← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

والحديثُ الذي ذكَرَهُ عن المرزبانيِّ ذكرَهُ الحافظُ نورُ الدينِ الهيثميُّ (١) في زوائد (٢) المعجمينِ الأصغر والأوسط (٣) للطبراني، فقال: ((حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ ابنِ نافعٍ، حدَّثنا أبو الطاهرِ بنُ السرحِ، قال: وجدتُ في كتابِ خالي، حدَّثني عقيل بنُ خالدٍ، عنِ ابنِ شهابٍ، حدَّثني سعيدُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁، قال: كنتُ أكتبُ الوحيَ لرسولِ اللهِ ﷺ وكانَ إذا نزلَ عليه أخذتهُ بُرحَاءُ شديدةٌ، وعرقَ عرقاً شديداً مثل الجمان (٤)، ثم سُريَ عنه / ٢٨٦ب /، فكنتُ أدخلُ عليهِ بقطعةِ الكتفِ أو كسرةٍ فأكتبُ وهو يملي عليَّ، فما أفرغُ حتى تكادُ رِجلي تنكسرُ من ثقل القرآنِ، وحتى أقولَ: لا أمشي على رِجلي أبداً، فإذا فرغتُ، قال: اقرأهُ، فأقرؤهُ، فإنْ كانَ فيه سَقطٌ أقامهُ، ثم أخرجُ به إلى الناسِ)). فعُلمَ من هذا أنَّه سقطَ من روايةِ المرزبانيِّ: سعيد (٥)، والله الموفقُ. قولهُ: (معَ شيخِهِ بكتابهِ) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((بكتابِ (٧) الشيخِ معَ الشيخِ في حالِ تحديثهِ إيَّاهُ من كتابهِ، لما يجمعُ ذلك من وجوهِ الاحتياطِ والاتقانِ منَ

стр. 807

الجانبينِ، وما لم تجتمعْ فيه هذه الأوصافُ نَقَصَ من مرتبتِهِ بقدرِ ما فاتهُ منها، وما ذكرناهُ أولى من إطلاقِ أبي الفضلِ الجاروديِّ (١) الحافظ الهرويِّ)) (٢) إلى آخره. قولهُ: (أصدقُ المعارضةِ) (٣) لا يُقالُ: ليسَ بينَ ((أصدقَ)) و ((أفضلَ)) معارضةٌ؛ لأنَّا نقولُ للكلامِ (٤) في أفضليةِ المقابلةِ إنمَّا هو في ما يصيرُ الكتابُ موثوقاً به، وهذا معنى ((أصدقُ))، وإنمَّا كانتِ الطريقُ الأولى أفضلُ؛ لأنّ المقابلةَ معَ النفس تتفرقُ فيها الفكرةُ الواحدةُ في كتابينِ، فأعلى أحوالها أنْ تكونَ كالنسخِ، وهو يحصلُ فيه السقطُ الكثيرُ وغيرُهُ، بخلافِ الأولى، فإنَّ كل الفكرةِ مجتمعةٌ في كتابٍ واحدٍ. قولهُ: (ويُستحبُّ للطالبِ) (٥) إلى آخره، عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ويستحبُّ أنْ ينظرَ معه في نُسختِهِ من حضَرَ منَ السَّامعينَ ممَّنْ ليس معهُ نُسخَةٌ، لاسيما إنْ أرادَ النَّقْلَ مِنْها)) (٦) / ٢٨٧أ /. انتهى. وعلةُ ذلكَ أنَّه أجدرُ أنْ يُفهمَ معهُ جميعُ ما يسمعُ، وحتى يصلَ ذلك المسموعُ إلى قلبِهِ منْ طريقين: السمع والبصر، كما قالَ الزبيرُ بنُ بكارٍ لولدهِ ورآه ينظرُ في كتابِ: ((يا بُني إذا نظرتَ في كتابٍ فتكلم بهِ، ليكونَ أثبتَ في قلبكَ، فإنَّه يصلُ إليكَ منْ طريقين))، (٧) أو كما قال.

стр. 808

وأما منِ اشترطَ ذلك ونحوهُ فإنمَّا كان ذلك قبلَ حدوثِ الإجازةِ عقبَ كلِّ مجلسٍ، وأمّا بعدَ وجودِها فإنَّ الأمرَ هان باعتبارِ انجبارِ ما عساهُ أنْ يفوتَ سماعَهُ بالإجازةِ، وهكذا القولُ في قوله: ((ولا يَكونَنَّ كمن إذا رأى سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأهُ عليه منْ أيِّ نسخةٍ اتفقت))، والله أعلمُ. قولهُ: (التشديد في الروايةِ) (١) قال ابنُ الصلاحِ: ((وسيأتي ذكرُ مذهبهم (٢) إنْ شاءَ اللهُ تعالى)) (٣). قولهُ: (على يَدَي غيرِهِ) (٤) كأنّهُ ثنى اليدَ إشارة إلى الاعتناءِ بالمقابلةِ. قولهُ: (ثقةً موثوقاً بضبطِهِ) (٥)، أي: قد يكون الإنسانُ ثقةً، أي: عدلاً ضابطاً لما يرويه وهو ضعيفٌ في الكتابةِ، أو لا يعلمها أصلاً، فلا بدَّ معَ ذلك منْ كونِهِ موثوقاً بضبطِهِ في المقابلةِ، أي: قد جُرِّبَ أمرهُ فيها فوجدَ شديداً. قولهُ: (على ما ينظرُ فيه) (٦) متعلقٌ بـ " المأمون "، أي: يكونُ مأموناً على الكتابِ الذي ينظرُ فيه، بسببِ صحةِ المقابلةِ. قولهُ: (وأجازهُ الخطيبُ بشرطِ) (٧) إلى آخره، قال ابنُ الصلاحِ: ((وحكى - أي: الخطيبُ - عن شيخِهِ أبي بكر البرقانيِّ أنَّه سألَ أبا بكر الإسماعيليَّ، فذكرهُ.

стр. 809

قال - أي: الخطيبُ -: وهذا هو مذهبُ أبي بكرٍ البَرْقانيِّ فإنَّه رَوَى لنا أحاديثَ كثيرةً، قال فيها: أخبرنا فلانٌ، ولم أعارِضْ بالأصلِ)) (١). / ٢٨٧ب / قولهُ: (وأنْ يُبيِّنَ عندَ الروايةِ أنَّه لم يُعارضْ) (٢)، أي: فمنْ ثمراتِ هذا أنَّه لا يتهمُ إذا ظهرَ الأمرُ بخلافِ ما رَوَى. قولهُ: (قليل السَّقطِ) (٣) رأيتُها مضبوطةً بخطِّ العلامةِ نجمِ الدينِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الدائمِ الباهيِّ الحنبليِّ في نسخةٍ بخطِّهِ، قرأها على شيخِهِ العلامةِ الحافظ تقيِّ الدينِ الدُّجْوي (٤) بالتحريكِ، وقال الصغانيُّ في " مجمع البحرين ": ((والسقطُ - بالفتحِ - السُّقوطُ))، وضبطتْ في النسخةِ بالقلمِ بفتحِ القافِ، فلعلَّ مرادَهُ ((بالفتحِ)) فتحُ أوّلِهِ، وثانيهِ الذي يعبرُ عنهُ " القاموسُ " بـ ((التحريكِ)) ثم راجعتُ " القاموس " فرأيتُهُ قال: ((والسَّقطُ - مثلثةٌ -: الولدُ لغير تمامٍ، - ثم قال: - وبالتحريكِ ما أسقطَ منَ الشيءِ)) (٥). قولهُ: (كمنْ إذا رأى) (٦) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ولا يَكونَنَّ كطائفةٍ (٧) منَ الطلبةِ إذا رأوا)) (٨) إلى آخره.

стр. 810

قولهُ: (والتَّهَوُّرُ) (١) هو كذلك أيضاً عندَ غيرِ الجوهريِّ، لكنْ هو من: تَفعَّلَ تَفعُّلاً، والذي في النَّظْمِ من بابِ: فعَّلَ تَفعيلاً، وهو يؤول إلى ما في الشرح؛ لأنَّه من: هوَّر فلاناً: إذا صرعَهُ، وهوَّر البناء: إذا نقضَهُ، فمعنى التهويرِ: الإيقاعُ، فالمعنى: لا تكنْ مهوِّراً لنفسِكَ بأنْ تجعلها بسببِ التهاونِ والتسرعِ كالشيء الساقطِ لا اختيار له في كفِّهِ عنِ الوقوعِ، والله أعلم. قولهُ: (تخريجُ الساقط) (٢)، أي: ((ويكتبُ الساقطَ، وهو اللحقُ)) في ((حاشيةِ)) الكتابِ، / ٢٨٨أ / ((يلحقُ)) ذلكَ السقطَ ((إلى)) جهةِ ((اليمينِ)) من حاشيتي الورقةِ ((مالم يكنْ آخرَ سطرٍ)) فإنَّه يلحقُ دائماً في جهةِ اليسارِ، أي: في الحاشيةِ اليُسرى، ((وليكنِ)) الساقطُ ذاهباً إلى ((فوقٍ)) أي: إلى الجهةِ العليا منَ الورقةِ، وهو طرفها الذي يلي أولَ سطرٍ فيها، ولتكنِ ((السطورُ)) في ((أعلى)) الحاشيةِ التي يكتبُ فيها بعدَ تحويلك الورقةِ، لكتابةِ الساقطِ؛ فإنَّه قد ((حسنَ)) هذا الفعل، وأعلى الحاشيةِ اليُمنى هو طرفُ الورقةِ في الصفحةِ اليمنى، وما يلي الخياطةَ في الصفحةِ اليسرى، وأعلى الحاشيةِ اليسرى بالعكسِ منْ هذا. وخَرِّجن لأجلِ هذا ((السَّقطِ)) الذي كتبتهُ خَطاً يكونُ ابتداؤهُ ((منَ)) الموضعِ الذي ((سقطَ)) الساقطُ منه ((منعطفاً)) رأسُ ذلك الخطِّ إلى جهةِ ذلك السقطِ، ((وقيلَ: صل)) أولَ السقطِ ((بخطٍ)) ممتدٍّ منَ الخطِّ الذي خرَّجْتهُ لأجلِهِ، وبعد انتهاءِ كتابةِ السَّقطِ ((اكتبْ صحَّ، أو زدْ)) بعدَ كتابكَ ((صحَّ)) ((رجعَ أو كرِّرْ)) كتابةَ ((الكلمةِ)) التي لم تسقطْ مصاحبةً للكلمة التي قبلَها منَ السَّاقطِ، يعني: اكتبْ هذه الكلمةَ التي كررتَها، وهي في الأصلِ معَ السَّاقطِ لا في مكانٍ آخرَ فـ " مع " ظرفٌ، وهي هُنا للمكانِ، وهي منصوبةٌ على الظرفيةِ، وقيلَ: الحاليةُ، منونةٌ لأجلِ

