← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قولهُ: (جُمَعْ) (١) بوزنِ صُرَدَ، وهو تأكيدُ جمعِ المؤنثِ، وحَسُنَ إيرادُهُ هنا؛ لأَنَّ الحديثَ المرادَ بهِ الجنسُ، فهو بمعنى أحاديثهِ. قولهُ: (كانَ عناداً) (٢)، أي: كانَ ذلكَ منه، أي: عدم رجوعهِ، وهوَ يرجعُ إلى تقييدِ بعضِ المتأخرينَ لهُ بأنْ يكونَ ذلك الذي بَيَّنَ لهُ غلطَهُ عالماً يَعتقِدُ المُبيَّنُ لهُ علمُهُ، أما إذا كانَ ليسَ بهذه المثابةِ عندَهُ فلا حرجَ إذن، نقلهُ المؤلف في " نكتهِ " (٣) وهو ظاهرٌ. قولهُ: (كموسى بنِ دينار) (٤) قال في " لسانِ الميزانِ ": ((مكيٌّ، عنْ سعيدِ بنِ جُبيرٍ وجَماعةٍ، قالَ البخاريُّ: ((ضعيفٌ)) كانَ حفصُ بنُ غياثٍ يكذبهُ (٥)، وأسند العقيليُّ عن عمرو بنِ عليٍّ، عنْ يحيى القطانِ، قالَ: ((كتبنا عنْ شيخٍ منْ أهلِ مكةَ أنا وحفصُ بنُ غياثٍ، وأبو شيخٍ (٦) يكتبُ عنهُ، فجعلَ حفصٌ يضعُ لهُ الحديثَ، فيقول: حدَّثتْكَ عائشةُ بنتُ طلحةَ، عن عائشةَ بكذا وكذا، فيقول: حدّثتْني عائشةُ به، وحدّثكَ القاسمُ بنُ محمدٍ، عنْ عائشةَ بمثلهِ، فيقولُ: حدّثَني القاسمُ بنُ محمدٍ، عنْ عائشةَ بمثلهِ، ويقولُ: حدَّثكَ سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلهِ، فيقولُ: حدّثَني سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ / ٢٣٣أ / عباسٍ، بمثلهِ. فلما فَرغَ مدَّ حفصٌ بيدهِ إلى ألواحِ أبي شيخٍ فمحا ما فيها، فقال: تحسدوني بهِ، فقالَ حفصٌ: لا، ولكنَّ هذا يكذبُ، قيلَ ليحيى: مَنِ الرجلُ؟ فلم يسمّهِ، فقلتُ:

стр. 667

يا أبا سعيدٍ، لعلَّ عندي عنْ هذا الشيخِ شيئاً ولا أعرفهُ، فقالَ: هو موسى بنُ دينارٍ)) (١). وأخرجَ الحكايةَ بطولها الخطيبُ في "المؤتلفِ" من طريقِ الحاكمِ بسندٍ آخرَ، عن عمرٍو بنِ عليٍّ (٢). قولهُ: (أصل كتابٍ صحيحٍ) (٣) هوَ بالإضافةِ، وهو من بابِ إضافةِ العامِ إلى الخاصِ؛ لأنَّ الأصلَ أعمُّ من أنْ يكونَ كتاباً أو غيرَهُ فهو مثلُ يومِ الأحدِ، ويجوزُ أنْ يكونَ ((أصلٌ)) منوناً، و ((كتابٌ صحيحٌ)) بياناً لهُ، واللهُ أعلم. قولهُ: (بعلمٍ صحيحٍ) (٤) مُرادُ الشيخِ بسوقِ (٥) ذلك عن ابن حبانَ، وغيرهِ، أنَّ الذي بحثَهُ ابنُ الصلاحِ صادفَ المنقولَ عنْ أهلِ الفنِّ، قالَ في " النكتِ " : ((وقيّدَ أيضاً بعضُ المتأخرينَ ذلكَ بأنْ يكونَ الذي بَيَّنَ لهُ غلطهُ عالماً عندَ المبيَّنِ لهُ. أمّا إذا كانَ ليس بهذهِ المثابةِ عندهُ فلا حرجَ إذن)) (٦). انتهى كلامُ " النكتِ ". وهذا لا يحتاجُ إليه بعدَ التقييدِ بأنْ يعلمَ الغلطَ. وقولُ ابنِ حبانَ: ((إنَّهُ كذابٌ)) وجههُ: أنَّ الكذبَ هو الإخبارُ بما لا يطابقُ الواقعَ، وهذا إذا عَلِمَ الخطأَ ثم ذَكرَهُ بعدَ ذلكِ فقد تعمّدَ حكايةَ ما لا يطابقُ الواقعَ (٧)، وهذا هوَ الكذِبُ بعينهِ. قولهُ: (هذه الشروطُ) (٨) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((عن / ٢٣٣ ب / اعتبارِ مجموعِ ما بيّنا منَ الشروطِ في رواةِ الحديثِ ومشايخهِ فلمْ يتقيدوا بها في رواياتِهم لتعذّرِ

стр. 668

الوفاءِ بذلكَ على نحو ما تقدّمَ، وكانَ عليهِ منْ تقدّمَ ووجهُ ذلكَ ما قدّمناهُ في أولِ كتابِنا هذا منْ كونِ المقصودِ آلَ آخراً إلى المحافظةِ على خصيصةِ هذه الأمةِ في الأسانيدِ والمحاذرةِ من انقطاعِ سلسلتِها، فليعتبر منَ الشروطِ المذكورةِ ما يليقُ بهذا الغرضِ على تجرّدهِ، وليكتفِ في أهليةِ الشيخِ)) (١) إلى آخرهِ. قولهُ: (على ما تقدمَ) (٢)، أي: في ضبطِ العدالةِ في أولِ هذا النوعِ. قولهُ: (التي جمعها أئمة الحديثِ) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وَوَجَّهَ ذلكَ - يعني: البيهقي - بأنَّ الأحاديثَ التي قدْ صَحَّتْ أو وقفتْ بينَ الصحةِ والسقمِ قدْ دُوِّنتْ في الجوامعِ التي جَمعَها أئمةُ الحديثِ، ولا يجوزُ أنْ يذهبَ شيءٌ منها على جَميعِهم، وإن جازَ أنْ يذهبَ على بعضِهم لضمانِ صاحبِ الشريعةِ حِفظَها)) (٤). قولهُ: (إلاّ على وجهِ المتابعةِ) (٥) أرادَ بهذا أنَّ الشيخينِ يروونَ عنْ جماعةٍ ليسوا منْ شَرطهما في الاحتجاجِ، تارةً مقرونينَ بغيرهم منَ الثقاتِ، وتكونُ العمدةُ على منْ قرنوا بهِ، وتارةً يذكرُ مسلمٌ حديثاً هو مُرادهُ بالذاتِ ثم يذكرُ لهُ طرقاً أخرى يكونُ فيها مَنْ ليسَ منْ شرطهِ في الاحتجاجِ، ولكنهما لا يريانِ كلَّ أحدٍ صالحاً للمتابعةِ / ٢٣٤أ / كما ذكرَ ذلك في الكلامِ على شرطِهما فيما مضى، وهؤلاءِ الذينَ اختلَّ فيهم شيءٌ منْ شروطِ الثقةِ كأولئكَ لو خُلُّوا وأنفسَهم لما جازَ ذِكرُهم إلاّ على وجهِ المتابعةِ، وشهادةُ المفيدِ الثقةِ لهم رَقَّى رواياتِهمْ إلى درجةِ الاحتجاجِ، واللهُ أعلم.

стр. 669

قولهُ: (من صونِ الراوي وسترهِ) (١)، أي: لا بدَّ منْ أنْ يكونَ صائناً لعرضهِ، ساتراً لنفسهِ عنِ الأدناسِ وما يعيبهُ عليهِ الأكياسُ (٢) من الناسِ (٣). قولهُ: (مراتب التعديلِ) (٤) كانَ ينبغي أنْ يقولَ: ألفاظُ التعديلِ، فإنَّ المراتبَ هي الطبقاتِ، فينحلُ إلى أنَّ المراتبَ لها مراتبُ، والطبقاتِ لها (٥) طبقاتٌ ثمَّ ظهرَ أنَّ الكلامَ صحيحٌ بتقديرِ مراتبِ ألفاظِ التعديلِ، واللهُ أعلم (٦). قولهُ: (فأرفعُ التعديلِ ما كَرَّرتهُ) (٧) جعلَ شيخنا حافظُ العصرِ ابنُ حجر -وهو الحقُّ - أعلى المراتبِ صيغةَ أفعل؛ لما تدلُ عليهِ منَ الزيادةِ، كأن يُقال: فلانٌ أوثقُ الناسِ أو أثبتُ الناسِ. قولهُ: (إلى الصدقِ ما هو) (٨) معناهُ عندَ أهلِ الفنِّ أنَّهُ غيرُ مدفوعٍ عنِ الصدقِ. وتحقيق معناها في اللغةِ: أنَّ حرفَ الجرِّ يتعلّقُ بما يصلحُ لتعلقهِ، وهو هنا قريب، فالمعنى: فلانٌ قريبٌ (٩) إلى الصدقِ، وتحتمل (١٠) ((ما)) أنْ تكونَ نافيةً وحينئذٍ يجوزُ أنْ يكونَ المعنى ما هو قريبٌ منه، فيكونَ نفياً لما أثبتتهُ الجملةُ الأولى، فيفيد مجموعُ العبارةِ في (١١) التَّردُّد في أمرهِ، ويجوزُ أن يكونَ ما هو بعيداً فيكونُ

стр. 670

تأكيداً للجملةِ / ٢٣٤ب / الأولى بنفي ضدِّها على نحوِ ما قيلَ في: إنَّما زيدٌ قائمٌ، ويحتملُ أنْ تكونَ ((ما)) استفهاميةً ويرجعُ المعنى إلى الشكِّ أيضاً، فكأنهُ قيل: هو قريبٌ إلى الصدقِ، ثمَّ سألَ عنْ مقدارِ القربِ فقالَ: ما هو؟ أقليلٌ أم كثيرٌ، وهو نحو قوله ﷺ في الدّجالِ في آخرِ خبرِ الجسّاسةِ: ((ألا إنَّهُ في بحرِ الشامِ، أو بحرِ اليمنِ، لا بلْ منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ. منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ، منْ قبلِ المشرقِ، ما هوَ، وأومأ بيدهِ إلى المشرقِ)) أخرجهُ مسلمٌ (١) في أواخرِ "الصحيحِ" وغيرُهُ (٢). قال الشيخُ محيي الدينِ في " شرحهِ ": ((قالَ القاضي: لفظةُ ((ما)) هنا زائدةٌ صلةٌ للكلامِ، ليستْ بنافيةٍ، والمرادُ إثباتُ أنَّهُ في جهةِ المشرقِ)) (٣). انتهى. وهذا المعنى يرجعُ إلى التجويزِ الثاني منَ الاحتمالِ الأولِ الذي ظهرَ لي، ويوضحُ تجويزَ الاحتمالينِ الأخيرينِ أنَّ في روايةِ أبي يعلى: ((ثمَّ قالَ: في بحرِ فارسٍ ما هو في بحرِ الرومِ، ما هو، ثلاثاً، ثم ضَرَبَ بكفهِ اليُمنى على اليُسرى ثلاثاً)) (٤). قولهُ: (انْ (٥) شاءَ اللهُ) و (بأس عراه) (٦) بزيادةِ ساكنِ ثامن يُسمى تذييلاً وإذالةً، لكن لم يُجيزوه في هذا البحرِ، ولا أجازوه في المشطورِ (٧)، وإنَّما خصّوهُ بمجْزوءِ البسيطِ والكاملِ فيحملُ عملُ الشيخِ هنا على ذلكَ ضرورةً؛ لأنّهم ارتكبوا في ضروراتِ الشعرِ أشياء كثيرةً لا تُسوَّغُ في النثرِ، وإنْ / ٢٣٥ أ / كانَ الشاعرُ مطلقَ

