← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقالَ المبردُ: ((الفَعَالُ يكونُ فِي المدحِ والذمِ))، قَالَ: ((وَهُوَ مخلص لفاعلٍ واحدٍ)). وعبارةُ الفضيل عَلَى مَا حكاهُ ابنُ الصلاحِ: ((ليس فعال (١) أهلِ الورعِ، ولا منْ فعالِ الحُكماءِ أنْ يأخذَ سماعَ رجلٍ فَيَحبسَهُ، ومنْ فعلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نفسَهُ)) (٢)، وفي روايةٍ: ((ولا منْ فعال العلماءِ أنْ يأخذَ سماعَ رجلٍ وكتابَهُ فيحبسهُ عَليهِ (٣) ومنْ فعلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظلمَ نفسَهُ)) (٤). قَالَ الشيخُ محيي الدين النوويُّ فِي مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " (٥) فِي فصلٍ فِي آداب مشتركةٍ بَيْن العالمِ والمتعلمِ: ((ولا يرتضي الاستعارة مَعَ إمكانِ التحصيلِ بالملكِ، فإنِ استعاره / ٣٣٠ ب / لَمْ يبطءْ بِهِ لئلا يفوّتَ الانتفاعَ بِهِ عَلَى صاحبهِ، ولئلا يكسلَ عنْ تحصيلِ الفائدةِ مِنْهُ، ولئلا يمتنعَ منْ إعارتهِ غيرهُ)). وقد جاءَ فِي ذمِ الإبطاءِ بردِّ الكُتبِ المستعارةِ عَنِ السَّلفِ أشياءُ كثيرةٌ نثراً ونظماً رَويناها فِي كتابِ الخطيبِ "الجامعُ لآدابِ الراوي والسامعِ" قَالَ الخطيبُ: ((وبسببِ حبسِها امتنعَ غيرُ واحدٍ منْ إعارتها)) ثُمَّ رَوَى فِي ذَلِكَ جُملاً عَن السَّلَفِ وأنشدَ فِيهِ أشياءَ كثيرةً، والمختارُ استحبابُ الإعارةِ لمنْ لا ضررَ عَليهِ فِي ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إعانةٌ عَلَى العلمِ مع مَا فِي مطلق العارية منَ الفضلِ. روينا عَن وكيع: ((إنَّ بركةَ الحَدِيْث إعارةُ الكتبِ)) وعنْ سفيانَ الثَوريِّ: ((منْ بخلَ بالعلمِ ابتُلي بإحدى ثلاثٍ: أنْ ينساهُ، أَوْ يموتَ ولا ينتفعُ بِهِ، أَوْ تذهبَ كتبهُ)).

стр. 842

وَقَالَ رجلٌ لأبي العتاهية: ((أعرني كتابكَ، قَالَ: إني أكرهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أما علمتَ أنَّ المكارمَ موصولةٌ بالمكارِهِ))، فأعارهُ. ويستحبُّ شكرُ المعير لإحسانِهِ)) انتهى مَا فِي "شرحِ المهذبِ". قولهُ: (وكذلكَ لا ينبغي) (١) عبارةُ ابن الصلاحِ: ((وهكذا لا يَنبغي لأحدٍ أنْ ينقلَ سماعاً إلى شيءٍ منَ النُسخِ أَوْ يثبتَهُ فيها عندَ السَّماعِ ابتداءً إلا بعدَ المقابلةِ المرضيَّةِ بالمسموعِ، لئلا يغتَرَّ أحدٌ بتلكَ النُّسخةِ غيرِ المقابلةِ، إلا أنْ يُبيِّن مَعَ النَّقلِ، وعندهُ كَوَن النُسخةِ غيرَ مقابلةٍ، والله أعلم)) (٢) (٣). قوله: (رواية الحديث وأدائه) (٤) الظاهرُ أنّ معناهما واحدٌ من حيثُ صدقُهما على تبليغِ الحديث إلى الغيرِ.

стр. 843

قالَ في "القاموسِ" (١): ((أدَّاهُ تَأدِيَةً أوصَلهُ، وَقَضَاهُ، والاسمُ: الأداءُ)). وقالَ ابنُ طريف (٢) في كتابِ " الأفعالِ " (٣): ((رَوَى الحديثَ والشعرَ روايةً، حفظهُ ونقلهُ)). وعبارةُ ابنِ الصلاحِ: ((وشرط أدائِهِ، ومَا يَتَعلَّقُ بذلكَ، وقدْ سبقَ بيانُ كثيرٍ منهُ في ضمنِ النَّوعينِ قَبلهُ)) (٤). انتهى. وهي عبارةٌ حسنةٌ جداً في الجمعِ بين الروايةِ والأداءِ. والنوعانِ: التسميعُ، والرمزُ، ثم قالَ: ((شدَّدَ قَومٌ في الرِّوايةِ فأفرطُوا، وتَساهَلَ فيها آخرونَ فَفرَّطُوا، ومِنْ مذاهبِ التَّشدِيدِ - فَذكرَ ما ذكره الشيخُ عن أبي حنيفةَ ومن معهُ (٥) -، ثم قالَ: وقدْ سَبقَتْ حِكَايتُنا لِمذاهِبَ عنْ أهلِ التَّسَاهُلِ، وإبطَالُها، في ضمنِ ما تقدَّمَ منْ شرحِ وجوهِ الأخذِ والتَّحمُّلِ. ومِن أهلِ التَّساهُلِ قومٌ سمِعُوا كُتباً مُصنَّفةً وتَهَاونُوا، حتى إذا طَعنُوا في السِّنِّ واحتيجَ إليهمْ، حَملَهمُ الجهلُ والشَّرَهُ على أن رَوَوْهَا منْ نسخٍ مُشتَراةٍ أو مُسْتَعارةٍ غيرِ مُقَابَلَةٍ، فَعَدَّهُمُ الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ في طبقاتِ المجروحينَ. قالَ: ((وهُمْ يتوهَّمُونَ أنَّهم في روَايَتِها صَادِقُونَ. وقال: هذا مِمَّا كَثُرَ في الناسِ، وتعاطَاهُ قومٌ منْ أكابرِ العلماءِ والمعرُوفينَ بالصَّلاحِ)) (٦).

стр. 844

قال: ((ومنَ المتَسَاهلينَ: عبدُ اللهِ بنُ لهيعَةَ (١) المصريُّ تُرِكَ الاحتجَاجُ بهِ معَ جلالَتهِ؛ لِتَسَاهُلِهِ. ذُكرَ عن يَحيَى بنِ حَسَّانَ (٢): أنَّهُ رَأَى قَوْماً مَعَهُمْ جُزْءٌ سَمِعُوهُ مِن ابنِ لهيعَةَ، فنظرَ فيهِ فإذا ليسَ فيهِ حديثٌ واحدٌ منْ حديثِ ابنِ لهيعَةَ، فجاءَ إلى ابن لهيعَة فأخبرَهُ بذلكَ، فقالَ: ما أصنَعُ، يَجِيئونَ بِكتابٍ فَيقُولونَ هَذا مِنْ حديثكَ؛ فأحَدّثُهُمْ بهِ (٣). ومثلُ هذا واقِعٌ منْ شُيُوخ زَمَانِنا (٤) يجيءُ إلى أحَدِهِمْ الطَّالِبُ / ٢١٠ أ / بِجُزْءٍ أو كتابٍ فيقولُ: هذا روايتُكَ، فَيُمَكِّنُهُ من قراءتِهِ عليهِ مُقلِّداً لهُ من غيرِ أنْ يَبحثَ بحيثُ تحصُلُ لهُ الثِّقَةُ بصِحَّةِ ذلكَ. والصَّوابُ ما عليهِ الجمهورُ، وهوَ التَّوسُّطُ بينَ الإفْرَاطِ والتَّفريطِ)) (٥). قولهُ: (المَنْعُ) (٦)، أي: منعُ الروايةِ للكتابِ دون الحفظِ، وإن رأى سماعَهُ في كتابٍ وتذكّرَهُ جازتِ الروايةُ، بأن يحفظَ حينئذٍ المسموعَ إن لم يكنْ يحفظُهُ ويرويهِ، وإن لم يذكرْهُ لم يجزَ لهُ روايةَ المسموعِ، لا حفظاً ولا غيرَهُ، كالشّهادةِ.

