← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وأشرافِهم، ويصونُ يديهِ عن العَبثِ، وإذا سُئِلَ عما لا يعلمُهُ فليقلْ: لا أعلمُ. قالَ ابنُ مسعودٍ ﵁: ((إنَّ مِن العلمِ أنْ يقُولَ لما لا يعلمُ: اللهُ أعلمُ)) (١). وقالوا: يَنبغي للعالمِ أن يُورثَ أصحابهُ ((لا أدري))، أي: يُكثرُ منها حتى يُؤخذَ عنهُ. وقولُه: ((لا أَدرِي)) لا يضعُ مَنزلتهُ، بل يدلُّ على عِظَمِ مَحلِّهِ وتقواهُ، وإنّما يمتنعُ منها مَن قلَّ علمُهُ؛ لأنّه يخافُ لقصورهِ أن يَسقُطَ من أعينِ الحاضرينَ، وذلكَ من جهالتهِ، فإنّ ذلكَ يُستدلُّ بهِ على قصورهِ. وفي الصّحيحِ: ((المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ، كلابس ثَوبي زُورٍ)) (٢). وعَن ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ مَسعودٍ ﵃: ((مَن أَفتَى في كُلِّ ما يُسألُ فهوَ مجنونٌ)) (٣).

стр. 947

وعَن ابنِ عَبّاسٍ ﵄، ومحمدِ بنِ عَجلانَ: ((إذا أَغفَلَ العَالمُ ((لا أدري)) أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ)) (١). وعَن الشّافعيِّ وقد سُئِلَ عن مسألةٍ فلمْ يُجِبْ، فقيلَ لهُ: فقالَ / ٢٣١ أ /: ((حتى أَدري أن الفضلَ في السكوتِ أو في الجوابِ)) (٢). وعَن الأَثرَمِ: ((سَمعتُ أحمدَ بنَ حَنبَلٍ يُكثرُ أن يقولَ: لا أَدري)) (٣). وعَن الهيثمِ بنِ جَميلٍ: ((شَهدتُ مَالكاً سُئِلَ عن ثمانٍ وأربعينَ مَسألة، فقالَ في ثنتينِ وثلاثينَ منها: لا أدري)) (٤). وعَن مالكٍ أيضاً أنّه رُبّما كانَ يُسئَلُ عَن خمسينَ مسألة، فلا يُجيبُ في واحدةٍ منها، وكانَ يقولُ: ((مَن أجابَ في مسألةٍ، فينبغي قبل الجوابِ يعرضُ نفسَهُ على الجنّةِ والنّارِ، وكيفَ خَلاصُهُ، ثُمَّ يُجيبُ)) (٥). وَسُئِلَ عَن مسألةٍ فقالَ: [((لا أدري))، فقيلَ: هيَ] (٦) مسألةٌ خفيفةٌ، فقالَ: ((ليسَ من العلم شيءٌ خفيفٌ)) (٧). وقالَ الصَّيْمَريُّ (٨) والخطيبُ: ((قَلَّ مَن حَرَصَ على الفتيا، وسَابقَ إليها، وثَابرَ

стр. 948

عَليها، إلاّ قَلَّ توفيقُهُ، واضطربَ أمرهُ، وإذا كانَ كارهاً لذلكَ غيرَ مؤثرٍ لهُ - مَا وَجَدَ عنهُ مندُوحَة وأحالَ الأمرَ فيهِ على غيرهِ - كانَتِ المعرفةُ له من اللهِ أكثرَ، والصلاحُ في جوابهِ أغلبَ)) (١). وَاستدَلا بقولِ النبيِّ ﷺ في الحديثِ: ((لا تَسألِ الإمارةَ، فإنّكَ إن أُعطيتَها عن مسألةٍ وُكِلتَ إليها، وإن أُعطيتَها عن غَيرِ مسألةٍ، أُعِنتَ عليها)) (٢). ويطرحُ على أصحابهِ ما يختبرُ بهِ أذهانَهم، ولا يَتأذَّى إذا قَرأَ أحدُهُم على غيرهِ، إلاّ إنْ كانَ ذلكَ الغيرُ جاهلاً، أو فاسقاً، أو مُبتدعِاً، فَليحذَرْ منهُ. انتهى. قولُه: (وَقدْ كانَ عروةُ) (٣) عِبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((وقدْ كانَ في السَّلفِ، مَنْ يَتألّفُ النّاسَ عَلَى حَديثِهِ، منهم: عروةُ بنُ الزبيرِ (٤))) (٥). قولُه: (خُيلاءَ) (٦) إشارةٌ إلى أنّ السَّلفَ كانَوا يَتحرّزونَ من العجبِ،

стр. 949

ويَتفقّدونَ أعمالَهم وأحوالَهم، لِيقيمُوا منها ما اعْوَجَّ. عَن " الرسالةِ " (١) للقُشَيريِّ أنَّه قالَ: ((ويَصحُّ أن يُقالَ: الإخلاصُ: تَصفيةُ الفعلِ عن ملاحظةِ المخلوقينَ))، ونُقِلَ عنهُ عن أبي عليٍّ الدقاقِ أنَّهُ قالَ: ((المخُلصُ لا رِياءَ لهُ، والصَّادقُ لا إعجابَ لهُ)) (٢). قالَ: ((وعَن أبي عليِّ الفُضيلِ بنِ عياضٍ أنه قالَ: تركُ العملِ لأجلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَملُ لأجلِ النّاسِ شِركٌ، والإخلاصُ أن يعافيكَ اللهُ منهُما)) (٣). قالَ: ((وعَن سَهل بنِ عبدِ اللهِ التُستَريِّ، قالَ: لا يَشمُّ رائحةَ الصّدقِ عبدٌ دَاهنَ نَفسَهُ، أو غيرَهُ)) (٤). وعَن ذِي النّونِ (٥)، قالَ: ((الصّدقُ سَيفُ اللهِ / ٢٣١ ب / ما وُضِعَ عَلى شيءٍ إلا قَطعَهُ)) (٦). انتهى ما نَقلتُهُ من " شَرحِ المهذبِ " (٧). قولهُ: (في الطريقِ وَهوَ قائِمٌ) (٨) صَوابهُ: ((أو قائم))، كَما في

стр. 950

النّظمِ (١) وَكذا سَاقَهُ ابنُ الصّلاحِ (٢) عَن مالكٍ، ولا يصحُّ إسقاطُ الألفِ؛ لأنَّ المعنى يَصيرُ أنه يَكرهُ تحديثهُ في الطريقِ في حالِ قيامهِ، لا حَال قعودهِ مثلاً. قولهُ: (مَا كانَ في النّاسِ) (٣) هي التامةُ، أي: وُجِدَ ولا شكَّ أنَّ أوَّلَ مَن طَلبَ الحديثَ الصحابةُ ﵃، ثم خَيرُ النّاسِ بعدهُم في كلِّ عصرٍ مَن طَلَبَ على طريقِهم، وهي أن يحفظهُ مع العلمِ بأداوتِ فهمهِ، ولا يَصحُّ أن تكونَ ناقصةً لأنَّه لا يصحُّ - على تقديرهِ - كلامُ ابنِ مَهديّ؛ لأنَّه لا اطّلاعَ له على ما كانَ قبلَ عصرهِ، وعلى تقديرِ التّسليمِ، فذلكَ غيرُ مُمكنٍ في الصحابةِ ﵃، معَ شهادةِ اللهِ لهم بالخيّريةِ، ويَكفيكَ من شَرفِ الحديثِ انتهاؤهُ إلى النبيِّ ﷺ ، الآخذُ عن اللهِ من غيرِ شريكٍ، بل بالأمرِ القاطعِ الثابتِ بالمعجزةِ. وأمّا غيرهُ فإنْ لم يكنْ له أصلٌ من قولهِ فهوَ رَدٌّ على صاحبهِ، وإن كانَ لهُ أصلٌ فهوَ إنَّما يدورُ عليهِ بالقياسِ، وما أحسنَ ما قالَ الإمامُ أبو الحَسَنِ الطّبريُّ المعروفُ بِالكيَا الهَرَّاسي: ((إذا جَالَتْ فُرسانُ الأحاديثِ في ميادينِ الكفاحِ، طارَتْ رؤوسُ المقاييسِ في مهابِ الرياحِ)) (٤). وَرَوينا في كتابِ " شَرفِ أصحابِ الحديثِ " (٥) للحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ، عن سُفيانَ الثّوريِّ أنه كانَ يقولُ: ((الملائكةُ حُرّاسُ السّماءِ، وأصحابُ الحديثِ