стр. 811

ذكر المصطحبين قبلها، فلم يبقَ بعدَها شيءٌ تضافُ إليهِ؛ لأنَّ معنى ((كرّر الكلمةَ)) اكتبْها مَرَّةً أخرى، أي: اكتبْ الكلمةَ / ٢٨٨ب / التي لم تسقطْ - وهي التي تلي آخر الساقطِ - مع أختِها التي في الأصلِ؛ لتكونَ كلُّ واحدةٍ منهما مع أختِها في مكانٍ واحدٍ، والله أعلم. قولهُ: (وأمّا اشتقاقُهُ) (١)، أي: هذا الذي ذكرتُهُ هو اصطلاحُ أهلِ الحديثِ والكتابِ، وأمّا اشتقاقُ هذا اللفظِ من حيثُ اللغةُ، ((فيحتملُ أنَّهُ منَ الإلحاقِ))، أي: لأنَّ السَّاقِطَ لا يمكنُ أنْ يلحقَ بنفسِهِ، بل لابدَّ له منْ مُلحِقٍ، أي: ويحتملُ احتمالاً ضعيفاً أنَّهُ من ((لحقَ))؛ لأنَّه إذا ألحقَ فقد لحقَ. قولهُ: (قالَ الجوهريُّ) (٢) هوَ ابتداءُ كلامٍ آخرَ يتعلقُ بمعناهُ، لا مدخلَ لهُ في الاشتقاقِ، ويجوزُ أنْ يكونَ تأييداً؛ لاحتمالِ أنَّهُ منَ الإلحاقِ، ويكونُ يلحقُ في قوله: ((شيءٌ يلحقُ)) مبنياً للمفعولِ، وقولُ المحكمِ يدلُّ على الاحتمالينِ. قولهُ: (ويحتملُ أنَّهُ مِنَ الزيادةِ) (٣) عطفٌ على ((قال الجوهريُّ))، أي: قال الجوهريُّ: معناه كذا، ويحتملُ عِندي غير ما قالَ الجوهريُّ، وأنَّ معناهُ الزيادةُ لقولِ صاحبِ "المحكمِ" كذا، ولا تتوهم أنَّه معطوفٌ على ((يحتملُ أنَّه من الإلحاقِ)) فتقعُ في الخبطِ. قولهُ: (قال ابنُ عيينةَ) (٤) يَنبغي كشفُ المحكمِ ليتحققَ، هل هو ابنُ عيينةَ المحدِّثُ أو غيرُهُ.

стр. 812

قولهُ في الشِّعر: (وبِزَّتَهُ) (١) قال في "الصحاحِ" (٢): ((البزةُ - بالكسرِ - الهيئةُ))، وزادَ في "ديوان الأدبِ " (٣): ((والبزةُ الخِلْعةُ))، والظاهرُ أنَّ المرادَ بهذا أليقُ، فيكون من عطفِ الخاصِ على العامِ، وفي " القاموسِ " (٤): ((البزّ: الثيابُ، أو متاعُ البيتِ منَ الثيابِ ونحوها)) / ٢٨٩أ /، فيكون من عطفِ العامِ على الخاصِ وهو أليقُ، والله أعلم. قولهُ: (من وسطِ السطرِ) (٥) لو قالَ: منْ أثناءِ، كانَ أحسنَ. قولهُ: (وربما التقيا) (٦) فقد يُقالُ: إنَّهُ لا حاجةَ إلى هذا التقييدِ، فإنَّ أحدَ وجوهِ الضربِ أنْ يجعلَ أولَهُ نصفَ دائرةٍ، وآخرَهُ كذلك، وهو شبيهٌ بالتخريجِ، وقد يقالُ: إنَّه أرادَ التنبيهَ على الوجهينِ، أو إنَّ الالتقاءَ أبعدُ من صورةِ التخريجِ، فالالتباسُ فيه أشدُّ. أو إنَّ نصفَ الدائرةِ تكونُ محيطة بالكلمةِ من أعلاها وأسفلِها، بخلافِ التخريجِ فإنَّه شبيهٌ بالانعطافِ في الضربِ الذي أشارَ إليه المصنفُ. قولهُ: (ضَرْبٌ على ما بينهما) (٧) يدفعُ هذا الظنَّ كتابةَ السَّقطِ، ولا يقالُ: يحتملُ أنْ يظنَّ أنَّ ما على الحاشيةِ بدل ما في الأصلِ؛ لأنَّ ذلك الظنَّ تدفعُهُ الكتابةُ منَ الجانبينِ، والله أعلم.

стр. 813

قولهُ: (من أعلى) (١)، أي: يبتدئ أولَ سَطرٍ من الساقطِ من طرفِ الورقةِ في الصفحةِ اليمنى، وهو أبعدُ حاشيتها عن الأسطرِ التي في الأصلِ، ويصفُّ كلماتِ السطرِ؛ لينتهي في آخر الورقةِ من جهةِ الحاشيةِ الممتدةِ مع طولِ أولِ سطرٍ في الصفحةِ، ثم يكتبُ السطرَ الثاني - إنْ كانَ - تحتَ الأولِ، وهكذا حتى يكونَ ظهرَ آخر سطرٍ من الساقطِ على أوائلِ سطورِ تلكَ الصفحةِ، ولهُ أنْ يجعلَ السَّطرَ الثاني بعرضِ الحاشية الممتدة معَ أولِ سطرٍ، إنْ كانتْ خاليةً، وهكذا حتى ينتهي /٢٨٩ب/، ويوفرَ ما تحتَ بقيةِ السطرِ الأعلى منَ الحاشيةِ لسقطٍ آخرَ. قولهُ: (إلى جهةِ باطنِ الورقةِ) (٢)، أي: فيكونُ آخرُ سطرٍ فيها أقربَها إلى أوائلِ الأسطرِ التي في أصلِها. قولهُ: (بتخريجٍ) (٣)، أي: غيرِ متصلٍ بالساقطِ، أو بتخريجٍ مع اتصال، هذا إنْ كانتِ الحاشيةُ الممتدةُ مع أولِ سطرٍ في الصفحةِ مشغولةً، وإنْ كانتْ خاليةً كتبَ فيها، وهو حسنٌ جداً. قولهُ: (فحسن) (٤)، أي: فإنَّ ذلك قد حسن. قولهُ: (إلى جهةِ التخريجِ) (٥) صوابُهُ: إلى جهةِ المخرجِ لهُ، وأمَّا التخريجُ فهو فعلُ كاتبِ التخريجةِ، وهي الخطُّ المشيرُ إلى الساقطِ، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ثم يعطفُه بينَ السطرينِ عطفةً يسيرةً إلى جهةِ الحاشيةِ التي يكتُبُ فيها اللحقَ، ويبدأُ في الحاشيةِ بكتبِهِ اللحقَ مُقابلاً للخطِّ المنعطفِ)) (٦) وهي عبارةٌ حسنةٌ.

стр. 814

قولهُ: (حرفٌ واحدٌ) (١)، أي: كلمةٌ واحدةٌ (٢). قولهُ: (مما يتصلُ به الدفترُ) (٣)، أي: الكتاب، قال في " القاموسِ " (٤): ((الدفترُ، وقد تُكسرُ الدال: جماعةُ الصحفِ المضمومةِ)). قولهُ: (فربَّ (٥) كلمةٍ) (٦) إلى آخرهِ، قال شيخُنا: ((وكذلك القولُ في ((صح))، ربما انتظمَ الكلامُ بعدَها بها فيظنُّ أنّها منَ الكتابِ، والأحسنُ الرمزُ بشيءٍ لا يُقرأُ)). قلتُ: كأنْ يكتبَ صاد ((صح)) مطموساً، ولا يجعلُ لحائها تعريفةً على هذه الصورةِ ((صحـ)). قولهُ: (كالضبةِ) (٧) هذا غيرُ مرضيٍّ؛ لإشكالِهِ بالتضبيبِ الذي للتمريضِ، كما يأتي في الذي بعدَهُ. قولهُ: (وأدلُّ) (٨) قال / ٢٩٠أ / ابنُ الصلاحِ عقبه: ((وفي نفسِ هذا المخرجِ ما يمنعُ الإلباسَ، ثم هذا التخريجُ يخالفُ التخريجَ لما هو مِنْ نفسِ الأصلِ في أنَّ خطَّ ذلك التخريجِ يقعُ بينَ الكلمتينِ اللتينِ بينَهما سقطَ السَّاقطُ، وخطُّ هذا التَّخريج يقعُ على نفسِ الكلمةِ التي من أجلِها خُرِّجَ المُخَرَّجُ في الحاشيةِ)) (٩).

стр. 815

قولهُ: (التصحيحُ) (١) إلى آخرِهِ، قال ابنُ الصلاحِ: ((منْ شأنِ الحُذَّاقِ المُتقنينَ العنايةُ بالتصحيحِ والتضبيبِ)) (٢). انتهى. ولعلَّهم خصوا هذه الصورةَ بالكتابةِ على المضبَّبِ؛ لأنَّه ربما يتجهُ المعنى فيُلحقُ بها ((حاء)) فتصيرُ علامةَ التصحيحِ هكذا ((صح)). قولهُ: (الإفْلِيلي) هو أبو القاسمِ إبراهيمُ بنُ محمد بن زكريا القرشيُّ الزهريُّ من أهلِ قُرطبةَ، قال ابنُ خلكان: ((كانَ من أئمَّةِ النحوِ واللغةِ، وله معرفةٌ تامةٌ بالكلامِ على معاني الشِّعرِ، ورَوَى عن أبي بكرٍ الزبيديِّ، وكانَ مُتصدراً بالأندلسِ لإقراء الأدبِ، وُلِدَ في شوال سنة اثنتينِ وخمسينَ وثلاثمئةٍ، وماتَ آخر يوم السبتِ ثالثَ عشرَ ذي القعدةِ سنةَ إحدى وأربعينَ وأربعمئةٍ، ودُفِنَ يومَ الأحدِ بعدَ العصرِ في صحنِ مسجد خرب عندَ بابِ عامرٍ بقرطبةَ، والإفْلِيليُّ: بكسرِ الهمزةِ، وسكونِ الفاءِ، وكسر اللامِ، وسكونِ التحتيةِ، ثم لام ثانية، نسبةً إلى قرية بالشام كان أصله منها)) (٣). قولهُ: (منْ أهلِ المغربِ) (٤) قال شيخُنا: ((يمكنُ الجمعُ، وهو أنَّ قائلَ ذلك مِنْ / ٢٩٠ب / أهلِ الأدب من أهلِ المغربِ)). قولهُ: (هذا بعيدٌ) (٥) ليس ببعيدٍ؛ لأنَّه قد تقدمَ عندَ تشبيهِ الكتابةِ مع عدمِ المقابلةِ بدخول الخلاءِ مع عدمِ الاستنجاءِ أنَّ المقصودَ منَ التشبيهِ إنمَّا هوَ المعنى

