← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عن رسول اللهِ ﷺ ، فقالَ: ائتوني بصحيفةٍ ودواةٍ، فأتوه بِهما فقالَ: اكتبْ: سمعتُ رسول الله ﷺ فذكر حديثاً))، وجاء نحوُ ذَلِكَ عنِ ابنِ عباسٍ، وأبي أمامةَ، وعتبانَ ﵃، وقد سبقَ في الأصلِ ذكرُ أنسٍ، وعنهُ رواياتٌ، إحداها: أسندَها الرامهرمزيُّ (١) وغيرُهُ (٢)، أنَّه كانَ يأمرُ بنيهِ أنْ يُقيِّدوا العلمَ بالكتابِ. وأخرى أسندَها الرامهرمزيُّ (٣) وغيرُهُ (٤)، عن هبيرةَ بنِ عبد الرحمانِ، وأسندها البغويُّ في " معجمه الكبير " عن يزيد الرقاشيِّ: ((كنا إذا أكثرنا على أنسِ بنِ مالكٍ ألقى إلينا مخلاةً)) (٥)، وفي روايةِ الرّقاشيِّ: ((أتانا (٦) بمخالٍ فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ كتبتُها عن رسولِ اللهِ ﷺ ))، وفي / ٢٧٣ أ / روايةِ الرقاشيِّ: ((سمعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ وكتبتُها (٧) وعرضتُها)). وعن أبي هُريرةَ ﵁ نحو ذَلِكَ، وعن أنسٍ أيضاً: ((كَتْبُ العلمِ فريضةٌ)). وأمّا عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ فإنَّه إنَّما كتبَ بإذنِ النبيِّ ﷺ ، جاءتْ عنه رواياتٌ مسندةٌ: منها من روايةِ عمرو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ((قلت: يا رسول اللهِ، أكتُبُ ما أسمعُهُ منك؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: في الغَضَبِ والرضا؟ قال: نعم، فإني لا أقولُ إلا حقَّاً)).

стр. 772

وأسندَهُ الرامهرمزيُّ (١) بنحوِهِ، وفي بعضِ طرقِهِ: ((قالتْ لي قريشٌ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يتكلمُ في الرِّضا والغَضبِ، فلا تكتُب، فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: اكتُبْ فوالذي نفسي بيدِهِ ما يخرُجُ مني إلا حقٌّ))، وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرو صحيحٌ، ولذلكَ خَرَّجَهُ الحاكمُ في " مستدركِهِ " (٢) وله شواهدُ. وقد جاءَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵁ (٣) أنَّه قال: ((ما آسى (٤) على شيءٍ إلاَّ على الصادقةِ، والصادقةُ صحيفةٌ استأذنتُ فيها النبيَّ ﷺ أنْ أكتبَ فيها ما أسمعُ منه فأَذِنَ لي)) رواهُ الرامهرمزيُّ (٥) منْ طريقِ ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن مجاهدٍ، وأسند عن مجاهد، قال: ((رأيتُ عندَ عبدِ اللهِ بنِ عمرو صحيفةً فذهبتُ أتناوَلُها، فقال: مَهْ يا غلامَ بَني مخزومٍ، قلتُ: ما كنتَ تَمنَعُني شيئاً، قالَ: هذه / ٢٧٣ب / الصادقةُ فيها ما سمعتُهُ من رسول اللهِ ﷺ ، ليس بيني وبينَهُ فيها أحدٌ))، وكانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بسببِ الكتابةِ كثيرَ الحديثِ؛ ولذلك قالَ أبو هريرةَ: ((ما أحد ... )) الأثرَ (٦)، وقال: ((كنتُ (٧) أعي بِقلبي، وكانَ يَعي هوَ بقلبِهِ ويكتُبُ بيدِهِ)) (٨)،

стр. 773

ومنها: عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، عنِ النبيِّ ﷺ : (قيِّدوا العلمَ بالكتابِ)) (١). ومنها: ما رواهُ عبدُ اللهِ بنُ المؤملِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو ﵄: ((قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أُقيِّدُ العلمَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: وما تقييدُهُ؟ قال: الكتابُ)) (٢)، ورواهُ ابنُ فارسٍ في كتابِ " مآخذ العلم "، ثم قالَ: ((لم يروِه عنِ ابنِ جريجٍ - يعني: عن عطاءٍ - إلا عبد اللهِ بن المؤمَّلِ))، وقد رُوي ذلك عن أنسٍ ﵁، قال الرامهرمزيُّ في " الفاصل " (٣): ((حدَّثنا محمدُ ابنُ بهرامٍ الأرجانيُّ، حدثنا لوين، حدثنا عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المثنى، عن عمِّهِ ثمامةَ، عن أنسٍ ﵁، قال: قالَ رسول الله ﷺ : ((قيدوا العلم بالكتابِ)). قال لُوين: لم يروِهِ غيرُ هذا الشيخ)). وما جاءَ في السُّنةِ جاء في القرآنِ أيضاً، قالَ ابنُ فارسٍ: ((أعلى ما يحتجُّ به في ذلك قولهُ تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٤)، قال الحسنُ البَصريُّ: ن: الدواةُ، والقلمُ: القلمُ)) (٥). وقد ندبَ اللهُ إلى الكتابةِ في قوله: ﴿فَاكْتُبُوه﴾ (٦)، وفي

стр. 774

قوله: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ/٢٧٤أ / تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ (١))). انتهى ذلك (٢). قلتُ: وعنِ ابنِ سعدٍ في " الطبقات " (٣): ((أخبرنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو هلالٍ، قالَ: قيلَ لقتادَةَ: يا أبا الخطابِ أنكتبُ ما نسمعُ؟ قالَ: وما يمنعُكَ أنْ تكتبَ وقد أنبأكَ اللطيفُ الخبيرُ: أنَّه قد كتبَ، وقرأ ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ (٤))). وقد تقدّمَ في الوجادةِ حديثُ عمرَ، وعمرو بنِ شُعيب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: ((أيُّ الخَلقِ أعجبُ إيماناً؟))، وفي آخرهِ: ((يجدونَ صحفاً فيها كتابٌ يؤمنونَ بما فيها)). انتهى. رجعَ إلى المحاسنِ: ((ومن صحيحِ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك حديثُ: ((اكتُبوا لأبي شاهٍ)) في " الصحيحينِ " (٥))). قلتُ: خَرَّجَهُ البخاريُّ في كتاب " العلم " (٦) عن أبي هريرةَ ﵁ بلفظِ: ((اكتبوا لأبي فلانٍ))، وفيه (٧) من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄، قال: لما اشتدَّ برسولِ اللهِ ﷺ وجعُهُ قال: ((ائتوني بكتابٍ اكتبْ لكمْ كتاباً لا تضلوا بعدَه ... )) الحديثَ. انتهى.

стр. 775

رجعَ. لكنَّ الأحاديثَ السابقةَ أصرحُ من حديثِ أبي شاهٍ في تعميمِ الإذنِ لجوازِ (١) أنْ يُدَّعى فيهِ أنَّه واقعةُ عينٍ. وأسندَ الرامهرمزي (٢) وغيرُهُ (٣) عن عَبَّاية بنِ رفاعة (٤)، عن (٥) رافع بن خديج ﵁، قالَ: مرَّ علينا رسولُ اللهِ ﷺ يوماً ونحنُ نتحدثُ ... فذكرهُ إلى أنْ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنّا نسمعُ منكَ أشياءَ أفنكتبُها؟ قالَ: ((اكتبوا ذَلِكَ ولا حرجَ))، وعن عائشة ﵂، قالتْ: دعا رسولُ اللهِ ﷺ علياً ﵁ بأديمٍ ودواةٍ فأملى عليهِ وكتبَ حتَّى ملأَ الأديمَ / ٢٧٤ب /، وعن عليٍّ ﵁: إذا كتبتُمُ الحديثَ فاكتبوهُ بسندِهِ (٦)، وقال بعضُ مَنْ صنَّفَ منَ المتأخرينَ في اعتراضاتٍ على ابنِ الصلاحِ: ((وفي " أدبِ الدنيا والدين " (٧) للماورديِّ: رُوِيَ أنَّ رجُلاً شكا إلى رسولِ اللهِ ﷺ النِّسيانَ، فقالَ: ((استعملْ يدكَ)) أي: اكتبْ حتى ترجعَ إذا نسيتَ إلى ما كتبتَ))، والعجبُ من محدثٍ يتركُ نقلَ الحديثِ من كتبِهِ، ويعدلُ إلى غيرها، فالحديثُ أخرجَهُ الترمذيُّ (٨) في باب (٩) " الرخصة في كتابةِ العلمِ "

стр. 776

فقالَ: ((حدَّثنا قتيبةُ، حدَّثنا الليثُ، عنِ الخليلِ بنِ مرةَ، عن يحيى بنِ أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: كانَ رجلٌ من الأنصارِ يجلسُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فيسمعُ منَ النبيِّ ﷺ الحديثَ فيعجبُهُ، ولا يحفظُهُ فشكا ذَلِكَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني أسمعُ منك الحديثَ فيعجبني ولا أحفظُهُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((استعنْ بيمينكَ وأومأ بيدِهِ إلى الخطِّ)). قالَ الترمذيُّ: وفي البابِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، وهذا حديثٌ ليسَ إسنادُهُ بذلك (١) القائمِ، سمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يقولُ: الخليلُ بنُ مُرَّةَ منكرُ الحديثِ)). وفي المسألةِ مذهبٌ ثالثٌ: وهو أنْ يكتبَ، فإذا حفظَ محاهُ، رواهُ الرامهرمزيُّ (٢) (٣) عن عبدِ الرحمانِ بنِ سلمةَ الجُمحيِّ. ومحمد بن سيرينَ كان لا يرى بكتابةِ الحديثِ بأساً، فإذا حفظَهُ محاهُ (٤). وعاصمُ بنُ ضمرةَ كانَ يسمعُ الحديثَ ويكتُبُه / ٢٧٥ أ / (٥) فإذا حفظَهُ دعا بمقراضٍ فقرضهُ (٦). وهشامُ بنُ حسَّان اتفقَ له أنَّه لم يكتبْ إلا حديثاً واحداً ثم محاهُ (٧)، وكذا جرى لخالدٍ الحذَّاءِ، وحماد بن سلمةَ (٨)، وممنْ أباحَ ذلك مطلقاً أبو المَليحِ (٩)، ومنْ مُلح ما قال:

стр. 777

يعيبونَ (١) علينا أن نكتبَ العلمَ وندوِّنَهُ، وقد قال الله : ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ (٢)، ورَوَى الرامهرمزيُّ (٣) ذلك عن قتادةَ. وجاء عن معاويةَ بنِ قرةَ: ((مَن لم يكتبِ العلمَ لم يُعدَّ علمُهُ علماً)) (٤)، وأسندَ الرامهرمزيُّ (٥) إلى عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ قال: ((كتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى أهلِ المدينةِ: انظروا ما كانَ من حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ فاكتبوهُ فإني خفتُ دروسَ العلمِ وذهابَ العلماءِ))، وعن يزيدَ الرقاشيِّ: ((حججتُ مع عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فحدَّثتُهُ بأحاديثَ عن أنسِ بنِ مالكٍ فكتبها، وقال: ليس عندي مالٌ فأعطيكَ، ولكنْ أفرضُ لكَ في الديوانِ، ففرضَ له أربعَ مئةِ دِرهمٍ (٦))). انتهى كلامُ البلقينيِّ (٧) وتصرّفتُ في بعضِهِ. قولهُ: (وهذا الاستدلالُ) (٨)، أي: ما يتعلقُ بالسَّهميِّ ((منَ الزوائدِ))، وأمّا حديث أبي شاهٍ ففي كتابِ ابنِ الصلاحِ (٩). قولهُ: (أنَّ أبا هُريرةَ كانَ يكتُبُ) (١٠) يحتملُ أنْ تكونَ الكتابةُ على حقيقتِها،

стр. 778

وأنَّه كتبَ بعد موتِ النبيِّ ﷺ ، ويحتملُ أنْ تكون مجازاً بأنَّه أمر من يكتب (١)، ويحتملُ أنْ يكونَ من نقلَ عنهُ أنَّه كتبَ استند إلى / ٢٧٥ب / قولهِ: ((حفظتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ جِرابينِ ... )) (٢) الأثرَ، وهذا لا يدلُّ على كتابتِهِ حقيقةً، فإنَّه محمولٌ على أنَّ علمهُ نوعانِ: منه ما يُبلِّغهُ، ومنه ما يخشى الفتنةَ من تبليغِهِ، ويحتملُ أنَّه يريدُ أنّ كل نوعٍ منهما لو كُتبَ لكانَ ملءَ (٣) جرابٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ مكتوباً مَحشوَّاً في جرابٍ حقيقةً، ولكنْ بخطِّ غيرِهِ، والله أعلم. قولهُ: (لخوفِ اختلاطِهِ بالقرآنِ) (٤)، أي: بسبب أنَّه لم يكن اشتدَّ إلفُ الناسِ له، وكثرَ حُفَّاظُهُ والمعتنونَ به، فلما ألفَهُ الناسُ وعرفوا أساليبَهُ وكمالَ بلاغاتِهِ، وحسنَ تناسُبِ فواصلِهِ وغاياتِهِ، صارتْ لهم ملكةٌ يميزونَهُ بها عن غيرِهِ، فلم يُخشَ اختلاطُهُ بعدَ ذلك (٥). قولهُ (٦): (وخيفَ اتكالُهُ) (٧) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وأخبرنا أبو الفتحِ بنُ عبدِ المُنْعمِ الفُرَاوِيُّ (٨) قراءةً عليهِ بنيسابورَ - جَبَرها الله -، قال: أخبرنا أبو المعالي الفارسيُّ، أخبرنا الحافظُ أبو بكرٍ البَيْهَقيُّ، أخبرنا أبو الحسينِ بنُ بِشْرانَ، أخبرنا أبو عمرو

стр. 779

بن السَّماك، حدَّثنا حَنبلُ بنُ إسحاقَ، حدَّثنا سليمانُ بنُ أحمدَ، حدَّثنا الوليدُ هو ابنُ مسلمٍ، قال: كان الأوزاعيُّ يقولُ: كانَ هذا العلمُ كريماً يَتَلاقاهُ الرجالُ بينَهم فلما دَخَل في الكُتُبِ دَخَل فيه غيرُ أهلِهِ)) (١). قولهُ: (فربَّما كتبوهُ معهُ) (٢) قال شيخُنا: ((الذي يظهرُ لي أنَّ من ذلك قراءةَ بعضِ الشواذِّ: ((فلما خرَّ تبينتِ الجنُّ (٣) أنْ (٤) لو / ٢٧٦أ / كانُوا يعلمونَ الغيبَ ما لبثوا حولاً في العذابِ المهينِ))، والله أعلم)) (٥). قولهُ: (ما يُستعجَمُ) (٦)، أي: يوجدُ مُشكلاً شديداً على الفَهْمِ غيرَ (٧) منقادٍ له، كما يشتدُ العجمُ - أي: النَّوى - على المضغ، فيكونُ بذلك كأنّه طالبٌ لإعجامِ نفسِهِ بأن لا يفهمَ. قولهُ: (لا ما يفهم) (٨)، أي: مِنْ غيرِ إشكالٍ (٩).

стр. 780

قولهُ: (وَليكُ) (١)، أي: وليكنْ ضبطُ المشكلِ في الأصلِ، وفي الهامشِ بأنْ تُعادَ كتابتُهُ في الهامشِ (٢) مع تقطيعِ حروفِهِ، فضبطُهُ فيه مُصاحباً لتقطيعِ الحروفِ أنفعُ منْ ضَبْطِهِ فيه مجتمعَ الحروفِ. قلتُ: والمتبادرُ إلى الذِّهنِ أنَّ الشيخَ زادَ تقطيعَ الحروفِ، وأسقطَ قولَ ابنِ الصلاحِ أنَّ الكلمةَ تكتبُ في الهامشِ مفردةً - أي: غيرَ (٣) مقطّعةِ الحروفِ - (٤) لكنْ يمكنُ تحميلُ كلامِهِ ذلكَ بتأويلٍ دلّنا عليه قولهُ: ((فهو أنفع))، أي: وليكنِ الضبطُ للمشكلِ في الأصلِ، وفي الهامشِ، وبعدَ (٥) كتابتِهِ فيه مجتمعَ الحروفِ. قلتُ: يكتُبُه في الهامشِ مع تقطيعِهِ لحروفِهِ؛ فإنَّ تقطيعَهُ لها أنفعُ من كتابتِهِ إياها مجتمعةً كما قال ابنُ الصلاحِ (٦)، ولو قال: وفي الهامشِ بل يقطّعُ الحروفَ فهو أكملُ كانَ أحسنَ، أي: وليكنْ ضبطُهُ في الأصلِ وفي الهامشِ مجتمعاً، كما قالَ ابنُ الصلاحِ، ولا يقتصرُ على ذلك بل إذا أرادَ المبالغةَ في البيانِ فإنَّه يقطعُ الحروفَ، فتقطيعُها أكملُ بياناً من كتابتِها مجموعةً. قولهُ: (يَنبغي لطالبِ العلم) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ثم إنَّ على كَتَبَةِ الحديثِ وَطَلَبتِهِ / ٢٧٦ب / صَرْفَ الهِمَّةِ إلى ضَبْطِ ما يكتبونَهُ، أو يُحصِّلونَهُ بخطِّ

стр. 781

الغَيرِ (١) من مرويَّاتِهم على الوجْهِ الذي رووهُ شَكلاً ونَقْطاً يُؤمَنُ معها (٢) الالتباسُ، - قال: - وإعْجامُ المكتوبِ يَمنعُ من استِعجامِهِ، وشَكْلُهُ يَمْنعُ من إشْكالِهِ)) (٣). انتهى. والإعجامُ: إزالةُ العجمةِ، وهي الاستغلاقُ، والاستغلاقُ (٤): إيجادُها أو طلبُهُ. قولهُ: (والصوابُ الإعجامُ) (٥) ليسَ كلامُ الأوزاعيِّ خطأ ففي " الصحاحِ" (٦): ((العَجْمُ النَقْطُ بالسوادِ مثل التاءِ عليه نقطتانِ، يقال: أعجمتُ الكتاب)) (٧)، وقال صاحبُ " القاموسِ " (٨): ((وأعجمَ فلانٌ الكلام (٩) ذهبَ به إلى العُجْمةِ، والكتابَ نَقَطَهُ كعَجَمه وعَجَّمه، وقولُ الجوهريِّ: لا تَقُلْ (١٠): عجمتُ، وهمٌ)). انتهى. فأعجمهُ للإزالةِ، وعَجَمهُ جعلَ له عَجْماً، أي: نَقْطاً، فمرادُ الأوزاعيِّ أنَّ

стр. 782

النَّقْطَ نفسُهُ نورٌ، لا المصدر الذي هو الإعجامُ، قال شيخُنا: ((ولا يمنعُ (١) إطلاقُ العَجْمِ على الإعجامِ، غايتُهُ: أنْ يكونَ مصدراً جارياً على غيرِ فعلِهِ كالنباتِ مع الإنباتِ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً﴾ (٢) ونحو ذلك)). قولهُ: (أي: يُبيِّنُ) (٣) بدلٌ منَ النَّقْطِ. قولهُ: (والشَّكْلُ) (٤) يقال: شَكَلَ الكتابَ: أعْجَمَهُ وقَيَّدَهُ بالإعرابِ كأشكَلَه، كأنَّهُ أزالَ عنه الإشكالَ، هكذا في " القاموسِ " (٥) و" الصحاح " (٦)، وفي " المُجمل " (٧): ((شَكلتُ الكتابَ أشْكلُهُ شَكْلاً، إذا قيدتُهُ بعلاماتِ الإعرابِ))، وقالَ أبو عبدِ اللهِ القزازُ: ((وشكلتُ الدابةَ أشكلُهُ شكلاً: شددْتُ / ٢٧٧أ / قوائمَهُ بالشكالِ، ومنْ هذا أخذ شكل الحروفِ؛ لأنَّه ضبطُها وتقييدُها فلا يلتبسُ إعرابُها، وأشكلتُ الشيءَ إذا أزلتُ إشكالَهُ)). قولهُ: (لا تُضْبَطُ) (٨) إلى آخره. هذا الحصرُ ليسَ على بابِهِ، بل مثلُ ((الحجُّ عرفة)) (٩)، فإنَّ نَفْعَ النَّقطِ أعظمُ وأعمُّ من نفعِ الشكلِ.