стр. 951

حُرّاسُ الأرضِ)). وأنّ الشّافعيَّ كانَ يقولُ: ((إذا رأيتُ رجلاً من أصحابِ الحديثِ، فكأنّي رأيتُ النبيَّ ﷺ حَيِّاً)) (١). وعَن أميرِ المؤمنينَ هارونَ الرشيد أنهُ قالَ: ((طَلبتُ أربعةً فَوجدتُها في أربعةٍ: طَلبتُ الكُفرَ فوجدتهُ في الجهميةِ، وطلبتُ الكلامَ والشّغبَ فوجدتهُ في المعتزلةِ، وطَلبتُ الكَذبَ فوجدتهُ عندَ الرافضةِ، وطلبتُ الحقَّ فوجدتهُ معَ أصحابِ الحديثِ)) (٢). وعَن إبراهيمَ بن أدهمَ أنه قالَ: ((إنَّ اللهَ تعالى يرفعُ البلاءَ عن هذهِ الأمةِ برحلةِ أصحابِ الحديثِ)) (٣). وعَن الزهريِّ أنه قالَ: ((لا يَطلبُ الحديثَ / ٢٣٢ أ / من النّاسِ إلا ذُكرانُها، ولا يزهدُ فيهِ إلا مُؤنّثوها)) (٤). وَرُوِيَ (٥) عن أبي الفَضلِ العبّاسِ بنِ مُحمدٍ الخُرَاسانيِّ أنه أَنشدَ في معنَى ذلكَ: لا يَطلبُ العلمَ إلا بازلٌ (٦) ذكرٌ ... وليسَ يُبغضُهُ إلا المخانيثُ وعَن أبي بكرٍ أحمدَ بن عبدِ الرحمانِ النَّسَفيِّ أنه قالَ: ((كانَ مشايخُنا يسمونَ أبا بكر بنَ إسماعيلَ: ثمودَ؛ لأنّه كانَ من أصحابِ الحديثِ، فصارَ من أصحابِ

стр. 952

الرأي، قالَ تَعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١). وعَن أبي زيدٍ الفقيهِ أنه أنشدَ لبعضِ عُلماءِ الشّاشِ (٢): كلُّ الكلامِ سوى القرآنِ زَندَقَةٌ ... إلاّ الحديثَ وإلاّ الفقهَ في الدِّينِ وَالعِلمُ مُتَّبَعٌ مَّا كانَ ((حَدَّثَنا)) ... وما سوى ذاكَ وسوَاسُ الشّياطينِ (٣) وعَن حَوْثَرةَ بنِ مُحمدٍ المنقريِّ البَصريِّ، قالَ: ((رأيتُ يزيدَ بنَ هارونَ الواسطيَّ في المنامِ بعدَ موتهِ بأربعِ ليالٍ، فقلتُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: تَقبَّلَ مني الحسناتِ وتَجاوزَ عني السيئاتِ، وَوَهَبَ لي التبعاتِ، قلتُ: وما كانَ بعدَ ذلكَ؟ قالَ: وهلْ يكونُ من الكريمِ إلا الكَرَم! غَفَرَ لي ذنوبي وأَدخلَني الجنةَ، قلتُ: بِمَ نِلْتَ الذي نلتَ؟ قالَ: بمجالسِ الذّكرِ، وقَوليَ الحقَّ، وصِدقِيَ في الحديثِ، وطولِ قِياميَ في الصلاةِ، وَصَبريَ على الفَقرِ، قلتُ: ومُنكَرٌ ونَكيرٌ ﵉ حقٌ؟ قالَ: إي واللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ، لقد أَقعدَاني وسَألاني مَنْ رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟ فجعلتُ أنفضُ لحيَتي البيضاءَ من الترابِ، فقلتُ: مِثلي يُسئلُ؟ أنا يزيدُ بُن هارونَ الواسطيُّ، وكنتُ في دارِ الدُّنيا ستينَ سنةً أعلمَ النّاسِ، قالَ أَحدُهما: صَدَقَ، هو يزيدُ بنُ هارونَ، نَمْ نَومةَ العَروسِ، فلا رَوْعَةَ عليكَ بعدُ، قالَ أحدُهما: أَكتَبتَ عن حَرِيز بن عُثمانَ (٤)؟ قلتُ: نَعَمْ، وكانَ ثقةً في الحديثِ، قالَ: ثقةً،

стр. 953

ولكنّهُ كانَ يُبغِضُ عليّاً أبغضَهُ اللهُ )) (١). ورَوينا في " المجالسِ المكيةِ " للمَيّانِشيِّ (٢)، عن أبي المُظفّرِ السَّمعَانيِّ أنهُ أنشدَ لأبي بكرِ بنِ أبي داودَ السَّجَستَانيِّ: تَمسَّكْ بحبلِ اللهِ واتَّبعِ الهُدَى ... ولا تَكُ بِدْعِياً لَعلَّكَ تُفلِحُ وَلُذْ بِكتابِ اللهِ والسُّنَنِ التي ... أَتتْ عن رسولِ اللهِ تنجو وتربحُ /٢٣٢ب/ ودَعْ عنكَ آراء الرِّجالِ وقولَهم ... فقولُ رسولِ اللهِ أَزكَى وأَشرحُ

стр. 954

ولا تَكُ من قومٍ تَلَهَّوا بدِينِهم ... فَتطعنَ في أهلِ الحديثِ وتَقدحُ إذا ما اعتقدْتَ الدّهرَ يا صَاحِ هذهِ ... فأنتَ على خيرٍ تَبيتُ وتُصبحُ (١) وعَن محمد بنِ عبدِ اللهِ بن أحمدَ اللخميِّ النحويِّ أنه أنشدَ لابنِ الأنبارِي: أهلاً وسهلاً بالَّذين أودُّهم ... وأحبُّهم في اللهِ ذي الآلاءِ أهلاً بقومٍ صالحينَ ذوي تُقىً ... خيرِ الرجالِ وزَينِ كلّ ملاءِ يَسعونَ في طلبِ الحديثِ بعفةٍ ... وتوقّرٍ وسكينةٍ وحياءِ لَهُم المهابةُ والجلالةُ والتُّقى ... وفضائلٌ جلَّتْ عن الإحصاءِ ومدادُ ما تَجري بهِ أقلامُهم ... أَزكَى وأفضلُ من دمِ الشُّهداءِ يا طَالبي عِلمَ النَّبيِّ محمدٍ ... مَا أنتُمُ وسوَاكم بسواءِ (٢) ورَوينا في آخرِ " مَسألةِ العلوِّ والنّزولِ " (٣)، لأبي الفَضلِ بنِ طَاهرٍ المقدسيِّ الحافظِ: أنّ الرّشيدَ قالَ لابنِ أَكثمَ: ((ما أَنبلُ المراتبِ؟ قالَ: قلتُ: ما أنتَ فيه يا أميرَ المؤمنينَ، قالَ: فتعرفُ أجلَّ مني؟ قلتُ: لا. قالَ: لكنّي أعرفهُ: رَجلٌ في حَلقَةٍ يقولُ: حدَّثَنا فُلانٌ، عن فُلانٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ هذا خَيرٌ منكَ، وأنتَ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ ووليُّ عهدهِ؟ قالَ: نَعَمْ.

стр. 955

وَيلكَ، هذا خير مني؛ لأنَّ اسمَهُ مقرونٌ باسمِ رسولِ اللهِ ﷺ ، لا يموتُ أبداً نحنُ نموتُ ونَفنَى، والعلماءُ باقونَ ما بَقِيَ الدهرُ)) (١). وعَن عليِّ بن عبدِ السّلام الأَرْمَنَازِيِّ (٢) أنه أنشدَ بصُور لنفسهِ. ألا إنَّ خيرَ النَّاسِ بعدَ مُحمّدٍ ... وأصحابهِ والتابعينَ بإحسانِ أُناسٌ أرادَ اللهُ إحياءَ دينَهُ ... بحفظِ الذي يَروي - عن الأوّلِ - الثاني أَقاموا حدودَ الشّرعِ شَرعِ مُحمدٍ ... بما أوضحوا مِن دليلٍ وبرهانِ وَسارُوا مَسيرَ الشّمسِ في جمعِ علمهِ ... فَأوطانُهم أَضحتْ لهم غيرَ أوطانِ إذا عَالمٌ عَالي الحديثِ تَسَامَعُوا ... بهِ جَاءَهُ القاصِي من القومِ والدَّاني / ٢٣٣ أ / وروينا في جزء ابن قُطرال (٣)، عن أبي زرعة الرازي أنه قالَ: دِينُ النَّبيِّ مُحمّدٍ أَخبارُ ... نِعْمَ المطية للفتَى الآثارُ لا تغفلَنَّ عن الحديثِ وأهلهِ ... فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نَهارُ وَلَرُبما أخطا الفتى سُبُلَ الهدَى ... والشمسُ واضحةٌ لها أنوارُ (٤)

стр. 956

قولُهُ: (فيأبَى عليه العلمُ حتى يكونَ للهِ) (١)، أي: أنَّ اللهَ تعالى يريدُ للخيرِ من وَفَّقَهُ لطلبِ أحبِّ الأشياءِ إليه وهو العلمُ، وإذا أرادَهُ لذلكَ، لم يزلْ يمتحنُهُ ويصفيه ويرقُّ قلبَهُ، حتى يهديَهُ لأن يُقْبِلَ بكليتهِ إليهِ ويخلصَ النِّيَّةَ في طلبهِ. قالَ الشيخُ مُحيي الدّينِ النوويُّ في مقدمةِ " شَرحِ المهذبِ " (٢): ((وَرُبَّما عَسُرَ - في كثيرٍ من المبتدئينَ بالاشتغالِ - تَصحيحُ النيةِ؛ لضعفِ نُفُوسِهم؛ وقلَّةِ أُنسِهِم بموجباتِ تَصحيحِ النِّيَّةِ، والامتناعُ من (٣) تَعليمِهم، يُؤدِّي إلى تفويتِ كثيرٍ من العلمِ، مَعَ أنَّه يُترجَّى (٤) ببركةِ العلمِ تَصحيحُها. ويَنبغي أن يُؤَدِّبَ المتعلِّمَ على التدريجِ، فَيحرضَهُ بأقوالِهِ وأفعالهِ المتكررةِ على الإخلاصِ، والصدقِ، وحسنِ النِّيَّاتِ، ومراقبةِ اللهِ، ويُزهدَهُ في الدُّنيا، ويُرغِبَهُ في العلمِ، بتذكيرِ فضائلهِ، ويعتنيَ بمصالحهِ كاعتنائهِ بمصالحِ ولدهِ. وعَن ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: ((أكرمُ الناسِ عليَّ جَليسَي الذي يتخطَّى الناسَ حتى يجلسَ إليّ، لو استطعتُ أن لا يَقعَ الذبابُ على وجههِ لفعلتُ)) (٥). وينبغي أن يكونَ سَمحَاً، ببذلِ ما حَصَّلَهُ من العلمِ، ولا يُلقِى شَيئاً إلى مَن لم يتأهّل لهُ ولو سَألَ عنهُ، لم يُجبْهُ ويعرِّفْهُ أنّ ذلكَ يضرُّهُ، ويَتَواضعَ للمتعلمينَ.

