← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23799

مقدمة ابن الصلاح معرفة أنواع علم الحديث - ت الفحل والهميم

ابن الصلاح

Полный текст (498 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فيكونُ مِنَ (١) الموقوفِ الموصولِ. ومنهُ ما لا يتَّصلُ إسنادُهُ فيكُونُ مِنَ الموقوفِ غيرِ الموصولِ، على حَسَبِ ما عُرِفَ مِثْلُهُ في المرفوعِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، واللهُ أعلمُ. وما ذكرناهُ مِنْ تخصيصِهِ بالصحابيِّ، فذلكَ إذا ذُكِرَ الموقوفُ مطلقاً، وقدْ يُستعملُ مقَيَّداً في غيرِ الصحابيِّ (٢)، فيقالُ: ((حديثُ كذا وكذا، وقفَهُ فلانٌ على عطاءٍ أو علَى طاوسٍ أو نحوِ هذا))، واللهُ أعلمُ (٣). وموجودٌ في اصطلاحِ الفقهاءِ الْخُراسانيينَ تعريفُ الموقوفِ باسمِ (٤) الأثرِ (٥) قالَ (٦) أبو القاسمِ الفُوْرَانيُّ (٧) - منهم - فيما بَلَغَنا عنهُ: الفقهاءُ يقولونَ: ((الخبرُ: ما يُروى (٨) عنِ النبيِّ ﷺ ، والأثَرُ: ما يُرْوى (٩) عنِ الصحابةِ ﵃)) (١٠)).

стр. 107

النَّوْعُ الثَّامِنُ مَعْرِفَةُ الْمَقْطُوْعِ (١) وهوَ غيرُ المنقطعِ الذي يأتي ذكرُهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ويقالُ في جمعِهِ: المقاطِيعُ والمقاطِعُ (٢)، وهوَ ما جاءَ عنِ التابعينَ موقوفاً عليْهِم مِنْ أقواِلهِم أو أفعالِهِمْ (٣). قال الخطيبُ أبو بكرٍ الحافظُ في " جامِعِهِ ": ((مِنَ الحديثِ: المقطوعُ)) (٤)، وقالَ: ((المقاطِعُ: هيَ الموقوفاتُ على التابعينَ)) (٥). قلتُ: وقدْ وجدْتُ التعبيرَ بالمقطوعِ عنِ المنقطعِ غيرِ الموصولِ في كلامِ الإمامِ (٦) الشافعيِّ، وأبي القاسمِ الطبرانيِّ وغيرِهِما (٧)، واللهُ أعلمُ.

стр. 108

تَفْرِيْعَاتٌ أحدُها: قولُ الصَّحابيِّ: ((كُنَّا نَفْعَلُ كذا أو كنَّا نقولُ كذا)) (١) إنْ لَمْ يُضِفْهُ إلى زمانِ رسولِ اللهِ (٢) ﷺ فهوَ مِنْ قبيلِ الموقوفِ، وإنْ أضافَهُ إلى زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فالذي قَطَعَ بهِ أبو عبدِ اللهِ بنُ البَيِّعِ (٣) الحافظُ وغيرُهُ مِنْ أهلِ الحديثِ وغيرِهِم أنَّ ذلكَ مِنْ قبيلِ المرفوعِ (٤). وبَلَغَني عَنْ أبي بكرٍ البَرْقانيِّ أنَّهُ سألَ أبا بكرٍ الإسماعيليَّ الإمامَ عنْ ذلكَ فأنكرَ كونَهُ مِنَ المرفوعِ. والأوَّلُ هوَ الذي عَليْهِ (٥) الاعتمادُ؛ لأنَّ ظاهرَ ذلكَ مُشْعِرٌ بأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ اطَّلَعَ على ذلكَ وقرَّرَهُم عليهِ، وتقريرُهُ أحدُ وجوهِ السُّنَنِ المرفوعةِ؛ فإنَّها أنواعٌ منها: أقوالُهُ ﷺ ، ومنها: أفعالُهُ (٦)، ومنها: تقريرُهُ وسكوتُهُ عنِ الإنكارِ بعدَ اطِّلاعِهِ. ومِنْ

стр. 109

هذا القبيلِ قولُ الصحابيِّ: ((كُنَّا لا نرى بأساً بكذا ورسولُ اللهِ ﷺ فِيْنا، أو كانَ يقالُ: كذا وكذا على عهدِهِ، أو كانُوا يفعلونَ: كذا وكذا في حياتِهِ ﷺ )). فكلُّ ذلكَ وشبهُهُ مرفوعٌ مُسْنَدٌ مُخَرَّجٌ في كتبِ المساندِ (١). وذكرَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ فيما رُوِّيْناهُ عَنِ المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ قالَ: ((كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَقْرَعُونَ بابَهُ بالأظافيرِ)) (٢): أنَّ هذا يتوهَّمُهُ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ الصَّنْعَةِ

стр. 110

مُسْنَداً - يعني: مرفوعاً - لِذِكْرِ رسولِ اللهِ ﷺ فيهِ وليسَ بِمُسْنَدٍ بلْ هوَ موقوفٌ (١). وذكرَ الخطيبُ أيضاً نحوَ ذلكَ في جامعِهِ (٢). قلتُ: بلْ هوَ مرفوعٌ كما سبقَ ذِكْرُهُ، وهوَ بأنْ يكونَ مرفوعاً أحرَى؛ لكونِهِ أحرَى باطِّلاعِهِ ﷺ عليهِ (٣)، والحاكمُ مُعْتَرِفٌ بكونِ ذلكَ مِنْ قبيل المرفوعِ، وقدْ كنَّا عَدَدْنا هذا فيما أخذناهُ عليهِ. ثُمَّ تأوَّلناهُ لهُ على أنَّهُ أرادَ أنَّهُ ليسَ بِمُسْندٍ لفظاً، بلْ هوَ موقوفٌ لفظاً، وكذلكَ سائرُ ما سبقَ موقوفٌ لفظاً، وإنَّما جعلناهُ مرفوعاً مِنْ حيثُ المعنى، واللهُ أعلمُ. الثاني: قولُ الصحابيِّ: ((أُمِرْنا بكذا (٤) أو نُهِيْنا عَنْ كذا)) مِنْ نوعِ المرفوعِ والمسنَدِ عندَ أصحابِ الحديثِ وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ (٥)، وخالفَ في ذلكَ فريقٌ منهم

стр. 111

أبو بكرٍ الإسماعيليُّ (١)، والأوَّلُ هوَ (٢) الصحيحُ؛ لأنَّ مطلقَ ذلكَ ينصرفُ بظاهرِهِ إلى مَنْ إليهِ الأمرُ والنَّهْيُ، وَهُوَ رسولُ الله ﷺ ، وهكذا قَوْل الصحابيِّ ((مِنَ السُّنَّةِ كَذَا)) (٣)، فالأصحُّ أنَّهُ مُسنَدٌ مرفوعٌ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّهُ لا يريدُ بهِ إلاَّ سُنَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ وما يجبُ اتِّباعُهُ (٤). وكذلكَ قول أنسٍ ﵁: ((أُمِرَ بلالٌ أنْ يَشْفَعَ الأَذانَ ويُوتِرَ الإِقامةَ)) (٥)، وسائرُ ما جانسَ ذلكَ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يقولَ ذلكَ في زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وبعدَهُ (٦) ﷺ (٧)،

