← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وَذَكَرَ ابنُ كثيرٍ في سنةِ خمسمئةٍ من " تاريخهِ " (١): ((أنَّهُ توفي فيها عبدُ الوهابِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ أبو محمدٍ الشيرازيُّ الفارسيُّ وأنَّهُ سمعَ الحديثَ الكثيرَ وتفقَّهَ، وولاهُ نظامُ الملكِ تدريسَ النظاميةِ ببغدادَ، وأنَّهُ كانَ يملي أحاديثَ، وكانَ كثيرَ التصحيفِ وأنَّهُ رَوَى حديثَ: ((صلاةٌ في إثرِ صلاةٍ كتابٌ في علِّيين)) (٢) فقال: ((كنار في غَلَسٍ)) (٣) وقالَ: ((هو أكثرُ لإضائتِها)). انتهى. وروينَا في جزءِ " الانتصارِ لإمامَي (٤) الأمصار " (٥) يعني: البخاري ومسلماً: أنَّ وكيعاً: قال: ((خلق الله للحديث رجالاً، ورجالاً لإصلاح التصحيف)).

стр. 877

إصلاحُ اللَّحنِ والخَطَأ قولُهُ: (إصلاحُ اللَّحْنِ وَالخَطأِ) (١) لما ذَكَرَ اللحَّانَ والمُصَحِّفَ أتبعَهُ إصلاحَ ما يحصلُ منهما. قولُهُ: (مِنْ متنٍ) (٢)، أي: وأصلحُ الإصلاحِ ما كانَ من متنٍ آخرَ قد وردَ عنِ النبيِّ ﷺ . قولُهُ: (أو تحريفٌ) (٣) ليسَ المرادُ بهِ معناهُ الاصطلاحيَّ، بل اللغويَّ، وهو أنْ يقعَ الخطأُ في حرفٍ من الكلمةِ أعمُّ من أنْ يكونَ آخرها أو غيرَ ذلكَ. فَسَاوَى حينئذٍ الخطأَ الذي ذكرهُ في النظمُ ليكونَ مُقابلاً للَّحنِ الذي هو الخطأُ في حرفِ الإعرابِ. قولُهُ: (يُروَى عَلى الخطأِ) (٤) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ (٥): ((وذهبَ إلى ذلكَ مِنَ التابعينَ محمدُ بنُ سيرينَ (٦)، وأبو معمرٍ عبدُ اللهِ بنُ سَخْبرةَ (٧)، وهذا غُلوٌّ في مَذهبِ اتّباعِ اللَّفظِ، والمنعِ مِنَ الروايةِ / ٢١٦ أ / بالمعنى)).

стр. 878

قوله: (وإليه ذهب الأوزاعيُّ) (١) عبارته: ((رُوِّينا ذلك عنِ الأوزاعيِّ (٢)، وابنِ المباركِ (٣) وغيرِهما (٤)، وهوَ مذهبُ المحصِّلينَ والعلماءِ مِنَ المحدّثينَ. والقولُ بهِ في اللّحنِ الذي لا يختلفُ بهِ المعنى وأمثالِهِ، لازمٌ على مذهبِ تجويزِ الروايةِ بالمعنى. وقدْ سَبَقَ أنَّهُ قولُ الأكثرينَ)) (٥). وقالَ في المسألةِ التي بعدها (٦): ((إذا كانَ الإصلاحُ بزيادةِ شيءٍ قدْ سَقَطَ، فإنْ لم يَكُنْ في ذلكَ مُغايرةٌ في المعنى، فالأمرُ فيهِ على مَا سَبقَ، وذلكَ كنحوِ ما رُوِيَ عَنْ مالكٍ)) (٧) فَذكرَ ما يأتي عنهُ من زيادةِ الواوِ، والألفِ، والمعنى واحدٌ.

стр. 879

قولُهُ: (لا سِيَّمَا في اللَّحْنِ الذي لا يختلفُ المعنى بهِ) (١) معناه أنَّ إصلاحَ هذا آكدُ من إصلاحِ غيرِهِ. وهذا معنى قولهِ في النظمِ: ((وَهْوَ الأَرْجَحُ)) (٢)، أي: أنَّ الاصطلاحَ جائزٌ أعمُّ من أن يكون مغيراً للمعنى أو لا، وإصلاح ما لا يُغَيِّر أرجحُ. قولُهُ: (لازمٌ) (٣) فيه نظرٌ؛ لأنَّ أكثرَ ما فيهِ أنْ يتأكدَ الجوازُ؛ لأنَّ الغرضَ أنَّهُ لا يغيرُ المعنى، فردُّهُ إلى الصوابِ جائزٌ عندَ من أجازَ الروايةَ بالمعنى، وروايتهُ على ما وجدَ من اللحنِ مؤديةٌ إلى الكذبِ على رسولِ اللهِ ﷺ ، وأمَّا اللزومُ فمن أينَ؟ لا يحصلُ الخلاصُ بأنْ يرويهِ على ما هو عليهِ، ثم يقولَ: هكذا وقعَ في روايتنا، كما سيأتي عن الإمامِ أحمدَ.

стр. 880

ويجوزُ تأويلُهُ على أن القولَ بجوازِ الإصلاحِ في هذهِ الحالةِ لازمٌ على ذلكَ القولِ وإلا تدافعَ اللزومُ مع تفريعهِ على الجوازِ وهذا كلُّهُ في الإصلاحِ باللفظِ، وأمَّا الإصلاحُ بالكتابةِ فسيأتي الكلامُ عليهِ. قولُهُ: (اللَّفظ المحتَمل) (١) صوابُه المختلُّ، بخاءٍ مُعجمةٍ، وإسقاطِ الميمِ معَ تشديدِ اللامِ لأنَّ المحتملَ لوجهِ صوابٍ لا يجوزُ إصلاحهُ، وكذلكَ هوَ في النُّسَخِ الصّحاحِ من " الاقتراح " (٢)، وعبارتُهُ: ((وسمعتُ من شيخِنا أبي محمدِ بنِ عبدِ السلامِ (٣) - وكَانَ أحدَ سلاطينِ العلماءِ (٤) - يَرى في هذه المسألةِ ... )) إلى آخرِهِ. ومن الغريبِ أنْ يقعَ هذا الاختلافُ في مسألةِ الروايةِ لما يقعَ فيهِ من الاختلالِ. قولُهُ: (في الحاشِيةِ) (٥) تتمةُ كلامِ ابنِ الصَّلاحِ: ((فإنَّ ذلكَ أجمعُ للمصلحةِ وأنفَى للمفسدةِ. وقد روينا أنَّ بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئيَ / ٢١٦ ب / في المنام وكأنه مرَّ من شفتِهِ ولسانهِ شيءٌ، فقيلَ لهُ في ذلكَ: فقالَ: ((لفظةٌ من حديثِ رسولِ اللهِ ... ﷺ غيرَّتُها بِرأيي فَفُعِلَ بي هذا)) (٦).

стр. 881

وكثيراً ما نَرى ما يتوهمُه كثيرٌ من أهلِ العلمِ [خطأ] (١) - وربما غيرَّوهُ- صواباً ذا وجهٍ صحيح، وإنْ خَفِيَ استُغْرِبَ، لا سِيَّما فيما يعدونَهُ خطأً من جهةِ العربيةِ، وذلكَ لكثرةِ لُغاتِ العربِ وتشعُّبِها. وروينا عَن عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ قالَ: ((كانَ إذا مرَّ بأبي لحنٌ فاحشٌ غيرَّه، وإذا كانَ لحناً سهلاً تَركَهُ، وقالَ: كذا قالَ الشَّيخُ)) (٢). وأخبرني بعضُ أشياخنا عمّن أخبرهُ عن الحافظِ عياضٍ (٣) بما معناهُ واختصاره: ((أنَّ الذي استمرَّ عليهِ عملُ (٤) أكثر الأشياخ أنْ ينقلُوا الروايةَ كما وصلتْ إليهم ولا يُغيِّرُوها في كتبهم، حتى في أحرفٍ من القرآنِ، استمرتِ الروايةُ فيها في الكُتبِ على خلافِ التلاوةِ المجمعِ عليها، ومن غيرِ أنْ يجيء ذلكَ في الشواذِّ، ومنْ ذلكَ ما وقعَ في " الصحيحينِ " و" الموطأ " وغيرها، لكنَّ أهلَ المعرفةِ منهم ينبهونَ على خطئِها عندَ السَّماعِ والقراءةِ وفي حواشي الكُتبِ، مع تقريرهم ما في الأصولِ على ما بلغَهُم. ومنهُم من جَسرَ على تغييرِ الكُتبِ وإصلاحِها. منهم: الوليدُ بنُ هشامِ بنِ أحمدَ الكنانيُّ الوَقَّشِيُّ (٥)، فإنَّهُ لكثرةِ مطالعتهِ وافتنانهِ وثقوبِ فهمهِ وحِدّةِ ذهنهِ جَسرَ على الإصلاح كثيراً، وغلطَ في أشياءَ من ذلكَ. وكذلكَ غيرُهُ ممن سلكَ مسلكَهُ.

