← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الصلاةِ خَفَّفَ، وفي كلامِهِ تكلّمَ بالمجازِ؛ لأنَّ ما جازَ موضعَهُ أخفَّ مما لزمَ الحقيقة (١). والمجازةُ: الطريقةُ في السبخةِ لما يحصلُ بها من اليُسرِ في الحفظِ منَ الضياعِ وغيرِهِ. والجائزةُ: العطيةُ والتحفةُ، ومقامُ الساقي من البئرِ؛ لأنَّه موضعُ اليُسرِ. والجائزُ: المارُّ على القومِ عطشاناً سُقيَ أو لا، لأنَّه محلُّ التيسيرِ بالسقي. والجوازُ كغراب العطش، وتجاوزَ عنه، وأمّا تجاوزَ فيه بمعنى: أفرطَ، فإنَّ معناهُ أنَّهُ تجاوزَ الحدَّ وكلُّ ما تجاوزَ الحدَّ خارجٌ عن اليُسرِ، وجَوَّزَ إبلَهُ: سقاها، والأمرَ جعلَهُ جائزاً، والجيزةُ الناحيةُ، والجيزُ جانبُ الوادي، والإجازةُ في الشِّعرِ: مخالفةُ حركاتِ الحرفِ الذي يلي حرفَ الرويِّ، أو كونُ القافيةِ طاءً، والأخرى دالاً، كذا في " القاموس " ((القافيةُ))، ولعله ((الرويُّ))؛ وذلك لأنّ ما تغيَّرَ أخفُّ وأيسرُ مما لزمَ حركةً واحدةً، أو حرفاً واحداً، والإجازةُ أيضاً: أنْ تُتمّ مِصراعَ (٢) غيرِكَ فتيسرَ عليه وتُمشِّي شِعرهُ (٣)، وذو المجازِ سوقٌ كانت لهم، والمُجيزُ: الوليُّ والقيمُ بأمرِ اليتيمِ / ٢٦٠ب / والعبدُ المأذونُ له في التجارةِ، والتِجوازُ بالكسر: بُرُدٌ موشىً، وأجزتُ على الجريحِ أجهزتُ؛ لأنَّ ذلك أيسرُ من أنْ يموتَ بالجراحةِ موتات. ومِنْ مقلوبهِ واوياً: زَجا الشيءَ: ساقَهُ ودفعَهُ، وزَجا الأمرَ: تيسّرَ واستقامَ، والزجاءُ: النفاذُ في الأمرِ، وزجا فلانٌ: انقطعَ ضحكُهُ؛ لأنَّه أيسرُ له منَ الاستغراقِ فيه، وزَجَا الخراجُ: تيسّرتْ جبايتُهُ، والبضاعَةُ المزجاةُ: القليلةُ، أو التي لم يتمَّ

стр. 737

صلاحُها كأنّه منَ السلبِ (١)، ومن مقلوبِه كذلك الوجزُ: السريعُ والخفيفُ من الكلامِ والأمرِ، وأوجزَ العطيةَ: عَجَّلَها، وأوجزَ في الأمرِ: اختصرَ، ومنْ مقلوبِهِ الزوجُ: امرأةُ الرجلِ، ويقال: زوجةٌ، والزوجُ البعلُ؛ لأنَّ كلاً منَ الزوجينِ مُيسِّرٌ على صاحبِهِ، والزوجُ: خلافُ الفردِ من ذلك، ومنَ العدلِ؛ لانقسامِهِ بمتساويينِ، والنمطُ يطرحُ على الهودجِ، ويقالُ للاثنين هما زوجانِ، وهما زوجٌ، والزوجُ: اللونُ من الثيابِ، والزوجُ الساجُ، والأزواجُ: القرناءُ، ويلزمُ منَ المقارنَةِ الخلطةُ (٢)، ومنه: تزوجَهُ النومُ بمعنى: خالطهُ. والزاجُ: ملحٌ معروفٌ، والزيج خَيطُ البَنَّاءِ مُعرَّبانِ. (٣) ومن يائيهِ: جزيتُهُ: كافأتُهُ، وجزيتُ عن كذا: أغنيتُ عنه، والجِزيَةُ: خراجُ الأرضِ وما يُؤخذُ منَ الذميِّ، وتجازيتُ ديني وبديني: تقاضيتُهُ، واجتزأ: طلبَ منه الجزاءَ، وجَزَى الشيءُ: كَفَى / ٢٦١أ / وعنه قضى، وأجزى عن كذا: قام مقامَهُ، ولم يكفِ (٤). ومنْ مهموزِهِ: الجزءُ: بعضُ الشيءِ؛ لأنَّ كلَّ جزءٍ منَ الجسمِ يرتفقُ بأخيهِ، وجزأتُ الإبلَ: اجتزأتُ بالرُطبِ عنِ اليابسِ، ومنه: قيل للوحشِ الجوازي؛ لأنَّها تجتزئ بالمرعى، وأجزأني الشيءُ: كفاني، وجزأ الشيءَ: شَدَّهُ فتيسرَ لما يُرادُ منه، والمِخْصَفَ جعلَ له جُزاءةً، أي: نصاباً، والخاتمَ في أصبعِهِ أدخله (٥)، والمرعى التفَ نبتُهُ فصارَ سبباً لليسرِ، وجزأتِ الأمُ: ولدتِ الإناثَ، إمّا لما يُرجى من مهورهنَّ، وإمّا لأنَّها جزءُ رجلٍ؛ لأنَّ كلَّ ثنتينِ برجلٍ، أو لأنَّ الأنثى خُلقتْ من آدمَ

стр. 738

فهي جزؤُهُ، وإمّا للسلبِ، وجازئكَ من رجلٍ: ناهيكَ مدحٌ بما فيه منْ أسبابِ اليسرِ (١). ومن مقلوبِهِ: استأجزتُ عنِ الوِسادةِ (٢) تحنيت عليها ولم تَتكئ (٣). ومن مقلوبِهِ: الجأزُ: غصصٌ يأخذُ في الصدرِ، وإنَّما يكونُ بالماءِ، وقد جَيِزَ، كَفَرِحَ، كأنَّهُ للسلبِ (٤). ومنْ مقلوبِهِ: زأجَ بينَهم، كمنعَ: حرَّش، كأنَّه للسلبِ أيضاً (٥)، وكذا مقلوبُهُ أزجَ، كنَصرَ، وفرحَ عني: تثاقل حينَ استعنتهُ وتخلفَ، والأزجُ بيتٌ يُبنى طولاً كأنَّ صنعتهُ أيسرُ من صنعةِ المربعِ وغيرِهِ (٦)، والله أعلم. قولهُ: (أجزتُ فلاناً مسموعاتي) (٧)، أي: جعلتُهُ جائزاً إليها، أو جعلتُها جائزةً - أي: مباحةً - له بمعنى: أنَّه يَرويها كما أرويها أنا. قولهُ في قولهِ: (وإنَّما) (٨): (من عالمٍ) (٩) متعلّقٌ / ٢٦١ب / بـ ((تُستحسَنُ))، ((ومن أجازَهُ)) في موضعِ الحالِ، أي: والحالُ أنَّ المجازَ لهُ ((طالب علمٍ))، أي: من أهلِ العلمِ، فإنَّ الإنسانَ لا يزالُ طالباً للعلمِ، ولو كانَ أعلمَ الناسِ ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (١٠).

стр. 739

قولهُ: (توسعٌ) (١)، أي: من (٢) المجيزِ والمجازِ لهُ (٣)؛ لينتفعَ كلٌّ منهما (٤) في الإمامةِ في العلمِ، المحثوثِ عليها بقولهِ تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٥) ((وترخيصٌ))، أي: منَ المجيزِ للمجازِ له. ولم ينظم الشيخُ مسألةَ خلوِّ الكتابةِ عنِ النيَّةِ فنظمَها شيخُنا الحافظُ برهانُ الدينِ الحلبيُّ تلميذُ المصنفِ، فقالَ: وحيثُ لا نيةَ قدْ جوَّزَها ... ابنُ الصلاحِ باحثاً أبرزَها قولهُ: (الرابعُ: المناولةُ) (٦) أصلُها (٧) ما عَلَّقهُ البخاريُّ في كتابِ العلمِ بصيغةِ الجزمِ، فقالَ: ((واحتجَّ بعضُ أهلِ الحجازِ في المناولةِ بحديثِ النبيِّ ﷺ حيثُ كتبَ لأميرِ السَّريَّةِ كِتاباً، وقالَ: لا تقرأهُ حتى تبلغَ مكانَ كذا وكذا، فلما بلغَ ذلكَ المكانَ قرأهُ على النَّاسِ، وأخبرَهم بأمرِ النَّبيِّ ﷺ )) (٨). قالَ شيخُنا في المقدمةِ: ((رواهُ (٩) ابنُ إسحاقَ في المغازي مُرسلاً، ووصلَهُ الطبرانيُّ (١٠) من طريقٍ أخرى منْ حديثِ جندبِ بنِ عبدِ اللهِ، وإسنادُهُ حسنٌ)) (١١)،