стр. 112

واللهُ أعلمُ (١). الثالثُ: ما قِيلَ مِنْ أنَّ تفسيرَ الصحابيِّ (٢) حديثٌ مسندٌ فإنَّما ذلكَ في تفسيرٍ يتعلَّقُ بسببِ نزولِ آيةٍ يُخبرُ بهِ الصحابيُّ أو نحوِ ذلكَ (٣) كقولِ جابرٍ ﵁: ((كانتْ اليهودُ تقولُ: مَنْ أتى امرأتَهُ مِنْ دُبُرِها في قُبُلِها جاءَ الولدُ أحولَ؛ فأنزلَ اللهُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ (٤) ... الآيةَ﴾ (٥) فأمَّا سائرُ تفاسيرِ الصحابةِ الَّتِي لا تشتملُ

стр. 113

عَلَى إضافةِ شيءٍ (١) إلى رسولِ اللهِ ﷺ فمعدودةٌ في (٢) الموقوفاتِ (٣)، واللهُ أعلمُ. الرابعُ: مِنْ قبيلِ المرفوعِ، الأحاديثُ التي قِيْلَ في أسانيدِها عِندَ ذِكْرِ الصحابيِّ: ((يَرْفُعُ الحديثَ، أو يبْلُغُ بهِ، أو يَنْمِيْهِ (٤)، أو رِوَايَةً))، مثالُ ذلكَ: ((سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عَنْ أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرجِ، عنْ أبي هريرةَ، رِوَايةً: ((تُقَاتِلُونَ قَوْماً صِغَارَ الأعيُنِ ... الحديثَ)) (٥). وبهِ ((عنْ أبي هريرةَ يَبْلُغُ بهِ، قالَ: ((النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ ... الحديثَ)) (٦)، فكلُّ ذلكَ وأمثالُهُ كِنايةٌ عنْ رفعِ الصحابيِّ الحديثَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وحكمُ ذلكَ عندَ أهلِ العلمِ (٧) حُكْمُ المرفوعِ صريحاً. قلتُ: وإذا قالَ الراوي عَنِ التابِعيِّ: ((يَرْفُعُ الحديثَ أو يَبْلُغُ بهِ))، فذلكَ أيضاً مرفوعٌ، ولكنَّهُ مرفوعٌ مرسَلٌ (٨)، واللهُ أعلمُ.

стр. 114

النَّوعُ التَّاسِعُ مَعْرِفَةُ الْمُرْسَلِ (١) وصورَتُهُ (٢) التي لا خلافَ فيها حديثُ التابعيِّ الكبيرِ (٣) الذي لَقِيَ جماعةً مِنَ الصحابةِ وجالسَهُمْ، كـ: عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيَارِ (٤)، ثُمَّ سعيدِ بنِ

стр. 115

المسَيِّبِ (١) وأمثالِهما إذا قالَ: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ )). والمشهورُ التَّسويةُ بينَ التابعينَ أجمعينَ في ذلكَ (٢) ﵃، ولهُ صورٌ اختُلِفَ فِيْهَا أهِيَ مِنَ المرسَلِ أمْ لا؟ إحداها (٣): إذا انقطعَ الإسنادُ قبلَ الوصولِ إلى التَّابِعيِّ (٤) فكانَ فيهِ روايةُ راوٍ لَمْ يسمَعْ مِنَ المذكورِ فوقَهُ، فالذي قَطَعَ بهِ الحاكمُ الحافظُ أبو عبدِ اللهِ (٥) وغيرُهُ مِنْ أهلِ الحديثِ أنَّ ذلكَ لا يُسمَّى مُرسَلاً، وأنَّ الإرسالَ مخصوصٌ بالتابعينَ، بلْ إنْ كانَ (٦) مَنْ سَقَطَ ذِكْرُهُ قبلَ الوصولِ إلى التابعيِّ (٧) شخصاً واحداً سُمِّيَ مُنقَطِعاً فحسْبُ، وإنْ كانَ أكثرَ مِنْ واحدٍ سُمِّيَ مُعضَلاً، ويُسمَّى أيضاً منقطعاً، وسيأتي مثالُ ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 116

والمعروفُ في الفقهِ وأصولِهِ أنَّ كُلَّ ذلكَ (١) يُسمَّى مُرْسلاً (٢) وإليهِ ذهبَ مِنْ أهلِ الحديثِ أبو بكرٍ الخطيبُ وقَطَعَ بهِ، وقالَ: ((إلاَّ أنَّ أكثرَ ما يوصفُ بالإرسالِ مِنْ حيثُ الاستعمالُ ما رواهُ التابعيُّ عَنْ النبيِّ ﷺ ، و (٣) أمَّا ما رواهُ تابعُ التابعيِّ (٤) عَنِ النبيِّ ﷺ فَيُسَمُّونَهُ المعْضَلَ (٥)، واللهُ أعلمُ. الثانيةُ: قولُ الزُّهريِّ، وأبي حازمٍ، ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، وأشباهِهِم مِنْ أصاغِرِ التابعينَ: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ))، حكى ابنُ عبدِ البرِّ (٦): أنَّ قوماً لا يُسَمُّونَهُ مُرْسَلاً بلْ منقطِعاً؛ لكونِهِم لَمْ يَلْقُوا مِنْ الصحابةِ إلاَّ الواحِدَ والاثنينِ (٧)، وأكثرُ روايتِهِم عَنِ التابعينَ. قلتُ: وهذا المذهبُ (٨) فَرْعٌ لِمَذْهَبِ مَنْ لا يُسَمِّي المنقطعَ قَبْلَ الوصولِ إلى التابعيِّ مُرسلاً (٩)، والمشهورُ التسويةُ بينَ التابعينَ في اسمِ الإرسالِ كما

стр. 117

تقدَّمَ (١) واللهُ أعلمُ. الثالثةُ: إذا قيلَ في الإسنادِ: ((فلانٌ عَنْ رجلٍ أو عَنْ شيخٍ عَنْ فلانٍ)) أو نحوُ ذلكَ؛ فالذي ذكرَهُ الحاكمُ في " معرفةِ علومِ الحديثِ " (٢) أنَّهُ لا يُسَمَّى مُرسلاً بلْ منقطِعاً، وهوَ في بَعْضِ المصنَّفاتِ المعتبرَةِ في أصولِ الفقهِ (٣) معدودٌ مِنْ أنواعِ

стр. 118

المرسَلِ (١)، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ اعْلَمْ (٢) أنَّ حُكمَ المرسَلِ حُكْمُ الحديثِ الضعيفِ، إلاَّ أنْ يصحَّ مَخْرَجُهُ بمجيئِهِ مِنْ وجهٍ آخَرَ - كما سَبقَ بيانُهُ في نوعِ الحسَنِ (٣)، ولهذا احتجَّ الشافعيُّ ﵁ بمرسلاتِ سعيدِ بنِ المسيِّبِ ﵄ فإنَّها وُجِدَتْ مسانيدَ مِنْ وجوهٍ أُخرَ ولا يختصُّ ذلكَ عِندَهُ بإرسالِ ابن المسيِّبِ كما سَبَقَ، ومَنْ أنكرَ هذا زاعماً أنَّ الاعتمادَ حينئذٍ يقعُ على المسندِ دونَ المرسلِ، فيقعُ لغواً لا حاجةَ إليهِ، فجوابُهُ: أنَّهُ بالمسندِ يتبيَّنُ (٤) صِحَّةُ الإسنادِ الذي فيهِ الإرسالُ حَتَّى يُحكَمَ لهُ مَعَ إرسالِهِ بأنَّهُ إسنادٌ صحيحٌ تقومُ بهِ الحجَّةُ على ما مهَّدنا سبيلَهُ في النوعِ الثاني (٥). وإنَّما يُنْكِرُ هذا مَنْ لا مذَاقَ لهُ في هذا الشأنِ. وما ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الاحتجاجِ بالمرسلِ والحكْمِ بضَعْفِهِ هوَ المذهبُ الذي استقرَّ عليهِ آراءُ جماهيرِ حُفَّاظِ الحديثِ ونُقَّادِ الأثَرِ (٦)، وقدْ تداولوهُ في تصانِيفِهِمْ. وفي صدرِ