стр. 845

قولُه: (الوَاسِعِ) (١)، أي: إنّ هذا البابَ أوسعُ من بابِ الشَّهادةِ. قوله: (وثبوتِ الحجَّةِ بهِ) (٢) زيادةٌ زادَها الشّيخُ [على] (٣) ابن الصلاح، وهي لا تتأتَى على مذهبهِ، إلا إنْ كانَ صحّحَ ذلكَ الحديثَ إمامٌ بالشرطِ الذي تقدَّمَ عنه في بحثِ الصَّحيحِ. قوله: (أنَّهُ لا حجَّةَ) (٤)، أي: وإذا لم يكن فيه حجةٌ، فلا تجوزُ لهُ روايتُهُ؛ لِئلا يوقعَ غيرَهُ في الاحتجاجِ بهِ، اللهمَّ إلاّ أن يُبيِّنَ الحالَ عندَ روايتهِ. قولهُ: (وتذكُّرِه) (٥)، أي: يجمعُ بينَ الحفظِ وتذكُّرِ تحمُّلهِ عندَ أدائهِ. لا أنه يكونُ مُستديماً لذلكَ من حينِ التحمُّلِ إلى حينِ الأداءِ، فإذا تحمّلَهُ ثم رأى سماعَهُ له بعدَ حينٍ، فإن كانَ حافظاً للمسموعِ غيرَ ذاكرٍ للسَّماعِ لم تجز الروايةُ، وإنْ كان ذاكراً غيرَ حافظٍ، وأراد أنْ يرويَ، تحفّظ ورَوَى من حفظهِ. هذا الذي تعطيه هذهِ العبارةُ، وكنتُ سمعتُ عن أبي حنيفة: - وهو المرادُ في النّظمِ بقولهِ: ((نُعْمَانٍ)) (٦) - أنَّه يشترطُ أنْ يدومَ حافظاً للحديثِ، ذاكراً للسّماعِ، من حينِ التحمّلِ، إلى حينِ الأداءِ، فاللهُ أعلم. قوله: (والصوابُ كما قالَ ابنُ الصلاح: الأولُ) (٧) وهو ما عليه الجمهور، ولم ينظمِ الشَّيخُ ذلكَ، ورأيتُ عن شَيخِنا الحافظِ برهانِ الدِّينِ الحلبيِّ أنَّه نظمَهُ فقالَ:

стр. 846

وَصَوَّبَ الشَّيخُ لِقَولِ الأكثَرِ ... وَهوَ الصوابُ ليسَ فيه نَمترِي (١) ولو قالَ: ((مَقَالَ الأكثرِ)) لكانَ أحسنَ، وأحسنُ منهُ أنْ يقولَ: إنْ كانَ قدْ قابلَهُ لا يمتري [قولُه] (٢): (لا تجوزُ لهُ روايتهُ) (٣)، أي: وإنْ كانَ حافظاً للمسموعِ دونَ السَّماعِ. قولهُ: (ينبني) (٤)، أي: جوازُ روايتهِ لما وَجدَ سماعَهُ بهِ، ولم يتذكّرْ أنَّه سمعَهُ (على الخلافِ في جواز اعتِمادِ الراوي على كتابهِ في ضَبْطِ ما سمعَه) (٥)، أي: بأنْ يرويَ جميعَ أحاديثهِ بتذَّكرِهِ أنهُ سمعَ الكتابَ عموماً، وإنْ لم يتذكَّر في كلِّ حديثٍ / ٢١٠ ب / منها أنَّه سمعَهُ بخصوصهِ. وبأنْ يرويَ ما كانَ محتَمِلاً من ألفاظهِ لأكثرِ من وجهٍ، على ما رآهُ مضبوطاً بالشكلِ والنّقطِ في كتابهِ، كما إذا رَأى: ((ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أُمّه)) (٦) مضبوطاً

стр. 847

بالرفعِ (١) فإنَّه يرويها كذلكَ ويجزمُ بسماعهِ لها كذلكَ.

стр. 848

قوله: (حديثاً حديثاً) (١) نُقِلَ عَن ابنِ كَثيرٍ (٢) أنَّهُ قالَ: ((وهذا يشبهُ ما إذا نَسيَ الراوي سماعَهُ، فإنَّه تجوزُ روايتهُ عنه لمن سمعَهُ منه ولا يضرُّ نسيانهُ)). انتهى. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ القصدَ ضبطهُ بالحفظِ وهو موجودٌ الآنَ بحفظِ هذا الفرعِ وإنْ كانَ الأصلُ قد نُسي، بخلافِ هذا فإنَّهُ لا يحفظُ السَّماعَ (٣). قولهُ: (كذلكَ ليكنْ) (٤) خبرٌ، عن قولهِ: ((فكما كانَ الصحيحُ)) (٥)، أي: فلما كانَ الصحيحُ تجويزَ الاعتمادِ على كذا، كذلكَ ليكن هذا، أي: السَّماعُ. قوله: (والكتابُ مصونٌ) (٦) قال ابن الصّلاحِ بعدَهُ: ((بَحيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلامةُ ذَلكَ مِنْ تَطَرُّقِ التَّزوِيرِ والتَّغْييرِ إليهِ، وهذا إذا لَمْ يَتَشَكَّكَ فيهِ (٧) وسَكَنتْ نفسُهُ إلى صِحَّتِهِ ... )) (٨) إلى آخره. قوله: (وَإنْ يَغِبْ) (٩)، أي: الكتاب. قوله: (وَأَوْلَى) (١٠)، أي: والخُلفُ في جوازِ روايةِ الضَّريرِ في هذهِ الحالةِ، أقوى من الخلافِ في روايةِ البصيرِ منها.

стр. 849

والقولُ بالجوازِ في الضَّريرِ؛ لأنَّ المدارَ القربَ من الضبطِ وغلبةِ ظنِّ الصحةِ، ووجودُ ذلكَ في البصيرِ أقربُ؛ لأنَّهُ إذا تكرَّرَ نظرهُ في الكتابِ يصيرُ يعرفُ هيئتَهُ، فإذا غُيَّرَ منهُ شيءٌ بعدَ ذلكَ عرفَهُ (١). قولهُ: (جازتْ لهُ الروايةُ) (٢)، قال ابنُ الصَّلاحِ عَقِبهُ: ((وإنْ أعَارَهُ وغابَ عنهُ، إذا كان الغالبُ منْ أمرهِ سَلامَتهُ ... - إلى قوله: - عَلَى غالبِ الظَّنِّ، فإذا حَصَلَ أجزَأَ، وَلَمْ يُشْترَطْ مَزِيدٌ عليهِ، والله أعلمُ)) (٣). قولُهُ: (في القِرَاءةِ) ناظرٌ إلى قولِهِ: ((في ضَبْطِ)) (٤) والضمير في ((منه)) لكتابهِ، وفي ((عَليهِ)) للضريرِ، أي: واستعانَ ذلك الضَّريرُ عندَ روايتهِ بالمأمونين في القراءةِ من كتابهِ عليهِ. ((واحتاطَ)) عطف على ((لَمْ يحفظْ)) أو ((استعانَ)) (٥). ٦٢٧ - وَلْيَرْوِ مِنْ أَصْلٍ أَوِ الْمُقَابَلِ ... بِهِ وَلاَ يَجُوْزُ بِالتَّسَاهُلِ ٦٢٨ - مِمَّا بِهِ اسْمُ شَيْخِهِ أَوْ أُخِذَا ... عَنْهُ لَدَى الْجُمْهُوْرِ وَأَجَازَ ذَا