стр. 740

قالَ السهيليُّ: ((وكذلكَ العالِمُ إذا ناولَ التِّلميذَ كتاباً جازَ لهُ أنْ يرويَ عنه ما فيه، وهو فقهٌ صحيحٌ، غيرَ أنَّ الناسَ جعلوا المناولةَ اليومَ على غيرِ هذهِ الصورةِ، يأتي الطالبُ الشيخَ فيقولُ: ناولني كتبَكَ فيناولهُ، ثم يمسكُ متاعَهُ عندَهُ، ثم / ٢٦٢ أ / ينصرفُ الطالبُ، فيقولُ: حدَّثني فلانٌ مناولةً، وهذه روايةٌ لا تصحُّ على هذا الوجهِ حتى يذهبَ بالكتابِ معهُ، وقد أذنَ له أنْ يُحدِّثَ عنه بما فيه، وممنْ قالَ بصحةِ المناولةِ على الوجهِ الذي ذكرناهُ: مالكُ بنُ أنسٍ، رَوَى إسماعيلُ بنُ صالحٍ عنهُ أنَّه أخرجَ لهم كتباً مشدودةً، فقالَ: هذه كُتبي صححتُها ورويتُها فارووها عني، فقالَ له إسماعيلُ بنُ صالحٍ: فنقول: حَدَّثنا مالكٌ، قالَ: نَعَم، ورَوَى قصةَ إسماعيلَ هذه الدارقطنيُّ في كتابِ " رواةِ مالكٍ ")) (١). انتهى. وقد استدلَّ كما ترى بما لا يَنهضُ بما قالَهُ؛ فإنَّ القصةَ ليس فيها أنَّ مالكاً مَلَّكها لهم، وعلى تقديرِ ذلك فالمأذونُ له جماعةٌ، وليسَ في القصةِ أنَّه فَرَّقها عليهم، وعلى تقديرِ ذلك فلمْ يَخصَّ كلاً بما أعطاهُ له، بل أَذِنَ للكلِّ في روايةِ الكلِّ (٢)، فإمَّا أنْ تكونَ عندَ بعضِهم فيرويَ منها ما أحبَّ، وإذا أرادَ غيرُهُ الروايةَ أتى إليهِ فأخرجَها لهُ فكتبَ منها ما أرادَ ورواهُ، وإمَّا أن يَكونَ عندَ كلِّ واحدٍ منها شيءٌ فيرويَهُ، وإذا أرادَ روايةَ غيرِهِ ذهبَ إلى مَنْ هو عندَهُ فكَتَبهُ أو حَفظَهُ ورواهُ، وهذا هو الذي يقولهُ مَنْ يرى المناولةَ على الوجهِ الذي أنكرهُ السهيليُّ مِن أنَّه إذا أرادَ الروايةَ جاءَ إلى الشيخِ فأخذَ كتابَهُ فنقلَ منه وَرَوَى، أو أخذَ فَرْعاً له موثوقاً به، فرَوَى منه، والله الموفقُ. قولهُ: (عَرضاً) (٣) يجوزُ أنْ يكونَ مفعولاً له، أي: /٢٦٢ب/ يحضرُ به للشيخِ؛ لأجلِ عرضِهِ على الشيخِ بمعنى: أنَّ الشيخَ يتصفحُهُ وينظرُهُ؛ ليعلمَ هل هو

стр. 741

روايتُهُ؟ وهل هو صحيحٌ؟ وغيرُ ذلك منَ الأحوالِ التي ينبغي اعتبارُها، ويجوزُ أنْ يكونَ حالاً منَ الطالبِ، فيكونُ مصدراً في موضعِ اسمِ الفاعلِ، أي: عارضاً أو ذا عَرْضٍ. قولهُ: (والشيخُ) (١) في موضعِ الحالِ منْ ضميرِ ((له))، أي: للشيخِ حالَ كونِهِ عارفاً ((فينظرَه)) بالنصبِ عطفاً على ((يحضُرَ)) وضميرُهُ المستترُ للشيخِ، و ((يُناول)) عطفٌ عليهِ. قولهُ: (يقولُ) (٢) بيانٌ لذلك على سبيلِ الاستئنافِ. قولهُ: (امتناعاً) (٣) مصدرٌ منَ معنى ((أبَى))، ويجوزُ كونُهُ (٤) حالاً منَ ((المفتينَ))، أي: ذوي امتناعٍ (٥). قولهُ: (مُعْتَمَداً) (٦)، أي: ((حكوا إجماعَهم)) بسبب أنَّ اعتمادَها، أي: قَصدَها، والاعتمادُ (٧) عليها صحيحٌ لا فسادَ فيه، فالتمييزُ محوَّلٌ عنِ اسمِ ((أنَّ)). قولهُ: (عَرْضُ السَّماعِ) (٨) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وقد سبقتْ حكايتُنا في القراءةِ على الشيخِ أنَّها (٩) تُسمى عَرْضاً أيضاً، فَلْنُسَمِّ (١٠) ذلك عرضَ القراءةِ، وهذا

стр. 742

عرضَ المناولةِ)) (١). قولهُ: (ومالكٍ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ومالكُ بنُ أنسٍ الإمامُ في آخرينَ منَ المدنيِّينَ، ومجاهدٌ، وأبو الزُّبيرِ، وابنُ عيينةَ في جماعةٍ منَ المكيِّينَ، وعلقمةُ وإبراهيمُ النَّخعيَّانِ، والشَّعبيُّ في جماعةٍ منَ الكُوفيِّينَ، وقتادةُ، وأبو العاليةِ، وأبو المتَوكلِ النَّاجي في طائفةٍ / ٢٦٣أ / منَ البصريِّينَ، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسمِ، وأشهَبُ في طائفةٍ منَ المِصريينَ، وآخرونَ منَ الشاميِّينَ والخُراسانيِّينَ. ورأى الحاكمُ طائفةً منْ مشايِخِهِ على ذلك (٣). وفي كلامِهِ - يعني: الحاكمَ - بعضُ التَّخليطِ من حيثُ كونُهُ خَلَطَ بعضَ ما وردَ في عَرْضِ القراءةِ بما وردَ في عرضِ المناولةِ، وساقَ الجميعَ مَسَاقاً واحداً، والصحيحُ أنَّ ذلك غيرُ حالٍّ محلَّ السماعِ)) (٤) إلى آخرهِ. قولهُ: (وأبو حنيفةَ) (٥) قالَ المصنِّفُ في " النكتِ ": ((اعتُرضَ على المصنفِ بذكرِ أبي حنيفةَ معَ المذكورينَ، فإنَّ منْ عدا أبا حنيفةَ يرى صحةَ المناولةِ، وأنَّها دونَ السماعِ، وأمَّا أبو حنيفةَ (٦) فلا يَرى صحتَها كما ذكرَهُ صاحبُ " القِنْية " فقال: إذا أعطاهُ المحدّثُ الكتابَ، وأجازَ له فيه ولم يسمعْ ذلك ولم يعرفْهُ فعندَ أبي حنيفةَ ومحمدٍ: لا يجوزُ روايتُهُ، وعندَ أبي يوسفَ: يجوزُ. انتهى. قلتُ: لم يكتفِ صاحبُ " القنية " في نقلِهِ عن أبي حنيفةَ لعدمِ الصحةِ بكونِهِ لم يسمعْهُ فقط، بل زادَ على ذلك بقولهِ: ولم يعرفْهُ، فإنْ كانَ الضميرُ في: يعرفْهُ

стр. 743

عائداً على المجازِ - وهو الظاهرُ - لتتفقَ الضمائرُ، فمقتضاهُ أنَّه إذا عرفَ المُجاز ما أُجيزَ له أنَّه يَصحُّ، بخلافِ ما ذكَرَ المعترضُ أنَّه لا يرى صحتَها أصلاً - يعني: أنَّه علقَ الحكمَ عندَ أبي حنيفةَ بعدمِ الصحةِ على أمرينِ، فإذا زالَ أحدُهما انتفى الحكمُ، قال (١) - (٢): وإنْ كانَ الضميرُ يعودُ على الشيخِ المُجيزِ فقدْ ذكرَ المصنفُ بعدَ هذا / ٢٦٣ ب / أنَّ الشيخَ إذا لم ينظرْ فيه ويتحقق روايَتَهُ لجميعِهِ لا يجوزُ ولا يصحُّ، ثم استثنى ما إذا كانَ الطالبُ موثوقاً بخبرِهِ، فإنَّه يجوزُ الاعتمادُ عليه. انتهى. وهذه الصورةُ لا يوافِقُ على صحتِها أبو حنيفةَ، بل لابدَّ أنْ يكونَ الشيخُ حافظاً لحديثِهِ أو ممسكاً لأصلِهِ، وهذا الذي صححهُ إمامُ الحرمينِ كما تَقدَّمَ، بل أطلقَ الآمديُّ النقلَ عن أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ: أنَّ الإجازةَ غيرُ صحيحةٍ، والله أعلم. ويجوزُ أنْ يكونَ أبو حنيفة وأبو يوسفَ إنَّما يَمنعانِ صحةَ الإجازةِ الخاليةِ عنِ المناولةِ، فقد حَكَى القاضي عياضٌ في كتابِ " الإلماعِ " (٣) عن كافةِ أهلِ النقلِ والأداءِ والتحقيقِ من أهلِ النظرِ القولَ بصحةِ المناولةِ المقرونةِ بالإجازةِ)) (٤). انتهى ما في " النكتِ ". قولهُ: (إنَّه الصحيحُ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((والصحيحُ أنَّ ذلك غيرُ حالٍّ محلَّ السماعِ، وأنّهُ منحطٌّ عن درجةِ التّحديثِ لفظاً، والإجازة (٦) قراءةً)) (٧).

стр. 744

قولهُ في قولهِ: (أمّا إذا ناولَ) (١): (آخر وَقِدْمَا) (٢) هو بضمِّ القافِ أو فتحِها أو كسرِها مع سكونِ الدالِ في الكلِّ، وهو بمعنى قديماً. أمّا الضمُّ فمنْ قولهِ في " القاموس " (٣): ((القَدَمُ - محرّكةً - السابقةُ في الأمرِ كالقُدْمةِ بالضمِّ، وكعِنبٍ، فهو على هذا مذكرُ القُدمةِ، فالمعنى في آخرِ الزمانِ وسابِقِهِ. وأمّا الفتحُ فمنْ قولهِ: قَدَمَهُم قدْماً وقُدُوماً تقدمَ، فالمعنى في آخرِ الزمانِ وتَقدمَهُ، أي: متقدمه. وأمّا على الكسرِ فيكونُ مخففاً منَ القِدمِ كعِنب / ٢٦٤أ / لضدّ الحدوثِ)) والشطرانِ كلاهما على هذا منَ الضربِ الثاني منَ العروضِ الأُولى (٤) منْ مسدسِ الرجزِ، والقافية متواترٌ (٥)، ويجوزُ تحريكُ دالِ ((قدما)) مع كسرِ القافِ، فيكونُ الجزءُ مخبولاً، وتصيرُ قافيةُ الأولِ من المتكاوسِ (٦)، فيبعدُ جداً منَ الثاني، ولو قالَ فيهِ (٧): لا ينظرُ ما، لكانَ (٨) منَ المتراكب (٩)، فيكونُ أقربَ. قولهُ: (الذي تقدمَ الوعدُ بذكرِهِ) (١٠)، أي: في أولِ شرحِ الأبياتِ التي قبلَها.