стр. 119

"صحيحِ مسلمٍ": ((المرسلُ في أصلِ قولِنا وقولِ أهلِ العلمِ بالأخبارِ ليسَ بحُجَّةٍ)) (١). وابنُ عبدِ البرِّ: حافِظُ المغربِ ممَّنْ حَكَى ذلكَ عَنْ جماعةِ أصحابِ الحديثِ (٢). والاحتجاجُ بهِ مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأصحابِهِما-﵏-في طائفةٍ (٣)، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ إنَّا لَمْ نَعُدَّ في أنواعِ المرسَلِ (٤) ونحوِهِ، ما يُسَمَّى في أُصولِ الفِقْهِ مرسَلَ الصحابيِّ (٥)، مثلُ ما يرويهِ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُهُ مِنْ أحداثِ الصحابةِ عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ ولَمْ

стр. 120

يَسمعوهُ منهُ؛ لأنَّ ذلكَ في حُكْمِ الموصولِ المسنَدِ؛ لأنَّ رِوايَتَهُم عنِ الصحابةِ، والجهالةُ بالصحابيِّ غيرُ قادحةٍ؛ لأنَّ الصحابةَ كُلَّهُمْ عدولٌ (١)، واللهُ أعلمُ. النَّوعُ العَاشِرُ مَعْرِفَةُ الْمُنْقَطِعِ (٢) وفِيهِ وفي الفَرْقِ بينَهُ وبينَ المرسَلِ مذاهبُ لأهلِ الحديثِ وغيرِهم: فمنها ما سبقَ في نوعِ المرسلِ عَنِ الحاكمِ - صاحبِ كتابِ "معرفةِ أنواعِ علومِ الحديثِ" (٣) مِنْ أنَّ المرسلَ مخصوصٌ بالتابعيِّ. وأنَّ المنقطعَ، منهُ: الإسنادُ الذي فيهِ قبلَ الوصولِ إلى التابعيِّ (٤) راوٍ لَمْ يَسمَعْ مِنَ الذي فوقَهُ، والساقِطُ بينَهُما غيرُ مذكورٍ لا مُعيَّناً ولا مُبْهماً، ومنهُ: الإسنادُ الذي ذُكِرَ فيهِ بعضُ رُواتِهِ بلفظٍ مُبْهَمٍ، نحوُ: رَجُلٍ أو شَيْخٍ أو غيرِهِما (٥). مثالُ الأوَّلِ: ما رُوِّيناهُ عَنْ عبدِ الرزَّاقِ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوريِّ، عَنْ أبي إسحاقَ، عَنْ زَيْدِ بنِ يُثَيْعٍ (٦)، عَنْ حذيفةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ((إنْ وَلَّيْتُمُوْهَا أبا بكرٍ،

стр. 121

فقويٌّ أمينٌ ... الحديثَ)) (١). فهذا إسنادٌ إذا تأمَّلَهُ الحديثِيُّ (٢) وَجَدَ صورَتَهُ صورَةَ المتَّصِلِ، وهوَ منقطعٌ في موضعينِ؛ لأنَّ عبدَ الرزَّاقِ لَمْ يسمعْهُ مِنَ الثوريِّ، وإنَّما سَمِعَهُ مِنَ النعمانِ بنِ أبي شيبةَ الْجَنَدِيِّ (٣)، عَنِ الثوريِّ، ولَمْ يَسْمَعْهُ الثوريُّ أيضاً مِنْ أبي إسحاقَ، إنَّما سَمِعَهُ مِنْ شَرِيكٍ، عَنْ أبي إسحاقَ (٤).

стр. 122

ومثالُ الثاني: الحديثُ الذي رُوِّيناهُ عَنْ أبي العلاءِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيْرِ (١)، عَنْ رَجلينِ (٢)، عَنْ شَدَّادِ بنِ أوسٍ، عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ في الدعاءِ في الصلاةِ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أسأَلُكَ الثباتَ في الأمرِ ... الحديثَ)) (٣)، واللهُ أعلمُ. ومنها: ما ذكرَهُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ وهوَ أنَّ المرسلَ مخصوصٌ بالتابعينَ، والمنقطعَ شاملٌ لهُ ولغيرِهِ، وهوَ عندَهُ: كُلُّ ما لا يتَّصِلُ إسنادُهُ سواءٌ كانَ يُعْزَى إلى النبيِّ ﷺ ، أو إلى غيرِهِ (٤). ومنها: أنَّ المنقطعَ مثلُ المرسلِ (٥) وكلاهُما شامِلانِ لكلِّ ما لا يتَّصِلُ إسنادُهُ. وهذا المذهبُ أقربُ، وصار إليهِ طوائفُ مِنَ الفقهاءِ وغيرِهِم، وهو الذي ذكرَهُ الحافِظُ

стр. 123

أبو بكرٍ الخطيبُ في " كفايتِهِ " (١). إلاَّ أنَّ أكثرَ ما يوصَفُ بالإرسالِ مِنْ حيثُ الاستعمالُ: ما رواهُ التابعيُّ عَنِ النبيِّ ﷺ ، وأكثرُ ما يُوصَفُ بالانقطاعِ: ما رواهُ مَنْ دونَ التابعينَ عَنِ الصحابةِ، مثلُ (٢): مالكٍ، عَنِ ابنِ عمرَ، ونحوِ ذلكَ، واللهُ أعلمُ. ومنها: ما حكاهُ الخطيبُ أبو بكرٍ (٣) عَنْ بَعضِ أهلِ العلمِ بالحديثِ، أنَّ المنقطعَ: ما رُوِيَ عَنِ التابعيِّ أوْ مَنْ دونَهُ موقوفاً عليهِ مِنْ قولِهِ أو فِعْلِهِ، وهذا غريبٌ بعيدٌ (٤)، والله أعلمُ. النَّوْعُ (٥) الْحَادِي عَشَرَ مَعْرِفَةُ الْمُعْضَلِ (٦) وهوَ لَقَبٌ لنوعٍ خاصٍّ مِنَ المنقطِعِ، فكُلُّ مُعْضَلٍ مُنْقَطِعٌ، وليسَ كُلُّ مُنقطِعٍ مُعْضلاً. وقومٌ يُسَمُّونَهُ مُرسلاً كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ عبارةٌ عَمَّا سَقَطَ مِنْ إسنادِهِ اثنانِ

стр. 124

فصاعِداً (١). وأصحابُ الحديثِ يقولونَ: أعْضَلَهُ فهو مُعضَلٌ - بفتحِ الضادِ - وهو اصطلاحٌ مُشكلُ المأخذِ مِنْ حيثُ اللغةُ، وبحثْتُ فوجدْتُ لهُ قولَهم: ((أمرٌ عَضِيْلٌ))، أي: مُستَغْلَقٌ شديدٌ. ولا التفاتَ في ذلكَ إلى مُعْضِلٍ - بكسرِ الضادِ - وإنْ كانَ مِثْلَ عَضِيْلٍ في المعنى (٢). ومثالُهُ: ما يرويهِ تابعيُّ التابعيِّ قائلاً فيهِ: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ )). وكذلكَ (٣) ما يرويهِ مَنْ دونَ تابعيِّ (٤) التابعيِّ ((عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، أو عَنْ أبي بكرٍ وعُمَرَ وغيرِهِما)) غيرَ ذاكرٍ للوسائطِ بينَهُ وبينهُم. وذكرَ أبو نصرٍ السِّجْزيُّ الحافظُ قولَ الراوي: ((بلغني))

стр. 125

- نحوُ قولِ مالكٍ: ((بَلَغَني عَنْ أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: لِلْمَملوكِ طَعامُهُ وكِسْوتُهُ ... الحديثَ)) (١)، وقالَ (٢): أصحابُ الحديثِ يُسَمُّونَهُ المعْضلَ.