стр. 957

رَوَى مُسلمٌ (١): عن عياضِ بنِ حمارٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((إنَّ الله أَوحَى إليّ أن تَواضَعُوا)) (٢). انتهى. قولُهُ: (بيانٌ للوقتِ) (٣) مُرادُهُ السّنَّ كَما قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وقَدِ اختُلِفَ في السِّنِّ الذي إذا بلغَهُ استُحِبَّ له التصدِّي لإسماعِ الحديثِ والانتصابِ لروايتهِ)) (٤). قولُهُ: (فَقَد اختلفَ فيهِ كَلامُ الخطيبِ وابنِ الصَّلاحِ) (٥) ليسَ بينَهما اختلافٌ في التَّحقيقِ، فإنَّ كلامَ الخطيبِ محمولٌ على ما إذا طُلبَ منهُ أن يُحدِّثَ عندَ الاحتياجِ إليهِ، بدليلِ قولهِ: ((وَلاَ يَمتَنع)) (٦) وَكَلامَ ابنِ / ٢٣٣ ب / الصَّلاحِ (٧) عَلَى مَا إذا لَم يُطلَبْ ذَلكَ مِنهُ، بَلْ ولَمْ يَكُنْ يَعرِف أنَّ الحَديثَ عِندهُ، فَإنَّهُ يُستَحبُّ لَهُ أنْ يَتَصدَّى، أي: يَتعرَّضَ للنَّاسِ ليُعرفَ أنَّ ذلكَ الحديثَ عندَهُ.

стр. 958

قولُهُ: (انتِهَاء الكُهُولَةِ) (١) قالَ ابنُ الأثيرِ في " النهايةِ " (٢): ((الكَهْلُ منَ الرِّجالِ: منْ زادَ على ثَلاثينَ سَنَةً إلى الأربعينَ. وقِيل: مِن ثَلاثٍ وثلاثينَ إلى الخَمسينَ)). وقالَ في " القاموسِ " (٣): ((الكَهْلُ: مَن وَخَطَهُ الشَّيبُ ورأيتَ له بَجالَةً، أو من جاوزَ الثلاثينَ أو أربعاً وثلاثينَ إلى إحدَى وخمسينَ، وهي بهاءٍ)). وقالَ الإمامُ أبو الحسنِ الحَرَالي: ((إنهُ مَن كانَ سِنُّهُ ما بينَ اثنتينِ وأربعينَ إلى ثلاثٍ وستينَ)). قالَ ابنُ الصَّلاحِ (٤): ((قالَ سُحَيمُ بنُ وُثَيل (٥): أخُو خمسينَ مُجتمِعٌ أَشُدِّي ... وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشؤونِ (٦)

стр. 959

أي: جَعلَني دَوَرَاني معَ الشّؤونِ معَ شَأن وهي الأمورُ واحتِيالي فيهَا نَجداً، أي: دَليلاً مَاهراً شُجاعاً مَاضياً فيمَا يعجزُ غَيري. قولهُ: (وَتعقّبَهُ القَاضِي عِيَاضٌ) (١) كلامُ ابنِ خَلاد ليسَ بمتعقّبٍ، فإنّه محمولٌ على ما إذا لم يُحتجْ إليهِ وعَدُّه لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ومَن بعدهُ لا يقدحُ فيهِ، بل يؤيدُهُ، فإنّ كلاً منهُم لم يُحدّث حتى احتيجَ في الفقهِ أو غيرهِ إليهِ. وقد أجابَ عنهُ ابنُ الصّلاح بهذا، كما نقلهُ عنه الشيخُ (٢) في آخرِ هذه المقولةِ والحاصلُ أنّ ذلكَ موقوفٌ على الحاجةِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((ويختلفُ ذلكَ بحسبِ الزمانِ والمكانَ، فَرُبَّ بلادٍ مهجورةٍ يقعُ إليها مَن يُحتاجُ إلى روايتهِ هناكَ، ولا يحتاجُ إلى روايتهِ في البلادِ التي يكثرُ فيها العلماءُ)) (٣). قوله: (العِلْمُ والحَدِيثُ) (٤) هوَ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالعلمِ: الكلامُ على الحديثِ مَتناً وسَنداً، وأن يكونَ المرادُ بالحديثِ اللفظُ كذلكَ.

стр. 960

قولهُ: (حَدِيثُ الفُرَيعَةِ) (١) الظَّاهرُ أنها بنتُ مَالكِ بنِ سِنَان أُختُ أبي سَعيد الخُدْري، ويُقالَ لها: الفَارِعة (٢) أيضاً وحَديثُها هذا في سُكنى المتوفَى عَنها زوجُها في بيتِها حتى يبلُغَ الكتابُ أَجلَهُ، رَواهُ في الطّلاقِ أبو داودَ (٣) والتّرمِذِي (٤) والنّسَائي (٥) وابنُ مَاجه (٦)، وليسَ لها في الكُتبِ سِواهُ. قوله: (وَلِيَ (٧) عُشرُونَ سَنَةً) (٨) نُقِلَ عَن شَيخِنا أنَّهُ قالَ: / ٢٣٤ أ / إنَّ الخطيبَ شَرعَ في علمِ الحديثِ قبلَ ذلكَ بقليلٍ. وعَن " المُنتَقَى من تَاريخِ ابنِ عَسَاكِرَ " للذَّهبي، عَن الخطيبِ (٩) أنه قالَ: ((أوّلَ ما سمعتُ الحديثَ وَلي إحدَى عَشرَةَ سَنَةً)). قوله: (ابنُ مُظَفَّر) (١٠) هو شِهَابُ الدّينِ النَّابُلُسِي سبطُ الشّيخِ خَالِد، وُلِدَ سَنةَ أربعٍ أو خمسٍ وسبعينَ وستمئةٍ وسمعَ فأكثرَ (١١).

стр. 961

قالَ الذّهبي في " المعجمِ المُختصّ " (١): ((الحافظُ المحررُ، أَكبَّ على الطّلبِ زماناً وترافَقنَا مدةً، وفي خُلُقهِ زعارةٌ وفي طباعهِ نُفورٌ)). وقالَ في " المُعجَمِ الكَبيرِ " (٢): ((لهُ معرفةٌ وحفظٌ، على شَراسةِ خُلُقٍ، ثمَّ صلُحَ حالهُ)). وقالَ البرزاليُّ (٣): ((وَلَم يتزوجْ قَط، وكانَ يحبُّ الخَلوةَ والانجماعَ)) (٤). وقالَ الحُسينيُّ: ((وكانَ يقولُ: أشتَهي أن أموتَ وأنا ساجدٌ، فدخلَ بيتَهُ يوماً وأغلقَ بابَهُ وفُقِدَ ثلاثةَ أيامٍ فَدخلوا عليهِ فوجدُوهُ ميتاً وهو سَاجدٌ، وذلك في ربيعِ الأوّلِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ، وله تخاريجٌ)) (٥). انتهى. ومنَ الكراماتِ أنه لم يُذكَرْ أنهُ تغيَّر ﵀. قوله: (سَنَةَ ثلاثٍ وتسعينَ) (٦) نُقلَ عن شيخِنَا: ((أنها السنةُ التي ابتدأَ الذّهبيُّ فيهَا طلبَ الحديثِ)). قوله: (المَنْبَجِي) (٧) هو شمسُ الدّينِ الدّمشقيُّ التّاجرُ وُلدَ سنةَ ستٍ، أو سبعٍ وثمانينَ وستمئةٍ، وأُحضِرَ على جَماعةٍ، وسمعَ فأكثَرَ، وأجازَ لهُ الفَخرُ بنُ البخاري في جَماعةٍ.