стр. 816

الذي شبَّهَ من أجلِهِ لا المشابهةَ للمشبهِ به في جميعِ عوارِضِهِ، ووضحَ ذَلِكَ بتشبيهِ الوحي بصلصلةِ الجرسِ، والله أعلم. قولهُ: (جُعلت للجبر) (١) مسلّمٌ، لكنْ جَعْلُها لهُ لا يمنعُ دِلالتَها على الخللِ الذي تحتَها، وهو المرادُ منَ الاستعارةِ هنا، فهما متساويانِ في أنَّ كلاً منهما جُعلَ على خللٍ في المضببِ، وأنَّ كلا ذو خَللٍ، وصحةُ الكلمةِ من جهةِ صحةِ ورودها وفسادِ مَعناها، والإناءُ من جهةِ خَللِهِ الذي كانَ وصحته الآنَ. قولهُ: (ولم يتَّجِهْ وجْهُها) (٢) قال الشيخُ في " النكتِ ": ((فهي بضبةِ البابِ أشبه، كما تقدمَ نقلُ المصنفِ له عن أبي القاسمِ بن الإفليليِّ)) (٣). قولهُ: (بعضُ المتجاسرينَ) (٤) لعلهُ يُشيرُ إلى ما ذكرَ القاضي عياضٌ منْ أنَّ شيخَهُ هشامَ بنَ أحمدَ الوقشيَّ كانَ منْ أكابرِ العلماءِ وأهلِ اللغةِ، فكانَ إذا مَرَّ بهِ شيءٌ لم يتجهْ لهُ وجههُ أصلحهُ بما يظنُّهُ وجهاً، اعتماداً على وثوقهِ بعلمهِ في العربيةِ واللغةِ وغيرها، ثمَّ يظهرُ أنَّ الصوابَ ما كانَ في الكتابِ، ويتبيَّنُ وجههُ، وأنَّ ما غيَّرهُ إليهِ خطأٌ، وقدْ أشارَ ابنُ الصلاحِ / ٢٩١أ / إلى ذَلِكَ في " إصلاحِ الخطأ ". قولهُ: (ابنُ الصلاحِ أيضاً) (٥) عبارتهُ: ((كُتبتْ - أي: الضبَّةُ - كذلكَ، ليُفرَّقَ بينَ ما صَحَّ مُطلقاً منْ جهةِ الرِّوايةِ وغيرها، وبينَ ما صحَّ منْ جهةِ الروايةِ دونَ غيرها، فلم يُكمَّلْ عليهِ التصحيحُ، وكُتبَ حَرفٌ ناقصٌ [على حرفٍ

стр. 817

ناقصٍ] (١)، إشعاراً بنقصهِ ومرضهِ معَ صحةِ نقلهِ وروايتهِ وتنبيهاً بذلكَ لمن ينظرُ في كتابهِ على أنَّهُ قدْ وقفَ عليهِ ونقلهُ على (٢) ما هوَ عليهِ، ولعلَّ غيرهُ قدْ يُخرِّجُ لهُ وَجهاً صَحيحاً، أو يظهرُ لهُ بعدَ ذَلِكَ في صحتهِ ما لم يظهرْ لهُ الآنَ، ولو غيَّرَ ذَلِكَ وأصلحهُ على ما عندهُ لكانَ متعرِّضاً لما وقعَ فيهِ غيرُ واحدٍ من المتجاسرينَ الذينَ غيَّروا، وظهرَ الصوابُ فيما أنكروه (٣) والفسادُ فيما أصلحوه (٤))) (٥). قولهُ: (على (٦) الوجهِ) (٧) عبارة ابنِ الصلاحِ: ((على ذَلِكَ الوجهِ)) (٨). قولهُ: (منْ جهةِ المعنى) (٩) إلى آخرهِ، الذي منْ جِهةِ المعنى ولفظهُ وخَطهُ صحيحٌ واضحٌ، والذي منْ جهةِ اللفظِ فقط فكما لو قيل: إنَّ الشيءَ الفلانيَّ لَم غفلَ عنهُ، بالماضي بعدَ ((لم)) الجازمةِ، وهذا ما لم يصحَّ في العربيةِ، أو مثل ((الأجْلَلِ)) في ((الأجَلِّ)) وهو مثالٌ شاذٌ (١٠).

стр. 818

قولهُ: (لئلاَّ يُظَنَّ ضرباً) (١) إنْ قيلَ: أهل الاصطلاحِ يميزونَ بينَ الضبَّةِ والضربِ؛ لأنَّهُ ليسَ في أقسامهِ ما يشبهُ الضبَّةَ، وغيرُهم يظنُّ، سواءً اتصلَ الصادُ بالكلمةِ، أو انفصلَ، قيلَ: أمَّا منْ لا يعرفُ فلا شكَّ أنَّ ظنَّهُ عندَ / ٢٩١ب / الاتصالِ يكونُ أقوى، وأمَّا العارفُ فيظنُّ أنَّ هذا ضربٌ، وأنَّهُ ممن لا يعرفُ، فلا يرفعُ عنهُ اللبسُ جَعْلُ رأسهِ كالصادِ؛ لأنَّهُ لا يتوقَّى مثلَ هذا إلاَّ العارفُ بالمصطلحِ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: ٥٩٥ - وَمَا يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ ... كَشْطاً َوَمَحْواً وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ ٥٩٦ - وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطّاً أَوْ لاَ ... مَعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبَ (لاَ) ثُمَّ إلى ٥٩٧ - أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلاَّ صِفْرَا ... فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا ٥٩٨ - سَطْراً إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ ... أَوْلا وَإِنْ حَرْفٌ أتَى تَكْرِيْرَهْ ٥٩٩ - فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا ... اخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا ٦٠٠ - أَوِ (٢) اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ مَا لَمْ يُضِفِ ... أَوْ يُوْصَفُ اوْ (٣) نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ الكَشْطُ: القَشْطُ، قالَ الصغانيُّ في "مجمعِ البحرينِ": ((كشطتُ الجُلَّ عنْ ظهرِ الفرسِ، والغطاءَ عنِ الشيءِ: إذا كشفتهُ عنهُ، والقشطُ لغةٌ فيهِ، وفي قراءةِ عبد اللهِ: ﴿وإِذَا السَّمَاءُ قشِطَتْ﴾ (٤)، قالَ الزجاجُ: قشطتْ وكشطتْ معناهما جميعاً: قلعتْ، وكشطتُ البعيرَ كشطاً: نزعتُ جلدهُ)).

стр. 819

والمحوُ: إزالةُ المكتوبِ منْ غيرِ أخذِ شيءٍ منْ ظاهرِ المكتوبِ فيهِ. قولهُ: (كشطاً ومحواً) (١) الأحسنُ نصبُها على الحالِ، أي: ذا كشطٍ وذا محوٍ. قولهُ: (خطاً) (٢)، أي: وصلُ الضربِ بالحروفِ حالَ كونهِ خطاً. قولهُ: (أوْ لا) (٣) فيهِ ما تقدمَ منْ قطعهِ وتمامِ ضربِ السطرِ بعدهُ، ولو قالَ: أو فلا، لتمَّ، أي: صِل خَطَّ الضربِ بحروفِ الكلماتِ المضروبِ عليها، أو لا، فلا تصلهُ بها بلْ ارفعهُ عنها لكنَّ الإتيانَ بالفاءِ ليسَ لهُ فائدة إلا تمام النظمِ. وتقدير الكلام: أو إنْ كُنتَ لا تريدُ وصلَه فلا تَصلْه. قولهُ: (سطراً سطراً) (٤) حالٌ منَ المفعولِ المحذوفِ، أي: عَلِّم الزائدَ مرتباً هذا الترتيبَ. قولهُ: (بالكشطِ وهو الحكُّ) (٥) قالَ في "القاموسِ" (٦): ((الحكُّ: إمرارُ جرمٍ على جرمٍ صَكاً)) / ٢٩٢ أ /. انتهى. وهو لا يلزمُ منه أَخذُ شيءٍ منَ الورَقِ، فتفسيرُ الكشطِ بهِ فيهِ نظرٌ؛ لأنَّ الكشطَ هوَ السلخُ، وهو أنْ يقلعَ الكتابةَ معَ ما تشرَّبها منَ المكتوبِ عليهِ، ولا يفرقُ ما تحتهُ منْ أجزاءِ الورقِ، ويرخيها، وينفشها، بل يبقى بحيثُ يكتبُ عليهِ، ولا يظهرُ فيهِ فسادٌ، هذا إذا كانَ الورقُ جيداً، والسكينُ حادةً، والحكُّ ربَّما فرَّقَ الأجزاءَ وأرخاها ونفشها، فمنعَ منَ الكتابةِ على موضعهِ وإنْ كتبَ نفذَ وكانَ منظرهُ بشعاً، فكأنَّهم

стр. 820

إنمَّا قالوا ذلكَ إشارةً إلى الرفقِ بالورقِ، إنْ أمكنَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القصدَ يحصلُ بإزالةِ الكتابةِ فقطْ. قولهُ: (عنْ سُحْنُونَ) (١) هوَ بضمِّ السينِ وحُكيَ فتحُها (٢)، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ في آخرِ الكلامِ في هذا: ((وأمّا المحوُ فيقاربُ الكشطَ في حكمهِ الذي تقدَّمَ ذِكرُهُ، وتتنوعُ طرُقُهُ، ومنْ أغربِها - معَ أنَّهُ أسلمُها - ما رُويَ عن سُحنون بن سعيدٍ التنُوخيِّ الإمامِ المالكيِّ: أنَّهُ كانَ ربما كتبَ الشيءَ ثمَّ لعقَهُ (٣)، وإلى هذا يومىءُ ما رُوِّينا عن إبراهيمَ النَّخعيِّ (٤) أنَّهُ كانَ يقولُ: منَ المروءةِ أنْ يُرى في ثوبِ الرجلِ وشفتيهِ مدادٌ)) (٥). قوله: (وَرُوِّينا) (٦) مضبوطٌ في نسخٍ عديدةٍ بضمِ الراءِ وتشديدِ الواوِ مكسورةً، وهذا اصطلاحٌ لابنِ الصلاحِ سلكهُ؛ لشدةِ التَّحري، وهو أنَّهُ إذا حدَّثَ بما حملهُ، قالَ: ((رَويْنَا)) بالفتحِ والتخفيفِ، أي: نقلنا / ٢٩٢ ب / لغيرنا، وإلا قالَ بالضمِّ، أي: نقل لنا شيوخُنا. قولهُ: (وقدْ أُنبئتُ) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وأخبرني منْ أُخبرَ عنِ القاضي عياضٍ)) (٨)، فعبارتهُ دالةٌ على أنَّ بينهُ وبينَ عياضٍ اثنينِ، وعبارةُ الشيخِ عنها تدلُّ على ثلاثةٍ فهما غيرُ متساويتينِ.