стр. 671

العَنانِ غيرَ مُقيدٍ بشيءٍ، فكيفَ إذا كانَ مقيداً بنوعٍ، وبألفاظٍ في ذلكَ النوعِ (١) لا يقدرُ على الخروجِ عنها. هذا وفي قولهِ: ((إن شاء الله)) علةٌ أخرى وهي القطعُ: وهو حَذفُ ساكِنِ الوتدِ منْ مستفعلن، وتسكينُ ما قبلهُ، ولا يُجعلُ هذا البيتُ الأولُ من الإذالةِ، بل من الوقفِ، ويُنقلُ إلى بحرِ السريعِ؛ لِتقارُبِ البحرينِ كما يأتي قريباً. والوقفُ إسكانُ السابعِ المحرّكِ. قولهُ: (فهذهِ المرتبةُ أعلى العباراتِ) (٢) هو على حَذفِ مُضافٍ، أي: فألفاظُ هذهِ المرتبةِ، قالَ الشيخُ في " النكتِ ": ((لأنَّ التأكيدَ الحاصلَ بالتكرار لابدَّ أنْ يكونَ لهُ مزيةٌ على الكلامِ الخالي عن التأكيدِ، والله أعلم)) (٣). قولهُ: (لا مطلقَ تكرارِ التوثيقِ) (٤)، أي: صدوقٌ صالحٌ مثلاً، كما يأتي عن عبدِ الرحمانِ بن مهديّ الإمامِ القدوةِ في هذا الشأنِ، وكلامُهُ يدلُّ على أنَّ الأوصافَ من رُتبةٍ وإنْ تكررتْ لا تَرقى إلى الرُّتبةِ التي قبلَها، فإنّهُ ذَكرَ لأبي خَلْدةَ (٥) كما يأتي في " الشرحِ" في الأبياتِ التي بعد هذه عدةَ أوصافٍ منَ المرتبةِ الثالثةِ، ولم يُبلّغْهُ معها إلى الرتبةِ الثانيةِ. قولهُ: (وكذا إذا قيلَ: ثَبتٌ) (٦) قال في " النكتِ ": ((وقد اعتُرِضَ عليهِ بأنَّ قولَهُ ((ثبْتٌ)) ذكرها ابنُ أبي حاتِمٍ فلا زيادةَ عليه إذنْ. انتهى.

стр. 672

وليسَ في بَعضِ النُّسَخِ الصحيحةِ / ٢٣٥ ب / من كتابهِ (١) إلا ما نقلهُ المصنفُ عنه كما تقدّمَ، ليسَ فيه ذكرُ ثبتٍ، وفي بعضِ النسخِ: إذا قيلَ للواحدِ: إنَّهُ ثقةٌ أو متقنٌ ثبتٌ، فهو ممن يُحتجُّ بحديثهِ، قالَ: هكذا في نسختي منه، أو مُتقِنٌ ثبتٌ، لم يقلْ فيه أو ثبتٌ، فالله أعلم)) (٢). انتهى كلامُ " النكتِ ". ولو قيلَ: إنَّ المرادَ الجمعُ بينهما لكان له وَجهٌ؛ لأنَّ المُتقِنَ هوَ الضابطُ الجيّدُ الضبطِ، فلا بدّ حينئذٍ مما يَدلُّ على العدالةِ، فإذا قالَ: ثبتٌ أفادَ ذَلِكَ وزيادةً؛ فإنَّ معناهُ يرجعُ إلى ما تطمئِنُّ به النفسُ وتقنعُ به فيَثْبُتُ عندها، أي: لا تطلبُ عليهِ مَزيداً، وذلك لا يكونُ إلاَّ بمنْ جَمعَ إلى الضبطِ العدالةَ، قال في " القاموس": ((وأثبتَهُ عرَفَهُ حقَّ المعرفةِ، والأثباتُ الثقاتُ)) (٣). وقالَ في " النهايةِ ": ((الثَّبَتُ بالتحريكِ: الحجةُ والبينةُ)) (٤) فحينئذٍ يكونُ كالألفاظِ التي قبلَها. قولهُ في المرتبة الثالثة (٥): (المرتبة الثانية) (٦). قولهُ: (هذه) (٧) مفعولُ ((جعلَ)) الأولُ، ويجوزُ أنْ تكونَ ((المرتبةُ)) المفعولَ الثاني، ((والثانية صفةٌ)) (٨)، ويجوزُ أنْ تكونَ ((المرتبةُ)) صفةَ ((هذه))، و ((الثانية)) المفعول الثاني.

стр. 673

قولهُ: (وينظرُ فيه) (١) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((هذا كما قالَ؛ لأنَّ هذه العباراتِ لا تُشعرُ بشريطةِ الضبطِ، فيُنظرُ حديثُهُ ويُختبرُ حتى يُعرَفَ ضبطُهُ، وقد تقدّمَ بيانُ طريقهِ في أولِ هذا النوعِ - أي: مَن تُقبلُ روايتُهُ ومَنْ تُردُّ، وهو المذكورُ في قول الشيخِ: ((ومن يوافِقْ غالباً ذا الضبطِ)) (٢) - وإن لمْ يستوفِ النظرَ المعرِّفَ لكونِ ذَلِكَ المُحدّثِ / ٢٣٦ أ / في نفسهِ ضابطاً مطلقاً، واحتجنا إلى حديثٍ منْ حديثِهِ، اعتبرنا ذَلِكَ الحديثَ ونظرنا: هل لهُ أصلٌ من روايةِ غيرهِ؟ كما تقدّم بيانُ طريقِ الاعتبارِ في النّوعِ الخامسِ عَشر)) (٣). قولهُ: (وأخّرتُ هذه اللفظة) (٤)، أي: لأنَّ الدرجةَ الثالثةَ من ألفاظِها: صدوقٌ، وهو وصفٌ بالصدقِ على طريق المبالغةِ، وأمّا هذه اللفظةُ، فدالةٌ على أنَّ صاحبَها محلُّهُ، ومرتبتُهُ مُطلقُ الصدقِ (٥)، ولا يُقالُ فحينئذٍ يكونُ لا بأسَ بهِ أعلى مِن ليسَ به بأسٌ؛ لأنّها أعرقُ (٦) منها في النفي؛ لأنَّه يُقالُ: إنَّ بأسَ في الأخرى نكرَةٌ في سياقِ النفي فَتَعُمُّ، وليس بينهما كبيرُ فَرقٍ في العبارةِ بخلافِ: محلهُ الصدقُ؛ فإنَّه يُفهمُ أنَّ المتكلمَ ما عدلَ عن صدوقٍ، وهي أخصرُ إليها إلاّ لنُكتةٍ وهي ما تقدّمَ. قولهُ: (أو مُقارب الحديثِ - بفتح الراء وكسرها-) (٧) قال الشيخُ في " النكت ": ((ضُبِطَ في الأصول الصحيحةِ المسموعةِ على المصنّفِ (٨) بكسر الراء،

стр. 674

وكذا ضَبَطهُ الشيخُ محيي الدين النوويُّ في " مختصريه " (١)، وقد اعترضَ بعضُ المتأخرينَ بأنَّ ابنَ (٢) السيد حَكَى فيه الوجهينِ: الكسرَ والفتحَ، وأنَّ اللفظينِ حينئذٍ لا يستويانِ؛ لأنَّ كسرَ الراءِ من ألفاظِ التعديلِ، وفَتْحَها من ألفاظِ التجريحِ. انتهى. وهذا الاعتراضُ والدعوى ليسا صحيحينِ، بل الوجهانِ: فتحُ الراءِ وكسرُها معروفانِ، وقد حكاهُما ابنُ العربيِّ في كتابهِ " الأحوذيِّ " (٣) وهما على كُلِّ حَالٍ / ٢٣٦ ب / من ألفاظِ التوثيقِ، وقد ضُبِطَ أيضاً في النُّسخِ الصحيحةِ عنِ البخاريِّ بالوجهينِ، وممّنْ ذكرهُ في ألفاظِ التوثيقِ الحافظُ أبو عبد الله الذهبيُّ في مقدمةِ "الميزانِ" (٤) وكأنَّ المعترِضَ فَهِمَ من فَتحِ الراءِ أنّ الشيءَ المقارَبَ هوَ الرَّديءُ، وهذا فهمٌ عجيبٌ، فإنَّ هذا ليسَ مَعروفاً في اللغةِ، وإنَّما هوَ في ألفاظِ العوامِّ، وإنَّما هوَ على الوجهينِ من قولهِ: ((سدّدوا وقارِبوا)) (٥) فمَن كَسَرَ، قالَ: إنَّ معناهُ أنَّ حديثَهُ مُقارِبٌ لحديثِ غيرهِ، ومَنْ فَتَحَ قالَ: إنَّ معناه أنَّ حديثَهُ يُقارِبهُ حديثُ غيرِهِ. ومادّة فاعَلَ تقتضي المشاركةَ إلا في مواضعَ قليلةٍ، والله أعلم.

