← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23798

النكت الوفية بما في شرح الألفية

برهان الدين البقاعي

Полный текст (1 137 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قوله: (مَعرُوفٌ بِاسْمِ أمِّهِ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((أوْ نسبةٍ إلى أمٍّ عُرِفَ بها، كَيَعْلى بنِ مُنْيَة الصحابيِّ، وهو ابنُ منيةَ، ومنيةُ أمّهُ، وقيلَ: جدتهُ أمّ أبيهِ)) (٢). قالَ الشَّيخُ في " النكتِ " (٣): ((رَجّحَ المصنِّفُ هنا أنَّ مُنْيَةَ أمُّ يعلى، واقتصرَ في النوعِ السابعِ والخمسينَ - يعني: وهو في المنسوبينَ إلى غيرِ آبائِهِم (٤) - عَلى كونها جَدتَهُ (٥)، وحَكَاهُ عنِ الزبيرِ بنِ بَكّارٍ، وأنّها جدتُهُ أمُّ أبيهِ، ومَا قَالهُ الزبيرُ هو الذي جَزمَ بهِ أبو نصرِ بنُ ماكولا (٦)، ولكن قالَ ابنُ عبدِ البرِّ:

стр. 982

لم يُصب الزبيرُ (١). انتهى. والذي ذكرَهُ الطبريُّ ورَجَّحهُ أبو الحجاجِ المزيُّ أنّها أمُّ يعلى لا جدتهُ (٢) فما رجّحَ المصنِّفُ هنا هو الراجِحُ، والله أعلمُ)). قولُهُ: (وَكذلِكَ يَجُوزُ وَصْفُهُ بالعَرَجِ) (٣) التشبيهُ في الجوازِ فقط، لا في عدمِ اختلافِ العلماءِ. قولُهُ: (ولم يُردْ عَيْبه فَلا بأسَ) (٤) هذا يقتضي الجوازَ بلا كراهةٍ، سواءٌ ذَكرَهُ بشيءٍ منْ هذه الصفاتِ ونحوها، أو بلقبٍ؛ لأنَّ مناطَ الحُكمِ الإيذاءُ تحققاً أو ظناً، وسواءٌ عُرفَ منْهُ كراهةُ ذلكَ أو لا، وسواءٌ كانَ يمكنُهُ تعريفَهُ بغيرِ ذلكَ أوْ لا، هذا مقتضى كلامِ ابنِ المباركِ. وقدْ يفرقُ بينَ الصفاتِ - كالأعمشِ - والألقابِ، فيباحُ في الصفةِ لأنَّها فيه، بخلافِ اللقبِ. وقدْ يُفرقُ بينَ منْ عُرِفَ عنهُ الكراهةُ فيمنعُ، بخلافِ غيرِهِ. وهذا الذي قالَهُ ابنُ الصّلاحِ هو نصُّ أحمدَ كما سيأتي، إلاّ أنْ يُحملَ علَى الأدبِ كما قالَ الشّيخُ (٥)، وقدْ يُفرقُ بينَ مَا تعينَ طريقاً للتعريفِ وغيرِهِ. وقولُ الشّافعيِّ: حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ / ٢٣٩أ / الذي يقالُ لَهُ: ابنُ عليةَ (٦)، لا ينفي ذكرهُ بِمَا يكرهُ، لكنّهُ قَصدَ بقلبِهِ تعريفَهُ ولمْ يُرِدْ عيبَهُ، وأقامَ على مُرادِهِ قرينةً

стр. 983

لفظيةً، فجمعَ في إرادتِهِ مجردَ التعريفِ بينَ القلبِ واللفظِ، وعُرِفَ أنَّ المذكورَ يكرهُ ذلكَ، وأنَّهُ يكرهُ مَا يكرهُهُ، ولكنّهُ اضطرَ إلى ذكرِهِ خوفاً منْ ضياعِ المرويِّ. وابنُ عليةَ هذا هو: إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سهمِ بنِ مِقْسَمٍ مولى عبدِ الرحمانِ بنِ قُطْبةَ الأسديِّ أسد خزيمةَ، منْ أهلِ الكوفةِ (١). قالَ ابنُ سعدٍ: ((وكانَ مِقْسَمٌ منْ سبي القِيقانِيَّةِ ما بينَ خراسانَ وزَابُلِستانَ، وكانَ إبراهيمُ بنُ مِقْسَمٍ تاجراً منْ أهلِ الكوفةِ، وكانَ يَقْدُمُ البصرةَ بتجارتِهِ فيبيعُ ويرجعُ، فتخلّفَ فتزوّجَ عُليّةَ بنتَ حسّان مولاةً لبني شيبانَ))، قالَ: ((وكانتِ امرأةً نبيلةً عاقلةً بَرْزَةً، لها دارٌ بالعَوَقَةِ بالبصرةِ تُعرفُ بها، وكانَ صالحُ المُرَّيُّ وغيرُهُ منْ وجوِهِ أهلِ البصرةِ وفقهائِهِا يدخلونَ عليها فَتَبْرُزُ لهم، وتحدّثُهمْ وتسائلهُم، فولدتْ لإبراهيمَ: إسماعيلَ سنةَ عشرٍ ومئةٍ فنُسبَ إليها)). قالَ: ((وكانَ إسماعيلُ يُكنى أبا بشرٍ، وكانَ ثقةً ثبتاً في الحديثِ حجةً)). قالَ: ((وتوفي ببغدادَ يومَ الثلاثاءِ لثلاث عشرةَ خلتْ منْ ذي القعدةِ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ ومئةٍ، ودُفِنَ [منَ] (٢) الغدِّ يومَ الأربعاءِ)) (٣). نقلتُ ذلكَ منْ خطِّ بعضِ أصحابِنَا وقالَ: ((ليسَ عندَ ابنِ سعدٍ في نسبِهِ ((سَهمٌ)) (٤)، وإنما زِيدَ منْ " شرحِ مسلمٍ للنووي " (٥).

стр. 984

قولُهُ: في شرح قولِهِ: (وَاروِ في الإملاءِ) (١): (منْ وَجْهٍ آخَرَ) (٢) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((يُقدّمُ منْ يستحقُّ التقديمَ الأعلى إسناداً، أو الأحفظَ، وتقديمُ الأحفظِ والأتقنِ أولى)) (٣). قولُهُ: (وَيَنْتَقي مَا يُمْلِيهِ) (٤)، أي: فلا يذكرُ إلاّ نقاوةَ مَا عندَهُ مِنَ العلو، والصحةِ، والغرابةِ ونحو ذلكَ. قولُهُ: (وَيَتحرّى المُستَفَادَ مِنْهُ) (٥)، أي: ما فيهِ فائدةٌ جديدةٌ منَ الذي يمليهِ من الحديثِ، يعني: أنَّهُ إذا ساقَ حديثاً، وأرادَ أنْ يمليَ بعدَهُ آخرَ فليتحرَّ أنْ لا يكون بمعنى الحديثِ الذي قبلَهُ، بلْ يكون مفيداً فائدةً جديدةً، إمّا بأنْ يكونَ مغايراً لهُ منْ كلِّ وجهٍ، أو يَكونَ شرحاً لما قبلَهُ، أو مقيِّداً لَهُ، أو مبيناً لشيءٍ مِنْهُ، ونحو ذلك، والله أعلمُ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ / ٢٣٩ ب /: ((وكانَ الحفّاظُ المتقدّمونَ يختارونَ ما فيهِ فَائدةٌ تخصُّهُ بالنسبةِ إلى غيرهِ، كزيادةٍ في المتنِ، أو غرابةٍ في السندِ، أو تبيينٍ لمجملٍ، ولهذا كانَ يُختار للانتقاء الحفاظُ)) (٦).

стр. 985

قولُهُ: (عُلُوَاً مُتَفَاوِتَاً) (١)، أي: بالنسبةِ إلى إسنادينِ فأكثرَ، بدرجةٍ أو درجتينِ فإجازةٍ وسماعٍ، وكون الإجازةِ في موضعٍ أو أكثرَ، ونحو ذلك. فلو أُعريَ عن الوصفِ لَحُمِلَ على أدنى الدرجاتِ فلم تُعرفْ عينُ الدرجةِ التي عَلاَ بها. قولُهُ: (إِعْلامُهُ) (٢)، أي: ضَبطُهُ بما يزيلُ عُجمتَهُ، أي: لَبسَهَ بما يمنعُ فهمَهُ. قولُهُ: (أَعَمَّ للفَائِدَةِ) (٣)، أي: لأنَّ ذِكرَ شيخٍ جديدٍ، مثلَ ذكرِ حديثٍ جديدٍ في تَجدُّدِ الفائدةِ، وربما يسافرُ الطالبُ الذي سمعَ مجلسَهُ فيكونُ قد استفادَ مشايخ، ولو اقتصرَ على شيخٍ واحدٍ لكانت فائدتُهُ قاصرةً. قولُهُ: (وقَصُرَ مَتْنُهُ) (٤) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((فَإنّهُ أحسنُ وأليقُ)) (٥). انتهى. ولعلّ الأحسنيةَ من حيث إنّه تكثرُ أحاديثُ الإملاءِ، فتكثرُ الفائدةُ. وإلاّ لهيئتِهِ من حيثُ إنّ أهلَ الإِملاءِ يحبونَ سرعةَ الانتقالِ إلى حديثٍ جديدٍ، هذا إذا كانَ الطولُ بسببِ قصةٍ ونحوها مما يفيدُ شيئاً واحداً.