стр. 882

والأولَى سدُّ باب التغييرِ والإصلاحِ؛ لئلا يَجْسُرَ على ذلك من لا يحسن وهوَ أسلمُ مع التبيُّنِ، فيذكر ذلك عند السماعِ كما وقعَ، ثم يذكر وجهَ صوابهِ: إمَّا من جهةِ العربيةِ، وإمَّا من جهةِ الروايةِ. وإنْ شاءَ قَرأَهُ أولاً على الصَّوابِ، ثمَّ قالَ: وقعَ عندَ شيخِنا، أو: في روايتِنا، أو: من طريقِ فلان، كذا وكذا)) (١). ثم قالَ في الإصلاحِ بزيادةٍ (٢): ((وإنْ كانَ الإصلاحُ بزيادةٍ يشتملُ على معنىً مغايرٍ لما وَقَعَ في الأصلِ، تأكّدَ فيه الحكمُ بأنّه يذكرُ ما في الأصلِ مقروناً بالتنبيهِ على ما سقطَ، ليسلمَ من معرَّةِ (٣) الخطأِ، ومن أنْ يقولَ على شيخهِ ما لم يقلْ. حدَّثَ أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ عن شيخٍ لهُ بحديثٍ قالَ فيهِ: / ٢١٧ أ / عن بُحَيْنَة، فقال أبو نعيم: إنما هو ((ابن بُحَيْنَة))، ولكنه قال: بُحَيْنَة (٤). قولُهُ: (القارئُ عليهِ) (٥)، أي: على الرَّاوي. قولُهُ: (قدْ وردَ في أحاديثَ) (٦) لو قالَ: ((في حديثٍ آخرَ)) كان أحسنَ، لا يقال: إنَّ الكلامَ في الأصلحِ لا في مُطلقِ الصالحِ، ولا شكَّ أنَّهُ إذا وردَ في عدةِ أحاديثَ، يحصلُ من الوثوق بِهِ، ما لا يحصلُ لو وَرَدَ في حديثٍ واحدٍ؛ لأنَّ الإصلاحَ على مراتبَ: أولها: ما لم تُعلمْ موافقتُهُ للفظِ حديثٍ.

стр. 883

الثانية: ما وافقَ لفظَ حديثٍ واحدٍ. الثالثة: ما وافقَ أكثر. وهي مراتبُ متصاعدةٌ، فما وافقَ حديثاً كانَ أصلحَ مما لم يوافقْ، على أنَّا لو اجتهدنا في تأويلِ الشَّرحِ، لم نقدرْ على مثلِ ذلكَ في النظمِ فإنّ عبارتَهُ ((منْ متنٍ)) (١). قولُهُ: (وليأتِ في الأصلِ) (٢) لا يعرفُ من النظمِ، أنَّ هذا فيما ظنَّ أنَّهُ سقطَ من الأصلِ. فلو قالَ: يَزيدُ عندَ السقطِ ما لا يكثرُ ... في الأصلِ كابن حيثُ لا يُغيّرُ لكانَ أحسنَ، وفُهمَ منهُ الحرفُ بطريقِ الأولى. قولُهُ: (إذا كانَ الساقطُ) (٣) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ بعدَ مسألةٍ - يعني: الآتيةَ آخر الكلامِ على هذينِ البيتينِ - ((هذا إذا كانَ شيخُهُ قدْ رواهُ [لهُ] (٤) على الخطأ، فأمَّا إذا وجَدَ ذلكَ في كتابِهِ وَغَلبَ على ظنِّهِ أنَّ ذلكَ منَ الكتابِ لا مِنْ شيخِهِ، فيتَّجِه هاهنا إصلاحُ ذلكَ في كتابِهِ وفي روايتِهِ عند تحديثِهِ بِهِ معاً (٥)، ذكرَ أبو داودَ أنَّهُ قالَ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: وجدتُ (٦) ... )) إلى آخره.

стр. 884

قولُهُ: (يُزادُ فيهِ الواوُ والألفُ) (١) الظاهرُ أنَّ المرادَ إذا ظنَّ سقوطَ ذلكَ من الكتابِ، إمّا من الناسخِ، أو بالتجليدِ، أو الأرضةِ، أو غيرِ ذلكَ، لا بالتّشهِي. قولُهُ في قولِهِ: ٦٤٩ - وَصَحَّحُوْا اسْتِدْرَاكَ مَا دَرَسَ في ... كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِهِ إِنْ يَعْرِفِ يتعلقُ باستدراكٍ. و ((مِنْ بَعْضِ)) (٢) بيانٌ لما دَرَسَ. قولُهُ: (كَمَا) (٣)، أي: صَحَّحُوا هذا، كما صحَّحُوا اعتمادَهُ على ما سَمعَهُ، فَخفيَ عليهِ بعضُه فلم يثبتُه كما يجبُ، فأعادهُ لهُ غيرُهُ ممن يعتمدُ حتى ثَبتَ عندهُ. قولُهُ: (بعضُ المتنِ) (٤) في التقييدِ بالبعضِ نظرٌ، فالذي ينبغي جوازُ إصلاحِ الحديثِ الكاملِ متناً وسنداً، إذا كانَ الأصلُ المصلحُ منهُ، كما ذَكَرَ في الاعتمادِ؛ لأنَّهم صرَّحوا باعتمادِ مثلهِ في المقابلةِ والروايةِ والعملِ، ولم يقيدُوا ذلكَ بالبعضِ / ٢١٧ ب /. قولُهُ: (إذا عرفَ صحَتهُ) (٥) قالَ ابنُ الصلاحِ عَقِبَهُ: ((وسكنَتْ نفسُهُ إلى أنَّ ذلكَ هوَ الساقِطُ مِنْ كِتابهِ)) (٦). قولُهُ: (ووثِقَ بصاحبِ الكتابِ) (٧) وثوقَهُ من الأسبابِ التي تُعرفُ بها الصحةُ.

стр. 885

قولُهُ: (نُعيمُ بن حمَّادٍ) (١) قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((فيما رُوِيَ عنْ يَحيَى بنِ معينٍ عنهُ)) (٢). قوله: (ولو بيَّنَ ذلكَ) (٣) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((في حالِ الروايةِ)) (٤). قوله: (الكُلَفِيِّ) (٥) نِسبةً إلى كُلفَةَ بطنٌ من تميم، قالَهُ غيرُ واحدٍ (٦). وقالَ ابنُ حَزمٍ في " الجمهرةِ " (٧): ((إنّهم من البُراجُمِ)).

стр. 886

قالَ ابنُ مَاكُولا: ((كُلفةُ بضمِّ الكافِ وبالفاءِ، فجماعةٌ، منهم: كُلْفَةُ بنُ حنظلةَ بنِ مالكِ بنِ زيدِ مناةَ بنِ تَميم)) (١). ولامُه ساكنة؛ لأنّه ذكر بعده ((كَلْبة))، فقال: ((بفتح الكاف وبالموحدة)) (٢)، ولو كانت اللام مختلفة لضبطها، وكذا نقل عن ضبط ابن الأمينِ (٣) بخطّهِ في " الاستيعابِ " في ترجمةِ الحكمِ المذكورِ.

стр. 887

اختِلافُ ألفَاظِ الشُّيوخِ قولُه في اختلافِ ألفاظِ الشيوخِ: (بلفظٍ) (١)، أي: بذكرِ لفظِ أحدِهما، أو أحدِهم، كما قالَ الشيخُ. قولُه: (وَقالاَ اقتَرَبا) (٢) لا يوهمُ أنَّ الألفَ في ((قالا)) ضميرُ البخاريِّ ومسلمٍ، بل هي للإطلاقِ، كما قالَ الشيخُ (٣). ولا أنَّ الضميرَ المستترَ لابنِ الصّلاحِ، بقرينةِ قولهِ: ((أوْ لَمْ يَقُل)) (٤). واعلمْ أنَّ ((لم يقل)) قافيتُه متراكبٌ (٥) فهو مخالفٌ لتقابلٍ في القافيةِ من جهةِ أنَّها متداركٌ ومن جهة التأسيسِ. قولُه: (يُسْمِى) (٦) مخففٌ من أسْمى، وقد تقدَّمَ أنها لغةٌ في سمى. قوله: (للخروجِ منَ الخلافِ) (٧)، أي: في جوازِ الروايةِ بالمعنَى. قولُه: (واستُحْسِنَ) (٨) رأيتُها في نسخةٍ مقرؤةٍ على المصنِّفِ، مضبوطةً بضمِّ التاءِ، للبناءِ للمجهولِ. إشارةً إلى أنّه وافقَ ابنَ الصّلاحِ هوَ أو غيرهُ على استحسانِ ذلكَ.

