← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

قولهُ: (الإمام سليم) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وهو قولُ بعض الشافعيينَ، وبهِ قَطَعَ منهم الإمامُ سُليمُ بنُ أيوبَ الرازيُ، قال: لأنَّ أمر الأخبارِ مبنيٌّ على حسنِ الظنِّ)) (٢) إلى آخرِ كلامهِ. قولهُ: (ويشبهُ أن يكونَ العملُ على هذا) (٣) لم يبيّنْ وجهَ الشبهِ وليسَ بيّناً، ولعلهُ بناء على مثلِ قولهِ إنَّ البخاريَّ ومسلماً رَوَيا عنْ مجهولِ العينِ مصيراً منهما إلى أنَّ الجهالةَ ترتفعُ بروايةِ واحدٍ، والبيِّنُ في كلامِ أهل الفنِّ أنهم لا يحتجونَ إلاَّ بمصرَّحٍ بتوثيقهِ، ولا فرقَ بينَ القديمِ والحديثِ، وما ذكرهُ الشيخُ بعدَهُ من كلامِ الشافعيِّ بَيِّنٌ في ذلكَ. قولهُ: (فيهِ نظر) (٤)، أي: في تسميتهِ مستوراً، وتوجيهُه النظرَ بكلامِ الشافعيِّ ليسَ بواضحٍ، فإنَّ الحكمَ بشهادتِهما قد لا (٥) يخرجهما عن السترِ، ولعلَّ الذي سوّغَ الحكمَ أنَّ المحاكماتِ تكونُ فيها الأخصامُ وهم (٦) يجتهدونَ في ردِّ حججِ أخصامِهم ويزيدونَ / ٢١٥ب / في البحثِ عنْ أحوالِهمْ فالظاهرُ: أنهُ لولا عجزُهم عنْ قادحٍ لما سكتوا عنهُ، وعجزُهم مع شدةِ بحثهم قرينةٌ مقويةٌ للحكمِ عليهم بشهادتِهم، ولعلَّ هذا الذي قالهُ الشافعيُّ في جوابِ السؤالِ إنما بحثَهُ مع خصمٍ فألزمَهُ بمقتضى قولهِ. وقد أقرَّ الشيخانِ (٧) البغويَّ (٨) على تسميةِ من جُهِلتْ عدالتُهُ

стр. 632

الباطنةُ مستوراً. وعبارةُ " الروضةِ ": ((فرعٌ: ينعقدُ النكاحُ بشهادةِ المستورينَ على الصحيحِ، والمستورُ (١) منْ عُرفتْ عدالتُهُ ظاهراً لا باطناً)) (٢). قولهُ: (فعلى هذا) (٣) ليس ذلكَ بلازمٍ كما بيّنتُ أنهُ لا منافاةَ بينَ السترِ والحكمِ بقولِ مَنِ اتصفَ بالسترِ، ولا شكَّ أنَّ مَنْ خفي باطنُ حالهِ يُسمَّى مستوراً لذلكَ. قولهُ: (نعم في كلامِ الرافعيِّ) (٤) مرادهُ أنَّ عبارةَ الرافعيِّ موافقةٌ لقولِ البغويِّ، وقد صرّحَ بذلكَ في " النكت " (٥) وذلكَ أنها تقتضي أنهُ لا بدَّ منَ البحثِ عنِ الباطنِ ليرجعَ فيهِ إلى المزكِّينَ، وهذا حينئذٍ يغيّرُ في وجهِ ما نظرَ فيهِ منْ قولِ ابنِ الصلاحِ في المستورِ. قولهُ: (ونقل الرويانيُّ (٦)) (٧) مرادهُ بذلكِ تأييدُ كلامهِ، وليسَ مؤيداً لهُ؛ فإنّ قولَ الشافعيّ: ((ولا يعرفُ حالهما)) يُحملُ على الباطنِ ليوافقَ ما قرّرهُ مِنْ (٨) عدمِ الاحتجاجِ بالمجهولِ، ويؤيدُ ذلكَ قولُ الشافعيّ: ((انعقدَ النكاحُ بهما في الظاهرِ)) أي: كما أنهما عدلانِ في الظاهرِ نقولُ ينعقدُ / ٢١٦أ / في الظاهرِ، وقد كانَ الحالُ يقتضي عدمَ الاعتدادِ بهما لكنْ فَعَلنا ذلك؛ لأنَّ شدةَ البحثِ في مثلِ هذا تؤدي إلى

стр. 633

الحرجِ في أمرِ النكاحِ المفضي إلى العنتِ، وهو مما تعمُّ بهِ البلوى، وتكونُ في مواضعَ ليسَ بها مَنْ فيهِ أهليةُ البحثِ، ومبناهُ على التراضي بخلافِ الأحكام، ويزيدُ هذا التأييدَ وضوحاً أنَّ الشيخَ محيي الدينِ صوّبَ في "الروضةِ" (١) عدمَ الانعقادِ بمستورِ الظاهرِ، فإنَّهُ قال: ((قال البغويُّ: لا ينعقدُ بمنْ لا تعرفُ عدالتُهُ ظاهراً، وهذا كأنهُ تصويرٌ بما لايعرفُ إسلامُهُ وإلاّ فالظاهرُ أنّ (٢) حالَ المسلمِ الاحترازُ منْ أسبابِ الفسقِ. قلتُ: الحقُ هو قولُ البغويِّ وأنَّ مرادَهُ منْ لا يعرفُ ظاهرُهُ بالعدالةِ وقد صرّحَ البغويُّ بهذا، وقالهُ شيخُهُ القاضي حسينٌ، ونقلهُ إبراهيمُ المروذيُّ (٣) عن القاضي، ولم يذكر غيرهُ، واللهُ أعلم)). (٤) انتهى كلامُ "الروضةِ". وقد بَانَ من أنَّ خفاءَ العدالةِ في الظاهرِ سَوَّغَ إطلاقَ السترِ فكذلك خفاؤها في الباطنِ (٥). قولهُ: (والخلفُ في مبتدعٍ ما كفرا) (٦) قالَ شيخُنا: منَ المعلومِ أنَّ كلَّ فرقةٍ ترّدُ قولَ مخالِفها، وربما كَفَّرتهُ، فينبغي التحري في ذلكَ، والذي يظهرُ أنَّ الذي يُحكمُ عليهِ بالكفرِ منْ كانَ الكفرُ صريحَ قولهِ، وكذا منْ كانَ لازمَ قوله، وعرضَ عليهِ فالتزمهُ، أمّا منْ لم يلتزمهُ (٧)، وناضلَ عنهُ، فإنَّهُ لا يكونُ / ٢١٦ب / كافراً ولو

стр. 634

كانَ اللازمُ كفراً. انتهى. وهو قولٌ حسنٌ، لكنْ لا بدَ أنْ يعرفَ الأمرَ الذي يكفرُ مَنْ يعتقدُهُ، ويعرفَ ما هو الصريحُ منْ ذلكَ، وحينئذٍ يعرفُ الكافرَ منْ غيرهِ، فكلُّ مَنْ جَحَدَ مُجمَعاً عليهِ، معلوماً منَ الدينِ بالضرورةِ، كفرَ، سواء كانَ فيهِ نصٌ أو لا، ومعنى العلمِ بالضرورةِ: أنْ يكونَ ذلكَ المعلومُ (١) منْ أمور الإسلامِ الظاهرةِ التي يشتركُ في معرفتها الخواصُ والعوامُ، كالصلاةِ، والزكاةِ، والحجِ، وتحريمِ الخمرِ، والزنا. هذا حاصلُ ما قال (٢) شيخُ الإسلامِ النوويُّ في " الروضةِ " (٣) في بابي الردة وتاركِ الصلاةِ، وعلّلوهُ بأنهُ لم يصدِّق الرسولَ ﷺ فيما عُلمَ بالضرورةِ أنهُ منْ دينهِ فتصديقهُ في ذلكَ داخلٌ في حقيقةِ الإيمانِ. قال الأصفهانيُّ (٤) في أولِ تفسيرِ البقرةِ: وتحقيقُ القولِ فيهِ - أي: الكفر - أنَّ (٥) ما نُقلَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ ذهبَ إليه وقالَ بهِ، فأمّا أنْ تعرفَ (٦) صحةَ ذلك النقلِ بالضرورةِ أو بالاستدلالِ أو بخبرِ الواحدِ. أمّا القسمُ الأولُ: فمن صدّقهُ في جميعهِ (٧) فهوَ مؤمنٌ، ومنْ لمْ يصدّقهُ في جميعِ ذلكَ سواءٌ كانَ مصدقاً في البعضِ أو لَم يصدقهُ في شيءٍ منهُ فهو كافرٌ، ثمَّ (٨)

стр. 635

قالَ: وأمّا الذي عُلمَ بالدليلِ أنَّهُ منْ دينهِ مثلَ كونهِ سبحانهُ عالماً بالعلمِ، أو بذاتهِ - إلى أن قال - / ٢١٧أ / فلم يكن إنكارهُ والإقرارُ بهِ داخلاً في حقيقةِ الإيمانِ فلا يكونُ كفراً، والدليلُ عليهِ أنهُ لو كانَ داخلاً في حقيقةِ الإيمانِ لم يحكمِ النبيُّ ﷺ بإيمانِ أحد حتى يعرفَ (١) الحقَ في تلكَ المسائلِ كلِّها، ولو كانَ الأمر كذلكَ لاشتهرَ، وهو يرجعُ إلى ما قالهُ الإمام حجةُ الإسلامِ أبو حامدٍ الغزاليُّ في كتابِ " التفرقةِ بينَ الإسلامِ والزندقةِ ": ((الكفرُ هو تكذيبُ الرسولِ ﷺ في شيءٍ مما جاءَ بهِ، والإيمانُ تصديقُهُ في جميعِ ما جاءَ بهِ، وذلكَ لأنَّ جاحدَ ما ذُكِرَ ما كفرَ إلا لتضمّنِ قوله تكذيبُ الرسولِ ﷺ للعلمِ الضروري أنه قال ذلك، فإنَّ ظاهرَهُ مرادٌ فكلُّ ما كانَ تكذيباً لنبيٍّ منَ الأنبياءِ فهو كذلكَ)). بقي عليكَ أنْ تعرفَ ما الجَحدُ الذي يصيرُ فاعلُهُ كافراً، لأنَّ كلَّ فرقةٍ تنسبُ مخالفتها (٢) إلى التكذيبِ، قال حجةُ الإسلامِ ما ملخصُهُ: فالحنبليُّ يكفّرُ الأشعريَّ زاعماً أنَّهُ كذّبَ الرسولَ في إثباتِ الفوقِ للهِ تعالى في الاستواءِ على العرشِ، والأشعريُّ يكفّرهُ زاعماً أنّهُ شبه وكذّب الرسولَ في أنّهُ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، والأشعريُّ يكفّرُ المعتزليَّ زاعماً أنهُ كذّبَ الرسولَ ﷺ في جوازِ رؤيةِ اللهِ / ٢١٧ب / وفي إثباتِ العلمِ والقدرةِ والصفاتِ لهُ، والمعتزليُّ يكفرُ الأشعريَّ زاعماً أنَّ إثباتَ الصفاتِ تكثيرٌ للقديمِ وتكذيبٌ للرسولِ ﷺ في التوحيدِ، ولا ينجيكَ من هذه الورطةِ إلاّ أنْ تعرفَ حدّ التكذيبِ والتصديقِ فأقولُ: التصديقُ إنما يتطرقُ إلى الخبرِ، وحقيقتهُ: الاعترافُ بوجودِ ما أخبرَ الرسولُ ﷺ عنْ (٣) وجودهِ، إلا أنَّ