стр. 783

قولهُ: (إنما يُشْكَلُ ما يُشْكِلُ) (١) حسَّنَهُ ابنُ الصلاحِ وأتبعَهُ بقوله: ((وقرأتُ بخَطِّ صاحبِ كتابِ " سماتِ الخطِّ ورُقُومِهِ ")) (٢) فذكرهُ دليلاً عليه، فإنَّ قولهُ: ((أهلُ العلمِ)) (٣) يقربُ منَ الإجماعِ. قولهُ: (يُشكلُ الجميعُ) (٤) وجدتُ بخطِّ العلامةِ شمسِ الدينِ بنِ حَسَّانَ ﵀: ((وجدتُ الحافظينِ شيخَ الإسلامِ السِّلفيَّ والمزِّيَّ يضبطانِ الأمورَ الواضحةَ، حتى أنَّ السِّلفيَّ تكررَ له ضبطُ الخاءِ من ((أخبرنا))، والمزيُّ قد يسكِّنُ النُّونَ منْ ((عن))))، وقد يُقالُ: إنَّ مثلَ ذلك يكونُ عن غَيرِ قَصدٍ، بل تسبقُ إليه اليدُ، لكنَّ مُراعاةَ ضبطِ غيرِ ذلكَ مع الكثرةِ والوضوحِ مما يُقوي الاعتناءَ بهِ. قولهُ: (وربَّما ظُنَّ أنَّ الشيءَ غيرُ مُشْكِلٍ) (٥) قال ابنُ الصلاحِ: ((وكثيراً ما يَتهاونُ بذلك الواثِقُ بذهنِهِ وتيقُّظِهِ، وذلك وخيمُ العاقبةِ؛ فإنَّ الإنسانَ مُعرَّضٌ للنِّسْيانِ، وأولُ ناسٍ أولُ الناسِ)) (٦).

стр. 784

قولهُ: (الجَنين) (١) رأيتُ عن " تهذيبِ الأسماءِ واللغاتِ " لشيخِ الإسلامِ النوويِّ ما نصُّهُ: ((الروايةُ / ٢٧٧ب / المشهورةُ برفعِ ((ذكاة))، وبعضُ الناسِ ينصبُها، ويجعلُهُا بالنصبِ دليلاً لأصحابِ أبي حَنيفةَ في أنَّه لا يحلُّ، ويقولون (٢) تقديرُهُ كذكاةِ أمهِ، حذفت الكافُ فانتصبَ، وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ الروايةَ المعروفةَ بالرفعِ، وكذا نقلهُ الخطابيُّ وغيرُهُ، وتقديرُهُ على الرفعِ يحتملُ أوجهاً، أحسنُها: أنّ ((ذكاة الجنينِ)) خبرٌ مقدمٌ، و ((ذكاة أمِّهِ)) مبتدأٌ، والتقديرُ: ذكاةُ أمِّ الجنينِ ذكاةٌ لهُ، ثمَّ ذكر شاهداً، ثمَّ قال: وذلك لأنَّ الخبر ما حصلتْ به الفائدةُ، ولا تحصلُ إلا بما ذكرناهُ، وأما روايةُ النصبِ على تقديرِ صحتِها، فتقديرُها: ذكاةُ الجنينِ حاصلةٌ وقتَ ذكاةِ أمه، وأما قولهُم: تقديرُهُ: كذكاةِ أمِّهِ، فلا يصحُّ عندَ النحويينَ، بل هو لحنٌ، وإنمَّا جاءَ النصبُ بإسقاطِ الخافضِ في مواضعَ معروفةٍ عندَ الكوفيينَ بشرطٍ ليسَ موجوداً هاهنا، والله أعلم)) (٣). قولهُ: (ولا قبلَهُ ولا بَعْدَهُ) (٤) إلى آخرِهِ. إنْ قيلَ: الراوي والشيخُ مما يدلُّ على الشخصِ، قيل: ذلكَ نادرٌ، والكلامُ في عمومِ الناسِ. قولهُ: (بضبط) (٥) متعلقٌ بـ ((الالتباسِ))، أي: لأنَّهُ إذا ضبطَهُ في أثناءِ الأسطرِ ربما داخَلَهُ نقطُ غيرِهِ وشكلُهُ مما فوقَهُ وتحتَهُ، لاسيما عندَ دقةِ الخطِّ وضيقِ

стр. 785

الأسطرِ، فيصيرُ بسببِ ذلك مشكلاً. قولهُ: (ولم يَتَعَرضا لتقطيعِ حروفِ الكلمةِ) (١) رُبَّما يشاحَحُ في هذا بأنَّ القاضي قال (٢): ((في الحروفِ / ٢٧٨أ / المشكلة)) (٣)، فقد صرَّحَ بالحروفِ بدليلِ عطفِ الكلماتِ عليها، أي: إذا كانَ في الكلمة حرفٌ مشكلٌ أو حرفان كُتِبَ ذلك الحرفُ على الهامشِ، مثل: عبس، تكتبُ الباء في الهامشِ مفردةً لئلا يظنَّ أنَّها نونٌ، وكذا إذا كانت حروفُ الكلمةِ كلُّها مشتبهةٌ فإنَّهُ يرسمُ ذلك الحرفَ المشتبَهَ مفرداً، وكلُّ حَرفٍ فَرضناهُ منها وجدناهُ مشكلاً فيلزمُ أنْ نكتبَ جميعَ حروفِها مقطعةً، وإنمَّا قال: ((أنْ يرسمَ ذلك الحرفَ)) فوحد ليشملَ الواحدَ، ويفهمَ منهُ ما فوقَهُ؛ لأنَّه لا يخرجُ عن كونِهِ حرفاً بانضمام غيرِه إليه. وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((يُستحبُّ في الألفاظِ المشكلةِ أنْ يُكرَّرَ (٤) ضَبْطُها، بأن يَضبطَها (٥) في مَتْنِ الكتابِ ثم يكتُبُها قُبالةَ ذلك في الحاشيةِ مفردةً مضبوطةً، فإنَّ ذلك أبلغُ في إبانتِها وأبعدُ من التِباسِها)) (٦). فقولهُ (٧): ((مفردةً)) يمكن حملُهُ (٨) على إفرادِ الكلمةِ نفسِها، ولو كانتْ مجتمعةَ الحروفِ، وعلى إفرادها مفردةَ الحروفِ، والله أعلم.

стр. 786

قولهُ: ٥٦٤ - وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ إِلاَّ ... لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلا ٥٦٥ - وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا ... شَرُّ الْقِرَاءةِ إذا مَا هَذْرَمَا المراد بالكراهةِ كراهةُ التنْزيهِ، ويستدلُّ لها بقولِ عمرَ ﵁ في المشقِ، قياساً على المشق؛ لأنَّه لم يكره إلا لما يؤدي إليه منَ الإلباسِ باختلاطِ الحروفِ فلا يقرؤهُ إلا الفطنُ كما أنَّه لا يقرأ الدقيقَ إلا قويُّ البصرِ. قولهُ: (أو لرحالٍ / ٢٧٨ب / فلا) (١) كانَ يجبُ عليهِ إسقاطُ الفاءِ من ((فلا)) ليوافقَ الضرب العروضَ في القطعِ؛ فإنَّ العروض في الرجزِ إذا كانتْ مقطوعةً لزمَ أنْ يكونَ الضربُ مثلَها، إنْ كان الشطرانِ بيتاً واحداً، وإنْ كانا بيتينِ فلتوافقِ القافية، فإنَّ قافيةَ الأولِ متواترٌ، والثاني على ما استعملَهُ متراكبٌ، اللهمَّ إلا أنْ يدّعى مع ذلك أنَّ كلَّ بيتٍ بمنْزلةِ القصيدةِ الكاملةِ حتى لا تعتبرَ موافقتُهُ لما قبلَهُ ولا لما بعدَهُ. قولهُ: (التعليقُ) (٢) الذي يظهرُ في تفسيرِهِ أنَّهُ خلطُ الحروفِ التي ينبغي تفرقتُها، وذهابُ (٣) أسنانِ ما ينبغي إقامةُ أسنانِهِ، وطمسُ ما ينبغي إظهارُ بياضِهِ، ونحو ذلكَ، وكأنَّ المَشْقَ إنما كُرِهَ؛ لأنَّهُ يجرُّ غالباً إلى التعليقِ، وكأنَّ الهذرمةَ كُرهتْ خوفاً مما تؤدي إليه غالباً من خَفاءِ بعضِ الحروفِ. قولهُ: (لابنِ أخيهِ حنبل) (٤) ليسَ هو ابنُ أخيهِ، وإنَّما هو ابنُ عمهِ، فإنَّهُ حَنبلُ بنُ إسحاقَ بنِ حَنْبلٍ، وأحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنْبلٍ، فإسحاقُ ومحمد - والدُ

стр. 787

أحمدَ - أخوانِ (١)، وقد ذكرَ الشيخُ هذا على الصوابِ في " تاريخِ الوفياتِ ". قال شيخُنا: ((قال بعضُهم ما معناهُ: إنَّ الذي يكتبُ الخطَّ الدقيقَ يكونُ قصيرَ الأملِ، أي: لا يأملُ أنْ يعيشَ طويلاً؛ لأنَّه لو أمَّلَ ذلك خافَ ضعفَ البصرِ)). قولهُ: (يَخُونُكَ) (٢) قال ابنُ الصلاحِ عقَبهُ: ((وبَلَغَنا عن بعضِ المشايخِ أنَّهُ كانَ إذا رأى خطَّاً دقيقاً / ٢٧٩أ / قال: هذا خطُّ مَنْ لا يُوقِنُ بالخَلَفِ (٣) من الله تعالى (٤))) (٥). قولهُ: (الوَرَق أو الرِّق) (٦) لم يذكرِ ابنُ الصلاحِ إلا الورَقَ، وهو في كلامِهِ بفتحِ الراءِ مراداً بهِ القرطاسُ، وأما في كلامِ الشيخِ فالظاهرُ أنَّه أرادَ بالوَرقِ الدراهمَ فيكونُ مكسور الراءِ، والرقُّ القرطاسُ، وقد لا يلزمُ من ضيقِ أحدهما ضيق الآخرِ. قولهُ: (تحقيقُ الخَطِّ) (٧) يعني: يكتبُ كلَّ حرفٍ على ما يحقُّ له منَ التجويدِ.