стр. 850

قولُه في قولهِ: (الرِّوَاية من الأَصلِ) (١): (وَلاَ يَجُوزُ بالتَّساهُلِ) (٢) ذَكَرَ الذهبيُّ في " مِيزانِهِ " (٣) غَيرَ واحدٍ ممن جُرحَ، بكونهِ يحدِّثُ من غيرِ أصلهِ، منهم: أبو عبدِ اللهِ محمّدُ بنُ أحمدَ بنِ محمّد السَاويُّ، قال: صدوقٌ، وقالَ ابنُ طاهرٍ: ((حدّثَ " بمسندِ الشافعيِّ " من غيرِ أصلِ سماعِهِ، ثم قالَ: ترخّصَ المتأخّرونَ في هذا كثيراً)). وقالَ في ترجمةِ محمدِ بنِ / ٢١١أ / إسماعيلَ بنِ العباسِ، أبي بكر الورَّاقِ (٤): ((مُحدِّثٌ، فاضلٌ، مُكْثِرٌ، لكنهُ يُحدِّثُ من غيرِ أصولٍ، ذهبت أصولُهُ، وهذا التساهلُ قد عَمَّ وطَمَّ)) (٥). وقال في ترجمةِ عيسى الطُّوْمَاريِّ (٦): ((آخر أصحاب ابن أبي الدُّنيا تُكلمَ فيه لكونهِ رَوَى من غيرِ أصلٍ. وقالَ ابنُ ماكولا (٧): لم يكونُوا يَرتضونَهُ)).

стр. 851

[قولهُ] (١): (أَوْ أُخِذَا) (٢) مبنيٌ للمفعولِ. قولهُ: (وَأَجَازَ) مكسورٌ، ولو قالَ: واستجَازَ، لكانَ صحيحاً. قولهُ: (الترخيصُ) (٣) نُقِلَ عن الحافظِ عمادِ الدِّينِ بنِ كثيرٍ (٤) أنَّهُ مالَ إلى قولِ البُرسَانيِّ (٥) هذا. قولهُ: (من نسخةٍ سمِعَ منها على شيخِهِ) (٦) مبنيٌّ للمفعولِ، أي: وقعَ سماعُ غيرهِ منها على شيخهِ، ولم يسمعْ هو على شيخهِ منها. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وكذلكَ لو كانَ فيها سَماعُ شَيخهِ أو رَوَى منها ثِقةٌ عنْ شَيخِهِ، فلا تَجُوزُ له الروايةُ منها اعْتِماداً عَلَى مجرَّدِ ذلكَ، إذ لا يُؤْمَنُ (٧) ... )) إلى آخره. قالَ الشَّيخ في " النُّكتِ " (٨): ((وقد اعتُرِضَ عليهِ: بأنَّهُ ذَكَرَ في النوعِ الذي قبلهُ أنَّ الخطيبَ، والإسفرائيني جوَّزا الروايةَ من كتابٍ لم يقابلْ أصلاً، ولم ينكرْهُ الشَّيخُ، بل أقَرَّهُ)). انتهى.

стр. 852

قالَ الشَّيخُ (١): ((قلتُ: الصورةُ التي تقدَّمتْ، هي فيما إذا نُقِلَ كتابُهُ من الأصلِ، فإنَّ الخطيبَ (٢) شَرَطَ في جوازِ ذلكَ، أنْ تكونَ نُسختُه نُقلتْ من الأصلِ، وأن يُبيِّن عند الروايةِ أنَّه لم يعارض. وزادَ ابنُ الصَّلاحِ (٣) على ذلكَ شرطاً آخرَ وهوَ: ((أنْ يَكُونَ ناقِلُ النُّسْخَةِ غيرَ سَقِيمِ النَّقْلِ، بلْ صحيحَ النَّقْلِ قَليلَ السَّقْطِ)). وأمَّا الصُّورةُ التي في هذا النوعِ، فإنَّ الراويَ منها، ليسَ على ثقةٍ من موافقتِها للأصلِ. وقد أشارَ المصنِّفُ هنا إلى التعليلِ بذلكَ، فقالَ: ((إذ (٤) لا يُؤْمَنُ أنْ يكُونَ فيها زَوَائِدُ ليسَتْ في نسخَةِ سَماعهِ)) (٥)، والله أعلم)) (٦). قوله: (من غيرِ بيانٍ للإجازَةِ) (٧)، أي: في تلكَ الزياداتِ بعينِها. وأمَّا البيانُ عموماً فلا بدَّ منهُ بأنْ يقولَ مثلاً: ((حَدَّثَني فلانٌ، ونقلتُهُ من أصلِ سَماعهِ لكنّي لم

стр. 853

أسمعْ من ذلكَ الأصلِ))، أو: ((حَدَّثني فلانٌ سماعاً وإجازةً لما خالفَ أصل سَماعي عليهِ: إنْ خالفَ)). قولُه: (في محلِّ التَّسَامحِ) (١)، قال ابنُ الصَّلاح بعدَهُ: ((وقدْ حَكَيْنا فِيْمَا تَقَدَّمَ أنَّه لاَ غِنَى في كُلِّ سَمَاعٍ عَنِ الإجازَةِ؛ لِيَقَعَ فيما (٢) يَسْقُطُ في السَّماعِ عَلَى وجهِ السَّهْوِ وغيرِهِ مِنْ كَلماتٍ أو أكْثَرَ، مَرويِّاً بالإجازةِ، وإنْ لم يُذْكَرْ لَفْظُها)) (٣). قولهُ: / ٢١١ ب / (هَدَانا اللهُ لهُ) (٤) قالَ عَقِبَهُ: ((والحاجَةُ إليهِ مَاسَّةٌ في زَمَانِنا جِدَّاً، واللهُ أعلمُ)) (٥). قولُه في شرحِ قولِهِ: (وَإِنْ يُخَالِفْ) (٦): (وهو غيرُ شاكٍّ) (٧) لا يتوهمُ أنَّه لا ينفي الظنَّ، حتى يكونَ غيرَ موفٍ بقولهِ في النَّظمِ: ((مَع تَيَقُّنٍ)) فإنَّ المراد باليقينِ القطعُ؛ لأنَّ نفيَهُ لما فوقَ الشكِّ مفهوم مُوافقَة؛ لأنَّ العبارةَ تُفهِم أنَّهُ إذا كانَ شاكَّاً لا يَعتمِدُ حفظَهُ، وإذا كانَ لا يعتمدُهُ في حالِ الشكِّ، فلأن لا يعتمدُهُ في حال الظنِّ مثلاً بطريق الأولى، نَعَمْ، قد يُقالُ: إنَّه لا ينفي الوهمَ، فلو قالَ: غير متردِّدٍ لكانَ صَريحاً؛ لأنَّ نفي الأعمِّ نفيٌ للأخصِّ.

стр. 854

قولهُ: (الرِّوَايَةُ بِالمَعْنَى) (١) هو شاملٌ لروايةِ الحديثِ، والأثرِ، والتصنيفِ. قولهُ: (وَغَيْرُهُ) (٢) هو عطفُ (٣) جملةٍ على أخرى قسيمةٍ لها، لا عطفَ مفردٍ على مفردٍ. فالمعنى: الراوي إنْ كانَ لا يعلمُ مدلولاتِ الألفاظِ، وجبَ عليهِ أنْ يرويَ ما يرويه بلفظهِ (٤). وأمَّا غيرُهُ: وهوَ مَن يعلم مدلولاتِ الألفاظِ، وما يُساوي مَعنى ما سَمعهُ، وما يزيدُ عليهِ وينقصُ عنهُ، فقد أجازَ لهُ الروايةَ بالمعنى معظمُ العلماءِ. وقيلَ: لا يجوزُ لهُ أنْ يرويَ الجزءَ الواردَ عن النبيِّ ﷺ بالمعنى، ويجوزُ لهُ أنْ يرويَ غيرَهُ بالمعنَى (٥). وابنُ الصَّلاحِ منعَ الروايةَ بالمعنى مطلقاً في تصانيفِ النَّاسِ (٦).