стр. 126

قلتُ: وقولُ المصَنِّفينَ مِنَ الفقهاءِ وغيرِهِم: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : كذا وكذا)) ونحو ذلكَ، كُلُّهُ مِنْ قَبيلِ المعضلِ؛ لِما تقدَّمَ. وسمَّاهُ الخطيبُ أبو بكرٍ الحافظُ في بعضِ كلامِهِ مُرْسلاً، وذلكَ عَلَى مَذهَبِ مَنْ يُسَمِّي كُلَّ مَا لا يتَّصِلُ مُرسلاً كَمَا سبقَ. وإذا روى تابعُ التابعِ (١) عَنْ التابعِ (٢) حديثاً موقوفاً عليه، وهو حديثٌ متَّصِلٌ مسندٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ (٣)، فقدْ جَعَلَهُ الحاكِمُ (٤) أبو عبدِ اللهِ نوعاً مِنَ المعضلِ (٥)، مثالُهُ: ((ما رُوِّيناهُ عَنِ الأعمشِ، عَنِ الشَّعبيِّ، قالَ: يُقالُ للرَّجُلِ يومَ القيامةِ: ((عَمِلْتَ كذا وكذا، فيقولُ: ما عَمِلْتُهُ فَيُخْتَمُ على فيهِ ... الحديثَ)) (٦)، فقدْ أعضَلَهُ الأعمشُ، وهوَ عِندَ الشَّعبيِّ: عَنْ أنسٍ، عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ متَّصِلاً مُسْنَداً (٧). قلتُ: هذا جَيِّدٌ حَسَنٌ؛ لأنَّ هَذَا الانقطاعَ بواحدٍ مضموماً إلى الوقفِ يشتملُ عَلَى الانقطاعِ باثنينِ: الصحابيِّ ورسولِ اللهِ ﷺ ، فذلكَ باستحقاقِ اسمِ الإعضالِ أَوْلَى، واللهُ أعلمُ.

стр. 127

تَفْرِيْعَاتٌ أحدُها: الإسنادُ المعنعنُ، وهو الذي يُقالُ فيه: ((فلانٌ عَنْ فلانٍ)) عَدَّهُ بعضُ الناسِ مِنْ قَبيلِ المرسَلِ والمنقطعِ حَتَّى يَبِيْنَ (١) اتِّصالُهُ بغيرِهِ. والصحيحُ والذي عليهِ العملُ: أنَّهُ مِنْ قَبيلِ الإسنادِ المتَّصِلِ (٢). وإلى هذا ذهبَ الجماهيرُ مِنَ أئمَّةِ الحديثِ وغيرِهِمْ، وأودَعَهُ المشترطونَ للصحيحِ في تصانيفِهِم فيهِ (٣) وقَبِلُوهُ، وكادَ (٤) أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ الحافظُ يَدَّعِي إجماعَ أئمَّةِ الحديثِ على ذلكَ. وادَّعَى أبو عمرٍو الدانيُّ المقرِئُ الحافِظُ إجماعَ أهلِ النَّقلِ على ذلكَ (٥)، وهذا بشرطِ أنْ يكونَ الذينَ أُضيفَتِ العَنعنةُ

стр. 128

إليهِم قدْ ثبَتَتْ مُلاقاةُ بعضِهِم بَعضاً مَعَ براءَتِهِم مِنْ وصْمَةِ (١) التَّدليسِ، فحينَئذٍ يُحْمَلُ على ظاهرِ الاتِّصالِ إلاَّ أنْ يَظْهَرَ فيهِ خلافُ ذلكَ. وكَثُرَ في عصرِنا وما قارَبَهُ بينَ المنتسبينَ إلى الحديثِ استعمالُ ((عَنْ)) في الإجازةِ، فإذا قالَ أحدُهُمْ: ((قرأتُ على فلانٍ عَنْ فلانٍ)) أو (٢) نحوَ ذلكَ فَظُنَّ بهِ (٣) أنَّهُ رواهُ عنهُ بالإجازةِ، ولا يُخْرِجُهُ ذلكَ مِنْ قبيلِ الاتِّصالِ على ما لا يخفَى، واللهُ أعلمُ. الثاني: اختَلَفُوا في قولِ الراوي: ((أنَّ فلاناً قالَ: كذا وكذا)) هَلْ هوَ بمنزلةِ ((عَنْ)) في الحَمْلِ عَلَى الاتِّصالِ إذا ثبتَ التلاقي بينهُما حَتَّى يتبيَّنَ فيهِ الانقطاعُ؟ مثالُهُ: ((مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أنَّ سعيدَ بنَ المسيِّبِ قالَ: كذا)). فَرُوِّيْنا عَنْ مالِكٍ ﵁: أنَّهُ كانَ يَرى ((عَنْ فلانٍ)) و ((أنَّ فلاناً)) سواءً. وعَنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ ﵁: أنَّهُما ليسا سواءً (٤).

стр. 129

وحَكَى ابنُ عبدِ البرِّ (١) عَنْ جُمْهُورِ أهلِ العلْمِ: أنَّ ((عَنْ)) و ((أنَّ)) سواءٌ، وأنَّهُ لا اعتبارَ بالحروفِ والألفاظِ، وإنَّما هوَ باللِّقاءِ والمجالَسَةِ والسَّماعِ والمشاهدةِ - يعني: معَ السلامةِ مِنَ التدليسِ - فإذا كانَ سماعُ بعضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ صحيحاً، كانَ حديثُ بعضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بأيِّ لفظٍ وَرَدَ: محمولاً على الاتِّصالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فيهِ الانقطاعُ. وحَكَى ابنُ عبدِ البرِّ (٢) عَنْ أبي بكرٍ البِرْدِيْجِيِّ (٣): أنَّ حرفَ ((أنَّ)) محمولٌ على الانقطاعِ حَتَّى يتبيَّنَ السَّماعُ في ذلكَ الخبرِ بعينِهِ مِنْ جِهَةٍ أخرى (٤). وقالَ: عِندي لا معنًى لهذا؛ لإجماعِهِم عَلَى أنَّ الإسنادَ المتَّصِلَ بالصحابيِّ سواءٌ فيهِ، قالَ: ((قالَ رسولُ اللهِ ﷺ ))، أو ((أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ:))، أو: ((عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ))، أو: ((سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ:))، واللهُ أعلمُ. قُلتُ (٥): ووَجدْتُ مِثلَ ما حكاهُ عَنِ البِرْدِيجيِّ أبي بكرٍ الحافظِ، للحافظِ