стр. 788

قولهُ في قولهِ: (ويُنْقَطُ المُهْمَلُ) (١): (أسفلا) (٢) هو ظَرفٌ حُذفَ ما يُضافُ إليه، ولم يُنوَ لفظُهُ ولا معناهُ، فهو نكرةٌ منونٌ لذلك، كما قرئ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلٍ وَمِنْ بَعْدٍ﴾ (٣) بالجرِّ والتنوينِ، وهو في هذه الحالةِ مسلوخٌ منَ الظرفيةِ، قال سيبويه بعد النصفِ من كتابِهِ في بابِ الظروفِ المتمكنةِ: ((أجروا هذا (٤) - يعني: حالَ التنوينِ مجرى الأسماءِ المتمكنة - لأنَّها تضافُ، وتستعملُ غيرَ ظرفٍ)) (٥). انتهى. ويجوزُ أنْ يكونَ نَوَى لفظَ المضافِ إليهِ فيكون منصوباً، كما لو كانَ المضافُ إليهِ منطوقاً فهو غيرُ مُنوَّنٍ كما قرئ ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلِ وَمِنْ بَعْدِ﴾ (٦) مكسوراً بغيرِ تنوينٍ، فيكون التقديرُ هنا أسفله، ويجوزُ أنْ يكونَ تَركَ تنوينَهُ في الوجهِ الأولِ؛ لأنَّه غيرُ منصرفٍ للوصفِ ووزنِ الفعلِ، فتكون الألفُ للإطلاقِ، ويجوزُ أنْ يكونَ منوَّناً؛ لأنَّ الشعرَ يصرفُ فيه الممنوعُ وتكون الألفُ بدلَ التنوينِ، وهو في هاتينِ الحالتينِ معربٌ، كما أنَّه معربٌ إذا لفظَ بالمضافِ إليه لبقائه في هذه الحالاتِ الثلاثِ على الأصلِ؛ لأنَّهُ لم يكملْ فيها شبههُ بالحرفِ، ولو نُوي المعنى دونَ اللفظِ بُنيَ على الضمِّ. قال المراديُّ: ((للشبهِ بحرفِ الجوابِ / ٢٧٩ب / في الاستغناءِ به عما بعدَهُ مع ما فيهِ منْ شبهِ الحرفِ بالجمودِ، والافتقار)). انتهى.

стр. 789

واختير الضمُّ للبناءِ؛ لأنَّها حركةٌ لا تكونُ له في حالةِ إعرابِهِ فلا تلبسُ. قولهُ: (صَفّاً) (١) هو منصوبٌ على الحالِ منْ ضميرِ خبر المبتدأ، أي: والبعضُ قالوا: نقطُ السينِ تحتها ((صفاً))، أو يكونُ مصدراً دالاً على خبر العاملِ فيه، وسادَّاً مَسَدَّهُ، تقديرُهُ: يصفُ تحتَها صفّاً. قولهُ: (كالأثافي) (٢) هو جمعُ أُثفيَّةٍ بضمِّ الهمزةِ وبكسرِها وتشديدِ الياءِ التحتانيةِ، الحجرُ توضعُ عليه القدرُ، جمعُهُ: أثافيّ بتشديد الياءِ، وآثافٍ منقوصاً (٣). قولهُ عنِ الحاءِ (٤): (ولم يستثنِها ابنُ الصلاحِ) (٥) إنْ كان مَعناهُ: لم يُصرِّحْ باستثنائِها فمسلمٌ وإلا فَلا، فإنّهُ قال: ((فَيَنقطُ تحتَ الرَّاءِ والصَّادِ والطَّاءِ والعينِ ونحوِها منَ المهملاتِ)) (٦)، أي: مما له مثلٌ واحد، ثم ذكرَ بعدُ: أنه يجعلُ تحتَ الحاءِ حاءً صغيرةً تحتها (٧) فالذي تحصَّل منْ كلامِهِ استثناؤها. قال البلقينيُّ: ((وقد أسندَ المَرْزُبانيُّ، عن محمدِ بنِ عبيدٍ الغَسانيِّ، قال: حدَّثني أبي، قال: كتبتُ بينَ يدي معاويةَ كتاباً، فقال لي: يا عبيدُ ارقشْ كتابَكَ، قلتُ: وما رقشُهُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قال: اعطِ كلَّ حرفٍ ما ينوبُهُ منَ النقطِ، وهذا عامٌ في كلِّ حرفٍ (٨) كما قدمناه (٩)، ويستدلُ بهِ لهذا الطريقِ)). انتهى.

стр. 790

قولهُ: (مُضْجَعةً على قَفَاها) (١) ما ألطفَ قولَ شيخِنا: ((إذا اضجعت / ٢٨٠أ / على قفاها اشتالتْ رجلاها)). قولهُ: (القديمة) (٢) في الموضعين، وجعلَهُ منَ الخفيِّ الذي ليسَ بشائعٍ في الخطِّ الصغيرِ، والذي يُشبهُ الهمزةَ. قولهُ: (يفطِنَ له) (٣) هو بضمِّ العينِ وكسرِها. قال في " القاموس " (٤): ((الفِطنةُ بالكسرِ: الحذقُ، فطنَ به وإليهِ ولهُ، كفرحَ ونصرَ وكرمَ)) وذكرَ الشيخُ في " النكت " أنَّ ابنَ الصلاحِ إنَّما أخذَ هذا الضبطَ بهذهِ العلاماتِ منَ "الإلماعِ" (٥) للقاضي عياضٍ، وأنَّه قيدَ العلامةَ بخطٍّ صغيرٍ بقوله: ((يشبهُ النَّبْرَةَ))، وإنَّ حَذْفَ ابنِ الصلاحِ لها ليس بجيدٍ؛ لأنَّهُ يقتضي أنْ يكونَ كالنصبةِ، وكلامُ القاضي يقتضي أن يكونَ كالهمزةِ (٦)، والذي ظهرَ من حكايةِ الشيخِ في ((رضوانِ)) أنَّهما علامتان: إحداهما كالفتحةِ، والأخرى كالهمزةِ، وأخذُ ابنِ الصلاحِ منَ " الإلماعِ " لا يستلزمُ أنْ لا ينظرَ غيرَهُ، والله أعلم. قولهُ: (وذكرَ القاضي عياضٌ) (٧) هو إسنادٌ لقولِ ابنِ الصلاحِ لا مُغايرٌ له.

стр. 791

قولهُ: ٥٦٩ - وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ مَيَّزَا ... مُرَادَهُ وَاخْتِيْرَ أَنْ لاَ يَرْمِزَا إنَّما اختيرَ عدمُ الرمزِ مُطلقاً؛ لأنَّ بيانَ الرمزِ، إمّا أنْ يكونَ في أوَّلِ الكتابِ أو آخرِهِ، وقد تسقطُ الورقةُ التي هوَ فيها، فيرجعُ إلى الوقوعِ في الحيرةِ، وأيضاً إنْ كانَ ذَلِكَ في تصنيفٍ، وهو أكثرُ منْ مجلدٍ فإنَّما يكون بيانُ الرمزِ في خطبتِهِ فإذا وقعَ المجلدُ الثاني فقطْ في يدِ أحدٍ لم يعرفِ المرادَ من الرمزِ. قولهُ: (يُبيِّنوا (١)) (٢) في نُسخةٍ مُعتمدةٍ بالثاء المثلثةِ، ثم موحدةٍ، ثم مثناةٍ منْ / ٢٨٠ب / فوق، منَ الثباتِ، وفي بعضِ ما قُرئَ على ابنِ المصنفِ الشيخِ ولي الدينِ أحمدَ، بالباءِ الموحدةِ، ثم ياءٍ مثناةٍ منْ تحتُ، ثمَّ نونٌ، منَ البيانِ، وكلاهما حسنٌ كالقراءتينِ في السبعِ في: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (٣). قولهُ: (كما فَعَلَ اليونينيُّ) (٤) إنَّما مثلَ بهِ؛ لقربِ عهدِهِ وشُهرتِهِ في هذا الزمانِ وإلا فأبو ذرٍّ قد سبقَ إلى ذلك فرمزَ لشيوخِهِ الثلاثةِ، وأيضاً فرمز أبي ذرٍّ داخلٌ في رموزِ اليونينيِّ. قولهُ في شرح قوله: (وتَنْبغي (٥) الدَّارةُ) (٦): (وحُكيَ ذلك أيضاً) (٧) نُقلَ عنِ ابنِ كثيرٍ، أنَّهُ قال: ((إنَّه رآهُ كذلك في خَطِّ الإمامِ أحمدَ)) (٨).