стр. 855

ثم إذا رَوَى الراوي بالمعنَى، فالمُستحبُّ له استحباباً مُتأكداً، أنْ يقولَ بعدَ ذكرِهِ لما ذَكَرَهُ بالمعنى: أو ((كما قالَ))، أو ((نحو ذلكَ)) كأنْ يقولَ: ((هذا معنى ما قالَ)) أو ((قَربتُ منهُ)) أو ((شبهُهُ)) أو ((نحوُهُ)) (١). وهكذا يصنعُ عندَ شكٍّ أَبهمَ عليهِ في لفظينِ، أو جملتينِ، أو غيرِ ذلكَ، فلم يدرِ بأيِّهمَا نَطَقَ مَن حدَّثَهُ، وهذا الذي قررتُهُ في العطفِ، هو مرادُ الشَّيخِ بقولهِ: ((إنَّ الواو للاستئنافِ)) (٢)، أي: لابتداءِ ذكرِ جملةٍ، ولا يهولنّكَ قولُهُ: ((ليستْ للعطفِ)) (٣) فإنَّ المرادَ نفيُ عطفٍ مقيدٍ بالمفردِ؛ ليكونَ ما قبلها وما بعدها جملةً واحدةً، وإنْ لم يحملْ على هذا كانَ المعنى أنَّ الواوَ لا فائدةَ لها أصلاً بلْ وجودها كعدمِها، وهذا لا يقولُ بهِ مَن له مُسْكَةٌ (٤)، فإيّاكَ أن تَجنحَ إليه، فإنَّ كثيراً من الناسِ يجترئُ على مثلهِ من كتابِ اللهِ تعالى فيما يُشكلُ عليه تنزيلُه / ٢١٢ أ / على معنىً مستقيمٍ؛ لعدمِ معرفتهِ المعطوف عليهِ، لضيقِ الحظيرةِ عن إيساعِ الفكرِ والإمعانِ في النظر، فيقعُ في أمرٍ عظيمٍ، لو تدبَّرهُ لتمنّى أن يكونَ خَرِسَ قبلَ أن يقولَ ما قالَ من ذلكَ المحالِ، واللهُ الهادي. على أنَّ الشيخَ لو قالَ: ((مدلولها، وقد أجازَ المعظمُ للغيرِ بالمعنى)) لاستراحَ من هذا. قولهُ: (لا يجوزُ لمنْ لا يعلمُ) (٥) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ (٦): ((إذا أرادَ روايةَ ما

стр. 856

سَمِعَهُ على معناهُ دونَ لَفظهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ عالِماً عارفاً بالألفاظِ ومقاصِدِها، خبيراً بِما يُحيلُ مَعَانِيها، بَصِيْراً بِمَقَاديرِ التَّفَاوتِ بَينَهَا، فلا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ له ذلكَ، وعليهِ أنْ لا يَرويَ ما سَمِعَهُ إلا على اللفظِ الذي سَمِعهُ مِن غيرِ تَغييرٍ. فأمَّا إذا كانَ عَالِماً عارِفاً بذلِكَ، فَهَذا ما (١) اخْتَلَفَ فيهِ السَّلَفُ)). انتهى. قالَ شيخُنا: ((وفي المسألة قولٌ: إنَّهُ لا تجوزُ الروايةُ بالمعنى، إلاّ لمن يحفظُ اللفظَ حالَ الروايةِ بالمعنى، ليكونَ متمكِّناً من التعبيرِ عنهُ بمعناهُ، وقولٌ آخرُ بعكسِ هذا، وهو أنَّهُ لا يجوزُ ذلكَ إلاّ لمنْ نسيَ اللّفظَ؛ لأنَّ حالتَهُ حالةٌ ضرورة، وروايتَهُ له بالمعنى خيرٌ من ضياعهِ)) (٢). قولُهُ: (والأصولِ) (٣)، أي: على الإطلاقِ، سواءٌ في ذلكَ الحديثُ وغيرُهُ. وممّا يحثُّ على الروايةِ باللفظِ ويصلحُ أن يُلمحَ منهُ تجويزُ الروايةِ بالمعنَى حديثٌ رَواهَ الإمامُ أحمدُ (٤)، وابنُ ماجَه (٥)، والدّارميُّ (٦)، وأبو يَعلَى (٧)، والبزّارُ (٨)، وابنُ حِبّانَ (٩)، عن عدةٍ من الصحابةِ منهُم: أنسٌ ﵁، وحديثُهُ عندَ

стр. 857

أحمدَ (١)، والطَّبرانيِّ (٢)، أنّ النبيِّ ﷺ قالَ: ((نَضَّرَ (٣) اللهُ امرءاً سَمعَ مِنَّا حديثاً فبلَّغهُ كما سمعهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أوْعَى من سامعٍ)) (٤). وفي روايةٍ: ((فرُبَّ حاملِ فقهٍ ولا فقهَ لهُ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هوَ أفقهُ منهُ)) فقالَ: ((كَما سَمعَهُ)) أي: بلفظهِ، وقالَ: ((فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى لهُ))، أي: رُبَّما لم يفهمهُ من سمعَهُ حقَّ الفهمِ، فغيّرَهُ فَنقَصَ بعضَ أحكامهِ، ولو بلَّغَهُ بلفظهِ، لربما ظهرَ للسامعِ منهُ ذلكَ الحكمُ الذي سَقَطَ بالتغييرِ. وأمَّا لَمحُ التجويزِ منهُ فمن حيثُ لم يؤتَ فيهِ بصيغةِ الأمرِ، بل سِيقَ ذلكَ مَساقَ الترغيبِ بصيغةِ الدُّعاءِ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (ومنعَ بعضُ أهل الحديثِ) (٥) نقلَ أنَّ مِنهُم / ٢١٢ ب / ابن سيرين (٦) ولم يَذكرِ الأصوليينَ (٧)؛ إمَّا لقلةِ القائلِ منهم بذلكَ؛ أو لدخولهِم في الفقهاءِ؛ لأنَّ الأقدمينَ من الفقهاءِ كانوا جامعينَ للعِلمَيْنِ؛ أو لأنَّ ذلك قد فُهمَ من تعبيرهِ أولاً بالأكثرِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 858

قولُه: (مطلقاً) (١)، أي: سواءً الراوي كانَ عالماً بمدلولاتِ الألفاظِ كما تقدَّمَ، أم لا. [قوله] (٢): (وهو حديثُ رسولِ الله ﷺ ) (٣)، أي: لأنَّه ﷺ أُوْتِيَ جوامعَ الكلم (٤)، وغيرُهُ ليسَ كذلكَ. والجوابُ: أنَّ المقصودَ أداءُ المعنَى، وإنْ كانَ اللفظُ المؤَدَّى به أكثرَ من الأصلِ، ولا يشكلُ عليه حديثُ ((مَن قالَ عليَّ ما لم أقلْ)) (٥) فيكونَ نهياً عن الروايةِ