стр. 888

فإنَّ عبارةَ ابنِ الصّلاحِ (١): ((ولمسلمٍ صاحبِ " الصحيحِ " معَ هذا في ذلكَ عبارةٌ أخرى حسنةٌ، مثلُ قولِهِ: حدَّثنا أبو بكر (٢) ... )) إلخ، وقولهُ: ((معَ هذا)) يعني: مع قولهِ: ((واللفظ لفلانٍ)) ونحوه فإنَّهُ يعبرُ بذلكَ، مثل قولهِ: حَدّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، وأبو كريبٍ، واللفظُ لأبي كريبٍ، قالا: حَدّثنا أبو معاويةَ، فَذَكرَ حديثَ أبي هريرةَ: ((لكلِ نبيٍّ دعوةٌ مُستجابةٌ)) في كتابِ الإيمانِ (٣). وكذا ما أدّى مَعنَى هذا، مثلَ قولهِ أولَ كتابِ الإيمانِ (٤): حَدّثَني أبو خيثمةَ / ٢١٨ أ / زهيرُ بنُ حَربٍ، قالَ: حَدّثنا وكيعٌ، عن كَهْمَسَ، عن عبدِ اللهِ ابنِ بُريدةَ، عَن يَحيَى بن يَعْمَرَ. وحَدّثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ العنبريُّ، وهذا حديثهُ، قال: حَدَثنا أبي، قالَ: حَدّثنا كَهمَسُ، فذكَرهُ. قولُه: (بأنَّ اللفظَ) (٥)، أي: لفظَ الحديثِ بسندهِ، لا لفظَ أحدِهما وحدَهُ. قولُه: (قلتُ: ويحتملُ) (٦) هذا الاحتمالُ هو الراجحُ المتبادرُ إلى الفهمِ،

стр. 889

ويحتملُ أيضاً أنَّه أرادَ تخصيصَ أبي بكرٍ بذكرِ اللقبِ وهو الأحمرُ (١). قولُه: (ممّا عِيبَ) (٢) قالَ ابنُ الصّلاحِ قبلَهُ: ((وقولُ أبي داودَ صاحبِ السُّننِ: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، وأبو توبةَ - المعنى - قالا: حدّثنا أبو الأحوصِ. (٣) معَ أشباهٍ (٤) لهذا في كتابِهِ، يحتملُ أنْ يكونَ منْ قبيلِ الأولِ - أي: وهوَ أنْ يكونَ التفاوتُ بينَ الروايتينِ في اللفظِ والمعنى واحداً، قال: - فيكونَ اللفظُ لمسدّدٍ ويوافقهُ أبو تَوبَةَ في المعنى. ويحتملُ أنْ يكونَ منْ قبيلِ الثاني، فلا يكونُ قدْ أوردَ لفظَ أحدِهما خاصّةً، بلْ رواهُ بالمعنى عنْ كليهِمَا (٥)، وهذا الاحتمالُ يَقْرُبُ في قوله (٦): حدّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، وموسى بنُ إسماعيلَ - المعنى واحدٌ - قالا: حدَّثنا أبانُ. وأمّا إذا جمَعَ بينَ جماعةِ رواةٍ قدِ اتَّفقوا في المعنى (٧)، وليسَ مَا أوْرَدَهُ لفظَ كلِّ

стр. 890

واحدٍ منهم، وسكتَ عنِ البيانِ لذلكَ، فهذا ممّا عيبَ بِهِ البخاريُّ ... )) (١) إلى آخرهِ. قولهُ: (أو غيرُهُ) (٢) بإثباتِ الألفِ قبلَ الواوِ، كأنَّه كانَ يحفظُ أنَّ بعضَ العلماءِ عابَ بعضَ المصنِّفينَ بهذا، وغلبَ على ظَنّهِ أنّه البخاريُّ، معَ قيامِ الاحتمالِ فصرّحَ بهِ وعطفَ غيرَهُ بـ ((أو))، وهذا ليسَ عيباً؛ لأنَّ مذهبَ البخاريّ جوازُ الرِّوايةِ بالمعنىَ؛ وهو أستاذُ مَن يعرفُ معانيَ الألفاظِ، ويتقنُ ما يحيلُ المعنى من غيرهِ، فهو لم يخرجْ عن مذهبهِ فجهل هذا أن يكونَ خلافَ الأولى.

стр. 891

قولهُ: (كالأوّلِ) (١)، أي: وهو ما إذا سمعَ الحديثَ من شيخينِ فأكثرَ، بلفظٍ مختلفٍ ومعنىً متحدٍ. ثُمّ اعلمْ أنَّ احتمالَ عدم الجوازِ في هذا ينبغي أنْ يخصَّ بما إذا لم يبينْ أنّ روايتَهُم للحديثِ الذي أوردَهُ من الكتابِ الفلانيِّ، أمّا إذا بيّنَ فالأصلُ في الكُتبِ المصنَّفةِ إذا لم يعلمْ اختلافُ رواياتِها عدمُ الاختلافِ، ولو فرضَ فهو في الغالبِ يسيرٌ، تَجبرُ مثلَهُ الإجازةُ (٢). / ٢١٨ ب / قولهُ: (فإنَّهُ اطّلَعَ) (٣) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((اطَّلَعَ عَلَى روايةِ غيرِ مَنْ نَسَبَ اللفظ إليهِ وَعَلَى مُوافَقَتِها مِنْ حيثُ المعنى، فأخبَرَ بذلكَ)) (٤). انتهى. ثُم اعلمْ أنّ هذا كلَّهُ فيما للراوي أن يفعلَ في الروايةِ، وأمّا الاحتجاجُ: فإن كان كلٌ من الشيخينِ، أو الشيوخِ ثقةً، فإنّ عدمَ التمييزِ حينئذٍ لا محذورَ فيهِ. قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: ((فإنّ الحجةَ قائمةٌ بروايةِ العدلِ، ولا يضرُّنا جهالتُهُ بعينهِ بعدَ معرفةِ ثقتهِ)) (٥). وإنْ كانَ أحدٌ من رواتهِ مجروحاً، قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: ((لم يحتج بلفظٍ معينٍ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ عن المجروحِ، واللهُ أعلمُ)) (٦). وسيأتي التنبيهُ على هذا في آخرِ هذه التفريعاتِ قبلَ آدابِ المُحدِّثِ.

стр. 892

الزِّيادَةُ في نَسَبِ الشَّيخِ قولهُ في قولهِ: (الزّيادة في نسبِ الشيخِ) (١): (فَلا تَزِدْ) (٢) أمّا إذا مَنعنَا الروايةَ بالمعنى، فواضحٌ في أنّ ذلك لم يجزْ كما قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٣). وأمّا عندَ مَن أجازَهَا ففيهِ نظرٌ. والذي يتجهُ أنّه لا مانعَ من جوازِ الزيادةِ عندَهُ. وهذه المسألةُ شبيهةٌ بما يأتي من إبدالِ الرسولِ بالنبيِّ في السّندِ وعكسهِ، ولا يقالُ: شرطُ الروايةِ بالمعنى، تَساوي اللفظينِ في الصدقِ، ومفهومُ النبيِّ غيرُ مفهومِ الرسولِ، وما بعد الذي ذَكرَهُ الشيخُ من نَسَبِ الرَّاوي، أو صفتهِ، لا إشعارَ للَّفظِ بهِ لأنّا نقولُ: الموصوفُ ذات واحدة، ونحنُ نتحقّقُ أنَّ ذلكَ مرادُ الشّيخِ، وأنّهُ لو عُرِضَ عليه رَضِيَهُ. وأمّا الأولويةُ فلا نزاعَ أنّ البيانَ أولَى وأشدُّ؛ لما فيهِ من التّحرّي. قولهُ: (نَحو هُوْ) (٤)، أي: واجتنبِ الزيادةَ على ما أتى بهِ الشّيخُ بكلِّ حالٍ، إلاَّ حالاً كائنةً، مع فصلٍ بينَ كلامِ الشيخِ، وما زادَ عليهِ نحو ((هو)). قولهُ: (أوْجِىْء) (٥) عُطِفَ على ((اجْتَنِبْ))، أو على جملة الاستئنافِ - أي: ((إلاَّ بِفَصْلٍ)) - فإنَّه يجوزُ، ((أوْجِئْ بأنَّ)) فإنَّ ذلكَ يجوزُ أيضاً، من غيرِ تمييزٍ لكلامِ الشَّيخِ من كلامِكَ. فإنَّكَ إذا قلتَ: ((حدَّثنا فلانٌ: أنَّ فلانَ بنَ فلانٍ الفلانيَّ حدَّثَهُ)) لم يكنْ هناكَ شَيئاً مُشعِراً بأنَّ ذلكَ الذي بعد ((أنَّ)) أو شيئاً منه من كلامِ الشَّيخِ.