стр. 675

واعلمْ: أنَّ ابنَ سيده حَكَى في الرجلِ المقارِبِ الكسرَ فقط، فقالَ: ((ورجلٌ مُقارِبٌ ومتاعٌ مقارِبٌ، ليس بنفيسٍ، وقالَ بعضُهم: دينٌ مقارِبٌ بالكسرِ، ومتاعٌ مقارَبٌ بالفتح)) (١) هذه عبارتُهُ في " المحُكمِ " فلم يحكِ الفتحَ إلا في المتاعِ فقط. وأمّا الجوهريُّ فجعلَ الكلَّ بالكسر، فقالَ: ((فلا تقُلْ مقارَبٌ)) (٢) بالفتح)) (٣). انتهى. وقالَ في " القاموس ": ((وشيءٌ مقارِبٌ - بالكسرِ - بينَ الجيِّدِ والرديءِ، أو دَينٌ مقارِبٌ - بالكسرِ -، ومتاعٌ مقارَبٌ - بالفتح -)) (٤). واعتراضُ الشيخِ على المعترضِ في نقلهِ وقوله حسنٌ، وأمّا فيما كأنهُ فهمَهُ فلا. والتحقيقُ أنَّ ما نزلَ عن أعلى المراتِبِ يصحُّ في اللغةِ أنْ يُقالَ: إنَّه / ٢٣٧أ / تجريحٌ باعتبارِ أنَّه نَزلَ بصاحبِهِ عنِ الرتبةِ العُليا، وتوثيقٌ نظراً إلى أنَّه لم يُنْزِلْ صاحبَهُ إلى درجةِ مَن يُرَدُّ حديثُهُ، والمقارِبُ يستوي معناهُ عند العلماءِ والعوامِّ في أنَّهُ ما بينَ الجيِّدِ والرديءِ، وإنْ أطَلقَ أحدٌ عليه الرداءةَ فمرادُهُ بالنسبة إلى الجيّدِ، وكلما قَرُبَ اللفظُ من أولِ مراتِبِ الردِّ كانَ إطلاقُ التجريحِ عليه أسوغَ. واعتراضُ الشيخِ على القائلِ لتنْزيلِهِ ذلك على استعمالِ أهلِ الفنِّ حقيقةً، ولو ادّعى التجوّزَ لم يُشاحِحهُ، والله أعلم. ثم إنَّ هذه اللفظةَ منَ الألفاظِ التي قالَ ابنُ الصلاحِ (٥) إنَّ ابنَ أبي حاتمٍ وغيرَهُ لم يشرحوها، ومرادُهُ كما ذكرَ في "النكتِ" (٦) أنَّهم لم يُبيِّنوا منْ أيِّ رُتبةٍ هي، وأمّا

стр. 676

تمييزُ ألفاظِ التّوثيقِ منْ ألفاظِ التجريحِ فأمرٌ لا يخفَى على أحدٍ منْ أهلِ الحديثِ، ثم إنَّ الشيخَ رأى أنّ ما أُضيفَ إلى هذه اللفظةِ منْ ألفاظِ التوثيقِ مِنَ الرتبةِ الرابعةِ، ويأتي الكلامُ على ألفاظِ التجريحِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ومعنى قولِ المعترضِ: إنَّ اللفظينِ حينئذٍ لا يستويانِ، أنَّ اختلافَ الحركاتِ هنا ملزومٌ لاختلافِ المعنى؛ لأنَّهُ لا شكَّ في التفرقةِ بين الفاعلِ والمفعولِ فيكونُ كلٌّ منهما من بابٍ بخِلافِ ما يَلزمُ على ضَبطِهِ بالكسرِ فقط من (١) توحيدِ (٢) المعنى / ٢٣٧ أ / الملزومِ لأنْ يكونَ منْ بابٍ واحدٍ. هذا تقديرُ اعتراضِهِ. ورَدَّ عليه الشيخُ بأنَّ الوجهينِ معروفانِ عند أهلِ الفنِّ وإنْ ضَبَطَهُ المصنفُ بوجهٍ واحدٍ خِلافاً لما أفهَمَهُ كلامُ المُعترِضِ مِن أنَّ أهلَ الحديثِ اقتصروا على وجهٍ واحدٍ، ومعَ الضبطِ بالوجهينِ جعلوا المعنى واحداً وجعلوا اللفظةَ بتقديرِها منْ ألفاظِ التوثيقِ فقط، فتوحيدُهمُ البابَ على تقديرِ الضبطينِ (٣) فرعُ توحيدِهمُ المعنى؛ وذلك لأنَّ المقاربَةَ أمرٌ نِسبيٌّ فمن قَارَبَكَ فقد قاربتَهُ، فكلُّ مَنْ كانَ مقارِباً - بالكسرِ (٤) - كان مقارَباً - بالفتحِ - فلا فرقَ في المآل، والله أعلم. قولهُ: (واقتَصَرَ في الرابعةِ على قولِهم: صالحُ الحديثِ) (٥) سيأتي عن ابنِ مهديٍّ في آخرِ شَرحِ الأبياتِ التي بعدَها ما يقتضي أنْ تكونَ هذه اللفظةُ عندَهُ في الرتبةِ الثالثةِ؛ لأنَّهُ يُطلِقُها على منِ اتّصفَ بِصَدُوقٍ. قولهُ: (وهوَ دونَ قولِهم: لا بأسَ به) (٦) وهو كذلكَ؛ لأنَّ الثانيةَ ظاهرةٌ في

стр. 677

أنَّهُ على وُثوقٍ من حُكمِهِ بذلك، محتملة احتمالاً قوياً لأنْ يكونَ جارَى غيرَهُ منْ علماءِ الفنِّ فَوافَقَهُ بِخِلافِ الأولى في الأمرَينِ. قولهُ: (وشيخ) (١) ليس زيادةً فإنَّه في كلامِ ابنِ أبي حاتمٍ (٢). قولهُ: ٣٣٥. ... وَ (ابْنُ مَعِيْنٍ) قال: مَنْ أَقُوْلُ: (لاَ ... بَأْسَ بِهِ) فَثِقَةٌ وَنُقِلاَ ٣٣٦. ... أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَلْ: ... أَثِقَةٌ كَاَنَ أبو خَلْدَةَ؟ بَلْ ٣٣٧. ... كَانَ (صَدُوْقاً) (خَيِّراً) (مَأْمُوْنَا) ... الثِّقَةُ (الثُّوْرِيُّ) لَوْ تَعُوْنَا ٣٣٨. ... وَرُبَّمَا وَصَفَ ذَا الصِّدْقِ وَسَمْ ... ضُعْفاً بِ (صَالِحِ الْحَدِيْثِ) إِذْ يَسِمْ قولهُ: (إلى نفسهِ خاصةً) (٣) سيأتي أنَّ دُحَيماً قالَ به أيضاً، وعِبارةُ دُحَيم: رُبما تُفْهِمُ شيوعَهُ عن أهلِ / ٢٣٨ أ / الفنِّ. قولهُ: (حتى يلزمَ منهُ التساوي) (٤) بلِ الذي قالَهُ يَلزمُ منه التساوي؛ فإنَّه حَكَمَ أنَّ هذا ذاكَ، فإمّا أنْ يكونَ الموضوعُ الذي هو ليس به بأسٌ مُساوياً لِثقةٍ أو أخصَّ، وعلى كُلِّ حالٍ يكونُ حُكمُهُ حكمَهُ، بخلافِ ما لو قالَ كقولي: ثقةٌ، فإنَّه يُفهمُ حينئذٍ أنَّ ليس به بأسٌ أنْزل رُتبةً؛ لأنَّهُ مشبّهٌ من ثقةٍ لأنه مشبهٌ (٥) به نبَّهَ عليه شيخُنا، ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا الآخرينَ عنه أنَّهُ قد يُعتَذَرُ عنِ الشيخِ بأنّهم يُطلِقونَ في بابِ التَّوثيقِ والتَّجريحِ لفظَ الثقةِ على مَنْ كانَ مقبولاً ولا يُريدونَ أنَّهُ تامُّ الضَّبطِ، وقولُ ابنِ معينٍ من هذا القبيلِ.

стр. 678

قولهُ: (فالتعبيرُ عنه بقولهم: ثقةٌ أرفعُ) (١) قد يقالُ: إنَّه إنَّما يدلُّ على أنَّهُ أرفَعُ منْ قولهم: صدوقٌ، ويُدَّعى أنَّه لا بأسَ بهِ أعلى من ذلك، فإنَّها نافيةٌ لِكُلِّ بأسٍ. وأمّا الصدوقُ فقد يكونُ فيهِ بأسٌ في غير الكذبِ، وقد يُجابُ بأنَّ هذا بالنَّظرِ إلى مفهومِ ذلك لغةً، وأما اصطلاحاً فلا. قولهُ: (لعبدِ الرحمان بن إبراهيم) (٢) قال شيخُنا: هو دُحَيمٌ، وكانَ في أهلِ الشامِ كأبي حاتمٍ في أهل المشرقِ، وكلامُهُ إنَّما يدلُّ على تساوي اللفظينِ في اصطلاحه خاصةً (٣)، وسؤالُ أبي زُرعةَ له منبهٌ على ذلك، فإنَّهُ يدلُّ على أنَّ الشائِعَ بين أهلِ الحديثِ أنَّ لا بأسَ به أَنْزَلُ رُتبةً من ثقةٍ وإلا لما سألَ. / ٢٣٨ ب / قولهُ: (الثقةُ: شعبةُ، وسفيانُ) (٤) قال في " النكتِ ": ((وقد اعتُرِضَ عليهِ بأنَّ الذي في كتابِ الخطيبِ، وغيرِهِ: الثقةُ شعبةُ، ومسعرٌ (٥)، لم يذكرْ سفيانَ جملةً. انتهى. والجوابُ: أنَّ المصنِّفَ لم يحكِ ذلك عن الخطيبِ، وعلى تقديرِ كونهِ في كتابِ الخطيبِ هكذا، فيحتملُ أنَّهُ منَ النُّسَّاخِ فليسَ غلطُ المصنِّفِ بأولى منْ تغليطِهم، على أنَّ المشهورَ عنِ ابنِ مهديٍّ ما ذكرهُ المصنِّفُ، وهكذا حَكاهُ عمرو ابنُ عليٍّ الفلاّسُ، وكذا رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ في " الجرحِ والتعديلِ " (٦)، وكذلكَ ذَكرَهُ الحافظُ أبو الحجاجِ المزيُّ في " تهذيبِ الكمالِ " (٧) في ترجمةِ أبي خَلْدَةَ - وهو

стр. 679

خالدُ بنُ دينارٍ التميميُّ الخيّاطُ - ونقلَ في ترجمةِ مِسعَر منْ روايةِ الفلاّسِ أيضاً عنِ ابنِ مهديٍّ: ((الثقةُ شعبةُ، ومِسعَرٌ)) (١)، وعلى هذا: فلعلهُ سُئِلَ عنهُ مرَّتينِ: فإنَّ المنقولَ في هذه الروايةِ، أنَّ أحمدَ بنَ حَنبلٍ سأله، ولَعلهُ قال: الثقةُ شعبةُ، وسفيانُ، ومِسعرٌ، فاقتصر الفَلاَّسُ على التمثيلِ باثنينِ فمرَّةً ذكرَ سفيانَ، ومرَّةً ذكر مِسعراً، والله أعلم)) (٢). قولهُ في المتن: (مراتبُ التجريحِ) (٣). قولهُ: (يضَع) (٤)، أي: يصنعُ (٥) حديثاً، ويعزوهُ إلى رسولِ الله ﷺ ، ومادةُ وَضَعَ تدورُ على مُلازمةِ الموضعِ، ويلزمُها في الأغلبِ: الخِسَّةُ، والدَّناءةُ، والحطُّ والسفولُ (٦)؛ لأنَّ الجيدَ منْ شأنهِ / ٢٣٩ أ / أنْ يُرغَبَ فيهِ فيتناقلَ، والرديءُ وإنِ انتقَلَ بالفعلِ فشأنهُ غيرُ ذلكَ؛ للإعراضِ عنه، فكأنَّ هذا لما كذبَ وضعَ ما يأتي منْ قِبَلِهِ فَجعلَهُ بحيثُ لا يُلتفتُ إليهِ، وقد يلزمُها الترتيبُ والتصنيفُ، ومنهُ: وضعَ فلانٌ في الفَنِّ الفُلانيِّ كتاباً، أي: أنشأهُ فرتَّبَهُ وهذَّبهُ، ومنهُ: الوضيعةُ لكتابٍ يُكتبُ في الحِكمةِ، وقد يلزمها الشرفُ، ومنه: الواضعةُ للرَّوضَةِ؛ كأنَّها لحُسنِها توجبُ لمن رآها الانقطاع إليها، وأنْ لا يعدوها. قولهُ: (واهٍ بمرّةٍ) (٧)، قال شيخُنا: أي قولاً واحداً لا تَردُدَ فيهِ. انتهى. وكأنَّ الباءَ زِيدَتْ تأكيداً.