стр. 636

للوجودِ خمسَ مراتبَ، فإنَّ الوجودَ ذاتيٌّ وحسيٌّ وخياليٌّ وعقليٌّ وشبهيٌّ، وقد نظمتُ أنا ذلك لِيهونَ حفظُهُ فقلتُ: مراتبُ الوجودِ ذاتُ حسٍ ... ثمَّ الخيالُ العقلُ شبهُ خمسٍ فمن اعترفَ بوجودِ ما أخبرَ الرسولُ ﷺ بوجودهِ بوجهٍ منْ هذه الوجوهِ الخمسةِ فليس بمكذِّبٍ على الإطلاقِ. فالذاتيُّ هو الوجود الحقيقي الثابتُ خارجَ الحسِ والعقلِ، ولكنْ يأخذ الحسُ والعقلُ صورتهُ، فيسمى أخذهُ إدراكاً، وهذا كوجودِ السماء والأرضِ والحيوانِ والنباتِ، وهو ظاهرٌ. والحسيُّ: ما يتمثلُ في القوةِ الباصرةِ منَ العينِ مما لا وجودَ لهُ خارجَ العينِ فيكون موجوداً في الحسِ، ويختصُ به الحاسُّ، ولا يشاركهُ فيهِ غيرهُ، وذلكَ كما يشاهدهُ النائمُ (١)، بل كما يشاهدُهُ المريضُ المتيقظُ، إذ قد / ٢١٧أ / تتمثلُ لهُ صوراً لا وجودَ لها خارجَ حسهِ، كما تأخذُ قبساً منْ نارٍ كأنه نقطةٌ، ثم تُحرّكهُ بسرعةٍ حركةً مستقيمةً فتراهُ خطاً منْ نارٍ، وتحركهُ حركةً مستديرةً فتراهُ دائرةً منْ نارٍ، ولكنَّ ذلكَ في أوقاتٍ متعاقبةٍ فلا يكونُ موجوداً في حالةٍ واحدةٍ، وهو ثابتٌ في مشاهدتِكَ في حالةٍ واحدةٍ، ومن الحسيِّ رؤيةُ جبريلَ ﵇ في صورةٍ غير صورتهِ التي خَلَقهُ اللهُ عليها كصورةِ دحيةَ مثلاً؛ فإن الصورةَ المخلوقَ عليها هي الذاتيةُ الموجودةُ في الخارجِ وتلك حسيةٌ. والخياليُّ: هو صورةُ المحسوساتِ إذا غابتْ عنْ حسِّكَ فتكونُ موجودةً في خيالكَ، وذلكَ الذي في خيالِكَ (٢) ليسَ هو الذي في الخارجِ، فإنَّ خزانةَ خيالِكَ لا تسعُ السماواتِ والأرضينَ.

стр. 637

والعقليُّ: هو أنْ يكون للشيءِ روحٌ ومعنى، فيتلقى العقلُ مجرّدَ معناهُ دون (١) أن يُثبتَ صورتهُ في خيالٍ أو حسٍ أو خارجٍ، كاليدِ، فإنَّ لها صورةً محسوسةً ومتخيلةً، ولها معنى هو حقيقةُ اليد وهو القدرة على البطشِ وذلك هو اليدُ العقلي، ومعنى القلم (٢) ماتنتقشُ بهِ العلومِ. والشبهيُّ: هو أن لا يكونَ نفسُ الشيءِ موجوداً لا بصورتهِ الحقيقيةِ لا في الخارجِ ولا في الحسِ ولا في الخيالِ ولا في العقلِ، ولكنْ يكونُ الموجودُ شيئاً آخر يشبهه في خاصيةٍ منْ خواصهِ وصفةٍ منْ صفاتهِ / ٢١٨ ب / مثل جَعلِ النبيِّ ﷺ الحجرَ الأسودَ يمينَ اللهِ (٣)؛ لكونهِ مثلَ اليمينِ لا في ذاتهِ ولا في صفاتِ ذاتهِ بل في عارضٍ منْ عوارضهِ؛ وذلكَ أنهُ يُقَبَّلُ تقرّباً إلى ربهِ كما أنَّ اليمينَ تقبّلُ تقرّباً إلى ربها، أي: صاحبِها، فمن نزل قولاً منْ أقوالِ صاحبِ الشرعِ ﷺ (٤) على درجةٍ منْ هذه الدرجاتِ فهوَ منَ المصدقينَ، والتكذيبُ أنْ ينفيَ جميعَ هذه المعاني ويزعمَ أنَّ ما قالهُ ﷺ لا معنى لهُ وإنما هوَ كذبٌ محضٌ، وغرضهُ فيما قالهُ: التلبيسُ أو مصلحةٌ دنيويةٌ، وذلكَ هوَ الكفرُ المحضُ، والزندقةُ، ولا يلزم الكفرُ للمتأولينَ ماداموا يُلازمونَ قانونَ التأويلِ، وهو أن يقومَ البرهانُ على استحالةِ الظاهر، فالظاهرُ الأولُ

стр. 638

الوجودُ الذاتيُّ فإنَّهُ إذا ثبتَ تضمّنَ الجميعَ، وإنْ تعذّرَ فالحسيُّ، فإنَّهُ إذا ثبتَ تضمّنَ ما بعدهُ، فإن تعذّرَ فالخياليُّ أو العقليُّ، فإن تعذرا فالوجودُ الشبهيُّ المجازيُّ، ولا رخصةَ في العدولِ عنْ درجةٍ إلى ما دونها إلا بضرورةِ البرهانِ فيرجعُ الاختلافُ على التحقيقِ إلى البرهانِ، إذ يقولُ الحنبليُّ: لا برهانَ على استحالةِ اختصاصِ الباري تعالى (١) بجهةِ فوق، ويقولُ الأشعريُّ - أي: للمعتزليِّ -: لا برهانَ على استحالةِ الرؤيةِ وكانَ كلُّ واحدٍ لا يرتضي ما ينكرُهُ (٢) / ٢١٩أ / الخصمُ ولا يراهُ دليلاً قاطعاً، وكيفَ ما كانَ فلا ينبغي أنْ يكفرَ كلُّ فريقٍ خصمَهُ بأنْ يراهُ غالطاً في البرهانِ، نَعَمْ، يجوزُ أنْ يسميهِ ضالاً أو مبتدعاً، أمّا ضالاً فمن حيثُ إنّهُ ضلَّ عن الطريقِ عندَهُ، وأمّا مبتدعاً فمنْ حيثُ إنهُ أبدعَ قولاً (٣) لم يُعهدْ منَ السلفِ التصريحُ بهِ، إذ منَ المشهورِ فيما بينَ السلفِ أنَّ اللهَ تعالى يرى، فقولُ القائلِ: لا يرى بدعةٌ، وتصريحهُ بتأويلِ الرؤيةِ بدعةٌ، ويقولُ الحنبليُّ: إثباتُ الفوقِ للهِ تعالى مشهورٌ عندَ السلفِ ولم يذكر أحدٌ (٤) منهم أنَّ خالقَ العالَمِ ليسَ متصلاً بالعالمِ ولا منفصلاً، وأنَّ جهةَ فوق إليه كنسبةِ جهةِ تحت، وهذا قولٌ مبتدعٌ. ثم قالَ: منَ الناسِ منْ يُبادرُ إلى التأويلِ بغلباتِ الظنونِ منْ غيرِ برهانٍ قاطعٍ، فأمّا ما يتعلقُ منْ هذا الجنسِ بأصولِ العقائدِ المهمةِ فيجبُ تكفيرُ مَنْ يغيّرُ الظاهرَ بغيرِ برهانٍ قاطعٍ، كالذي يُنكرُ حشرَ الأجسادِ وينكرُ العقوباتِ الحسيةَ في الآخرةِ بظنونٍ وأوهامٍ. ثم قالَ: اعلمْ أنْ شرحَ ما يُكفَّرُ بهِ، وما لا يُكفَّر بهِ يستدعي تفصيلاً طويلاً، فاقنعِ الآنَ بوصيةٍ وقانونٍ، أمّا الوصيةُ فأن تكفَّ لسانَكَ عنْ أهلِ الملةِ ما أمكنكَ ما

стр. 639

داموا قائلينَ لا إلهَ إلا الله غيرَ مناقضينَ لها، والمناقضةُ / ٢١٩ب / تجويزُهمُ الكذبَ على رسولِ اللهِ ﷺ بعذرٍ أو بغيرِ عذرٍ، فإنّ التكفيرَ فيهِ خطرٌ والسكوتُ لا خطرَ فيهِ، وأمّا القانونُ فهو أن تعلمَ أنَّ النظرياتِ قسمان: قسمٌ يتعلّق بأصولِ العقائدِ، وقسمٌ يتعلّقُ بالفروعِ. وأصولُ الإيمانِ ثلاثةٌ: الإيمانُ باللهِ، ورسولهِ، واليومِ الآخرِ، وما عداهُ فرعٌ. ثم قالَ: ومهما كانَ التكذيبُ، وجبَ التكفيرُ، ولو كانَ في الفروعِ، فلو قالَ قائلٌ مثلاً: البيتُ الذي بمكةَ ليسَ هو الكعبةُ التي أمرَ اللهُ بحجِّها، فهذا كفرٌ، إذْ ثبتَ تواتراً عنْ رسولِ اللهِ ﷺ خلافُهُ. وقالَ شيخُنا في " شرحِ نخبتهِ ": ((فالمعتمَدُ: أنَّ الذي ترّدُ روايتُهُ، مَنْ أنكرَ أمراً متواتراً منَ الشرعِ، معلوماً منَ الدينِ بالضرورةِ (١)، وكذا من اعتقدَ عكسَهُ، فأمّا مَنْ لم يكنْ بهذه الصفةِ، وانضمَّ إلى ذلكَ ضبطهُ لما يرويهِ مع ورعهِ وتقواهُ، فلا مانعَ منْ قبولهِ)) (٢)، ثم قالَ: ((نَعَمْ، الأكثرُ على قبولِ غيرِ الداعيةِ إلا أنْ يرويَ ما يقوي بدعتَهُ فيرد على المذهبِ المختار)) (٣). وكلامهُ (٤) أيضاً يقتضي: أنَّ الداعيةَ إذا رَوَى ما لا تعلّقَ لهُ ببدعتهِ قُبِلَ لكنِ الأكثر لا يقبلونَ الداعيةَ مطلقاً؛ لأنَّهُ قدْ يستهينُ تسويةَ كلمةٍ لترويجِ بدعتهِ يرى أنَّ ذلك معناها (٥) / ٢٢٠أ /، وحبكَ للشيءِ يعمي ويصمُ (٦)، وقد تكونُ تلك الكلمةُ

стр. 640

مما يخفى، فيعسر أمرُها بعدَ خروجِها عنهُ مع أنّ في الروايةِ عنهُ ترويجاً لأمرهِ وتحسيناً للظنِّ به، فَسُدّتِ الذريعةُ وحُسِمتِ المادةُ. ويؤيدُ قبولَ غيرِ الخطابيةِ مطلقاً ما قال الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في " الروضةِ " في شروطِ الأئمةِ منْ كتابِ الصلاةِ: ((وأطلقَ القفّالُ وكثيرونَ منَ الأصحابِ القولَ بجوازِ الاقتداءِ بأهلِ البدعِ، وأنهم لا يكفّرونَ، قالَ صاحبُ " العدةِ ": ((وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيّ)). قلتُ: هذا الذي قالهُ القفّالُ وصاحبُ " العدةِ " هو الصحيحُ، أو الصوابُ، فقد قالَ الشافعيُّ: أقبلُ شهادةَ أهلِ الأهواءِ إلا الخطابيةَ؛ لأنَّهُم يرونَ الشهادةَ بالزورِ لموافقيهم (١)، ولم يزلِ السلفُ والخلفُ على الصلاةِ خلفَ المعتزلةِ وغيرِهم ومناكحتِهم وموارثتِهم وإجراءِ أحكامِ الإسلامِ عليهمْ، وقد تأوّلَ الإمامُ الحافظُ الفقيهُ أبو بكرٍ البيهقيُّ وغيرهُ منْ أصحابِنا المحققينَ ما جاءَ عنِ الشافعيّ وغيرهِ منَ العلماءِ منْ تكفيرِ القائلِ بخلقِ القرآنِ على كفرانِ النعمِ لا كفر الخروجِ عن الملةِ، وحَملَهُم على هذا التأويلِ ما ذكرتهُ منْ إجراءِ أحكامِ الإسلامِ عليهمْ، واللهُ أعلم)). (٢) انتهى كلامهُ. وهو يدلُّ على قبولِ كلِّ مبتدعٍ / ٢٢٠ب / مستكملٍ للشروطِ لا يكفرُ بالقانونِ الذي تقدّمَ مطلقاً إلاّ الخطابيُّ، لكنْ ألحقوا بالخطابيةِ الداعيةَ مطلقاً وغيرَهُ إذا رَوَى ما يقوي بدعتَهُ احتياطاً لما تقدّمَ. ثمَ ذكرَ الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في كتابِ الشهاداتِ من كتابِ القضاءِ منَ " الروضةِ " (٣) نحو هذا فقالَ: ((جمهورُ الفقهاءِ منْ أصحابنا وغيرِهم لا يُكفِّرونَ أحداً