стр. 745

قولهُ: (وغيبته) (١) عطفٌ على ((عدمِ)) لا على ((احتواءِ)). قولهُ: (مع غلبةِ ظنّهِ) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وجائزٌ له روايةُ ذلك عنه إذا ظفرَ بالكتابِ، أو بما هو مقابَلٌ به على وجهِ يثقُ (٣) معه بموافقتِهِ لما تناولتْهُ الإجازةُ على ما هو معتبرٌ في الإجازاتِ المجرَّدةِ عنِ المناولةِ)) (٤). قولهُ: (بكتابٍ مُعَيَّنٍ) (٥) عنِ ابنِ كثيرٍ الحافظِ، قالَ: ((أمّا إذا كانَ الكتابُ مشهوراً، كالبُخاريِّ، أو (٦) مُسلمٍ، أو شيءٍ من الكُتبِ المشهورةِ فهو كما لو ملَّكَهُ أو أعارَهُ)) (٧) انتهى. قولهُ: (صحتِ المناولةُ) (٨)، أي: إنْ فعلَ ذلك فأجابَهُ، صحّتْ، فيكونُ جزاءً لشرطٍ مَحذوفٍ دَلَّ عليه السياقُ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((جاز الاعتمادُ عليه في ذلك، وكان ذلك إجازةً جائزةً كما جازَ في القراءةِ على الشيخِ الاعتمادُ على الطالبِ حتّى يكونَ هو القارئ منَ الأصلِ إذا كانَ موثُوقاً به معرفةً ودِيناً)) (٩). انتهى.

стр. 746

ونقلَ عنْ "طبقات ابن سعدٍ": ((أخبرنا أنسُ بنُ عياضٍ / ٢٦٤ب /، عن عبيد اللهِ (١) بنِ عمرَ، قالَ: رأيتُ ابنَ شهابٍ يُؤتَى بالكتابِ، فيقالُ له: يا أبا بكرٍ، هذا كتابُكَ، نرويهِ عنكَ؟ فيقولُ: نَعَمْ، ما قرأهُ، ولا قرئ عليه)) (٢). انتهى. قولهُ: (أنَّ ذلك لا يصحُّ) (٣) بل كلامُهُ يَقتضي الصحةَ؛ فإنَّ تعاليلَهُ تدلُّ على الدورانِ معَ الوثوقِ والتحققِ، فحيثُ حصلَ صحّتِ الإجازةُ. قولهُ في شرحِ قولهِ: (وإنْ خلت من إذنِ (٤)) (٥): (بالإذن (٦) في الرواية) (٧)، أي: فيلزمُ منْ صحّحَ الروايةَ بمجرد الإعلامِ، وهم طوائفُ منَ المحدّثينَ والأصوليينَ كما يأتي أنْ يُصَححوا هذه بطريقِ الأَولى؛ لأنَّ هذه أرجحُ بزيادةِ المناولةِ. قولهُ (٨) في قولهِ: (كيفَ يقولُ) (٩): (نُووِلا) (١٠) منَ النوْلِ بمعنى العطاءِ، كما في حديثِ الخِضرِ: ((فحملوهما بغيرِ نولٍ)) (١١)، وقالَ في

стр. 747

" شمسِ العلومِ ": ((النولُ: النوالُ وهو مصدرٌ))، وفي "القاموسِ" (١): ((النوالُ، والنالُ، والنائل، العطاءُ)). قولهُ: (وأطلق أبو نعيم) (٢) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وكان الحافظُ أبو نعيم الأصبهانيُّ (٣) صاحبُ التصانيفِ الكثيرةِ في علمِ الحديثِ يطلقُ ((أخبرنا)) فيما يَرْويهِ بالإجازةِ (٤)، رُوِّينا عنه أنَّه قال: أنا (٥) إذا قلتُ: ((حدثنا)) فهو سَمَاعي، وإذا قلتُ: ((أخبرنا)) على الإطلاقِ، فهو إجازةٌ من غيرِ أنْ أذكرَ فيه إجازةً، أو كتابةً، أو كَتَبَ إليَّ، أو أَذِنَ لي في الروايةِ عنه، وكانَ أبو عبيد الله المَرْزُبانيُّ (٦) الأخباريُّ - صاحبُ التّصانيفِ في علمِ الخبرِ - يَرْوي أكثرَ ما في كُتبِهِ إجازةً من غيرِ سَماعٍ ويقول / ٢٦٥ أ / في الإجازة: ((أخبرنا))، ولا يُبيِّنها)) (٧). انتهى. ووجدتُ بخطِّ بعضِ الفضلاءِ من تلاميذِ شيخِنا الحافِظِ برهانِ الدينِ الحلبيِّ: ((رأيتُ عن خطِّ الحافظِ المزِّيِّ ما صورته: إنَّما يقولُ ذلك - يعني: أبا نعيم - في شيخٍ قد عُرفَ أنَّه لم يلقهُ)). انتهى. ولمَّا قرأت " الحليةَ " للحافظِ أبي نعيمٍ على شيخِنا شيخِ الإسلامِ ابنِ حجرٍ فمررتُ بقوله في ترجمةِ محمدِ بنِ يوسفَ الأصبهانيِّ: ((أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرَ -

стр. 748

فيما قُرِئَ عليه - وحدثني عنه أبو محمدِ بن حيان)) (١)، سألتهُ عنه، فقال: هو إجازةٌ لما ذكر من مذهبِهِ، وقولهُ فيما قُرئ عليه لا ينافيها؛ فإنّه لم يقُل (٢): وأنا أسمعُ، ونبَّه على سماعِهِ بنُزولٍ بقولهِ: وحدثني عنه، إلى آخره، ومما يُحقِّق ذلك، قولهُ بعده في ترجمةِ عبدِ الرحمان بنِ مهديٍّ: ((أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرَ فيما قُرئَ عليهِ، وأذَنَ لي فيه)) (٣)، وهذا اصطلاحٌ لأبي نعيم، وهو يوهمُ من لا علمَ له بالاصطلاحِ أنَّه سمعَهُ. وقولهُ (٤): ((وأذَنَ لي فيه)) يوهمُ أنَّ الشيخَ أجاز له بعد الفراغِ منَ السَّماعِ كما هو عادةُ المحدّثينَ، ومن اصطلاحِه: أنَّ ((حدَّثنا)) للسَّماعِ على الشيخِ منْ غيرِ لفظِهِ، والمَرْزُباني قالَ صاحبُنا الإمامُ شمسُ الدينِ بنُ حسان ﵀ فيما وجدتُهُ بخطِّهِ: ((قَيَّدهُ بعضُ مشايخِنا في بعضِ كتبِهِ بفتحِ الزاي، ووجدتُهُ بخطِّ المزّيِّ بضمِّها)). قولهُ: (أو أجاز (٥) لي) (٦) قدِ استعملَ ذلك الحسنُ / ٢٦٥ب / بنُ محمدِ ابنِ الحسنِ الخلاّلِ في كتابِهِ " اشتقاقِ الأسماءِ "، فقالَ: أجازَ لنا محمدُ بنُ أحمدَ الواعظُ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ محمدٍ (٧) البغويَّ أخبرَهم، وكذا استعملَ أخبرنا إجازةً. قولهُ: (كما يفعلُهُ بعضُ المشايخِ) (٨) قال شيخُنا: ((يوجدُ ذلك في إجازاتِ المغاربةِ)). انتهى ما بخطِّ ابنِ حسّان.

стр. 749

قولهُ في قولهِ: (وبعضُهم أتى) (١): (فمشتركٌ) (٢) لو قالَ: سماعُهُ منْ شيخِه فيه يُشَكّ ... وحرفُ عن بينهما قد اشترك استراحَ منَ الفاءِ والاعتذارِ عنها. قولهُ: (وإنِ استعملها طائفةٌ) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((فهذا وإنْ تعارَفَهُ في ذلك طائفةٌ منَ المحدثينَ المتأخرينَ فلا يخلو عن طَرَفٍ منَ التدليسِ؛ لما فيه منَ الاشتراكِ والاشتباهِ بما إذا كَتَبَ إليه ذلك الحديثَ بعينِهِ)) (٤). قولهُ: (وهو بعيدٌ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((بعيدٌ بعيدٌ عن الإشعارِ)) (٦)، أي: هو بعيدٌ عن مقاصدِ أهلِ الأفكارِ القويمةِ منْ أهلِ الاصطلاحِ؛ لبعدِهِ عنِ الإشعارِ بالإجازةِ. قال بعضُ أصحابنا: ويَشكلُ على الإتيانِ بها في محلِّ الإجازةِ ما سيأتي حكايتُهُ في الزيادةِ في نسبِ الشيخِ عن ابنِ المدينيِّ أنَّ الراويَ إذا زادَ في نسبِ شيخِهِ أتى بلفظِ ((أنَّ))، فإنَّ في ذلكَ التباساً في الاصطلاحِ، إلا أنْ يُقالَ: أكثرُ ما فيه - أي: فيما هنا، وفيما يأتي - حكايةُ المذاهبِ. انتهى. قولهُ: (الوجازة) (٧)، أي: / ٢٦٦ أ / في تجويزِ الإجازةِ (٨)، وهو أبو العباسِ الوليدُ بنُ بكرٍ (٩) الغَمريُّ - بفتحِ المعجمةِ - المالكيُّ.

