتِهم، ولعلَّ هذا الذي قالهُ الشافعيُّ في جوابِ السؤالِ إنما بحثَهُ مع خصمٍ فألزمَهُ بمقتضى قولهِ. وقد أقرَّ الشيخانِ (٧) البغويَّ (٨) على تسميةِ من جُهِلتْ عدالتُهُ

стр. 632

الباطنةُ مستوراً. وعبارةُ " الروضةِ ": ((فرعٌ: ينعقدُ النكاحُ بشهادةِ المستورينَ على الصحيحِ، والمستورُ (١) منْ عُرفتْ عدالتُهُ ظاهراً لا باطناً)) (٢). قولهُ: (فعلى هذا) (٣) ليس ذلكَ بلازمٍ كما بيّنتُ أنهُ لا منافاةَ بينَ السترِ والحكمِ بقولِ مَنِ اتصفَ بالسترِ، ولا شكَّ أنَّ مَنْ خفي باطنُ حالهِ يُسمَّى مستوراً لذلكَ. قولهُ: (نعم في كلامِ الرافعيِّ) (٤) مرادهُ أنَّ عبارةَ الرافعيِّ موافقةٌ لقولِ البغويِّ، وقد صرّحَ بذلكَ في " النكت " (٥) وذلكَ أنها تقتضي أنهُ لا بدَّ منَ البحثِ عنِ الباطنِ ليرجعَ فيهِ إلى المزكِّينَ، وهذا حينئذٍ يغيّرُ في وجهِ ما نظرَ فيهِ منْ قولِ ابنِ الصلاحِ في المستورِ. قولهُ: (ونقل الرويانيُّ (٦)) (٧) مرادهُ بذلكِ تأييدُ كلامهِ، وليسَ مؤيداً لهُ؛ فإنّ قولَ الشافعيّ: ((ولا يعرفُ حالهما)) يُحملُ على الباطنِ ليوافقَ ما قرّرهُ مِنْ (٨) عدمِ الاحتجاجِ بالمجهولِ، ويؤيدُ ذلكَ قولُ الشافعيّ: ((انعقدَ النكاحُ بهما في الظاهرِ)) أي: كما أنهما عدلانِ في الظاهرِ نقولُ ينعقدُ / ٢١٦أ / في الظاهرِ، وقد كانَ الحالُ يقتضي عدمَ الاعتدادِ بهما لكنْ فَعَلنا ذلك؛ لأنَّ شدةَ البحثِ في مثلِ هذا تؤدي إلى

стр. 633

الحرجِ في أمرِ النكاحِ المفضي إلى العنتِ، وهو مما تعمُّ بهِ البلوى، وتكونُ في مواضعَ ليسَ بها مَنْ فيهِ أهليةُ البحثِ، ومبناهُ على التراضي بخلافِ الأحكام، ويزيدُ هذا التأييدَ وضوحاً أنَّ الشيخَ محيي الدينِ صوّبَ في "الروضةِ" (١) عدمَ الانعقادِ بمستورِ الظاهرِ، فإنَّهُ قال: ((قال البغويُّ: لا ينعقدُ بمنْ لا تعرفُ عدالتُهُ ظاهراً، وهذا كأنهُ تصويرٌ بما لايعرفُ إسلامُهُ وإلاّ فالظاهرُ أنّ (٢) حالَ المسلمِ الاحترازُ منْ أسبابِ الفسقِ. قلتُ: الحقُ هو قولُ البغويِّ وأنَّ مرادَهُ منْ لا يعرفُ ظاهرُهُ بالعدالةِ وقد صرّحَ البغويُّ بهذا، وقالهُ شيخُهُ القاضي حسينٌ، ونقلهُ إبراهيمُ المروذيُّ (٣) عن القاضي، ولم يذكر غيرهُ، واللهُ أعلم)). (٤) انتهى كلامُ "الروضةِ". وقد بَانَ من أنَّ خفاءَ العدالةِ في الظاهرِ سَوَّغَ إطلاقَ السترِ فكذلك خفاؤها في الباطنِ (٥). قولهُ: (والخلفُ في مبتدعٍ ما كفرا) (٦) قالَ شيخُنا: منَ المعلومِ أنَّ كلَّ فرقةٍ ترّدُ قولَ مخالِفها، وربما كَفَّرتهُ، فينبغي التحري في ذلكَ، والذي يظهرُ أنَّ الذي يُحكمُ عليهِ بالكفرِ منْ كانَ الكفرُ صريحَ قولهِ، وكذا منْ كانَ لازمَ قوله، وعرضَ عليهِ فالتزمهُ، أمّا منْ لم يلتزمهُ (٧)، وناضلَ عنهُ، فإنَّهُ لا يكونُ / ٢١٦ب / كافراً ولو