стр. 962

قالَ البرزاليُّ، والذّهبيُّ (١) في " مُعجَميهِمَا ": ((العدلُ المحدّثُ الفاضِلُ الصادقُ)) (٢). وعاشَ بعدَ الذَّهبي نحواً مِن عشرينَ سنةً فماتَ بدمشقَ في ذي الحجّةِ سنَة سبعٍ وستينَ وسبعمِئةٍ، وماتَ الذهبيُّ في ذي القعدَةِ سنةَ ثمانٍ وأربعينَ. قوله: (أبو مَحمُودٍ مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ المقدِسِيُّ) (٣) صَوابُهُ: أحمدُ بن مُحمّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ هلال (٤). قالَ شيخُنَا في المِئةِ الثامنةِ (٥): ((وُلِدَ سَنةَ أربعَ عَشرةَ وسَبعمِئةٍ، وعَنيَ بالحديثِ، فَسمعَ من أصحابِ ابنِ عبدِ الدّائمِ، والنّجيبِ، وابنِ عَلاَّق فأكثرَ وبَرعَ وجَمعَ، وشَرعَ في شَرحِ " سُنَنِ أبي دَاودَ "، ومَاتَ بالقُدسِ سنةَ خمسٍ وستينَ وسبعمِئةٍ)). قولهُ: (إذ يَخشَى الهَرَمَ) (٦)، في / ٢٣٤ ب / نُسخةٍ ((إن))، والظّاهرُ أنَّ المعنى قَريبٌ ويجبُ أنْ يُحذفَ معَ ((إن)) ألفُ ((يَخشَى))، والمعنى: إن خافَ الهَرَمَ على نفسِهِ. قالَ في " القَاموسِ " (٧): ((الهَرَمُ مُحرّكةً أقصَى الكبرِ)). انتهى. والمرادُ: لازِمهُ مِن تَغيّرِ العقلِ، واللهُ أعلمُ. قولُهُ: (ابنُ خَلاّدٍ جَزَم) (٨) لم يجزمِ ابنُ خَلاّدٍ بِشيءٍ، إنّما قالَ: ((أَعجَبُ

стр. 963

إليَّ - أي: أَعجبُ الأمرينِ إليَّ - أن يُمسِكَ)) (١). فَأفعلُ التّفضيلِ يَقتضِي المُشَاركةَ بين التَّحديثِ والإمسَاكِ في الإعجَابِ، والإمسَاكُ أعجَبُهُما، أي: أحبهُما إليه؛ لأنَّ الإنسَانَ لا يعجبُ غَالباً إلا مما يراهُ فَائقاً. قوله: (لَمْ يُبَلْ) (٢) قالَ في " تَرتيبِ المُحكَمِ " (٣): ((قالَ سِيبوَيه: وسألتُ الخليلَ ﵀ عَن قولِهِم: لَم أُبَلْ؟ فقالَ: هي مِن بَاليتُ، ولكنّهم لما أَسكنُوا اللاَّمَ حَذَفوا الألفَ لِئلاَّ يلتَقِي سَاكِنَانِ، وإنما فَعلوا ذلكَ بالجزمِ؛ لأنّه موضعُ حَذفٍ، فَلمّا حذَفوا الألفَ التي هي مِن نفسِ الحرفِ بعدَ اللاَّم صارتْ عندهُم بمنزلةِ نونِ ((يَكنْ)) حيثُ أُسكنت، فإسكانَ اللامِ هنا بمنزلةِ حَذفِ النونِ، وإنما فَعلوا هذا بهذينِ حيثُ كَثرَ في كَلامِهم حذفُ النونِ والحركاتِ وذلكَ نحو ((مُذْ)) و ((لُدْ))، وإنما الأصلُ ((لَدُنْ)) و ((مُنذُ)) وهذا مِن الشَّواذِّ، وليسَ مما يقاسُ ويطّردُ، وزعمَ أنّ ناسَاً مِن العرَبِ يقولونَ: ((أَبلَه)) لا يزيدونَ على حَذفِ الألفِ حيثُ كثرَ الحذفُ في كلامٍ، كما حذفُوا ألفَ ((أحمَرَ)) وألفَ ((غَلِيظ)) وواوَ ((غَدٍ))، وكذلكَ فعلوا بقولهِ: بَاله كابن أباليه بمنزلةِ العاقبةِ ولم يحذفُوا ((لا أُبَالي))؛ لأنَّ الحذفَ لا يَقوَى هنا، وَلاَ يَلزمُهم حذفٌ.

стр. 964

كَما أنَّهم إذا قَالُوا: ((لَم يَكُنِ الرّجلُ)) فكانَتْ في موضعٍ تُحرّكُ لَم يحذفْ وَجَعلوا الألفَ معَ الحركةِ، أَلا ترى أنّها لا تحذفُ في ((أُبالي)) في غيرِ موضِعِ الجزمِ، وإنما تُحذفُ في الموضعِ الذي تحذفُ مِنهُ الحركةُ)). انتهى. قوله: (وَفِئَه) (١) قالَ في " القَاموسِ " (٢): ((الفِئَةُ: الطّائفةُ أصلُها فِيءٌ كَفِيعٍ جمعهُ فِيئُونَ وفِيآتٌ)). قولهُ في شرحِ ذلكَ الحدِّ (٣): (التّغيّرُ) (٤) وهوَ على حذفِ مُضافٍ، أي: خَوف التّغيّرِ بِدليلِ مَا بعدهُ. والخرفُ: هو فَسادُ / ٢٣٥ أ / العقلِ. قالَ في " القاموسِ " (٥): ((خَرَفَ كَنَصَرَ وفَرِحَ وكرُمَ، فهو خَرِفَ ككرم (٦): فَسَدَ عَقْلُهُ، وأَخْرَفهُ: أفسدَهْ)). كذا قالَ: ((ككرمَ))، وقالَ الصَّغَاني في " المجمَعِ ": ((والخَرَفُ بالتحريكِ: فسادُ العقلِ منَ الكِبرِ، وقد خَرِفَ الرجلُ - بالكسرِ - فهو خَرِفٌ، قالَ أبو النَّجمِ العجْليُّ: أقبَلتُ مِن عند زيادٍ كالخَرِف ... تَخُطُّ رِجلايَ بِخَطٍّ مُختَلِفْ [و] (٧) تَكتبانِ في الطريقِ لامَ الِفْ (٨)

стр. 965

وخُرَافةُ: اسمُ رجل من عُذْرَةَ استهوتْهُ الجنُّ، فكانَ يُحدِّثُ بما رَأى، فكذَّبوهُ وقالوا: ((حديثُ خُرَافَة)). ورُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: ((وخُرافَةُ حَقّ)) (١). والرَّاءُ فيه مخففةٌ، ولا تدخلهُ الألفُ واللامُ؛ لأنَّه معرفةٌ، إلا أنْ تريدَ به الخُرَافَاتِ الموضُوعةِ من حديثِ الليلِ)) (٢). انتهى. قوله: (وكَذَا قالَ ابنُ الصَّلاحِ) (٣) عبارتهُ: ((وَأمّا السِّنُّ الذِي إذا بلغَهُ المحدِّثُ يَنبغي (٤) لهُ الإمسَاكُ عن التَّحديثِ، فَهو السِّنُّ ... )) (٥) الخ.

стр. 966

قوله: (وَيَخَافُ [عَلَيهِ] (١) فيهِ أنْ يخلُطَ) (٢) قالَ ابنُ كثيرٍ: ((إذا كانَ الاعتمادُ على حفظِ الشّيخِ الرّاوي، فَينبغي الاحتِرَازُ مِن اختلاطِهِ إذا طَعَنَ في السِّنِّ وأمَّا إذا كانَ الاعتمادُ على حفظِ غيرهِ وخطِّهِ وضَبطهِ، فَهاهُنا كُلّما كانَ السنُّ عَالياً كانَ [النّاسُ] (٣) أرغَبَ في السّماعِ عليهِ كما اتفقَ لشيخنَا أبي العبّاسِ أحمدَ ابن أبي طَالبٍ الحَجَّارِ (٤)، فإنّه جاوزَ المِئةَ محققاً، سَمعَ على الزَّبيدي سنةَ ثلاثينَ وستمِئةٍ " صحيحَ البُّخارِيِّ " وأسمعَهُ سَنةَ ثلاثينَ وسبعمِئةٍ)). قلتُ: وفيهَا ماتَ (٥) وكانَ شيخُنا كبيراً عامّياً، ولا يضبطُ شَيئاً ولا يتعقلُ كثيراً مِن المعَاني الظّاهرةِ، ومعَ هذا تَداعى النّاسُ إلى السماعِ منهُ عند تفرّدِهِ عن الزبيدي، فسمع منهُ نحو مِئةِ ألفٍ أو يزيدونَ)) (٦). قولهُ: (وَتَحرّى) (٧)، أي: تعمّدَ وتطلّبَ ما هو أَحرَى، أي: أجدَر وأولىَ بالاشتغالِ. والمعنى أنَّه اجتهدَ في الإمسَاكِ والتّحديثِ، فرأى التحديثَ أولى بهِ. قوله: (احتِسَابَاً) (٨)، أي: مِن غيرِ أجرةٍ بَل طَلباً للثَّوابِ.