стр. 641

منْ أهلِ القبلةِ، لكن اشتهر عن الشافعيّ ﵀ تكفيرُ الذينَ ينفونَ علمَ اللهِ تعالى بالمعدومِ، ويقولونَ: ما يعلمُ الأشياءَ حتى يخلقَها ونَقلَ العراقيونَ عنهُ (١) في (٢) تكفيرِ النافينَ للرؤيةِ، والقائلينَ بخلقِ القرآنِ، وتأولّهُ الإمامُ فقالَ: ظنّي أنهُ نَاظَرَ بعضَهمْ فألزمَهم الكفرَ في الحجاج، فقيلَ: إنَّهُ كفَّرَهمْ، ثمَ قالَ: وهذا حسنٌ. وقد تأوّلهُ الإمامُ الحافظُ الفقيهُ الأصوليُّ أبو بكرٍ البيهقيُّ، وآخرونَ تأويلاتٍ متعاضدةً على أنّهُ ليسَ المرادُ بالكفرِ الإخراجَ منَ الملة وتحتمَّ الخلودِ في النارِ وهكذا تأوّلوا ما جاءَ عن جماعةٍ منَ السلفِ منْ إطلاقِ هذا اللفظِ واستدلّوا بأنهم لم يلحقوهمْ بالكفارِ بالإرثِ والأنكحةِ ووجوبِ قتلهمْ وقتالهمْ وغيرِ ذلكَ، وقالَ: أمّا تكفيرُ منكرِ العلمِ بالمعدومِ أو بالجزئياتِ فلا شكَّ فيهِ، ومنْ كفّرناهُ لم نقبلْ شهادتَهُ وأمّا منْ لم / ٢٢١ أ / نكفّرهُ فقد نصَّ في " الأم " (٣) و" المختصرِ " (٤) على قبولِ شهادتِهمْ إلاَّ الخطابيةَ؛ لأنَّهُمْ يرونَ شهادةَ أحدهِم لصاحبهِ إذا سمعهُ يقولُ: لي على فلانٍ كذا فيصدقهُ بيمينهِ أو غيرِها، ويشهدُ له اعتماداً على أنّه لا يكذبُ، هذا نصهُ. والأصحابُ فيهِ ثلاثُ فرقٍ: فرقةٌ جرت على ظاهرِ نصّهِ وقبلت شهادةَ جميعِهم وهذه طريقةُ الجمهورِ، منهم: ابنُ القاصِّ، وابنُ أبي هريرةَ، والقضاةُ: ابن كَج (٥) وأبو الطيبِ (٦) والروياني، واستدلّوا بأنهم مصيبونَ في زعمِهم ولم يظهرْ

стр. 642

منهم ما يسقطُ الثقةَ بقولهم. وقَبِلَ هؤلاءِ شهادةَ مَنْ سبَّ الصحابةَ والسلفَ ﵃؛ لأنَّهُ يقدِمُ عليهِ عن اعتقادٍ لا عنْ عداوةِ عنادٍ، قالوا: ولو شهدَ خَطّابيٌّ وذَكرَ في شهادتهِ ما يقطعُ احتمالَ الاعتمادِ على قولِ المدّعي بأنْ قالَ: سمعتُ فلاناً يقرُّ بكذا لفلانٍ أو رأيتُهُ أقرضهُ قُبلتْ شهادتُهُ ثمَ صوّبَ ما قالتْ هذه الفرقةُ الأولى من قبولِ شهادةِ الجميعِ، قالَ: فقد قالَ الشافعيّ في " الأم " (١): ذهب الناس في تأويل القرآنِ والأحاديثِ إلى أمورٍ تباينوا فيها تبايناً شديداً، واستحلَّ بعضُهم منْ بعضٍ ما تطولُ حكايتُهُ وكانَ ذلكَ متقادماً منهِ، ما كانَ في عهدِ السلفِ وإلى اليومِ، فلم نعلم أحداً منْ سلف الأمةِ يُقتدَى بهِ، ولا مَنْ بعدَهم مِنَ التابعينَ ردَّ شهادةَ أحدٍ بتأويلٍ، وإن خطّأهُ وضلّلهُ، ورآهُ استحلَّ ما حرّمَ اللهُ عليهِ، فلا تُرّدُ شهادةُ أحدٍ بشيءٍ من التأويلِ كانَ لهُ وجهٌ يحتملُ وإنْ بلغ فيهِ استحلالَ المالِ والدمِ)). هذا نصّهُ بحروفهِ، وفيهِ التصريحُ بما ذكرناهُ وبيانُ ما ذكرناهُ في تأويلِ تكفيرِ القائلِ بخلقِ القرآنِ، ولكنَّ قاذفَ عائشةَ ﵂ كافرٌ لا تُقبلُ شهادتُهُ، ولنا وجهٌ أنَّ الخطابيَّ لا تُقبلُ شهادتُهُ وإن بيَّنَ ما يقطعُ الاحتمالَ؛ لاحتمالِ اعتمادهِ فيهِ على قولِ صاحبهِ. انتهى. وفيهِ اختصارٌ، وهو وما قبلَهُ يتنزلُ على ما ذَكرَهُ الغزاليُّ من ذلك القانونِ، وكلُّ ذلك يدلُّ على تصويبِ فعلِ الشيخينِ البخاريِّ ومسلمٍ في الاحتجاجِ بأخبارِهم، ولو كانوا دعاةً إلى بدعِهم، والله أعلم. قولهُ: (يردُّ مطلقاً) (٢)، أي: سواءٌ كان داعيةً أو لا، خطابياً أو لا. قولهُ: (نُصرةَ مذهبٍ) (٣) هو مفعولٌ له، والعاملُ فيهِ ((استحلَّ))، أي:

стр. 643

استحلَّ الكذبَ لنصرةِ مذهبهِ، ومِن (١) نصرتهِ له شهادتهُ لأهلهِ؛ لاعتقادهِ صدقَهم لكونهم على ذلكَ المذهبِ. قولهُ: (منْ غيرِ خطابيةٍ) (٢) همْ صنفٌ منَ الرافضةِ، وينبغي: أنْ يُحملَ كلامُ الشافعيّ على جميعِ الرافضةِ لقوله: ((ما في أهل الأهواءِ أشهدُ بالزور منَ الرافضةِ)) (٣) كما سيأتي عنهُ / ٢٢٢أ / ويكونُ حينئذٍ إنما عبّر عنهم بالخطابيةِ تعبيراً باسمِ الجزءِ عن (٤) الكلِّ؛ لأنَّ ذلكَ الجزءَ هو المقصودُ الأعظمُ منْ ذلكَ الكلِّ، مثل إطلاقِ العينِ على الربيئةِ (٥)، ويكونُ ذلكَ لأنَّ الخطابيةَ أعظمُهم كذباً، ويحتملُ أنْ يكونوا هُمُ الذينَ سنّوا لهمُ الكذبَ، وفتحوا لهمْ بابَهُ فولجوهُ، ويجوزُ أنْ يكونَ الأمرُ بالعكسِ، أطلقَ الرافضةَ على الخطابيةِ ولم يردْ غيرَهم، والله أعلمُ. والاسمُ الجامعُ لفرقِهم: الشيعةُ، ادّعوا مُشايعةَ عليٍّ ﵁، وقالوا: إنَّهُ الإمامُ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ ، واعتقدوا أنَّ الإمامةَ لا تخرجُ عنهُ، ولا عنْ أولادهِ، فإنْ خرجتْ فإمّا بظلمٍ فيكونُ منْ غيرهم، وإمّا بتقيةٍ منهُ أو منْ أولادهِ، وهم اثنانِ وعشرونَ فرقةً، يكفّرُ بعضُهمْ بعضَاً. أصولُهم ثلاثٌ: غلاةٌ، وزيديةٌ، وإماميةٌ. أمّا الغلاةُ: فثمانيةَ عشرَ، منهم: السبائيةُ: أتباعُ عبدِ اللهِ بنِ سبأ، كانَ على زمنِ عليٍّ ﵁، فقال له: أنتَ إلهٌ فنفاهُ عليٌّ ﵁، والخطّابيةُ: ويستحلّونَ شهادةَ الزور لموافقِيهم على مخالفِيهم. ومنهم: النصيريةُ، والإسماعيليةُ،

стр. 644

ولهم سبعةُ ألقابٍ، وغالبُ هؤلاءِ الغلاةِ يقولونَ بإلاهية الأئمةِ، وأضرُّهم على أهلِ الإسلامِ الإسماعيليةُ؛ فإنّ جلَّ قصدِهم نقضُ الشريعةِ ولهم في ذلكَ / ٢٢٢ب /طرقٌ عظيمةٌ، وأصلهم مجوسٌ عجزوا عنْ ردِّ ما كانَ منْ دينهم بالسيفِ فسعوا في استغواءِ ضعفاءِ المسلمينَ بأنواعِ الخداعِ. والزيديةُ: نُسبوا إلى زيدِ بنِ عليٍّ زينِ العابدينَ بنِ الحسينِ، وهمْ ثلاثُ فرقٍ، وسُمّيَ منْ رفضَ زيداً هذا رافضةً. والإماميةُ: وهم الاثنى عشرية. قولهُ: (عن أهل بدع) (١) إنْ كانَ بالفتحِ فهو مصدرُ بَدَعَ، قالَ ابنُ القطاعِ في " الأفعالِ ": ((بَدَعَ الركيَّ بَدعاً، إذا استنبطَها، ومنْ ذلكَ ركيٌّ بديعٌ حديثةُ الحفرِ، وبَدعتُ الشيءَ، أنشأتُهُ، وأبدعَ الرجلُ، أتى ببديعٍ منْ قولٍ أو فعلٍ، وأبدعَ اللهُ تعالى الأشياءَ، ابتدأَ خلقَها بلا مثالٍ)) (٢)، وقالَ أبو عبدِ اللهِ القزازُ: ((بدعتُ الشيءَ، أنشأتهُ ولمْ أُسبقْ إليهِ، ولا احتذيتُ فيهِ أحداً، واللهُ بديعُ السماواتِ والأرضِ لابتداعهما، وما بينهما على غير مثالٍ، وبدعتُ الركيَّ إذا انشأتها فهي بديعٌ، أي: حديثةُ الحفرِ)). والبدعةُ في الدينِ منْ هذا، وهي كلّ حدثٍ بعدَ رسولِ الله ﷺ لم تتقدّم بهِ سنةٌ قيلَ لهُ: بدعةٌ؛ لحدوثهِ، وقيلَ: سُميَ بدعةً؛ لأنَّهُ مُبتدعٌ، والابتداعُ المصدر، والبدعةُ الاسمُ لما ابتُدِعَ، فالتقديرُ: عنْ أهل إنشاءٍ لقولٍ مُخترعٍ منْ عندِ أنفسهم من غير سلفٍ سبقَ لهم فيهِ، وإنْ كانَ / ٢٢٣أ / بالكسرِ فهو منْ قولهِ تعالى: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُل﴾ (٣)، قال الزبيديُّ في " مختصرِ العينِ ": ((البِدعُ: الشيءُ الذي