стр. 634

كانَ اللازمُ كفراً. انتهى. وهو قولٌ حسنٌ، لكنْ لا بدَ أنْ يعرفَ الأمرَ الذي يكفرُ مَنْ يعتقدُهُ، ويعرفَ ما هو الصريحُ منْ ذلكَ، وحينئذٍ يعرفُ الكافرَ منْ غيرهِ، فكلُّ مَنْ جَحَدَ مُجمَعاً عليهِ، معلوماً منَ الدينِ بالضرورةِ، كفرَ، سواء كانَ فيهِ نصٌ أو لا، ومعنى العلمِ بالضرورةِ: أنْ يكونَ ذلكَ المعلومُ (١) منْ أمور الإسلامِ الظاهرةِ التي يشتركُ في معرفتها الخواصُ والعوامُ، كالصلاةِ، والزكاةِ، والحجِ، وتحريمِ الخمرِ، والزنا. هذا حاصلُ ما قال (٢) شيخُ الإسلامِ النوويُّ في " الروضةِ " (٣) في بابي الردة وتاركِ الصلاةِ، وعلّلوهُ بأنهُ لم يصدِّق الرسولَ ﷺ فيما عُلمَ بالضرورةِ أنهُ منْ دينهِ فتصديقهُ في ذلكَ داخلٌ في حقيقةِ الإيمانِ. قال الأصفهانيُّ (٤) في أولِ تفسيرِ البقرةِ: وتحقيقُ القولِ فيهِ - أي: الكفر - أنَّ (٥) ما نُقلَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ ذهبَ إليه وقالَ بهِ، فأمّا أنْ تعرفَ (٦) صحةَ ذلك النقلِ بالضرورةِ أو بالاستدلالِ أو بخبرِ الواحدِ. أمّا القسمُ الأولُ: فمن صدّقهُ في جميعهِ (٧) فهوَ مؤمنٌ، ومنْ لمْ يصدّقهُ في جميعِ ذلكَ سواءٌ كانَ مصدقاً في البعضِ أو لَم يصدقهُ في شيءٍ منهُ فهو كافرٌ، ثمَّ (٨)

стр. 635

قالَ: وأمّا الذي عُلمَ بالدليلِ أنَّهُ منْ دينهِ مثلَ كونهِ سبحانهُ عالماً بالعلمِ، أو بذاتهِ - إلى أن قال - / ٢١٧أ / فلم يكن إنكارهُ والإقرارُ بهِ داخلاً في حقيقةِ الإيمانِ فلا يكونُ كفراً، والدليلُ عليهِ أنهُ لو كانَ داخلاً في حقيقةِ الإيمانِ لم يحكمِ النبيُّ ﷺ بإيمانِ أحد حتى يعرفَ (١) الحقَ في تلكَ المسائلِ كلِّها، ولو كانَ الأمر كذلكَ لاشتهرَ، وهو يرجعُ إلى ما قالهُ الإمام حجةُ الإسلامِ أبو حامدٍ الغزاليُّ في كتابِ " التفرقةِ بينَ الإسلامِ والزندقةِ ": ((الكفرُ هو تكذيبُ الرسولِ ﷺ في شيءٍ مما جاءَ بهِ، والإيمانُ تصديقُهُ في جميعِ ما جاءَ بهِ، وذلكَ لأنَّ جاحدَ ما ذُكِرَ ما كفرَ إلا لتضمّنِ قوله تكذيبُ الرسولِ ﷺ للعلمِ الضروري أنه قال ذلك، فإنَّ ظاهرَهُ مرادٌ فكلُّ ما كانَ تكذيباً لنبيٍّ منَ الأنبياءِ فهو كذلكَ)). بقي عليكَ أنْ تعرفَ ما الجَحدُ الذي يصيرُ فاعلُهُ كافراً، لأنَّ كلَّ فرقةٍ تنسبُ مخالفتها (٢) إلى التكذيبِ، قال حجةُ الإسلامِ ما ملخصُهُ: فالحنبليُّ يكفّرُ الأشعريَّ زاعماً أنَّهُ كذّبَ الرسولَ في إثباتِ الفوقِ للهِ تعالى في الاستواءِ على العرشِ، والأشعريُّ يكفّرهُ زاعماً أنّهُ شبه وكذّب الرسولَ في أنّهُ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، والأشعريُّ يكفّرُ المعتزليَّ زاعماً أنهُ كذّبَ الرسولَ ﷺ في جوازِ رؤيةِ اللهِ / ٢١٧ب / وفي إثباتِ العلمِ والقدرةِ والصفاتِ لهُ، والمعتزليُّ يكفرُ الأشعريَّ زاعماً أنَّ إثباتَ الصفاتِ تكثيرٌ للقديمِ وتكذيبٌ للرسولِ ﷺ في التوحيدِ، ولا ينجيكَ من هذه الورطةِ إلاّ أنْ تعرفَ حدّ التكذيبِ والتصديقِ فأقولُ: التصديقُ إنما يتطرقُ إلى الخبرِ، وحقيقتهُ: الاعترافُ بوجودِ ما أخبرَ الرسولُ ﷺ عنْ (٣) وجودهِ، إلا أنَّ
следующие страницы →