стр. 130

الفَحْلِ (١) يعقوبَ بنِ شيبَةَ (٢) في " مسندِهِ " الفحلِ، فإنَّهُ ذكرَ ما رواهُ أبو الزبيرِ عَنِ ابنِ الحنفيَّةِ عَنْ عَمَّارٍ، قالَ: ((أتيتُ النبيَّ ﷺ وهوَ يُصَلِّي فسَلَّمْتُ عليهِ، فردَّ عليَّ السلامَ)) (٣) وجعلَهُ مسنداً موصولاً. وذكرَ: روايةَ قيسِ بنِ سَعْدٍ لذلكَ، عنْ عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، عنِ ابنِ الحنفيَّةِ: ((أنَّ عَمَّاراً مرَّ بالنبيِّ ﷺ وهوَ (٤) يُصَلِّي))، فجعلَهُ مُرسلاً مِنْ حيثُ كونُهُ قالَ: ((أنَّ عمَّاراً فَعَلَ))، ولَمْ يقلْ: ((عَنْ عمَّارٍ)) (٥)، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ إنَّ الخطيبَ (٦) مَثَّلَ هذهِ المسألَةَ بحديثِ نافعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: ((أنَّهُ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ أيَنَامُ أحدُنا وهوَ جُنُبٌ؟ ... الحديثَ)) (٧). وفي روايةٍ أخرى عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابنِ عمرَ: أنَّ عمرَ قالَ: ((يا رسولَ اللهِ ... الحديثَ)) (٨). ثُمَّ قالَ: ((ظاهرُ الروايةِ الأولى يوجِبُ (٩) أنْ يكونَ مِنْ مسندِ عُمرَ، عَنْ النبيِّ ﷺ ، والثانيةُ ظاهرُها يُوجِبُ أنْ يكونَ مِنْ مُسندِ ابنِ عُمَرَ، عنِ النبيِّ ﷺ )).

стр. 131

قلتُ: ليسَ هذا المثالُ مماثلاً لِمَا نحنُ بصدَدِهِ؛ لأنَّ الاعتمادَ فيهِ في الحكمِ بالاتِّصالِ على مذهبِ الجمهورِ، إنَّما هوَ على اللُّقِيِّ (١) والإدراكِ، وذلكَ في هذا الحديثِ مُشْتركٌ متردِّدٌ لتَعَلُّقِهِ بالنبيِّ ﷺ ، وبعُمَرَ ﵁، وصُحْبة الراوي ابنِ عمرَ لهما؛ فاقتضى ذلكَ مِنْ جِهَةٍ: كونَهُ رواهُ عَنِ النبيِّ ﷺ ، ومِنْ جهةٍ أخرى، كونَهُ رواهُ عَنْ عمرَ، عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، واللهُ أعلمُ (٢). الثالثُ: قَدْ ذكرْنا ما حكاهُ ابنُ عبدِ البرِّ مِنْ تعميمِ الحُكْمِ بالاتِّصالِ فيما يذكرُهُ الراوي عَمَّنْ لَقِيَهُ بأيِّ لفظٍ كانَ. وهكذا أطلقَ أبو بكرٍ الشافعيُّ الصَّيْرَفِيُّ (٣) ذلكَ فقالَ: ((كُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ سماعٌ مِنْ إنسانٍ فَحدَّثَ عنهُ فهوَ على السماعِ حَتَّى يُعْلَمَ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ منهُ ما حكاهُ؛ وكلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ لقاءُ إنسانٍ فحدَّثَ عنهُ فحُكمُهُ هذا الحكمُ)) (٤). وإنَّما قالَ هذا فيمَنْ لَمْ يَظهَرْ تدليسُهُ (٥).

стр. 132

ومِنَ الحجَّةُ في ذلكَ وفي سائرِ البابِ أنَّهُ لوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ منهُ لكانَ بإطلاقِهِ الروايةَ عنهُ مِنْ غيرِ ذِكْرِ الواسطةِ بينَهُ وبينَهُ: مُدلِّساً، والظاهرُ السلامةُ مِنْ وَصْمَةِ التدليسِ، والكلامُ فيمَنْ لَمْ يُعرَفْ بالتدليسِ. ومِنْ أمثلةِ ذلكَ قولُهُ: ((قالَ فلانٌ كذا وكذا))؛ مثلُ أنْ يقولَ نافِعٌ: ((قالَ ابنُ عُمَرَ)). وكذلكَ لو قالَ عنهُ: ((ذَكَرَ، أو فَعَلَ، أو حَدَّثَ، أو كانَ يقولُ: كذا وكذا))، وما جانسَ ذلكَ فَكُلُّ ذلكَ محمولٌ ظاهراً على الاتِّصالِ، وأنَّهُ تَلقَّى ذلكَ مِنهُ مِنْ غيرِ واسطةٍ بينهُما مَهْمَا ثَبَتَ لقاؤُهُ لهُ على الجمْلَةِ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنِ اقتَصَرَ في هذا الشرطِ المشروطِ في ذلكَ ونحوِهِ على مطلقِ اللِّقاءِ أو السَّماعِ كما حكيناهُ آنِفاً. وقالَ فيهِ أبو عمرٍو المقرئُ (١): ((إذا كانَ معروفاً بالروايةِ عنهُ)). وقالَ فيهِ أبو الحسنِ القابسيُّ (٢): ((إذا أدرَكَ المنقولَ عنهُ إدراكاً بيِّناً)). وذكرَ أبو المظفَّرِ السَّمْعانيُّ في العنعَنةِ: أنَّهُ يُشْتَرطُ طولُ الصُّحبةِ بينَهُمْ (٣). وأنكَرَ مسلمُ بنُ الحجَّاجِ في خُطْبَةِ " صحيحِهِ " (٤) على بعضِ أهلِ عصرِهِ (٥) حيثُ اشترطَ في العنعنةِ ثبوتَ اللِّقاءِ والاجتماعِ، وادَّعَى أنَّهُ قولٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يُسْبَقْ قائلُهُ إليهِ، وأنَّ القولَ

стр. 133

الشائعَ المتَّفَقَ عليهِ بينَ أهلِ العلمِ بالأخبارِ قديماً وحديثاً أنَّهُ يَكْفي في ذلكَ أنْ يَثْبُتَ كونُهما في عصرٍ واحدٍ، وإنْ لَمْ يأتِ في خبرٍ قَطُّ أنَّهُما اجتَمَعا أو تَشَافَها. وفيمَا قالَهُ مسلمٌ نظرٌ، وقدْ قيلَ: إنَّ القولَ الذي ردَّهُ مسلمٌ هو الذي عليهِ أئمَّةُ هذا العِلْمِ: عليُّ بنُ المدينيِّ، والبخاريُّ، وغيرُهُما، واللهُ أعلمُ (١). قلتُ: وهذا الحكمُ لا أراهُ يستَمرُّ بعدَ المتقدِّمينَ فيما وُجِدَ (٢) مِنَ المصنِّفينَ في تصانيفِهِم، ممَّا ذكروهُ عَنْ مشايخِهِم قائلينَ فيهِ: ((ذَكَرَ فلانٌ، قالَ فلانٌ)) ونحوُ ذلكَ، فافهمْ كلَّ ذلكَ فإنَّهُ مُهِمٌّ عزيزٌ، واللهُ أعلمُ (٣). الرابعُ: التعليقُ الذي يَذكرُهُ أبو عبدِ اللهِ الحُميديُّ صاحبُ "الجمعِ بينَ الصحيحينِ" وغيرُهُ مِنَ المغاربةِ في أحاديثَ مِنْ " صحيحِ البخاريِّ " قَطَعَ إسنادَها، وقدِ استعملَهُ الدارَقطنيُّ (٤) مِنْ قبلُ: صُورتُهُ صورةُ الانقطاعِ وليسَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ، ولا خارجاً ما وُجِدَ ذلكَ فيهِ منهُ، منْ قبيلِ الصحيحِ إلى قبيلِ الضعيفِ، وذلكَ لما عُرِفَ مِنْ شرطِهِ وحُكْمِهِ (٥) على ما نبَّهنا عليهِ في الفائدةِ السادسةِ مِنَ النوعِ الأوَّلِ (٦).