стр. 792

قولهُ: (فإذا عارضَ) (١)، أي: قابلَ أصلَهُ بأصلٍ آخرَ، أي: عرضَهُ عليهِ، أي: قايسَ بينَهُما في الصحةِ، وكأنَّ أصلهُ أنْ يَضَعَ عرضَ شيءٍ على عرضِ شيءٍ آخرَ لينظرَ هل هما مُتساويانِ. قولهُ: ٥٧١ - وَكَرِهُوْا فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ ... مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلاَهْ حصلَ في هذا البيتِ أمران: الأول: الإذالةُ. والثاني: قطعُ عروضِهِ دونَ ضربهِ. فأما القطعُ فالكلامُ فيه مثلُ الكلامِ في قوله (٢): ويكرهُ الخطُّ الدَّقيقُ إِلاَّ ... لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلا (٣) ويمكنُ انفصالُهُ عن قَطعِها، بأنْ يقولَ: اسمُ الإلهِ، وأمّا الإذالةُ وهي زيادةُ ساكنٍ في مستفعلنْ فيبقى مستفعلانِ فهي ممتنعةٌ في هذا البحرِ، وإنَّما يدخلُ مستفعلن في مسدس (٤) البسيطِ، ومتفاعلنْ في مُربَّعِ الكاملِ، وذلك عندَ جَزْءِ كلِّ منهما، ويمكنُ انفصالُهُ عنه بأنْ يقولَ: وكرِهوا فصلَ مضافِ اسمِ العلي ... منه بسطرٍ أنْ يُنافِ ما يلي قولهُ: (عن أبي عبد اللهِ بنِ بَطَّة) (٥) هو عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ حمدانَ / ٢٨١أ / العكبريُّ الحنبليُّ، وبطةُ بفتحِ الموحدةِ، قال ابنُ كثيرٍ في

стр. 793

" تاريخِهِ " (١): ((أحدُ علماء الحنابلةِ، ومَنْ له التصانيفُ الكثيرةُ الحافلةُ في فنونٍ منَ العلمِ، سمعَ منَ البغويِّ وأبي بكرٍ النيسابوريِّ، وابنِ صاعدٍ وخلقٍ)). انتهى. وقد ذكرهُ الذهبيُّ في " الميزانِ " (٢) بالضعفِ ونقلَ عنه شيخُنا ابنُ حجرٍ في " لسانِهِ " أنه زوَّرَ سماعَه لـ" معجمِ الصحابةِ " (٣) للبغويِّ، وأنَّه نسبَ إلى غيرِهِ سماعَ مالم يسمعْ، وغير ذلك (٤)، وماتَ سنةَ سبعٍ وثمانينَ وثلاث مئةٍ. قولهُ: (غَلَطٌ) (٥) هو (٦) مصدرُ غَلَطَ غَلَطاً، ومعناهُ: أخطأ الصوابَ في كلامِهِ، قاله ابنُ القطاعِ، وقال القزازُ: ((الغلطُ كلُّ شيءٍ يَعيا الإنسانُ عن وجهِهِ وإصابة صوابِهِ غيرُ مُتعمدٍ (٧)))، وفي " القاموسِ " (٨): ((الغَلَطُ - محُركةٌ - أنْ تعيا بالشيء فلا تعرفَ وَجهَ الصوابِ فيه)). قولهُ: (فعلى هذا تحملُ الكراهةُ) (٩) قال شيخُنا: ((هذا ليس ظاهراً وليسَ الواجبُ (١٠) في كلامِ ابنِ بَطَّةَ والخطيبِ على بابِهِ، بلِ المرادُ به تأكيدُ المنعِ،

стр. 794

نَعَم، يمكنُ الوجوبُ فيما إذا كانَ شيءٌ من هذه الكلماتِ آخرَ الصفحةِ اليسرى، والكلمةُ الأخرى وما ينافي معناها في أول اليمنى، فإنّ الناظرَ إذا رآهُ ربمَّا لم يقلبِ الورقةَ وظنَّ أنَّ ذلك أول الكلام، وأمّا ما هو أولُ الصفحةِ اليسرى فليسَ كذلك إذ آخِرُ الصفحة اليمنى قريبٌ منه وكلُّهُ تجاهُ وجهِهِ، لا يحتاجُ إلى قلبِ شيءٍ منَ الورقِ)). قلت: هذا إذا كانَ الكتابُ محبوكاً، أمّا (١) إذا كان مفرطاً فربمَّا تقلبُ الأوراقُ، وربمَّا سقطَ الكراسُ الأولُ أو الورقةُ الأولى / ٢٨١ب / فيَصيرُ أشدَّ مما تقدمَ، ومع ذلك كلهِ فينبغي أنْ يخرَّجَ على ما قالَهُ القراءُ في مسألةِ الوقفِ القبيحِ، حتى لا يحرمَ منه الإ ما له سببٌ من قصد (٢) فاسدٍ، ويكونُ الأدبُ عدمَ فعلِهِ مطلقاً كما قالَهُ الشيخُ تقيُّ الدينِ في " الاقتراح " (٣) لكنَّ الكراهةَ والقبحَ في الكتابةِ أشد مما لا يخفى. قولهُ: ٥٧٢ - وَاكْتُبْ ثَنَاءَ (اللهِ) وَالتَّسْلِيْمَا ... مَعَ الصَّلاَةِ للِنَّبِي تَعْظِيْمَا ٥٧٣ - وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ وَقَدْ ... خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلاَةِ (أَحْمَدْ) ٥٧٤ - وَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالرَّوَايَهْ ... مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَهْ ٥٧٥ - وَالْعَنْبَرِيْ وَابْنُ الْمُدِيْنِيْ بَيَّضَا ... لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا ٥٧٦ - وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا ... مِنْهَا صَلاَةً أَوْ سَلاَماً تُكْفَى

стр. 795

قولهُ: (وإنْ يكُنْ أُسقِطَ) (١) البيت ((أسقطَ)) (٢) عروضَهُ تامةً، وكانَ (٣) يلزمُ في الضربِ أنْ يكونَ مثلها؛ لأنَّه مُقفَّى، وقد قطعَ الضربَ فصارتْ قافيتُهُ منَ المتواترِ، وقافيةُ العروضِ منَ المتداركِ، هذا على تقديرِ كونِ الشطرينِ بيتاً كما تقدَّمَ غيرَ مرةٍ، وإن كانا بيتينِ في حكمِ قصيدةِ واحدةٍ، فالقافيةُ مختلفةٌ، وإنْ كانَ كلٌّ منهما منفرداً بحكمٍ فلا حجرَ، ولم أرَ لـ ((سقط)) منَ المصادرِ إلاّ ((سقوطاً)) فكانَ ينبغي أنْ يقولَ: وإنْ يكُنْ في الأصلِ ليسَ يوجَدُ ... وشَذَّ في تركِ الصلاةِ أحمدُ قولهُ: (وعَلَّهُ قَيَّدَ) (٤) ((علَّ)) لغةٌ في ((لعلَّ)) (٥)، و ((قيَّدَ)) مبنيٌّ للمفعولِ، أي: ولعلَّهُ إنمَّا تركَ كتابَتها؛ لأنَّه تَقيَّدَ في ذلكَ بالروايةِ، أي: بوجودها مرويةً، فلم يجدْ ذَلِكَ فتورعَ؛ لأنَّهُ إذا دارَ الأمرُ معَ الشكِّ بينَ الزيادةِ والنقصِ، استعملَ النقصَ احتياطاً؛ لأنَّ غايتَهُ أنْ يكونَ اقتصرَ على بعضِ الحديثِ وذلك جائزٌ. بخلافِ الزيادةِ؛ فإنَّها ربما كانتْ غيرَ مقولةٍ في نفسِ الأمرِ فيقع بسببها ... / ٢٨٢أ / في نسبةِ قولٍ إلى منْ لم يقلْهُ، ويجوزُ أنْ يكونَ ((قَيَّدَ)) مبنياً للفاعل، أي: قَيَّدَ أحمد الجوازَ بوجودها في الروايةِ، وهو أوفقُ لقولِهِ في الشرحِ: ((يرى التقييدَ)) بصيغةِ التفعيلِ وسيأتي لذلكَ مزيدُ بيانٍ، وإنمَّا احتاجَ إلى اتصالها في جميع من فوقه منَ الرواةِ، ولم يكتفِ بذكرِ شيخهِ لها مثلاً، بخلاف بقيةِ ألفاظِ الحديثِ؛ لأنَّ الصلاةَ ونحوها في مظنةِ أنْ يزيدَ (٦) الراوي من قبل نفسهِ، بخلافِ غير ذلك؛

стр. 796

فإنَّ زيادتَه محضُ كذبٍ. قوله: (مع نطقه) (١) متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: ولعله تَقيَّدَ في ذكرِها بالروايةِ فلمْ يجدْ فحذفها كتابةً، حالَ كونِ حذفِهِ لها مصاحباً لنطقِهِ بها إذا قرأَ، كما رووا ذلك عنه حالَ كونِه حكايةً، أي: محكياً عن صريحِ نطقِهِ. قولهُ: (وعادا عَوّضا) (٢)، أي: ورجعا إلى التعويضِ، أي: ورجعا بعد انقضاءِ سببِ العجلةِ إلى التداركِ فكتبا عوضَ الذي حذفاهُ وفوتاهُ في ذلك الوقتِ. قولهُ: (تُكفى) (٣)، أي: تُكفي (٤) همَّكَ، إشارةٌ إلى حديثِ أُبي بن كعب (٥) ﵁ في " الصحيح " حيثُ قال (٦) للنبيِّ ﷺ : أجعلُ لكَ صَلاتي كلَّها؟ قال (٧): ((إذنْ تُكفْى هَمَّكَ ويُغفرُ ذنبُكَ)) (٨) و ((تُكفى)) في النَّظمِ (٩) مجزومٌ على الجوابِ للأمرِ في ((اجتنبْ))، فألفُهُ حينئذٍ للإطلاقِ، وليستْ بلامِ الكلمةِ.