стр. 986

فإنْ كانَ بسببِ اشتمالهِ على أحكامٍ كثيرةٍ فلا بأسَ بإيرادِهِ إذ كلُّ حكمٍ منها بمنزلةِ حديثٍ مستقلٍ. قولُهُ: (وَظِيفتُنَا) (١) البيتين هما من المتقاربِ، وهو: فَعُولُنْ ثماني مراتٍ من عَروضِهِ الأولى، وهي محذوفةٌ وخبرُها تامٌ والحذفُ وهو إسقاطُ سببٍ خفيفٍ من العللِ الجائزةِ في عَروضِهِ وإنْ كانت تامةً. وكان عليُّ بن حُجْر هذا قد تفرّدَ بشريكٍ وهشيمٍ (٢). قولُهُ: (عُقُولُ العَوَام) (٣) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((عُقُولُ الحَاضرينَ، وما يخشى فيه من دخولِ الوهمِ عليهِ في حديثِهِ (٤))) (٥). وعبارةُ ابنِ دقيقِ العيدِ: ((أو (٦) ما يقعُ لهم فيه شبهةٌ أو إشكالٌ)). قالَ: ((وينبغي أن يَتخيرَ لجمهورِ الناسِ أحاديثَ فضائلِ الأعمالِ وما يُناسبُها وللمتفقهةِ أحاديثَ الأحكامِ، وليَجْتَنِبِ الموضوعاتِ، فإن كانَ ولا بد فمع بيانِ أمرِهَا)) (٧). قولهُ: (حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ ﵁) (٨) رواهُ مسلمٌ في مُقدّمةِ " كتابِهِ " عن أبي هريرةَ، وعن ابنِ عمرَ ﵃ / ٢٤٠ أ /، ولفظُهُ عن أبي هريرةَ رضي الله

стр. 987

عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((كَفَى بالمرءِ كَذِبَاً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)) (١). وأسندَهُ عن عبدِ اللهِ موقوفاً عليهِ قالَ: ((بِحَسْبِ المرءِ من الكَذِبِ أنْ يُحدّثَ بِكلِّ ما سَمعَ)) (٢). وعن أبيهِ عمرَ ﵁ مثله (٣). وأسندَهُ صاحبُ " الفردوسِ " عن أبي أمامةَ ﵁ مرفوعاً (٤). ورَوَى مسلمٌ في مقدمةِ " صحيحِهِ " (٥): عن ابنِ وهبٍ قالَ: قالَ لي مالكٌ: ((اعْلَمْ أنَّهُ ليْسَ يَسْلمُ رجُلٌ حَدَّثَ بكلِّ ما سَمِعَ، ولا يَكُونُ إِماماً أبداً وهُو يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما سَمِعَ)). وعن عبدِ الرحمانِ بنِ مهدي قالَ: ((لا يكُونُ الرَّجُلُ إماماً يقتدى بِهِ، حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْض ما سَمِعَ)) (٦). قولُهُ: (وَقَول عَلِيٍّ ﵁) (٧) رواهُ البخاريُّ في أواخرِ كتابِ العلمِ من " صحيحِهِ " (٨) موقوفاً عليهِ. ورفعهُ صاحبُ " الفردوسِ " (٩).

стр. 988

قولُهُ: (وَقَول ابْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁) (١) أخرجَهُ مُسلمٌ في المقدّمةِ (٢) ولفظُهُ: ((مَا أَنتَ بمُحدِّثٍ قَومْاً حديثاً لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلاَّ كانَ لِبعْضِهِمْ فِتْنَةً)). وَرَوى أيضاً عن أبي هُريرةَ ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: ((سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتي أُناسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ، فإياكُمْ وَإِيَّاهُمْ)) (٣). قولُهُ: (وَمِمَّا رَأَى) (٤) خَبرُ المبتدأ الذي هو قولهُ: ((أحاديثُ الرُّخصِ)). وَ (أَولَى) خَبرُ ((أَنّ))، و (الصُّدُوفَ) اسمُها، وهو بضمِّ المُهمَلَتينِ وآخرُهُ فَاءٌ، ومعناهُ: الإعراضُ (٥). قولهُ: (كَرَاهِيَةُ رِوَايَةِ أَحَادِيثِ بَني إِسْرائِيْلَ) (٦) اعْلَم أنّ أحاديثَ بني إسرائيلَ على أقسامٍ: الأولى: أن يُعرفَ صدقُهُ بإخبارِ نَبيِّنا ﷺ فلا ريبَ في حُسنِ روايته وعدمِ الحرجِ فيها. والثاني: أن يُعرفَ كَذبُهُ، فلا ريبَ في تحريمِ روايتِهِ إلاّ على وجهِ البيانِ لحالهِ. والثالث: ما يُظنُّ كَذبُهُ وهو يَحتملُ الصدقَ فَلا تنبغي روايتهُ. وتحملُ الكراهةُ بالنسبةِ إلى هذا القسمِ على ظاهرِهَا.

стр. 989

وبالنسبةِ إلى الذي قبلَهُ على التحريمِ استعمالاً للمشتركِ في معنييهِ. والرابع: أن يتساوى فيه الاحتمالانِ فهذا هو المرادُ بقولهِ ﷺ : ((حَدّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرجَ)) (١).

стр. 990

قولُهُ: / ٢٤٠ ب / (فَتَأكُلُ القُرْبَانَ) (١) إن قيلَ: هذا قد عُلمَ صدقُهُ بإخبارِ نبينا ﷺ ، قيلَ: ليسَ المرادُ من ذكرهِ بيانَ حكمِ روايتِهِ، وإنما المرادُ تمثيلُ ما يستحيلُ عادةً في هذه الأمةِ. ٧١٠ - وَاسْتُحْسِنَ الإِنْشَادُ فِي الأَوَاخِرِ ... بَعْدَ الْحِكَايَاتِ مَعَ النَّوَادِرِ قولُهُ في قولِهِ: (وَاسْتُحْسِنَ): (بَعدَ الحِكَايَاتِ) (٢)، أي: أنّ العادةَ جرتْ بأن يختموا بالإنشادِ، إلا أنْ يكونَ في الحكايةِ شيءٌ يتعلقُ بتفسيرِ غريبِ الشِّعرِ، أو غيرِ ذلك مما يقتضي تَأخيرُهَا. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((فإنْ كانتْ مناسبةً لما تقدَّم من الأحاديثِ فهو أحسنُ)) (٣). قولهُ في شرحِ ذلكَ: (بِأَسَانِيدِهَا) (٤)، أي: لا تَكملُ فائدةُ ذلكَ إلا بذكرِ الإسنادِ؛ لأنَّ ما يذكَرُ بغير إسنادٍ لا فرقَ فيهِ بين الطالبِ والشيخِ، وإنما تحصلُ المزيةُ للشيخِ بذكرِ الإسنادِ. قالَ الأَنْدَرَشِيُّ: ((وأولى ذلكَ ما كانَ في الزهدِ ومكارمِ الأخلاقِ)) (٥). قولهُ: (طُرَف الحِكْمَةِ) (٦) جمعُ طُرْفَةٍ مثل غُرْفَةٍ، وهي الشيءُ الحديثُ، من اطَّرَفْتُ الشيءَ اشْتَرَيْتُهُ حديثاً.