стр. 645

يكونُ أولاً في كلِ أمرٍ)) فهو على حذفِ مضافٍ تقديرهُ عن أهل أمرٍ بدعٍ، أو قولٍ بدعٍ. قولهُ: (ما دعوا) (١)، أي: لم يكونوا دعاةً. قولهُ: (وأما الثانية) (٢)، أي: وأما الصورةُ الثانيةُ فحكيتها أنا بسببِ أنَّهُ قالَ: كذا. قولهُ: (والمتكلمينَ) (٣) كانَ ينبغي أنْ يقولَ بعدهُ: ((وقولي: والخلفُ في مبتدعٍ ما كفرا)) (٤) إلى آخرهِ، فإنَّ ذلكَ كلّهُ من تتمةِ القولِ الرابعِ، وكأنّه قالَ: تُقبلُ أخبارُهم بخلافٍ فيهِ. قولهُ: (كعمران بن حطان) (٥) رأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا أنَّ البخاريَّ أخرجَ لهُ موضعاً واحداً في لبسِ الحريرِ متابعةً (٦)، وقالَ شيخُنا في " التهذيب " (٧): ((كانَ عمرانُ داعيةً إلى مذهبِ الخوارجِ فانتقضَ قولُ منِ ادّعى أنَّ الداعيةَ يردُ بالاتفاقِ))، وقالَ في ترجمتهِ منْ " تهذيبِ التهذيب ": ((ذكر زكريا الموصليّ في " تاريخِ الموصلِ " عنْ محمدِ بنِ بشرٍ العبديِّ الموصليِّ، قالَ: لمْ يمتْ عمرانُ بنُ حطانَ حتى رجعَ عنْ رأي الخوارجِ)). انتهى. قال شيخنا: ((هذا أحسنُ ما يعتذرُ بهِ عنْ تخريجِ البخاريِّ لهُ)) (٨)، ونُقلَ عنْ أبي داود أنه قالَ: ((ليسَ في أهلِ الأهواءِ أصحُّ

стр. 646

حديثاً منَ الخوارجِ، ثم ذكرَ عمرانَ بنَ حطانَ وغيرهُ)) (١) ثم قالَ: ((إنَّ ذلك ليسَ على إطلاقهِ فقد حَكَى ابنُ أبي حاتمٍ عنِ القاضي / ٢٢٣ب /عبدِ اللهِ بنِ عقبةَ المصريِّ، وهو ابنُ لهيعة، عنْ بعضِ الخوارجِ ممنْ تابَ أنهمْ كانوا إذا هووا أمراً صيّروهُ حديثاً)) (٢). وذكرَ عنْ صاحب " الأغانيِّ " أنَّه ساقَ بسندٍ صحيحٍ إلى ابن سيرين قالَ: تزوجَ عمرانُ امرأةً من الخوارجِ ليردّها عنْ مذهبها فذهبت بهِ، وسماها في روايةٍ أخرى خمرة (٣) وإنَّ عمرانَ كانَ مشهوراً بطلبِ العلمِ والحديثِ ومَدَحَ ابنَ ملجمٍ (٤) لعنهُ (٥) اللهُ في قتلهِ علياً ﵁ بقصيدةٍ منها: ياضربةً منْ تقيٍّ (٦) ما أرادَ بها ... إلاّ ليبلغ منْ ذي العرشِ رضواناً (٧) وكانَ الخبيثُ مُفتيَ الخوارجَ وزاهدَهم، وقالَ الشيخُ في " النكتِ على ابنِ الصلاحِ": ((وقد اعتُرضَ عليهِ بأنهما احتجّا أيضاً بالدعاةِ، فاحتجَّ البخاريُّ بعمرانَ ابنِ حطانَ، وهو منْ دُعاةِ الشراةِ (٨)، واحتجَّ الشيخانِ بعبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمانِ الحمانيِّ، وكانَ داعيةً إلى الإرجاءِ كما قالَ أبو داودَ (٩)، ثمّ قالَ: قلتُ: قالَ أبو داودَ:

стр. 647

وليس في أهلِ الأهواءِ أصحُّ حديثاً منَ الخوارجِ، ثم ذكرَ عمرانَ بنَ حطانَ وأبا حسانَ الأعرج (١) ولم يحتجَّ مسلمٌ بعبدِ الحميدِ الحمانيِّ، إنّما أخرجَ لَهُ في المقدمةِ، وقدْ وثّقهُ ابنُ معينٍ)). (٢) انتهى كلامُ " النكتِ ". وما اعتذرَ بهِ لا يفيدُ سلامةَ القولِ بأنَّ الداعيةَ يردُّ فإنَّ توثيقَهُ لايخرجُهُ عن كونهِ داعيةً، وقولُ الشراةِ وهو جمعُ شارٍ، قالَ / ٢٢٤أ / أهل اللغةِ: والشاري: واحدُ الشراةِ، وهمُ الخوارجُ، وإنما سمّوا بذلكَ لأنَّهُم زعموا أنهم شروا أنفسَهم منَ اللهِ، وقيلَ: لأنَّهُم ألجُّ الناسِ في مذهبِهم مِنْ شَرِيَ الرجلُ - بالكسرِ - في الشرِّ، إذا لجَّ فيهِ (٣). قولهُ: (وداود بن الحصين) (٤)، أي: الأمويُّ مولاهم، أبو سليمانَ المدنيُّ، رَوَى عنهُ مالكٌ، وأخرجَ حديثهُ الجماعةُ قالُ ابنُ معينٍ: ((ثقةٌ))، وقالَ أبو حاتم (٥): ((ليسَ بالقويِّ، ولولا أنَّ مالكاً رَوَى عنهُ لتُرِكَ حديثُهُ))، وذكرهُ ابنُ حبانَ في " الثقاتِ " (٦)، وقالَ: ((كانَ يذهبُ مذهبَ الشراةِ - يعني: طائفةً من الخوارجِ، قالَ - وكلُّ منْ تَركَ حديثَهُ على الإطلاقِ وَهِمَ؛ لأنَّهُ لم يكنْ بداعية)) وقالَ الساجيُّ (٧): ((منكرُ الحديثِ، متهمٌ برأي الخوارجِ)) (٨).

стр. 648

قولهُ: (ابن الأخرم) (١) قالَ الشيخُ في أوائلِ ما وُجِدَ منْ شرحهِ الكبيرِ: ((هو الحافظُ أبو عبد اللهِ محمدُ بنُ يعقوبَ بنِ يوسفَ بنِ الأخرم الشيبانيُّ النيسابوريُّ شيخُ الحاكمِ، ذكرهُ في " التاريخِ " فقالَ: ((صدرُ أهلِ الحديثِ ببلادِنا بعدَ أبي حامدِ بنِ الشرقي وكانَ يحفظُ ويفهمُ، وصنّفَ على الكتابينِ الصحيحينِ البخاريِّ ومسلمٍ، وصنّفَ "المسندَ الكبيرَ" وكانَ أبو بكرِ بنُ خزيمةَ يرجعُ إلى فهمهِ، وقالَ محمدُ بنُ صالحٍ بنِ هانئ: ((كانَ ابنُ خزيمةَ يقدّمُهُ على كافةِ أقرانهِ وكانَ يرجعُ إليهِ، ويعتمدُ قولهُ فيما يرد عليهِ، وإذا شكَّ في /٢٢٤ ب/ شيءٍ عَرَضهُ عليهِ، وتوفي في جمادى الآخرةِ سنةَ أربعٍ وأربعينَ وثلاثِ مئةٍ وهو ابنُ أربعٍ وتسعينَ سنةً)) (٢). قولهُ: (كالمجسمة) (٣) هذا المثالُ منْ عندِ الشيخِ لم يذكرهُ ابنُ الصلاحِ. وقولهُ: (إن قلنا بتكفيرهم) (٤) لم أرَ ما أشارَ إليهِ منَ الخلافِ، وإنما رأيتُ في " شرحِ المهذبِ " في صفةِ الأئمةِ: ((فرعٌ: قد ذَكَرنا أنَّ مَن يُكفَّرُ ببدعتهِ لا تصحُّ الصلاةُ وراءَهُ، ومن لايُكفَّرُ تصحُّ، فمِمَّنْ يكفّرُ: مَنْ يجسّمُ تجسيماً صريحاً، ومنْ ينكرُ العلمَ بالجزئياتِ، وأمّا منْ يقولُ بخلقِ القرآنِ فهو مُبتدعٌ، واختلفَ أصحابُنا في تكفيرِهِ)) (٥) فلعل الشيخَ سمّى التفصيلَ وما ينشأُ عنهُ من تكفيرِ المصرحِ دونَ غيرهِ خلافاً.

стр. 649

قولهُ: (فإنَّ ابن الصلاحِ) (١) تَسبّبَ عن قولهِ ((احترازٌ)) لم يحكِ فيهِ، أي: في المبتدع الذي يُكفَّرُ ببدعتهِ أعمُّ منَ المجسمِ وغيرهِ. قولهُ: (ردِّ روايتهِ مُطلقاً) (٢) أي: المبتدعِ سواءٌ كُفِّرَ ببدعتهِ، أو لا، سواءٌ اعتقدَ حرمةَ الكذبِ، أو لا. قولهُ: (وللحميدي والإمام أحمدا) (٣) لو قالَ بعده: إنَّ الذي لِكَذبٍ تعمدا، لكانَ أحسنَ، وأبو بكرٍ الحميديُّ هذا هو صاحبُ الشافعيّ، وهو شيخُ البخاريِّ، وأبو بكر الصيرفيُّ منْ أصحابِ الوجوهِ عند الشافعيّةِ. قولهُ: (أما الكذب في حديثِ الناسِ) (٤) /٢٢٥أ/ إلى آخرهِ، قالَ الشيخُ محيي الدين في أواخر شرحِ مقدمةِ " صحيحِ مسلمٍ ": ((قالَ القاضي - يعني: عياضاً - والضرب الثاني - أي: من الكاذبينَ - من لا يَستجيزُ شيئاً منْ هذا كلّهِ في الحديثِ، ولكنهُ يكذبُ في حديث الناسِ قدْ عُرفَ بذلكَ، فهذا أيضاً لا تقبلُ روايتُهُ ولا شهادتُهُ، وتنفعُهُ التوبةُ ويرجعُ إلى القبولِ. فأمّا منْ يندر منهُ القليلُ (٥) من الكذبِ ولم يعرفْ بهِ فلا يقطعُ بجرحهِ بمثلهِ؛ لاحتمال الغلطِ عليهِ والوهمِ، وإن (٦) اعترفَ بتعمّدِ ذلك المرةَ الواحدةَ ما لم يضرَّ بهِ مسلماً، فلا يجرحُ بهذا، وإن كانت معصيةً لندورِها؛ ولأنَّها لا تلحقُ بالكبائرِ الموبقاتِ؛ ولأن أكثرَ الناسِ قَلَّ ما يَسلمونَ منْ مواقعاتِ بعضِ الهناتِ (٧)، وكذلكَ لا

стр. 650

يسقطُها كذبهُ فيما هوَ من بابِ التعريضِ أو الغلو في القولِ، إذ ليسَ بكذبٍ في الحقيقةِ وإن كانَ في صورةِ الكذبِ؛ لأنَّهُ لا يدخلُ تحتَ حدِّ الكذبِ - يعني: لأنّ حدّ (١) الكذب هوَ الإخبارُ عن الشيءِ على خلافِ ما هوَ عمداً كانَ أو سهواً قالَ الشيخُ (٢) - ولا يريدُ المتكلمُ بهِ الإخبارَ عنْ ظاهرِ لفظهِ، وقد قالَ ﷺ : ((أمّا أبو الجهمِ فلا يضعُ العصا (٣) عن عاتقِهِ (٤)))، وقد قالَ الخليلُ إبراهيمُ (٥) عليهِ الصلاةُ (٦) والسلامُ: ((هذه أختي)) (٧) (٨). قولهُ: (افترقت فيهِ /٢٢٥ب/ الروايةُ والشهادةُ) (٩)، أي: لأنَّ كذبَهُ ذلك انعطفَ على جميعِ رواياتهِ في ما قبلَ ذلكَ، فَهدمَها وأسقطَها؛ لأنَّها نوعٌ واحدٌ والغرضُ فيها لا يشتدُّ اختلافهُ، فكما عَمَّ الماضي فكذلكَ يَعمُّ المستقبلَ احتياطاً للروايةِ. وأمّا الشهادةُ فإنَّهُا وإنْ كانَ أمرُها أضيقَ منَ الروايةِ، أنواعُها متباينةٌ، والغرضُ