стр. 893

قولهُ: (يُبَيِّنُ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((مُميَّز، فإنْ أتى بِفَصلٍ جَازَ، مثلُ أنْ يَقُولَ: هُوَ ... )) (٢) إلخ. قولهُ: (وأحببتَ) (٣) هو من الحُبِّ، أي: فأردتَ ذلكَ فاستعنْ ((بأنَّ)) وهيَ في كتابِ ابنِ الصّلاحِ: ((فأحبَبتَ)) (٤) بالفاءِ على أنّه مسببٌ عن عدمِ إتمامِ النَسَبِ. والواو لا تفيدُ مَعناها فلا يتركُ بها. قولهُ: (أنَّ فلانَ بنَ فلانٍ حدّثَهُ) (٥) لعلَّهُ بشرطِ أن يُبيّنَ أنّه حَدّثَهُ إجازةً، أو يقولَ: أخبرَهُ إجازةً، أو يقولَ: أنبأَهُ / ٢١٩ أ /، أو نحو ذلك، مما يُبيّنُ الحالَ من أنّهُ بطريقِ الإجازةِ أو غيرِها، فقد تَقدّمَ في كيفَ يقولُ مَن رَوَى بالمناولةِ والإجازةِ: أنَّ الصَّحيحَ المختارَ الذي عليهِ عملُ الجمهورِ واختارَهُ أهلُ التّحرّي والورعِ المنعُ من إطلاقِ: حَدّثَنا وأخبرَنَا ونحوهما في المناولةِ والإجازةِ. ويُقيّدُ ذلكَ بعبارةٍ تُبيّنُ الواقعَ في كيفيةِ التحمُّلِ وتُشعِرُ بهِ. قولهُ: (نَسَبَ شيَخهِ) (٦) قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((وأمّا إذا كانَ شيخُهُ قدْ ذَكرَ نَسَبَ شيخِه أوْ صفتَهُ في أولِ كتابٍ أو جزءٍ)) (٧). انتهى.

стр. 894

وهذه المسألةُ - من صورِ مَسألةِ الروايةِ من النسخِ التي إسنادُها واحدٌ - الآتيةُ. قولهُ: (عَلَى اسمِ الشَّيخِ) (١) قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((عَلى ذكرِ الشيخِ أوْ بعضِ نَسَبهِ مثالُهُ أنْ أروِيَ جُزْءاً عنِ الفَرَاوِيِّ، وأقولَ في أولِهِ: أخبرَنا أبو بكرٍ منصورُ بنُ عبدِ المنعمِ بنِ عبدِ اللهِ الفَرَاوِيُّ، قالَ: أخبرَنا فلانٌ، وأقولَ في باقي أحاديثِهِ: أخبرَنا منصورٌ (٢)، أخبرَنا منصورٌ. فهلْ يجوزُ لمنْ سمعَ ذلكَ الجزءَ منّي أنْ يرويَ عنّي الأحاديثَ التي بعدَ الحديثِ الأولِ مُتَفَرقةً، ويقول في كُلِّ واحدٍ منها: أخبرَنا فلانٌ، قالَ: أخبرَنا منصورُ بنُ عبدِ المنعمِ بنِ عبدِ اللهِ الفراويُّ، قالَ: أخبرَنا فلانٌ، وإنْ لَم أذكرْ لَهُ ذَلكَ في كُلِّ واحدٍ منها اعتماداً عَلَى ذِكْري لَهُ أولاً؟ فهذا قدْ حَكَى الخطيبُ (٣) الحافظُ عنْ أكثرِ أهلِ العلمِ أنّهمْ أجازوهُ. وعنْ بعضِهمْ [أنّ] (٤) الأولى أنْ يقولَ: يعني: ابنَ فلانٍ)) (٥). قولهُ: (معَ إتمامِ نسبِ شيخِ شيخِهِ) (٦)، أي: لأنَّه معطوفٌ عَلَى مَا قبله، وحُكمُ المتعاطفينِ واحدٌ. قولهُ: (الأصبهانيّ) (٧) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ (٨): ((ثُمَّ ذَكَرَ - الخطيبُ - (٩) أنَّهُ

стр. 895

هكذا - يعني: في الاستعانةِ على الزيادةِ (١) - بأن (٢) رَأَى الشّيخَ (٣) أبا بكرٍ أحمدَ بنَ عليٍّ الأصبهانيَّ (٤) نزيلَ نَيسابورَ يفعلُ - وكانَ أحدَ الحُفّاظِ المجوِّدينَ ومنْ أهلِ الورعِ والدينِ - وأنَّهُ سألَهُ عنْ أحاديثَ كثيرةٍ رَوَاها لَهُ قالَ فيها: ((أخبرنا أبو عمرو بنُ حمدانَ، أنَّ أبا يَعْلَى أحمدَ بنَ عليِّ بنِ المثنَّى الموصليَّ أخبَرَهُمْ، وأخبرَنا أبو بكرٍ بنُ المقرىءِ / ٢١٩ ب / أنَّ إسحاقَ بنَ أحمدَ بنِ نافعٍ حدَّثَهم، وَأخبرَنا أبو أحمدَ الحافظُ أنَّ أبا يوسفَ محمدَ بنَ سُفيانَ الصفَّارَ أخبرَهمْ، فَذَكَرَ لَهُ أنَّها أحاديثُ سمعَهَا قراءةً عَلَى شُيُوخِهِ في جملةِ نُسَخٍ، نَسبوا الذينَ حدَّثُوهمْ بِهِا في أوَّلِها، واقتصرُوا في بقيَّتِها عَلَى ذِكرِ أسمائِهِم (٥). قالَ: وكانَ غيرُهُ يَقولُ في مِثلِ هذا: أخبرَنا فُلانٌ، قالَ: أخبرَنا فلانٌ، هو ابنُ فلانٍ (٦)، ثمَّ يَسُوقُ نَسَبَهُ إلى مُنتهَاهُ)) (٧). قولهُ: (وهَذا الذي أسْتَحبُّهُ) (٨) يعني: الاستعانةَ في الزيادة بلفظِ ((هو)) ظاهرهُ أنَّهُ أحبُّ عندَهُ منْ جميعِ مَا عداهُ. ويعلّلُ حينئذٍ بأنّ ((هو)) أظهرُ في فهمِ أنَّ الكلامَ منَ الراوي من لفظِ ((يعني))؛ لأنَّ ضميرَ الفاعلِ فيها يحتملُ أنْ يكونَ له، وأنْ يكون لشيخهِ، ونحو ذلك.

стр. 896

لكنَّ تعليلَهُ ربما أفهمَ أنَّهُ لا يُفضلُّها إلاّ على ((أنَّ فلاناً))، وسيأتي في ترتيبِهِ لأولويةِ الصيغِ ما يؤيدهُ. ثُمَّ وراء ذلك ((أن)). قولهُ في تعليلهِ: (فيما أُجيزَ لهم) (١) إلخ فيهِ أمورٌ: أَحَدُها: أنَّه لا يتجهُ أنَ تكونَ الإجازةُ للراوي نفسِهِ بلْ لشيخهِ، إذ فرضُ المسألةِ أن يقولَ: ((أخبرنا فلانٌ أنَّ فلاناً)) فهو قدْ صَرّحَ بإخبارِ شيخهِ لهُ، أو استعمالهِ لـ ((أنّ)) إنما هو بالنسبةِ إلى شيخهِ في حقِّ مَن فوقَهُ فكانَ حقُّ العبارةِ ((فيما أُجيز لمشايِخهم)). الثاني: قولهُ: (أنَّ فلاناً حدَّثَهُم) (٢) يُحيلُ المسألةَ، فإنَّ شرطَها: أنْ لا يصرحَ بعد ((أنَّ)) بالتحديثِ ونحوه، مما يدلُّ على السّماعِ، فإنَّه يكونُ كاذباً إنْ عُدِمَ ذلكَ. وإنّما صورةُ المسألةِ أنْ يقولَ: ((أنَّ فلاناً قالَ كذا)). الثالثُ: قولهُ: (حدَّثَهُم) إنْ عادَ الضميرُ فيهِ على ((قَومٍ)) كانَ صحيحَ اللفظِ فاسدَ المعنى؛ لأنَّ التَّحديثَ إنّما هو لمشايخِهِم، وإنْ عادَ على ((فلانٍ)) كانَ فاسداً في اللفظِ؛ لأنَّه ضميرُ جمعٍ يعودُ على مفردٍ والمعنى صحيحٌ إنْ أريدَ ما يصحُّ أنْ يُطلقُ عليهِ ((فلانٌ)) على البدلِ لا بقيدِ البدلِ. قولهُ: (ولعلَّهُ فيما أُجيزَ لِشيوخِهم) (٣) هذا هو الصوابُ، واللهُ أعلمُ. والنقلُ المشارُ إليهِ عن الخطابيِّ في كيفَ يقولُ مَن رَوَى بالمناولةِ والإجازةِ.