стр. 821

قولهُ: (يخطُّ منْ فوقهِ) (١)، أي: بحيثُ يشقُّ الكلماتِ نصفينِ بدليلِ قولهِ: ((ويقرأُ منْ تحتهِ)) كما سيأتي. قولهُ: (سفيانُ بنُ العاصِ) (٢) قالَ: هذا الاسمُ تارةً يكونُ منْ عصى يعصي، وتارةً منْ عصا يعصو، وبنو أميَّةَ أسماؤهم منَ الثاني وكتابتهُ بغيرِ ياءٍ. قلت: أمّا عَصَى يَعصي فمن العصيانِ الذي هوَ خلافُ الطاعةِ، وأمّا عصا يعصو فمن معانٍ شتى. قالَ في "القاموسِ" (٣) ما حاصلهُ: ((عصيَ بالعصا كَرَضِيَ: أخذها، وبسيفهِ أخَذَهُ أخْذَها، أو ضَرَبَ بهِ ضَرْبَهُ بها كعصا كدعا، أو عصوتُ بالسيفِ، وعصيتُ بالعصا، أو عكسهُ، وكلاهما (٤) في كليهما، وعصاني فعَصوْتهُ: ضاربني بها فغلبتهُ، وعَصوتُ الجُرحَ: شددتهُ، والقومَ جمعتُهم على خيرٍ أو شرٍّ))، ولا يظهرُ عندي فرقٌ في الكتابةِ، فإنَّ الواويَّ واوهُ متطرفةٌ قبلها كسرةٌ، فيجبُ أن تُقلبَ ياءً، وإذا صارتْ ياءً جازَ فيها ما جَازَ في الذي منَ العصيانِ منَ الحذفِ، إلاَّ أنْ يُقالَ: إنَّ التي أصلُها الواو أولى بالحذفِ؛ لعدمِ أصالتها. قولهُ: (حتى لا يُبْشَرَ) (٥) البَشرُ القشْرُ، وهو أخذُ وجهِ / ٢٩٣ أ / البشرةِ وهو حقيقةُ الكشْطِ، وما فسّروهُ بالحكِّ إلاَّ حثاً على الرفقِ بالورقِ كما مضى، وقدْ مضى بيانُ أنَّهُ يكونُ في الغالبِ أجود منَ الحكِّ.

стр. 822

قولهُ: (لكنْ يكونُ الخطُّ مختلطاً) (١) هذا الاستدراكُ غيرُ جيِّدٍ؛ لأنَّهُ يفهم أنَّه زائدٌ على ما قالَ الرامهرمزيُّ، وليسَ كذلكَ كما مضى، ويأتي، وعبارةُ ابنِ الصلاحِ تُفهمُ أنَّ كلامَ القاضي موافقٌ لكلامِ الرامهُرمزيِّ، فإنَّهُ بعدَ أنْ حَكى عبارةَ الرامهرمزيِّ، قالَ: ((وَرُوِّيْنا عنِ القاضي عياضٍ ما معناهُ: أنَّ اختياراتِ الضابطينَ اختلفتْ في الضربِ، فأكثرُهم على مَدِّ الخطِّ على المضروبِ عليهِ مختلطاً بالكلماتِ المضروبِ عليها، ويُسمى ذَلِكَ ((الشَّق)) أيضاً، ومنهم منْ لا يخلطُهُ)) (٢) فلمْ يَسُقْهُ على وجهِ الاستدراكِ، فإنْ كانتْ عبارةُ القاضي في "الإلماعِ" خاليةً عنهُ فهوَ وجهٌ آخرُ في مؤاخذةِ الشيخِ، وإنْ كانتْ مستدركةً فحذفهُ لها يكادُ أنْ يكونَ مصرِّحاً بأنَّهُ يرى أنَّهُ لا اختلافَ بينَ قولهِ، وقولِ ابنِ خَلاَّدٍ. قولهُ: (وهو الذي يُسمَّى: الضَّربَ والشَّقَّ) (٣) قالَ المصنفُ في "نكتهِ" على ابنِ الصلاحِ: ((الشَقُّ: بفتحِ الشينِ المعجمةِ، وتشديدِ القافِ، وهذا الاصطلاحُ لا يعرفهُ أهلُ المشرقِ (٤)، ولم يذكرهُ الخطيبُ في "الجامعِ"، ولا في "الكفايةِ"، وهو اصطلاحٌ لأهلِ المغربِ، وذكرهُ القاضي عياضٌ في "الإلماعِ" (٥) ومنهُ أخذهُ المصنفُ، وكأنَّهُ مأخوذٌ منَ الشقِّ وهو الصدعُ (٦)، أو منْ شقِّ / ٢٩٣ب / العصا، وهو التفريقُ فكأنَّهُ فرَّقَ بينَ الكلمةِ الزائدةِ، وبينَ ما قبلها وبعدها منَ الصحيحِ الثابتِ بالضربِ عليها، والله أعلمُ)). (٧) انتهى.

стр. 823

قلتُ: أو يكونُ كأنَّهُ فَصلَ كلَّ حرفٍ وقعَ عليهِ الضربُ فشقَّهُ باثنينِ، وإنمَّا لَم يعرِّجِ المصنفُ على هذا؛ لأنَّهُ فهمَ منْ قولِ ابنِ خلادٍ: ((يخطُّ منْ فوقهِ)) أنّ الضربَ يكونُ على رأسِ الحروفِ لا على وسطها بدليلِ قولهِ في القولِ الثاني: ((أنْ لا يخلطَ الضرب بأوائلِ الكلماتِ))، وظاهرُ كلامهِ إنمَّا هوَ الثاني، وإلاَّ لم يكنْ لقولهِ: ((ويقرأ منْ تحتهِ)) كبيرُ فائدةٍ. قالَ المصنفُ: ((ويوجدُ في بعضِ نسخِ "علومِ الحديثِ": النشقُ، بزيادةِ نونٍ مفتوحةٍ في أولهِ، وسكونِ الشينِ، فإنْ لمْ يكنْ تَصحيفاً وتغييراً منَ النساخِ، فكأنَّهُ مأخوذٌ منْ: نشقَ الظبيُّ في حبالته إذا علقَ فيها، فكأنَّهُ إبطالٌ لحركةِ الكلمةِ وإهمالها بجعلِها في صورةِ وثاقٍ يمنعها منَ التصرفِ، واللهُ أعلمُ)) (١). قولهُ: (يعطفُ طرفي الخطِّ) (٢)، أي: حتى يكونَ كالباءِ المقلوبةِ. قولهُ: (ومثلُ هذا يصلحُ فيما صحَّ) (٣) إلى آخرهِ، كذا فعلَ اليونينيُّ في نسختهِ منَ البخاريِّ، فإنَّهُ يكتبُ على أولِ بعضِ الجملِ ((لا)) وعلى آخرِها ((إلى))، ويكتبُ عليها فيما بينَ ذَلِكَ رمزَ (٤) بعضِ الرُّواةِ، فيفهمُ أنَّ هذا الكلامَ ساقطٌ في روايةِ صاحبِ الرمزِ، ثابتٌ في روايةِ منْ سواهُ. قولهُ: (قالَ: وقد يكتفي) (٥) إلى آخرهِ / ٢٩٤ أ /، أي: بأنْ تُمدَّ العلامةُ إلى آخر ما اختصَّ صاحبُ العلامةِ بروايتِهِ.

стр. 824

قولهُ: (وآخرهُ منصوبٌ) (١)، أي: آخرُ حروفِ كلمةِ ((كُتبَ)) وهوَ الباءُ، ولو قالَ: وهو مصدرٌ منصوبٌ على نزعِ الخافضِ كانَ أحسنَ، وكذا القولُ في قولهِ: ((والفاءُ منهُ منصوبةٌ)) على أنَّ الأحسنَ في ((كُتب)) الجرُّ عطفاً على ((بضرب))، أي: وإبعادُهُ بضربٍ أجودُ أو بكتبِ ((لا)) و ((إلى))؛ لأنَّ النصبَ بنزعِ الخافضِ مذهبٌ كوفيٌ (٢). قولهُ: (والقولُ الرابعُ) (٣) عبارةُ القاضي عياضٍ عنهُ: ((ومنهم منْ يستقبحُ هذا (أي: الضربَ بقسميهِ -، ويراهُ تسويداً وتطليساً [في الكتاب] (٤) بل يحوِّق على أولِ الكلامِ المضروبِ عليهِ بنصفِ دائرةٍ، وكذلكَ في آخرهِ)) (٥). قولهُ: (والفاءُ منهُ منصوبةٌ) (٦) تقدمَ أنَّهُ لو قالَ: وهو منصوبٌ، كانَ أولى، و ((المضافُ إليهِ)) ((لا))، أي: أو بأنْ يكتبَ ((لا))، أو نصف دارةٍ. قولهُ: (ويسمِّيها صفراً) (٧) فينبغي كتابةُ الصفرينِ فوقَ أولِ الزائدِ وآخرهِ، ككتابةِ ((لا)) و ((إلى))، فإنَّ في كتابتهِ إلباساً بإرادةِ الفصلِ بينَ رؤوسِ المسائلِ، ويقوَى الإلباسُ بجعلهِ بينَ الكلماتِ معَ اختلاطهِ ببعضِ الأحرفِ غالباً، بخلافِ نصفِ الدائرةِ، فإنَّ الخطَّ لا يعسر غالباً إدخالهُ بينَ الحروفِ ثمَّ يقوسُ فوقها.