стр. 651

فيها يختلفُ (١) اختلافاً كثيراً، فلم يبطلْ ما مَضَى منها وانبرمَ الحكمُ بهِ. وأمّا ما يكونُ منها بعد التوبةِ فيقعُ عندَ الحكامِ وفي حقوقٍ لها أهلٌ يُشاححونَ (٢) ويبحثونَ عن الخفايا، وذلك يوجبُ تحرّزَ الشاهدِ في نفسهِ، والحذرَ منهُ، والعثورَ على زَلَلِهِ وإن اجتهدَ في إخفائهِ بخلافِ الروايةِ. وإنما خفّفنا أمرَها في الابتداءِ؛ لبعدِ تعلّق الغرضِ بالكذبِ في الأمورِ العامةِ ونحوِها، ولا سيّما ممن اشتهرَ بالخيرِ، فلما وُجِدَ كذبُهُ صارَ أصلاً فيهِ، فوجبَ الاحتياطُ بعد ذلكَ بالاحترازِ منه استصحاباً لما جعلناهُ أصلاً، واللهُ أعلمُ (٣). ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا ما نصّهُ: قال الشيخُ محيي الدين النوويُّ ﵀: ولم أرَ دليلاً لمذهبِ هؤلاءِ، ويجوزُ أنْ يوجهَ بأنَّ ذلكَ جُعلَ تغليظاً وزجراً بليغاً عن الكذبِ عليهِ ﷺ /٢٢٦أ /؛ لعظمِ مفسدتهِ؛ فإنَّهُ يَصيرُ شرعاً مُستمراً إلى يومِ القيامةِ، بخلافِ الكذبِ على غيرهِ والشهادةِ؛ فإنَّ مفسدتهما قاصرةٌ ليستْ عامةً. قالَ - أي: النوويّ -: وهذا الذي ذَكرهُ (٤) هؤلاءِ الأئمةُ ضعيفٌ مخالفٌ للقواعدِ الشرعيةِ، والمختارُ القطع بصحةِ توبتهِ (٥) في هذا، وقبولُ رواياتهِ بعدَها إذا صحّتْ توبتُهُ بشروطها المعروفةِ، قالَ: فهذا هو الجاري على قواعدِ الشرعِ، وقدْ أجمعوا على صحةِ روايةِ منْ كانَ كافراً فأسلمَ، قال: وأجمعوا على قبولِ شهادتهِ، ولا فرقَ بينَ الشهادةِ والروايةِ في هذا. انتهى. وهو في الكلامِ على حديثِ: ((مَنْ كذبَ عليَّ متعمداً ... )) في " شرحِ

стр. 652

صحيحِ مسلمٍ " في المقدمةِ (١). قولهُ: (فهو كاذبٌ في الأول) (٢)، أي: الخبرِ الأولِ، أي: نجعلُهُ صادقاً في إخبارهِ عنْ نفسهِ بالكذبِ في قولهِ: عمدتُ الكذبَ، فيردُّ ذلك الخبرَ الذي قالَ: إنَّهُ كذبَ فيهِ، ثمَ نردُّ بعد ذلكَ كلَّ شيءٍ يُحدثُ بهِ، ونحملُهُ على الكذبِ ولو قالَ: إنّي صدقتُ في هذا. واستدلالُ الشيخِ على أنَّهُ أرادَ الكذبَ في حديثِ النبي ﷺ بما قالَ ضعيفٌ، والظاهرُ ما قالَ ابنُ الصلاحِ، ويدلُّ عليهِ قولهُ: ((ومن ضعفنا نقلهُ)) (٣) إلى آخرهِ، فإنَّهُ أعمُّ من أنْ يكونَ يكذبُ في الحديثِ /٢٢٦ب/، أو في حديثِ الناسِ، أو بِوَهمٍ أو فسقٍ، لكنَّ موافقتَهُ على إدامةِ الإهدار بعد التوبةِ منْ غيرِ الكذبِ بعيدةٌ، والله أعلمُ. قولهُ: (يضاهي منْ حيث المعنى) (٤)، أي: من أجلِ أنَّ ردَّنا لحديثهِ بعدَ الاطّلاعِ على كذبهِ إنَّما هو لاحتمالِ أنْ يكونَ كَذَبَ فيهِ كما كَذَبَ في الذي (٥) اطّلعنا على كذبهِ فيهِ، وهذا الاحتمالُ بعينهِ سارٍ فيما تقدّمَ على ذلكَ. نهاية الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله البيت رقم (٣٠٤)

стр. 653

قولهُ: ٣٠٤ - وَمَنْ رَوَى عَنْ ثِقَةٍ فَكَذَّبَهْ ... فَقَدْ تَعَارَضَا، وَلَكِنْ كَذِبَهْ ٣٠٥ - لاَ تُثْبِتَنْ بِقَوْلِ شَيْخِهِ، فَقَدْ ... كَذَّبَهُ الآخَرُ، وَارْدُدْ مَا جَحَدْ ٣٠٦ - وَإنْ يَرُدَّهُ بِـ (لاَ أذْكُرُ) أوْ ... مَا يَقْتَضِي نِسْيَانَهُ، فَقَدْ رَأوْا ٣٠٧ - الحُكْمَ لِلذَّاكِرِ عِنْدَ المُعْظَمِ ... وَحُكِيَ الإسْقَاطُ عَنْ بَعْضِهِمِ ٣٠٨ - كَقِصَّةِ الشَّاهِدِ واليَمِيْنِ إذْ ... نَسِيَهُ (سُهَيْلٌ) الَّذِي أُخِذْ ٣٠٩ - عَنْهُ، فَكَانَ بَعْدُ عَنْ (رَبِيْعَهْ) ... عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيْهِ لَنْ يُضِيْعَهْ ٣١٠ - وَ (الشَّافِعي) نَهَى (ابْنَ عَبْدِ الحَكَمِ) ... يَرْوِي عَنِ الحَيِّ لخَوْفِ التُّهَمِ قولهُ: (وليسَ قَبولُ جرحِ كلٍّ منهما) (١) لو قالَ: وليس قبولُ جرحِ واحدٍ منهما، كانَ أحسنَ، وهو مرادُهُ. وأمّا ظاهرُ العبارةِ فليس قبولُ جرحِ الاثنينِ بأولى منْ قَبولِ جرح الآخر؛ لأنَّ ((كلاً)) سورٌ محيطٌ بأفرادِ ما دَخلَ عليهِ، وتارةً ينظر إلى مدخولهِ من حيثُ الإفرادُ، وتارةً منْ حيثُ الاجتماعُ، وهو مشكلٌ على كلٍّ منهما، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وليسَ قَبولُ جرحِ شيخهِ لهُ بأولى منْ قَبولِ جرحهِ لشيخهِ فتساقطا)) (٢)، وهي عبارةٌ حسنةٌ. قولهُ: (ارددهُ منْ حيث الفرع) (٣) قال شيخنا فيما نقلَ عنْ خطّهِ: يمكنُ أنْ يقالَ يجبُ على الفرعِ العملُ بهِ. قولهُ: (وهو الصحيحُ) (٤) عبارةُ ابن الصلاحِ: ((والصحيحُ ما عليهِ

стр. 654

الجمهورُ؛ لأنَّ المرويَّ عنهُ بصددِ السهوِ والنسيانِ، والراوي عنهُ ثقةٌ جازمٌ فلا تردُّ بالاحتمالِ روايتهُ، ولهذا كانَ سهيلٌ بعد ذلكَ يقولُ / ٢٢٧ أ /: حدثني ربيعةُ عني)) (١). قال الشيخُ في " النكت ": ((وقد اعتُرضَ عليهِ بأنَّ الراويَ أيضاً معرضٌ للسهو والنسيانِ، فينبغي أنْ يتهاترا (٢) ويُنظرَ في ترجيحِ أحدِهما منْ خارجٍ. والجواب: أنَّ الراويَ مثبتٌ جازمٌ، والمروي عنهُ ليس بنافٍ وقوعَهُ بلْ غيرُ ذاكرٍ، فَقُدِّمَ المثبتُ عليهِ، والله أعلم)) (٣). قولهُ: (تركتُ التمثيلَ بهِ لما سأذكرهُ) (٤) كانَ أحسن منْ ذلكَ أنْ يذكرّها بعبارةِ ابنِ الصلاحِ ثمَ ينبهُ على أنَّ التمثيلَ بحديثِ النكاحِ غيرُ صحيحٍ لما ذكرَ؛ وذلكَ لأنَّ عبارةَ ابنِ الصلاحِ يُفهمُ منها: أنَّ ردَّ الحنفيةِ للحديثِ مبنيٌ على ما أصَّلوهُ منْ أنَّ نسيانَ الأصلِ قادحٌ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ومنْ رَوَى حديثاً ثمَّ نسيهُ لم يكنْ ذلكَ مُسقِطاً للعملِ بهِ. ثم قالَ خلافاً لقومٍ منْ أصحابِ أبي حنيفةَ (٥) صاروا إلى إسقاطهِ بذلكَ، وبنوا عليهِ ردَّهم حديثَ سليمانَ بنِ موسى (٦). فذَكرهُ إلى أنْ قالَ:

стр. 655

منْ أجلِ أنَّ ابنَ جُريجٍ، قالَ: لقيتُ الزهريَّ فسألتهُ عنْ هذا الحديثِ فلمْ يعرفْهُ (١) - ثم قالَ - وكذا حديثُ ربيعةَ الرأي، عنْ سهيلٍ)) (٢)، فذكرهُ، قالَ الشيخُ في " النكت ": ((وقد اعترض عليهِ بأنَّ في رواية الترمذيِّ - أي: في الحديثِ الأولِ - فسألتهُ عنهُ فأنكرهُ. والجوابُ عنهُ: أنَّ الترمذيَّ لم يروهِ وإنما ذَكرهُ بغيرِ إسنادٍ، والمعروف في الكتبِ / ٢٢٧ب / المصنفةِ في العللِ: فلم يعرفهُ كما ذكرهُ المصنفُ، ومع هذا فلا يصح هذا عن ابنِ جُريجٍ لا بهذا اللفظِ، ولا بذاكَ (٣)، فبطلَ تعلُّقُ منْ تعلَّقَ بذلكَ في ردِّ الحديثِ. وأمّا كونُ الترمذيّ لم يوصلْ إسنادَهُ فإنَّهُ رواهُ متصلاً عن ابنِ أبي عمرَ، عنْ سفيانَ بن عيينةَ، عن ابنِ جُريج، عنْ سليمانَ بنِ موسى، ثمَّ قال: وقد تكلّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في حديثِ الزهري، عنْ عروةَ، عنْ عائشةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ . قالَ ابنُ جريجٍ: ثم لقيتُ الزهريَّ فسألتهُ فأنكرهُ فضعفوا هذا الحديثَ منْ أجل هذا. وأمّا كونهُ معروفاً في كتبِ العللِ باللفظِ الذي ذَكرهُ المصنِّفُ فهكذا هو في " سؤالاتِ عباسٍ الدوريِّ "، عن ابنِ معينٍ وفي " العللِ " لأحمد. وأمّا كونهُ لا يصحُّ عن ابنِ جُريجٍ فروينا في " السننِ الكبرى " للبيهقي بالسندِ الصحيحِ إلى أبي حاتمٍ الرازيِّ، قالَ: ((سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: وذُكرَ عندَهُ أنَّ ابنَ عليةَ يذكرُ حديثَ ابنِ جُريجٍ: ((لا نكاحَ إلا بوليٍّ)) قالَ ابنُ جُريجٍ: فلقيتُ الزهريَّ فسألته عنهُ فلم يعرفْهُ، وأثنى على سليمانَ بنِ موسى، فقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: إنَّ ابنَ جريجٍ لهُ كتبٌ مدونةٌ وليسَ هذا في كتبهِ يعني: حكايةَ ابنِ عليةَ،