стр. 991

واسْتَطْرَفتُ الشيءَ: اسْتَحْدثْتُهُ، كأنّهُ قالَ: اطلبوا لها أخباراً طريفةً، أي: حَديثةً، من الحكمِ، أي: لم تسمعْهَا قبلَ ذلكَ، ليكونَ ذلكَ أنشطَ لها فيما ينفعُها. قولهُ: (الأُذُنَ مَجَّة) (١)، أي: إذا كَرّرتْ عليها شَيئاً مَجَّتْهُ، أي: صارتْ كأنّها تدفعُهُ وترمي بهِ. قولهُ: (والقَلْب حَمِض) (٢) بفتحِ المهمَلَةِ وكسرِ الميمِ وآخره ضَاد معجمة، صفةٌ مشبهةٌ من الحمض، أي: يَكِلُّ من سماعِ الجدّ ويتوقُ إلى التّرويحِ بالنّوادرِ. كما أنَّ الإبلَ تَكِلُّ من المرْعَى فَتَتَفَكَّهُ (٣) بالحمضِ حتى تُقبلَ عليهِ. قالَ في " الصّحاحِ " (٤): ((والحَمْضُ: ما مَلُحَ وأَمَرَّ من النباتِ، كالرِمْثِ والأثْلِ والطَرْفَاءِ ونحوها، والخُلَّةُ من النبت: ما كان حُلواً، تقولُ العربُ: الخُلَّةُ خبزُ الإبلِ، والحَمْضُ فاكهتُها، ويقالُ: لحمُهَا، ومنهُ قولُهم للرجلِ إذا جاءَ مُتَهَدِّداً: أنت مُختلٌّ فَتَحمَّضْ، والحَمْضَةُ: الشهوةُ للشيء، وفي حديثِ الزهريِّ: الأذنُ مَجَّاجةٌ (٥) وللنّفسِ حَمْضَةٌ، وإنما أُخِذَتْ من شهوة الإبل للحَمْضِ؛ لأنَّها إذا مَلَّتِ الخُلَّةَ اشتهتِ الحَمْضَ فتُحَوَّلُ إليه)). قولهُ: (أَبزَار الجَنَّةِ) (٦)، أي: الحِكَايَاتُ التي تكونُ للعلمِ النافعِ الموصلِ إلى

стр. 992

الجنةِ كالأبْزَار للطّعامِ، تُطيّبهُ وتُشَهِّيه وتشوّقُ النفس إليه. قولهُ: (مِنْ أهْلِ المَعْرِفَةِ) (١) / ٢٤١أ / عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((وإذا قصرَ المحدّثُ عن تخريج ما يُمليهِ فاستعانَ ببعضِ حُفّاظِ وقتِهِ فخرَّج لهُ، فلا بأسَ بذلكَ)) (٢). قولهُ: (وَإِذَا نَجِزَ الإِمْلاَءُ) (٣) قالَ الشيخُ في " النكتِ " (٤): ((هو بكسرِ الجيمِ على المشهورِ، وبه جَزمَ الجوهريُّ فقالَ: ((نَجِزَ الشيءُ ينجزُ نَجزاً، أي: انقضى وفَنِيَ)) انتهى. وهذا هو الذي قُيِّدَ عن المصنِّفِ في حاشيةِ " علومِ الحديثِ " حين قُرِىءَ عليهِ، والذي صَدّرَ به صاحبُ " المحكمِ " كلامهُ بالفتحِ، فقالَ: نجزَ الكلامُ - بالفتح - انقطعَ، ونجزَ الوعدُ، ينجزُ نَجْزاً: حَضَر قالَ: وقد يقالُ: نجِزَ. قالَ ابنُ السِّكِّيتِ: ((كأنّ نَجِز: فَنيَ، وكأن نَجَز: قضى حاجتَهُ)) (٥). انتهى)).

стр. 993

وقالَ في " القاموسِ " (١): ((نَجِزَ، كفَرِحَ ونَصَرَ: انقضى، وفَنِيَ، والوعدُ: حَضَرَ، والكلامُ: انْقَطعَ، ونَجَزَ حاجَتَه، قَضاها، كأَنْجَزَهَا)). وقال ابنُ القَطَّاع: ((نَجزتِ الحاجةُ نجازاً، وأنجزتُها قضيتُها فَنجزتْ (٢))). وقالُوا: نَجَزَ ونَجِزَ وكأنّ نَجَزَ: قضى حَاجتَهُ، وكأن نَجِزَ - أي: بالكسر -: فَنِيَ ونَجَزَ الشيء نجازاً: حضرَ، وأيضاً ذَهَبَ. قولهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ في كَلامِهِ) (٣)، أي: في النوعِ الخامسِ والعشرينَ: وهو في كتابةِ الحديثِ وكيفيةِ ضبطِ الكتابِ وتقييدهِ (٤). قولهُ: (لاَ عَلَى أُصُولِهِ) (٥) هذا الحصرُ ممنوعٌ. أمّا أولاً: فلإمكانِ المقابلةِ على الأُصولِ. وأمّا ثانياً: فلأنّ العادةَ في المقابلةِ أن تكونَ على الورقِ المنقولِ إليهِ تلكَ الأَحَادِيث المُجمّعة من الأُصولِ، وناقلُ تلكَ الأحاديثِ إنما يكونُ حافظاً فلا يغيرُ شيئاً في الغالبِ، والغالبُ أنَّه يتفقدُها بعد النقلِ ويتحفظُ المُملِي ما يمليهِ منها، فإن وقعَ لهُ شيءٌ تنبَّهَ لهُ هذا المُملي إذا لم يقابلْ ما ينقلُهُ وربما قابلَهُ فينتفي المحذورُ. وترجمةُ الخطيبِ تؤيدُ ذلك فإنّه قالَ: ((المعارضةُ بالمجلسِ المكتوبِ)) (٦)، أي: المعارضةُ الكائنةُ لما كَتبهُ الطالبُ بالمجلسِ المكتوبِ الذي أملاهُ الشيخُ.

стр. 994

قولهُ: (زَيْغُ القَلَمِ) (١)، أي: قَلَم الطالبِ. قولُهُ: (إلى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) (٢) الحديث أخرجَهُ (٣). وقد رَوى ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ في مُقدّمةِ " التّفسيرِ " (٤) حديثَ زيدِ بنِ ثَابتِ في أمرِ أبي بكرٍ ﵄ لهُ بجمعِ القُرآنِ، وأنّهُ جمعَهُ ثم ذكرَ ما وقعَ من الاختلافِ حتى أمرهُ عثمانُ / ٢٤١ب / ﵁ فجمعَ تلكَ الصحف مصحفاً واحداً، وفي آخرهِ أنَّه عَرضهُ مرةً بعدَ أُخرى حتى أكملَ ثلاثَ عرضاتٍ، ثم طَلبَ عثمانُ ﵁ من حفصةَ ﵂ صَحيفةً كانَ أبوها عمرُ ﵁ جمعَ فيها القرآنَ، فعرضَ المصحفَ الذي كتَبهُ زيدُ عليها عرضةً رابعةً، ورجالُ إسنادِهِ رجالُ الصحيحِ. قولهُ: (ثُمَّ يُخرَجُ بهِ) (٥)، أي: إلى النَّاسِ. قالَ ابنُ الصّلاحِ في آخرها: ((هذه عُيُونٌ من آدابِ المحدِّثِ اجتَزَأنا بها، مُعرضينَ عَن التّطويلِ بما ليسَ من مُهمَّاتها، أو هوَ ظَاهرٌ ليسَ من مشتَبهاتِها، واللهُ الموفقُ)) (٦).

стр. 995

[آدَابُ] (١) طَالبِ الحديثِ (٢) قولُهُ: (أدب (٣) طالبِ الحديثِ) (٤) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وقدِ اندرجَ طرفٌ منهُ في ضمنِ ما تقدَّمَ)) (٥). قولُهُ: (وَجِدَّ) (٦) يجوزُ فيهِ كسرُ الجيم، مِنْ فَعَلَ يَفعلُ بفتحِ العينِ في الماضي وكسرها في المستقبلِ، وضم الجيمِ، من فَعَلَ يفعلُ بضمِّها في المستقبلِ، ومعناه الاجتهادُ في طلبِ العلمِ. قالَ الشيخُ محيي الدينِ النوويُّ في مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " في بابِ أقسامِ العلمِ الشرعيِّ (٧): ((وهي ثلاثةٌ: فرضُ العينِ، وعليهِ حملَ جماعاتٌ الحديثَ

стр. 996

المرويَّ في مسندِ أبي يعلى الموصليِّ (١) عنْ أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : ((طلبُ العلمِ فريضةٌ على كُلِّ مُسلمٍ)). وهذا الحديثُ وإنْ لم يكنْ ثابتاً (٢) فمعناهُ صَحيحٌ. فأولُ ذلكَ تصحيحُ العقيدةِ ويكفي فيها التصديقُ بكلِّ ما جاءَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ واعتقادُهُ اعتقاداً جازمَاً سالماً منْ كلِّ شكٍ، ولا يتعينُ لهذا أدلة المتكلمينَ على الصحيحِ. وآياتُ الصفاتِ وأخبارها لأهلِ الإسلامِ فيها مذهبانِ: التأويلُ: وهو الأشهرُ، وعدمُهُ، مع أنَّه لا بد عندَ الكُلِّ من تقديمِ اعتقادِ التنزيهِ عنْ سماتِ الحدثِ، وأنَّه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣).