стр. 859

بالمعنى؛ لأنّه ﷺ لم يقل ذلك اللّفظَ. وإنما كانَ لا يشكلُ؛ لأن ترجمةَ الكلامِ بغيرِ لفظِ القائلِ مَعَ نسبةِ ذلكَ الكلامِ إلى ذلكَ القائلِ أمرٌ مشهورٌ في الكتابِ والسُّنةِ والعُرفِ، فهو معترفٌ أنَّ القصدَ إنّما هو المعنى، واللهُ أعلمُ. قولُه: (والقولُ الأولُ هو الصحيحُ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((والأصَحُّ جَوَازُ ذلكَ في الجميعِ إذا كانَ عالِماً بمَا وَصَفْناهُ، قَاطِعاً بأنَّهُ أدَّى مَعنَى اللَّفْظِ الذي بَلَغَهُ؛ لأنَّ ذلكَ هو الذي تَشْهَدُ بهِ أحوالُ الصَّحَابَةِ والسَّلَفِ الأوَّلِينَ)) (٢) ﵃ أجمعينَ. قولهُ: (غيرِ واحدٍ من الصحابةِ) (٣) سَتأتي تَسميتُهم آخرَ هذه القولةِ. قولهُ: (حديثٌ مرفوعٌ) (٤) قالَ شَيخُنا: ((هو موضوعٌ؛ في سندهِ راوٍ كذابٌ)) هكذا حفظتُهُ منهُ. وقالَ في كتابهِ " الإصابةِ في الصحابةِ " (٥) في ترجمةِ راوي هذا الحديثِ عن النبيِّ ﷺ سليمِ بنِ أُكَيمٍ (٦) الليثيِّ: ((رَوَى الطَّبرانيُّ (٧) من طريقِ الوليدِ بنِ سلمةَ،

стр. 860

قال: حَدَّثَني يعقوبُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سليمِ بنِ أُكَيمٍ، عَن أبيهِ، عَن جدهِ قالَ: أتَيْنَا رسولَ اللهِ ﷺ فَذكرَهُ))، ثُم قالَ: ((ورواهُ من وجه آخر عنهُ، فقالُ: ((سُلَيمانُ)) بدل ((سُليمٍ)). وأوردَهُ ابنُ الجوزيّ في " الموضوعاتِ " (١)، واتّهمَ به الوليدَ بنَ سلمةَ، وليسَ كما زَعمَ. فقد أخرجَهُ: ابنُ مَنْدَه (٢) من طريقِ عمرَ بنِ إبراهيمَ، عن محمدِ ابن إسحاقَ، عن (٣) سُليمِ بن أُكيمٍ، عن أبيهِ، عن جدهِ نحوه. ولكنّ عُمرَ في وزن (٤) الوليدِ. وأخرجَهُ: ابنُ مَندَه (٥) من طريقٍ أخرى، عن عمرَ بنِ إبراهيمَ، فقالَ: عن محمدِ / ٢١٣ أ / بنِ إسحاقَ بنِ (٦) عبدِ اللهِ بنِ سليمٍ، زاد في نسبه ((عبد الله)). ثم أوردَهُ في ترجمةِ: ((عبدِ اللهِ)) بهذا النسبِ.

стр. 861

وأخرجَهُ: أبو القاسمِ بنُ مَندَه في " كتابِ الوصيةِ " من وجهينِ إلى الوليدِ ابنِ سلمةَ، فقالَ: ((عن إسحاقَ بنِ يعقوبَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أُكيمٍ، عن أبيهِ، عن جدهِ)). وفيه اختلافٌ آخرُ يأتي في ترجمةِ: محمدِ بنِ عبدِ اللهِ بن سُليمِ بن أكيمٍ (١). انتهى.

стр. 862

والوليدُ الذي وازنَ بينَهُ وبين عمرَ هو الوليدُ بنُ سلمةَ الطبريُّ (١) الأزديُّ أبو العبّاسِ قاضي طبريّةَ. قالَ أبو حاتِمٍ: ((ذاهبُ الحديثِ)) (٢). وقالَ دحيمٌ وغيرُهُ: ((كذابٌ)) (٣). وقالَ ابنُ حبانَ: ((يضعُ الحديثَ)) (٤). وأمَّا عمرُ، فلم يذكر في " لسانِ الميزانِ " (٥) مَن يصلحُ أنْ يكونَ هذا إلاّ عمرُ بنُ إبراهيمَ بنِ خالدٍ الكرديُّ الهاشميُّ مولاهم، وقالَ: ((عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، وعن ابنِ أبي ذئبٍ، وشعبةَ، وبقيَ إلى العشرينَ ومئتينِ)) - وقالَ في آخرِ ترجمتهِ: - ((قالَ ابنُ عقدةَ: ضعيفٌ. وقالَ الخطيبُ: يروي المناكيرَ عن الأثباتِ (٦)، ولم يعرفْهُ ابنُ القطانِ: فقالَ: مجهولٌ)). هذا الذي قالَهُ (٧). ولا يظهرُ منهُ أنَّهُ في ميزانِ الوليدِ، ذاكَ وُصِفَ بالكذبِ (٨)، فاللهُ أعلمُ.

стр. 863

وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ سليمانَ فحمّرهُ الذهبيُّ في ((تجريدِ الصحابةِ)) (١) وقالَ في الخطبةِ: ((فَمَن حُمر على اسمهِ فهو تابعيٌّ، لا رؤيةَ لهُ))، وقالَ: ((وقيلَ: الصحبةُ لأبيهِ)). ورأيتُ عن شَيخِنا الحافظِ برهانِ الدِّينِ الحلبيِّ، أنَّه قالَ: ((رأيتُ بخطِّ بعضِ شيوخِي في منتقى من " الطبرانيِّ الكبيرِ " (٢) عن يغوثَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سُليمانَ ابن أُكيمةَ الليثيِّ، عن أبيهِ، عن جدهِ، قالَ: أتينا رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ (٣): بآبائِنا أنتَ وأمهاتِنا يا (٤) رسولَ اللهِ، إنَّا نسمعُ منكَ الحديثَ، ولا نَقدرُ أن نؤدِّيه كما سمعناهُ، قالَ: ((إذا لم تحلُّوا حراماً، ولم تُحرِّموا حلالاً، وأصبتُمُ المعنى، فلا بأسَ)). هكذا وجدتُ عن شَيخِنا البرهانِ: ((يغوثَ)) بمعجمةٍ بعد التحتانيةِ وآخره مُثلثة، وقد سَبقَ أنَّ شيخَنا ابنَ حجر قالَ في " الإصابةِ " (٥): ((يعقوب)) بمهملةٍ، ثم قافٍ، وآخره مُوحَدة. فاللهُ أعلمُ. قالَ شيخُنا البرهانُ: ((ورَوَى ابنُ عساكرَ في ترجمةِ واثلةَ من " تاريخهِ " (٦) من طريقِ أبي نُعيمٍ الحنفيِّ، عن العلاءِ بنِ كثيرٍ أبي سعدٍ الشاميِّ، عن مكحولٍ: أنَّهُ سمعَ واثلةَ ﵁ يقولُ: سمعتُ / ٢١٣ب / رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ((لا بأسَ بالحديثِ قدَّمتَ فيهِ، أو أخَّرتَ إذا أصبتَ معناهُ)). انتهى.

стр. 864

قولهُ: (بَدَلَهُ فيهِ) (١)، أي: في ذلكَ التصنيفِ، بأنْ ينسخَهُ ويغيرَّ ألفاظَهُ أو بعضَها. قولهُ: (والجمودِ عليها من الحَرَجِ) (٢) يدلُّكَ على أنَّ هذهِ المسألةَ منتزعةٌ من قولِ مَن شَرطَ في الروايةِ بالمعنى نسيانَ اللفظِ، واللهُ أعلمُ. ويرشدُ أيضاً إلى أنّه إنْ غابَ عنه ذلكَ الكتابُ غيبةً لا تمكنُهُ معها مراجعته، أو تمكنهُ بعد مَشقةٍ، جازَ النقلُ منهُ بالمعنى. قولهُ: (وأقلُّ ما فيهِ) (٣) قالَ شيخُنا (٤): ((لم يذكرْ أكثرَ ما فيهِ، وهوَ جعلُ المحافظةِ على ألفاظِ المصنفينَ أعظمُ من المحافظةِ على ألفاظِ الحديثِ النبويِّ، ويشبهُ أن تكونَ روايةُ الحديثِ، قبلَ الوصولِ إلى المصنفاتِ وبعدَه، وروايةُ غيرِ الحديثِ سواءٌ، لا فرقَ بينَ شيءٍ من ذلكَ فمتى رَوَى شيئاً منهُ بعبارةٍ تدلُّ اصطلاحاً، أو لغةً، أو عُرفاً على أنَّ ما ذكرَهُ لفظَ المنقولِ عنهُ، لم يحلَّ له أن يتصرَّفَ فيهِ، وإلاّ جازَ، فإنْ صرَّحَ بأنَّهُ نَقَلَ بالمعنى فهو أحسنُ)). قالَ: ((والذي لا أشكُّ فيهِ، أنّ دندنتهم ترجعُ إلى هذا، وأنَّهُ لا يخالفُ فيه أحدٌ ولا تغترَّ بأنَّ قولَ ابنِ دقيقِ العيدِ: ((سواءٌ رَوَيناها فيها أو نَقَلناها منها)) (٥) ظاهرهُ المنعُ مطلقاً، واللهُ أعلمُ)). قولهُ: (أو نَقَلْناها منها) (٦) يوجدُ بعدَهُ في بعضِ النُّسخِ: (قلتُ: لا نسلِّمُ