стр. 825

قولهُ: (إنَّهُ رُبَّما اكتفى) (١) هوَ بيانٌ للضميرِ البارز في قولهِ: ((حكاهُ)) (٢). قولهُ: (وقدْ أطلقَ ابنُ خلاّدٍ) (٣) هذا تكريرٌ، كانَ يغني عنهُ أنْ يقولَ: ولم يراعِ ابنُ خلاّدٍ أيضاً المضافَ ونحوَهُ، وأنْ يقولَ: وقالَ القاضي / ٢٩٤ ب / بالواوِ؛ فإنَّ حذفَها غيرُ جيّدٍ. قولهُ: (ويضرب بعدُ) (٤) معطوفٌ على ((أنْ لا يفصلَ)) (٥) أي: فينبغي أنْ لا يفصلَ بينَ المتلائمين في الخطِّ، وأنْ لا يضربَ بعدَ الانتقالِ عنِ الكلمةِ الأولى على الكلمةِ الثانيةِ، وهي المتكررةُ، بل يضربُ على الأولى إنْ كانتْ هي المتكررةُ، وكذا على الثانيةِ لئلا يفرقَ بينَ المتضايفين المتواصفينِ، سواءٌ كانتِ الكلمةُ المكررةُ أولَ السطرِ أو آخرهُ. قولهُ في قولهِ: (العملُ في اختلافِ الرواياتِ) (٦): (وَلْيَبْنِ) (٧)، أي: يجعلُ كما عَبّرَ بِهِ ابنُ الصلاحِ شبّهَ كتابةَ سطورهِ، وجمعَ حروفهِ بالبناءِ. قولهُ: (أولاً) (٨) ظرفٌ منصوبٌ (٩)، أي: في أوّلِ كتابتهِ للكتابِ، أو أوّلِ مقابلتهِ لهُ على الأصلِ المعتمدِ، ولا يجعلهُ ملفقاً منْ روايتين فأكثر؛ فإنَّ ذَلِكَ يكون

стр. 826

مُلبساً، وقد تقدّمَ غير بعيدٍ أنَّ مثل هَذَا الظرفِ إِذَا قُطِعَ عَن الإضافة ولم يُنو معناها فِيهِ يكونُ معرباً، فإنْ لَمْ يُنوَ معناها (١) ولا لفظها كَانَ الظرفُ نكرةً منونةً. قولهُ: (بكتبِ راوٍ) (٢)، أي: ليُحسن العناية بغير الرواية التي بنى عَلَيْهَا كتابَهُ، وإحسانهُ للعناية يكونُ بكتب مَا خالف رِوَايَة الأصلِ عَلَى الهامشِ، معَ كتبِ راوي ذَلِكَ عَلِيهِ حالَ كونهِ سمي فِي الكتابةِ باسمهِ صريحاً. قولهُ: (أَوْ رَمزاً) (٣) عطفٌ عَلَى محل ((راوٍ)) أَو على صفةِ المصدرِ المعلوم مِنْ سمي، أي: تسميةً صريحةً، أَوْ رمزاً، أي: ذاتَ رمزٍ إلى الرَّاوي بكتابة حرف من اسمه أَوْ أكثر يفعلُ هكذا (٤) أَوْ يكتبها فِي الأصل بحمرةٍ معَ كتابةِ اسمِ / ٢٩٥أ / راويها فوقَها صريحاً أَوْ رمزاً، هَذَا إنْ كَانَت الرواية التي بنى عَلَيْهَا الكتابَ ناقصةً، وأمّا إنْ كانتْ هِيَ الزائدةُ، فإنَّهُ يجعل عَلَى أول الزيادةِ دارةً وعلى آخرها دارةً، ويكتب فيها بَيْن الدارتينِ اسمَ الراوي الذي بُني الأصلُ عَلَى روايته. والدارةُ هِيَ المرادُ بـ ((حوَّق))، وَهُوَ فعلٌ ماضٍ بمعنى حلَّقَ، أي: جعلَ حلقةً منْ قولهم: ((حَوَّقَ عَليهِ تحويقاً)) عرّجَ (٥) عَليهِ الكَلامَ، ومنْ حاقَ بِهِ أَوْ أحاقَ، أي: أحاطَ. قولهُ: (ويقعُ الاختلافُ) (٦) المرادُ حصولُ الوقوعِ، لا يفيدُ استقبالاً ولا غيرَهُ، فإنَّ المضارعَ قَدْ يرادُ بِهِ ذَلِكَ كما ذكرهُ أبو حَيّان فِي تَفسيرِ (٧) سورة الحجِ

стр. 827

عندَ قولهِ تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ (١). قولهُ: (وإنْ كَانَ الاختلافُ بالنقصِ) (٢)، أي: بأنْ كانتِ الزيادةُ فِي روايةِ الأصلِ أعلمَ عَلَى تلكَ الزيادةِ التي فِي أصلهِ، أمَّا بأنْ يكتبَ أول اسمِ راويها صريحاً، أَوْ رمزاً عَلَى أولها، ويمدَّهُ حَتَّى يكونَ آخرُهُ عَلَى آخرِها، أَوْ بأن يحوِّق عَلَى أولها وآخرها، وَيكتُبَ اسم الراوي بَيْن الدّارتينِ، أَوْ بغيرِ ذَلِكَ. وكانَ ينبغي أنْ يَقُولَ: وإنْ كانتْ نقصاً أعلمَ، أي: ذاتَ نقصٍ كما قَالَ ((زيادةً))، ولو قَالَ: وإنْ كانتْ ناقصةً لكانَ أحسنَ منْ جهةِ الوضوحِ ... والاختصارِ، وإنْ كانتْ عبارتُهُ وافيةً بالمعنى؛ لأنَّ الاختلافَ بالنقصِ يشملُ مَا إِذَا كانتْ روايةُ الأصلِ ناقصةً، وقد تقدمَ فِي قولهِ: ((إن / ٢٩٥ ب / كانتْ زيادةً)) (٣) فتعيّنَ مَا إِذَا كانتْ زائدةً. قولهُ: (وما نقص مِنْهَا) (٤)، أي: منَ الروايةِ الَّتِيْ يقابلُ كتابه عَلَيْهَا عنِ الروايةِ التي بنى كتابهُ عَلَيْهَا: ((حوّقَ عَليهِ))، أي: حلَّقَ وأَحاطَ بحلقةٍ ودائرةٍ ((عَليهِ))، أي: فوقهُ. قولهُ: (فَقَدْ حكاهُ) (٥)، أي: كتابةَ الزائدِ بالحمرةِ كأبي ذَرٍّ الهرويِّ قَالَ ابنُ الصَلاحِ: ((مَن المشارقةِ والقابسيُّ (٦)، قَالَ: منَ المغاربةِ)) (٧).

стр. 828

قولهُ: (وذِكرِهِ) (١) هُوَ بالكسرِ: الحفظُ للشيءِ، وبالضمِ وبكسرٍ (٢) أَيْضاً التذكر. قولهُ: (الإشارةُ بالرمزِ) (٣) هُوَ بالفتحِ، قَالَ فِي " القاموس ": ((ويضم ويحركُ: الإشارة والإيماءِ بالشفتينِ أَوْ العينينِ أَوْ الحاجبينِ أَوْ الفمِ أَوْ اليدِ أَوْ اللسانِ)) انتهى. وأصلهُ الاضطرابُ منَ الثقلِ منَ الراموزِ، وَهُوَ البحرُ، وهذهِ ناقةٌ ترمزُ، أي: لا تكادُ تمشي منْ ثقلها، وذلكَ؛ لأنّ الإنسانَ إِذَا أشارَ إلى الشيءِ بشيءٍ، لا يدلُ عَلِيهِ دلالةً واضحةً وجبَ (٤) للمطَّلع عَلَى تلكَ الإشارة ثقلاً أوجبَ لَهُ اضطراباً فِي فهمِ المعنى، والله أعلم. قولهُ: (جرت) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((غلبَ عَلَى كَتَبَةِ الحَدِيْث الاقتصارُ عَلَى الرَّمزِ فِي ((حدثَنا)) و ((أخبرنا))، غيرَ أَنَّهُ شاعَ ذَلِكَ، وظهرَ حَتَّى لا يكادُ يلتبسُ)) (٦). قولهُ: (فقالوا: ((نا))) (٧) ضمّنَ القول معنى الفعلِ، أي: فكتبوا ((نا))، وأمّا القولُ الحقيقيُّ الَّذِي هُوَ النطقُ فَقَدْ تقدمَ أنهَّم لا يختصرونَ فِيهِ شيئاً منَ الحروفِ.

стр. 829

قولهُ: (قَالَ ابنُ الصلاحِ: وليسَ ذَلِكَ بحسن) (١)، أي: لأنَّهُ ربما أوهم الرّائي أنَّ الكلمةَ ((أنبأنا)) سقطَ مِنها لفظُ ((نا)) فزيادةُ / ٢٩٦ أ / الباء مضرّة. قَالَ بعضُ أصحابنا: ((ورأيتُ فِي خطِ بعض المغاربةِ اختصارَ الباءِ والراءِ وكتابتها هكذا أخ نا)). قولهُ: (قلتُ) (٢) زيادتهُ إنَّما هِيَ في (٣) مسألةِ الرمزِ، وأمّا باقي المسألةِ فذكرهُ ابنُ الصلاحِ، لكنْ بعدَ هَذَا بأوراقٍ فِي النَّوعِ الثالِث عشرَ منَ التفريعاتِ. قولهُ: (قيلَ لَهُ) (٤) ربَّما أوهمتْ أنَّ الضميرَ لابن الصلاحِ، فلو قال: قدْ حَذَفوا قيلَ لَهُ وانطقْ بذا كَانَ أحسن. قلتُ: والذي يقتضيه الذوقُ والصناعةُ عدمُ ذكر ((قيل لَهُ))؛ لأنَّ قولهُ: ((أخبركَ فلانٌ)) منْ قولهِ: ((قُرئ عَلَى فلانٍ، أخبركَ فلانٌ)) هُوَ المقروء، وَهُوَ النائبُ عَن الفاعلِ، فكأنَّهُ قيلَ: قريءَ عَليهِ هَذَا اللفظ، فلو قَالَ: قيلَ لَهُ لكانَ إعادةً لمعنى ((قرئَ عَلَى فلانٍ)) ليس فِيهِ زيادةٌ ولا حاجةٌ إلى الإعادة. أمّا قولهُ: ((قُرئ عَلَى فلان)) حَدَّثَنَا فلانٌ فَذِكرُ قَالَ فِيهِ، متّجهٌ؛ فإنَّهُ لا يقرأ عَليهِ: ((حَدَّثَنَا فلان)) بدونِ شيءٍ قبلها؛ لأنَّهُ يصيرُ الفعلُ مستنداً (٥) إلى ضمير القارئِ فينقلبُ المعنى، وإنمَّا يقولُ لَهُ: قلتم: حدَّثنا فلانٌ، أَوْ يقال لَهُ: حدَّثكم فلانٌ فيقولُ: نَعَمْ، فيصيرُ بمنْزلةِ مَا لَوْ قَالَ: حَدَّثَنَا فلانٌ.