стр. 897

ثُم رَتّبَ ابنُ الصّلاحِ أولويةَ الألفاظِ التي يستعانُ بها فقالَ: ((جميعُ هذه الوجوهِ جائزٌ. وأولاَها أنْ يقولَ: ((هو ابنُ فُلانٍ))، أو ((يعني: ابنَ فُلانٍ))، ثمّ أنْ يقولَ: ((إنّ فُلانَ بنَ فُلانٍ))، ثمّ أنْ يذكرَ المذكورَ في أولِ الجزءِ بعينهِ منْ غيرِ /٢٢٠ أ / فصلٍ؛ والله أعلمُ)) (١).

стр. 898

الرِّوَايةُ مِنَ النُّسَخِ التي إسنَادُها واحدٌ قولهُ في الروايةِ من النُّسَخِ: (قَطُ) (١) مَعناها حَسب. وقد تَقدّمَ الكلامُ عليها في الكلامِ على الرمزِ وأنَّها مبنيةٌ على السكونِ وقدْ حُرِّكتْ هنا لاجتماعِ سُكونِها مع سُكونِ واوِ الإطلاقِ واختِيرَ ضَمُّها لمناسبةِ الواوِ. قولهُ: (لآخِذٍ كَذَا) (٢)، أي: لمن أَخَذَ الحديثَ بالإسنادِ المذكورِ أولاً، مِن غيرِ إعادتِه معَ كلِّ حديثٍ. قولهُ: (مَعَ آخِرِهِ) (٣)، أي: بأنْ يقولَ لشيخِهِ: أخبرك بجميعِ الصحيفةِ فلانٌ إلى آخرِ السَّندِ. ومنْ فوائدهِ: أنْ يسمعَهُ مَن لم يكنْ سَمعَهُ في أوَّلِ الكتابِ. وهكذا الحكمُ في الكُتبِ المصنَّفةِ لا فرقَ بينَها وبينَ الصحيفةِ في ذكرِ السّندِ أوَّلاً وآخراً. ووجهُ الاحتياطِ بهذا أنَّ السّندَ صارَ مُحيطاً بالصّحيفةِ، أو الكتابِ المصنَّفِ في الأوَّلِ والآخرِ، ولكنَّهُ لا يرفعُ خلافَ مَنْ يَقولُ بوجوبِ ذِكرِ السندِ مع كلِّ حديثٍ، حتى لا يجيزَ روايةً ما، لم يذكرِ السندَ في أوَّلهِ، بسندهِ المذكورِ قبل إلاَّ بالطريقِ الآتي عنِ ابنِ الصَّلاحِ (٤). ووجهُ عدمِ رَفعهِ أنَّ تلكَ الإحاطةَ إنّما تقطعُ النزاعَ لو لم يكنِ الشيءُ ذا أجزاءٍ، وأمّا معَ كونهِ ذا أجزاءٍ فلا يَرْفَعُ الخلافَ إلا إحاطةٌ تُحيطُ بكلِّ جزءٍ من تلكَ الأجزاءِ وذلكَ بأنْ يعادَ السندُ مع كُلِّ حديثٍ.

стр. 899

قولهُ: (ويوجدُ ذلكَ) (١)، أي: إعادةُ السَّندِ مع كلِّ حديثٍ، فلا يُتوهمُ غيرُ ذلكَ. والذي قُلتهُ صريحُ عِبارةِ ابنِ الصّلاحِ فإنَّهُ قالَ: ((منهم منْ يُجوِّزُ (٢) ذِكْرَ الإسْنادِ في أوَّلِ كُلِّ حديثٍ منها، ويوجدُ هذا في كثيرٍ منَ الأصولِ القديمةِ، وذلِكَ أحْوَطُ)) (٣). قولهُ: (وأوجبَ ذلكَ بعضُهم) (٤) هوَ القائلُ بالمنعِ من أنْ يُروَى بالإسنادِ حديثٌ مما رُوِيَ مُدرَجاً من غيرِ ذكرٍ للسَّندِ حالَ القراءةِ في أولهِ بخصوصهِ. قولهُ: (لأنَّ المعطوفَ) (٥) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((وهذا لأنَّ الجميعَ معطوفٌ على الأولِ، فالإسنادُ المذكورُ أولاً في حُكمِ المذكورِ في كلِّ حديثٍ، وهو بمثابةِ ... )) إلخ (٦). قولهُ: (تَقطيع المتنِ) (٧) الجامعُ بينَهما أنَّ كُلاً مِنهُما جُملٌ رُكِّبتْ على إسنادٍ واحدٍ، معَ عدمِ إعادةِ السندِ قبلَ كلِّ جُملةٍ بخصوصِها اكتفاءً بذكرهِ في الأوَّلِ، فإذا قَطَعَ من المتنِ ما بعد الجملةِ الأولَى وركَّبَها /٢٢٠ ب/ على الإسنادِ، كانَ بمنزلةِ ما إذا ساقَ ما بعدَ الحديثِ الأوَّلِ من الصحيفةِ ورَكَّبَهُ على الإسنادِ.

стр. 900

قولهُ: (إلاَّ مَع بيانٍ) (١) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((وسَألَ بعضُ أهلِ الحديثِ الأستاذَ أبا إسحاقَ الإسفرايينيَّ الفقيهَ الأصُوليَّ عنْ ذلكَ؟ فقالَ: ((لا يَجُوزُ)) (٢). وعَلَى هذا مَنْ كانَ سماعُهُ على هذا الوجهِ فطريقُهُ أنْ يُبَيِّنَ ويحكيَ [ذلكَ] (٣) كمَا جَرى، كمَا فَعلَهُ مُسلِمٌ (٤) في صحيفةِ همَّامٍ)) (٥). وَمِن هُنا تعلمُ أنَّ هذا مُفرّعٌ على القولِ بالمنعِ، وهوَ غيرُ المسألةِ التي قالَ الشيخُ فيها: ((وعلى القولِ بالجوازِ، فالأحسنُ البيانُ)) (٦) فإنَّ تلكَ - فيما تفيدُ - الحُسْنَ؛ خروجاً من الخلاف. وَمسألة ابنِ الصّلاحِ فيما يفيدُ الجوازَ، وبسوقِ عبارةِ ابنِ الصّلاحِ، ظَهَرَ أنَّ تجويزَ المانعينَ الروايةَ معَ بيانِ كيفيةِ التحمُّلِ من كلامِ ابنِ الصّلاحِ (٧)، لا مِن كلامِ المانعينَ بخلافِ ما أفادتهُ عبارةُ الشّيخِ. وظَهَرَ أيضاً أنَّ مُسلِماً من المانعينَ، وكلامُ الشيخِ يُفهِمُ أنَّه من المُجيزِينَ، واللهُ أعلمُ. قولهُ: (في الجنَّةِ ... الحديثَ) (٨) فِعْلُ مُسلمٍ واضحٌ.

стр. 901

وقد سَلَكَ البُخاريُّ هذا المسلَكَ (١)، لكنْ معَ خَفاءِ الإشارةِ كعادتهِ. فيذكرُ السَّندَ، وقليلاً منْ أولِ أحاديثِ الصحيفةِ، ثمّ يذكرُ مُرادَهُ منْ غيرِ بيانٍ كما قالَ في كتابِ الطّهارةِ (٢): حَدَّثَنا أبو اليمَانِ، قالَ: أخبرَنَا شُعَيبٌ، قالَ: أخبرَنا أبو الزِّنَادِ: أنَّ عبدَ الرحمانِ بنَ هُرمُز الأعرجَ حدَّثه [أنَّه سمِعَ أبا هريرةَ] (٣): أنَّهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ((نحنُ الآخِرونَ السابقونَ))، وبإسنادهِ قالَ: ((لا يَبولنَّ أحدُكُم في الماءِ الدائمِ الذي لا يَجري ثُمَّ يغتسلُ فيهِ)). وأوقعَ ذلكَ بعضَ الشارحينَ في وهمٍ، وهو أنَّهُ ظنَّ أنَّهُ إنما ذَكرَ ((نحنُ الآخرونَ)) لمناسبةٍ لَهُ بالبابِ وتمحّل مناسبة بعيدة وهي: أنَّهُ لا فرقَ في استعمالِ الماءِ بينَ أولهِ وآخرهِ، أو نحوَ ذلكَ (٤). قولهُ: (الخلافُ في إفرادِ) (٥)، أي: جوازُ إفرادِ كُلِّ حديثٍ، بل المانعُ لهُ أنْ يَطَّرِدَ الخلافُ فيه فيقولَ: لا تجوزُ روايتهُ بخصوصهِ بذلكَ السندِ مفرداً.