стр. 997

والثاني: فرضُ الكفايةِ، وهو تحصيلُ ما لا بد للنَّاسِ منهُ في إقامةِ دينهم من العلومِ الشرعيةِ كحفظِ القرآنِ والأحاديثِ وعلومها، ولو اشتغلَ بعلمٍ فظهرتْ نجابتُه فيه لم يتعيَّنْ عليهِ على الأصحِّ؛ لأنَّ الشروعَ لا يُعيِّنُ المشروعَ فيهِ عندنا إلا الحجَّ والعمرةَ. والثالثُ: نفلٌ مندوبٌ إليهِ مستحبٌّ لهُ، وهو التبحُّرُ في الأدلةِ، والإمعانُ في القدرِ الذي يحصلُ بهِ فرضُ الكفايةِ)). انتهى ملخصاً. قولُهُ: (ولا تساهلَ حملاً) (١) هو فعلٌ مضارعٌ خُفِّفَ / ٢٤٢ أ / بإسقاطِ إحدى التائينِ؛ لأجلِ الوزنِ وتمييزِ ((حَمْلاً)) محولٌ عن الفاعلِ بالإسنادِ المجازي، أي: ولا يتساهلُ حملكَ عن المشايخِ، أي: ولا تتساهل أنتَ في الحملِ عنهم. قولُهُ: (إخلاص النيةِ) (٢) قال الشيخُ محيي الدينِ في مقدمةِ "شرحِ المهذبِ": ((يقصدُ بتعلمِهِ وتعليمِهِ وجهَ اللهِ، ولا يقصدُ توصُّلاً إلى عَرَضٍ دُنيويٍ كتحصيلِ مالٍ، أو جاهٍ، أو شهرةٍ، أو تميُّزٍ عن الأشباهِ، أو تكثرٍ بالمشتغلينَ عليهِ)) (٣). ((ويُطهرُ قلبَهُ من جميعِ الأدناسِ لتصلحَ أحوالُهُ. ففي " الصحيحينِ " (٤) عن رسولِ اللهِ ﷺ : ((إنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّهُ، ألا وهي القلبُ)).

стр. 998

وقالوا: تَطبيبُ القلبِ للعلمِ، كتَطبيبِ الأرضِ للزَّرعِ)) (١). ويتخلقُ بالمحاسنِ التي وردَ الشرعُ بها وحثَّ عليها، منَ الزهدِ في الدنيا، والتقلّلِ منها وعدمِ المبالاةِ بفواتِها، والسخاءِ، والجودِ، والحلمِ، والصبرِ، ومكارمِ الأخلاقِ، وطلاقةِ الوجهِ، من غيرِ خروجٍ إلى حدِّ الخلاعةِ، مع اجتنابِ الضحكِ، والإكثارِ من المزحِ، وملازمةِ الآدابِ الشرعيةِ من التنظُّفِ بإزالةِ الأوساخِ والروائحِ الكريهةِ، والحذرِ من الحسدِ، والرياءِ، والإعجابِ، والاحتقارِ لمنْ دونهُ؛ لأنَّ حكمةَ اللهِ اقتضتْ إقامةَ كلٍّ فيما أقامهُ. ومن علمَ أنَّ الخلقَ لا ينفعونَهُ لم يُرائِهمْ، وَمَنْ علمَ أنَّ نِعَمَهُ من اللهِ لم يُعْجَبْ، ولا يُذِلُّ العلمَ بذهابهِ إلى من يتعلمُهُ، وإنْ [كانَ المتعلم] (٢) كبيرَ القدرِ، فإن اقتضتهُ مصلحةٌ راجحةٌ على مفسدةِ ابتذالهِ رجونا أنه لا بأسَ بهِ)) (٣). قالَ حمدانُ بنُ الأصبهانيّ: ((كنتُ عندَ شَرِيكٍ ﵀، فأتاهُ بعضُ أولادِ المهدي، فاستندَ إلى الحائِطِ، وسألهُ عن حديثٍ، فلم يلتفتْ إليهِ، وأقبلَ علينا، ثم عادَ، فأعادَ بمثلِ ذلكَ، فقالَ: كأنّكَ تستخِفُّ بأولادِ الخلفاءِ؟ فقالَ شريكٌ: لا، ولكنَّ العلمَ عندَ اللهِ أجلُّ منْ أنْ أضعَهُ، فجثا على ركبتيهِ، فقال شريكٌ: هكذا يُطلبُ العلمُ)) (٤). قولُهُ: (عزمَ الله) (٥)، أي: أراد وقدَّرَ، إرادةً وتقديراً أنفذَهما وأمضاهما، بأنْ خلقَ القدرة على الفعلِ وجعلَ للفاعلِ عزماً على ذلكَ ماضياً / ٢٤٢ب / لا أنَّه أرادَ

стр. 999

أن يفعلَ (١) ذلكَ في المستقبلِ فهيَّأهُ لهُ ولم يشرع فيهِ. قولُهُ: (ويحرَص على ذلكَ) (٢) قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ورُوِّينَا عنْ سفيانَ الثوريِّ قالَ: ما أعلمُ عملاً هو أفضلُ من طلبِ الحديثِ لمنْ أرادَ اللهَ بهِ (٣))) (٤). ورَوينَا نحوه عن ابنِ المباركِ. ومنْ أقربِ الوجوهِ في إصلاحِ النِّيةِ، ما رَوينا عن أبي عمرٍو إسماعيلَ بنِ نجيدٍ أنَّه سألَ أبا جعفرٍ أحمدَ بنَ حمدان - وكانا عبدينِ صالحينِ - فقالَ لهُ: بأيِّ نيةٍ أكتبُ الحديثَ؟ فقالَ: ألستم ترونَ أنَّ عندَ ذكرِ الصالحينَ تَنْزِلُ الرحمةُ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فرسولُ اللهِ ﷺ رأسُ الصالحينَ (٥). ولْيَسْألِ اللهَ التيسيرَ والتأييدَ والتوفيقَ والتسديدَ، وليأخذْ نفسهُ بالأخلاقِ الزكيةِ، والآدابِ المرضيةِ، فقدْ رَوينا عنْ أبي عاصمٍ النبيلِ أنَّهُ قالَ: ((منَ طلبَ هذا الحديثَ فقدْ طلبَ أعلى أمورِ الدينِ، فيجبُ أنْ يكونَ خيرَ الناسِ)) (٦).

стр. 1000

ثمَّ أشارَ إلى ما سبقَ في النوعِ الرابعِ والعشرينَ، وهو: معرفةُ كيفيةِ سماعِ الحديثِ وتحملِهِ وصفةِ ضبطهِ، في السنِّ الذي ينبغي فيهِ الابتداءُ بالطلبِ (١). قولُهُ: (بِرَاحةِ الجسَدِ) (٢) رواهُ مسلمٌ في أوائلِ أوقاتِ الصلاةِ من " صحيحِهِ " (٣) وفي روايةٍ: ((براحةِ الجسمِ)) (٤). ورأيتُ بخطِ صاحبنا العلاّمةِ شمسِ الدينِ بنِ حسّان أنّ شيخَنا أفادَ أنَّه رُويَ مرفوعاً. قولُهُ: (وبالتملُّلِ) (٥) يصلحُ أنْ يكونَ بالكافِ من الملُكِ المفيدِ للعزِّ. ويقابلهُ ذلةُ النفسِ الملازمِ للفقرِ، وأنْ يكونَ باللامِ من الملالِ ويقابلهُ المداومةُ على خدمةِ العلم. ويؤيدُ هذا أنَّ الشيخَ محيي الدينِ نقلَهُ في مقدمةِ " شرحِ المهذبِ " (٦) فقالَ: بالمللِ بلامينِ دونَ تاءٍ قبلَ الميمِ، وعلى كلا التقديرينِ، المرادُ الاجتهادُ في الطلبِ والنشاط والنّهي عن ضدِهِ، فروايةُ اللامِ واضحةٌ في ذلكَ، وروايةُ الكافِ تتضمنُهُ فإنَّه يلزمُ من الملكِ - سواءٌ كانَ بكسرِ اللامِ، أو ضمِّها - الترفُ الملازمُ

стр. 1001

للفتورِ والكسلِ عن مثلِ ذلكَ بالميلِ إلى (١) الشهواتِ لا سيما للشباب كما قيلَ: إنَّ الشبَابَ والفَراغَ والجدَة ... مفسَدة للمرءِ أيُّ مَفْسَدة (٢) وقالَ الشيخُ محيي الدينِ: ((وقالَ - يعني: الشافعيَّ - أيضاً: / ٢٤٣ أ / لا يُدرَك العلمُ إلا بالصبرِ على الذّلِ. وقالَ أيضاً: لا يصلحُ طلبُ العلمِ إلا لمفلسٍ، فقيلَ: ولا الغنيّ المَكْفِي؟ فقال: ولا الغنيّ المكفي)) (٣). وقالَ مالكُ بنُ أنسٍ: لا يبلغُ أحدٌ من هذا العلمِ ما يريدُ، حتى يضربَهُ الفقرُ ويُؤثرَهُ على كلِّ شيءٍ. وقال أبو حنيفةَ: لِيُسْتَعَانَ على الفقهِ (٤) بجمعِ الهمِّ، ويستعانَ على حذَفِ العلائقِ بأخذِ اليسيرِ عندَ الحاجةِ، ولا يزِدْ. وقالَ إبراهيمُ الآجُريُّ: من طلبَ العلمَ بالفاقةِ ورثَ الفهمَ. قالَ الخطيبُ البغداديُّ في كتابهِ " الجامعُ لآدابِ الراوي والسامعِ " (٥): ((يستحبُّ للطالبِ أنْ يكونَ عزبَاً ما أمكنهُ لئلا يقطعهُ الاشتغالُ بحقوقِ الزوجةِ، والاهتمامُ بالمعيشةِ عن إكمالِ طلبِ العلمِ، واحتجَّ بحديثِ: خيركم بعد المئتينِ خفيفُ الحَاذ وهو الذي لا أهلَ لهُ ولا ولد)) (٦).