стр. 680

قولهُ: (تنكرُ وتعرفُ) (١) أي: يأتي مرَّةً بالمناكيرِ، ومرَّةً بالمشاهيرِ، فينبغي أنْ يُنظرَ في حديثِهِ، ولا يؤخذُ ما رواهُ مُسَلَّماً وهو قريبٌ منْ قولهم في التوثيقِ: محلُّهُ الصدقُ، وما معها منْ ألفاظِ المرتبةِ الرابعةِ، ثم اعلَمْ: أنَّ البيتَ مكسورٌ؛ لأنَّهُ كُفَّ الجُزء الثاني، أي: أُسقطَ ساكنُهُ السابعُ، وهو لا يجوزُ في هذا البحرِ؛ لأنَّ مُستَفْعِلُن فيهِ ذو وتدٍ مجموع (٢)، والزِّحافُ لا يكونُ إلا في ثواني الأسبابِ، فلو قالَ: تنكرُه، بزيادةِ هاءٍ ساكنةٍ لاَسْتَقَامَ (٣)، وتعرفُ مُستَفعِلُنْ، لكنّهُ مخبونٌ مقطوعٌ بحذفِ ساكنِ وَتَدِهِ، وإسكان متحركِهِ، ونَقَلَ / ٢٣٩ب / لي صاحبُنا العلامةُ نجمُ الدينِ محمدُ بنُ قاضي عجلون - أدامَ اللهُ تعالى النفعَ به -، عن شيخِنا علاّمةِ زمانِهِ الشيخ أبي الفَضْل المغربيِّ المشدالي البجائيِّ: أنَّ بعضَهم جَعَلَ هذا المقطوعَ في مثلِ هذا مِنَ السريعِ، مِنْ ضَربهِ المخبون المكشوف، فإنَّ القطعَ لم يردْ في مَشطورِ الرَّجزِ، وجَوَّزوا هذا في مُزدوجِ الرَّجزِ؛ لقُربِهِ منَ السريعِ؛ فإنَّ وزنَهُ: مُسْتَفعِلُنْ مُسْتَفعِلُنْ مَفْعولات، فلا مُخالفةَ بينهما إلا بالوتدِ المفروق لا غير. قولهُ: (للضعف ما هو) (٤) مثلُ قوله: ((إلى الصدق ما هو)) فإنَّ اللامَ هنا بمعنى إلى (٥)، ويحتملُ أنْ تكونَ على بابِها، فيكونُ التقديرُ: فلانٌ كائنٌ للضعفِ، وأما ((ما هو)) فكما مَضَى. قولهُ: (وكلُّ مَنْ ذُكِرْ) (٦) مبتدأٌ مضافٌ إلى ((من))، و ((بعدُ)) مجرورٌ بـ ((مِنْ))، ومضافٌ إلى ((شيئاً))، ولفظُهُ محكيٌّ، والجرُّ في محلِّهِ، و ((اعتبرَ)) خبرُ المبتدأِ، و ((بحديثِهِ)) متعلقٌ بالخبرِ.

стр. 681

قولهُ في "الشرحِ": (مراتبُ ألفاظِ التجريحِ) (١) عجيبٌ؛ لأنَّ المراتبَ ليس لها مراتبُ بل الألفاظُ هي المرتَّبةُ، فلو أسقطَ لفظةَ ((مراتبَ)) (٢) لكان حسناً. قولهُ: (على خمسِ مراتبَ) (٣) بل كانَ يتعيَّنُ على نحوِ ما مضى في التعديلِ أنْ تكونَ ستاً؛ فإنَّ تكريرَ الألفاظِ مثلَ قولِ الخطيبِ: ((كذابٌ ساقطٌ)) أعلى منْ إفرادِها، فكانَ ينْبغي أنْ تكونَ هي الأولى، وعلى ما مَضى عنْ شيخِنا صيغةَ / ٢٤٠أ / ((أفعلَ)) هي الأولى فتكونُ سبعاً. قولهُ: (وجعلها ابنُ أبي حاتمٍ (٤)، وتبعَهُ ابنُ الصلاحِ (٥)، أربعَ مراتبَ) (٦) يَنبغي أنْ يُعلمَ أنَّهما ابتدءا بآخرِ المراتبِ التي ذَكرَها الشيخُ؛ لأنَّهما رَتَّبا ذلك على سَبيلِ التدلِّي في الصفاتِ المحمودةِ؛ لأنَّهما بدءا بأعلى مَراتبِ التوثيقِ عندَهما، واستمرا يتنَزلانِ في ما قاربَ ذلك، والشيخُ تبعهما في التعديلِ، وبَدءَ في التجريحِ بالأَخسِّ الأنزلِ، وخَتمَهُ بالأقربِ إلى أدنى التوثيقِ، فبَدءَ في التوثيقِ بالأعلى، وفي التجريحِ بالأدنى. وأسندَ ابنُ الصلاحِ (٧) بعد ما نقلهُ عنِ ابنِ أبي حاتمٍ، منْ طريقِ البَيْهَقيِّ، إلى أحمدَ بنِ صالحٍ، قالَ: ((لا يُتركُ حديثُ رَجُلٍ حتى يجتمعَ الجميعُ على تَركِ حديثهِ، قد يُقالُ: فلانٌ ضعيفٌ، فأمّا أنْ يُقالَ: فلانٌ متروكٌ، فلا، إلا أنْ يُجْمِعَ الجميعُ على تركِ حديثهِ)) (٨).

стр. 682

واعلَمْ: أنَّ سبيلَ التجريحِ سبيلُ التوثيقِ في أنَّ أدْوَنَ مراتِبِهِ - أعني: أعظمَها قدحاً وأقبَحَها جَرْحاً - صيغةُ ((أفعلَ))، كأكذبُ الناسِ، كما قالَهُ شيخُنا، فتصيرُ المراتبُ سِتاً، بل سَبعاً على ما مَضى (١). قولهُ: (وقد فَرَّقْتُ بينَ بعضِ (٢) هذه الألفاظِ) (٣) قال ابنُ الأثيرِ في "النهاية": ((والتفرقُ والافتراقُ سواءٌ، ومنهم مَنْ يجعلُ التفرُّقَ بالأبدانِ، والافتراقُ في الكلامِ، يُقالُ: فرَّقتُ بينَ الكلامينِ فافترقا، وفرَّقتُ بين الرجلينِ فتفَرَّقا)) (٤). وعلى هذا يمكنُ قراءة / ٢٤٠ب / هذه اللفظةِ - مُخففةً - بمعنى: أنَّه فَرَّق بينَ معاني هذه الألفاظِ ومشدَّدةً؛ لأنَّها إذا تباينتْ معانيها صارتْ كلُّ واحدةٍ منْ رُتبةٍ، غيرِ رُتبةِ الأخرى، فتباعدَ ما بين الألفاظِ، وذلكَ هو تفرُّقُ الأبدانِ. قولهُ: (فيمنْ تركوا حديثَهُ) (٥) قالَ بعضُ أصحابِنا: عبارةُ ابنِ كثيرٍ: ((فإنَّهُ يكونُ في أدنى المنازلِ عندَهُ وأردئِها)) (٦). قولهُ: (المراتب الثلاثةُ) (٧) أصلحهُ المصنفُ بعدَ قراءةِ شيخِنا البُرهانِ الحلبيِّ عليهِ ((الثلاث)) فأسقطَ تاء التأنيثِ كما هو دأبُ العددِ المؤنثِ. قولهُ: (حديثُهُ منكرٌ) (٨) قالَ شيخُنا: كانَ ينبغي أنْ يُنبِّهَ على أنَّ البخاريَّ قال: ((مَنْ قُلتُ: حديثُهُ منكرٌ فلا يحلُّ الاحتجاج به)) كما بيَّنَ اصطلاحَهُ في

стр. 683

قولهِ: ((فيه نظرٌ)) و ((سكتوا عنه)) لكنَّ العُذرَ عنِ الشيخِ أنَّهُ أوردها في مرتبةِ منْ يُعتَبَرُ بحديثهِ؛ لأنَّ البخاريَّ إنَّما نَفَى أنْ يُحتجَّ به، وذلكَ لا ينفي أنْ يُستَشْهَدَ به ويُعتبرَ بحديثِهِ، قالَ بعضُ أصحابِنا: لكن حَكَى المصنِّفُ كلامَ البخاريِّ في "التخريجِ الكبيرِ للإحياءِ"، أنَّه قال: ((كلُّ مَنْ قلتُ فيه: منكرُ الحديثِ فلا تحلُّ الروايةُ عنه)) (١). انتهى. قلتُ: فيُحملُ كلامُهُ على عَدمِ حِلِّ الروايةِ للاحتجاجِ جمعاً بينَ كلاميهِ. قالَ صاحبُنا: ثم قالَ المؤلفُ بعد نقلِهِ كلامَ البخاريِّ، قلتُ: كثيراً ما يُطلقون على راوٍ أنَّه منكرُ الحديثِ / ٢٤١أ / ويريدون بذلك حديثاً رواهُ مُنكراً. انتهى. وكأنَّهُ يريد بذلك أنَّ الموصوفَ بأنَّه مُنكرُ الحديثِ لا يكونُ مِنْ أهلِ هذه الرُّتبةِ، إلا إنْ كانتِ النَّكارَةُ مِنْ قِبَلِهِ. ويؤيدُه ما رأيتُهُ بخطِّ بعضِ الآخذينَ عنْ شيخِنا أنَّ في "سؤالاتِ الحاكمِ" لأبي الحسنِ الدارقطنيِّ: قلتُ: فسليمانُ بنُ بنتِ شرَحبيلَ، قال: ثقةٌ، قلتُ: أليسَ عندهُ مناكيرٌ؟ قال: يحدّثُ بها عنْ قومٍ ضُعفاء، فأمّا هو فهو ثقةٌ. (٢) قولهُ: (وليسَ بالقويِّ) (٣) في " سؤالاتِ الحاكمِ للدارقطنيِّ "، قلت: فأبو سفيان سعيدُ بنُ يحيى الحِمْيَريُّ؟ قال: هذا متوسطُ الحالِ، ليسَ بالقويِّ (٤). انتهى ما بخطِّ صاحبِنا.