стр. 830

قولهُ (فِي الخطِّ) (١)، أي: منْ غيرِ إشارةٍ إليها برمزٍ أَوْ حذفِها كاملةً، والإشارةُ إليها بالرمزِ. قولهُ: (فهذا يذكرُ فِيهِ: قَالَ) (٢) تتمةُ كلامِ ابنِ الصلاحِ: ((فيقال: قرئَ عَلَى فلانٍ، وقد جاءَ هَذَا مصرَّحاً بِهِ خطأً، هكذا فِي بعض مَا رُوِّيناهُ)) (٣). قولهُ: (وما أدري مَا وجهُ / ٢٦٩ ب / إنكارهِ) (٤) قَالَ شيخُنا: ((بلى إنّ وجهَ إنكارهِ لمعروفٌ، وَهُوَ أنَّ ((حدَّثَ)) بمنْزلةِ، ((قَالَ))، و ((نا)) بمنْزلةِ ((لنا)) وَهُوَ إِذَا نطقَ بـ ((قالَ)) لا يكررُها، إنما يَقُول: ((قَالَ (٥) لنا فلانٌ: حدَّثنا فلانٌ)) فليكن ((حدثنا)) كذلك يقول: ((حدثنا فلان حدثنا فلان))، وكانَ شيخُنا ينصرُ هَذَا القولَ ويرجحهُ. ويقدحُ فِيهِ أنَّ ((قَالَ)) موضوعةٌ لتحكى بِهَا الجملُ، بخلافِ ((حدّثَ)) فلا بُد لها منْ آلةٍ تهيئها لحكايةِ الجملةِ فتأملْ ذَلِكَ)). ورأيتُ بخطِّ بعضِ أصحابنا: أنَّ الشهابَ بنَ المرحل عبدَ اللطيفِ بنَ عبدِ العزيزِ بنِ يوسفَ بن أَبِي العزِ عزيزِ بنِ يعقوبَ بنِ يغمور، وبخطِّ بعضهمِ: عزيز بن دؤالةَ الحمدانيُّ الحربيُّ أخو شيخ شيخنا، يَعني: البرهانَ الحلبيَّ، وشيخهُ هُوَ أَبو العباسِ أحمد بنُ المُرَحلُ. ثُمَّ قَالَ: عنْ عَبْد اللطيفِ: ((إمامٌ نحويٌّ مقرئٌ، كَانَ فِي النحو علامةً، وكانَ يترددُ بينَ مصرَ وحلبَ فِي تجارةِ الكتبِ توفي بالقاهرةِ (٦) سنةَ أربعٍ وأربعينَ وسبعِ مئةٍ))،

стр. 831

وقالَ الصلاحُ الصفديُّ: ((كَانَ فِيهِ جمودٌ يسيرٌ، وما أعتقدُ ذَلِكَ منْ بَلادةٍ، ولكنَّهُ كانَ شديدَ التثبُتِ فِي النقلِ)). (١) انتهى. وقولُ الشَّيْخ: (والإضمارُ خلافُ الأصلِ) (٢) غايتهُ أنْ يكونَ مرجحاً للذكرِ، وأمّا أنْ يكونَ موجباً للاشتراطِ الذِي أنكرهُ ابنُ المُرحّلِ فلا. قولهُ فِي (٣) قولهِ: (وكتبوا) (٤): (قط (٥)) (٦)، أي: حسبْ، أي: فلا يقالُ: ((حا)) ولا ((تحويلَ)) ولا / ٢٩٧ أ / ((صح)) ولا غيرَ ذلكَ، وهي بفتحِ القافِ، وإسكانِ الطاءِ المهملةِ. قَالَ الصغانيُّ فِي " مجمع البحرين ": ((قطُّ، أي: بالتشديدِ معناها الزمانُ، فإذا كانتْ بمعنى حَسبُ وَهُوَ الاكتفاءُ فَهِي مفتوحةٌ ساكنةُ الطاءِ: تقولُ: رأيتهُ مرةً واحدةً فقطْ، فإذا أضفت: قلتَ: قطكَ هَذَا الشيءُ، أي: حسبكَ وقَطْني وقطِي وقط، وإنمَّا دَخلتِ النُّون ليسلمَ السكونُ الَّذِي بُني الاسمُ عَليهِ، وهذه النُّونُ لا تدخلُ الأسماءَ، وإنمَّا تدخلُ الفعلَ الماضي))، ثُمَّ قَالَ: ((وإنما أدخلوها فِي أسماءٍ مخصوصةٍ نحو قطني وقَدني ولدني، ولا يقاسُ عَلَيْهَا، فلو كانتِ النُّونُ منْ أصلِ

стр. 832

الكلمةِ لقالوا: قطنُكَ، ويقالُ: قطاط مثل قِطام، أي: حسبي)). وقالَ فِي " القاموس " (١): ((وإذا كانتْ بمعنى حَسْبُ، فقط، كعن)). انتهى. ورأيتُ بخطِ الإمامِ الطيبيِّ أنَّها بمعنى لا غيرَ (٢) عَن المطرّزيِّ (٣). قوله: (الرَّهاويُّ) (٤) وَهُوَ بفتحِ الراءِ نسبةً إلى القبيلة (٥) (٦). قَالَ فِي "القاموسِ" (٧) فِي الكلام عَلَى الرهوِ: ((وكسماءٍ حيٌّ منْ مِذحجِ منهم، فذكرَ منهم جماعةً، ثُمَّ قَالَ: الرهاويُّونَ)). انتهى. وكذا ذكرَ فتح رائِهِ الحافظُ عبدُ الغنيِّ بن سعيدٍ المصريُّ كما نقلهُ عَنْهُ بعضُ أصحابنا، وضمَّه " الصحاحُ " (٨) فإنَّهُ قَالَ: ((ورُها بالضمِ حيٌ منْ مِذحج، والنسبةُ إليهم رُهاويُّ))، وأما " القاموسُ " (٩) فَلَمْ يذكر الضمَّ إلا فِي البلدِ فإنَّهُ قَالَ: ((وكهُدى بلد))، وعدَّ جماعةً مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: ((الرّهاوّيون)).

стр. 833

قولهُ: (إِذَا وصلَ إليها / ٢٩٧ ب /: الحديثَ) (١) تتمةُ حكايةِ ابنِ الصلاحِ عنْ هَذَا المغربيِّ: ((وذكرَ لِي أنَّهُ سمعَ بعض البَغداديِّيْنَ يذكرُ أَيْضاً أنَّها حاءٌ مهملةٌ، وأنَّ منهم من يقولُ: إِذَا انتهى إليها فِي القراءةِ ((حا)) ويمرُّ)) (٢) (٣).

стр. 834

كتابة التَّسْمِيعِ قولهُ: (التَّسميعُ) (١) هُوَ من سَمَّعهُ تَسْميعاً إِذَا نَسبهُ إلى السَّماعِ، مثل: فسّقهُ إِذَا نسبه إلى الفسقِ، والمعنى أنَّ الضابطَ يكتب أسماءَ السامعينَ مثبتاً لهم السماعَ وناسباً لَهُ إليهم. قولهُ: (أَوْ جَنْبَها) (٢)، أي: إلى جنبِ البسملةِ منْ يمينها أَوْ يسارِها. قولهُ: (الطُّرَّةُ) (٣) هُوَ بضمّ الطاءِ المهملةِ، ثُمَّ راءٍ مهملةٍ مشدّدةٍ. هِيَ حاشيةُ الكتابِ، قَالَ فِي "القاموسِ" (٤): ((وبالضمِّ جانبُ الثوبِ الَّذِي لا هُدْبَ لَهُ وشفيرُ النَّهرِ والوادي، وطرفُ كلِّ شيءٍ وحرفهُ)). قولهُ: (آخرَ الجزءِ) (٥)، أي: عقبَ الكتابةِ، وإنْ لم يكتبْ ذَلِكَ عقبَ الكتابةِ كتبَ فِي ظهرِ الورقةِ التي فِي آخرهِ أَوْ التي فِي أوّلِهِ. قولهُ: (بخطٍّ عرفا) (٦) بدل أي: بخطِّ منْ يثقُ بِهِ منَ (٧) الناسِ بخطٍّ مِنْهُ معروفٌ لهم أَنَّهُ خطُّهُ؛ لأنَّهُ ربما يكونُ موثوقاً بِهِ فِي نفسهِ ولا يكون خطُّهُ معروفاً بأنْ لا يكتبَ اسمهُ مبيّناً أنَّ الخطَّ لَهُ فلا يُعرفُ أَنَّهُ هُوَ الكاتبُ. قولهُ: (فينبغي أنْ يكتبَ فوقَ ظهر (٨) التسمية) (٩)، أي: التي فِي أولِ

стр. 835

الكتابِ كما يوجدُ فِي بعضِ الكتبِ القديمةِ. قَالَ شيخُنا: ((يكتُبُ أسماءهم مجرّدةً عندَ الشروعِ فِي القراءةِ، فإذا فرغَ القراءةَ كتبَ قبلَ أسمائِهم: سمعَ هَذَا / ٢٩٨ أ / الجُزءَ، ويكتبُ بعدَ أسمائِهم: عَلَى فلانٍ الفلانيِّ بقراءةِ فلانٍ فِي تأريخِ كذا، ومكانِ كذا، وإنْ شاءَ لَمْ يذكر المسمع. وتكونُ كتابتهُ لَهُ فِي أولِ الجزءِ بعدَ البسملةِ كافياً فِي تعريفِ أنَّ السّماعَ عَليهِ، وإن شاء كتبَ اسمَ الشَّيْخ قَبْلَ أسماءِ السامعينَ بعدَ الفراغِ منَ القراءةِ)). قولهُ: (معهُ) (١) لا يُقالُ: إنَّهُ يفهمُ أَنَّهُ إِذَا انفردَ بالسَّماعِ فلمْ يسمعْ معهُ أحدٌ، لا يكتبُ سماعهُ، بل يكتبهُ وإنْ لَمْ يشاركهُ أحدٌ. فعلَ ذَلِكَ الحافظُ أبو طاهرٍ السِّلفيُّ. قولهُ: (فكلاهما) (٢)، أي: الكتابةُ قبلَ البسملةِ، والكتابةُ فِي الحاشيةِ سواء كَانَتْ اليُمنى أَوْ اليسرى، وكذا نُقِلَ الأمرانِ عنِ السِّلفيِّ، وربما كتب فيما هُوَ كالوقايةِ للجُزء، وَهُوَ المرادُ بقولهِ: ((ظهرهُ)). قولهُ: (فِي الَّذِي يليهِ) (٣) المرادُ الَّذِي يلي آخر المجالسِ، أي: بعدَ المجلسِ الأخيرِ، وإنْ كانتِ العبارةُ بعيدةً منْ ذلكَ، ويدلُ عَلَى أنَّ المرادَ ذَلِكَ: قولهُ: (كما حكيتُ فِي أول الجزء) (٤)، أي: يفعلُ فِي آخرهِ إنْ شاءَ، أَوْ فِي أوّلِهِ. قولهُ: (بكتبتهِ) (٥) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((كتبةُ التَّسميعِ حيثُ ذكرهُ -