стр. 797

قولهُ: (ولا يسأمْ) (١) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((منْ تكريرِ ذلكَ عندَ تكرُّرِهِ، فإنَّ ذلك منْ أكبرِ الفوائدِ التي يتعجلها / ٢٨٢ب / طَلَبةُ الحديثِ وكَتَبَتُهُ، ومنْ أغفلَ ذلك حُرِمَ حَظَّاً عظيماً، وقد رُوِّينا لأهلِ ذلك مناماتٍ صالحةً)) (٢). قولهُ: (إنَّهم أهلُ الحديثِ) (٣) قال شيخُنا: بَوَّبَ له أبو نُعيم بقوله: ((بابٌ: إنَّ أقربَ الناسِ منَ النبيِّ ﷺ منْزلةً يومَ القيامةِ هم أهلُ الحديث)). وقال البلقينيُّ في " محاسن الاصطلاح " (٤): ((فائدة: في كتابِ " أنوار الآثار المختصةِ في فضلِ الصلاةِ على النبيِّ المختارِ " للحافظِ التُجيبِيِّ: وكما تُصلي على نبيِّكَ ﷺ بلسانِكَ، فكذلكَ تخطُّ الصلاةَ عليهِ ببنانِكَ مهما كتبْتَ اسمَهُ المبارك ﷺ (٥) في كتابٍ؛ فإنَّ لك في ذلك أعظمَ الثوابِ، فقد رُوِيَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : ((منْ كتبَ عني عِلماً، وكتبَ معهُ صلاتَهُ عليَّ لم يزلْ في أجرٍ ما قُرئَ ذلك الكتابُ)) (٦)، ورُوِيَ عن أبي هريرةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((مَنْ صَلَّى عَليَّ في كتابٍ لم تزلِ الملائكةُ تستغفِرُ له ما دامَ اسمي في ذلك الكتابِ)) (٧)، ولذلك قال سفيانُ الثوريُّ: ((لو لم يكنْ لصاحبِ الحديثِ فائدةٌ إلا الصلاةُ على النبيِّ ﷺ فإنَّهُ يُصلَّى عليه ما دامَ في ذلكَ الكتابِ)) (٨).

стр. 798

ثم حَكَى (١) مناماتٍ في ذلك عن محمدِ بنِ أبي سليمانَ، وعن عبيد الله الفزاريِّ، وعن سفيانَ بنِ عيينةَ، وعن عبد الله بنِ / ٢٨٣أ / عبد (٢) الحكم لما رأى الشافعيَّ في المنامِ، وإنَّما لم يذكرها (٣)؛ لأنَّ ابنَ الصلاحِ قد أشارَ إليها، ثم إنمَّا يُستدلُّ بما رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ كما تقدمَ، وقد جاء بإسنادٍ صَحيحٍ منْ طريقِ عبدِ الرزاقِ، عن معمر، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ يرفعُهُ: ((إذا كانَ يومُ القيامةِ جاءَ أصحابُ الحديثِ وبأيديهم المحابرُ فيرسلُ اللهُ إليهم جبريلُ ﵇ فيسألُهم من أنتم؟ - وهو أعلمُ - فيقولون: أصحابُ الحديثِ، فيقولُ الربُّ جل وعلا: ادخلوا الجنةَ فطالَما كُنتمْ تُصلُّونَ على نبيي في دارِ الدنيا ﷺ )) (٤)، وهذا يَعُمُّ صلاتَهم بلسانِهم وبكتابِهم (٥)، وفي " تاريخ أصبهانَ " (٦) للحافظِ أبي نعيم الأصبهانيِّ في ترجمةِ جعفرِ بنِ (٧) محمدٍ الخَشابِ (٨)، أسندَ إلى أبي ضمرة أنس بنِ عياضٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ ﵂: أنها قالتْ: قالَ النبيُّ ﷺ : ((ما منْ كتابٍ يُكتبُ فيهِ: صلى الله على محمدٍ، إلا صلى الله وملائكتُهُ على مَنْ كتبَ ذَلِكَ ما دام اسمي في ذَلِكَ الكتابِ))، ﷺ أفضلَ الصلاةِ والسلامِ. انتهى.

стр. 799

وأمّا الحديثُ الذي ذكرهُ الشيخُ فأخرجَهُ الحافظُ أبو عليٍّ الحسينُ بنُ محمدٍ الغسانيُّ في أوائلِ كتابِهِ " شرفِ أصحابِ الحديثِ ": ((أخبرنا أبو عمر بن عبد البرِّ، حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ الحافظُ، حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ اللهِ بنُ المفسِّرِ الدِّمشقيُّ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ القاضي / ٢٨٣ب /، حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، أخبرنا خالدُ بنُ مخلدٍ، حدَّثنا موسى بنُ يعقوبَ الزمعيُّ، حدثنا عبدُ الله بنُ كيسانَ (١)، أخبرنا عبد الله بن شداد بن الهاد (٢)، عن عبد اللهِ بن مسعودٍ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((إنَّ أولى الناسِ بي يومَ القيامةِ أكثرُهم صلاةً عليَّ)) (٣). وأخرجهُ الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في كتابِهِ " شرفِ أصحابِ الحديثِ " (٤) عن شيخِهِ الحافظِ أبي نعيم بسندِهِ إلى أبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ، ومنْ وجهٍ آخرَ منْ طريقِ يحيى بنِ معينٍ، قالا: حدَّثنا خالدُ بنُ مخلدٍ، بهِ. قال أبو نُعيم، وكذا أبو عليٍّ: ((وهذه (٥) منقبةٌ شريفةٌ يختصُّ بها رواةُ الآثارِ، ونقلتُها؛ لأنَّه لا يُعرفُ لعصابةٍ منَ العلماءِ منَ الصلاةِ على رسولِ الله ﷺ أكثر مما يُعرفُ لهذه العصابةِ نسخاً وذكراً)) (٦). قولهُ: (يرى التقييدَ في ذلك بالرِّوايةِ) (٧) رأيتُهُ في عدةِ نسخٍ هكذا، فإنْ صحت فهو بمعنى: التقيدِ، من بابِ تفعّلَ، لا منْ بابِ فعَّلَ، ويمكنُ جعلُهُ على بابِهِ

стр. 800

بمعنى: تقييدِ الراوي بما وصلَ إليهِ منَ الروايةِ، فحينئذٍ يقيدُ نفسهُ بذلكَ؛ لأنَّهُ راوٍ لكنَّهُ في كتابِ ابنِ الصلاحِ: التقيُّدُ، منْ بابِ التفعُّلِ. قولهُ: (وعزَّ عليه اتصالُها في جميعِ منْ فوقَهُ منَ الرواةِ) (١) قال البلقينيُّ: ((لا يقالُ: لعل سبَبَهُ أنَّهُ كانَ يكتبُ عَجِلاً لأمرٍ اعتادهُ، فتركَ (٢) ذلك للعجلةِ لا للتقيُّدِ بالروايةِ وشبهِها؛ لأنَّا نقولُ: / ٢٨٤أ / تركُ مِثل هذا النَّوالِ (٣) بسببِ الاستعجالِ لا يَنبغي أنْ يُنْسبَ للعلماءِ الجبال)) (٤). انتهى. وقد تقدَّمَ بيانُ وجهِ الاحتياجِ (٥) في ثبوتِ اتصالِها بكلِّ واحدٍ منْ رجالِ السندِ دونَ غيرِها. قولهُ: (فقالَ في " الاقتراحِ ") (٦) قال شيخُنا: ((لا شكَّ أنَّ ذلك أحوطُ كما تَقدَّمَ، وإن كانتِ الكتابةُ جائزةً؛ لأنَّ غايتَها أنْ تكونَ روايةً بالمعنى)). قلت: وقد كانَ نَقَلَ شخصٌ بحضرةِ شيخِنا أنَّ في خيالِهِ أنَّ الشافعيَّ نصَّ في " الرسالةِ " على كراهةِ إفرادِ الصلاةِ عنِ السلامِ، فقالَ شيخُنا: ((ليسَ كذلكَ فإنَّ الشافعيَّ أفردَ في خطبةِ " الرسالةِ " الصلاةَ عنِ السلامِ)) (٧)، فلما أيَّدَ شيخُنا كلامَ ابنِ دقيقِ العيدِ، قلتُ له: ومما يُظهرُ ثمرةَ ذلك ما تقدَّمَ منَ النقْلِ عن خطبةِ " الرسالةِ " فإنَّ المحافظةَ على الروايةِ أفادتنا حُكماً منَ الأحكامِ عنْ إمامنا، وهو عدمُ كَراهةِ

стр. 801

الإفرادِ لكراهةِ (١) المصطلحِ عليها، ولو تصرَّفَ النُّساخُ في كلامِهِ لفاتَ ذلك فاستحسنَهُ، وكذا صنعَ الحافظُ أبو الحسينِ اليونينيُّ في نسختِهِ بالبخاريِّ لما رمزَ عليها لرواياتِ (٢) شيوخِهِ، فإنَّه يرمزُ على الثناءِ والصلاةِ لمنْ هو في روايتِهِ، وربما كتبَ: لا ... إلى، على أولِهِ وآخرِهِ إشارةً إلى أنَّ ذلك محذوفٌ في روايةِ منْ رمزَ له. قولهُ: (أنْ يُصحَبَها) (٣) مضمومُ الياءِ منْ أصحَبَ المعدّى بالهمزةِ، قال الفارابيُّ في " ديوانِ الأدبِ " (٤) في بابِ الأفعالِ / ٢٨٤ب /: ((وأصحبتُهُ الشيءَ، أي: جعلتُهُ له صاحباً))، وما ذكرتُ ذلك مع وضوحِهِ (٥) إلا لأمرٍ. قولهُ: (في كلِّ حديثٍ سمعناهُ) (٦) المرادُ به عمومُ السلبِ، لا سلبُ العمومِ، وطريقُهُ أنَّك في الأولِ تعتبرُ النفيَ أولاً ثم تَنسبهُ إلى الكل، فيعمُّ النفيُ كلَّ فردٍ، فالمعنى هنا: انتفى تَرْكُنا للصلاةِ في كل حديثٍ، فإنِ اعتبرتَ النسبةَ إلى الكلِّ أولاً ثم نفيتَ كانَ لسلب العموم، فلا ينصبُ إلا إلى المجموعِ، حرَّرَ ذلكَ العلامةُ سعدُ الدينِ التفتازانيُّ في "شرحِ المقاصدِ" في بحثِ الرؤيةِ. قولهُ: (ويكرهُ أنْ يرمزَ) (٧) ليستْ هذه الكراهةُ على بابِها، إنمَّا المرادُ أنَّ ذلك خلافُ الأولى بالمعنى اللغوي، فإنَّ الإتيانَ بها فيه أجرٌ، وحذفها مخل بذلكَ