стр. 1002

وقالَ إبراهيمُ بن أدهمَ: منْ تعوّدَ أفخاذَ النساءِ لم يفلحْ (١)، يعني: اشتغلَ بهنَّ، وهذا في غالبِ النَّاس لا في الخواصِّ. وعنْ سفيانَ الثوريِّ: إذا تزوّجَ [الفقيه] (٢) فقدْ ركبَ البحرَ، فإنْ وُلِدَ لهُ فقدْ كُسِرَ بهِ (٣). وقالَ سفيانُ لرجلٍ: تزوجتَ؟ قالَ: لا. قالَ: ما تدري ما أنتَ فيهِ من العافيةِ (٤). وفي " الصحيحينِ " (٥) عنْ أسامة بن زيدٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ : ((ما تركتُ فتنةً هي أضرُّ على الرجالِ منَ النساءِ)).

стр. 1003

وينبغي أنْ يكونَ حريصاً على التعلمِ مواظباً عليهِ في جميعِ أوقاتهِ ليلاً ونهاراً، حضراً وسفراً، ولا يُذْهِبْ من أوقاتِهِ شيئاً في غيرِ العلمِ إلاَّ بقدرِ الضرورةِ لأكلٍ ونومٍ، قدراً لا بدَّ منهُ ونحوهما كاستراحةٍ يسيرةٍ لإزالةِ المللِ وشبهِ ذلكَ، وليسَ بعاقلٍ من أمكنهُ درجةَ ورثةِ الأنبياءِ ثمَّ فَوَّتَها. وقد قالَ الشافعيُّ في " رسالتهِ " (١): ((حُقَّ على طلبةِ العلمِ بلوغُ غايةِ جُهدِهم في الاستكثارِ من علمِهِ، والصبرُ على كلِّ عارضٍ دونَ طِلْبَتِه، وإخلاصُ النيةِ للهِ تعالى في إدراكِ علمهِ، نصاً واستنباطاً، والرغبةُ إلى اللهِ في العونِ عليهِ)). قالَ الخطيبُ البغداديُّ: ((أجودُ أوقاتِ الحفظِ الأسحارُ، ثمَّ نصفُ النهارِ، ثمَّ الغداةُ، وحفظُ الليلِ أنفعُ منْ حفظِ النهارِ، ووقتُ / ٢٤٣ ب / الجوعِ أنفعُ منْ وقتِ الشبعِ))، قالَ: ((وأجودُ أماكنِ الحفظِ الغرفُ، وكلُّ موضعٍ بَعُدَ عن الملهياتِ))، قالَ: ((وليسَ يجودُ الحفظُ بحضرةِ النباتِ، والخضرةِ، والأنهارِ، لأنها تمنعُ (٢) غالباً خلو القلبِ)) (٣). قالَ الشيخُ (٤): ((ومنْ آدابهِ - أي: الطالبِ - الحلمُ والأناةُ وأنْ تكونَ همتُهُ عاليةً فلا يرضى باليسيرِ مع إمكانِ كثيرٍ، وأن لا يسوّفَ (٥) في اشتغالِهِ، ولا يؤخِّرَ تحصيلَ فائدةٍ وإنْ قلَّتْ إذا تمكنَ منها، وإنْ أمنَ حصولهَا بعد ساعةٍ؛ لأنَّ للتأخيرِ آفاتاً، ولأنَّهُ في الزمنِ الثاني يُحصّل غيرهَا. عن الربيعِ قالَ: لم أر الشافعيَّ آكلاً بنهارٍ، ولا نائماً بليلٍ؛ لاهتمامهِ بالتصنيفِ.

стр. 1004

ولا يُحمّلُ نفسهُ ما لا يطيقُ مخافةَ المللِ، وهذا يختلفُ باختلافِ الناسِ. وينبغي أنْ يغتنمَ التحصيلَ في وقتِ الفراغِ والنشاطِ، وحالِ الشبابِ، وقوةِ البدنِ، ونباهةِ الخاطرِ، وقلةِ الشواغلِ قبلَ عوارضِ البطالةِ وارتفاعِ المنزلةِ. فقد رَوينا عنْ عمرَ ﵁: تفقّهوا قبلَ أن تُسَوَّدوا (١). وقالَ الشافعيُّ: تفقه قبلَ أنْ ترأسَ، فإذا رأستَ فلا سبيلَ إلى التَّفقُّهِ (٢))) (٣). انتهى. وهذهِ المعاني كلها تدورُ على بذلِ الجهدِ في الطلبِ وعدمِ الفتورِ (٤) مما يشتغلُ عنهُ، ووجودُ البواعثِ للدلالةِ على عشقهِ وإيثارهِ على كلِّ شيءٍ، ولا يكونُ هذا إلا بعنايةٍ منَ اللهِ، واللهُ الموفقُ. قولُهُ: (ويعمدُ إلى أسندِ شُيُوخ) (٥) هو أفعلُ تَفضيل منَ السَّنَدِ، فيحتملُ أنْ يكونَ: أعلاهمْ سَنداً، أو أتقنهم سَنداً، أو أعرفهمْ بالأسانيدِ ونحوه، وينبغي مع ذلك البداءةُ بالأفرادِ فمن تفرّدَ بشيءٍ أخذهُ عنه أولاً، وإنْ لمْ يكنْ أسنَدهُم. قولُهُ: (أنْ يتخيَّرَ المشهُورَ مِنهُمْ) (٦) قالَ الشيخُ محيي الدينِ: ((قالُوا: وَلا يأخذُ إلا ممن كملتْ أهليتُهُ، وظهرتْ ديانتُهُ، وتحققتْ معرفتُهُ، واشتهرتْ صيانتُهُ

стр. 1005

وسيادتُهُ، فقدْ قالَ ابنُ سيرينَ ومالكٌ وخلائقٌ من السّلفِ: هذا العلمُ دينٌ، فانظروا عمنْ تأخذونَ دينكُم)) (١). رَوَى أثرَ ابنِ سيرينَ مسلمٌ في مقدمةِ " صحيحِهِ " (٢)، قالَ (٣) / ٢٤٤ أ /: ((ولا يكفِي في أهليةِ التعليمِ أنْ يكونَ كثيرَ العلمِ، بل ينبغي مع كثرةِ علمهِ بذاكَ الفنِّ، كونه له معرفةٌ في الجملةِ بغيرِهِ من الفنونِ الشَّرعيةِ فإنها مرتبطةٌ، ويكونَ لهُ دربَةٌ ودينٌ وخلقٌ جميلٌ وذهنٌ صحيحٌ واطلاعٌ تامٌ. قالوا: فلا يأخذُ العلمَ عمَّن كانَ أَخْذهُ لهُ من بطونِ الكتبِ من غيرِ قراءةٍ على شيوخٍ، أو شيخٍ حاذقٍ. فمن لم يأخذهُ إلا منَ الكتبِ يقعُ في التصحيفِ ويكثرُ منهُ الغلطُ والتحريفُ)) (٤). انتهى. وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((والنَّاسُ اليومَ منهمكونَ على طلبِ العالي، وهو عندي الذي أضَرَّ بالصنعةِ، فإنَّهُ اقتضى الإضرابَ عن طلبِ المتقنينَ والحُفّاظِ، ولو لم يكن فيه إلا الإعراضُ عن من طلبَ العلمَ بنفسِهِ، وضبطَهُ بتمييزِهِ، إلى منْ أجلسَ في المجلسِ صغيراً لا تمييزَ لهُ ولا ضبطٍ ولا فهمٍ، طلباً للعلوّ بقِدَم السَّماعِ)) (٥). انتهى. قولُهُ: (بكَتْبِ حديثِ بلدهِ) (٦) بفتحِ الكافِ وإسكانِ الفوقانيةِ، مصدرٌ

стр. 1006

مجردٌ، وضمير ((صحيحهَا وسقيمها)) عائدٌ إليهِ، وضميرُ ((أهلِهِ)) للبلدِ، ((ومنهُم)) لمحدِّثي أهلِ بلدِهِ. قولُهُ: (مَن أهلُ) (١) مبتدأٌ وخبرٌ ((وَمَنْ)) استفهاميةٌ ((وأحوالَهم)) مفعولُ ((يَعرفَ)). قولُهُ: (قديماً وحديثاً) (٢) يتعلَّقُ بـ ((أحوالِهم))، أي: قديم أحوالهِم وحديثها، فهو تمييزٌ. قولُهُ: (ثم يشتَغِلُ بعدُ) (٣)، أي: بعدَ أنْ يفرغَ من سماعِ العوالي والمُهمَّاتِ، التي ببلدِهِ. قولُهُ: (وقِدَم السَّمَاعِ) (٤)، أي: علوِّ الإسنادِ حساً، بقلةِ رجالِ السّندِ، أو معنىً بِقدمِ السّماعِ، أو اتصالِ السَّماعِ. قوله: (ضَيِّعْ ورقةً) (٥)، أي: مِن الأحاديثِ المكررةِ، أيْ: التي سَمعتها ولها طرقٌ أُخرى عندَ غير مَن سمعتَها منهُ من مشايخكَ فلا تشتغل بسماعها ممن لم تسمعْهَا منهُ تَكثيراً للطرقِ فيكونَ سماعُكَ لها سببَاً لتفويتِ لقائِكَ لشيخٍ جديدٍ عندَهُ فوائدُ جديدةٌ. قولُهُ: (يشامُّ الناسَ) (٦) هو مفاعلةٌ منَ الشَّمِّ، أي: يشمُّهم ويشمونَهُ.