стр. 902

تَقدِيمُ المتنِ على السَّنَدِ قولُهُ: (تَقْدِيمُ المَتنِ) (١) (وَسَبْقُ مَتْنٍ) (٢)، أي: مِن المتُونِ في حالِ الروايةِ بسندهِ لو كانَ مُلتبِساً ببعضِ سَندِ ذلكَ المتنِ، لا يمنعُ الحكمَ عليهِ بالوصلِ، ولا يمنعُ ((أنْ يَبْتَدِي رَاوٍ)) تحمَّلَهُ ((كَذَا)) (٣)، أي: سبقَ المتنِ مُلتبساً ببعضِ /٢٢١ أ/ السَّندِ على بعضِ السَّندِ الآخرِ ((بِسَنَدٍ))، أي: لا يمنعُهُ ذلكَ أنْ يَبتَدئَ حالَ الأداءِ بالسندِ كلِّهِ ويركِّبَ عليهِ ذلكَ المتنِ. فإنَّ ابتداءَهُ بالسّندِ كلِّهِ مرتَّباً على أخذِ كل شيخٍ عن شيخهِ، وتركيبَ المتنِ عليه مُتَّصلاً بهِ مُتَّجِهٌ وإنْ كانَ ذلك مُخالفاً لهيئةِ سَماعهِ (٤). وقولهُ: (كَذَا) (٥) مفعولُ اسمِ الفاعلِ الذي هوَ راوٍ، أي: الذي رواهُ الراوي روايةً كائنةً مثلَ هذا الذي ذكرنَاهُ مِن تقديمِ المتنِ مُلتبِساً ببعضِ السَّندِ، يمكنُ أنْ يكونَ هذا مرادَ النَّاظِمِ، ويمكنُ أنْ يكونَ الواوُ محذوفاً وهو مرادٌ قبل ((لَو)) (٦) فيكونَ التقديرُ حينئذٍ: وسَبقُ مَتنٍ عَلى جميعٍ بسندٍ، لا يمنعُ الحكمَ على ذلكَ الحديثِ بالوصلِ، ولا يمنعُ الراويَ أنْ يبتدئَ بسندهِ، ثُمَّ يركّبَ متنَهُ عليهِ، ولو كانَ سبقُ المتنِ على السّندِ مُلتبساً ببعضِ السّندِ.

стр. 903

وعبارةُ الشرحِ واضحةٌ في إرادةِ هذا الثاني (١). وظاهر قوله: (لَو بِبعضِ سَنَد) (٢) على كلِّ تقديرٍ أنَّه جَعلَ سبقَ المتنِ معَ بعضِ السندِ للبعضِ الآخرِ أشدَّ من سبقِ المتنِ جميعهِ على السندِ جِميعهِ، حتى يكونَ جوازُ البداءةِ بالسندِ في هذه الصورةِ وإيصاله بالمتنِ مفهوماً من بابِ الأولَى. قالَ شيخُنا (٣): ((ويمكنُ أن يوجهَ ذلكَ بأنَّ بعضَ أئمةِ الحديث وهو ابنُ خزيمةَ اصطلحَ على أن تقديمَ المتنِ - معَ بعضِ السندِ - على بعضِ السندِ الآخرِ دليلُ عُوارٍ في ذلكَ السّندِ بخلافِ تقديمِ جميعِ المتنِ على جميعِ السّندِ، فإنّهُ ليسَ لأحدٍ فيهِ اصطلاحٌ. وينبغي أن يستثنى اصطلاحُ ابن خزيمةَ من إطلاقِ تجويزِ تقديم السّندِ على متنٍ سمعهُ مقدَّماً على بعضِ سندهِ فإنّهُ قالَ: ((لا أحلُّ لأحدٍ أن يرويَ حديثاً منها على غيرِ سِياقي)) (٤) أو نحوَ ذلكَ.

стр. 904

فإنّه لا يعدلُ عن سياقِ أحاديثِ كتابهِ إلا لشكٍ عندهُ في لحاقِ ذلكَ الحديثِ بشرطهِ، كأنْ يكونَ رجالُ الإسنادِ كلهم على شرطهِ إلا واحداً فلا يعلمُ فيه جَرحَاً ولا تَعديلاً. وكذا إذا عَلِمَ فيه جَرحاً فإنّهُ قد يخرجهُ لبيانِ شيء فيهِ، كأنْ يكونَ الحديثُ فيهِ حكمٌ مطلقٌ، وفي تلكَ الروايةِ قيدٌ زائدٌ فيخرجهُ على هذا السياقِ / ٢٢١ ب / ليبينَ أنَّ الحديثَ على إطلاقهِ، ولا التفاتَ إلى هذا القيدِ؛ لأنَّ سندَهُ ضعيفٌ. وفي بعضِ الأحيانِ يقولُ: بيانُ كذا وكذا إنْ صَحَّ الحديثُ (١) كما فعلَ في

стр. 905

صَلاةِ التَّسبيحِ (١). وهوَ في ذلك كلِّه يبتدئُ من السندِ بالرجلِ الذي يتوقفُ فيهِ، ويسوقُ الحديثَ.

стр. 906

ثمَّ بعدَ الفراغِ منهُ، يذكرُ بقيةَ السندِ من أوَّلهِ إلى ذلكَ الرجلِ، ثمّ يبينُ ما عندَهُ في ذلكَ الرجلِ (١). فليتنبه لهذا، فإنّ بعضَ الفقهاءِ عزا بعض هذهِ الأحاديثِ إلى " صحيحِ ابنِ خزيمةَ " غير مُبيِّنٍ لهذهِ العلةِ)) انتهى كلامُ شيخِنا. وقد أفهمَ آخرُ كلامهِ: أنّه لو بينَ الحالَ لم يكنْ مُسيئاً في عزوهِ إلى ابنِ خزيمةَ وذلكَ بأنْ يقولَ مثلاً: رواهُ ابن خزيمةَ مقدِّماً من السندِ من فُلانٍ إلى منتهاهُ ومؤخِّراً الباقي، ومن عادتهِ أنّهُ لا يفعلُ ذلكَ إلاّ لخللٍ في الحديثِ فلا يكونُ على شرطهِ في الصِّحةِ، وينتظم من هذا العزوِ فيقال: حديثٌ متصلُ السندِ، وليسَ موضوعاً لا تجوزُ روايتهُ معزواً إلى مخرجهِ إلا مقروناً ببيانِ حالهِ. وعبارةُ ابنِ الصلاحِ عن أصلِ هذهِ المسألةِ: ((إذا قُدِّمَ ذكرُ المتنِ عَلى الإسنادِ أو ذكرُ المتنِ وبعضِ الإسنادِ، ثمّ ذَكرَ الإسنادَ عَقيبَهُ عَلى الاتّصَال، مثلُ أنْ يقولَ: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كَذا وَكَذا))؛ أوْ يقولَ: ((رَوَى عمرُ، عنْ جابِرٍ (٢)، عنْ رسولِ اللهِ ﷺ كَذا وَكَذا))، ثمّ يقولَ: ((أخْبرَنَا بِهِ فلانٌ، قالَ: أخبرنَا فلانٌ))، ويسوقَ الإسنادَ حتى يتَّصِلَ بِمَا قدَّمَهُ. فهذا يَلتحقُ بِمَا إذا قدَّمَ الإسنادَ في كَونهِ يَصيرُ بهِ مُسنِداً للحديثِ لا مُرسِلاً لهُ. فلوْ أرادَ مَنْ سمعَهُ مِنهُ هَكذا أنْ يُقدّمَ الإسنادَ ويُؤخِّرَ المتنَ ويُلَفِّقَهُ كَذلكَ، فقدْ وَردَ عنْ بعضِ مَنْ تقدَّمَ مِنَ المحدِّثينَ أنَّهُ جوَّزَ ذلكَ)) (٣). انتهى.