стр. 684

قولهُ: (متى يصحُّ تحملُ الحديثِ، أو يستحبُّ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((معرفةُ كيفيةِ سَمَاعِ الحديثِ وتحمُّلِهِ وصفةِ ضبطِهِ. اعلَمْ: أنَّ طُرقَ نقلِ الحديثِ وتحمُّلِهِ على أنواعٍ مُتعدِّدةٍ، ولنُقَدِّمْ على بَيانِها، بيانَ أمورٍ: أحدُها: يَصحُّ التحمُّلُ قبلَ وجودِ الأهليةِ، فتقبلُ رواية مَنْ تَحمَّلَ قبلَ الإسلامِ، ورَوَى بعدَهُ (٢)، وكذا (٣) مَنْ سمعَ قبلَ البلوغِ ورَوَى بعدَهُ (٤))) (٥). قولهُ: (وكذلك) (٦)، أي: ومثلُ ما قَبِلَ أهلُ العلمِ رواياتِ هؤلاءِ الصحابةِ منْ غيرِ فَرقٍ (كانَ أهلُ العلمِ يُحْضِرُونَ الصبيانَ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ولم يزالوا قديماً وحديثاً يُحضِرونَ الصبيانَ /٢٤١ ب/ مجالسَ التحديثِ والسماعِ، ويعتدُّون بروايتهم (٨) لذلكَ، والله أعلم)) (٩)، وهي أصرحُ منْ عبارةِ الشيخِ في سَوقِها مَساقَ الدليلِ على جوازِ تحمُّلِ مَنْ بعدَ عَصرِ الصَّحابةِ منَ الصبيانِ. قولهُ: (بالضبط) (١٠) في محلِ نصبٍ على أنَّهُ حالٌ، أي: كتبهُ مضبوطاً، أي: ضبط (١١) بالكتابةِ، فلو قالَ: فكتبهُ والضبطُ والسماعُ، لكانَ أولى، وأتبعُ لعبارةِ

стр. 685

ابنِ الصلاحِ كما يأتي، وسيأتي هناكَ تجويزُ تقديرٍ آخرَ، وهو أنْ يكونَ ((بالضبطِ)) خبرُ ((كتبهُ)) لكنْ يصيرُ حينئذٍ عطفٌ ((والسماعُ)) عليهِ منْ عطفِ الجُمَلِ، فيقدحُ فيهِ ظاهرُ قولِ الشيخِ: أنّهُ معطوفٌ على ((فَكتْبهُ)). قولهُ: (حيثُ يصح) (١) هو خبر ((كَتْبهُ)) أي: يكونُ في هذه الحالةِ حينَ، ولو قالَ: حينَ يصحُّ لكانَ أيضاً أحسنَ وأتبعَ. قولهُ: (سنةٌ متبعة) (٢)، أي: ليسَ في حَديثِ محمودٍ (٣) ما يدلُّ على شيءٍ بعينِهِ لا يختلفُ فيجبُ اتباعُهُ، بل الصوابُ في ضبطِ وقتِ الطلبِ الذي لا يختلفُ هو كونُ الطالبِ بالحيثيةِ التي ذَكرَها. قولهُ: (والفرائض) (٤) قالَ شيخُنا: ((المرادُ ما يجبُ على الشخصِ وجوبَ عينٍ، لا علمُ المواريثِ)). قولهُ: (وقالَ موسى) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وقيلَ لموسى بن إسحاقَ: كيف لم تكتبْ عن أبي نُعيمٍ؟ فقالَ: كانَ أهلُ الكوفةِ .. )) (٦) إلى آخرهِ.

стр. 686

قولهُ: (أي: طلبٍ) (١) مجرورٌ؛ لأنَّهُ / ٢٤٢ أ / تفسيرُ الضميرِ المجرورِ في ((تَقييدِه))، أي: تَقييدِ طَلبِ الحديثِ، وتقييدِ كتابتهِ ((بالضبطِ))، أي: مضبوطاً بالكتابةِ كما مضى تقديرُه، وتقييدِ ((سماعِهِ))، أي: وَقتِ سَماعِهِ ((من حيثُ يصحُّ))، أي: يُقيدُ ذلك بالحيثيةِ التي يصحُّ فيها، وذلكَ وقتُ الفهمِ، ويجوزُ أنْ يكونَ المعنى: وتقييدُ كتابتهِ يكونُ ((بالضبطِ))، أي: بالوقتِ الذي يكونُ فيه ضابطاً للحديث لفظاً ومعنىً، ويكون ((سماعُهُ)) مبتدأً خبرهُ ((منْ حيثُ))، أي: وسماعُهُ يكونُ ((من حيثُ يصحُّ)) (٢)، أي: منَ الوقتِ الذي يصحُّ فيه، وذلك بأحدِ الأوقاتِ (٣) الأربعةِ التي يأتي ذكرُها عنِ العلماءِ. قولهُ: (بكتبِهِ الحديثَ) (٤) يجوزُ فيه وجهانِ: أحدهما: أنْ تكونَ الهاءُ ضَميراً يعودُ على المحدّثِ، فيكونَ ((الحديث)) منصوباً بالمصدرِ. والثاني: أنْ تكونَ هاءَ تأنيثٍ، فتكونَ الكافُ مكسورةً، و ((الحديثُ)) مجروراً، فإنَّ الكِتْبَةَ - بالكسرِ - اكتِتابُهُ كتابَهُ ينسخُهُ، قالهُ في "القاموسِ" (٥). قولهُ: (فمن حيثُ يتأهَّلُ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((حينَ)) (٧).

стр. 687

قولهُ: (وابن ماجه) (١)، قالَ شيخُنا: إنْ كانَ مقصودُهُ من خَرَّجَ أصلَ الحديثِ فمُسلِمٌ (٢) خرَّجهُ فكانَ ينبغي ذكرُهُ، وإنْ كانَ مقصودُهُ مَنْ نَصَّ في روايتِهِ على السنِّ فابنُ ماجه لم يذكرْها (٣)، فكانَ ينبغي طرحُهُ. قولهُ: (وهو ابنُ أربع) (٤)، قالَ: يجمعُ بين الاختلافِ في أنَّها أربعٌ أو خمسٌ / ٢٤٢ب / بأنَّها كانتْ أربعاً وكسراً، وذلكَ ينفي أنْ يُقالَ: إنَّها كانتْ خمساً وكسراً، فأسقطَ الكسرَ وأطلقَ عليها أنَّها خمسٌ مجازاً. قولهُ: (وسنُهُ أقلُّ منْ ذلكَ) (٥)، أي: كعبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، فإنَّهُ عَقَلَ تَرددَ والدِهِ إلى بني قريظةَ يومَ الأحزابِ كما في "صحيح البخاري" في مناقبِ الزبيرِ (٦)، وكانتِ الأحزابُ سنةَ أربعٍ، وقيلَ: سنةَ خمسٍ؛ فيكونُ لهُ منَ العمرِ سنتانِ، أو ثلاثٌ وأشهرٌ (٧)؛ لأنّهُ وُلِدَ في الثانيةِ منَ الهجرةِ، عَزَى ذلكَ إلى الزركشيِّ، ونقلَ عن شيخِنا أنَّهُ قالَ: ((الذي يظهرُ أنَّه ولِدَ في الأولى))، وأمّا الأحزابُ فذكرَ أيضاً أنَّها كانتْ سنةَ ستٍّ. قولهُ: (فرجلُ) (٨) في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ تقديرُهُ، وقيلَ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: متى يجوزُ سماعُ الصبيِّ للحديثِ (٩)؟ قالَ: إذا عقلَهُ وضبطَ، قيل له: فرجلٌ

стр. 688

قال ... إلى آخرِه. قالَ شيخُنا: ((وهذا الرجلُ يحيى بنُ معينٍ، ذَكرهُ الخطيبُ)) (١) هكذا حفظتُهُ من شيخِنا، ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابِنا عنْ شيخِنا أنَّهُ يحيى بنُ سعيدٍ، فالله أعلم. قولهُ: (بينَ البقرةِ والحمارِ) (٢) قالَ شيخُنا: ((الذي يظهرُ أنَّهُ على سبيلِ المثالِ)) (٣) وبقيَ في المسألةِ قولٌ خامسٌ، وهو التفرقةُ بينَ العربيِّ والعجميِّ حكاهُ السِلفيُّ في كتابِهِ في " الإجازةِ " ولفظُهُ على ما نُقلَ عنهُ: ((وأكثرُهم على أنَّ العربيَّ يصحُّ سماعُهُ إذا بلغَ أربعَ سنينَ، واحتجوا بحديثِ محمودِ بنِ / ٢٤٣أ / الربيعِ، وأنَّ العجميَّ إذا بلغَ ستّ سنينَ)) (٤) وكتابه هذا مرويٌّ منْ طريقِ الدمياطي، أخبرنا (٥) ابنُ رَوَاج (٦) سماعاً، أخبرنا السِلفيُّ سماعاً بالثغر. وفيها قولٌ سادسٌ نقلَ عنِ الإمامِ سراجِ الدينِ عمرَ بنِ الملقنِ في كتابِ الصلاةِ منْ (٧) شرحِهِ " للتنبيهِ " قال: ((وحُكيَ عن اليحصبيِّ أنَّه إذا صارَ الصبيُّ يعدُّ منْ واحدٍ إلى عشرينَ كان مُميزاً)) وفي " شرحهِ للمنهاجِ " قالَ القاضي أبو الطيبِ: ومنْ أصحابِنا مَنْ قال: لا يتقدر ذلكَ بمدَّةٍ -يعني: أمرَ الصبيِّ بالصلاةِ- بل متى حصلَ التمييزُ، وهو كما قالَ بعضُهم: أنْ يعدَّ

стр. 689

منْ واحدٍ إلى عشرينَ (١)، أُمرَ بها، وضُربَ عليها، وإنَّما قدَّرهُ في الحديثِ بسبعٍ؛ لأنَّ التمييزَ غالباً يَحصلُ عندَها، وبهذا جزمَ ابنُ الفِركاحِ (٢) في "الإقليدِ" (٣). قولهُ: (والذي يغلبُ على الظنِّ) (٤) قالَ في " النكتِ ": ((أحسنَ المصنفُ (٥) بالتعبيرِ عن هذه الحكايةِ بقولهِ: بلغنا، ولمْ يجزمْ بنقلها، فقد رأيتُ بعضَ الأئمةِ منْ شيوخِنا يَستبعدُ صحتَها، ويقولُ على تقديرِ وقوعِها: لم يكنِ ابنَ أربعِ سنينَ، وإنَّما كانَ ضئيلَ الخِلقةِ فيُظنُّ صِغَرُهُ لذلك، والذي يغلبُ على الظنِّ ... )) (٦) إلى آخرِه. قولهُ: (كانَ متساهلاً) (٧) قالَ في " النكت " بعدَهُ: ((رُبَّما حدَّثَ مِن حفظِهِ بما ليس عندَه في كتابِهِ، وأهلكهُ العُجْبُ، فإنَّه كانَ يختارُ، ولا يضعُ لأحدٍ منَ العلماءِ الأئمةِ أصلاً / ٢٤٣ب /، وقال صاحبُ " الميزانِ ": ((كانَ يعتمدُ على حفظِهِ فَيَهِمُ)) (٨))) (٩).