стр. 750

ذكرَ أبو سَعدٍ السَّمعانيُّ: أنَّه مَنسوبٌ إلى بني الغَمر بطنٌ من غافقٍ (١). والوجازةُ: مصدرُ وَجز في منطقِهِ، ككرمَ، ووعدَ، وجْزاً ووجازةً، ووجوزاً، إذا خَفَّ فيه، وأوجزَ في كلامِهِ: قَلَّلهُ، وأوجزَ الكلام نفسهُ قَلَّ (٢). قولهُ (٣): (في الإجازةِ: أنبأنا) (٤) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وقد كانَ ((أنبأنا)) عندَ القومِ فيما تَقدَّمَ بمنْزلةِ ((أخبرَنا))، وإلى هذا نحا الحافظُ المتقنُ أبو بكرٍ البيهقيُّ إذ كانَ يقولُ: أنبأني فلانٌ إجازةً، وفيه أيضاً رعايةٌ لاصطلاحِ المتأخرينَ)) (٥). قولهُ: (فقالَ أبو عمرو) (٦) إنَّما ذكرَهُ ابنُ الصلاحِ، عن أبيهِ، وعبارتُهُ: ((ورُوِّينا عن أبي عَمرِو بن أبي جعفرَ بن حَمْدانَ النَّيْسابوريِّ، قالَ: سمعتُ أبي يقولُ: كلما قال البخاريُّ)) (٧) إلى آخرهِ. قولهُ (٨) في قولهِ: (الخامسُ: المكاتبةُ) (٩): (عنه) (١٠) يتعلّقُ بما تَعلّقَ به ((بإذنِهِ))، وهو الكتابةُ، أي: الكتابةُ بخطِّ الشيخِ، والكتابةُ عنه بإذنِهِ للكاتبِ في الكتابةِ لغائبٍ أو حاضرٍ.

стр. 751

قولهُ: (أجازَ مَعَها) (١) لو قال: عندَها، لوافقَ رويَّ الشطرِ الثاني. قولهُ: (وهي شبيهةٌ) (٢) بل هي أقوى من هذه المناولةِ فإنَّها تزيدُ عليها بأنَّ المكتوبَ ما كُتبَ إلا لأجلِ المكتوبِ إليهِ، وفي ذلك زيادةُ اعتناءٍ بهِ في تسليطِهِ على روايتهِ، والانتفاع به. قولهُ: (فإنَّها صحيحةٌ) (٣)، أي: الروايةُ / ٢٦٦ ب / بالكتابةِ المجردةِ عنِ الإجازةِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((أمّا الأولُ: وهو ما إذا اقتصرَ على المكاتبةِ فقد أجازَ الروايةَ بها كثيرٌ)) (٤) إلى آخره. قولهُ: (بينَ أهلِ الحديثِ) (٥) قال ابنُ الصلاحِ: ((وكثيراً ما يوجدُ في مَسانيدِهم ومُصنفاتهم قولهُم: كتبَ إليَّ فلانٌ، حدثنا فلانٌ، والمرادُ به هذا، وذلك معمولٌ به عندَهُم معدودٌ في المسندِ الموصولِ، وفيها إشعارٌ قويٌّ بمعنى الإجازةِ فهي وإنْ لم تقترنْ بالإجازةِ لفظاً، فقد تضمنتِ الإجازةَ معنىً)) (٦). انتهى. قلتُ: لأنَّ الكتابةَ (٧) كنايةٌ، فإذا اقترنتْ بالإرسالِ إلى المكتوبِ إليهِ وتسليطِهِ عليهِ كانَ كأنَّه لَفَظَ له به، وإذا كانَ كذلكَ لم يحتجْ إلى إجازةٍ كما تقدّمَ. قولهُ: (وإليه صارَ جماعةٌ) (٨)، أي: إلى أنَّها أقوى منَ الإجازةِ. قولهُ: (منها عندَ مسلمٍ) (٩) الأحسنُ في ذلك أنْ يوردَ ما اتفقا عليه لا ما انفردَ

стр. 752

به أحدُهما؛ ليكونَ أدلَّ على الجوازِ، وأقوى في الاعتمادِ كما أخرجاهُ (١) عن وَرَّاد (٢)، قالَ: كتبَ معاويةُ إلى المغيرةِ أنِ اكتبْ إليَّ ما سمعتَ منْ رسولِ الله ﷺ ، فكتبَ إليه أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كانَ يقولُ في دُبرِ كلِّ صَلاةٍ: ((لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ .. )) الحديثَ، وهو في أبي داود (٣) والنسائيِّ (٤) أيضاً. وكما أخرجهُ الشيخانِ (٥) أيضاً والنسائيُّ (٦)، قال ابنُ عَونٍ: كتبتُ إلى نافعٍ فكتبَ إليَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه / ٢٦٧أ / وسلم أغارَ على بني المصطلقِ، وهم غارُّون ... الحديث، وفي آخرهِ: حدَّثني به عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وكانَ في ذلك الجيشِ. ورَوى الشيخانِ (٧) وأبو داود (٨) عن سالمٍ أبي النَّضْرِ، عن كتابِ رجلٍ من أسلمَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ يقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى: كتبَ إلى عمرَ بنِ عبيدِ اللهِ حينَ سارَ إلى الحروريةِ يخبرُهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ . وفي روايةٍ (٩): كتبَ فقرأتُهُ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ (١٠) في بعضِ أيامِهِ التي لَقِيَ فيها العدوَّ انتظرَ حتى إذا مالتِ الشمسُ قامَ فيهم فقالَ: يا (١١) أيها الناسُ، لا تَتمنوا لقاءَ العدو

стр. 753

الحديثَ، وللشيخين (١)، وأبي داود (٢)، والترمذي (٣)، والنسائي (٤)، عن هشام، قال: - وفي بعضِ طرقِ البخاريِّ قال: كتبَ إليَّ يحيى بنُ أبي كثيرٍ - عن عبدِ الله بنِ أبي قتادةَ، عن أبيهِ، قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : ((إذا أقيمتِ الصلاةُ فلا تقوموا حتى تروني)). وعن شيخِنا الحافظِ برهانِ الدينِ الحلبيِّ أنَّ في "صحيح مسلمٍ" زيادةً على عشرَةِ أحاديثَ مكاتبةً. قولهُ: (كتب إليَّ محمدُ بنُ بشَّارٍ) (٥) يعني: حديثَ البراءِ في الذبحِ قبلَ صلاة العيدِ وأمرِ النبيِّ ﷺ (٦) له بالإعادةِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، عندي عناقٌ جذعٌ (٧)، وفي آخرِهِ عنِ ابنِ سيرينَ: فلا أدري أبلغتِ الرخصةُ غيرَهُ أم لا (٨). وعن (٩) شيخِنا البرهانِ (١٠) الحلبيِّ (١١) المذكورِ ﵀ أنَّه ليسَ في / ٢٦٧ب / "صحيحِ البخاري" حديثٌ رواهُ عن شيخٍ من مشايخِهِ كتابةً إلا هذا الحديثَ، وأمّا الروايةُ مكاتبةً في أثناءِ الأسانيدِ ففيه كثيرٌ منها.

стр. 754

قولهُ: (أبو عبدِ الله بن الموَّاقِ) (١) في نسخةٍ: أبو بكر، وهو والدُ أبي عبدِ اللهِ، فاللهُ أعلمُ أيُّهما المرادُ. قولهُ في شرحِ قولهِ: (ويَكْتَفي) (٢): (وإن لم تَقُمِ البينةُ عليهِ) (٣)، أي: بشهادةِ اثنينِ أنَّهما رأياهُ يكتبُ ذلك، فتكونُ شَهادةً على الفعلِ لا بالتخمينِ، بأنَّ هذا يُشبهُ خطَّهُ، فهوَ هوَ؛ لأنَّهُ يبعدُ كلَّ البعدِ أنْ يوجدَ خطٌّ غيرُ خطِّهِ يُحاكيهِ مُحاكاةً يبعدُ معها التمييزُ. قولهُ: (والنَّزاهَةُ) (٤) هي البُعدُ عنِ الرذائِلِ، منَ التنَزُّهِ: وهو التباعدُ، يقالُ: نَزَّهَ نفسَهُ عنِ القبيحِ: نَحَّاها، وهو بنُزهةٍ منَ الماءِ: ببعدٍ، وأرضٌ نَزْهَةٌ - بفتحٍ، ثم سكونٍ، وتكسرُ الزاي - بعيدةٌ عنِ الريفِ وغَمَقِ (٥) المياهِ وذُبان القرى، وَومد البحارِ، وفسادِ الهواء. والوَمَدُ: محرّكةً: الحرُّ الشديدُ مع سكونِ الريحِ، أو نَدىً يجيءُ في صَميمِ الحرِّ من قبلِ البحرِ، أو شدة حرِّ الليلِ (٦)، نَزُهَ ككرُمَ نزاهةً ونزاهيةً مخففاً (٧). قولهُ في: (السادسُ: إعلامُ الشيخِ) (٨): (وعدّةٌ) (٩) مبتدأٌ سوّغَ الابتداءَ به وَصْفُه في المعنى، أي: منَ الناسِ معَ أنَّهُ مفيدٌ معَ كونِهِ نكرةً أنَّ جماعةً قالوا به، وقد قالَ الرضيُّ بعدَ حكايتِهِ أنّ الجمهورَ اشترطوا تخصُّصَ النكرةِ :