стр. 865

أنَّهُ يقتضي جوازَ التغييرِ فيما نقلناهُ إلى تخاريجنا، بلْ لا يجوزُ نقلهُ عن ذلكَ الكتابِ، إلاَّ بلفظهِ دونَ معناهُ، سواءٌ في مُصنفاتِنا (١) وغيرِها، واللهُ أعلمُ) (٢). وأكثرُ النُّسخِ خاليةٌ عن ذلكَ (٣)، وكأنَّها حاشيةٌ اشتبهتْ على بعضِ النُّسَّاخ، وهي غيرُ صحيحةِ المعنَى، فإنَّ ما قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ ظاهرٌ جداً، من عبارةِ ابنِ الصّلاحِ من قولهِ: ((ويُثْبِتَ بدلَهُ فيه لفظاً آخرَ بمعناهُ)) (٤) فَقَّيدَ بقولهِ: ((فيهِ))، ومن قولهِ: ((فليسَ يملكُ تغييرَ تصنيفِ غيرهِ)) (٥) ومتى لم يكنِ التغييرُ في صلبِ التصنيفِ، لم يكنْ تغييراً لهُ، واللهُ الهادي. قولهُ: (وما أَشبهَ ذلكَ) (٦) عبارةُ ابنِ الصَّلاح بـ ((أو))، فقالَ: ((ينبغِي لِمَنْ روى حديثاً بالمعنى أنْ يُتبِعَهُ بأنْ يقولَ: ((أوْ كَما قالَ))، أو ((نحوِ هذا))، أو ما أشبه ذلك مِنَ الألفاظِ)) (٧). قولهُ: (وأنسٍ) (٨) قالَ ابنُ الصَّلاحِ (٩) بعدَهُ: ((قالَ الخطيبُ (١٠):

стр. 866

والصَّحابةُ (١) رضي الله / ٢١٤ أ / عنهم أربابُ اللسانِ وأعلمُ الخلقِ بمعاني الكلامِ، فلم يكونُوا يقولونَ ذلكَ إلاَّ تَخَوُّفاً من الزللِ؛ لمعرفتهم بما في الروايةِ على المعنى من الخَطَرِ)) (٢). قوله: (على الشكِّ) (٣) عبارة ابن الصلاح: ((وإذا اشْتَبَهَ على القارىءِ فيما يَقْرَؤهُ لفظةٌ: يقرؤها (٤) على وجهٍ يَشُكُّ فيهِ)) (٥). قوله: (في روايةِ) (٦) هو مضافٌ إلى (صوابِها) (٧)، أي: في أنْ يرويَها على الصَّوابِ عندَ تحقُّقِ ذلكَ. قولهُ: (بَيَّنَّاهُ قريباً) (٨)، أي: في شرحِ قولهِ: ((الروايةُ منَ الأصلِ)).

стр. 867

الاقتِصَارُ عَلَى بَعضِ الحدَيِثِ قولُهُ: (الاقتصارُ على بعضِ الحديثِ) (١) لما كانَ للحذفِ من الحديثِ تعلّقٌ بالمعنَى، عقَّبَ الروايةَ بالمعنَى بهِ. قولُهُ: (فَامْنعَ) (٢) هوَ على تقديرِ شرطٍ، أيْ ((حَذف بعضِ المتنِ إنْ أرادَهُ أحدٌ فامنعْ منهُ مطلقاً))، أي: سواءٌ كان قد رَوَى قبلَ ذلكَ تامَّاً أم لا. قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٣)، بناءً على القولِ بالمنعِ من النقلِ بالمعنى مطلقاً. قولُهُ: (او أجِزْ) (٤) أي: أجِزِ الحذفَ مطلقاً. وعبارةُ ابنِ الصَّلاحِ عن هذا القولِ: ((ومنهمْ مَنْ جَوَّزَ ذلكَ وأطلقَ ولم يُفصِّلْ)) (٥) - أي: بينَ أنْ يكونَ الحديثُ قد رويَ تاماً قبلَ ذلكَ أو لا، ولا بينَ أنْ تجوزَ الروايةُ بالمعنى أو لا، قالَ -: ((وقد رُوِّيْنا عَنْ مُجَاهِدٍ أنَّهُ قالَ: انقُصْ منَ الحديثِ ما شِئتَ ولا تزِدْ فيهِ (٦))). انتهى. ونُقِلَ عن الشيخِ محيي الدّينِ النوويِّ (٧) أنَّه قالَ: ((إنَّ القاضِي عياضاً، نسبَ هذا القولَ، إلى مسلمِ بنِ الحجاجِ صاحبِ الصَّحيحِ)).

стр. 868

قوله: (أَوْ لِعَالِمٍ) (١) قال شَيخُنا ﵀: ((يَنبغي أنْ لا يكونَ هذا قولاً برأسهِ، بلْ يجعلُ شَرطاً لقولِ من أجازَ، فإنَّ منعَ غيرِ العَالمِ منَ التصرُّفِ في مثلِ ذلكَ، لا يخالفُ فيه أحدٌ)). وقولهُ: (إِنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهُ ... ) (٢) إلى آخره شرطٌ لا بدَّ من وجودهِ، لكنْ لا يحتاجُ إلى ذكرهِ هنا؛ لأنَّهُ قد عرفَ من القولةِ التي قبلَ هذهِ (٣) أنَّ التغييرَ مشروطٌ بالإتيانِ بتمامِ المعنى. قالَ شيخُنا: ((وينبغِي أن يقيَّدَ ذلكَ بمن يقصدُ الاحتجاجَ، كما سَيأتي في آخرِ هذهِ القولةِ)). ويَستثني من غرضهِ الأعظم، تحريرَ السندِ كأصحابِ الأطرافِ، فإنَّهُ لا يشترطُ في حقّهِ أن يذكرَ من الحديثِ جملةً مفيدةً، بل يأتي بكلامٍ يُعرفُ منه تمامُ الحديثِ؛ ليدلَّ على أنّ هذا السندَ، للحديثِ / ٢١٤ ب / الذي ذكرَ طرفَهُ كأنْ يقولَ حديثَ: ((لو يُعطَى النَّاسُ بدعواهُم)) (٤).