стр. 967

وقيَّدهُ بذلك؛ لأنَّه إذا قبِلَ بجوازِ أخذِ الأُجرةِ وحدّثَ في هذا السنِ / ٢٣٥ ب / بالأُجرةِ خِيفَ عليهِ التَّساهلُ لأجلِهَا، مع تساهلِ الآخِذِ رغبةً في العُلُو. و ((حبُّكَ للشيء يُعْمِي ويُصِمُّ)) (١). قولهُ: (كَالحَضرَميِّ) (٢) هو محُمّدُ بنُ عبدِ اللهِ مُطَيَّن، (ومُوسَى) (٣) هو ابنُ هَارُونَ الحَمّالُ، (وعَبْدَان) (٤) هو ابنُ أحمدَ الجَوَالِيقي، ثلاثتُهم من شُيوخِ الطّبراني وابن عديٍّ. قولُه: (وَلَم أَرَ بِفَهمِ أبي خَليفَةَ) (٥) هو الفَضلُ بنُ الحُبَابِ الجُمَحيُّ البَصْريُّ، مُحدّثُ البصرةِ من شُيوخِ ابنِ حِبَّانَ وابن خَلاَّد، كانَ من المعمّرينَ المكثرينَ الصادقينَ

стр. 968

العارفينَ، عاشَ مِئةَ سنةٍ غير أشهُرٍ، وماتَ في جمادى الأولى سنةَ خمسٍ وثَلاثمئةٍ (١). قالَ شيخُنا: ((وإنّما أخّره لشيءٍ مَا قيلَ في ضَبطِهِ)). قولهُ: (جِلدهُ بِرَوْقِهِ) (٢) هُو مِن أبياتٍ قَالها عامرُ بنُ فُهيرةَ ﵁ (حينَ أصابتهُ الحُمَّى عندَ قُدومِهم المدينةَ في الهجرةِ، وأصابتْ معهُ أبا بكرٍ وبِلالاً ﵃ أجمعينَ، وكانَ كلٌ منهم يُنشدُ - إذا أخذتهُ الحُمّى - شَيئاً. روتْ ذلكَ عنهم عائشةُ ﵂، وكانَ ذلكَ قبلَ أن ينزلَ الحجابُ قالت: فقلتُ لهُ: كيفَ تجدُكَ؟ فقالَ: قد وجدتُ المَوتَ قبلَ ذوقِهِ ... إنَّ الجبانَ حَتفُهُ مِن فَوقِهِ كُلُّ امرِئ مُجَاهِدٌ بِطَوقِهِ ... كَالثّورِ يَحمِي جِلْدَهُ بِرَوقِهِ (٣) بِطَوْقهِ، أي: بطاقتِهِ، فيما قالَ ابنُ هِشَام (٤). قالت ﵂: فقلتُ: واللهِ مَا يدري عامرُ ما يقولُ. قوله: (والذِّكْرُ) (٥) قالَ في " القاموسِ " (٦): ((الذِّكْرُ، بالكسر: الحفظُ للشّيءِ كالتَّذْكارِ، والشّيءُ يَجْري على اللسانِ، وما زالَ مِنِّي على ذُكْرِ، ويكسر أي: تَذَكُّرِ)).

стр. 969

قوله: (وَتَغيير الفَهمِ) (١) هَكذا رأيتُهُ في غيرِ مَا نُسخَة، وصوابُهُ (التَّغيرُ) (٢)؛ لأنَّه يَتغيرُ مِنْ غَيرِ اختيارِهِ، لا أنّهُ هو يُغيِّرُ نفسَهُ، وَيجوزُ أنْ يَكونَ المرادُ: تَغييرُ اللهِ لعقلِهِ، وَالأوّلُ أحسنُ؛ لأنَّهُ المتبادرُ. قوله: (مَخَافَةَ أنْ يَبدأَ بِهِ) (٣) هو بدلٌ منْ قولِهِ: ((لأنَّ الغالِبَ)). ويجوزُ أنْ يكونَ مهموزاً فيكونَ معنَاهُ: يَبتديءُ، وَأنْ يَكون غَيرَ مهموزٍ فيكونَ بمعنى: يَظهرُ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (٤): ((وهذا - أي: الإمساك - عندمَا تظهرُ أَمَارةُ الاختلالِ، وَيخافُ منهَا، فأمّا منْ لمْ يظهرْ ذَلكَ فيهِ فَلا يَنبغي الامتناعُ؛ لأنَّهُ هذا الوقتُ أحوَجُ مَا يكونُ الناسُ إلى روايتِهِ. وَهكذا القولُ في الأعمَى، إذا خِيْفَ مِنْهُ التَّخْلِيطُ)). انتهى. وهو حسنٌ إذا كانَ لَهُ منْ / ٢٣٦ أ / يَثقُ بِهِ في مثلِ هذا، وأوصَاهُ أنَّهُ إذا رأى مِنْهُ أَمَارَةَ التّخليطِ منعَهُ، وإنْ لم يجدْ كانَ ما قالَ الجماعةُ هو المَظنَّةُ، فالحكمُ لَهُ كمَا دلَّ عليهِ كلامُ ابنِ خلاّدٍ، وما وجَّههُ بِهِ القاضي عياضٌ وابنُ الصلاحِ. قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((ووجهُ مَا قالَ - يعني: ابنَ خلاّدٍ - أنَّ منْ بلغَ الثَّمانينَ ضَعُفَ حَالُهُ في الغالبِ، وَخِيفَ عَليهِ الاختلالُ والإخلالُ، وأنْ لا يُفطَنَ لهُ إلاّ بعدَ أنْ يخلِطَ، كمَا اتفقَ لغيرِ واحدٍ مِنَ الثّقاتِ منهم: عبدُ الرزاقِ، وسَعيدُ بنُ أبي عَروبةَ))، ثمَّ قالَ: ((وقدْ حدَّثَ خلقٌ بعدَ مجاوَزةِ هذا السّنِّ فساعدَهُمُ التوفيقُ وصَحِبَتْهُمُ السّلامةُ)).

стр. 970

إلى أنْ قالَ: ((وعليُّ بنُ الجعدِّ وَجمعٌ جمٌّ مِنَ المتقدّمينَ وَالمتأخرينَ)) (١). قوله: (إنْ جَازتْ عَليهِ أشياءُ) (٢)، أي: منَ الخطأِ فيختَلط حديثُهُ وربما لا يَدري السَّابقُ واللاحق فيسقطَ الكُلُّ. قوله: (إنْ يخف) في قوله: (وَيَنبغِي إمسَاكُ الأعمَى) (٣)، أي: فإن لمْ يخف، بأنْ كانَ لهُ ثقةٌ مخبورٌ يُمسكُ أصلَهُ كانَ كمَا لو أمسكَ هُوَ. قوله: (منْ سِيْلَ) (٤) هو فعلٌ ماضٍ مبنيٌ للمفعولِ من السؤالِ، فهو في الأصلِ مضمومٌ، والأوّلُ مَكسورُ الهمزةِ، فحُذفت الهمزةُ تَخفيفاً، ثُمَّ فعلَ فيهِ ما فعلَ بالمبني للمفعولِ من ((قالَ)) و ((باعَ)) بأنْ كَسَرَ ما قبلَ العينِ المُعتلّةِ لِيَخِفَّ النُّطقُ بها. قوله: (دَلَّ) (٥)، أي: دلَّ ذلك السَائلُ له في التَّحديثِ على ذلكَ الذي علِمَ رجحانَهُ عليهِ في ذلكَ الجزءِ، بسببِ أنَّ ذلك حقٌّ عليهِ، ولو عَلِمَ أنَّ الطالبَ يعلمُ أنَّ ذلك الجزءَ أو الكتابَ عندَ المدلولِ عليهِ، فإنَّهُ لا بأسَ بأنْ يذكرَهُ لَهُ على سبيلِ التّنبيهِ، فإن تَركَهُ بعدَ تنبيهِهِ حدّثَهُ، فإنَّ في ذلكَ أمرينِ مندوبَينِ: أحدهما: النَّصحيةُ للطالبِ. والثاني: التّألف للمدلول عليه. ومعنى: (ينبغي) (٦)، أي: يُستحبُّ استحبَاباً مُؤَكَّداً.

стр. 971

قولُهُ: (بِحَضرَةِ الأحَقِّ) (١)، أي: في مَجلسِهِ. قولُهُ: ٦٩٦ - وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الأَخْذَ عَنْهُ ... بِبَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ حصلَ للجُزءِ الثاني منهُ خَبلٌ، وهو اجتمَاعُ الخَبنِ والطَّي، وذلكَ حذفُ ساكِني مُستَفعِلُن الثّاني والرّابع فَتَوالتْ فيه أَربعُ حركاتٍ، ثُمَّ حصلَ للجزءِ الثالثِ وهو مع الضربِ الثاني منَ الرّجزِ القطعُ معَ الخبنِ. والقَطعُ حَذفُ ساكنِ الوَتدِ، وتَسكينُ المُتَحرّكِ / ٢٣٦ ب / قبلَهُ، والخبنُ حَذفُ الساكنِ الثاني ويبتدئ. لا خيرَ فيمَنْ كَفَّ عنَّا شَرَّهُ ... إنْ كَانَ لا يُرجَى لِيومٍ خَيرهُ فلذلكَ صارَ البيتُ ثقيلاً. قولُهُ في شرحِهِ: (مِنَ النَّصيحةِ في العلمِ) (٢) وينبغي لهُ أنْ يَدلَّهُ عَلَى منْ هو أولى منهُ بذلكَ الجزءِ في بلدٍ أُخْرَى، لكنْ ينبَغي لهُ حينئذٍ أنْ يَقرُنَ تلكَ الدلالةَ بالإجازةِ مِنهُ لاحتمَالِ اخترام المنية للدّالِّ والمدَلولِ عليهِ قَبلَ أخذِ الطّالبِ لَهُ عنِ المدلولِ عليهِ، لا سِيَّمَا إذا بَعُدَتِ المسَافةُ بينهما. قولُهُ: (أوْلى مِنْهُ لِسِنِّهِ) (٣)، أي: إذا استوَيا في حملهِ منْ جهةِ قِدَمِ السّماعِ، وَمِنْ جهةِ كونِ الإسنَادِ سَمَاعَاً أو إجَازةً، وغير ذلكَ منْ فهمِ العلمِ، وضبطِهِ، والورعِ وغيرِهِ، وزادَ أحدُهُما بالسّنِّ الصحيحِ، وأمَّا التّرجيحُ بمُطلقِ السِّنِّ فلا ينبغي الاعتدادُ بهِ.