стр. 1007

وهو كنايةٌ عن تَعَرُّفِ ما عندَهم بغايةِ اللطافةِ لأخذهِ عنهم؛ لأنَّ مَنْ شمَّ شيئاً عرفَ ما هوَ، من حيثُ لا يشعرُ بهِ / ٢٤٤ ب /. قولُهُ: (ابْن معينٍ أربعَة) (١) عبارتُهُ كما قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((حارسُ الدَّرْبِ، ومنادِي القَاضي، وابنُ المحدِّثِ، ورجلٌ ... )) (٢) إلخ. قال: ((وَرُوِّينا عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ أنَّهُ قيلَ لهُ: أيرحَلُ الرجلُ في طلبِ العلوِّ؟ فقالَ: بلى واللهُ شديداً، لقد كانَ علقمةُ والأسودُ يبلغهما الحديثُ عن عُمرَ ﵁ فلا يقنعهما حتى يخرُجا إلى عمرَ ﵁ فيسمعانه منه)) (٣). انتهى. ورأيتُ بخطِّ العلاَّمةِ نجمِ الدينِ مُحمدِ بنِ الشمسِ محمدِ بنِ النجمِ محمدِ السيبي (٤) العبدريِّ الباهيِّ الحنبليِّ على حاشيةِ كتابهِ من " علومِ الحديثِ " بخطهِ: ((قال حمادُ بنُ زيدٍ - وذكرَ لهُ أصحابُ الحديثِ - ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٥). وعن ابنِ عباسٍ ﵄ في قولِهِ: ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٦) قالَ: ((هم طلبةُ الحديثِ)) (٧).

стр. 1008

وقد رَحلَ موسَى وفَتَاهُ يوشَعُ ﵉ في طلبِ العلمِ (١). ٧١٥ - وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ ... وَالشَّيْخَ بَجِّلْهُ وَلاَ تَثَاقَلِ ٧١٦ - عَلَيْه تَطْويْلاَ بِحَيْثُ يَضْجُرُ ... وَلاَ تَكُنْ يَمْنَعُكَ التَّكَبُّرُ ٧١٧ - أَو الْحَيَا عَنْ طَلَبٍ وَاجْتَنِبِ ... كَتْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبِ ٧١٨ - مَا تَسْتَفيْدُ عَالِياً وَنَاِزلاَ ... لاَ كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتاً عَاطلاَ ٧١٩ - وَمَنْ يَقُلْ إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ ... ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ ٧٢٠ - فَلَيْسَ مِنْ ذَا وَالْكتَابَ تَمِّمِ ... سَمَاَعَهُ لاَ تَنْتَخِبه تَنْدَمِ ٧٢١ - وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابهِ ... لِعَارِفٍ أَجَادَ فِي انْتِخَابهِ ٧٢٢ - أَوْ قَصَّرَ اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ فَقَدْ ... كَانَ مِنَ الحُفَّاظِ مَنْ لَهُ يُعدْ قولهُ في قولهِ: (وَاعمَلْ بِمَا تَسمَعُ): (وَلا تَثَاقَل) (٢) أصلُهُ: تَتَثَاقَل فَحذفَ تاءَ الثانية، أو حركَتَها للوَزنِ، فإنْ حذفت كانَ الجزءُ مخَبوناً وهو أنسبُ لقافيةٍ قسيمةٍ، وإن سُكِّنَتْ وأُدغمَتْ في الثَّاء لقربِ المخرجِ كانَ سالماً. قوله: (عَاطِلاً) (٣)، أي: خَالياً من نفعِ دُنيا وأُخرى. قولهُ: (أَجَادَ في انتِخَابِهِ) (٤) صفةٌ ((لعارفٍ))، والجزاءُ محذوفٌ تقديرهُ: انتَخِبهُ.

стр. 1009

(أَوْ قَصَّرَ) (١)، أي: أو لِغَيرِ عَارفٍ، بأنْ قَصّرَ عَن درجةِ المعرفةِ للانتخابِ، ((استعانَ)) بِمَن ينتخبُ لهُ، فالعبارةُ من الاحتباكِ ذِكرُ العارفِ أولاً، دَليلٌ على حذفِ ضدِهِ ثانياً، وذِكرُ الجزاء وهو ((استعانَ)) ثانياً، دليل على حذفِ ضدهِ أولاً. قولهُ: (مَنْ لَهُ يُعَدُّ) (٢)، أي: مَن يُعَدُّ لحُسنِ الانتقاءِ. قولهُ في شَرحِ ذلكَ: (وَليُجِلَّ (٣) الطَّالِبُ الشَّيخَ) (٤) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((وَلْيُعَظِّمْ شيخَهُ ومَن يسمعُ منهُ، فذلكَ من إِجلالِ الحديثِ والعلمِ)) (٥). وقالَ الشّيخُ مُحيي الدّينِ: ((وَينبَغي له أنْ يتواضعَ للعلمِ والمعلّمِ فبتواضعِهِ لهُ ينالُهُ. وقد أُمِرنا بالتواضعِ مطلقاً فهنا أولَى. وقد قالوا: العِلمُ حَربٌ [لِلفَتَى] (٦) المُتَعَالِي ... كَالسَّيلِ حَربٌ لِلمَكَانِ العَالِي وينقادُ لِمُعَلِّمِهِ، ويُشاورهُ في أمورهِ، ويَأتمرُ بأمرِهِ كما ينقادُ المريضُ لطبيبٍ حاذقٍ ناصحٍ، وهذا أولَى لتفاوتِ ثَمرتَيهِمَا (٧) .. ويَنبَغي أنْ يَنظُرَ معلمهُ بعينِ الاحترامِ، ويعتقدَ كمالَ أهليَّتِهِ، ورجاحَتِهِ على أهلِ / ٢٤٥ أ / طبقتِهِ، وهو أقربُ إلى انتفاعِهِ بهِ، ورُسوخِ ما يسمعهُ منه في ذهنهِ، وقد كانَ بعضُ المتقدّمينَ إذا ذهبَ إلى معلمهِ

стр. 1010

تصدّقَ بشيءٍ، وقال: اللهُمَّ غيِّبْ (١) عيبَ مُعلّمي عَني، ولا تُذهِبْ بركةَ عِلمِهِ مني. وقالَ الشّافعيُّ: كنتُ أَصَّفَّحُ الورقةَ بين يدي مالكٍ تَصفُّحاً رقيقاً (٢)؛ هيبةً لهُ؛ لِئلاَّ يسمعُ وقعَها. وقالَ الربيعُ: واللهِ، ما اجترأتُ أنْ أشربَ الماءَ والشَّافعيُّ ينظرُ إليَّ؛ هيبةً لهُ (٣). وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: ((مِن حقِّ العَالمِ أن تُسلِّمَ على القومِ عامةً وتَخُصَّهُ بالتحيةِ، وأن تجلسَ أمامَهُ، ولا تُشيرنَّ عندهُ بيدِكَ، ولا تَعمِدَنَّ بعينكَ غيرهُ، ولا تقولَنَّ: قالَ فلانٌ خلافَ قولهِ، ولا تغتابَنَّ عندهُ أحداً، ولا تُسَارِرْ في مجلسهِ، ولا تأخذهُ بثوبهِ، ولا تُلِحَّ عليهِ إذا كَسُلَ، ولا تشبعُ من طولِ صُحبتهِ، فإنما هو كالنّخلةِ تنتظرُ متى يسقطُ عليكَ منها شيءٌ)) (٤). ومن آدابِ المُتعلِّم: أنْ يَتحرَّى رضَا المُعلِّمِ وإنْ خالفَ رأيَ نفسهِ، ولا يُفشيَ لهُ سِرّاً، ويردَّ غيبتهُ إذا سَمعَها، فإنْ عجزَ فارقَ ذلك المجلسَ، وأنْ لا يدخلَ عليهِ بغيرِ إذنٍ. وإذا دخلَ جماعةٌ قدَّموا أفضلَهُم وأسنَّهُم، وأنْ يدخلَ كاملَ الهيبةِ، فارغَ القلبِ من الشواغلِ، مُتطهِّراً، مُتنظِّفاً بسواكٍ، وقصِّ شَاربٍ وظُفرٍ، وإزالةِ كريهِ رائحةٍ. ويعتني بتصحيحِ درسهِ الذي يتحفظهُ تصحيحاً مُتقناً على الشَّيخِ، ثم يحفظهُ حفظاً محكماً، ثم بعدَ حفظهِ يُكرِّرهُ مراتٍ؛ ليرسخَ، ويبتدىء (٥) درسَهُ بالحمدِ للهِ،