стр. 656

عن ابنِ جريجٍ)) (١). وروينا في " سنن البيهقيِّ " أيضاً بإسنادهِ الصحيحِ إلى عباسٍ الدوريِّ: ((سمعتُ يحيى بنَ معينٍ / ٢٢٨أ / يقولُ في حديثِ: ((لا نكاحَ إلا بوليٍّ)) الذي يرويهِ ابنُ جريجٍ، قلت: إنَّ ابنَ عليةَ يقولُ: قالَ ابنُ جريجٍ، فسألتُ عنهُ الزهريَّ؟ فقالَ: لستُ أحفظُهُ، فقالَ يحيى بنُ معينٍ: ليسَ يقولُ هذا إلا ابنُ عليةَ، وإنَّما عرضَ ابنُ عليةَ كتبَ ابنِ جريجٍ على عبد المجيدِ (٢) بنِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روادٍ فأصلحها لهُ)) (٣). وروينا في" السننِ " للبيهقيِّ أيضاً بسندهِ الصحيحِ إلى جعفرَ الطيالسيِّ: ((سمعتُ يحيى بنَ معينٍ يقولُ: روايةُ ابنِ جُريجٍ، عن الزهريِّ أنَّهُ أنكرَ معرفةَ حديثِ سليمانَ بنِ موسى فقالَ: لم يذكرهُ عن ابن جريجٍ غيرُ ابنِ عليةَ، إنما سمعَ ابنُ عليةَ من ابنِ جريجٍ سماعاً ليس بذاك إنما صحّحَ كتبَهُ على كتبِ عبد المجيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وضعفَ يحيى بنُ معينٍ روايةَ إسماعيلَ، عن ابنِ جُريجٍ جداً)) (٤) وقد ذكرَ الترمذيُّ في " جامعهِ " (٥) كلامَ يحيى هذا الأخيرَ غيرَ موصلِ الإسنادِ، فقالَ: ((وذُكر عنْ يحيى بنِ معينٍ)) إلى آخرهِ، وهو متصلُ الإسنادِ عندَ البيهقيِّ، وهذا يدلُّكَ على أنَّ المرادَ بقولهِ: فأنكرهُ، أي: إنَّهُ قال: ما أعرفهُ، كما حكاهُ المصنفُ، فإنَّهُ قال في هذه الروايةِ الأخيرةِ: إنَّهُ أنكرَ معرفةَ حديثِ سليمانَ بنِ موسى فليسَ بينَ العبارتينِ إذن اختلافٌ كما أنكرهُ من اعترضَ بذلكَ على المصنفِ، والله أعلم)) (٦).

стр. 657

قولهُ: (ما سمعَ من ابنِ جريجٍ) (١) كلامٌ مبتدأٌ ينفي سماعَ إسماعيلَ / ٢٢٨ب / ابنِ إبراهيمَ بنِ عليةَ من ابنِ جُريجٍ. قولهُ: (وعن الشافعيّ) (٢) قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((وقد اعترضَ عليهِ بأنَّ الشافعيَّ إنَّما نَهَى عن الروايةِ عن الأحياءِ؛ لاحتمالِ أنْ يتغيرَ المرويُّ عنهُ عن الثقةِ والعدالةِ بطارئٍ يطرأُ عليهِ يقتضي ردَّ حديثهِ المتقدّمِ، كما تقدمَ في ذكرِ مَنْ كَذَبَ في الحديثِ أنَّهُ يُسقَطُ حديثُهُ المتقدّمُ، ويكونُ ذلكَ الراوي قد رَوَى عنهُ في تصنيفٍ له فتكونُ روايتُهُ عنْ غيرِ ثقةٍ، وإنَّما يؤمَنُ ذلكَ بموتهِ على ثقتهِ وعدالتهِ؛ فلذلكَ كرهَ الشافعيُّ الروايةَ عن الحيِّ. والجواب: إنَّ هذا حدسٌ وظنٌ غيرُ موافقٍ لما أرادهُ الشافعيّ، وقد فهمَ الخطيبُ منْ ذلكَ ما فهمهُ المصنفُ فقالَ في " الكفايةِ " (٣): ((ولأجلِ أنَّ النسيانَ غيرُ مأمونٍ على الإنسانِ، فيبادرُ إلى جحودِ ما رُوِيَ عنهُ وتكذيبِ الراوي لهُ، كرهَ منْ كرهَ من العلماءِ التحديثَ عنِ الأحياءِ)) وقد بيَّنَ الشافعيُّ مرادَهُ بذلك كما رواهُ البيهقيُّ في " المدخلِ " (٤) بإسنادهِ إليهِ أنَّه قالَ: ((لا تُحدّثْ عنْ حيٍّ؛ فإنَّ الحيَّ لا يؤمنُ عليهِ النسيانُ)) قالهُ لابنِ عبدِ الحكمِ (٥)، وقد رَوَى عنهُ حكايةً فأَنكرَها ثمَّ ذَكرَها، وما قالهُ سَبَقهُ إليه الشعبيُّ ومعمرٌ فرَوَى الخطيبُ في " الكفايةِ " (٦) بإسنادهِ إلى الشعبيِّ، أنهُ قالَ لابنِ عونٍ:

стр. 658

((لا تحدّثني عن الأحياءِ)) وبإسنادهِ إلى معمرٍ (١) أنهُ قالَ لعبدِ الرزاقِ: إن قدرتَ ألا تحدّثَ عنْ رجلٍ حيٍّ فافعلْ)) (٢). /٢٢٩أ / انتهى. وفيهِ تلخيصٌ (٣). قولهُ: (يخرم من) (٤) لو قال: لكنهُ مروءة الإنسانِ ... تخرمُ مع أنَّ الدكينيَّ أخذ لزالَ الإيهامُ الذي سيأتي احترازهُ عنهُ في الشرحِ. قولهُ: (أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دكينٍ) (٥) قال شيخُنا في " تهذيبهِ ": ((وهوَ لقبٌ واسمهُ عمرُو بن حماد بنِ زهيرِ بنِ درهمٍ التيميُّ مولى آلِ طلحةَ الملائيُّ الكوفيُّ الأحولُ - وعدَّ خَلقاً منْ مشايخهِ كالأعمشِ، والثوريِّ، ثمَّ قالَ - رَوَى عنهُ البخاريُّ فأكثر - وذَكرَ خَلقاً منَ الرواةِ عنهُ كالإمام أحمدَ، وإسحاقَ بنِ راهويه، وعبد اللهِ بنِ المباركِ، وعليِّ بنِ عبدِ العزيزِ البغويِّ - قال المروذيُّ عن الإمام أحمدَ: ((يحيى، وعبدُ الرحمانِ، وأبو نعيمٍ الحجةُ الثبتُ، كانَ أبو نعيمٍ ثبتاً)) وقالَ عبدُ الصمدِ بنُ سليمانَ البلخيُّ: ((سمعتُ أحمدَ يقولُ: ما رأيتُ أحفظَ من وكيعٍ، وكفاكَ بعبدِ الرحمانِ إتقاناً، وما رأيتُ أشدَّ تثبتاً في الرجالِ منْ يحيى وأبي نعيمٍ (٦)، وأبو نعيمٍ أقلُ الأربعةِ خطأً، قلتُ: يا أبا عبد اللهِ يعطي فيأخذ، فقالَ: أبو نعيمٍ صدوقٌ موضعٌ للحجةِ في الحديثِ)) وقالَ الحسينُ بنُ إدريسَ: ((خرجَ علينا عثمان ابنُ أبي شيبةَ، فقالَ: حدّثنا الأسدُ، فقلنا: مَنْ هو؟ فقالَ: الفضلُ بنُ دكينٍ))، (٧) وقال

стр. 659

الآجُريُّ: ((قلتُ لأبي داودَ: كانَ أبو نعيمٍ حافظاً، قالَ: جداً)) وقالَ حنبلُ ابنُ إسحاقَ: ((سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ: شيخانِ / ٢٢٩ب / كانَ الناسُ يتكلمونَ فيهما ويذكرونهما وكنا نلقى من الناسِ في أمرهما ما اللهُ بهِ عليمٌ قاما للهِ بأمرٍ لم يقمْ بهِ أحدٌ أو كبيرُ أحدٍ مثلَ ما قاما به عفانٌ وأبو نعيمٍ)) يعني: في الكلامِ (١) فيهما؛ لأنَّهُما (٢) كانا يأخذانِ الأجرةَ على التحديثِ وبقيامِهما عدم الإجابةِ في المحنةِ. قالَ عليُّ بنُ خَشرمٍ: ((سمعتُ أبا نعيمٍ يقولُ: يلومونني على الأخذِ (٣)، وفي بيتي ثلاثةَ عشرَ وما في بيتي رغيفٌ)) (٤)، ورَوَى الحاكمُ في "تاريخهِ" أنَّ أبا أحمدَ الفراءَ، قالَ: سمعتُهم يقولونَ بالكوفةِ: قالَ أميرُ المؤمنينَ، وإنما يعنونَ الفضلَ بنَ دكينٍ، وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: ((أجمعَ أصحابُنا أنَّ أبا نعيمٍ كانَ في غايةِ الإتقانِ)) (٥)، وقالَ أحمدُ بنُ منصورٍ الرماديُّ: ((خرجتُ مع أحمدَ ويحيى بن معينٍ (٦) إلى عبدِ الرزاقِ أخدمُهما، فلما عُدنا إلى الكوفةِ قالَ يحيى لأحمدَ: أُريدُ أختبرُ أبا نعيمٍ، قالَ له أحمدُ: لا يريدُ الرجلُ ثقةً، فقالَ يحيى: لا بدَّ لي، فأخذَ ورقةً فكتبَ فيها ثلاثينَ حديثاً منْ حديثِ أبي نعيمٍ وجعلَ على رأسِ كلِّ عشرةٍ منها حديثاً ليسَ منْ حديثهِ، ثمَّ جاؤوا إلى أبي نعيمٍ، فخرجَ فجلسَ على دكانٍ (٧)، فأخرجَ

стр. 660

يحيى الطبقةَ (١) فقرأَ عليهِ عشرةً، ثمَّ قرأَ الحادي عشرَ، فقالَ لهُ (٢) أبو نعيمٍ: ليسَ منْ حديثي اضربْ عليهِ، ثمَّ قرأَ العشرَ الثاني، وأبو نعيمٍ ساكتٌ فقرأ الحديثَ الثاني، فقالَ: ليسَ منْ حديثي اضربْ عليهِ؛ ثم قرأَ العشرَ الثالثَ وقرأ الحديثَ الثالثَ /٢٣٠أ / فانقلبتْ عيناهُ وأقبلَ على يحيى، فقالَ: أمّا هذا - وذراعُ أحمدَ في يدهِ - فأورعُ منْ أنْ يعملَ هذا، وأما هذا - يريدني - فأقلُّ مِنْ أنْ يعملَ هذا، ولكنَّ هذا منْ فعلِكَ يا فاعلُ، ثمَّ أخرجَ رجلَهُ فرفسَهُ فرمَى بهِ، وقامَ فدخلَ دارَهُ، فقالَ أحمدُ ليحيى: ألمْ أقلْ لكَ إنَّهُ ثبتٌ، قالَ: واللهِ لرفستُهُ أحبُّ إليّ منْ سفرتي)) (٣)، وقالَ الخطيبُ في "تاريخهِ": ((كانَ أبو نعيمٍ مزاحاً ذا دعابةٍ مع تدينهِ وثقتهِ وأمانتهِ)) (٤)، وقال يعقوبُ بنُ سفيانَ: ((ماتَ أبو نعيمٍ سنةَ ثمانِ عشرةَ ومئتينِ، وكانَ مولدُهُ سنةَ ثلاثينَ ومئةٍ)) (٥)، وقالَ حنبلُ بنُ إسحاقَ وغيرُ واحدٍ: ((ماتَ سنةَ تسعَ (٦) عشرةَ ومئتينِ)) (٧)، قالَ بعضُهم: ((في سلخِ شعبانَ)) (٨) ﵀ (٩). قولهُ: (وعليُّ بنُ عبد العزيز البغوي) (١٠) قال في "لسانِ الميزانِ" (١١):