стр. 907

فقد ذَكَرَ التَّعقيبَ على الاتصالِ، ويمكنُ أن يكونَ شَرَطَه بهِ؛ لأنَّه إذا طالَ الزمانُ صارَ في مَظَنَّةِ أنْ لا يعرفَ أنَّ هذا السَّندَ لهذا المتنِ فلا تسوغُ الروايةُ. وقولُهُ: ((لا مُرسِلاً لهُ)) (١) ليسَ مُرادُهُ الإرسالَ الاصطلاحيَّ، بلَ عدمَ الإسنادِ. وهوَ مُطلقُ الانقطاعِ بلسانِ الفقهاءِ وأهلِ الأُصولِ (٢) وبعضِ أهلِ الحديثِ كما تَقدَّمَ / ٢٢٢ أ / في موضعهِ. قولُهُ: (في تَقديمِ بعضِ المتنِ عَلى بعضٍ) (٣) نُقِل عنِ الشّيخِ مُحيي الدّينِ النوويِّ أنَّه قالَ: ((الصحيحُ الذي قالَهُ بعضُ المتقدّمينَ القطعُ بجوازهِ. وقيلَ: فيه خلافٌ كتقديمِ (٤) بعضِ المتنِ على بعضٍ)) (٥). قولُهُ: (المنعَ مِنْ ذلكَ) (٦)، أي: من تقديمِ بعضِ المتنِ على بعضٍ. قولُهُ: (عَلَى المعنى تَجوزُ) (٧) وكذا قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ وعبارتهُ: ((وهوَ خارجٌ على الروايةِ بالمعنى إنْ لم يخلَّ بهِ)) (٨). انتهى.

стр. 908

ويمكن أنْ يكونَ قولهُ: ((إنْ لم يخلَّ بهِ)) احترازٌ عن تغييرٍ، نحو صَنيع ابنِ خزيمةَ. قولُهُ: (ولا فَرقَ بينهُمَا) (١)، أي: بينَ ترتيب جُملِ المتنِ، وترتيبِ السّندِ والمتنِ لا يقالُ: بل بينهما فرقٌ (٢)، وهو أنَّ المتنَ المحتويَ على جملٍ ربما كانَ لتقديمِ بَعضِها على بعضٍ نُكتةٌ لا (٣) تظهر إلا بمراعاةِ ترتيبهِ، فإذا قَدَّمَ بعضَهُ على بعضٍ فاتَتْ؛ لأنَّا نقولُ: هذه نكتةٌ بديعةٌ ينبغي أنْ يَتَيقَّظَ لها مَن يَروي بالمعنى، ولا يقفُ عندَ مُجرَّدِ مَعاني الألفاظِ. ومتى فرضنَا أنَّ الراويَ فَوَّتَ شيئاً من المعنى استحالتِ المسألةُ سواءٌ كانَ ذلكَ من معاني السياقِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 909

قولُ الشّيخِ: مثلهُ أو نحوهُ ٦٦٨ - وَقَوْلُهُ مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ مِثْلَهُ ... أَوْ نَحْوَهُ يُرِيْدُ مَتْنَاً قَبْلَهُ ٦٦٩ - فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ انْ يُكَمِّلَهْ ... بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ ٦٧٠ - إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَّ بِالتَّحَفُّظِ ... وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ قولُهُ في قولِهِ: (مِثْلَهُ أوْ نَحْوَهُ) (١): (إنْ عَرَفَ) (٢) مبنيٌ للفاعلِ وهو السامعُ الذي يريدُ الروايةَ. ((الرّاويَ)) مَفعولهُ، وهو الشيخُ الذي سَمِعَ منهُ، أي: يجوزُ لهُ الإكمالُ للحديثِ الأوَّلِ بسندِ الثاني إنْ عَرَفَ أنَّ شيخَهُ بهذه الصفةِ. قولُهُ: (في نَحْوٍ) (٣)، أي: فيما عُبِّرَ بهذهِ اللفظةِ، مضافةً إلى ما قدَّمَهُ من حَديثٍ، أو أَثَرٍ، أو نحوه، وقد استعملها منونةً غيرَ مضافةٍ وهو قليلٌ. قولُهُ: (عَلَى السندِ الثاني) (٤) ومثلُهُ ما لو أوردَهُ بعدَ إيرادِ الحديثِ الأوَّلِ بسندهِ. ولعلَّ الشَّيخَ لم يذكرْهُ؛ لأنَّ الغالبَ عدمُ إعادةِ المتنِ في المكانِ الواحدِ، لا سِيَّما باللفظِ، أمّا إذا سَاقَ السَّندينِ من غيرِ ذِكرِ المتنِ - لا سِيَّما إذا أخَّرَ سندَ المتنِ - ثم أوردَ المتنَ، فيحتملُ القطعَ بالجوازِ لإيرادِهِ المتنَ عقبَ سندهِ. ويحتملُ المنعَ؛ لأنّهُ موهمٌ أنَّ المتنَ بلفظهِ للسّندينِ معاً من غيرِ رجحانٍ لأحدِهما في ذلكَ على الآخرِ، واللهُ أعلمُ. قولُهُ: (لا يُجْزِىءُ) (٥)، أي: لأنّه يمكنُ أنْ يكونَ أرادَ المماثلةَ في المعنى فقطْ.

стр. 910

وإذا طَرَقَهُ هذا الاحتمالُ وَقَعَ الشكُّ / ٢٢٢ ب / فيهِ، فيصيرَ كما لو قالَ: ((نحوهُ)) فإنّها ظاهرةٌ في المقاربةِ في اللفظِ، أو في المعنى، فهوَ أقعدُ في الشَّكِّ من مثله، فقد اتفقا في عدمِ الإجزاءِ للشكِّ في المساواةِ، وإنْ كانَ ((النحوُ)) أعرقَ في ذلكَ فهوَ أولى بالمنعِ. ومن منع شُعبة (١) في التعبيرِ بالمثلِ، يعلمُ أنّه لا يجيزُ الروايةَ بالمعنى، هذا على أنَّهُ تعليلٌ لعدمِ روايةِ الحديثِ الذي قيلَ فيهِ ذلكَ، ويُمكنُ أنْ يكونَ مُرادُهُ تعليلَ المنعِ من الروايةِ بالمعنى مُطلقاً، فيكونَ المعنى قولَ الراوي: ((مثله)) لا يُغني في تجويزِ الروايةِ، فإنَّ غايتَهُ أنْ تكونَ شهادةٌ من ذلك الشَّيخِ، أنَّ ما حذفَهُ بمعنى ما تقدَّمهُ، ولو أبرزَهُ لجازَ أنْ يظهرَ لغيرهِ من المعنى ما خَفِيَ عليهِ، فيعلمَ أنَّه ما وفى، وأنَّ روايتَهُ له - بما ظنَّ أنّه معناهُ - لا تسوغُ عندَ الفريقينِ، فيصيرَ مثلَ المبهمِ. ومَعنَى قولهِ في: ((نحوه)) أنَّه ((شكَّ)) (٢) أن الشَّيخَ الذي رَواهُ شَكَّ في مماثلةِ المعنى؛ لأنَّه ما عَدَلَ عَن أنْ يقول: ((مثله)) إلاّ لشكٍّ حصلَ عندَهُ في المماثلةِ، فهوَ أبعدُ في المنعِ من الروايةِ، وذلك يُفْهِم - على كلا التقديرينِ أنَّ شعبةَ ممَّن يمنعُ الروايةَ بالمعنى، وهذا المعنى الذي لحظَهُ في ((نحوهِ)) هو الذي لحظَهُ سُفيانُ (٣) فَحَكَمَ بأنَّهُ حديثٌ غيرُ الأوَّلِ، أي: غيرُ مساوٍ لهُ في المعنى وإنْ كانَ قريباً منهُ.

стр. 911

قولُهُ: (مِثْلَهُ يُجْزىءُ) (١)، أي: لأنَّ المثليةَ ظاهرةٌ في المساواةِ، فإنْ كانتْ في اللفظِ، فالمعنى تبعٌ لهُ. وإنْ كانتْ في المعنى فهوَ المرادُ. ومن هنا تعلمُ أنَّه ممن يجيز الرواية بالمعنى (٢). وقولُهُ في: ((نحوه)): ((حديث)) (٣) يُريد أنَّ ((نحوه)) ظاهرةٌ في أنَّ المرادَ بهِ المقاربةُ، لا المماثلةُ. قال في " القاموس " (٤): ((النَّحْوُ: الطريقُ والجهةُ والقَصْدُ)). فالحديثُ الذي قِيلَ فيهِ (٥) ذلكَ، حديثٌ آخرُ غيرُ المذكورِ، بمعنى أنّهُ لا يتحدُ معهُ لا (٦) لفظاً ولا معنى، فلا يجوزُ تركيبُ المذكورِ على السندِ الثاني؛ لأنَّ ذلكَ يقتضي أنْ يكونا سواءً، والغرضُ أنّهُ قد قالَ إنّهُ مقاربُهُ لا مُساويه. وهذا الذي فَهمتَهُ هو الذي يَقتضيهِ تنكير ((حديث)) في عبارةِ سُفيانَ. ولم أدرِ ما وجهُ مَن فَهِمَ أنَّ مرادَهُ بهِ الحديثُ الذي ساقَ متنهُ ليكونَ قولُهُ: ((يُجزئُهُ)) وقولُهُ: ((حديث)) سواءً، كما هو / ٢٢٣ أ / ظاهرُ صَنيعِ ابنِ الصّلاحِ (٧) فإنَّه سَاقَ سندَهُ إلى وكيعٍ أنَّه قالَ: ((قالَ شُعبةُ: فلانٌ عنْ فُلانٍ، مثلَهُ لا يُجْزِىءُ، قال وكيعٌ (٨): وقالَ سفيانُ: يُجزىءُ.