стр. 1011

والصلاةِ على رسولِ اللهِ ﷺ ، والدعاءِ للعُلماءِ ومشايخِهِ ووالديهِ وسائرِ المسلمينَ، ويُبكر بدرسهِ لحديثِ: ((اللهُمَّ بارِكْ لأمتي في بُكورِهَا)) (١). ويُداوم على تكريرِ (٢) محفوظاتِهِ، ولا يحفظُ حتى يُصَحِّحَ على الشَّيخِ، فالاستقلالُ من أضرِّ المفاسدِ، وإلى هذا أشارَ الشّافعيُّ بقولهِ: ((مَن تفقَّهَ من الكُتبِ ضَيَّعَ [الأحكامَ] (٣))). وَليُذاكرْ بمحفوظاتهِ، وينبغي أنْ يبدأ بالأهمِّ فالأهمِّ. وأوَّلُ ما يبتدئُ بهِ حفظُ القرآنِ العزيزِ وهو أهمُّ العلومِ، وكانَ السلفُ لا يُعَلِّمونَ الحديثَ والفقهَ إلا لمن حفظَ القرآنَ. ثم يحفظُ في كلِّ فنٍ / ٢٤٥ ب / مُختصراً ويبدؤُهُ بالأهمِّ، ومن أهمِّها الفقهُ والنحوُ، ثم الحديثُ والأصولُ، ثم الباقي على ما تَيسَّرَ، ثم يشتغلُ باستشراحِ

стр. 1012

محفوظاتِهِ، ويعتمدُ من الشيوخِ في كلِّ فنٍ أكملُهم، وإنْ أمكنهُ شرحَ درسِهِ كلَّ يومٍ فعلَ، وإلا اقتصرَ على الممكنِ من درسينِ ونحوهما. وإذا اعتمدَ شيخاً في فنٍ، وكان لا يتأذَّى بقراءتِهِ ذلكَ الفنَّ على ثانٍ وثالثٍ وأكثرَ فليفعلْ ما لم يتأذّوا، فإنْ تأذَّى المُعتمدُ اقتصرَ عليهِ، وراعَى قلبَهُ، وهو أقربُ إلى انتفاعهِ. وإذا بحثَ المختصراتِ، انتقلَ إلى بحثٍ أكبرَ منها، مع المطالعةِ المتقنةِ، والعنايةِ الدائمةِ المحكمةِ، وتعليقِ ما يراهُ من النفائسِ والغرائبِ، وحل المشكلاتِ، بما يراهُ في المطالعةِ أو يسمعهُ من الشيخِ، ولا يحتقرَنَّ فائدةً يراها أو يسمعها في أيِّ فنٍ كانَ، بل يبادرُ إلى كتابتِها، ثم يواظبُ على مطالعةِ ما كَتبهُ، وليُلازمْ حلقةَ الشيخِ ولْيَعْتَنِ بكلِّ الدّروسِ، ويعلقُ عليها ما أمكنَ فإن عَجزَ اعتنى بالأهمِّ، ولا يُؤْثِرُ بنوبتِهِ فإنّ الإيثارَ بالقُرَبِ مكروهٌ، فإن رَأى الشيخُ المصلحةَ في ذلك في وقتٍ فأشار به امتثلَ ... أمرهُ. وينبغي أنْ يرشدَ رفقتَهُ وغيرهُم من الطلبةِ إلى مواطنِ الاشتغالِ والفائدةِ، ويذكر لهم ما استفادَهُ على جهةِ النصيحةِ والمذاكرةِ، وبإرشادِهِم يباركُ لهُ في علمِهِ (١) ويستنيرُ قلبُهُ وتتأكدُ المسائلُ معهُ مع جزيلِ ثوابِ اللهِ تَعالى. ومن بخلَ بذلك كانَ بِضِدِّهِ، فلا يثبت معهُ، وإنْ ثبتَ لم يثمر. ولا يحسدُ أحداً، ولا يحتقرهُ، ولا يعجبُ بفهمِهِ. وكما يُسَلِّمُ إذا أتى يُسلِّمُ إذا انصرفَ، ففي الحديث الأمرُ بذلكَ (٢)، ولا

стр. 1013

التفاتَ إلى من أنكرَهُ (١). ويجلسُ حيثُ انتهى بهِ المجلسُ إلا أنْ يُصرِّحُ له الشيخُ، أو الحاضرونَ بالتقدُّمِ والتخطّي، أو يَعلمَ من حَالهم إيثارَ ذلكَ، ويتأدبُ مع رفقتِهِ فإنّ ذلكَ تأدّبٌ معَ الشيخِ، ويقعدُ قعدةَ المتعلمينَ، ولا يرفعُ صوتهُ رفعاً بليغاً من غير حاجةٍ، ويُقبلُ على الشيخِ مُصغياً إليهِ، ولا يَسبقهُ إلى شرحِ مسألةٍ، أو جوابِ سؤالٍ، إلاَّ أنْ يعلمَ من حالِ الشيخِ إيثارَ ذلكَ، ليستدلَّ به على فضيلتهِ، ويغتنمَ سؤالهُ عندَ طيبِ نفسهِ وفراغِهِ / ٢٤٦ أ / ويتلطّفَ في سؤالهِ، ويحسنَ خطابَهُ، ويصبرَ على جفوتهِ، وسُوءِ خُلُقِهِ، ولا يَصده ذلك عن ملازمتِهِ، واعتقادِ كمالهِ، ويتأوَّل لأفعالِهِ التي ظاهرُها الفسادُ تأويلاتٍ صحيحةً، فما يعجزُ عن ذلكَ إلاّ قليلُ التوفيقِ. وإذا جفاهُ الشيخُ ابتدأ هو بالاعتذارِ، وأظهرَ أنَّ الذنبَ لهُ، والعتبَ عليهِ، فذلكَ أنفعُ له دِيناً ودُنيا، وأنقى لقلبِ شيخهِ. وقد قالُوا: ((مَن لَمْ يصبرْ على ذُلِّ التّعلمِ، بقي عمرهُ في عمايةِ الجهلِ، ومَن صبرَ عليه، آل أمرهُ إلى عزِّ الآخرةِ والدنيا))، ومنه الأثرُ المشهورُ عن ابنِ عبّاسٍ ﵄: ((ذُلِلتُ طالباً فعززتُ مَطلوباً)) (٢). وإذا جاءَ مجلسَ الشيخِ فلم يجدهُ انتظرهُ، ولا يفوِّتُ درسَهُ إلاَّ أنْ يخافَ كراهيةَ الشيخِ لذلكَ، بأنْ يعلمَ من حالهِ الإقراءَ في وقتٍ بعينهِ، فلا يَشقُق عليهِ

стр. 1014

بطلبِ القراءةِ في غيرهِ. قال الخطيبُ: ((وإذا وجدهُ نائماً لا يستأذنُ عليهِ بل يصبرُ حتى يستيقظَ، أو ينصرفَ)). والاختيارُ: الصّبرُ، كما كانَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ (١) والسلفُ يفعلونَ. ومن الآدابِ المشتركةِ بين العالمِ والمُتعلِّمِ، أن لا يُخِلَّ بوظيفتهِ لِعُروضِ مَرضٍ خفيفٍ ونحوه مما يمكنُ معهُ الاشتغالُ، ويستشفي بالعلمِ. ولا يَسألَ تعنُّتاً، فإنْ سأل كذلك لم يستحقَّ جواباً، وفي الحديثِ النهيُ عن غلوطاتِ المسائلِ (٢).