стр. 690

أقسام التحمل (١) قولهُ: (أقسامُ التحمل) (٢). قولهُ: (كتاباً أو حفظاً) (٣) منصوبان بنزعِ الخافضِ، أي: لفظُ الشيخِ من كتابهِ أو حفظِهِ، ويصحُّ جعلُهُ حالاً، أي: ذا كتابٍ أو ذا حفظٍ، وأن يجعلَ تمييزاً، أي: من جهةِ الكتابِ أو الحفظِ، أي: لفظ كتابِ الشيخِ أو حفظه. قولهُ: (حدَّثنا حدَّثني) (٤) لا شكَّ أنَّ ((حدّثني)) و ((أخبرني)) أدَلُّ على المرادِ وأبعدُ منَ التجوُّزِ مما أسندَ إلى ((نا)) فلو قدّمها لدَلَّ على أنَّها أرفعُ ولم يختلّ النظمُ. قولهُ: (عندَ الأكثرينَ) (٥) وقالَ بعضُهم: هو والعرضُ سواءٌ، وقال بعضُهم: العرضُ أعلى، وسيأتي ذلك في البابِ الذي بعدهُ. قولهُ: (أو غير إملاءٍ) (٦) لكنَّ الإملاءَ أعلى (٧)، وإنْ استويا في أصل الرتبةِ.

стр. 691

قولهُ: (قال القاضي عياضٌ) (١) إلى آخرهِ، عبارةُ ابنِ الصلاحِ (٢): ((وفيما نَرويهِ عنِ القاضي عياض بنِ موسى السبْتيِّ (٣) -أحد المتأخرينَ المطلعينَ- قولهُ: ((لا خلافَ)) ... إلى آخرِهِ)) (٤). قولهُ: (أرفعُ العباراتِ: سمعتُ) (٥)، أي: بالإفرادِ، أمّا سمعنا بطريقِ الجمعِ فيطرُقُه احتمالُ سماعِ أهلِ بلدٍ هو فيهم ونحو ذلك. قولهُ: (حدّثنا شديدٌ) (٦) ينبغي أنْ يحملَ هذا على ما إذا شكَّ هلْ سمعَ منْ لفظِ الشيخِ، أو بالعرضِ عليه، فيكون منَ المسألةِ الآتيةِ في التفريعاتِ لا من هذه. قولهُ: (فقدْ أخطأ) (٧)، قالَ شيخُنا كما نقلَهُ بعضُ أصحابِنا: ((معناهُ أنَّه لم يَرِدْ سندٌ صحيحٌ عن الحسنِ / ٢٤٤أ / بصيغةِ التحديثِ)). انتهى. وإذا انتفى ورودُ التحديثِ انتفَى ما تَفَرَّعَ عليه منَ التأويلِ، وما بعدَهُ. قولهُ: (الرازيين) (٨) زادَ ابنُ الصلاحِ في المذكورينَ اثنينِ، وهما: عبدُ الرزاقِ بنُ هَمَّامٍ، ويزيدُ بنُ هارونَ، وقال: ((وغيرهم)) (٩)، وعَنْ خَطِّ شيخِنا:

стр. 692

والنسائيّ وابن منده وابن حبانَ، قال: وعكسهُ أبو نعيمٍ فكانَ يقولُ فيما قرأهُ على الشيوخِ أو سمعه: حدثنا، وفي (١) الإجازةِ: أخبرنا. قولهُ: (وذُكِرَ عن محمدٍ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وذكرَ الخطيبُ)) (٣). قولهُ: (مما سمعتَ) (٤)، أي: قالَ محمدُ بنُ رافعٍ: فما سمعتَ معَ هؤلاءِ، قالَ فيه عبد الرزاق: حدثنا. قولهُ: (بما قُرئَ على الشيخِ) (٥)، قالَ ابنُ الصلاحِ بعدَهُ: ((ثمَّ يتلو قولَ ((أخبرنا)) قولُ ((أنبأنا)) و ((نبَّأنا))، وهو قليلٌ في الاستعمالِ، وقالَ: ((حدثنا)) و ((أخبرنا)) أرفعُ منْ ((سمعتُ)) منْ جهةٍ أخرى، وهي: أنَّه ليسَ في ((سمعتُ)) دلالةٌ على أنَّ الشيخَ روَّاهُ (٦) الحديثَ وخاطبهُ بهِ، وفي ((حدَّثنا)) و ((أخبرنا)) دلالةٌ على أنَّهُ خاطبَهُ بهِ وروَّاه له، أو هو ممنْ فُعلَ به ذلك. سألَ الخطيبُ (٧) شيخَهُ أبا بكرٍ البَرْقانيَّ (٨) الفقيهَ الحافظَ عن السرِّ في كونِهِ يقولُ لهم فيما رواهُ عن أبي القاسمِ عبدِ اللهِ بنِ إبراهيمَ الجُرْجاني

стр. 693

الآبَنْدُونيِّ (١) - يعني: وآبنْدون قريةٌ من قرى جرجانَ - ((سمعتُ)) ولا يقولُ: ((حدثنا)) ولا ((أخبرنا)) فذكرَ لهُ أنَّ أبا القاسِم كانَ معَ ثقتِهِ وصلاحِهِ عَسِرَاً في الرِّوايةِ، فكانَ البَرْقانيُّ يجلسُ حيثُ لا يراهُ / ٢٤٤ب / أبو القاسمِ، ولا يَعلمُ بحضورِهِ، فيسمعُ منهُ ما يحدثُ به الشخصَ الداخلَ إليه، فلذلكَ يقولُ: ((سمعتُ)) ولا يقولُ: ((حدَّثنا))، ولا ((أخبرَنا))؛ لأنَّ قصدَهُ كانَ الرواية للداخلِ إليه وحدَهُ)) (٢). قولهُ: (حيثُ قالَ: قالَ لي فلانٌ) (٣)، قال شيخُنا: قالوا: إنَّ ما قالَ البخاريُّ فيه: ((قالَ لنا فلانٌ)) فهو مما حَملَهُ إجازةً، واستقرَّ بنا ذلك فوجدناهُ في بعضِ ما قالَ فيهِ ذلك يصرّحُ فيهِ بالتحديثِ في موضعٍ آخرَ (٤). قولهُ: (وخصصَ الخطيبُ) (٥) إلى آخرهِ، قالَ ابنُ الصلاحِ بعد: ((والمحفوظُ المعروفُ ما قدَّمنا ذِكرَه، والله أعلمُ)) (٦). قولهُ في الثاني القراءةُ على الشيخِ: (يحفظُهُ) (٧) مفسرٌ لشرط ((إنْ)) في قوله ((كذا إنْ))؛ لأنَّ تقديرَهُ: كذا إنْ يحفظْه ثقةٌ ممنْ سمعَ بحفظِهِ، فهو مجزومٌ كمفسرهِ، ولا يتزنُ البيتُ معَ جزمِهِ، فكانَ ينبغي أنْ يَقولَ: حفظهُ ماضياً، فيكونَ الجزءُ مخبولاً، أو يقولَ: يحفظُهُ مع إصغاءِ سَمْعٍ فاقتنعْ.

стр. 694

قولهُ: (يعرضُ على الشيخِ ذلك) (١)، قالَ ابنُ الصلاحِ: ((كما يعرضُ القرآن على المُقرئِ)) (٢). قولهُ: (ولا فرقَ بينَ إمساكِ الثقةِ) (٣) إلى آخرهِ، قال شيخُنا: ((لو سَوّى بينَ إمساكِ الشيخِ وإمساكِ غيرِهِ، وبينَ حفظِهِ وحفظِ غيرِهِ، لكانَ مُتجهاً، وأمّا التسويةُ بينَ إمساكِ الأصلِ والحفظِ فمحلُّ نزاعٍ، والظاهرُ ترجيحُ الإمساكِ؛ إذ الحفظُ خَوَّانٌ)). ثم يَنبغي أنْ تعلَمَ / ٢٤٥أ / أنّ شيخَنا ﵀ كانَ يقولُ وهو الحقُّ: ((إنَّ ذلك ينبغي أنْ يكونَ محلُّهُ ما إذا كانَ الشيخُ والطالبُ بمستويينِ، فإنْ كانَ أحدُهما أعلمَ كانَ سماعُهُ بقراءةِ المفضولِ أرجحَ؛ لأنَّ قراءةَ المفضولِ أضبطُ له، والفاضلُ أوعى لما يسمعُ، والله الموفقُ)). قولهُ في شرحِ قولهِ: (وأجمعوا أخذاً بها) (٤): (أبو عاصم النَّبيلُ) (٥) في " صحيحِ البخاريِّ " (٦) في كتابِ العلمِ، قالَ البخاريُّ: ((سمعتُ أبا عاصمٍ يذكرُ عن سفيانَ الثوريِّ ومالكٍ أنَّهما كانا يريانِ القراءةَ والسماعَ جائزاً)). انتهى. ظاهرُ ذلكَ منْ سكوتِهِ عليه أنَّه يراهُ، ويحتملُ أنَّه نقلَهُ وهو لا يراهُ، والله أعلمُ. قولهُ: (فلم يسمعْ منه لذلك) (٧)، قالَ بعضُ أصحابِنا: قالَ الإمامُ عبدُ العظيمِ المنذريُّ في كتابهِ " الإعلامِ بأخبارِ شيخِ البخاريِّ محمدِ بنِ سلامٍ" بعدَ أنْ ذَكرَ ما

стр. 695

قالهُ الشيخُ هنا منْ عدمِ سماعِهِ منْ مالكٍ: ((وقد ذكرَ الأميرُ أبو نصرِ بنُ ماكولا: أنَّ محمدَ بنَ سلامٍ سمعَ منْ مالكِ بنِ أنسٍ)) (١)، قالَ: ويمكنُ الجمعُ بينَهما بأنْ يكونَ سمعَ منه بعد ذلك ما حدّث به منْ لفظِهِ. قولهُ: (بحديثِ ضِمامِ بنِ ثعلبةَ) (٢) وهوَ ما رَواهُ الشيخانِ (٣) وغيرهما (٤) عن أنسِ بنِ مالكٍ، وغيرهِ (٥) من الصحابة ﵃، قال: ((بَينما نَحنُ جُلوسٌ مع النبيِّ ﷺ في المسجدِ دخلَ رجلٌ على جملٍ فأناخَهُ في /٢٤٥ ب/ المسجدِ، ثُمّ عَقَلَهُ، ثم قالَ: أيُّكم محمدٌ؟ - والنبيُّ ﷺ متكئٌ بين ظَهرانيهم - فقلنا: هذا الرجلُ الأبيضُ المتكئُ، فقالَ لهُ الرجلُ: ابنُ عبدِ المطلبِ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ : قد أجبتُكَ، فقالَ الرجلُ للنبيِّ ﷺ (٦): إنِّي سائلُكَ فَمُشددٌ عَليكَ في المسألةِ فلا تجدْ عليَّ في نفسِكَ، فقالَ: سلْ عما بدا لكَ، فقالَ: أسألُكَ بربِّكَ وربِّ (٧) مَنْ قبلكَ آللهُ أرسلكَ إلى الناسِ كلهم؟ قالَ: اللهمَّ نَعَم ... )) الحديثَ في سؤالِهِ عن شرائعِ الدينِ والإجابةِ عنها، فلما فَرغَ قالَ: ((آمنتُ بما جئتَ بهِ، وأنا رسولُ مَنْ ورائي من قومي وأنا ضِمامُ بنُ ثعلبةَ أخو بني سعدِ بنِ بكرٍ))، وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ (٨) عن ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّهُ لما رجعَ إلى قومِهِ اجتمعوا إليه فأبلغهم، قالَ: فواللهِ ما أمسى منْ ذَلِكَ اليومِ في حاضِرِه رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مُسلماً.