стр. 661

((الحافظُ المجاورُ بمكةَ: ثقةٌ ولكنّهُ (١) كانَ يطلبُ على التحديثِ ويعتذرُ بأنهُ محتاجٌ، قالَ الدارقطنيُّ: ثقةٌ مأمونٌ، ثم حَكَى عنْ عبدِ الملكِ بنِ أيمنَ أنهُ سألَ: هل كنتُم تعيبونَ هذا؟ - يعني: أخذَهُ الأجرةَ --قال: لا، إنما العيبُ عندهمُ الكذبُ، وهذا كانَ ثقةً، قالَ: وكانَ أهلُ خراسانَ إذا تناومَ رشّوا في وجههِ الماءَ)) (٢). قولهُ: (بأخذ الأجرةِ على تعليم القرآنِ ونحوهِ) (٣)، أي: أنَّ آخذَ الأجرةِ على التحديثِ منْ هذا الوادي، فإنَّهُم لما ذَكروا أنّ منْ شروطِ الإجارةِ حصولَ المنفعةِ للمستأجرِ ذَكروا القربَ / ٢٣٠ب / وذَكروا أنَّ إمامَ الحرمينِ ضَبطَها بأنها قسمانِ: أحدُهما: تتوقفُ صحتُهُ على النيةِ فتجوزُ الإجارةُ على ما يُستنابُ فيهِ كالحجِّ وتفرقةِ الزكاةِ دونَ غيرهِ. والثاني: لا يتوقفُ، وهذا الثاني: نوعانِ: فرضُ كفايةٍ، وشعارٌ غيرُ فرضٍ. والأولُ منَ الثاني ضربانِ: أحدُهما: يختصُ افتراضهُ بشخصٍ وموضع معينٍ، ثمَّ يُؤمرُ بهِ غيرُهُ إنْ عجزَ، كتجهيزِ الميتِ، فإنَّهُ يلزمُ منَ التركةِ، فإنْ لم يكنْ فعَلَى الناسِ، فمثلُ هذا لا (٤) يجوزُ الاستئجارُ عليهِ؛ لأنَّ الأجيرَ غيرُ مقصودٍ بفعلهِ حتى يقعَ عليهِ. الضربُ الثاني: ما ثبتَ فرضُهُ في الأصلِ شائعاً غيرَ مختصٍّ كالجهادِ، فلا يجوزُ استئجارُ المسلمِ عليهِ؛ لأنَّهُ مأمورٌ بهِ فيقعُ عنهُ، ويجوزُ استئجارُ الذميِّ عليهِ؛ لأنَّهُ لا يقعُ عنهُ (٥).

стр. 662

النوع الثاني من القسمِ الثاني: شعارٌ غيرُ فرضٍ كالأذانِ، تفريعاً على الأصحِّ أنَّه سُنةٌ، فيجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهِ؛ لأنَّهُ عملٌ معلومٌ يجوزُ أخذُ الرزقِ من بيتِ المالِ عليهِ، ومنفعةٌ تحصلُ للناسِ في طَلبِ وقتِ الصلاةِ، فيجوزُ أَخذُ الأجرةِ عليهِ ككَتَبةِ المصاحفِ. وأمّا تعليمُ القرآنِ فمترددٌ بينَ الجهادِ - لأنَّهُ منْ فروضِ الكفاياتِ - وبينَ الأذانِ؛ لأنَّ فائدَتهُ تختصُّ بالآحادِ، وأيضاً فهوَ منْ بابِ تجهيزِ الميتِ؛ لأنَّ وجوبَ تعليمِ كلِّ أحدٍ يكونُ أولاً على وليّهِ / ٢٣١أ / مثلاً، فإذا فُقِدَ انتقلَ إلى الكافةِ، هذا كلُّهُ إذا لم يتعينْ واحدٌ لمباشرةِ مثلِ هذا العملِ. قالَ الشيخُ محيي الدين في " الروضةِ ": ((فإنْ تعيّنَ واحدٌ لتجهيزِ الميتِ، أو لتعليمِ الفاتحةِ، جازَ استئجارُهُ أيضاً على الأصحِّ، كالمضطرِّ (١) يجبُ إطعامُهُ ببدلهِ، وقيلَ: لا كفرضِ العينِ ابتداءً)) (٢). وقالَ في " الوسيطِ ": ((أمّا الاستئجارُ على تعليمِ مسألةٍ معينةٍ في شخصٍ معينٍ فلا خلافَ في جوازهِ إلا إذا تعيّنَ، كامرأةٍ أَسلمَتْ ولَزمَها تعلّمُ الفاتحةِ فَنكحَها رجلٌ على التعليمِ، ولم يحضرْ سوى ذَلِكَ الرجلُ ففيهِ خلافٌ، والأصحُّ: الصحةُ، إذ ليسَ يتعيّنُ عليهِ التعبُ مجاناً بل يجبُ ببذلٍ، كما في بذلِ المالِ في ضرورةِ المخمصةِ، قالَ: وبالجملةِ فكلُّ عملٍ معلومٍ مباحٍ يلحقُ العاملَ فيهِ كلفةٌ ويتطوعُ بهِ الغيرُ عن الغيرِ يجوزُ الاستئجارُ عليهِ، ويجوزُ جعلهُ صداقاً)) (٣). وقالَ في " البسيطِ ": ((أَسلَمتِ امرأةٌ وتعيّنَ عليها تعلّمُ الفاتحةِ ولا معلمَ بالحضرةِ إلاّ رجلٌ، فأَصدقَها تعليم الفاتحةِ فهوَ صحيحٌ، وحقّقَ بعضُ الأصحابِ (٤)،

стр. 663

وقالَ: لا يصحُّ؛ لأنَّهُ وَجبَ عليهِ التعليمُ وتعيّنَ بحكمِ الحالِ وهذا فاسدٌ؛ فإنَّهُ يجبُ عليهِ التعليمُ بعوضٍ لا مجاناً، فهوَ كما لو وجدَ مالكُ الطعامِ مضطراً في مخمصةٍ يجبُ عليهِ تسليمُ الطعامِ إليه، ولكنْ / ٢٣١ب / بعوضٍ، حتى لو باعَ صحَّ. وهذا النظرُ يجري في الإجارةِ كما يجري في الصداقِ)). انتهى. فعُلِمَ من هذا أنّ التحديثَ شبيهٌ بتعليمِ القرآنِ؛ لأنَّهُ منْ نشرِ العلمِ وهو فرضُ كفايةٍ، وتارةً يشاركهُ في ما يحدثُ بهِ غيرُهُ، كمنْ سمعَ معهُ فلا يتعيّنُ عليهِ، وتارةً لا يوجدُ ذلكَ إلا عندَهُ فيتعيّنُ، ويجوزُ أَخذُ الأجرِ عليهِ على كلِ حالٍ؛ لأنَّهُ داخلٌ في الضابطِ الماضي ونقلَ الحافظُ عمادُ الدينِ إسماعيلُ بنُ كثيرٍ الدمشقيُّ الشافعيُّ في تاريخِهِ في سنةِ سبعينَ وأربعمئةٍ أنَّ الشيخَ أبَا إسحاقَ الشيرازيَّ أفتى أبا الحسينِ أحمدَ بنَ محمدِ بنِ النَّقُور بجوازِ أخذِها؛ لاشتغالِهِ بالإسماعِ عنِ التكسبِ (١). وقولهُ: (ونحوهُ) (٢)، أي: مثل التدريسِ والأذانِ وتجهيزِ الموتى. هذا بيانُ إلحاقِ التحديثِ بما يجوزُ أخذُ الأجرةِ عليهِ، وأمّا بيانُ كونهِ مفارقاً لهُ منْ جهةِ أنَّهُ يخرمُ المروءةَ دونَ ما أُلحقَ بهِ، فلأنَّ ما أُلحقَ بهِ جَرتِ العادةُ فيهِ (٣) بأخذ العوضِ عليهِ وشاعَ، بحيثُ أنَّهُ صارَ لا يعدُ خارماً للمروءةِ.

стр. 664

وأمّا التحديثُ: فالشائعُ بينَ أهلهِ علوُّ الهِمَمِ، وطهارةُ الشِّيَمِ، وتنْزيهُ العرضِ، عنْ مدِّ العينِ إلى شيءٍ منْ أعراضِ الدنيا، فمنْ خرجَ عنهم بمثلِ ذلكَ بغيرِ عذرٍ دَلَّ حالهُ على دناءةٍ، وذلك هوَ خرمُ المروءةِ، فإنَّ المروءةَ ملكةٌ تحمل على مُلازمةِ الشخصِ لما عليهِ أمثالهُ من المحاسنِ، وخَرمُها بالخروجِ عنْ ذلكَ، كأنْ يخرجَ عنْ حسنِ العِشرةِ للأهلِ والجيرانِ والمعاملينَ، ويضايق في اليسيرِ الذي لا يستقصَى فيهِ، وأن يبتذلَ الرجلُ المعتبرُ نفسَهُ بنقلِ الماءِ والأطعمةِ إلى بيتهِ إذا كانَ ذلكَ عنْ شحٍّ، فإنْ / ٢٣٢أ / فَعَلَهُ استكانةً (١) واقتداءً بالسلفِ التاركينَ للتكلفِ لم يَقدحْ في المروءةِ، وكذا لو كانَ يلبسُ ما يجدُ ويأكلُ، وهذا يُعرفُ بحالِ الشخصِ في الأعمال والأخلاقِ، وظهورُ مخايل الصدقِ فيما يُبديهِ، ذَكرَهُ في " الروضةِ " (٢). قولهُ: (كالنومِ) (٣)، أي: كالمتحملِ حالَ النومِ الحاصلِ منهُ أو منْ شيخهِ. قولهُ: (كَلا منْ أصل) (٤)، أي: وَرُدَّ ذو تَساهلٍ في الأداءِ، كالمؤدي أداءً لا يكونُ منْ أصلٍ صحيحٍ. قولهُ: (أو قبلَ) (٥) عطفٌ على شَرطٍ مَحذوفٍ دَلَّ عليهِ الكلامُ السابقُ، تقديرهُ: وَرُدَّ (٦) ذو تَساهلٍ في كذا وكذا إنْ فعلهُ، وَرُدَّ المتساهل بالتلقينِ إنْ قبلهُ. والتلقينُ في اللغةِ: التفهيمُ.

стр. 665

وفي العرفِ: إلقاءُ كلامٍ إلى الغيرِ (١) ابتداءً، كما تراهُ في ترجمةِ ابنِ دينارٍ، أو يكونُ ذلكَ عندَ غيابِ شيءٍ مما يحدثُ بهِ عنهُ فيتوقفُ، يدّعي منْ يلقنهُ أنَّ ذلك الذي لقنهُ له هو الذي غابَ عنهُ، فقبولُ كل ما يلقى منْ ذلكَ قادحٌ (٢) في الراوي. قولهُ: (كثرةً) (٣) يجوزُ أن يكونَ حالاً، أي: ذاتَ كثرةٍ، وأنْ يكونَ تمييزاً، أي: منْ جهةِ كثرةِ وقوعها منهُ. قولهُ: (فهو ردٌّ) (٤) جزاء لذلكَ الشرطِ المقدرِ، أي: إنْ فعل شيئاً من ذلك (٥) فهوَ مردودٌ. وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ولا يُقبلُ منْ عُرِفَ (٦) بكثرةِ السهوِ في رواياتهِ إذا لم يُحدّثْ مِن أصلٍ صحيحٍ (٧)، وكل هذا يخرمُ الثقةَ بالراوي وبضبطهِ)) (٨) يشير إلى ما في هذه المسألة وما قبلها. قولهُ: (بُيِّن / ٢٣٢أ / لهُ) (٩) هو فعلٌ ماضٍ مبنيٌ للمجهولِ، سُكّنتْ نونُهُ وأُدغمتْ في اللامِ للمجانسةِ في المخرجِ، والمقاربةِ فيهِ وفي الصفات، كما فعلَ أبو عمُرو بنُ العلاءِ في كلِّ نونٍ متطرفةٍ تحرّكَ ما قبلَها ولقيها لامٌ (١٠)، نحو: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ (١١) ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ﴾ (١٢).