стр. 134

ولا التفاتَ إلى أبي مُحَمَّدِ بنِ حزمٍ الظاهرِيِّ الحافظِ في ردِّهِ (١) ما أخرجَهُ البخاريُّ (٢) مِنْ حديثِ أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ الأشعريِّ، عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ : ((لَيَكُونَنَّ في أُمَّتِي أقوامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحريرَ (٣) والْخَمْرَ والْمَعَازِفَ ... الحديثَ)) مِنْ جِهةِ أنَّ البخاريَّ أوردَهُ قائلاً فيهِ: قالَ هِشامُ بنُ عمَّارٍ، وساقَهُ بإسنادِهِ، فزَعَمَ ابنُ حَزْمٍ أنَّهُ منقطِعٌ فيما بينَ البخاريِّ وهِشامٍ (٤)، وجَعلَهُ جواباً عَنِ الاحتجاجِ بهِ على تحريمِ المعازفِ. وأخطأَ في ذلكَ مِنْ وجوهٍ (٥)، والحديثُ صحيحٌ معروفُ الاتِّصالِ بشرطِ الصحيحِ (٦).

стр. 135

والبخاريُّ ﵀ قدْ يفعلُ مِثْلَ ذلكَ؛ لكونِ ذلكَ الحديثِ معروفاً مِنْ جِهةِ الثِّقَاتِ عَنْ ذلكَ الشخصِ الذي عَلَّقَهُ عنهُ، وقدْ يَفعلُ ذلكَ؛ لكونِهِ قدْ ذكرَ ذلكَ الحديثَ في موضعٍ آخرَ مِنْ كِتابِهِ مُسْنداً مُتَّصِلاً، وقدْ يفعلُ ذلكَ لغيرِ ذلكَ منَ الأسبابِ التي لاَ يصحبُها خللُ الانقطاعِ، واللهُ أعلمُ (١).

стр. 136

وما ذكرناهُ مِنَ الحكمِ في التعليقِ المذكورِ، فذلكَ فيما أورَدَهُ منهُ أصلاً ومقصوداً، لا فيما أورَدَهُ في مَعْرِضِ الاستشهادِ، فإنَّ الشواهدَ يُحتَملُ فيها ما ليسَ مِنْ شرطِ الصحيحِ مُعَلَّقاً كانَ أو موصولاً. ثُمَّ إنَّ لَفْظَ التعليقِ وجدْتُهُ مستعملاً فيما حُذِفَ مِنْ مبتدإِ إسنادِهِ واحدٌ فأكثرُ (١)، حتَّى إنَّ بَعضَهُمُ استعملَهُ في حذفِ كُلِّ الإسنادِ، مثالُ ذلكَ: قولُهُ: ((قالَ رسول اللهِ ﷺ : كذا وكذا، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: كذا وكذا، روى أبو هريرةَ: كذا وكذا، قالَ سعيدُ بنُ المسيِّبِ عَنْ أبي هريرةَ: كذا وكذا، قالَ الزهريُّ، عَنْ أبي سلمةَ، عَنْ أبي هريرةَ، عَنِ النبيِّ ﷺ : كذا وكذا)) (٢)، وهكذا إلى شيوخِ شيوخِهِ. وأمَّا ما أورَدَهُ كذلكَ عَنْ شيوخِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيْلِ ما ذكرناهُ قريباً في الثالثِ مِنْ هذهِ التفريعاتِ (٣). وبَلَغَني عَنْ بعضِ المتأخِّرينَ مِنْ أهلِ المغربِ أنَّهُ جعلَهُ قسماً مِنَ التعليقِ ثانياً، وأضافَ (٤) إليهِ قولَ البخاريِّ - في غيرِ موضعٍ مِنْ كتابِهِ -: ((وقالَ لي فلانٌ، وزادَنا (٥) فلانٌ)) فوسمَ كلَّ ذلكَ بالتعليقِ المتَّصِلِ مِنْ حيثُ الظاهِرُ، المنفصِلِ مِنْ حيثُ المعنى، وقالَ: مَتَى رأيتَ البخاريَّ يقولُ: ((وقالَ لي، وقالَ لنا))؛ فاعلَمْ أنَّهُ إسنادٌ لَمْ يَذكرْهُ للاحتجاجِ بهِ، وإنَّما ذكرَهُ للاستشهادِ بهِ. وكثيراً ما يُعبِّرُ (٦) المحدِّثونَ بهذا اللفظِ عَمَّا جَرَى (٧) في المذاكراتِ والمناظراتِ، وأحاديثُ المذاكرةِ قَلَّمَا يَحتَجُّونَ بها (٨).

стр. 137

قلتُ: وما ادَّعاهُ على البخاريِّ مخالِفٌ لِمَا قالَهُ مَنْ هُوَ أقدمُ منهُ وأعرفُ بالبخاريِّ وهوَ العبدُ الصالِحُ أبو جَعفرِ بنِ حَمْدانَ النَّيْسابوريُّ (١)، فقدْ رُوِّيْنا عنهُ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما قالَ البخاريُّ: ((قالَ لي فلانٌ)) فهوَ عَرْضٌ ومُناولَةٌ (٢). قلتُ: وَلَمْ أجدْ لَفظَ التعليقِ مُستعملاً فيما سَقَطَ فيهِ بعضُ رِجالِ الإسنادِ مِنْ وَسَطِهِ أو مِنْ آخرِهِ، ولا في مثلِ قولِهِ: ((يُروى عَنْ فلانٍ، ويُذكَرُ عَنْ فلانٍ))، وما أشبَهَهُ ممَّا ليسَ فيهِ جزمٌ على مَنْ ذكرَ ذلكَ عنهُ بأنَّهُ قالَهُ و (٣) ذكرَهُ (٤). وكأنَّ هذا التعليقَ مأخوذٌ مِنْ تعليقِ الجدارِ وتعليقِ الطلاقِ ونحوِهِ، لِما يشتركُ الجميعُ فيهِ مِنْ قطعِ الاتِّصالِ (٥)، واللهُ أعلمُ.