стр. 696

يقولُ ابنُ عباسٍ: فما سمعنا بوافِدِ قومٍ كانَ أفضلَ منْ ضِمامِ بنِ ثعلبةَ ﵁. ولفظُ البخاريِّ في كتابِ العلمِ من " صحيحهِ ": ((واحتجَّ بعضُهم في القراءةِ على العالِمِ (١) بحديثِ ضِمامِ بن ثَعلبةَ، قالَ للنبيِّ ﷺ : ((آللهُ أمركَ أنْ تُصليَ الصلاةَ قالَ: نعمْ))، قالَ: فهذه قراءةٌ على النبيِّ ﷺ (٢) أخبرَ ضِمامٌ قومَه بذلك فأجازوهُ (٣) / ٢٤٦أ /، قالَ شيخُنا في " المقدمةِ ": ((وقد وصلَهُ أبو داودَ (٤) من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ فقالَ: إنَّ ضِماماً ﵁ قالَ لقومهِ عندما (٥) رَجعَ إليهم: إنَّ اللهَ قد بعثَ رسولاً ... الحديث (٦). قولهُ: (وهو الصحيحُ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((والصحيحُ ترجيحُ السماعِ (٨) من لفظِ الشيخِ، والحكمُ بأنَّ القراءةَ عليهِ مرتبةٌ ثانيةٌ)) (٩). انتهى. وقد عرفتَ ما في ذلك من التفصيلِ الذي ذَكرهُ شيخُنا. قولهُ: (وجودوا فيه) (١٠)، أي: في العرضِ المذكورِ في قولهِ: (عَرْضاً) (١١).

стр. 697

قولهُ: (وأنا) (١) بإثبات الألفِ؛ لضرورةِ الوزنِ معَ جوازِ ذلك في السعةِ؛ لأنَّ بعدَها همزةٌ في مثلِ قراءةِ المدنيينِ: نافعٍ وأبي جعفر ٍ ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (٢) ﴿وَأَنَا أَوَّلُ﴾ (٣) سواءٌ كانت مضمومةً أو مفتوحةً، وأمّا المكسورةُ مثل: ﴿أَنَا إِلاَّ﴾ (٤) ففيها خلافٌ عَنْ قالون (٥)، هذا في الوصلِ، وأمّا في الوقفِ فلا خلافَ في إثباتها لجميعِ القرّاءِ. قولهُ: (الشافعي) (٦) مخالفٌ في القافية للذي قبلَهُ فإنَّ هذا من المتداركِ، وهو مؤسسٌ، و ((الأوزاعيُّ)) منَ المتواترِ (٧) المردفِ، والمخالفةُ في القافيةِ تقعُ كثيراً لهُ ولغيرِهِ من ناظمي العلم. قولهُ: (لأهله) (٨) الضميرُ للتجويزِ المضمن لقولهِ: ((قد جوّزوا)) (٩) وأبدلَ منَ المضافِ ((أهلَ الأثرِ)) لكثرةِ القائلينَ بهذا، كأنَّ غيرَهم لا عبرةَ بهم، فإنَّ محمدَ بنَ الحسنِ التميميَّ الجوهريَّ المصريَّ قالَ كما نقلَهُ عنهُ ابنُ الصلاحِ: ((إنَّ هذا مذهبُ

стр. 698

الأكثرِ من أصحابِ الحديثِ الذينَ لا يُحصيهم أحدٌ، وإنَّهم جعلوا أخبرنا، علماً / ٢٤٦ب / يقومُ مقامَ قولِ قائلِهِ (١): ((أنا قرأتُهُ عليهِ، لا أنَّهُ لَفَظَ به لي))، قالَ: وممنْ كانَ يقولُ به من أهلِ زمانِنا أبو عبدِ الرحمانِ النسائيُّ في جماعةٍ مثلِهِ من مُحدِّثينا)) (٢). قولهُ: (بالدالِ) (٣)، أي: لا بالزاي فالمرادُ أنَّه جائزٌ جوازاً موصوفاً بالجودةِ. قولهُ: (وأنا أسمعُ) (٤) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((أجودُها أنْ يقولَ: قرأتُ على فلانٍ، أو: قُرئَ على فُلانٍ وأنا أسمعُ فأقرَّ به، فهذا سائغٌ من غيرِ إشكالٍ)) (٥). قولهُ: (منَ التفرقةِ) (٦)، أي: كما سيأتي نقلُ ذلك عنه قريباً. قولهُ: (وذهبَ أبو بكرِ بنُ شهابٍ) (٧) إلى أنْ قالَ: (إلى جوازِ إطلاقهما) (٨)، أي: حدّثنا، وأخبرنا من غيرِ تقييدٍ، نُقِلَ عن " طبقات ابنِ سعدٍ " (٩) عن الواقديِّ، قالَ: ((حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن أخي ابنِ شِهابٍ، سمعتُ عمي ما لا أحصي يقولُ: ما أُبالي قرأتُ على المحدّثِ أو حدَّثني، كلاهما أقولُ: حدَّثنا)). انتهى.

стр. 699

قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ومن هؤلاءِ مَنْ أجازَ فيها أيضاً - أي: في العبارةِ عن القراءةِ - أنْ يقولَ: سمعتُ فلاناً)) (١) وقالَ في مذهبِ الفَرقِ بينَ أخبرنا، فيجوزُ دونَ حدَّثنا: ((وهو منقولٌ عن مسلمٍ صاحبِ الصحيحِ)) (٢). انتهى. قالَ النوويُّ فيما نُقلَ عنه: ((وكانَ من مذهبِهِ - أي: مُسلِمٍ - الفرقُ بينَهما، وأنَّ حدّثنا لا يجوزُ إطلاقُهُ إلاّ لما سمعَهُ من لفظِ الشيخِ خاصةً، وأخبرنا لما قُرِئَ على الشيخِ، وهذا الفرقُ هو مذهبُ الشافعيِّ)) (٣) إلى آخرِ كلامهِ. انتهى. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وقد قيلَ: إنَّ أوَّلَ مَنْ أحدثَ الفرقَ بينَ هذينِ اللفظينِ / ٢٤٧أ / ابنُ وَهْبٍ بمصرَ، وهذا يدفعُهُ أنَّ ذلك مرويٌّ عن ابنِ جُرَيجٍ والأوزاعيِّ، حكاهُ عنهما الخطيبُ أبو بكرٍ (٤) إلا أنْ يعني أنَّه أوَّلُ مَنْ فعلَ ذلك بمصرَ)) (٥). قولهُ: (أكثرُ علمائِنا) (٦) نُقلَ عن " طبقاتِ ابنِ سعدٍ " (٧) في ترجمةِ عبدِ الرحمانِ بنِ هرمزَ الأعرجِ بسندٍ فيه الواقديُّ، عن عثمانَ بنِ عبيدِ الله بنِ رافعٍ، قالَ: ((رأيتُ مَنْ يقرأُ على الأعرجِ حديثَهُ عن أبي هُريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فيقولُ: هذا حديثُكَ يا أبا داودَ - وهي كنيةُ الأعرجِ -، فيقولُ: نَعَم، قالَ: فيقولُ: فأقولُ: حدَّثني عبدُ الرحمانِ، وقد قرأتُ عليكَ؟ قالَ: نَعَم، قُلْ: حدَّثني عبدُ الرحمانِ بنُ هرمزَ)).

стр. 700

قولهُ: (وهو الشائعُ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((الفرقُ بينهما صارَ هو الشائعَ الغالبَ على أهلِ الحديثِ، والاحتجاجُ لذلك منْ حيثُ اللغةُ عناءٌ وتكلُّفٌ، وخيرُ ما يُقالُ فيه: إنَّه اصطلاحٌ أرادوا به التمييزَ بينَ النوعينِ، ثمَّ خُصِّصَ النوعُ الأولُ بقولهِ (٢): حدثنا؛ لقوَّةِ إشعارِهِ بالنطقِ والمشافهةِ)) (٣). قولهُ: (وبعضُ مَنْ قالَ) (٤)، ثم قالَ: (الهرويُّ) (٥) قال ابنُ الصلاحِ: ((أحدُ رؤساءِ أهلِ الحديثِ بخُراسانَ)) (٦). قولهُ: (تفريعات) (٧)، أي: على ما تأصَّلَ من (٨) أقسامِ التحملِ. عبارةُ ابنِ الصلاحِ عن الأولِ: ((إذا كان أصلُ الشيخِ عندَ القراءةِ عليهِ بيدِ غيرِهِ، وهو موثوقٌ به مُراعٍ لِما يَقرَأُ، أهلٌ لذلك، فإنْ كان الشيخُ يحفظُ ما يُقرأُ عليه فهوَ كما لو كان أصلُهُ بيدِ نفسِهِ، بل أولى لتعاضُدِ ذهني / ٢٤٧ب / شخصينِ عليه - ثم ذكرَ فيما إذا أمسكهُ بعضُ السامعينَ نحو ما قالَ الشيخُ، ثمَّ قالَ - وإذا كان الأصلُ بيدِ القارئ وهو موثوقٌ به دِيناً ومعرفةً، فكذلكَ الحكمُ فيهِ، وأولى بالصِّحةِ)) (٩)، أي: مما لو كان الأصلُ بيدِ سامعٍ آخرَ؛ لأنَّ القراءةَ في هذه الصورةِ أضبطُ في اتباعِ ما حملَهُ الشيخُ، والذهولُ فيها أقلُّ، وأمّا إمساكُ غيرِ الأهلِ، فقالَ فيه ابنُ الصلاحِ: ((فسواءٌ كانَ بيدِ