стр. 755

((وقالَ ابنُ الدَّهانِ: وما أحسنَ ما قالَ إذا حَصلتِ (١) / ٢٦٨أ / الفائدةُ فأَخْبِرْ عن أيِّ نكرةٍ شئتَ؛ وذلك لأنَّ الغرضَ منَ الكلامِ إفادةُ المخاطبِ، فإذا حَصلتْ جازَ الحكمُ سواءٌ تخصَّصَ المحكوم عليه بشيءٍ أو لا)) (٢) وأطالَ في توجيهِ ذلك بما ينبغي حفظُهُ. قولهُ: (لخللٍ يَعرفُهُ فيه) (٣) قالَ ابنُ الصلاحِ عَقِبَهُ: ((ولم يوجدْ منه التلفظُ به، ولا ما يَتَنَزلُ منْزلةَ تلفظِهِ به، وهو تَلفُّظُ القارئِ عليه وهو يسمعُ، ويُقِرُّ بهِ حتى يكونَ قولُ الراوي عنه السَّامع ذلك ((حدَّثنا وأخبرنا)) صدقاً، وإنْ لم يأذَنْ له فيه، وإنَّما هذا كالشاهدِ)) (٤) إلى آخر ما يأتي عنه. قولهُ: (وقد تقدمَ) (٥)، أي: في النَّوعِ الذي قَبْلَهُ حيثُ قالَ: لا يرويهِ إلا بتسليطٍ (٦) منَ الشيخِ، وذكرَهُ أيضاً في المناولةِ الخاليةِ عن إذنٍ. قولهُ: (واختارَهُ أبو محمدٍ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وحكى القاضي أبو محمدِ بنُ خلاَّدٍ الرَّامَهُرْمُزيُّ (٨) في كتابِهِ " المحدث الفاصل بينَ الرَّاوي والوَاعي " (٩)

стр. 756

عن بعضِ أهلِ الظاهرِ أنَّه ذهبَ إلى ذلك واحتجَّ له، وزادَ فقالَ: ((لو قال: هذه رِوايتي عن فلانٍ لكن لا تَروِها عنِّي، كانَ له أنْ يَرْويها كما لو سَمعَ منه حديثاً، ثم قال له: لا تَروِهِ عنِّي، ولا أُجيزُهُ لكَ، لم يَضُرَّهُ ذلك، وَوَجْهُ مذهبِ هؤلاءِ اعتبارُ ذلكَ بالقراءةِ على الشيخِ فإنَّهُ إذا قرأ عليه شيئاً مِنْ حديثِهِ وأقرَّ بأنَّه روايتُهُ عن فُلانِ بنِ فلانٍ جازَ له أن يَرويهُ عنه، وإن لم يسمعْهُ منْ لفظِهِ ولم يقلْ له: اروهِ عني أو أذنتُ لكَ في روايتِه عنِّي)) (١). انتهى. ولا جامعَ فيهما، فإنَّ هذا للتيسير عليه، حَديثٌ سمعه عليه واعترف بأنَّه يَرويه، وهذا اعترافٌ بروايةِ شيءٍ لم يسمعْهُ عليه بقراءتهِ ولا قَرأَهُ غيرُهُ، فالأمر الصدق فيه أنْ يقولَ: أخبرني فلانٌ أنَّه يروي الشيءَ الفلاني عَنْ فلانٍ، ومتى زادَ على هذا فهو كاذبٌ (٢). قولهُ: (لأنَّه قد / ٢٦٨ب / حَدَّثهُ) (٣)، أي: حدَّثهُ به جملةً بقوله: هذه روايتي عنْ فلانٍ، فصارَ كما لو قالَ له: نَعَمْ، بعدَ سماعِهِ له عليه، فلا يرجعُ هنا كما لا يرجعُ هناكَ. قولهُ: (لأنَّ المعنى يجمعُ بينَهما في ذلك (٤)، وإنِ افترقتا في غيرِه) (٥) المعنى هو: أنَّهُ ذكرَ روايتَهُ في غيرِ مجلسِ الروايةِ التي جرتِ العادةُ بها من تحديثٍ أو قراءةٍ أو إجازةٍ، ونحوِ ذلك، ثم تبعَ الإقرارَ بعدَهُ أنَّه روايتهُ وما أثبتَ ذلك (٦)، مما

стр. 757

يفهمُ أنَّ هذا معمولٌ به سائغٌ نقلُهُ كما في الشهادةِ عندَ الحاكمِ. وإنَّما ذلك (١) مجردُ إعلامٍ تختلفُ الأغراضُ به من غير سماعٍ للمروي (٢)، هذا أنهى ما يقالُ، على أنَّ ما قالَ عياضٌ في هدمِهِ قويٌّ متينٌ، غير أنَّ الورعَ الكفُّ عنِ الإمعانِ في الانتشارِ في هذا المضمارِ، على أنَّ قولَهُ أيضاً منظورٌ فيه من جهة أنَّ السماعَ الذي لا يحتاج للإذنِ سماعُ الحديثِ نفسهِ لا سماعَ حكايةِ الشيخِ أنَّه يرويه عن فلان فقط (٣)، والله الموفقُ. قولهُ: (كما جزمَ به ابنُ الصلاحِ) (٤) عبارتُهُ: ((ثم إنَّه يجبُ عليهِ العَمَلُ بما ذَكَرَهُ له إذا صحَّ إسنادُهُ، وإن لم تَجُزْ له روايتُهُ عنه؛ لأنَّ ذلك يَكفي فيه صحتُهُ في نفسِهِ، والله أعلمُ)) (٥). قولهُ في قولهِ: (السَّابِعُ: الوصيَّةُ) (٦): (من راوٍ) (٧) يتعلقُ بـ ((الموصَى))، أي: للذي أُوصِيَ له بجزءٍ من راوي وصية مُبتدئة من راوٍ ماتَ. قولهُ: (يَرْويهِ) (٨) هو في موضعِ المفعولِ لـ ((أجاز))، أي: أجازَ له أنْ يَرويَهُ. قولهُ: (أو لِسَفَرٍ) (٩) عطفٌ على مقَدَّرٍ تقديرهُ: أوصى لأجلِ موتِهِ، أو: لأجلِ سفرٍ أرادَهُ.

стр. 758

قولهُ: (فروى الرامهُرمُزيُّ) (١) إلى آخره، الذي عندَ ابنِ الصلاحِ موضعُ هذا ما نصّهُ: ((فَرُويَ عن بعضِ السَّلفِ (٢) أنّه جوَّزَ بذلك روايةَ المُوصى له لذلك عنِ الموصِي الراوي)) (٣). وأمّا ما ذكرَهُ الشيخُ عنِ ابنِ سيرينَ منْ / ٢٦٩ أ / عندِ الرامهرمزيِّ في كتابِهِ " المحدّثِ الفاصلِ " فَقد آلَ إلى التوقفِ، وأمّا ما ذكرَهُ عنْ أبي قِلابةَ فليسَ فيه أكثرُ منَ الوصيةِ، وأمّا الروايةُ فلا ذِكرَ لها بنفيٍ ولا بإثباتٍ (٤)، ورأيتُ بخطِّ صاحبِنا العلامةِ شمسِ الدينِ بنِ حسَّان: أخرجَ ابنُ سعدٍ، قال: ((وقالَ إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ: حدَّثنا أيوبُ، قالَ: أوصى إليَّ أبو قِلابةَ بكُتُبِهِ فأتيتُ بها منَ الشامِ فأعطيتُ كراءها بضعةَ عشرَ درهماً (٥)))، ثم رأيتُ ذلك في " المحدّثِ الفاصلِ " (٦) منْ طريقِ ابنِ عُليةَ - وهو إسماعيلُ هذا -، عنْ أيوبَ، قال: أوصى إليَّ أبو قِلابةَ في كتبهِ فبعثتُ فجيء بها إليَّ، وأنفقتُ بضعةَ عشرَ درهماً. قولهُ: (وإلا فاحرقُوهَا) (٧) مثلُ هذا ما قرأتُ في " الحليةِ " (٨) للحافظِ أبي نُعيمٍ على شيخِنا حافِظِ عصرِهِ أبي الفَضْل أحمدَ بنِ عليِّ بنِ حجرٍ ﵀ في ترجمةِ أحمدَ بنِ أبي الحواري: ((سمعتُ أبا بكرٍ محمدَ بنَ عبد الله بنِ عبدِ العزيزِ

стр. 759

الرازيَّ المُذكر، سمعتُ أبا عمرٍو البيكنديَّ يقولُ: لما (١) فرغَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ منَ التَعَلُّمِ جلسَ للناسِ فخطرَ بقلبِهِ ذاتَ يومٍ خاطرٌ منْ قبلِ الحقِّ، فحملَ كُتُبَهُ إلى شطِّ الفراتِ فجلسَ يَبكي ساعةً طويلةً، ثم قال: نعْم الدليلُ كنتِ لي على ربي، ولكنْ لما ظفرتُ بالمدلولِ كان (٢) الاشتغالُ بالدليلِ محالٌ فغسلَ كُتُبَهُ بالفراتِ)) فسألتُ شيخَنا عن فِعلِهِ وفعلِ غيرِهِ كداودٍ الطائيِّ من إعدامِ كتبِهم ما سببُهُ؟ وما الذي سَوَّغهُ؟ فقال: لم يكونوا / ٢٦٩ب / يرونَ أنَّه يجوزُ لأحدٍ روايتُها لا بالإجازةِ ولا بالوجادةِ، بل يرونَ أنَّه إذا رواها أحدٌ بالوجادَةِ يضعَّفُ، فرأوا أنّ مَفسدةَ إتلافِها أخفُّ منْ مفسدةِ تضعيفِ أحدٍ بسببهم، والله أعلمُ بمرادِهم، ثم رأيتُ في ترجمةِ أحمدَ بنِ أبي الحواري من " طبقات الأولياء " (٣) لابن الملقن ما نصه: ((وقد رُويَ نحو هذا عن سفيانَ الثوري الإمامِ: أنَّه أوصى بدفنِ كتبِهِ، وكانَ ندمَ على أشياءَ كتبها عنِ الضعفاءِ، وقالَ: حَملني عليها شهوةُ الحديثِ. فكأنَّه لما عَسُرَ عليه التمييزُ بينَ الصحيحِ وغيرِهِ أوصى أن (٤) تُدفنَ كلَّها)). انتهى. ومن ذلك ما قال الحافظُ أبو القاسمِ بنُ عساكر في الكنى من " تاريخ دمشقَ " (٥): ((أخبرتنا أمُّ البهاءِ بنتُ البغداديِّ، أخبرنا أبو بكرٍ الباطِرقاني، أخبرنا أبو عبد الله بنُ منده، أخبرنا عمرُ بنُ الحسنِ، حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ، حدّثنا أبو عبيدةَ معمرُ بنُ المثنى، قال: كانَ أبو عمرو بنُ العلاءِ أعلم الناسِ بالقرآنِ والعربيةِ، والعربِ وأيامِها، والشعر وأيامِ الناسِ، وكانَ ينْزلُ خلفَ دارِ جعفر بنِ سُليمانَ الهاشميِّ، وكانت دفاترُهُ ملءَ بيتٍ إلى السقفِ، ثم تنسكَ، وأحرقها)). انتهى.