стр. 138

الخامسُ: الحديثُ الذي رواهُ بعضُ الثقاتِ مُرسلاً وبعضُهُم متَّصِلاً (١)، اختلفَ أهلُ الحديثِ في أنَّهُ ملحقٌ بقبيلِ الموصولِ أو بقبيلِ المرسلِ. مثالُهُ: حديثُ: ((لا نِكَاحَ إلاَّ بوليٍّ)) (٢)، رواهُ إسرائيلُ بنُ يونسَ في آخرينَ عَنْ جَدِّهِ أبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ (٣)، عَنْ أبي بُرْدَةَ، عَنْ أبيهِ (٤) أبي موسى الأشعريِّ، عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ مُسْنَداً هكذا متَّصِلاً، ورواهُ سفيانُ الثوريُّ وشعبةُ، عَنْ أبي إسحاقَ، عَنْ أبي بُرْدَةَ، عَنِ النبيِّ ﷺ مُرسلاً هكذا (٥).

стр. 139

_________ = يزيد بن زريع، عند البزار في مسنده ٢/ ٩٤، ووهب بن جرير، عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، ومحمد بن جعفر - غندر -، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٨٠ ت، ٤١١ هـ)، ومحمد بن المنهال، والحسين المروزي - كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٨. فهؤلاء خمستهم (يزيد بن زريع، ووهب بن جرير، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن المنهال، والحسين المروزي) رووه عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، مرسلاً. أما سفيان الثوري فقد اختلف عليه أيضاً: فرواه عنه موصولاً: النعمان بن عبد السلام، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، وبشر بن منصور، عند البزار في مسنده ٢/ ٩٤، وابن الجارود في المنتقى ٢٣٥، (٧٠٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، وجعفر بن عون، عند البزار ٢/ ٩٤، ومؤمل بن إسماعيل، عند الروياني في مسنده ١/ ٣٠٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٩، وخالد بن عمرو الأموي، عند الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٦/ ٢٧٩. فهؤلاء خمستهم (النعمان بن عبد السلام، وبشر بن منصور، وجعفر بن عون، ومؤمل بن إسماعيل، وخالد بن عمر) رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، موصولاً. ورواه عنه مرسلاً: عبد الرحمن بن مهدي، عند البزار في مسنده ٢/ ٩٤، وأبو عامر العقدي عند الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، والحسين بن حفص، عند الخطيب البغدادي في الكفاية: (٥٧٩ ت، ٤١١ هـ)، والفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح كما ذكر الدارقطني في العلل ٧/ ٢٠٨. فهذان الإمامان: شعبة وسفيان قد اختلف عليهما فيه كما ترى. وربّما طرق الذين رووه عن سفيان وشعبة موصولاً، لا تصحّ إليهم. وكلام الترمذي يؤيده، فقد قال الإمام الترمذي: ((وقد ذكر بعض أصحاب سفيان، عن سفيان، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبي موسى. ولا يصحّ)). (جامع الترمذي عقيب حديث: ١١٠٣). ثانياً: سفيان الثوري وشعبة - وإن كانا اثنين - إلا أنَّ اجتماعهما في هذا الحديث كواحد؛ لأنّ سماعهما هذا الحديث كان في مجلس واحد عرضاً، فقد قال الترمذي: ((ومما يدلّ على ذلك ما حدّثنا محمود بن غيلان. قال: حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله ﷺ : لا نكاح إلا بولي؟ فقال: نعم)). (جامع الترمذي عقيب حديث ١١٠٢). ثالثاً: إن الذين رووه عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى موصولاً، أكثر عدداً، وهم: ١ - إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق، عند أحمد في المسند ٤/ ٣٩٤، ٤١٣ والدارمي في سننه (٢١٨٨)، وأبي داود في سننه (٢٠٨٥)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن حبّان في صحيحه (٤٠٧١)، والدارقطني في سننه ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٧، والخطيب البغدادي في الكفاية (ص ٥٧٨). =

стр. 140

_________ = ٢ - يونس ابن أبي إسحاق، عند الترمذي في جامعه (١١٠١)، والبيهقي ٧/ ١٠٩، والخطيب البغدادي في الكفاية (ص ٥٧٨ ت، ٤٠٩ هـ -)، وكذلك أخرجه أبو داود في سننه (٢٠٨٥) من طريق أبي عبيدة الحداد، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ثم قال أبو داود عقبه: ((هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة)). وسيأتي الكلام عن رواية أبي داود هذه. ٣ - شريك بن عبد الله النخعي، عند الدارمي في سننه (٢١٨٩)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن حبان (٤٠٦٦) و (٤٠٧٨)، والبيهقي ٧/ ١٠٨. ٤ - أبو عوانة - الوضاح بن يزيد اليشكري -، رواه من طريقه الطيالسي في مسنده (٥٢٣)، والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن ماجه في سننه (١٨٨١) والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١. ٥ - زهير بن معاوية الجعفي، عند ابن الجارود في المنتقى (٧٠٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٩، وابن حبان في صحيحه (٤٠٦٥)، والحاكم ٢/ ١٧١، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٠٨. ٦ - قيس بن الربيع، عند الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٠، والبيهقي ٧/ ١٠٨، والخطيب البغدادي في الكفاية (٥٧٨). رابعاً: كان سماع هؤلاء من أبي إسحاق في مجالس متعددة، قال الترمذي في جامعه ٣/ ٤٠٩ عقب (١١٠٢): ((ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ : ((لا نكاح إلا بولي)) عندي أصحّ؛ لأنّ سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة)). وينظر: العلل الكبير: ١٥٦. خامساً: كانت طريقة تحمل سفيان الثوري وشعبة للحديث عرضاً على أبي إسحاق في حين أنَّ الباقين تحملوه سماعاً من لفظ أبي إسحاق، ولاشكّ في ترجيح ما تُحمل سماعاً على ما تحمل عرضاً عند جمهور المحدثين. سادساً: إن من الذين رووه متصلاً: إسرائيل بن يونس ابن أبي إسحاق، وهو أثبت الناس وأتقنهم لحديث جدّه، ولم يختلف عليه فيه، أما سفيان وشعبة وإن كان إليهما المنتهى في الحفظ والإتقان. فطريقة تحملهما للحديث قد عرفتها، أضف إليها أنّه قد اختلف عليهما فيه. قال عبد الرحمن بن مهدي: ((إسرائيل يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ سورة الحمد))، رواه عنه الدارقطني في سننه ٣/ ٢٢٠، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٠. وقال صالح جزرة: ((إسرائيل أتقن في أبي إسحاق خاصّة)). سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٠. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ((ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني، إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنّه كان يأتي به أتم)). جامع الترمذي عقب (١١٠٢)، وسنن الدارقطني ٣/ ٢٢٠. وقال محمد بن مخلد: قيل لعبد الرحمان - يعني ابن مهدي -: إنَّ شعبة =