стр. 869

قوله: (هو أو غيرُهُ لم يَجُزْ) (١) أي: وإن جازت الرواية بالمعنى، كما قال ابن الصلاح (٢). وقد يُسأل عن علة ذلك، فإن قيل: إنّها الخوف من أن يُتهم بأنّه زاد فيه لو رواه بعد ذلك تاماً. فالخوف من أن يُتهم بأنّه زاد أوّل مرةٍ إذا رواه ثانياً ناقصاً موجودٌ. وقد يقالُ: إنّما ذلكَ لأجلِ الخوفِ من أنَّه قد يموتُ قبلَ أنْ يُحدِّثَ به تاماً، فَيفُوتَ بذلك حكمٌ من الأحكامِ أو نحو ذلك. قوله: (إنْ أَتَمَّ مرَّةً ما، منهُ أو من غيرِهِ) (٣) مُقيّدٌ بمن لا يُتّهمُ. أمّا مَن يَخشَى ذلكَ، فسيأتي أنَّهُ إذا رواهُ تامَّاً لا يسوغُ له بعدَ ذلكَ أن يروَيهُ ناقصاً؛ لِئلا يُظَنَّ به ظنّ السوءِ (٤). قولُهُ: (لأنَّ ذلكَ بمنزِلةِ) (٥) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ بعدَ ما تقدَّمَ: ((لأنَّ الذي نَقلَهُ والذي تركَهُ - والحالَةُ هذهِ - بمنزلَةِ خَبَرَينِ منفصلينِ في أمرينِ لا تَعَلُّقَ لأحدِهِما

стр. 870

بالآخَرِ، ثمَّ هذا إذا كانَ رفيعَ المنزلةِ بحيثُ لا يتطرَّقُ إليهِ من ذلكَ تُهمَةُ نَقلهِ أوَّلاً تماماً ثمَّ نَقْلِهِ ناقصاً، أو نقلِهِ أوَّلاً نَاقِصاً ثمَّ نَقلِهِ تامَّاً)) (١). وعبارةُ ابنِ دَقيقِ العيدِ (٢) فيما إذا اقتصرَ على واحدٍ من لَفظينِ مُستقلينِ في معنيينِ، ولا تغير للمعنى، فالأقربُ الجوازُ؛ لأنَّ عمدةَ الروايةِ في التجويزِ هو الصدقُ، وعُمدتها في التحريمِ هو الكذبُ، وفي مثلِ ما ذكرناهُ: الصدقُ حاصلٌ فلا وجهَ للمنعِ، فإن احتاجَ ذلكَ إلى تغييرٍ لا يُخِلُّ بالمعنى، فهو خارجٌ على جوازِ الروايةِ بالمعنى. قولُهُ: (أَدَاءُ تمامِهِ) (٣) ينبغي أنْ لا يرويَهُ ناقصَاً، بل لا يرويه إلا تامَّاً مُطلقاً؛ لأنَّه إما أنْ يتعينَ ذلكَ عليهِ، وإمّا أنْ يكونَ بصددِ أنْ يؤخذَ عاضِداً عندَ المعارضةِ، أو شَاهِداً، أو متابعاً بحيثُ يتمُّ به وبما تابعه الحُجَّة، ولو لم تكن هناكَ معارضةٌ، فيندبَ له أنْ لا يرويَهُ إلا تاماً نَدباً متأكداً، وقد يقالُ: إنَّ هذه الصورةَ داخلةٌ في كلامِ الشَّرحِ. قولُهُ: (إلى الجوازِ أقربُ) (٤) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((ومنَ المنعِ أبعَدُ)) (٥) ونُقِلَ عن النوويِّ (٦) أنَّه يبعدُ طرد الخلافِ فيهِ.

стр. 871

قولُهُ: (ولا يَخْلُو منْ كَراهِيَةٍ) (١) ليسَ المرادُ الكراهةَ الاصطلاحيةَ، وإنّما المرادُ أنَّ سوقَهُ تامَّاً أحسنُ وأولَى.

стр. 872

التسميعُ بقراءةِ اللحَّانِ (١) والمصحِّفِ (٢) قولُهُ: (التَّسميعُ بقراءةِ اللحَّانِ والمصحِّفِ) (٣)، أي: إيجادُ الإسماعِ أو السماعِ / ٢١٥ أ / بقراءةِ اللحانِ، وهوَ مَن يُخطئُ بحالِ قراءتهِ صوابَ الإعرابِ إمّا بكونهِ لا يعرفُ العربيةَ، أو بكونهِ لا يقيمُ لسانَهُ وقتَ القراءةِ على الصوابِ، وإنْ كانَ يعرفُ النحوَ (٤).

стр. 873

والمصحِّفُ: مَن يخطئُ بغيرِ اللحنِ، بلْ بتبديلِ بعضِ الحروفِ، مثل: أنْ يجعلَ الجيمَ في ((أجمدَ)) حاءً مهملةً، وزايَ البزارِ مهملةً، هكذا هو في الاصطلاحِ. وإنْ كانَ في اللغةِ أعمُّ. قالَ في " القاموسِ " (١): ((الصَّحَفِيُّ مُحرَّكةً: مَنْ يُخطئُ في قِرَاءةِ الصَّحِيفةِ. والتَّصحيفُ: الخَطَأُ في الصَّحيفةِ)). وقالَ الصغانيُّ في " مجمعِ البحرينِ " (٢): ((وقولُ العامةِ: صُحُفي بضمَّتينِ لحنٌ، والنسبةُ إلى الجمعِ نسبةٌ إلى الواحدِ؛ لأنَّ الغرضَ الدلالةُ على الجنسِ، والواحدُ يَكفي. وأمَّا ما كانَ علماً ((كأنماريٍّ)) و ((كلابيٍّ)) و ((معافريٍّ)) و ((مدائنيٍّ)) فإنَّهُ لا يرد وكذا ما كان جارياً مجرى العَلَمِ ((كأنصاريٍّ)) و ((أعرابيٍّ)) ... )). وقال أبو عبيد الله (٣) القزَّاز (٤) في ديوانهِ " الجامعِ " (٥): ((وَقولُهم صحَّفَ

стр. 874

فلانٌ هذا الحرفَ، وفلانٌ كثيرُ التصحيفِ، وهو مصحِّفٌ، إنما أصلُهُ قرأهُ في الصُّحُفِ ولم يسمعْهُ من العلماءِ، فهو يغلطُ فيهِ ولا يدري، فنُسبَ إلى الصحيفةِ، يعني: كما نُسب المدينيُّ إلى المدينة، وقد بان بما قاله أنّ اللغة مساوية للاصطلاح في هذا المعنى، والله أعلم)). قوله: (رَعُفَ، فانتَهرني) (١) تبين أنَّ سيبويهَ ليسَ مخطئاً، فإنّ ضَمَّ العينِ من رَعُفَ لغةٌ، لكن قالَ في " الصحاحِ " (٢): ((إنها ضعيفةٌ)). فلعلَّ حماداً أنكرَ عليهِ نطقهُ بغيرِ الفُصحَى، أو أنَّهُ لم يعرفْها، وحُكِىَ فيهِ التثليثُ عن ابنِ سيده في " المُحكم " (٣)، وابنِ السيِّدِ (٤)، وابنِ مالك في " مثلثيهما ". قال المُطَرِّزَيُّ: ((والكسرُ أضعفُها)) (٥). وفي " القاموسِ " (٦): (((رَعَفَ) كنَصَرَ، ومَنَعَ، وكَرُمَ وعَنِيَ، وسَمِعَ: خَرَجَ من أنِفِه الدَّمُ)). وقالَ ابنُ القطَّاعِ في " الأفعالِ " (٧): ((رَعَفَ الرجل رعْفاً سالَ دَمُهُ، والدمُ جَرَى، ورعُفَ يعني: بالضمِّ لغةٌ)).