стр. 836

يعني: الخطيبَ - أحوطُ، وأحرى أنْ لا يخفى عَلَى منْ يحتاجُ إِلَيْهِ، ولا بأسَ بكتبتهِ)) (١) إلى آخرهِ. قولهُ: (أي: التسميعِ) (٢)، أي: كتابتهُ أسماءَ السامعينَ منسوباً إليها سماعُ مَا لكلٍ مِنْهَا كما تقدَّمَ أنَّ المرادَ بالتسميعِ نسبةُ السامعينَ إلى السماعِ. قولهُ: (الحذرُ (٣)) (٤) قَالَ ابنُ الصلاحِ قبلهُ: ((ثُمَّ إنَّ عَلَى كاتبِ التَّسميعِ التحرِّيَّ / ٢٩٨ ب / والاحتياطَ، وبيانَ السَّامعِ والمسموعِ، والمسموع مِنْهُ، بلفظٍ غيرِ مُحْتَمل، ومجانبةِ التساهلِ فيمنْ يثبتُ اسمهُ، والحذرَ منْ إسقاطِ)) (٥) إلى آخره. قولهُ: (الثقاتُ) (٦) قَالَ ابنُ الصلاحِ عقبهُ: ((وقد حدَّثني بمروَ الشيخُ أبو المُظفَّرِ بنُ الحافظِ أَبِي سَعْدٍ المروزيُّ (٧)، عَن أَبِيه، عَمَّن حدَّثهُ منَ الأصبهانيَّةِ: أنَّ عبدَ الرَّحْمَان بنَ أَبِي عَبْد اللهِ بن منده قرأ ببغدادَ جُزءاً عَلَى أَبِي أحمدَ الفَرَضيِّ (٨)، وسألهُ خطَّهُ ليكونَ حُجَّةً لَهُ، فَقَالَ له أبو أحمد: يَا بُنيَّ عليكَ بالصِّدقِ، فإنَّكَ إِذَا عرفْتَ بِهِ لا يُكذِّبُكَ أحدٌ، وتُصدَّقُ فيما تقولُ وتنقلُ، وإذا كانَ غير ذَلِكَ فلو قيل

стр. 837

لََكَ: مَا هَذَا خطُّ أَبِي أحمدَ الفرضيِّ مَاذا تقولُ لهم؟)) (١). قولهُ: (وَليُعرِ) (٢) اللامُ فِيهِ للأمر الندبيِّ و ((المسمى بِهِ)) بإسكانِ السينِ منْ أسمى بمعنى: سمَّى. قَالَ فِي "الصحاحِ" (٣): ((سميتُ فلاناً زيداً، وسميتهُ بزيدٍ ... بمعنىً، وأسميتهُ مثلهُ)). والباء فِي ((بِهِ)) (٤) ظرفيّة، أي: يندبُ لَهُ أنْ يعيرَ كتابهُ ممن كتبَ اسمهُ فِيهِ. قولهُ: (وإنْ يَكُنْ) شرطٌ جَزَاؤهُ ((فَقَدْ رأى))، والمعنى هَذَا إنْ كَانَ سماعُهُ مكتوباً بخطِ غير المالكِ، وإنْ يكنْ بخطِهِ إلى آخرهِ. قولهُ: (فرضها) (٥)، أي: العارية. قولهُ: (سِيْلوا) (٦) بكسرِ السينِ، وسكونِ الياء، أصلهُ سُئلوا بضمٍ ثُمَّ ... همزٍ، وزنِ قُتلِوا ثُمَّ خُففَ بحذفِ الهمزةِ فبقيت الياءُ مكسورةً فنقلتْ حركتُها لثقلِها عَلَيْهَا إلى السِّين، هَذَا عَلَى مذهبِ سيبويه (٧)، / ٢٩٩ أ / وأما منْ يكتُبها بالواو فيحذف

стр. 838

الهمزةَ فتصير عَلَى الواو، فيفعَل مَا فُعِلَ (١) فِي ((قول)). قولهُ: (عَلَى الرِّضَا بِهِ) (٢)، أي: يضبطُ سماعَهُ، وإنْ لَمْ يتقدمْ لَهُ ذكرٌ ليعودَ عَليهِ الضميرُ، وإذا رضي بضبطِ سماعهِ عندَهُ فكأنَّهُ قَدْ تحمّلَ لَهُ شهادةً، وإذا تَحمّلَ لَهُ شهادةً وجبَ عَليهِ أداؤها فِي وقتِ الحاجةِ. قولهُ: (دلّ) (٣) و (تحَمَّلَ) (٤) فيهما القطعُ وَهُوَ حذفُ ساكنِ الوتد منْ مُستفعلن، وإسكانُ متحرّكهِ، وَهُوَ جائزٌ فِي مشطورِ (٥) الرجزِ، لكنَّهُ مَعَ الخَبنِ ثقيلٌ. فلو قَالَ ((بدلَ))، وَقَالَ فِي آخر قسيمه ((لَهُ حمل)) لسلمَ منْ ذَلِكَ فكانَ أخفَّ. قولهُ: (مَا لَمْ يُبنْ) (٦) رأيتُها فِي غير نسخةٍ - مِنْهَا واحدةٌ عَلَيْهَا خطُ المصنف - بالمقابلةِ مضبوطةٌ بضمِ حرفِ المضارعةِ مبنياً للمفعول، منْ أبانَ ليسلمَ من التوجيهِ، وَهُوَ اخْتِلاَف حركةِ مَا قبلِ الرويِّ المقيَّدِ. قولهُ: (استحباباً) (٧) عبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((ثُمَّ إنْ ثبت (٨) سماعهُ فِي كتابهِ فقبيحٌ بِهِ كتمانهُ إيَّاهُ، ومنعهُ منْ نَقلِ سماعِهِ، ومن نَسْخِ الكتابِ)) (٩).

стр. 839

قولهُ: (لا يجيءُ فِي هَذَا البابِ حُكمٌ أحسنُ منْ هَذَا) (١) قَالَ شيخُنا: ... ((لا يقتضي هَذَا ترجيحاً لإمكانِ أنْ يكونَ رأى تساويَ القولِ بالوجوبِ، والقول بعدمهِ عندهُ، ولَمْ يرجحْ أحدَهما فإنَّهُ لَمْ ينف بقولهِ: ((أحسنَ)) إلا الزائدَ فِي الحسنِ، وربما أرشدتْ علتهُ إلى ذَلِكَ؛ لأنَّ رضاهُ فِي أول الأمرِ لا يوجبُ الدوامَ ولا يكونُ سبباً / ٢٩٩ ب / فِي إيجابِ بذلِ مالهِ)) (٢). قلتُ: وقد تقدمَ فِي أولِ منْ صنّفَ فِي الصحيحِ أنَّ مثلَ هَذَا صارَ فِي العرفِ اللغويِّ مفهماً للتفصيلِ. قولهُ: (ألزمناكَ) (٣)، أي: بإعارتهِ لَهُ لينقلَهُ مِن كتابكَ. قولُهُ (أعفيناكَ مِنهُ)، أي: منَ الإلزامِ، بأنْ تُعِيرَهُ كتابَكَ لينقلَ مِنْهُ سماعه. لا يقالُ: يلزمهُ وإنْ كانَ بخطِ غيرهِ؛ لأنَّ تمكينَهُ منْ وضعهِ فِي كتابهِ دالٌ عَلَى رضاهُ فهو المسلِّطُ حينئذٍ لكاتبهِ عَلَى كتابتهِ فيصيرُ كما لَوْ كانَ بخطهِ سواءٌ؛ لأنَّهُ يُقالُ: قَدْ يكتبُ فِي كتابهِ بغيرِ إذنهِ فيحتاجُ إلى بيانِ إذنٍ والرضا. قولهُ: (وَقَالَ غيرهُ) (٤)، أي: غيرُ الزبيريِّ: ((ليس بشيءٍ)) (٥)، أي: إنَّ كتابتَهُ بيدهِ اسمُ غيرهِ فِي كتابهِ، لا يوجبُ عَليهِ إعارتَهُ لَهُ؛ لأنَّ إعارتَهُ توجبُ إسقاطَ روايةِ المعيرِ منْ كتابهِ بعدَ إخراجهِ منْ يدهِ عندَ منْ يُشدّدُ فِي ذَلِكَ لا سيّما إنْ كَانَ ضريراً، وإنْ كَانَ الصوابُ خلافَ هَذَا المذهبِ.

стр. 840

قولهُ: (بما حَوتْهُ) (١)، أي: مَعَ مَا حوَتْهُ منْ بذلِ مالٍ ونفسٍ. قولهُ: (بالسّعيِّ إلى مجلسِ الحُكمِ) (٢) قَدْ يفرقُ بَيْنَهُمَا بأنَّ الشهادةَ يلزمُ تحمُّلُها، وإنْ لَمْ يرضَ السامعُ ولا استُرعي فِي أمرها، بل إِذَا سمعَ شخصٌ شخصاً يُقرُّ لآخرَ بدينٍ وجبَ عَليهِ الأداءُ بخلافِ السّماع فإنَّ الاتفاقَ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَم يكتبْ بخطِ صاحبِ الكتابِ لا تجبُ إعارتهُ. قولهُ فِي كلامِ الفضيلِ: (ليس منْ فَعال) (٣) بفتحِ الفاءِ اسمُ الفِعْل الحسنِ والكَرمِ قالهُ فِي / ٣٠٠ أ / "القاموسِ" (٤)، وَقَالَ: ((أَوْ يكون فِي الخيرِ والشرِّ وَهُوَ مخلصٌ لفاعلٍ واحدٍ، وإذا كَانَ بينَ فاعلينِ، فهو فِعالٌ بالكسرِ، وَهُوَ أَيْضاً جمعُ فِعْلٍ)). قَالَ فِي "العُباب": ((مثلُ قَدَحٍ وقداحٍ وبئرِ وبِئارٍ، والفَعَال، أي: بالفتحِ أَيْضاً مصدرٌ مثلَ ذهبَ ذهاباً)). وَقَالَ ابنُ الأعرابيِّ: ((الفَعال: بالفتحِ فعلُ الواحدِ خاصةً فِي الخيرِ والشرِ، يقال: فلانٌ كريمُ الفعالِ، وفلانٌ لئيمُ الفَعالِ، قَالَ: والفِعالُ بكسرِ الفاءِ إِذَا كانَ الفعلُ بَيْن الاثنين يعني مثلَ القتالِ، والذي ذكرُهُ الجوهريُّ منْ قصرِ الفَعالِ بالفتحِ عَلَى الكرمِ، قولُ الليثِ)). وقالَ الأزهريُّ: ((وهذا الَّذِي قالَهُ ابنُ الأعرابيِّ هُوَ الصوابُ، لا مَا قالَهُ الليثُ، يقال: فلانٌ حسنُ الفَعالِ، وفلانٌ سيءُ الفعالِ)) قالَ: ((ولستُ أدري لم قَصَرَ الليثُ الفَعالَ عَلَى الحسنِ دون القبيحِ؟)).