стр. 666

قولهُ: (جُمَعْ) (١) بوزنِ صُرَدَ، وهو تأكيدُ جمعِ المؤنثِ، وحَسُنَ إيرادُهُ هنا؛ لأَنَّ الحديثَ المرادَ بهِ الجنسُ، فهو بمعنى أحاديثهِ. قولهُ: (كانَ عناداً) (٢)، أي: كانَ ذلكَ منه، أي: عدم رجوعهِ، وهوَ يرجعُ إلى تقييدِ بعضِ المتأخرينَ لهُ بأنْ يكونَ ذلك الذي بَيَّنَ لهُ غلطَهُ عالماً يَعتقِدُ المُبيَّنُ لهُ علمُهُ، أما إذا كانَ ليسَ بهذه المثابةِ عندَهُ فلا حرجَ إذن، نقلهُ المؤلف في " نكتهِ " (٣) وهو ظاهرٌ. قولهُ: (كموسى بنِ دينار) (٤) قال في " لسانِ الميزانِ ": ((مكيٌّ، عنْ سعيدِ بنِ جُبيرٍ وجَماعةٍ، قالَ البخاريُّ: ((ضعيفٌ)) كانَ حفصُ بنُ غياثٍ يكذبهُ (٥)، وأسند العقيليُّ عن عمرو بنِ عليٍّ، عنْ يحيى القطانِ، قالَ: ((كتبنا عنْ شيخٍ منْ أهلِ مكةَ أنا وحفصُ بنُ غياثٍ، وأبو شيخٍ (٦) يكتبُ عنهُ، فجعلَ حفصٌ يضعُ لهُ الحديثَ، فيقول: حدَّثتْكَ عائشةُ بنتُ طلحةَ، عن عائشةَ بكذا وكذا، فيقول: حدّثتْني عائشةُ به، وحدّثكَ القاسمُ بنُ محمدٍ، عنْ عائشةَ بمثلهِ، فيقولُ: حدّثَني القاسمُ بنُ محمدٍ، عنْ عائشةَ بمثلهِ، ويقولُ: حدَّثكَ سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلهِ، فيقولُ: حدّثَني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ / ٢٣٣أ / عباسٍ، بمثلهِ. فلما فَرغَ مدَّ حفصٌ بيدهِ إلى ألواحِ أبي شيخٍ فمحا ما فيها، فقال: تحسدوني بهِ، فقالَ حفصٌ: لا، ولكنَّ هذا يكذبُ، قيلَ ليحيى: مَنِ الرجلُ؟ فلم يسمّهِ، فقلتُ:

стр. 667

يا أبا سعيدٍ، لعلَّ عندي عنْ هذا الشيخِ شيئاً ولا أعرفهُ، فقالَ: هو موسى بنُ دينارٍ)) (١). وأخرجَ الحكايةَ بطولها الخطيبُ في "المؤتلفِ" من طريقِ الحاكمِ بسندٍ آخرَ، عن عمرٍو بنِ عليٍّ (٢). قولهُ: (أصل كتابٍ صحيحٍ) (٣) هوَ بالإضافةِ، وهو من بابِ إضافةِ العامِ إلى الخاصِ؛ لأنَّ الأصلَ أعمُّ من أنْ يكونَ كتاباً أو غيرَهُ فهو مثلُ يومِ الأحدِ، ويجوزُ أنْ يكونَ ((أصلٌ)) منوناً، و ((كتابٌ صحيحٌ)) بياناً لهُ، واللهُ أعلم. قولهُ: (بعلمٍ صحيحٍ) (٤) مُرادُ الشيخِ بسوقِ (٥) ذلك عن ابن حبانَ، وغيرهِ، أنَّ الذي بحثَهُ ابنُ الصلاحِ صادفَ المنقولَ عنْ أهلِ الفنِّ، قالَ في " النكتِ " : ((وقيّدَ أيضاً بعضُ المتأخرينَ ذلكَ بأنْ يكونَ الذي بَيَّنَ لهُ غلطهُ عالماً عندَ المبيَّنِ لهُ. أمّا إذا كانَ ليس بهذهِ المثابةِ عندهُ فلا حرجَ إذن)) (٦). انتهى كلامُ " النكتِ ". وهذا لا يحتاجُ إليه بعدَ التقييدِ بأنْ يعلمَ الغلطَ. وقولُ ابنِ حبانَ: ((إنَّهُ كذابٌ)) وجههُ: أنَّ الكذبَ هو الإخبارُ بما لا يطابقُ الواقعَ، وهذا إذا عَلِمَ الخطأَ ثم ذَكرَهُ بعدَ ذلكِ فقد تعمّدَ حكايةَ ما لا يطابقُ الواقعَ (٧)، وهذا هوَ الكذِبُ بعينهِ. قولهُ: (هذه الشروطُ) (٨) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((عن / ٢٣٣ ب / اعتبارِ مجموعِ ما بيّنا منَ الشروطِ في رواةِ الحديثِ ومشايخهِ فلمْ يتقيدوا بها في رواياتِهم لتعذّرِ

стр. 668

الوفاءِ بذلكَ على نحو ما تقدّمَ، وكانَ عليهِ منْ تقدّمَ ووجهُ ذلكَ ما قدّمناهُ في أولِ كتابِنا هذا منْ كونِ المقصودِ آلَ آخراً إلى المحافظةِ على خصيصةِ هذه الأمةِ في الأسانيدِ والمحاذرةِ من انقطاعِ سلسلتِها، فليعتبر منَ الشروطِ المذكورةِ ما يليقُ بهذا الغرضِ على تجرّدهِ، وليكتفِ في أهليةِ الشيخِ)) (١) إلى آخرهِ. قولهُ: (على ما تقدمَ) (٢)، أي: في ضبطِ العدالةِ في أولِ هذا النوعِ. قولهُ: (التي جمعها أئمة الحديثِ) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وَوَجَّهَ ذلكَ - يعني: البيهقي - بأنَّ الأحاديثَ التي قدْ صَحَّتْ أو وقفتْ بينَ الصحةِ والسقمِ قدْ دُوِّنتْ في الجوامعِ التي جَمعَها أئمةُ الحديثِ، ولا يجوزُ أنْ يذهبَ شيءٌ منها على جَميعِهم، وإن جازَ أنْ يذهبَ على بعضِهم لضمانِ صاحبِ الشريعةِ حِفظَها)) (٤). قولهُ: (إلاّ على وجهِ المتابعةِ) (٥) أرادَ بهذا أنَّ الشيخينِ يروونَ عنْ جماعةٍ ليسوا منْ شَرطهما في الاحتجاجِ، تارةً مقرونينَ بغيرهم منَ الثقاتِ، وتكونُ العمدةُ على منْ قرنوا بهِ، وتارةً يذكرُ مسلمٌ حديثاً هو مُرادهُ بالذاتِ ثم يذكرُ لهُ طرقاً أخرى يكونُ فيها مَنْ ليسَ منْ شرطهِ في الاحتجاجِ، ولكنهما لا يريانِ كلَّ أحدٍ صالحاً للمتابعةِ / ٢٣٤أ / كما ذكرَ ذلك في الكلامِ على شرطِهما فيما مضى، وهؤلاءِ الذينَ اختلَّ فيهم شيءٌ منْ شروطِ الثقةِ كأولئكَ لو خُلُّوا وأنفسَهم لما جازَ ذِكرُهم إلاّ على وجهِ المتابعةِ، وشهادةُ المفيدِ الثقةِ لهم رَقَّى رواياتِهمْ إلى درجةِ الاحتجاجِ، واللهُ أعلم.

стр. 669

قولهُ: (من صونِ الراوي وسترهِ) (١)، أي: لا بدَّ منْ أنْ يكونَ صائناً لعرضهِ، ساتراً لنفسهِ عنِ الأدناسِ وما يعيبهُ عليهِ الأكياسُ (٢) من الناسِ (٣). قولهُ: (مراتب التعديلِ) (٤) كانَ ينبغي أنْ يقولَ: ألفاظُ التعديلِ، فإنَّ المراتبَ هي الطبقاتِ، فينحلُ إلى أنَّ المراتبَ لها مراتبُ، والطبقاتِ لها (٥) طبقاتٌ ثمَّ ظهرَ أنَّ الكلامَ صحيحٌ بتقديرِ مراتبِ ألفاظِ التعديلِ، واللهُ أعلم (٦). قولهُ: (فأرفعُ التعديلِ ما كَرَّرتهُ) (٧) جعلَ شيخنا حافظُ العصرِ ابنُ حجر -وهو الحقُّ - أعلى المراتبِ صيغةَ أفعل؛ لما تدلُ عليهِ منَ الزيادةِ، كأن يُقال: فلانٌ أوثقُ الناسِ أو أثبتُ الناسِ. قولهُ: (إلى الصدقِ ما هو) (٨) معناهُ عندَ أهلِ الفنِّ أنَّهُ غيرُ مدفوعٍ عنِ الصدقِ. وتحقيق معناها في اللغةِ: أنَّ حرفَ الجرِّ يتعلّقُ بما يصلحُ لتعلقهِ، وهو هنا قريب، فالمعنى: فلانٌ قريبٌ (٩) إلى الصدقِ، وتحتمل (١٠) ((ما)) أنْ تكونَ نافيةً وحينئذٍ يجوزُ أنْ يكونَ المعنى ما هو قريبٌ منه، فيكونَ نفياً لما أثبتتهُ الجملةُ الأولى، فيفيد مجموعُ العبارةِ في (١١) التَّردُّد في أمرهِ، ويجوزُ أن يكونَ ما هو بعيداً فيكونُ

стр. 670

تأكيداً للجملةِ / ٢٣٤ب / الأولى بنفي ضدِّها على نحوِ ما قيلَ في: إنَّما زيدٌ قائمٌ، ويحتملُ أنْ تكونَ ((ما)) استفهاميةً ويرجعُ المعنى إلى الشكِّ أيضاً، فكأنهُ قيل: هو قريبٌ إلى الصدقِ، ثمَّ سألَ عنْ مقدارِ القربِ فقالَ: ما هو؟ أقليلٌ أم كثيرٌ، وهو نحو قوله ﷺ في الدّجالِ في آخرِ خبرِ الجسّاسةِ: ((ألا إنَّهُ في بحرِ الشامِ، أو بحرِ اليمنِ، لا بلْ منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ. منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ، منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ، وأومأ بيدهِ إلى المشرقِ)) أخرجهُ مسلمٌ (١) في أواخرِ "الصحيحِ" وغيرُهُ (٢). قال الشيخُ محيي الدينِ في " شرحهِ ": ((قالَ القاضي: لفظةُ ((ما)) هنا زائدةٌ صلةٌ للكلامِ، ليستْ بنافيةٍ، والمرادُ إثباتُ أنَّهُ في جهةِ المشرقِ)) (٣). انتهى. وهذا المعنى يرجعُ إلى التجويزِ الثاني منَ الاحتمالِ الأولِ الذي ظهرَ لي، ويوضحُ تجويزَ الاحتمالينِ الأخيرينِ أنَّ في روايةِ أبي يعلى: ((ثمَّ قالَ: في بحرِ فارسٍ ما هو في بحرِ الرومِ، ما هو، ثلاثاً، ثم ضَرَبَ بكفهِ اليُمنى على اليُسرى ثلاثاً)) (٤). قولهُ: (انْ (٥) شاءَ اللهُ) و (بأس عراه) (٦) بزيادةِ ساكنِ ثامن يُسمى تذييلاً وإذالةً، لكن لم يُجيزوه في هذا البحرِ، ولا أجازوه في المشطورِ (٧)، وإنَّما خصّوهُ بمجْزوءِ البسيطِ والكاملِ فيحملُ عملُ الشيخِ هنا على ذلكَ ضرورةً؛ لأنّهم ارتكبوا في ضروراتِ الشعرِ أشياء كثيرةً لا تُسوَّغُ في النثرِ، وإنْ / ٢٣٥ أ / كانَ الشاعرُ مطلقَ
следующие страницы →