стр. 972

وإلى هذا يرشدُ قولُ ابنِ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ " (١): ((وينبغي أن يكون عندَ الاستواءِ فيما عَدا الصفةِ المرجحةِ، أمَّا معَ التفاوتِ بأنْ يكونَ الأعلى إسناداً عَامياً لا معرفةَ لَهُ بالصنعةِ، والأنزلُ (٢) إسناداً عارفاً ضابطاً، فهذا يتوقفُ فيه بالنسبةِ إلى الإرشادِ المذكورِ؛ لأنَّه قد يكونُ في الروايةِ عن هذا الشَّخصِ العامِّي ما يُوجبُ خَللاً)). قولُهُ في شَرح قَولهِ: (وَلا تقُم) (٣): (يُكتَبُ عَليهِ خَطِيئةٌ) (٤)، أي: لأنَّ عليهِ المبالغة في تعظيمِ حديثِ النَّبيِّ ﷺ ، فإذا قَامَ لأحدٍ تعظيماً لهُ فقدْ غيَّرَ في وجهِ تعظيمِ الحديثِ؛ لأنَّه فَعَلَ ما يَقتضي قطعهُ والاشتغالُ بغيرِهِ، ولكن هذا القولُ مِنَ الإمامِ أبي زيدٍ (٥) ﵀ إنّمَا هو عَلى سبيلِ المبالغةِ في التّغليظِ، والحثِّ عَلى تبجيلِ الحديثِ، فإنَّهُ مما يمكنُ دخولُهُ تحتَ قولِهِ تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي﴾ (٦) الآية. وكذا ينبغي للسامعينَ تركُ ذلكَ، وكذا جميع ما يشغلُهُم عن بعض السماعِ، ويتأكدُ ذلكَ في حقِّ الشّيخِ المسمعِ.

стр. 973

قولُهُ: (مِنْ إدْرَاكِ بَعْضِهِ) (١) الاستدلالُ على هذا بالحديثِ (٢) منْ مفهومِ الموافقةِ بطريقِ الأولى، فإنّ منَ المعلومِ الذي لا يُشكُّ فيهِ أنَّ الصحابةَ ﵃ لم يكونوا يسردونَ الحديثَ سَرداً يمنعُ من إدراكِ بعضِهِ، وقد قالتْ عائشةُ ﵂ فيهمْ ذلكَ، فما الظنُّ بِسردٍ يمنعُ من إدراكِ البعضِ. قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: ((ولقد تسامحَ / ٢٣٧ أ / الناسُ في هذه الأعصَارِ، فيستعجلُ القُرَّاءُ استعجالاً يمنعُ من إدراكِ حروفٍ كثيرةٍ، بل كلماتٍ، وهذا عندنا شديدٌ، لأنَّ عمدةَ الروايةِ الصدقُ، ومُطابقةُ ما يُخبرُ بهِ للواقعِ، وإذا قالَ السامعُ على هذا الوجهِ: قُرِىءَ على فُلانٍ وأنا أسمعُ، أو أخبرنا فلانٌ قراءةً عليه وأنا أسمعُ، فهذا إخبارٌ غيرُ مطابقٍ، فيكونُ كذباً، وما قيلَ في هذا من أنَّه يدخلُ في الإجازةِ [المقرونةِ بالسّماعِ، ويكونُ ذلك روايةً لبعضِ الألفاظِ بالإجازةِ] (٣) من غير بيانٍ، فهو تسامحٌ لا أرضَاهُ، لما أَشَرنا إليهِ من بُعدِ لَفظِ الإجازةِ من معنى الإخبارِ، بل هَاهُنا أمرٌ زائدٌ، وهو دلالةُ اللفظِ على أنَّه سمعَ جميعَ ما يرويهِ من الشيخِ، ولم يكنِ المتقدّمونَ على هذا التساهلِ. هذا أبو عبدِ الرحمانِ النّسَائيُّ يقولُ فيما لا يُحصَى من المواضعِ في كتابهِ،

стр. 974

وذَكرَ كلمةً معناها كذا وكذا (١)، والذي أراهُ في مثلِ هذا أن يُستَقرَأَ الشّيخُ بروايةِ جميعِ الجزءِ، فإذا وقعَ مثلُ هذا في السّماعِ، أطلقَ الراوي عنهُ الإخبارَ قائلاً: أخبرنا فلانٌ، من غيرِ أن يقولَ قراءةً [عليهِ] (٢)؛ لأنَّا قد قُلنا: إنَّ الإخبارَ الجمليَّ في هذا كافٍ لمطابقةِ الواقعِ، وكونه على قانونِ الصّدقِ، [و] (٣) غايةُ ما في البابِ أن تكونَ بعضُ تلكَ الألفاظِ التي لم يسمعها داخلةً في هذا الإخبارِ الجُمليِّ، وذلكَ صدق. وإنما كَرهنَا ذلكَ فيما إذا لم يسمعِ الجزءَ أصلاً لمخالفتِهِ العادةَ، أو لكونهِ قد يُوقعُ تهمةً إذا علمَ أنّهُ لم يسمعِ الجزءَ من الشّيخِ، وهذا معدومٌ في هذه الصورةِ، لا سيما إذا أثبتَ السماعَ بغيرِ خطّهِ، فانتفتِ الريبةُ من كلِّ وجهٍ)) (٤). انتهى. قولُهُ: (ودُعَاءٌ يَليقُ بِالحَالِ) (٥) قالَ الإمامُ شهابُ الدينِ أحمدُ بنُ سعدِ الأنْدَرَشِيُّ في تلخيصِ عُلومِ الحديثِ في أوّلِ كتابهِ " العُمْدَةِ " (٦) الذي اختصَرَ فيهِ " تَهذيبَ الكَمالِ " و" الأَطرافَ ": ((وزادَ بعضُهُم قراءةَ القُرآنِ، يعني: في الافتتاحِ كما سيأتي ذكرهُ في مجلسِ الإملاءِ ليكونَ مُطلق التّحديثِ كالإملاءِ)).

стр. 975

قولُهُ في قولِهِ: (وَاعقِد للإملاءِ): (مِنْ أرفعِ الإسماعِ) (١) بَلْ هو أعلى أنواعِ السَّماعِ عندَ الأكثرينَ، وإنْ كانَ بعضُهُم رجّحَ القراءةَ عَلى الشّيخِ عَلى السّماعِ منه كمَا مَضَى. وعبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((فإنّهُ - أي: الإملاءَ - منْ أعْلى مراتبِ الرّاوينَ، والسّماع فيه منْ أحسنِ / ٢٣٧ ب / وجوهِ التحمُّلِ وأقواهَا)) (٢). انتهى. قالَ الأنْدَرَشِيُّ: ((لاقتضاءِ ذلكَ التّدبرِ منَ الشّيخِ، وَالتحققِ منَ الكاتبِ)). انتهى. وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في استحبابِ الإملاءِ: ((تأسِّياً بالسّلفِ الماضينَ؛ ولأنّهُ لا يقومُ بذلكَ إلاّ أهلُ المعرفةِ؛ ولأنَّ السّماعَ يكونُ محققاً مبيَّنَ الألفاظِ، معَ العادةِ في قراءتِهِ للمُقابلةِ بعدَ الإملاءِ)) (٣). وقدْ قالَ الحافظُ أبو طاهرٍ السِّلفيُّ شِعراً فيهِ: فأَجلُّ أنَواعِ الحديثِ بأسرِهَا ... مَا يَكتُبُ الإنسانُ في الإِملاءِ (٤) قوله: (مُبَلِّغاً) (٥)، أي: مَنْ لمْ يَسمعْ أصلاً. (أوْ مُفْهِمَاً) (٦)، أي: منْ سَمعَ شيئاً، وَخَفِيَ عَليهِ بعضُ الكلماتِ، أوِ الحروفِ.