стр. 1015

ويعتني بتحصيلِ الكُتبِ شراءً واستعارةً، ولا يشتغلُ بنسخِها بنفسهِ إنْ حصلتْ بالشراءِ؛ لأنَّ الاشتغالَ أهمُّ إلاّ أن يتعذرَ الشّراءُ لعدمِ الثمنِ، أو عدمِ الكتابِ لنفاستِهِ فيستنسخهُ. ولا يهتمُّ بحسنِ الخط بل بصحيحِهِ، ولا يَرتَضي الاستعارةَ مع إمكانِ تحصيلِهِ ملكاً، فإن استعارَهُ لم يبطء بهِ)). انتهى ما في مقدمةِ "شرحِ المهذبِ" (١). قولهُ: (أوْقَرَ) (٢) هو أفعلُ تفضيلٍ، ويحتملُ أنْ يكونَ من وَقُرَ بالضمِّ والفتحِ، أي: كانَ وقوراً في نفسهِ، أي: رَزِيناً غير طَاِئشٍ ولا عَجِلٍ، بل عليهِ سكينةٌ وهيبةٌ، فيكون معناهُ أشدُّ وَقاراً. ويحتملُ أنْ يكونَ من وقَّرَ غيرهُ، مُعدَّى بالتَّضعيفِ على وجهِ الشّذوذِ، حَملاً لَهُ على أفعلِ المعدى بالهمزةِ فإنّ سيبويهَ أجازَهُ مَقيسَاً / ٢٤٦ ب / نحو: هو أعطى للدّراهمِ من زيدٍ، وأولَى بالمعروفِ، وفي الحديث: ((فَهُوَ لما سواها أضيعُ)) (٣).

стр. 1016

وقالوا: هذا أخصرُ من ذلكَ، والفعلُ اختصرَ. قولهُ: (العَفْو) (١) هو الفضلُ، ومن الماءِ: ما فَضَلَ عن الشاربَةِ، أي: أقنعَ منهُ بما لا كلفة عليهِ في بذلهِ، ولا يُضيعُ عليهِ وقتهُ في مهمٍ لهُ، ولا يُكدِّرُهُ سُؤالهُ فيهِ، قال ابنُ دقيقِ العيدِ: ((ولا يَستعملُ ما قالَهُ بعضُ الشّعراءِ أعنتِ الشَّيخَ بالسُّؤالِ تجِدْهُ ... سَلِساً يلتقيكَ بالرَّاحتينِ وإذا لم تَصِحْ صِيَاحَ الثكالى ... رُحْتَ عنه وأنتَ صِفْرُ اليدينِ (٢))) (٣). انتهى. والذي يظهرُ لي من هذا الشعرِ، أنه غيرُ مخالفٍ لما مضى من التّخفيفِ، فإنّ الناسَ متفاوتونَ، فبعضُهم يحبُّ أنْ يُكثرَ الطالبُ من سؤالهِ. والأمرُ الفاصل في هذا: أنَّك ما دُمتَ ترى الشيخَ على ما وصفهُ هذا الشاعرُ من السَّلاسةِ والانبساطِ فاسألْ، فإذا رأيتَهُ أخذَ في الضَّجرِ فاتركْ واعتذرْ بما يَبْسُطُ الشيخَ مما لعله حصلَ من قبضٍ، وكذا في البحثِ، واللهُ الموفقُ.

стр. 1017

قوله: (يُحرَمَ الانْتِفاعَ) (١) تتمةُ كلامِهِ: ((وقد رُوِّينَا عن الزُّهريِّ أنّه قالَ: إذا طالَ المجلسُ كانَ للشيطانِ فيه نَصيبٌ)) (٢). قولهُ: (مِن ابنِ عَبدِ الدَّائِمِ) (٣) هو أحمدُ بروايتِهِ عن المؤلِّفِ الحافظِ عبدِ الغني بنِ عبدِ الواحدِ المقدسيِّ (٤). وأنا أروي " العُمدةَ " (٥) عن عبدِ الرحمانِ بن عمرَ القِبَابِيِّ (٦) بموحدتينِ، وفاطمةَ بنتِ خليلٍ العَسقلانيةِ (٧)، كلاهما عن

стр. 1018

المرْدَاوِي (١) المذكورِ وهو ابنُ جبارةَ، به. فكَأَنّي أرويهَا عن الشَّيخِ زَينِ الدينِ العراقيِّ النَّاظِمِ، وماتَ قبلَ مولدي بمدةٍ (٢). قوله: (أنْ يَمنَعَهُ التَّكَبُّرُ) (٣) قال ابنُ الصَّلاحِ: ((ورُوِّينَا عن عمرَ ابنِ الخطَّابِ وابنهِ ﵄، أنَّهما قالا: ((مَنْ رقَّ وجهُهُ رَقَّ عِلمُهُ (٤))) (٥). وقال الشَّيخُ مُحيي الدّينِ: ((وَلْيكُنْ في غايةِ الجدِّ، ولا يَستنكفُ عن التعلمِ ممن هو دونَهُ في سِنٍّ أو نَسبٍ أو شُهرةٍ أو دِينٍ، ولا يَستحي من السّؤالِ عمّا لا يعلمُهُ، ففي " الصحيحِ " في آخرِ كتابِ العلمِ (٦): ((نِعْمَ النّساءُ نساءُ الأنصارِ، لم يمنعْهنَّ الحياءُ أن يتفقَّهنَ في الدّين ... )).

стр. 1019

وثبتَ في " الصَّحيحينِ " (١): أنّ النبيَّ ﷺ قَرَأَ: ﴿لَمْ يَكُن﴾ (٢) على أُبيٍّ ﵁)) (٣). ((فمَن رَقَّ وجهُهُ عندَ /٢٤٧أ/ السُؤالِ، ظهرَ نقصهُ عندَ اجتماعِ الرّجالِ. وإذا قال له الشّيخُ: أَفَهِمْتَ؟ فلا يقلْ: نَعَمْ، حتى يتضحَ لهُ المقصودُ اتضاحاً جليلاً؛ لئلا يكذبَ ويفوتهُ الفهمُ. ولا يَستَحيي من قولهِ: ((لِمَ))؟، ومن قولهِ: ((لم أفهمْ))؛ لأنّ استثباتَهُ يُحصِّلُ لهُ مصالحَ عاجلةً وآجلةً، فمن العاجلةِ: حفظهُ للمسألةِ، وسلامتُهُ من كَذبٍ ونِفاقٍ، بإظهارِ فهمِ ما لم يكنْ فهمَهُ. ومنها: اعتقادُ الشّيخِ اعتناؤهُ، ورغبتهُ، وكمالُ عقلهِ، وورعهُ، ومُلْكُهُ لنفسِهِ. ومن الآجلةِ: ثبوتُ الصوابِ في قلبهِ دائماً، واعتيادهِ هذهِ الطريقةِ المرضيةِ والأخلاقِ الرضيةِ. وعَن الخليلِ بنِ أحمدَ: منزلةُ الجهلِ بينَ الحياءِ والأنفةِ. وإذا سمعَ الشيخَ يقولُ مسألةً أو يَحكيَ حكايةً وهو يحفظُها: يُصغي لها إصغاءَ مَن لا يحفظُها إلا إذا عَلِمَ من حالِ الشيخِ إيثارَهُ عليهِ بأنّ المتعلِّمَ حافِظُها)) (٤).

стр. 1020

قولُهُ: (فَذَلِكَ لُؤمٌ) (١) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((وَمَنْ ظَفرَ من الطلبةِ بسَماعِ شَيخٍ فيكتُمهُ غيرَهُ لينفردَ بهِ عَنهُم، كانَ جديراً بأنْ لا ينتفعَ بهِ، وذلكَ من اللُّؤمِ الذي يقعُ فيهِ جَهَلَةُ الطَّلبةِ الوُضَعَاء، وَمِن أوَّلِ فَائدةِ [طلبِ] (٢) الحديثِ: الإفادةُ)) (٣). انتهى. واللُّؤمُ: بالضّمِّ مَهموزاً، قالَ في " القاموسِ " (٤): ((ضِدُّ الكَرَمِ لَؤُمَ ككَرُمَ لُؤْمَاً)). وقالَ أبو عبدِ اللهِ القَزَّازُ: ((ومَلأمَةٌ عَلى مَفعَلَةٍ، فَهوَ لَئيمٌ، واللّئيمُ عندَ العَربِ هوَ البخيلُ المهينُ النَّفس، الخسيسُ الأباء، فإذا كانَ شحيحاً ولمْ تجتمعْ لَهُ هذه الخصالُ، قيلَ لهُ: بخيلٌ، ولم يُقَل: لئيمٌ)). قوله: (فاللهُ أعلمُ بمَقاصِدِهِمْ) (٥)، أي: أنَّهُ لا يُظَنَّ بأحدٍ منهُمْ - معَ مَا كانوا فيهِ منَ الورعِ، والاجتهادِ في الخيرِ - أنّه قصدَ الانفرادَ عنِ الأضرابِ فقطْ منْ غيرِ قصدٍ صالحٍ وخَفِيَ عنّا ذلكَ، فاللهُ أعلمُ، فإنّهُ لا يسعنَا إلاّ تحسينُ الظنِّ بهمْ، وستأتي الوجوهُ التي تصلحُ للاعتذارِ عنهمْ في كلامِ الشّيخِ. قوله: (وَرُوّينَا عنْ إسْحَاقَ) (٦) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((ورُوِّيْنا عَنْ إسْحاقَ ابنِ إبراهيِمَ [بنِ] (٧) راهَوَيْه أنَّهُ قالَ لبعضِ مَنْ سَمِعَ منهُ في جماعَةٍ (٨): انْسَخْ من كِتابِهم
следующие страницы →