стр. 912

وأمّا إذا قالَ: ((نحوَهُ)) فهوَ في ذلكَ عندَ بعضِهِمْ كما إذا قالَ: ((مِثلَهُ)). نُبِّئنا بإسنادٍ عن وكيعٍ، قالَ: قالَ سفيانُ: إذا قالَ: نَحوَهُ، فهوَ حديثٌ)). فهذا ظاهرُهُ أنّ تعبيرَ سُفيانَ بقولِهِ: ((حديث)) تسويةٌ منهُ بينَ ((نحوهِ))، و ((مثلهِ)) (١). وتابعهُ الشَّيخُ (٢) على هذا الفهمِ، فَساقَ عبارةَ سفيانَ في ((مثلهِ))، و ((نحوهِ)) في القولِ الثاني. فإنَّ ظاهرَ ذلكَ أنَّهُ فَهِمَ أنهما سواءٌ، وليسَ كذلكَ، بلْ الظاهر أنَّ التعبيرَ ((يُجزيءُ)) معناهُ: يَكفي التعبيرُ بالمثلِ في تسويغِ الروايةِ لمتنِ السَّندِ الأولِ، بالسَّندِ الثاني. وقولُهُ: (فهوَ حديثٌ) (٣)، أي: آخرُ (٤)، كما هو مُقتضَى التنوينِ، فهوَ موازنٌ لقولِ شُعبةَ: ((شَكّ)). ثمّ إنَّ هذا القولَ الثاني جَعَلهُ الشَّيخُ شاملاً لـ ((نحوهِ))، ولم يذكرْهُ ابنُ الصَّلاحِ إلا في مثلهِ خاصة، فإنّهُ قالَ: ((إذا رَوَى المحدِّثُ الحديثَ بإسنادٍ ثمّ أتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ، وَقالَ عندَ انتهائِهِ: ((مثلَهُ)) فأرادَ الراوي عنهُ أنْ يَقتصرَ عَلَى

стр. 913

الإسنادِ الثاني وَيسوقَ لفظَ الحديثِ المذكورِ عقيبَ الإسنادِ الأوَّلِ فالأظهرُ المنعُ (١) مِنْ ذَلِكَ، وَروِّينَا عَن أبي بكرٍ الخطيبِ الحافظِ، قالَ: كانَ شعبةُ لا يُجيزُ ذَلكَ. وَقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: يجوزُ ذَلكَ إذا عُرِفَ أنَّ المحدِّثَ ضابطٌ مُتحفظٌ يَذهبُ إلى تمييزِ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ، فإنْ لمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنهُ، لم يَجُزْ ذَلكَ، وكانَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ ... )) (٢) الخ (٣). هذا لفظُهُ بحروفهِ. ويؤيدُ ما فهمتهُ من الفرقِ بينَ ((مثلهِ))، و ((نحوهِ)) تعليقُهُ الأمرَ بتمييزِ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ، فهوَ ظاهرٌ جداً في الروايةِ باللفظِ، ويؤيدهُ أيضاً ما رأيتُ بخطِّ صَاحبِنا العلامة شمسِ الدِّينِ بنِ حسانَ (٤) أنَّ قولَ الخطيبِ هذا جعلهُ النوويُّ (٥)، وكذا الحافظُ عمادُ الدِّينِ بنُ كثير قولَ سفيانَ الثوريِّ. أي: لأنّهُ قالَ: إنَّ قولَ الراوي ((مثلَهُ)) يجزئُ / ٢٢٣ ب /، أي: لأنّهُ لا يقولُ ذلكَ إلاّ منْ علمَ أنَّ لَفظَي الحديثِ سواءٌ، لا ينقصُ أحدُهُما عن الآخرِ حرفاً فما فوقه؛ لأنَّ المماثلةَ ظاهرةٌ في ذلكَ، ويؤيدهُ ما نقلهُ مسعودٌ، عن الحاكمِ.

стр. 914

وأمَّا قولُهُ: ((إذا قالَ: نحوَهُ)) (١) فهيَ مسألةٌ أُخرَى، لم يتعرضْ لها النَّوويُّ (٢). لكنْ يبعدُ إطلاقُ المثلِ على المتحدِ باللفظِ؛ إذ المماثلة ظاهرةٌ جداً في المشابهةِ، والمتحدُ باللفظِ هوَ ذلكَ الحديثُ نفسُهُ لا أنَّهُ مُشبههُ، واللهُ أعلمُ. ومن مؤيداتِ ما فهمتهُ أيضاً، ما قالهُ النَّوويُّ في ((بابِ صفةِ الوضوءِ)) وكمالهِ من " شرحِ مُسلِم " في قولِ النبيِّ ﷺ : ((منْ تَوضَّأَ بِنَحوِ وضُوئي هَذا)) (٣). وإنّما قالَ ﷺ : ((نحوَ))، ولم يقلْ: ((مثلَ))؛ لأنَّ حقيقةَ مماثلتهِ ﷺ لا يقدرُ عليها غيرُهُ)) (٤). انتهى. وَمَن وَقَعَ في روايتهِ ((مثلَ وضوئي))، فالظاهرُ أنّه رَوَى بالمعنى، فلم يوفِ بالمرادِ؛ لأنَّ ((نحوَ)) أوسعُ، والنبيُّ ﷺ يحبُّ التوسعةَ لأمتهِ. قولُهُ: (وهو قولُ يحيى) (٥) وكذا قولُ سفيانَ، كما عَلمتَهُ فكانَ يتعينُ أنْ يُؤخِّرَ ما سَاقَهُ عنه في القولِ الثاني إلى الثالثِ، وعن الحافظِ عمادِ الدِّينِ إسماعيلَ بنِ كثيرٍ أنّهُ اختارَ قولَ يحيى هذا. قولُهُ: (وَعَليهِ يَدلُّ كَلامُ الحاكمِ) (٦) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((هذا - أي: قولُ

стр. 915

الخطيبِ أنَّه على مذهبِ من لم يُجزِ الروايةَ على المعنى (١) - لهُ تعلّقٌ بمَا رُوِّينَاهُ عنْ مَسعودِ بنِ عليٍّ السجزيِّ (٢) أنَّهُ سَمِعَ الحاكمَ أبا عبدِ اللهِ الحافظَ يقولُ: إنَّ أوّلَ مَا (٣) يلزمُ الحديثيَّ مِنَ الضبطِ وَالإتقانِ أنْ يُفرِّقَ بينَ أنْ يقولَ: ((مثلَهُ)) أوْ يقولَ: ((نحوَهُ))، فلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يقولَ: ... )) (٤) إلخ. وقد عُلمَ ما تَقدَّمِ عن سفيانَ ويحيى في التجويزِ في ((مثلِه)) دونَ ((نحوهِ))، وأنَّ ظاهرَ قولِ سُفيانَ ((نحوه)) أنَّهُ ((حديث)) أنَّ مرادَهُ حديثٌ آخرُ مقاربٌ، لا أنَّه مساوٍ، لا في اللفظِ ولا في المعنَى، وذلكَ يقدحُ في تجويزِ التركيبِ عندَ التعبيرِ ((بنحوهِ))، على المذهبينِ قطعاً، وإنْ كانَ يحيى وسُفيانُ ممن يُجيزان الروايةَ بالمعنى تأكَّدَ ما فهمتهُ عنهُما، ويؤيدُه أيضاً: أنَّ ابنَ دقيقِ العيدِ قالَ: ((ويشترط أنْ يكون - أي: الشَّيخُ الذي ذَكَرَ السَّندَ، ثُم قالَ: ((مثلَهُ)) أو ((نحوَهُ)) - ممّن يُفرِّقُ بينَ مدلولِ قولهِ / ٢٢٤ أ /: ((مثله))، أو ((نحوه))، فإنَّه قد يتسامحُ بعضُ النَّاسِ في ذلكَ، واللهُ أعلمُ)) (٥). قولُهُ: (وَهذَا عَلَى مَذهَب ... ) (٦) إلخ، الإشارةُ إلى قولِ ابنِ مَعينٍ، كما هوَ ظاهرُ العبارةِ. ونُقِلَ عن النَّوويِّ (٧) التصريحُ بهِ، وعِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ أشدُّ ظهوراً في ذلكَ من عبارةِ الشَّيخِ، فإنَّه قالَ: ((وعن ابنِ معينٍ أنّه أجازَ ما قدَّمنَا ذِكرَهُ - أي: مِنْ
следующие страницы →