стр. 760

وسيأتي في كتابةِ الحديثِ في المذهبِ الثالثِ ما ينفعُ هنا. قولهُ: (وعلَّلهُ) (١)، أي: جوازَ الروايةِ بالوصيةِ، وقد علمَ أنَّهُ لا دلالةَ عليهِ فيما مضى، ولكنْ علمَ منْ كلامِ القاضي أنَّ الضميرَ للجوازِ، والله أعلم. قولهُ: (وهذا بعيدٌ) (٢)، أي: قولُ بعضِ السَّلفِ في تجويزِ الروايةِ بمجردِ الوصيةِ (٣)، ثم قال: ((وقد احتجَّ بعضُهم لذلك فشبهه بقسم الإعلامِ، وقِسْمِ المناولَةِ، ولا يَصحُّ ذلك؛ فإنَّ لقولِ من جوَّزَ الروايةَ بمجرَّدِ الإعلامِ، والمناولةِ مُستنداً ذكرناهُ لا يتقررُ مثلُهُ، ولا قريبٌ منه هاهنا، والله أعلم)) (٤). انتهى. والمستندُ الذي أشارَ إليهِ هو / ٢٧٠أ / اعتبارُ الإعلامِ بالقراءةِ على الشيخِ مع إقرارهِ بأنَّ ذلك روايتُهُ. قولهُ في قوله: (الثامنُ: الوجادةُ) (٥): (عُهد) (٦) عطفٌ على ((عاصرتُ))، أي: بخطِّ منْ عاصرتُهُ، أو بخطِّ منْ عهدَ قبلُ، أي: قبلَ زمنٍ يُمكنُ فيه معاصرتُكَ له. قولهُ: (ما) (٧) هو مفعولُ ((تجد)) (٨). قولهُ: (مولداً) (٩) عبارةُ ابنِ الصلاحِ بعدَهُ: ((غيرُ مسموعٍ

стр. 761

منَ العربِ (١). روِّينا عنِ المُعافى بنِ زَكريا النَّهروانيِّ (٢) العلاَّمة في العلومِ)) (٣). قولهُ: (منْ تفريقٍ) (٤) متعلق ب ((فرَّعوا))، أي: فرَّعوا هذا المصدرَ منْ تفريق، أي: من نفسِ التفريقِ، بمعنى: أنَّهم لما فرَّقوا بينَ المصادرِ للتفرقةِ بين المعاني ذكروا مَصْدراً غير تلك المصادرِ لمعنىً خاصٍّ عندهم، أو يَكونُ المعنى منْ أجلِ تفريقِ العربِ. قولهُ: (وإجْدَان - بكسرِ الهمزةِ -) (٥)، قال في " النكت ": ((في الضالةِ، وفي المطلوبِ أيضاً حكاها صاحبُ " المحكمِ " في الضالةِ فقط)) (٦). قولهُ: (بمعنى حَزِنَ) (٧) لكنَّ ماضيَّهُ بالكسرِ. قولهُ: (فلهُ مصدرانِ) (٨) بل له ستةٌ، قال في " القاموسِ " (٩): ((وجَدَ المطلوبَ كوَعَدَ، وورِمَ: يجِدهُ ويجُدهُ بضم الجيم ولا نظيرَ لها، وَجْداً وجِدةً

стр. 762

ووُجْدَاً ووجوداً ووجْداناً وإجداناً بكسرِهما: أدركهُ، والمال وغيره يجدُهُ وَجْداً مثلثةً وَجِدَةً: استغنى، وعليهِ يَجِدُ ويجُدُ وَجْداً وجِدَةً وموجِدَةً: غضبَ، وبه وَجْداً في الحبِّ فقط، وكذا في الحزنِ لكنْ يكسرُ ماضيهُ)) وقد عُلمَ بهذا ما تقدَّمَ، وعُلمَ أنَّ تخريجَ المصدرِ الذي ولَّدهُ المحدثونَ من الماضي المكسورِ العينِ على وزنِ وَرِمَ، فيكونُ كوَرِثَ وراثةً، وَوَليَ / ٢٧٠ ب / ولايةً، أو منْ مَفتوحِها مثل: وَفَدَ وِفادَةً ووَلَدَ ولادةً، ونحوها. قولهُ: (وقُرئَ بالثلاثةِ) (١) لم أرَ فيها قراءةً بالفتحِ، وإنَّما قرأ روحٌ، عن يعقوبَ بالكسرِ، وقَرأ الباقونَ بالضمِّ (٢). ثم وجدتُ الشمس الهرويَّ في كتابٍ له جَمعَهُ في القراءةِ الشاذةِ والمستعملةِ فهو بخطِّه نَقلَ الفتح عن ابنِ أبي عَبْلة وَالأعرجِ (٣). قولهُ: (ونحو ذلك) (٤) كما قالَ ابنُ الصلاحِ: ((قرأتُ بخطِّ فلانٍ أو في كتابِ فلانٍ بخطِّهِ)) (٥). انتهى. رَوَى (٦) الرامهرمزيُّ في " المحدثِ الفاصلِ " (٧) بسنَدِهِ إلى محمدِ بنِ سعيدٍ، قال: ((لما ماتَ محمدُ بنُ مسلمةَ الأنصاريُّ ﵁ وجَدْنا في ذؤابةِ سيفِهِ كتاباً: بسم الله الرحمنِ الرحيمِ، سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: ((إنّ لِربكمْ في بقيةِ دهرِكم نفحاتٍ فتعرضوا لها، لعلَّ دعوةً أنْ توافقَ رحمةً يُسْعَدُ بها صاحبُها سعادةً

стр. 763

لا يخسرُ بعدَها أبداً)))) (١). قولهُ: (ولذلك) (٢) بلامِ الجرِّ، أي: لأجلِ استعمالِ غيرِ واحدٍ، ويؤيدُ ذلكَ قولُ الشيخِ في " النكتِ ": ((اشتراطُ المصنفِ في الوجادةِ أنْ يكونَ ذلكَ الشيخُ الذي وَجَدَ ذلك الموجودَ بخطِّهِ لا إجازةَ له منه ليس بجيدٍ، ولذلك لم يذكره القاضي عياضٌ (٣) في حد الوجادةِ)) (٤). قولهُ: (ونحو ذلك) (٥) كما قالَ ابنُ الصلاحِ: ((قرأتُ بخطِّ فلانٍ أو في كتابِ فلانٍ بخطِّهِ)) (٦) (٧). قولهُ: (وكله منقطعٌ) (٨) قال ابنُ كثيرٍ فيما نُقلَ عنهُ: ((الوجادةُ ليستْ من بابِ الروايةِ، وإنَّما هي حكايةٌ عما وجدَهُ في الكتابِ)) (٩). قولهُ: (دُلْسَهْ) (١٠) قال في " القاموسِ " (١١): ((الدَّلَسُ - بالتحريكِ -: الظلمةُ كالدُّلْسَةِ بالضمِّ، والتَّدْليسُ: كتمانُ عيبِ المُشْتَرَى (١٢) عنِ المشتري، ومنهُ التدليسُ

стр. 764

في الإسنادِ)). / ٢٧١أ / قولهُ: (إنْ أوهم) (١)، أي: بأنْ كانَ (٢) معاصراً له، فإنَّ روايتَهُ على تلكَ الصورةِ توهمُ من اطّلعَ عليها أنَّه سمعَ ذلك منه أو أجازهُ به، بخلافِ ما إذا لم يكنْ معاصراً. قولهُ: (بلفظةِ عَنْ) (٣)، أي: أو نحوها مثلُ: قالَ فلانٌ (٤)، ونحوُ ذلك مما يوهمُ أخذهُ عنه إجازةً أو سماعاً. قولهُ: (جوازُ العملِ به) (٥) كانَ شيخُنا يتوقفُ في كونِ الجوازِ هنا على بابهِ، وذلك هو الحقُّ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ويَشبَهُ أنْ يكونَ الشافعيُّ إنَّما عَبَّرَ بهذا؛ لأنَّ أدنى مراتب العملِ الإباحةُ، فكأنَّهُ قالَ إنَّهُ يعملُ بها، ثم ما اقتضاهُ الدليلُ من إباحةٍ أو نَدبٍ أو غيرِهما (٦)، كانَ العملُ على حسبِهِ. وقدِ استدلَّ الحافظُ عمادُ الدينِ بنُ كثيرٍ (٧) فيما نقلَ عنه للعملِ بها بحديثِ عمرو بنِ شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عن جدِّهِ ﵁، قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : ((أيُّ الخَلْقِ أعجبُ إليكمْ إيماناً؟ قالوا: الملائكةُ، قالَ: وكيفَ لا يُؤمنون وهم عندَ ربِّهم؟ وذكروا الأنبياءَ، قالَ: وكيفَ لا يُؤمنونَ والوحيُ يَنْزِلُ عليهم؟ قالوا: فنحنُ، قالَ: وكيفَ لا تُؤمنونَ وأنا بينَ أظهُرِكُمْ؟ قالوا: فَمَنْ يا رسول الله؟ قالَ: قومٌ يأتونَ