стр. 141

_________ = وسفيان يوقفانه على أبي بردة، فقال: إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إليَّ من سفيان وشعبة)). سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٠. وقال الإمام الترمذي: ((إسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق)). جامع الترمذي عقيب (١١٠٢). سابعاً: في هذا الإسناد علّة أخرى هي عنعنة أبي إسحاق السبيعي فهو مدلس. جامع التحصيل: ١٠٨، وطبقات المدلسين: ٤٢، وأسماء المدلسين: ١٠٣). ولكن تابعه عليه جماعة فزالت تلك العلّة، قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١: ((وقد وصله عن أبي بردة جماعة غير أبي إسحاق)). وممن تابعه: ابنه يونس، عن أبي بردة، أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤١٣، ٤١٨ وقد سبق أنّ أبا داود أخرجه عن أبي عبيدة الحداد، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال أبو داود في سننه ٢/ ٢٢٩ عقب (٢٠٨٥): ((هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي بردة)). يعني أنَّ يونسَ يرويه بإسقاط أبي إسحاق، وإسرائيل يذكره، فجمع أبي عبيدة لهما على أسناد واحد خطأ. ورواية أبي عبيدة علّقها الترمذي في جامعه عقب (١١٠٢) على نحو ما ذكره أبو داود. قلنا: يونس معروف بالسماع والرواية عن أبيه أبي إسحاق وعن أبي بردة، فيكون قد سمعه منهما كليهما، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا. ينظر: العلل الكبير للترمذي ١٥٦، وصحيح ابن حبّان. الإحسان ٦/ ١٥٤ عقب (٤٠٧١) قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧١ - ١٧٢: ((ولست أعلم بين أئمة هذا العلم خلافاً على عدالة يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي بردة)). ثم إنه جاء من حديث عدة من الصحابة قال الحاكم في المستدرك ٢/ ١٧٢: ((قد صحت الروايات فيه عن أزواج النبي ﷺ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش)) ثم قال: ((وفي الباب عن علي ابن أبي طالب وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر ... )). والحديث صحّحه البخاري كما رواه عنه الخطيب فيما سبق، وروى الحاكم أيضاً تصحيحه عن علي بن المديني ومحمد بن يحيى الذهلي. المستدرك ٢/ ١٧٠. قلنا: مما سبق تبين أنَّ رواية من وصل الحديث أصحّ وأرجح من رواية من أرسله، وأما زعم من زعم أنَّ الإمام العلم الجهبذ البخاري صحّحه لأنّه زيادة ثقة، فهو كلام بعيد مجانبٌ لمنهج هذا الإمام وغيره من أئمة الحديث القائم على أساس اعتبار المرجحات والقرائن في قبول الزيادة وردها. والقول بقبولها مطلقاً هو رأي ضعيف ظهر عند المتأخّرين، قال به الخطيب وشهره ولهذا قال الحافظ ابن حجر: ((ومن تأمل ما ذكرته عرف أنّ الذين صحّحوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل - الذي وصله - على غيره)). فتح الباري ٩/ ٢٢٩ (طبعة الكتب العلمية). فالذي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقاً ولا يردونها مطلقاً بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيح: فتقبل تارة، وترد أخرى، ويتوقف فيها أحياناً، قال الحافظ ابن حجر: ((والمنقول عن أئمة الحديث المتقدّمين - كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان =

стр. 142

فحَكَى الخطيبُ الحافِظُ (١): أنَّ أكثرَ أصحابِ الحديثِ يَرَوْنَ الْحُكْمَ في هذا وأشباهِهِ للمرسَلِ (٢). وعَنْ بَعضِهِمْ: أنَّ الحكمَ للأكثرِ (٣). وعَنْ بَعضِهِمْ: أنَّ الحكمَ للأحفظِ (٤)، فإذا كانَ مَنْ أرسَلَهُ أحفظُ ممَّنْ وصلَهُ فالحكمُ لِمَنْ أرسَلَهُ، ثُمَّ لا يَقْدَحُ ذلكَ في عدالةِ مَنْ وصَلَهُ وأهليَّتِهِ (٥).

стр. 143

ومنهمْ مَنْ قالَ: ((مَنْ أسندَ حديثاً قدْ أرسَلَهُ الحفَّاظُ فإرسالُهُم لهُ يَقْدحُ في مُسْنِدِهِ، وفي عدالتِهِ وأهليَّتِهِ)) (١). ومنهم مَنْ قالَ: ((الحكمُ لِمَنْ أسندَهُ، إذا كانَ عدلاً ضابطاً فيُقْبَلُ خبرُهُ، وإنْ خالَفَهُ غيرُهُ سواءٌ كانَ المخالِفُ لهُ واحداً أو جماعةً)) (٢)، قالَ الخطيبُ: ((هذا القولُ هوَ الصحيحُ)) (٣). قلتُ: وما صحَّحَهُ هوَ الصحيحُ في الفقهِ وأصولِهِ (٤). وسُئِلَ البخاريُّ عنْ حديثِ: ((لا نِكَاحَ إلاَّ بوليٍّ)) المذكورَ، فحَكَمَ لِمَنْ وصَلَهُ، وقالَ: ((الزيادةُ مِنَ الثِّقَةِ مقبولةٌ)) (٥). فقالَ البخاريُّ هذا، مَعَ أنَّ مَنْ أرسلَهُ شُعبةُ وسفيانُ، وهما جَبَلانِ لهما مِنَ الحفظِ والإتقانِ الدرجةُ العاليةُ. ويلتحقُ بهذا، ما إذا كانَ الذي وصَلَهُ هو الذي أرسلَهُ، وصَلَهُ في وقتٍ وأرسلَهُ في وقتٍ (٦). وهكذا إذا رفعَ بعضُهُمُ الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ ووقَفَهُ بعضُهُم على الصحابيِّ أو رفَعَهُ واحدٌ في وقتٍ، ووقَفَهُ هوَ أيضاً في وقتٍ آخرَ، فالحكمُ على الأصحِّ (٧) في كلِّ ذلكَ لِمَا زادَهُ الثقةُ مِنَ الوصْلِ والرفعِ؛ لأنَّهُ مثبتٌ وغيرُهُ ساكتٌ، ولو كانَ نافياً،

стр. 144

فالْمُثْبِتُ مقدَّمٌ عليهِ؛ لأنَّهُ عَلِمَ ما خَفِيَ عليهِ (١)؛ ولهذا الفصلِ تَعَلُّقٌ بفَصْلِ زيادةِ الثقةِ في الحديثِ وسيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى، وهو أعلمُ. النَّوْعُ الثَّانِي عَشَرَ مَعْرِفَةُ التَّدْلِيْسِ، وحُكْمِ الْمُدَلَّسِ (٢) التدليسُ (٣) قِسمانِ (٤):

стр. 145

أحدُهُما: تدليسُ الإسنادِ: وهوَ أنْ يرويَ عَمَّنْ لَقِيَهُ ما لَمْ يَسْمَعْهُ منهُ، مُوهِماً أنَّهُ سَمِعَهُ منهُ (١)، أو عَمَّنْ عاصَرَهُ ولَمْ يَلْقَهُ، مُوهِماً أنَّهُ قَدْ لَقِيَهُ وَسَمِعَهُ منهُ. ثُمَّ قدْ يكونُ بينَهُما واحِدٌ وقدْ يكونُ أكثرُ. ومِنْ شَأنِهِ أنْ لا يقولَ في ذلكَ: ((أخبرنا فلانٌ))، ولا ((حدَّثنا))، وما أشبَهَهُما. وإنَّما يقولُ: ((قالَ فلانٌ أو عَنْ فلانٍ))، ونحوَ ذلكَ (٢). مثالُ ذلكَ: ((ما رُوِّيْنا عَنْ عليِّ بنِ خَشْرَمٍ (٣) قالَ: كُنَّا عندَ ابنِ عُيينةَ، فقالَ: ((الزهريُّ))، فقيلَ لهُ: ((حَدَّثَكُمُ الزهريُّ؟))، فسَكَتَ، ثُمَّ قالَ: ((الزهريُّ))، فقيلَ لهُ: ((سَمِعْتَهُ مِنَ الزهريِّ؟))، فقالَ: ((لا، لَمْ أسمعْهُ مِنَ الزهريِّ، ولا ممَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الزهريِّ، حدَّثَني عبدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزهريِّ)) (٤).
следующие страницы →