стр. 841

وقالَ المبردُ: ((الفَعَالُ يكونُ فِي المدحِ والذمِ))، قَالَ: ((وَهُوَ مخلص لفاعلٍ واحدٍ)). وعبارةُ الفضيل عَلَى مَا حكاهُ ابنُ الصلاحِ: ((ليس فعال (١) أهلِ الورعِ، ولا منْ فعالِ الحُكماءِ أنْ يأخذَ سماعَ رجلٍ فَيَحبسَهُ، ومنْ فعلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نفسَهُ)) (٢)، وفي روايةٍ: ((ولا منْ فعال العلماءِ أنْ يأخذَ سماعَ رجلٍ وكتابَهُ فيحبسهُ عَليهِ (٣) ومنْ فعلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظلمَ نفسَهُ)) (٤). قَالَ الشيخُ محيي الدين النوويُّ فِي مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " (٥) فِي فصلٍ فِي آداب مشتركةٍ بَيْن العالمِ والمتعلمِ: ((ولا يرتضي الاستعارة مَعَ إمكانِ التحصيلِ بالملكِ، فإنِ استعاره / ٣٣٠ ب / لَمْ يبطءْ بِهِ لئلا يفوّتَ الانتفاعَ بِهِ عَلَى صاحبهِ، ولئلا يكسلَ عنْ تحصيلِ الفائدةِ مِنْهُ، ولئلا يمتنعَ منْ إعارتهِ غيرهُ)). وقد جاءَ فِي ذمِ الإبطاءِ بردِّ الكُتبِ المستعارةِ عَنِ السَّلفِ أشياءُ كثيرةٌ نثراً ونظماً رَويناها فِي كتابِ الخطيبِ "الجامعُ لآدابِ الراوي والسامعِ" قَالَ الخطيبُ: ((وبسببِ حبسِها امتنعَ غيرُ واحدٍ منْ إعارتها)) ثُمَّ رَوَى فِي ذَلِكَ جُملاً عَن السَّلَفِ وأنشدَ فِيهِ أشياءَ كثيرةً، والمختارُ استحبابُ الإعارةِ لمنْ لا ضررَ عَليهِ فِي ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إعانةٌ عَلَى العلمِ مع مَا فِي مطلق العارية منَ الفضلِ. روينا عَن وكيع: ((إنَّ بركةَ الحَدِيْث إعارةُ الكتبِ)) وعنْ سفيانَ الثَوريِّ: ((منْ بخلَ بالعلمِ ابتُلي بإحدى ثلاثٍ: أنْ ينساهُ، أَوْ يموتَ ولا ينتفعُ بِهِ، أَوْ تذهبَ كتبهُ)).

стр. 842

وَقَالَ رجلٌ لأبي العتاهية: ((أعرني كتابكَ، قَالَ: إني أكرهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أما علمتَ أنَّ المكارمَ موصولةٌ بالمكارِهِ))، فأعارهُ. ويستحبُّ شكرُ المعير لإحسانِهِ)) انتهى مَا فِي "شرحِ المهذبِ". قولهُ: (وكذلكَ لا ينبغي) (١) عبارةُ ابن الصلاحِ: ((وهكذا لا يَنبغي لأحدٍ أنْ ينقلَ سماعاً إلى شيءٍ منَ النُسخِ أَوْ يثبتَهُ فيها عندَ السَّماعِ ابتداءً إلا بعدَ المقابلةِ المرضيَّةِ بالمسموعِ، لئلا يغتَرَّ أحدٌ بتلكَ النُّسخةِ غيرِ المقابلةِ، إلا أنْ يُبيِّن مَعَ النَّقلِ، وعندهُ كَوَن النُسخةِ غيرَ مقابلةٍ، والله أعلم)) (٢) (٣). قوله: (رواية الحديث وأدائه) (٤) الظاهرُ أنّ معناهما واحدٌ من حيثُ صدقُهما على تبليغِ الحديث إلى الغيرِ.

стр. 843

قالَ في "القاموسِ" (١): ((أدَّاهُ تَأدِيَةً أوصَلهُ، وَقَضَاهُ، والاسمُ: الأداءُ)). وقالَ ابنُ طريف (٢) في كتابِ " الأفعالِ " (٣): ((رَوَى الحديثَ والشعرَ روايةً، حفظهُ ونقلهُ)). وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وشرط أدائِهِ، ومَا يَتَعلَّقُ بذلكَ، وقدْ سبقَ بيانُ كثيرٍ منهُ في ضمنِ النَّوعينِ قَبلهُ)) (٤). انتهى. وهي عبارةٌ حسنةٌ جداً في الجمعِ بين الروايةِ والأداءِ. والنوعانِ: التسميعُ، والرمزُ، ثم قالَ: ((شدَّدَ قَومٌ في الرِّوايةِ فأفرطُوا، وتَساهَلَ فيها آخرونَ فَفرَّطُوا، ومِنْ مذاهبِ التَّشدِيدِ - فَذكرَ ما ذكره الشيخُ عن أبي حنيفةَ ومن معهُ (٥) -، ثم قالَ: وقدْ سَبقَتْ حِكَايتُنا لِمذاهِبَ عنْ أهلِ التَّسَاهُلِ، وإبطَالُها، في ضمنِ ما تقدَّمَ منْ شرحِ وجوهِ الأخذِ والتَّحمُّلِ. ومِن أهلِ التَّساهُلِ قومٌ سمِعُوا كُتباً مُصنَّفةً وتَهَاونُوا، حتى إذا طَعنُوا في السِّنِّ واحتيجَ إليهمْ، حَملَهمُ الجهلُ والشَّرَهُ على أن رَوَوْهَا منْ نسخٍ مُشتَراةٍ أو مُسْتَعارةٍ غيرِ مُقَابَلَةٍ، فَعَدَّهُمُ الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ في طبقاتِ المجروحينَ. قالَ: ((وهُمْ يتوهَّمُونَ أنَّهم في روَايَتِها صَادِقُونَ. وقال: هذا مِمَّا كَثُرَ في الناسِ، وتعاطَاهُ قومٌ منْ أكابرِ العلماءِ والمعرُوفينَ بالصَّلاحِ)) (٦).

стр. 844

قال: ((ومنَ المتَسَاهلينَ: عبدُ اللهِ بنُ لهيعَةَ (١) المصريُّ تُرِكَ الاحتجَاجُ بهِ معَ جلالَتهِ؛ لِتَسَاهُلِهِ. ذُكرَ عن يَحيَى بنِ حَسَّانَ (٢): أنَّهُ رَأَى قَوْماً مَعَهُمْ جُزْءٌ سَمِعُوهُ مِن ابنِ لهيعَةَ، فنظرَ فيهِ فإذا ليسَ فيهِ حديثٌ واحدٌ منْ حديثِ ابنِ لهيعَةَ، فجاءَ إلى ابن لهيعَة فأخبرَهُ بذلكَ، فقالَ: ما أصنَعُ، يَجِيئونَ بِكتابٍ فَيقُولونَ هَذا مِنْ حديثكَ؛ فأحَدّثُهُمْ بهِ (٣). ومثلُ هذا واقِعٌ منْ شُيُوخ زَمَانِنا (٤) يجيءُ إلى أحَدِهِمْ الطَّالِبُ / ٢١٠ أ / بِجُزْءٍ أو كتابٍ فيقولُ: هذا روايتُكَ، فَيُمَكِّنُهُ من قراءتِهِ عليهِ مُقلِّداً لهُ من غيرِ أنْ يَبحثَ بحيثُ تحصُلُ لهُ الثِّقَةُ بصِحَّةِ ذلكَ. والصَّوابُ ما عليهِ الجمهورُ، وهوَ التَّوسُّطُ بينَ الإفْرَاطِ والتَّفريطِ)) (٥). قولهُ: (المَنْعُ) (٦)، أي: منعُ الروايةِ للكتابِ دون الحفظِ، وإن رأى سماعَهُ في كتابٍ وتذكّرَهُ جازتِ الروايةُ، بأن يحفظَ حينئذٍ المسموعَ إن لم يكنْ يحفظُهُ ويرويهِ، وإن لم يذكرْهُ لم يجزَ لهُ روايةَ المسموعِ، لا حفظاً ولا غيرَهُ، كالشّهادةِ.

стр. 845

قولُه: (الوَاسِعِ) (١)، أي: إنّ هذا البابَ أوسعُ من بابِ الشَّهادةِ. قوله: (وثبوتِ الحجَّةِ بهِ) (٢) زيادةٌ زادَها الشّيخُ [على] (٣) ابن الصلاح، وهي لا تتأتَى على مذهبهِ، إلا إنْ كانَ صحّحَ ذلكَ الحديثَ إمامٌ بالشرطِ الذي تقدَّمَ عنه في بحثِ الصَّحيحِ. قوله: (أنَّهُ لا حجَّةَ) (٤)، أي: وإذا لم يكن فيه حجةٌ، فلا تجوزُ لهُ روايتُهُ؛ لِئلا يوقعَ غيرَهُ في الاحتجاجِ بهِ، اللهمَّ إلاّ أن يُبيِّنَ الحالَ عندَ روايتهِ. قولهُ: (وتذكُّرِه) (٥)، أي: يجمعُ بينَ الحفظِ وتذكُّرِ تحمُّلهِ عندَ أدائهِ. لا أنه يكونُ مُستديماً لذلكَ من حينِ التحمُّلِ إلى حينِ الأداءِ، فإذا تحمّلَهُ ثم رأى سماعَهُ له بعدَ حينٍ، فإن كانَ حافظاً للمسموعِ غيرَ ذاكرٍ للسَّماعِ لم تجز الروايةُ، وإنْ كان ذاكراً غيرَ حافظٍ، وأراد أنْ يرويَ، تحفّظ ورَوَى من حفظهِ. هذا الذي تعطيه هذهِ العبارةُ، وكنتُ سمعتُ عن أبي حنيفة: - وهو المرادُ في النّظمِ بقولهِ: ((نُعْمَانٍ)) (٦) - أنَّه يشترطُ أنْ يدومَ حافظاً للحديثِ، ذاكراً للسّماعِ، من حينِ التحمّلِ، إلى حينِ الأداءِ، فاللهُ أعلم. قوله: (والصوابُ كما قالَ ابنُ الصلاح: الأولُ) (٧) وهو ما عليه الجمهور، ولم ينظمِ الشَّيخُ ذلكَ، ورأيتُ عن شَيخِنا الحافظِ برهانِ الدِّينِ الحلبيِّ أنَّه نظمَهُ فقالَ:
следующие страницы →