стр. 802

الأجرِ، وتارِكُهُ تاركٌ للأولى بهذا المعنى، لا بمعنى اندراجِهِ تحتَ عمومِ نهيٍ، وكذا قولهُ: (ويكرهُ حذفُ واحدٍ) (١) إلى آخرِهِ، قال شيخُنا: ((ويحتاجُ النوويُّ في إثباتِ الكراهةِ إلى دليلٍ؛ لأنَّهُ يُفرِّقُ بينَ الكَراهةِ وخلافِ الأولى، فحيثُ أطلقَ أحدَهما لم يحسنْ حملُهُ على الآخرِ، ولا يصحُّ الاستدلالُ بقوله تعالى (٢): ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٣)؛ لأنَّ أكثرَ ما في الواوِ التشريكُ في الحكمِ، فمنْ صلى ثم مكثَ مدةً طالتْ أو قصرتْ ثم سلمَ فقد امتثلَ))، وقالَ شيخُنا محققُ الزمانِ شمسُ الدين القاياتيُّ: ((دليل النوويِّ نقلَهُ عنِ العلماءِ، فإنَّ ذلك ظاهرٌ في الإجماعِ))، والله أعلم. قولهُ: / ٢٨٥أ / (وليسَ بمرضيٍّ فقد قال حمزةُ الكنانيُّ) (٤) غيرُ مَرضيٍّ، فإنَّ المناماتِ لا تصلحُ أنْ تكونَ أدلةً لحكمٍ شرعيٍّ، وما أحسنَ تعبيرَ ابنِ الصلاحِ عنْ ذلكَ كُلِّهِ بقولهُ: ((ثم ليجتنبْ في إثباتِها نقصينِ: أحدهما: أنْ يكتُبَها مَنقوصةً صُورةً رامِزاً إليها بحرفينِ، أو نحوِ ذلكَ. والثاني: أنْ يَكتُبَها مَنقوصةً معنىً بأنْ لا يكتبَ ((وسلمَ))، وإن وُجدَ ذلك في خطِّ بعضِ المتقدمينَ (٥)، سمعتُ أبا القاسمِ منصورَ بنَ عبدِ المنعمِ)) (٦) ثم ذكرَ مَنَامَ حمزةَ الكنانيِّ، فساق ذلك سياقاً يُفهمُ أنَّهُ من المرغبات في إثباتِ ذلك، لا أنَّه دليلٌ على الكراهةِ أو خلافُ الأولى، والله أعلم.

стр. 803

قولهُ: ٥٧٧ - ثُمَّ عَلَيْهِ الْعَرْضُ بِالأَصْلِ وَلَوْ ... إِجَازَةً أَوْ أَصْلِ أَصْلِ الشَّيْخِ أَوْ ٥٧٨ - فَرْعٍ مُقَابَلٍ، وَخَيْرُ الْعَرْضِ مَعْ ... أُسْتَاذِهِ بِنَفْسِهِ إِذْ يَسْمَعْ ٥٧٩ - وَقِيْلَ: بَلْ مَعْ نَفْسِهِ وَاشْتَرَطَا ... بَعْضُهُمُ (١) هَذَا، وَفِيْهِ غُلِّطَا ٥٨٠ - وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ حِيْنَ يَطْلُبُ ... فِي نُسْخَةٍ وَقالَ (يَحْيَى): يَجِبُ قولهُ: (إذْ يَسْمَعْ) (٢) مقطوعٌ معَ تمامِ العروضِ، وقدْ تقدمَ ما فيهِ، فلو قال: إذا استمعَ، كانَ أحسنَ. قولهُ: (المشروطة) (٣) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وجائزٌ أنْ تكونَ مقابلتُهُ بفَرْعٍ قد قُوبِلَ المقابلةَ المشروطةَ بأصلِ شيخِهِ أصْلِ السَّماعِ، وكذلكَ إذا قابلَ بأصلِ أصْلِ الشيخِ (٤) المقابَل به أصلُ الشيخِ (٥)؛ لأنَّ الغرضَ المطلوبَ أنْ يكونَ كتابُ الطالبِ مُطابقاً لأصلِ سَماعِهِ، وكتابِ شيخِهِ، فَسَواءٌ حَصَلَ ذلك بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ)) (٦). قولهُ: (لم تكتُبْ) (٧) يحتملُ - وهو أظهرُ - أنْ تكونَ ((لم)) حرفَ جزمٍ؛ فيكونُ المعنى: إنَّ ما كتبَهُ عدمٌ؛ لعدمِ نفعِهِ، ويحتملُ أنْ تكونَ استفهاميةً، وهو قريبٌ منَ الأولِ.

стр. 804

/ ٢٨٥ب / قولهُ: (وقالَ الأوزاعيُّ) (١) عندَ ابنِ الصلاحِ الشافعيِّ بدل ((الأوزاعيِّ))، فإنَّهُ قال: ((رُوِّينا عنِ الشافعيِّ الإمامِ، وعن يحيى بن أبي كثيرٍ، قالا: منْ كَتَبَ ولم يُعارضْ كمنْ دخلَ الخلاءَ ولم يَستَنْجِ)) (٢). قال الشيخُ في " النكتِ ": ((هكذا ذكرهُ المصنفُ عنِ الشافعيِّ، وإنَّما هو معروفٌ عنِ الأوزاعيِّ، وعن يحيى بن أبي كثيرٍ، وقد رواهُ عنِ الأوزاعيِّ أبو عمر ابنُ عبد البر في كتابِ " جامع بيان العلمِ " (٣) منْ روايةِ بقيةَ، عنِ الأوزاعيِّ، ومنْ (٤) طريقِ ابنِ عبد البرِ رواه القاضي عياضٌ في كتابِ " الإلماعِ " (٥) بإسنادِهِ، ومنه يأخذُ المصنفُ كثيراً، وكأنَّهُ سَبَقَ قلمُهُ من الأوزاعيِّ إلى الشافعيِّ، وأما قولُ يحيى ابن أبي (٦) كثيرٍ، فرواهُ ابنُ عبدِ البرِّ أيضاً (٧)، والخطيبُ في كتابِ "الكفايةِ" (٨)، وفي كتاب " الجامع " (٩) من روايةِ أبان بنِ يزيدَ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، ولم أرَ لهذا ذِكراً عن الشافعيِّ في شيءٍ منَ الكتبِ المصنفةِ في علومِ الحديثِ، ولا في شيءٍ منْ مناقبِ الشافعيِّ، والله أعلم)) (١٠). انتهى.

стр. 805

ووجهُ الشَّبهِ أنَّ كُلاً منهما تُركَ فيه التمام، ولا يستنكرُ هذا بكونِهِ شَبَّه المكتوب معَ شرفه بالخارجِ مع قَذَرِهِ؛ لأنّ العربَ إذا شَبَّهتْ شيئاً بشيءٍ لا ينظرُ إلا إلى وجهِ الشبهِ معَ قطعِ النظرِ عن عوارضِ كُلٍّ منَ الشيئينِ، ألا ترى إلى تشبيهِ الوحيِ بصَلصَلةِ الجرسِ (١). قال البلقينيُّ: ((فائدةٌ: أقدمُ من نُقلَ ذلك عنه عروةُ، وقد أسندَ كلامَهُ / ٢٨٦أ / وكلامَ يحيى بن أبي كثيرٍ الرامهرمزيُّ في كتابِهِ " الفاصلِ " (٢) في بابِ المعارضةِ، وفي المسألةِ حديثانِ مرويانِ عنِ النبيِّ ﷺ : أحدهما: من طريقِ عُقيلٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، عن سليمانَ بنِ زيدِ بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّهِ (٣) ﵁، قال: ((كنتُ أكتبُ الوحيَ عندَ النبيِّ ﷺ ، فإذا فرغتُ قال: اقرأهُ فأقرؤهُ، فإنْ كانَ فيه سَقطٌ أقامَهُ))، ذكره المرزبانيُّ في كتابهِ. الحديث الثاني: ذكرهُ السمعانيُّ في كتاب " أدب (٤) الإملاءِ " (٥) من حديث عطاء بنِ يسارٍ، قال: ((كتبَ رجلٌ عندَ النبيِّ ﷺ ، فقال له: ((كتبتَ))؟ قالَ: نعم، قالَ: ((عرضتَ))؟ قال: لا، قال: ((لم تكتُبْ حتى تَعرضهُ فيصحَّ))، وهذا أصرَحُ في المقصودِ إلا أنَّهُ مرسلٌ)) (٦). انتهى.