стр. 765

من (١) بعدِكمْ يجدُونَ صُحُفاً فيها كتابٌ يُؤمنونَ بما فيها)). أخرجَهُ الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في كتابِ " شَرفِ أصحابِ الحديثِ " (٢) بسندِه، وأخرجهُ أيضاً بسندِهِ (٣) منْ طريقِ أبي يعلى أحمدَ بنِ عليٍّ الموصليِّ (٤)، عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: ((أنبئوني بأفضلِ أهلِ الإيمانِ إيماناً)) / ٢٧١ب / قلنا: يا رسولَ اللهِ، الملائكةُ، قالَ: ((هُم كذلك ويحقُّ لهم وما يَمنعُهم، وقد أنزلهم اللهُ المنْزلةَ التي أنزلَهم بها؟ بل غيرُهم))، قلنا: يا رسولَ الله، فالأنبياءُ الذين أكرمَهم اللهُ بالنبوةِ والرسالةِ، قالَ: ((هم كذلك، ويحقُّ لهم ذَلِكَ وما يمنعُهم، وقد أكرمهم اللهُ بالنبوةِ والرسالةِ؟ بل غيرُهم))، قلنا: يا رسول الله، الشهداءُ الذينَ أكرمهم الله تعالى بالشهادةِ مع الأنبياءِ؟ قال: ((هم كذلك ويحقُّ لهم وما يمنعهم، وقد أكرمهم اللهُ تعالى (٥) بالشهادةِ، بل غيرُهم))، قلنا: يا رسول الله فمنْ؟ قال: ((أقوامٌ في أصلابِ الرجالِ يأتونَ من بعدي يؤمنونَ بي ولم يروني، ويصدقونَ بي ولم يروني، يرون الورقَ المعلقَ فيعملونَ بما فيه)). قولهُ: (لأبَوْهُ) (٦) يعني: لما تقدمَ منْ أنَّ معظَمَهم لا يرون العملَ به، هذا على تقديرِ كونِهِ بالباءِ الموحدةِ، ويحتملُ أنْ تكونَ بالمثناةِ الفوقانيةِ من الإتيان، يعني: لعملوا بهِ؛ لوضوحِ دليلِهِ، وهو أنَّ مدارَ وجوبِ العملِ بالحديثِ الوثوقُ (٧)

стр. 766

بنسبتِهِ إلى الشارِعِ ﷺ لا اتصالهُ بالروايةِ (١). قولهُ: (المتأخِّرةِ) (٢) قال ابنُ الصلاحِ: ((فإنَّهُ لو توقفَ العملُ فيها على الروايةِ لانسدَّ بابُ العَمَلِ بالمنقُولِ؛ لتعذُّرِ شرطِ الروايةِ فيها على ما تقدَّمَ في النَّوعِ الأوَّلِ)) (٣) انتهى. وأيضاً فربما انقطعتِ الروايةُ (٤) ببعضِ الأجزاءِ لقلةِ الهِممِ في الأعصارِ المتأخرةِ، وربما كانَ فيه حديثٌ ليس في غيرِهِ مما يرويهِ فلولا هذا الطريقُ لضاعَ ما فيه منَ الحكمِ، وأمّا العصرُ القديمُ فكانتِ الأحاديثُ فيه محفوظةً في الصدورِ والطروس (٥)، وشدة الرغبةِ في ذلك فوقَ الوصفِ، فمتى رأينا حديثاً لا يُعرفُ، وليسَ لأحدٍ به رواية غلبَ على الظن أنَّه مصنوعٌ، والله أعلم. قولهُ في قولهِ: (وإنْ يكنْ) (٦): (على ما تقدَّمَ) (٧)، أي: في نقلِ الحديثِ من الكتبِ المعتمدةِ. قولهُ: (مما لا يقتضي الجزم) (٨) قال ابنُ الصلاحِ: ((وقد تسامحَ أكثرُ الناسِ (٩) في هذه الأزمانِ بإطلاقِ اللفظِ الجازمِ في ذلك من غيرِ تحرٍّ وتثبيتٍ، فيطالعُ أحدُهم كتاباً منسوباً إلى مُصنِّفٍ مُعيَّنٍ، وينقلُ منه من غيرِ أنْ يثقَ بصحةِ النُّسْخةِ

стр. 767

قائلاً: قال فلانٌ كذا وكذا، والصوابُ ما قدَّمناهُ)) (١). قولهُ: (ومواضعُ الإسقاطِ) (٢) بالكسرِ، مصدر أسقطَ الشيءَ إذا ألقاهُ، فالمرادُ المواضعُ التي تركَ فيها كلامٌ اختلَّ به المعنى (٣). والسَّقَطُ - مُحرّكاً - الرديءُ والخطأُ في الكلامِ والكتابِ والحسابِ (٤). وقولهُ: (أوما (٥) أُحِيلَ عنْ جهتِهِ) (٦)، أي: بضربٍ منَ التأويلِ. وقولهُ: (من غيرِها) (٧) الجارُّ فيه يتعلّقُ بـ ((يخفى)) في قوله: ((لا يخفى)) والضميرُ في ((غيرِها)) للمواضعِ. قولهُ في: (كتابةِ الحديثِ وضبطِهِ) (٨): (الصِحاب) (٩) بكسرِ الصادِ وتُفتحُ، ولو قال: الأصحاب لاتَّزَنَ، وكلاهُما جمعُ صاحبٍ، قال في "القاموسِ" (١٠): ((صَحِبَهُ كسَمِعَهُ صَحابةً ويُكسر، وصُحبةً: عاشره (١١)، وهم أصحابٌ وأصاحيبُ وصُحبانٌ وصِحابٌ وصَحابةٌ، وصِحابةٌ (١٢)، وصَحْبٌ)).

стр. 768

وقال ابنُ مكتومٍ في " الجمع بينَ العُباب (١) والمحكم" (٢): ((وأكثرُ الناسِ على الكسرِ دونَ الهاءِ وعلى الفتحِ معها. قال ابنُ سيده: ولا يمتنعُ أنْ تكونَ الهاءُ مع الكسر من جهةِ القياسِ على أنْ تزادَ لتأنيثِ الجمعِ، فأمّا الصُحبةُ والصَّحبُ فاسمانِ للجمعِ، وقال الأخفشُ: الصحبُ جمعٌ خلافُ قولِ سيبويه، وقالوا في النساءِ: هنَّ صواحبُ، وحكى الفارسيُّ: هُنَّ صواحباتٌ، جمعوا صواحبَ جمْعَ السلامةِ)) (٣). قوله (كِتْبَةِ الحديثِ) (٤) بكسر الكاف، أي: نسخ الحديث، قال في " الجمع بين العُباب والمحكم ": ((والكِتبة - أي: بالكسر - الحالة، والكِتبة: الاكتتاب في الفرض والرزق، والكِتبة: اكتتابك كتاباً تنسخه)) (٥). قوله (بالجزمِ) (٦) يتعلقُ بما تَعَلَّقَ به ((على))، وهو في موضع الحال، أي: الإجماعُ استقرَّ على الجواز مجزوماً به. قولهُ: (فكرهَهُ ابنُ عمرَ) (٧) إنَّما في كتابِ ابنِ الصلاحِ (٨) عُمر، ولم يذكر ابنه في شيءٍ منَ القسمينِ، ولا ذُكر عمر في المجيزينَ، فالله أعلمُ.

стр. 769

لعلَّ هؤلاءِ الذينَ كَرِهوهُ استندوا إلى النَّهيِ كحديثِ أبي سعيدٍ الذي ذكرَهُ، رواهُ مسلم في أواخرِ كتابِهِ قبلَ كتابِ التفسيرِ بقليلٍ (١)، ولم يبلغهُم خبرُ الإباحةِ. قولهُ: / ٢٧٢أ / (وجَوَّزهُ أو (٢) فَعلهُ) (٣)، أي: وجَوَّزَهُ بالقولِ أو الفعلِ ((جماعةٌ))، أي: قالَ بعضُهم: إنَّه جائزٌ وفعلَهُ بعضُهم فعلمنا بفعلِهم له أنَّه عندَهم جائزٌ؛ لأنَّهم كانوا لا يُقدمونَ على غيرِ الجائزِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وممنْ روِّينا عنه إباحةَ ذلكَ، أو فعلَهُ)) (٤) إلى آخره. قولهُ: (لأبي شاهٍ) (٥) رأيتُ على حاشيةِ كتابِ ابنِ الصلاحِ بخطٍّ لا أعرفهُ ما صورتُهُ: ((وقعَ في " المشارقِ " المقروءِ على الصغاني، والترمذيِّ المقروءِ على القاضي عياضٍ، وعليهما خطَّاهما بالتاءِ المثناةِ من فوق، والمحدثونَ من فضلاءِ مصرَ لا يروونَهُ إلا بالهاءِ، وكذا سمعَهُ الحافظُ زينُ الدينِ العراقيُّ)) (٦).