стр. 976

قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (ابن فَقَدْتُكَ) (١) هو تَضَجّرٌ وَقعَ منَ المُملي في حقِّ المستَملي؛ لقلّةِ فهمِهِ، مِع جراءتِهِ واتّساعِ صدرِهِ، معَ الجهلِ حيثُ ظنَّ ((عِدَّةً)) اسمَ رجلٍ فدعَا عليهِ بأنْ يفقدَهُ فلا يراهُ ولا يسمَعُ بِهِ، فهوَ خبرٌ مرادٌ بِهِ الدعاءُ. قوله: (أنْ لا يُخَالِفَ لَفْظُهُ) (٢) يعني: إذا قُلنا بجوازِ الروايةِ بالمعنى، استحبَّ ذلكَ، وإلاّ فالوجوبُ. قوله: (وَفَائِدتُهُ) (٣) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((وَالفائدةُ في استملاءِ المستمِلي تَوصُّلُ مَنْ يسمع لَفظَ المملي عَلى بُعْدٍ منهُ إلى تفهّمِهِ وتحققِهِ بإبلاغِ المستملي وأمَا مَن لم يسمعْ [إلاّ لفظَ المستملي] (٤) فليسَ يستفيدُ بذلكَ جوازَ روايتِهِ لذلكَ عنِ المملي مُطلقاً منْ غيرِ بَيانٍ للحالِ فيهِ، وفي هذا كلامٌ قدْ تقدّمَ في النوعِ الرابعِ والعشرينَ)) (٥)، يعني: وهو في معرفةِ كيفيةِ سماعِ الحديثِ. قالَ الشّيخُ في " النكتِ " (٦): ((والذي قدّمهُ هنَاكَ أنّهُ حَكى قولينِ: الجواز والمنع، وقالَ: إنّ الأولَ بعيدٌ)).

стр. 977

فاقتضى كلامُهُ هناكَ رجحانَ الامتناعِ، والصوابُ كمَا قدّمتُهُ هنُاكَ أنَّهُ إنْ كَانَ المملي يسمعُ لفظَ المستمِلي فحُكمُ المستملي حُكمُ القارئ عَلى الشّيخِ، فيجوزُ لسامعِ المستملي، أنْ يَرويَهُ عنِ المملِي لكنْ لا يَجوزُ أنْ يقولَ: سمعتُ، ولا أخبرني فلانٌ إملاءً، إنّما يجوزُ ذلكَ لمنْ سمعَ لفظَ المملي، ويجوزُ أنْ يقولَ: أخبرنا فلانٌ، ويطلقُ ذلكَ على الصحيحِ. وهلْ يجوزُ أنْ يقيدَ ذلكَ بقولِهِ: قراءةً عليهِ؟ يحتملُ أنْ يقالَ بالجوازِ؛ لأنَّ المستملي كالقارىء عَلَى الشّيخِ وَيحتملُ أنْ لا يجوزَ ذَلكَ؛ لأنَّ موضوعَ المستملي تتبُّعُ ألفاظِ الشّيخِ، وَليسَ قصدهُ القراءةَ عَلى الشّيخِ، والأوَّلُ أظهرُ كما تقدّمَ هُنَاكَ، واللهُ أعلمُ)). ومُرادُهُ بموضوعِ المستملي المرادُ منهُ والمقصودُ بِهِ. قولُهُ: (وَاستَحسَنُوا البَدْءَ / ٢٣٨ أ / بقارىءٍ تَلا) (١)، قالَ شيخُنَا ﵀: ((كانَ شيخُنَا العراقيُّ يقرأُ بسورةِ ((سَبَّحَ))، وفيهَا منَ المناسبةِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (٢))). قلتُ: وكذا: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (٣)، وكذا: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٤)، و: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (٥) وغيرِ ذلكَ. قولُهُ: (فَالصَّلاةُ والسَّلامُ) (٦) وإنّما اقتصرَ عَليها؛ لاشتهارِهَا في المجموعِ نحو ((لا إلهَ إلاَّ اللهُ)) في كلمةِ الإسلامِ، وهي الشَّهادتانِ.

стр. 978

قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (وَدعَا لَهُ) (١)، أي: الشَّيخُ المملي. قولُهُ: (وَيدَعُو)، أي: الممِلي (لَهُمْ) (٢)، أي: مشَايخهُ الذين رَوَى عنهمْ حالَ الإملاءِ، وَكذلكَ يُثني عَليهِ، وَهو مرادُ الشّيخِ بقولِهِ بعدَ ذلكَ (٣) : ((يَذكُرُ أنسَابَهُمْ وَبعْضَ مناقِبِهمْ)). قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((وَيَحسُنُ بالمحدّثِ الثناءُ عَلَى شيخِهِ في حَالةِ الروايةِ عنْهُ بما هُو أهلٌ لَهُ، فقدْ فَعلَ ذلكَ غيرُ واحدٍ منَ السّلفِ والعلماءِ، كَما رُوي عنْ عطاء ابنِ أبي رباحٍ: أنَّهُ كانَ إذا حدّثَ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: حدّثني البحرُ)) (٤). ثمَّ قالَ: ((وأهمُّ مِنْ ذلكَ الدّعاءُ لَهُ عندَ ذكرِهِ، فَلا يغفلنَّ عنْهُ)) (٥). انتهى. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((ولا يَتجاوزُ - أي: في الثناءِ - إلى أنْ يَأتيَ في ذلكَ بما لا يستحقُهُ الشّيخُ، فإنّ معرفةَ مراتبِ الرواةِ منَ المهماتِ، فمتى وصفَ غيرَ الحافظِ بالحفظِ فقدْ نزَّلَهُ منزلةً يترتبُ عليها حُكمٌ)) (٦). انتهى. قوله: (وَلا حَرْفَ) (٧) معطوفٌ عَلى ((مَا)) تقديرُهُ: لا أحدثُكَ شيئاً، و ((لا حرفَ أذكرُهُ لَكَ)) فهي ((لا)) النافيةُ للجنسِ.

стр. 979

قوله: (وَكَالشَّعبيِّ) (١) أعادَ الكافَ؛ لانتقالِهِ منَ الأبناءِ إلى الأنسابِ. قوله: (ثمَّ ذَكرَ منِ اشتَهَرَ) (٢) معطوفٌ عَلى ما ذكرَ في قولِهِ: ((قد اكْتُفِيَ في كثيرٍ منَ الرواةِ (٣) بذكر ... )) (٤). ٧٠٥ - وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ ... كَغُنْدَرٍ أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ أَوْ نَسَبْ ٧٠٦ - لأُمِّهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ ... يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ فَصُنْ قولُهُ في قولِهِ: (وَذِكرُ مَعْروفٍ) (٥): (فَجَائزٌ) (٦) لا موقعَ لفائِهِ إلاّ أنْ يُحملَ على أنَّهُ جوابٌ لأمّا محذوفة، فلو قالَ: مُجَوَّزٌ، كانَ أحسن. قوله: (مَا لمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ) (٧) فُهِمَ أنَّه إذا كانَ يَكرَهُهُ لا يجوزُ ذكرُهُ مطلقاً، بل ربما كانَ منطوقاً؛ فإنَّ تقديرَ الكلامِ: يجوزُ ذلكَ ما لمْ يكنْ يكرهُهُ، فإنْ كانَ يكرهُهُ ((كَابنِ عُلَيّةَ، فَصُنْ)) لسانَكَ عنِ النطقِ بِهِ فإنّهُ لا يجوزُ، ولا محيصَ عنْ هذا التقديرِ فإنّ ابنَ عُلَيّةَ لا يصلحُ مثالاً لقولِهِ: ((مَا لم يكنْ يكرهُهُ)) فإنَّهُ كان يكرهُ نسبتهُ لذلكَ (٨)، وهذا هو الذي قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٩)، كما أشَارَ إليهِ

стр. 980

المصنِّفُ بقولِهِ بعدَ: ((وَاستثنى ابنُ الصّلاحِ منَ الجوازِ / ٢٣٨ ب / مَا يكرَهُهُ الملقّبُ)) (١). وأمَّا الخطيبُ فإنّه لم يستثنِ منْ ذلكَ، بلْ كلامُهُ يدلُّ على جوازِهِ مُطلقاً (٢)، إلاّ إنّ ذلكَ لا يمنعُ الكراهةَ، وخِلافُ الأولى في بعضِهِ، وعليهِ ينزلُ استثناءُ ابنِ الصَّلاحِ، وممنْ نُقِلَ عنهُ كراهةُ مَا يشهرُ بهِ الإمامُ الجليلُ سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، قالَ الإمامُ النوويُّ في " شَرحِ مُقدمةِ صحيحِ مسلمِ " (٣) في الكلامِ على الطواعين : ((وأمّا المسيّبُ والدُ سعيدٍ، فصحابيٌّ مشهورٌ وهو بفتحِ الياءِ، هذا هو المشهورُ. وَحَكى صاحبُ " مطالعِ الأنوارِ " عنْ عليِّ بنِ المدينيِّ أنَّه قالَ: أهلُ العراقِ يفتحونَ الياءَ، وأهلُ المدينةِ يكسرونهَا. قالَ: وَحُكِيَ أنَّ سعيداً كانَ يكرهُ الفتحَ)) (٤). انتهى. وقالَ ابنُ خَلِّكانَ في تَرجمةِ سعيدٍ منْ " وفياتِهِ " (٥): ((وروِيَ عنهُ أنّه كانَ يقولُ بكسرِ الياءِ، وَيقولُ: سَيَّبَ اللهُ منْ سيّبَ أبي)).