стр. 806

والحديثُ الذي ذكَرَهُ عن المرزبانيِّ ذكرَهُ الحافظُ نورُ الدينِ الهيثميُّ (١) في زوائد (٢) المعجمينِ الأصغر والأوسط (٣) للطبراني، فقال: ((حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ ابنِ نافعٍ، حدَّثنا أبو الطاهرِ بنُ السرحِ، قال: وجدتُ في كتابِ خالي، حدَّثني عقيل بنُ خالدٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، حدَّثني سعيدُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁، قال: كنتُ أكتبُ الوحيَ لرسولِ اللهِ ﷺ وكانَ إذا نزلَ عليه أخذتهُ بُرحَاءُ شديدةٌ، وعرقَ عرقاً شديداً مثل الجمان (٤)، ثم سُريَ عنه / ٢٨٦ب /، فكنتُ أدخلُ عليهِ بقطعةِ الكتفِ أو كسرةٍ فأكتبُ وهو يملي عليَّ، فما أفرغُ حتى تكادُ رِجلي تنكسرُ من ثقل القرآنِ، وحتى أقولَ: لا أمشي على رِجلي أبداً، فإذا فرغتُ، قال: اقرأهُ، فأقرؤهُ، فإنْ كانَ فيه سَقطٌ أقامهُ، ثم أخرجُ به إلى الناسِ)). فعُلمَ من هذا أنَّه سقطَ من روايةِ المرزبانيِّ: سعيد (٥)، والله الموفقُ. قولهُ: (معَ شيخِهِ بكتابهِ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((بكتابِ (٧) الشيخِ معَ الشيخِ في حالِ تحديثهِ إيَّاهُ من كتابهِ، لما يجمعُ ذلك من وجوهِ الاحتياطِ والاتقانِ منَ

стр. 807

الجانبينِ، وما لم تجتمعْ فيه هذه الأوصافُ نَقَصَ من مرتبتِهِ بقدرِ ما فاتهُ منها، وما ذكرناهُ أولى من إطلاقِ أبي الفضلِ الجاروديِّ (١) الحافظ الهرويِّ)) (٢) إلى آخره. قولهُ: (أصدقُ المعارضةِ) (٣) لا يُقالُ: ليسَ بينَ ((أصدقَ)) و ((أفضلَ)) معارضةٌ؛ لأنَّا نقولُ للكلامِ (٤) في أفضليةِ المقابلةِ إنمَّا هو في ما يصيرُ الكتابُ موثوقاً به، وهذا معنى ((أصدقُ))، وإنمَّا كانتِ الطريقُ الأولى أفضلُ؛ لأنّ المقابلةَ معَ النفس تتفرقُ فيها الفكرةُ الواحدةُ في كتابينِ، فأعلى أحوالها أنْ تكونَ كالنسخِ، وهو يحصلُ فيه السقطُ الكثيرُ وغيرُهُ، بخلافِ الأولى، فإنَّ كل الفكرةِ مجتمعةٌ في كتابٍ واحدٍ. قولهُ: (ويُستحبُّ للطالبِ) (٥) إلى آخره، عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ويستحبُّ أنْ ينظرَ معه في نُسختِهِ من حضَرَ منَ السَّامعينَ ممَّنْ ليس معهُ نُسخَةٌ، لاسيما إنْ أرادَ النَّقْلَ مِنْها)) (٦) / ٢٨٧أ /. انتهى. وعلةُ ذلكَ أنَّه أجدرُ أنْ يُفهمَ معهُ جميعُ ما يسمعُ، وحتى يصلَ ذلك المسموعُ إلى قلبِهِ منْ طريقين: السمع والبصر، كما قالَ الزبيرُ بنُ بكارٍ لولدهِ ورآه ينظرُ في كتابِ: ((يا بُني إذا نظرتَ في كتابٍ فتكلم بهِ، ليكونَ أثبتَ في قلبكَ، فإنَّه يصلُ إليكَ منْ طريقين))، (٧) أو كما قال.

стр. 808

وأما منِ اشترطَ ذلك ونحوهُ فإنمَّا كان ذلك قبلَ حدوثِ الإجازةِ عقبَ كلِّ مجلسٍ، وأمّا بعدَ وجودِها فإنَّ الأمرَ هان باعتبارِ انجبارِ ما عساهُ أنْ يفوتَ سماعَهُ بالإجازةِ، وهكذا القولُ في قوله: ((ولا يَكونَنَّ كمن إذا رأى سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأهُ عليه منْ أيِّ نسخةٍ اتفقت))، والله أعلمُ. قولهُ: (التشديد في الروايةِ) (١) قال ابنُ الصلاحِ: ((وسيأتي ذكرُ مذهبهم (٢) إنْ شاءَ اللهُ تعالى)) (٣). قولهُ: (على يَدَي غيرِهِ) (٤) كأنّهُ ثنى اليدَ إشارة إلى الاعتناءِ بالمقابلةِ. قولهُ: (ثقةً موثوقاً بضبطِهِ) (٥)، أي: قد يكون الإنسانُ ثقةً، أي: عدلاً ضابطاً لما يرويه وهو ضعيفٌ في الكتابةِ، أو لا يعلمها أصلاً، فلا بدَّ معَ ذلك منْ كونِهِ موثوقاً بضبطِهِ في المقابلةِ، أي: قد جُرِّبَ أمرهُ فيها فوجدَ شديداً. قولهُ: (على ما ينظرُ فيه) (٦) متعلقٌ بـ " المأمون "، أي: يكونُ مأموناً على الكتابِ الذي ينظرُ فيه، بسببِ صحةِ المقابلةِ. قولهُ: (وأجازهُ الخطيبُ بشرطِ) (٧) إلى آخره، قال ابنُ الصلاحِ: ((وحكى - أي: الخطيبُ - عن شيخِهِ أبي بكر البرقانيِّ أنَّه سألَ أبا بكر الإسماعيليَّ، فذكرهُ.

стр. 809

قال - أي: الخطيبُ -: وهذا هو مذهبُ أبي بكرٍ البَرْقانيِّ فإنَّه رَوَى لنا أحاديثَ كثيرةً، قال فيها: أخبرنا فلانٌ، ولم أعارِضْ بالأصلِ)) (١). / ٢٨٧ب / قولهُ: (وأنْ يُبيِّنَ عندَ الروايةِ أنَّه لم يُعارضْ) (٢)، أي: فمنْ ثمراتِ هذا أنَّه لا يتهمُ إذا ظهرَ الأمرُ بخلافِ ما رَوَى. قولهُ: (قليل السَّقطِ) (٣) رأيتُها مضبوطةً بخطِّ العلامةِ نجمِ الدينِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الدائمِ الباهيِّ الحنبليِّ في نسخةٍ بخطِّهِ، قرأها على شيخِهِ العلامةِ الحافظ تقيِّ الدينِ الدُّجْوي (٤) بالتحريكِ، وقال الصغانيُّ في " مجمع البحرين ": ((والسقطُ - بالفتحِ - السُّقوطُ))، وضبطتْ في النسخةِ بالقلمِ بفتحِ القافِ، فلعلَّ مرادَهُ ((بالفتحِ)) فتحُ أوّلِهِ، وثانيهِ الذي يعبرُ عنهُ " القاموسُ " بـ ((التحريكِ)) ثم راجعتُ " القاموس " فرأيتُهُ قال: ((والسَّقطُ - مثلثةٌ -: الولدُ لغير تمامٍ، - ثم قال: - وبالتحريكِ ما أسقطَ منَ الشيءِ)) (٥). قولهُ: (كمنْ إذا رأى) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ولا يَكونَنَّ كطائفةٍ (٧) منَ الطلبةِ إذا رأوا)) (٨) إلى آخره.

стр. 810

قولهُ: (والتَّهَوُّرُ) (١) هو كذلك أيضاً عندَ غيرِ الجوهريِّ، لكنْ هو من: تَفعَّلَ تَفعُّلاً، والذي في النَّظْمِ من بابِ: فعَّلَ تَفعيلاً، وهو يؤول إلى ما في الشرح؛ لأنَّه من: هوَّر فلاناً: إذا صرعَهُ، وهوَّر البناء: إذا نقضَهُ، فمعنى التهويرِ: الإيقاعُ، فالمعنى: لا تكنْ مهوِّراً لنفسِكَ بأنْ تجعلها بسببِ التهاونِ والتسرعِ كالشيء الساقطِ لا اختيار له في كفِّهِ عنِ الوقوعِ، والله أعلم. قولهُ: (تخريجُ الساقط) (٢)، أي: ((ويكتبُ الساقطَ، وهو اللحقُ)) في ((حاشيةِ)) الكتابِ، / ٢٨٨أ / ((يلحقُ)) ذلكَ السقطَ ((إلى)) جهةِ ((اليمينِ)) من حاشيتي الورقةِ ((مالم يكنْ آخرَ سطرٍ)) فإنَّه يلحقُ دائماً في جهةِ اليسارِ، أي: في الحاشيةِ اليُسرى، ((وليكنِ)) الساقطُ ذاهباً إلى ((فوقٍ)) أي: إلى الجهةِ العليا منَ الورقةِ، وهو طرفها الذي يلي أولَ سطرٍ فيها، ولتكنِ ((السطورُ)) في ((أعلى)) الحاشيةِ التي يكتبُ فيها بعدَ تحويلك الورقةِ، لكتابةِ الساقطِ؛ فإنَّه قد ((حسنَ)) هذا الفعل، وأعلى الحاشيةِ اليُمنى هو طرفُ الورقةِ في الصفحةِ اليمنى، وما يلي الخياطةَ في الصفحةِ اليسرى، وأعلى الحاشيةِ اليسرى بالعكسِ منْ هذا. وخَرِّجن لأجلِ هذا ((السَّقطِ)) الذي كتبتهُ خَطاً يكونُ ابتداؤهُ ((منَ)) الموضعِ الذي ((سقطَ)) الساقطُ منه ((منعطفاً)) رأسُ ذلك الخطِّ إلى جهةِ ذلك السقطِ، ((وقيلَ: صل)) أولَ السقطِ ((بخطٍ)) ممتدٍّ منَ الخطِّ الذي خرَّجْتهُ لأجلِهِ، وبعد انتهاءِ كتابةِ السَّقطِ ((اكتبْ صحَّ، أو زدْ)) بعدَ كتابكَ ((صحَّ)) ((رجعَ أو كرِّرْ)) كتابةَ ((الكلمةِ)) التي لم تسقطْ مصاحبةً للكلمة التي قبلَها منَ السَّاقطِ، يعني: اكتبْ هذه الكلمةَ التي كررتَها، وهي في الأصلِ معَ السَّاقطِ لا في مكانٍ آخرَ فـ " مع " ظرفٌ، وهي هُنا للمكانِ، وهي منصوبةٌ على الظرفيةِ، وقيلَ: الحاليةُ، منونةٌ لأجلِ
следующие страницы →