стр. 875

قولُهُ: (والتَّحرِيف) (١) هو أن تختلف الكلمةُ بهيئة النُّطقِ بالتحريكِ والإسكانِ، والصورةُ بحالها من غيرِ تقديمٍ لبعضِ الحروفِ ولا تأخُّرٍ. مثل ((حجر)) بمهملةٍ ثم جيمٍ وراءٍ مهملةٍ تارةً محركاً وتارةً / ٢١٥ ب / مضموم الأولِ ساكن الثاني. والتصحيفُ مثله إلا أنَّ الاختلافَ فيهِ بالنقطِ لا بالضبطِ في الشكلِ. كالمِزِّي بكسرِ الميمِ ثم زاي، والمُرّي بضمِّ الميمِ ثم راءٍ مهملةٍ. واللهُ أعلمُ. قولُهُ: (عليه بُرْنُس وليسَ له رأسٌ) (٢) وجهُ الشبهِ عدمُ المقصودِ الأعظمِ في كل منهما، فإنَّ منفعةَ البُرنُس العُظمى تغطيةُ الرأسِ وثمرة قراءةِ الحديثِ فهمُ معناهُ، وهو تابعٌ للإعرابِ أو الأجرُ المرتَّب على قراءتهِ، وهو قريبٌ على صحةِ الأداءِ ليكونَ صادقاً. وكذا القولُ في ((الحمارِ والمخلاةِ)) (٣) فإنَّ المقصودَ من تعليقِها في رأسه هو الشعيرُ. قولُهُ: (فقلّما سَلِمَ) (٤) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((فإنَّ مَنْ حُرمَ ذلكَ، وكانَ أخذهُ وتعلُمُه من بطونِ الكتبِ، كانَ من شأنهِ التحريفُ، ولم يُفلِتْ من التبديلِ والتصحيفِ)) (٥). انتهى.

стр. 876

وَذَكَرَ ابنُ كثيرٍ في سنةِ خمسمئةٍ من " تاريخهِ " (١): ((أنَّهُ توفي فيها عبدُ الوهابِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ أبو محمدٍ الشيرازيُّ الفارسيُّ وأنَّهُ سمعَ الحديثَ الكثيرَ وتفقَّهَ، وولاهُ نظامُ الملكِ تدريسَ النظاميةِ ببغدادَ، وأنَّهُ كانَ يملي أحاديثَ، وكانَ كثيرَ التصحيفِ وأنَّهُ رَوَى حديثَ: ((صلاةٌ في إثرِ صلاةٍ كتابٌ في علِّيين)) (٢) فقال: ((كنار في غَلَسٍ)) (٣) وقالَ: ((هو أكثرُ لإضائتِها)). انتهى. وروينَا في جزءِ " الانتصارِ لإمامَي (٤) الأمصار " (٥) يعني: البخاري ومسلماً: أنَّ وكيعاً: قال: ((خلق الله للحديث رجالاً، ورجالاً لإصلاح التصحيف)).

стр. 877

إصلاحُ اللَّحنِ والخَطَأ قولُهُ: (إصلاحُ اللَّحْنِ وَالخَطأِ) (١) لما ذَكَرَ اللحَّانَ والمُصَحِّفَ أتبعَهُ إصلاحَ ما يحصلُ منهما. قولُهُ: (مِنْ متنٍ) (٢)، أي: وأصلحُ الإصلاحِ ما كانَ من متنٍ آخرَ قد وردَ عنِ النبيِّ ﷺ . قولُهُ: (أو تحريفٌ) (٣) ليسَ المرادُ بهِ معناهُ الاصطلاحيَّ، بل اللغويَّ، وهو أنْ يقعَ الخطأُ في حرفٍ من الكلمةِ أعمُّ من أنْ يكونَ آخرها أو غيرَ ذلكَ. فَسَاوَى حينئذٍ الخطأَ الذي ذكرهُ في النظمُ ليكونَ مُقابلاً للَّحنِ الذي هو الخطأُ في حرفِ الإعرابِ. قولُهُ: (يُروَى عَلى الخطأِ) (٤) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ (٥): ((وذهبَ إلى ذلكَ مِنَ التابعينَ محمدُ بنُ سيرينَ (٦)، وأبو معمرٍ عبدُ اللهِ بنُ سَخْبرةَ (٧)، وهذا غُلوٌّ في مَذهبِ اتّباعِ اللَّفظِ، والمنعِ مِنَ الروايةِ / ٢١٦ أ / بالمعنى)).

стр. 878

قوله: (وإليه ذهب الأوزاعيُّ) (١) عبارته: ((رُوِّينا ذلك عنِ الأوزاعيِّ (٢)، وابنِ المباركِ (٣) وغيرِهما (٤)، وهوَ مذهبُ المحصِّلينَ والعلماءِ مِنَ المحدّثينَ. والقولُ بهِ في اللّحنِ الذي لا يختلفُ بهِ المعنى وأمثالِهِ، لازمٌ على مذهبِ تجويزِ الروايةِ بالمعنى. وقدْ سَبَقَ أنَّهُ قولُ الأكثرينَ)) (٥). وقالَ في المسألةِ التي بعدها (٦): ((إذا كانَ الإصلاحُ بزيادةِ شيءٍ قدْ سَقَطَ، فإنْ لم يَكُنْ في ذلكَ مُغايرةٌ في المعنى، فالأمرُ فيهِ على مَا سَبقَ، وذلكَ كنحوِ ما رُوِيَ عَنْ مالكٍ)) (٧) فَذكرَ ما يأتي عنهُ من زيادةِ الواوِ، والألفِ، والمعنى واحدٌ.

стр. 879

قولُهُ: (لا سِيَّمَا في اللَّحْنِ الذي لا يختلفُ المعنى بهِ) (١) معناه أنَّ إصلاحَ هذا آكدُ من إصلاحِ غيرِهِ. وهذا معنى قولهِ في النظمِ: ((وَهْوَ الأَرْجَحُ)) (٢)، أي: أنَّ الاصطلاحَ جائزٌ أعمُّ من أن يكون مغيراً للمعنى أو لا، وإصلاح ما لا يُغَيِّر أرجحُ. قولُهُ: (لازمٌ) (٣) فيه نظرٌ؛ لأنَّ أكثرَ ما فيهِ أنْ يتأكدَ الجوازُ؛ لأنَّ الغرضَ أنَّهُ لا يغيرُ المعنى، فردُّهُ إلى الصوابِ جائزٌ عندَ من أجازَ الروايةَ بالمعنى، وروايتهُ على ما وجدَ من اللحنِ مؤديةٌ إلى الكذبِ على رسولِ اللهِ ﷺ ، وأمَّا اللزومُ فمن أينَ؟ لا يحصلُ الخلاصُ بأنْ يرويهِ على ما هو عليهِ، ثم يقولَ: هكذا وقعَ في روايتنا، كما سيأتي عن الإمامِ أحمدَ.

стр. 880

ويجوزُ تأويلُهُ على أن القولَ بجوازِ الإصلاحِ في هذهِ الحالةِ لازمٌ على ذلكَ القولِ وإلا تدافعَ اللزومُ مع تفريعهِ على الجوازِ وهذا كلُّهُ في الإصلاحِ باللفظِ، وأمَّا الإصلاحُ بالكتابةِ فسيأتي الكلامُ عليهِ. قولُهُ: (اللَّفظ المحتَمل) (١) صوابُه المختلُّ، بخاءٍ مُعجمةٍ، وإسقاطِ الميمِ معَ تشديدِ اللامِ لأنَّ المحتملَ لوجهِ صوابٍ لا يجوزُ إصلاحهُ، وكذلكَ هوَ في النُّسَخِ الصّحاحِ من " الاقتراح " (٢)، وعبارتُهُ: ((وسمعتُ من شيخِنا أبي محمدِ بنِ عبدِ السلامِ (٣) - وكَانَ أحدَ سلاطينِ العلماءِ (٤) - يَرى في هذه المسألةِ ... )) إلى آخرِهِ. ومن الغريبِ أنْ يقعَ هذا الاختلافُ في مسألةِ الروايةِ لما يقعَ فيهِ من الاختلالِ. قولُهُ: (في الحاشِيةِ) (٥) تتمةُ كلامِ ابنِ الصَّلاحِ: ((فإنَّ ذلكَ أجمعُ للمصلحةِ وأنفَى للمفسدةِ. وقد روينا أنَّ بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئيَ / ٢١٦ ب / في المنام وكأنه مرَّ من شفتِهِ ولسانهِ شيءٌ، فقيلَ لهُ في ذلكَ: فقالَ: ((لفظةٌ من حديثِ رسولِ اللهِ ... ﷺ غيرَّتُها بِرأيي فَفُعِلَ بي هذا)) (٦).
следующие страницы →