стр. 701

القارئِ أو بيدِ غيرِهِ في أنَّه سماعٌ غيرُ معتدٍّ به إذا كان الشيخُ غيرَ حافظٍ للمقروءِ عليه)) (١). قولهُ: (وأكثرُ ميلِهِ إلى المنعِ) (٢) إلى آخره، قال الشيخُ في " النكتِ ": ((وَوهَّنَ السِّلفيُّ هذا الاختلافَ؛ لاتفاقِ العلماءِ على العملِ بخلافِهِ، فإنَّهُ ذكرَ ما حاصلُهُ: أنَّ الطالبَ إذا أرادَ أنْ يقرأَ على شيخٍ شيئاً منْ سماعِهِ هل يجبُ أنْ يُريَهُ سماعَهُ في ذلك الجزءِ، أم يكفيَ إعلامُ الطالبِ الثقةِ للشيخِ أنَّ هذا الجزءَ سماعُهُ (٣) على فلانٍ؟ فقالَ السِّلفيُّ: هما سِيَّان، على هذا عَهِدْنا علماءَنا عن آخرِهم، قالَ: ولم تزلِ الحُفّاظُ قديماً وحديثاً يخرجونَ للشيوخِ منَ الأصولِ فتصيرُ تلكَ الفروعُ بعدَ المقابلةِ أصولاً، وهل كانت الأصولُ أولاً إلا فروعاً)) (٤). انتهى. قولهُ: (غيرُ شرطٍ) (٥) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وإنَّ سكوتَ الشيخِ على الوجهِ المذكورِ نازلٌ منْزلةَ تصريحِهِ بتصديقِ القارئِ اكتفاءً بالقرائنِ الظاهرةِ)) (٦). قولهُ: (وشَرَطَهُ بعضُ الظاهريةِ) (٧) قال ابنُ الصلاحِ: ((وفي / ٢٤٨أ / حكايةِ بعضِ المصنفينَ للخلافِ في ذلكَ أنَّ بعضَ الظاهريةِ شَرَطَ إقرارَ الشيخِ عندَ تمامِ السماعِ بأنْ يَقولَ القارئُ للشيخِ: هو كما قرأتُهُ عليكَ، فيقولُ: نَعَم)) (٨). وعبارة ابنِ الصلاحِ في النقلِ عن هذا الشرطِ قريبةٌ من عبارةِ الشيخِ، وهي غيرُ

стр. 702

مبينةٍ، فإنْ كانَ المرادُ أنَّ الشرطَ في صحةِ السماعِ بحيثُ إنَّه إذا انتفى التلفظُ بالإقرارِ لا يصحُّ إسنادُ السماعِ إلى الشيخِ بلفظٍ منَ الألفاظِ، فذلك ممكنٌ في غيرِ ابنِ الصباغِ؛ لعدمِ المعرفةِ لعباراتِهم، وأمّا ابنُ الصباغِ فكلامُهُ ظاهرٌ في أنَّ السماعَ في نفسِهِ صحيحٌ، وأنَّ التلفظَ بالإقرار إنَّما هو شرطٌ في جوازِ الروايةِ بحدثنا، وأخبرنا، ونحوِهما، وأمّا بصيغةِ تَفهم الواقعَ فلا، وهوَ قولُ الغزاليِّ (١) ومنْ ذُكِرَ معه. قولهُ: (والعَرْضِ) (٢) بالجرِّ عطفاً على قولهِ: ((اللفظ)) (٣)، والمفعولُ محذوفٌ، أي: واختارَ في العرضِ هذا التفصيلَ، وهو أنَّك: إن تسمعَ بقراءةِ غيرِكَ ... إلى آخرهِ، ويجوز أنْ يُرفعَ على أنَّه مبتدأٌ، وخبرُهُ جملةُ الشرطِ بتقديرِ رابطٍ، أي: إنْ تسمعْ فيه، أي: إنْ تكنْ سامعاً، فَقلْ: أخبرنا، أو تكنْ قارئاً فقُلْ: أخبرني. قولهُ: (فسوَّى بينَ مسألَتي) (٤)، أي: لأنَّه إذا حدّث الشيخُ من لفظِهِ وسَمعَ جماعةٌ يقولُ كلٌ منهم: حدَّثنا فحصلتِ التسويةُ. قولهُ: (فجائزٌ لمنْ سمعَ وحدَهُ أنْ يقولَ: أخبرنا وحدَّثنا) (٥)، قالَ صاحبُنا العلامةُ شمسُ الدينِ محمدُ بنُ / ٢٤٨ب / حسان القدسيُّ ﵀ فيما وجدتُهُ بخطِّهِ: ((وَجَدْتُ السِّلفيَّ يفعلُ ذلك؛ فيقولُ: أخبرنا، وإنْ سَمعَ وحدَهُ، وطريقُ معرفتي لذلك أنَّهُ يفردُ نفسَهُ في كتابةِ التسميعِ، ويكتبُ أولَ الجُزءِ: أخبرنا،

стр. 703

ومن عادتِهِ كتابةُ مَنْ شارَكهُ في السماعِ (١)، وهذا هو اللائقُ بكلِّ أحدٍ فضلاً عنهُ)) يعني: أنَّه لو كان سمعَ معه أحدٌ لَكَتَبهُ في الطبقةِ. قولهُ: (ونحو ذلك) (٢)، قالَ ابنُ الصلاحِ: ((لأنَّ المحدِّثَ حدَّثهُ وحدَّثَ غيرَهُ)) (٣). قولهُ: (والشَّكُّ في الأخذِ) (٤) إلى آخره، أي: إنْ وقعَ فاعتبارُ الوحدةِ ... إلى آخرهِ. قولهُ: (لأنَّ عدمَ غيرِهِ هو الأصلُ) (٥)، قالَ ابنُ الصلاحِ عقِبَهُ: ((ولكنْ ذَكرَ عليُّ بنُ عبدِ اللهِ المدينيُّ الإمامُ عنْ شيخِهِ يحيى بنِ سعيدِ القطَّان)) (٦) فذكرَهُ إلى قولهِ: ((على الناقصِ)) فقالَ: ((لأنَّ عدم الزائدِ هو الأصل)) (٧)، وهذا لطيفٌ. انتهى (٨). لكنْ يمنعُ من هذا أنَّ الألفاظَ صارتْ - بعدَ تخصيصِ كلٍّ منها بمعنى - متباينةَ المعاني، فمتى أبدلَ منها لفظاً بآخرَ احتملَ أنْ يخبرَ بهِ عما لم يكنْ، مثلاً إذا غَيَّرَ ((حدَّثنا)) بـ ((حدّثني)) كانَ كأنَّه قال: حدَّثني من لفظِهِ وأنا وحدي، وقد يكونُ ذلك كذباً، وكذا عكسُهُ؛ فإنَّ معناهُ: حدَّثني من لفظِهِ وأنا في جماعةٍ، والفرضُ أنَّه

стр. 704

شاكٌّ، فقد يكونُ كذباً، وكذا ((أخبرنا)) و ((أخبرني)) فالاحتياط أنْ يقولَ إذا شكَّ في ((حدثنا)) و ((حدثني)): حدَّثَ فلانٌ من لفظِهِ وأنا / ٢٤٩أ / أسمعُ، وإذا شكَّ في ((أخبرنا)) و ((أخبرني)) فَلْيَقُلْ: قُرِئ على فلانٍ وأنا أسمعُ، وهو أحسنُ عندي من ((قَرَأْنا)). قولهُ: (والأصل: أنَّه لم يَقرَأْ) (١) قال الشيخُ في " النكت ": ((هذا إذا مشينا على ما ذَكرَهُ المصنفُ تبعاً للحاكم: أنَّ القارئ يقولُ: أخبرني، سواءٌ سمعَ بقراءتِهِ غيره (٢) أم لا، أمّا إذا قُلنا: بما جزمَ به ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (٣) من أنَّ القارئَ إذا كانَ معه غيرُهُ يقولُ: أخبرنا، فيتجهُ (٤) أنْ يُقالَ: الأصلُ عدمُ الزائدِ، لكن الذي ذَكرَهُ ابنُ الصلاحِ هوَ الذي قالَه عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، وأبو عبدِ اللهِ الحاكمُ، وهو المشهورُ، والله أعلمُ)) (٥). قولهُ: (فيقولُ فيه: قرأنا على فلانٍ) (٦) قالَ في " النكت " (٧): ((فإنَّه يصحُّ (٨) إتيانُهُ بهذه الصيغةِ فيما قرأهُ بنفسه، وفيما سمعَهُ بقراءةِ غيرِهِ)). انتهى. وفيه أنَّه يكونُ مُعظِّماً (٩) لنفسِهِ إذا كان الواقعُ أنَّه وحدهُ.

стр. 705

قولهُ في قولِهِ: (وقال أحمدُ): (١) (ولا تَعَدْ) (٢) أصلها: تتعدَّى، فحذفت التاءُ الأولى تخفيفاً، ولامُ الفعلِ للجزمِ بالنهي. قولهُ: (بأنَّه) (٣) متعلقٌ بـ ((عُرف))، أي: عُرفَ بالتسويةِ بينَ اللفظينِ: البدلُ والمبدلُ. وقولهُ: (فيرى) (٤)، أي: ابنُ الصلاحِ يقولُ بهذا. قولهُ: (لا يرى التسوية) (٥) قالَ في " النكت ": ((تعليلُ المصنفِ المنعَ، باحتمالِ أنْ يكونَ مَنْ قالَ ذلك ممن لا يرى التسويةَ بينَ ((أخبرنا)) و ((حدَّثنا)) ليسَ بجيدٍ من حيثُ إنَّ الحكمَ لا يختلفُ في الجائزِ والممتنعِ بأنْ يَكونَ الشيخُ / ٢٤٩ ب / يرى الجائزَ مُمتنعاً، أو الممتنعَ جائزاً، وقد صَرَّحَ أهلُ الحديثِ بذلك في مواضعَ، منها: أنْ يكونَ الشيخُ يرى (٦) جوازَ إطلاقِ ((حدَّثنا)) و ((أخبرنا)) (٧) في الإجازةِ، وأَذِنَ للطالبِ أن يقولَ ذلك إذا رَوَى عنه بالإجازةِ، فإنَّه لا يجوزُ ذلك للطالبِ، وإنْ أَذِنَ له الشيخُ، وقد صَرَّحَ به المصنفُ كما سيأتي - أي: في الكلامِ على المناولةِ - وكذلك أيضاً لم يشترطوا في جوازِ الروايةِ بالمعنى أنْ لا يكونَ في الإسنادِ مَنْ يَمنعُ ذلك، كابنِ سيرينَ، بل جَوَّزوا الروايةَ بالمعنى بشروطٍ ليس منها هذا)) (٨).
следующие страницы →