стр. 981

قوله: (مَعرُوفٌ بِاسْمِ أمِّهِ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((أوْ نسبةٍ إلى أمٍّ عُرِفَ بها، كَيَعْلى بنِ مُنْيَة الصحابيِّ، وهو ابنُ منيةَ، ومنيةُ أمّهُ، وقيلَ: جدتهُ أمّ أبيهِ)) (٢). قالَ الشَّيخُ في " النكتِ " (٣): ((رَجّحَ المصنِّفُ هنا أنَّ مُنْيَةَ أمُّ يعلى، واقتصرَ في النوعِ السابعِ والخمسينَ - يعني: وهو في المنسوبينَ إلى غيرِ آبائِهِم (٤) - عَلى كونها جَدتَهُ (٥)، وحَكَاهُ عنِ الزبيرِ بنِ بَكّارٍ، وأنّها جدتُهُ أمُّ أبيهِ، ومَا قَالهُ الزبيرُ هو الذي جَزمَ بهِ أبو نصرِ بنُ ماكولا (٦)، ولكن قالَ ابنُ عبدِ البرِّ:

стр. 982

لم يُصب الزبيرُ (١). انتهى. والذي ذكرَهُ الطبريُّ ورَجَّحهُ أبو الحجاجِ المزيُّ أنّها أمُّ يعلى لا جدتهُ (٢) فما رجّحَ المصنِّفُ هنا هو الراجِحُ، والله أعلمُ)). قولُهُ: (وَكذلِكَ يَجُوزُ وَصْفُهُ بالعَرَجِ) (٣) التشبيهُ في الجوازِ فقط، لا في عدمِ اختلافِ العلماءِ. قولُهُ: (ولم يُردْ عَيْبه فَلا بأسَ) (٤) هذا يقتضي الجوازَ بلا كراهةٍ، سواءٌ ذَكرَهُ بشيءٍ منْ هذه الصفاتِ ونحوها، أو بلقبٍ؛ لأنَّ مناطَ الحُكمِ الإيذاءُ تحققاً أو ظناً، وسواءٌ عُرفَ منْهُ كراهةُ ذلكَ أو لا، وسواءٌ كانَ يمكنُهُ تعريفَهُ بغيرِ ذلكَ أوْ لا، هذا مقتضى كلامِ ابنِ المباركِ. وقدْ يفرقُ بينَ الصفاتِ - كالأعمشِ - والألقابِ، فيباحُ في الصفةِ لأنَّها فيه، بخلافِ اللقبِ. وقدْ يُفرقُ بينَ منْ عُرِفَ عنهُ الكراهةُ فيمنعُ، بخلافِ غيرِهِ. وهذا الذي قالَهُ ابنُ الصّلاحِ هو نصُّ أحمدَ كما سيأتي، إلاّ أنْ يُحملَ علَى الأدبِ كما قالَ الشّيخُ (٥)، وقدْ يُفرقُ بينَ مَا تعينَ طريقاً للتعريفِ وغيرِهِ. وقولُ الشّافعيِّ: حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ / ٢٣٩أ / الذي يقالُ لَهُ: ابنُ عليةَ (٦)، لا ينفي ذكرهُ بِمَا يكرهُ، لكنّهُ قَصدَ بقلبِهِ تعريفَهُ ولمْ يُرِدْ عيبَهُ، وأقامَ على مُرادِهِ قرينةً

стр. 983

لفظيةً، فجمعَ في إرادتِهِ مجردَ التعريفِ بينَ القلبِ واللفظِ، وعُرِفَ أنَّ المذكورَ يكرهُ ذلكَ، وأنَّهُ يكرهُ مَا يكرهُهُ، ولكنّهُ اضطرَ إلى ذكرِهِ خوفاً منْ ضياعِ المرويِّ. وابنُ عليةَ هذا هو: إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سهمِ بنِ مِقْسَمٍ مولى عبدِ الرحمانِ بنِ قُطْبةَ الأسديِّ أسد خزيمةَ، منْ أهلِ الكوفةِ (١). قالَ ابنُ سعدٍ: ((وكانَ مِقْسَمٌ منْ سبي القِيقانِيَّةِ ما بينَ خراسانَ وزَابُلِستانَ، وكانَ إبراهيمُ بنُ مِقْسَمٍ تاجراً منْ أهلِ الكوفةِ، وكانَ يَقْدُمُ البصرةَ بتجارتِهِ فيبيعُ ويرجعُ، فتخلّفَ فتزوّجَ عُليّةَ بنتَ حسّان مولاةً لبني شيبانَ))، قالَ: ((وكانتِ امرأةً نبيلةً عاقلةً بَرْزَةً، لها دارٌ بالعَوَقَةِ بالبصرةِ تُعرفُ بها، وكانَ صالحُ المُرَّيُّ وغيرُهُ منْ وجوِهِ أهلِ البصرةِ وفقهائِهِا يدخلونَ عليها فَتَبْرُزُ لهم، وتحدّثُهمْ وتسائلهُم، فولدتْ لإبراهيمَ: إسماعيلَ سنةَ عشرٍ ومئةٍ فنُسبَ إليها)). قالَ: ((وكانَ إسماعيلُ يُكنى أبا بشرٍ، وكانَ ثقةً ثبتاً في الحديثِ حجةً)). قالَ: ((وتوفي ببغدادَ يومَ الثلاثاءِ لثلاث عشرةَ خلتْ منْ ذي القعدةِ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ ومئةٍ، ودُفِنَ [منَ] (٢) الغدِّ يومَ الأربعاءِ)) (٣). نقلتُ ذلكَ منْ خطِّ بعضِ أصحابِنَا وقالَ: ((ليسَ عندَ ابنِ سعدٍ في نسبِهِ ((سَهمٌ)) (٤)، وإنما زِيدَ منْ " شرحِ مسلمٍ للنووي " (٥).

стр. 984

قولُهُ: في شرح قولِهِ: (وَاروِ في الإملاءِ) (١): (منْ وَجْهٍ آخَرَ) (٢) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((يُقدّمُ منْ يستحقُّ التقديمَ الأعلى إسناداً، أو الأحفظَ، وتقديمُ الأحفظِ والأتقنِ أولى)) (٣). قولُهُ: (وَيَنْتَقي مَا يُمْلِيهِ) (٤)، أي: فلا يذكرُ إلاّ نقاوةَ مَا عندَهُ مِنَ العلو، والصحةِ، والغرابةِ ونحو ذلكَ. قولُهُ: (وَيَتحرّى المُستَفَادَ مِنْهُ) (٥)، أي: ما فيهِ فائدةٌ جديدةٌ منَ الذي يمليهِ من الحديثِ، يعني: أنَّهُ إذا ساقَ حديثاً، وأرادَ أنْ يمليَ بعدَهُ آخرَ فليتحرَّ أنْ لا يكون بمعنى الحديثِ الذي قبلَهُ، بلْ يكون مفيداً فائدةً جديدةً، إمّا بأنْ يكونَ مغايراً لهُ منْ كلِّ وجهٍ، أو يَكونَ شرحاً لما قبلَهُ، أو مقيِّداً لَهُ، أو مبيناً لشيءٍ مِنْهُ، ونحو ذلك، والله أعلمُ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ / ٢٣٩ ب /: ((وكانَ الحفّاظُ المتقدّمونَ يختارونَ ما فيهِ فَائدةٌ تخصُّهُ بالنسبةِ إلى غيرهِ، كزيادةٍ في المتنِ، أو غرابةٍ في السندِ، أو تبيينٍ لمجملٍ، ولهذا كانَ يُختار للانتقاء الحفاظُ)) (٦).

стр. 985

قولُهُ: (عُلُوَاً مُتَفَاوِتَاً) (١)، أي: بالنسبةِ إلى إسنادينِ فأكثرَ، بدرجةٍ أو درجتينِ فإجازةٍ وسماعٍ، وكون الإجازةِ في موضعٍ أو أكثرَ، ونحو ذلك. فلو أُعريَ عن الوصفِ لَحُمِلَ على أدنى الدرجاتِ فلم تُعرفْ عينُ الدرجةِ التي عَلاَ بها. قولُهُ: (إِعْلامُهُ) (٢)، أي: ضَبطُهُ بما يزيلُ عُجمتَهُ، أي: لَبسَهَ بما يمنعُ فهمَهُ. قولُهُ: (أَعَمَّ للفَائِدَةِ) (٣)، أي: لأنَّ ذِكرَ شيخٍ جديدٍ، مثلَ ذكرِ حديثٍ جديدٍ في تَجدُّدِ الفائدةِ، وربما يسافرُ الطالبُ الذي سمعَ مجلسَهُ فيكونُ قد استفادَ مشايخ، ولو اقتصرَ على شيخٍ واحدٍ لكانت فائدتُهُ قاصرةً. قولُهُ: (وقَصُرَ مَتْنُهُ) (٤) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((فَإنّهُ أحسنُ وأليقُ)) (٥). انتهى. ولعلّ الأحسنيةَ من حيث إنّه تكثرُ أحاديثُ الإملاءِ، فتكثرُ الفائدةُ. وإلاّ لهيئتِهِ من حيثُ إنّ أهلَ الإِملاءِ يحبونَ سرعةَ الانتقالِ إلى حديثٍ جديدٍ، هذا إذا كانَ الطولُ بسببِ قصةٍ ونحوها مما يفيدُ شيئاً واحداً.
следующие страницы →