стр. 770

قولهُ: (وزالَ ذلك الخلافُ) (١) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ولولا تَدوينُهُ في الكتبِ لدرسَ في الأعصرِ الآخرةِ)) (٢). قولهُ: (فقالَ له: اكتبْ) (٣) في بعضِ الرواياتِ بيانُ سببِ السؤالِ كما سيأتي قريباً، وأخرجَ ابنُ سعد (٤) هذا الحديثَ وزادَ أنَّه كانَ يُسمي صحيفتَهُ تلكَ الصادقةَ، رأيتُهُ بخطِّ بعضِ أصحابنا، وقال البلقينيُّ في " محاسنِ الاصطلاحِ": ((أعلى من رُوي ذلك عنه من الصحابةِ: عمرُ بنُ الخطابِ، ثم عثمانُ بنُ عفان. أسند الرامهرمزيُّ في كتابِه " الفاصل " (٥) بإسنادٍ ذكرَهُ عن عمرَ بن أبي سُفيانَ: أنَّه سمع عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: ((قيِّدوا العلمَ بالكتابِ))، وفي كتابِ المَرْزُبانيِّ من حديثِ عبدِ اللهِ بن راشدٍ، قال: قال / ٢٧٢ ب / عثمانُ بنُ عفانَ ﵁ (٦): ((قيِّدوا العلمَ، قلنا: وما تقييدُهُ؟ قالَ: تعلَّموهُ وعلِّموهُ واستنسخوهُ))، وجاء عن طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ ما يقتضي جوازَ كتابةِ غيرِ القرآنِ، وأسندَ الرامهرمزيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عقيلٍ، قالَ: ((كنتُ أذهبُ أنا وجعفرُ إلى جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ومعنا ألواحٌ صغارٌ نكتبُ فيها الحديث)) (٧)، وأسندَ المَرْزُبانيُّ بسندٍ - قيل: إنَّه جيدٌ - عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ: ((أنَّ أناساً (٨) من أهلِ الكوفةِ كانوا في سَفرٍ، ومعهم شَدَّادُ بنُ أوس، فقالَ رجلٌ: حَدِّثْنا

стр. 771

عن رسول اللهِ ﷺ ، فقالَ: ائتوني بصحيفةٍ ودواةٍ، فأتوه بِهما فقالَ: اكتبْ: سمعتُ رسول الله ﷺ فذكر حديثاً))، وجاء نحوُ ذَلِكَ عنِ ابنِ عباسٍ، وأبي أمامةَ، وعتبانَ ﵃، وقد سبقَ في الأصلِ ذكرُ أنسٍ، وعنهُ رواياتٌ، إحداها: أسندَها الرامهرمزيُّ (١) وغيرُهُ (٢)، أنَّه كانَ يأمرُ بنيهِ أنْ يُقيِّدوا العلمَ بالكتابِ. وأخرى أسندَها الرامهرمزيُّ (٣) وغيرُهُ (٤)، عن هبيرةَ بنِ عبد الرحمانِ، وأسندها البغويُّ في " معجمه الكبير " عن يزيد الرقاشيِّ: ((كنا إذا أكثرنا على أنسِ بنِ مالكٍ ألقى إلينا مخلاةً)) (٥)، وفي روايةِ الرّقاشيِّ: ((أتانا (٦) بمخالٍ فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ كتبتُها عن رسولِ اللهِ ﷺ ))، وفي / ٢٧٣ أ / روايةِ الرقاشيِّ: ((سمعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ وكتبتُها (٧) وعرضتُها)). وعن أبي هُريرةَ ﵁ نحو ذَلِكَ، وعن أنسٍ أيضاً: ((كَتْبُ العلمِ فريضةٌ)). وأمّا عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ فإنَّه إنَّما كتبَ بإذنِ النبيِّ ﷺ ، جاءتْ عنه رواياتٌ مسندةٌ: منها من روايةِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ((قلت: يا رسول اللهِ، أكتُبُ ما أسمعُهُ منك؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: في الغَضَبِ والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقولُ إلا حقَّاً)).

стр. 772

وأسندَهُ الرامهرمزيُّ (١) بنحوِهِ، وفي بعضِ طرقِهِ: ((قالتْ لي قريشٌ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يتكلمُ في الرِّضا والغَضبِ، فلا تكتُب، فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: اكتُبْ فوالذي نفسي بيدِهِ ما يخرُجُ مني إلا حقٌّ))، وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرو صحيحٌ، ولذلكَ خَرَّجَهُ الحاكمُ في " مستدركِهِ " (٢) وله شواهدُ. وقد جاءَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵁ (٣) أنَّه قال: ((ما آسى (٤) على شيءٍ إلاَّ على الصادقةِ، والصادقةُ صحيفةٌ استأذنتُ فيها النبيَّ ﷺ أنْ أكتبَ فيها ما أسمعُ منه فأَذِنَ لي)) رواهُ الرامهرمزيُّ (٥) منْ طريقِ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن مجاهدٍ، وأسند عن مجاهد، قال: ((رأيتُ عندَ عبدِ اللهِ بنِ عمرو صحيفةً فذهبتُ أتناوَلُها، فقال: مَهْ يا غلامَ بَني مخزومٍ، قلتُ: ما كنتَ تَمنَعُني شيئاً، قالَ: هذه / ٢٧٣ب / الصادقةُ فيها ما سمعتُهُ من رسول اللهِ ﷺ ، ليس بيني وبينَهُ فيها أحدٌ))، وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بسببِ الكتابةِ كثيرَ الحديثِ؛ ولذلك قالَ أبو هريرةَ: ((ما أحد ... )) الأثرَ (٦)، وقال: ((كنتُ (٧) أعي بِقلبي، وكانَ يَعي هوَ بقلبِهِ ويكتُبُ بيدِهِ)) (٨)،

стр. 773

ومنها: عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عنِ النبيِّ ﷺ : (قيِّدوا العلمَ بالكتابِ)) (١). ومنها: ما رواهُ عبدُ اللهِ بنُ المؤملِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو ﵄: ((قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أُقيِّدُ العلمَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: وما تقييدُهُ؟ قال: الكتابُ)) (٢)، ورواهُ ابنُ فارسٍ في كتابِ " مآخذ العلم "، ثم قالَ: ((لم يروِه عنِ ابنِ جريجٍ - يعني: عن عطاءٍ - إلا عبد اللهِ بن المؤمَّلِ))، وقد رُوي ذلك عن أنسٍ ﵁، قال الرامهرمزيُّ في " الفاصل " (٣): ((حدَّثنا محمدُ ابنُ بهرامٍ الأرجانيُّ، حدثنا لوين، حدثنا عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المثنى، عن عمِّهِ ثمامةَ، عن أنسٍ ﵁، قال: قالَ رسول الله ﷺ : ((قيدوا العلم بالكتابِ)). قال لُوين: لم يروِهِ غيرُ هذا الشيخ)). وما جاءَ في السُّنةِ جاء في القرآنِ أيضاً، قالَ ابنُ فارسٍ: ((أعلى ما يحتجُّ به في ذلك قولهُ تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٤)، قال الحسنُ البَصريُّ: ن: الدواةُ، والقلمُ: القلمُ)) (٥). وقد ندبَ اللهُ إلى الكتابةِ في قوله: ﴿فَاكْتُبُوه﴾ (٦)، وفي

стр. 774

قوله: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ/٢٧٤أ / تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ (١))). انتهى ذلك (٢). قلتُ: وعنِ ابنِ سعدٍ في " الطبقات " (٣): ((أخبرنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو هلالٍ، قالَ: قيلَ لقتادَةَ: يا أبا الخطابِ أنكتبُ ما نسمعُ؟ قالَ: وما يمنعُكَ أنْ تكتبَ وقد أنبأكَ اللطيفُ الخبيرُ: أنَّه قد كتبَ، وقرأ ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ (٤))). وقد تقدّمَ في الوجادةِ حديثُ عمرَ، وعمرو بنِ شُعيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: ((أيُّ الخَلقِ أعجبُ إيماناً؟))، وفي آخرهِ: ((يجدونَ صحفاً فيها كتابٌ يؤمنونَ بما فيها)). انتهى. رجعَ إلى المحاسنِ: ((ومن صحيحِ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك حديثُ: ((اكتُبوا لأبي شاهٍ)) في " الصحيحينِ " (٥))). قلتُ: خَرَّجَهُ البخاريُّ في كتاب " العلم " (٦) عن أبي هريرةَ ﵁ بلفظِ: ((اكتبوا لأبي فلانٍ))، وفيه (٧) من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄، قال: لما اشتدَّ برسولِ اللهِ ﷺ وجعُهُ قال: ((ائتوني بكتابٍ اكتبْ لكمْ كتاباً لا تضلوا بعدَه ... )) الحديثَ. انتهى.

стр. 775

رجعَ. لكنَّ الأحاديثَ السابقةَ أصرحُ من حديثِ أبي شاهٍ في تعميمِ الإذنِ لجوازِ (١) أنْ يُدَّعى فيهِ أنَّه واقعةُ عينٍ. وأسندَ الرامهرمزي (٢) وغيرُهُ (٣) عن عَبَّاية بنِ رفاعة (٤)، عن (٥) رافع بن خديج ﵁، قالَ: مرَّ علينا رسولُ اللهِ ﷺ يوماً ونحنُ نتحدثُ ... فذكرهُ إلى أنْ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنّا نسمعُ منكَ أشياءَ أفنكتبُها؟ قالَ: ((اكتبوا ذَلِكَ ولا حرجَ))، وعن عائشة ﵂، قالتْ: دعا رسولُ اللهِ ﷺ علياً ﵁ بأديمٍ ودواةٍ فأملى عليهِ وكتبَ حتَّى ملأَ الأديمَ / ٢٧٤ب /، وعن عليٍّ ﵁: إذا كتبتُمُ الحديثَ فاكتبوهُ بسندِهِ (٦)، وقال بعضُ مَنْ صنَّفَ منَ المتأخرينَ في اعتراضاتٍ على ابنِ الصلاحِ: ((وفي " أدبِ الدنيا والدين " (٧) للماورديِّ: رُوِيَ أنَّ رجُلاً شكا إلى رسولِ اللهِ ﷺ النِّسيانَ، فقالَ: ((استعملْ يدكَ)) أي: اكتبْ حتى ترجعَ إذا نسيتَ إلى ما كتبتَ))، والعجبُ من محدثٍ يتركُ نقلَ الحديثِ من كتبِهِ، ويعدلُ إلى غيرها، فالحديثُ أخرجَهُ الترمذيُّ (٨) في باب (٩) " الرخصة في كتابةِ العلمِ "
следующие страницы →