← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23799

مقدمة ابن الصلاح معرفة أنواع علم الحديث - ت الفحل والهميم

ابن الصلاح

Полный текст (498 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

التَّمِيْمِيُّ (١) ١) على ذلكَ أنَّ أجلَّ الأسانيدِ ((الشافعيُّ، عنْ مالكٍ، عنْ نافعٍ، عنْ ابنِ عمرَ))، واحْتَجَّ بإجماعِ أصحابِ الحديثِ على أنَّهُ لَمْ يكنْ في الرّواةِ عَنْ مالكٍ أجلُّ مِنَ الشافعيِّ ﵃ أجمعينَ -، واللهُ أعلمُ (٢). الثانيةُ (٣): إذا وجدنا فيما يُروى مِنْ أجزاءِ الحديثِ وغيرِهَا حديثاً صحيحَ الإسنادِ، ولَمْ نجدْهُ في أحدِ ((الصحيحينِ))، ولا منصوصاً على صِحَّتِهِ في شيءٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِ أئمَّةِ الحديثِ المعتمدةِ المشهورةِ، فإنَّا لا نتجاسرُ على جَزْمِ الْحُكْمِ بصِحَّتِهِ (٤)، فقدْ تَعَذَّرَ في هذهِ الأعصارِ الاستقلالُ بإدراكِ الصحيحِ بمجَرَّدِ اعتبارِ الأسانيدِ؛ لأنَّهُ مَا مِنْ إسنادٍ مِنْ ذلكَ إلاَّ وتجدُ في رجالِهِ مَنِ اعْتَمَدَ في روايتِهِ عَلَى مَا في كتابِهِ عَرِيّاً عمَّا يُشترطُ في الصحيحِ مِنَ الحِفْظِ والضَّبْطِ والإتْقَانِ. فآلَ الأمرُ - إذنْ - في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ، إلى الاعتمادِ عَلَى مَا نصَّ عليهِ أئمَّةُ الحديثِ في تصانيفِهِم المعتمدةِ المشهورةِ، الَّتِي يُؤمَنُ فِيْهَا؛ لِشُهْرَتِها مِنَ التَّغييرِ والتَّحريفِ، وصارَ مُعظمُ المقصودِ بما يُتَدَاولُ مِنَ الأسانيدِ خارجاً عنْ ذلكَ، إبقاءَ سلسلةِ الإسنادِ التي خُصَّتْ بها هذهِ الأُمّةُ (٥)، زادها اللهُ تعالى شرفاً، آمينَ.

стр. 72

الثالثةُ: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصحيحَ البخاريُّ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ الْجُعْفِيُّ مولاهُم (١)، وتلاهُ أبو الحسينِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ النَّيْسابوريُّ القُشَيْريُّ مِنْ أَنْفُسِهِم (٢). ومسلمٌ معَ أنَّهُ أخذَ عنِ البخاريِّ واستفادَ منهُ يشاركُهُ في أكثرِ (٣) شيوخِهِ. وكتاباهُما أصحُّ الكُتُبِ بعدَ كتابِ اللهِ العزيزِ (٤). وأمَّا ما رُوِّيْناهُ عنِ الشافعيِّ ﵁ مِنْ أنَّهُ قالَ: ((ما أعلمُ في الأرضِ كتاباً في العلمِ أكثرَ صواباً مِنْ كتابِ مالكٍ)) (٥) ومنهم مَنْ رواهُ بغيرِ هذا اللفظِ (٦)، فإنَّما قالَ ذلكَ قبلَ وجودِ كتابَي البخاريِّ ومسلمٍ.

стр. 73

ثُمَّ إنَّ كتابَ البخاريِّ أصحُّ الكتابَيْنِ صحيحاً وأكثرُهُما فوائدَ (١). وأمَّا ما رُوِّيْناهُ عنْ أبي عليٍّ الحافظِ النَّيْسابوريِّ أستاذِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ (٢) الحافِظِ مِنْ أنَّهُ قالَ: ((ما تحتَ أديمِ السماءِ كتابٌ أصحُّ مِنْ كتابِ مُسلمِ بنِ الحجَّاجِ)) (٣) فهذا وقولُ مَنْ فضَّلَ مِن شيوخِ المغربِ كتابَ مسلمٍ على كتابِ البخاريِّ إن كانَ المرادُ بهِ أنَّ كتابَ مسلمٍ يترجَّحُ بأنَّهُ لَمْ يُمَازجْهُ غيرُ الصحيحِ، فإنَّهُ ليسَ فيهِ بعدَ خُطبتِهِ إلاَّ الحديثُ الصحيحُ مسروداً غيرَ ممزوجٍ بمثلِ ما في كتابِ البخاريِّ في تراجمِ أبوابِهِ مِنَ الأشياءِ التي لَمْ يُسندْها على الوصفِ المشروطِ في الصحيحِ فهذا لا بأسَ بهِ (٤). وليسَ يلزمُ منهُ أنَّ كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحيحِ على كتاب البخاريِّ، وإنْ كانَ المرادُ بهِ أنَّ كتابَ مسلمٍ أصحُّ صحيحاً، فهذا مردودٌ على مَنْ يقولُهُ، واللهُ أعلمُ. الرابعةُ: لَمْ يَستوعبا الصحيحَ في صحيحَيْهِما ولا التزما ذلكَ (٥)، فقدْ رُوِّيْنا عنِ البخاريِّ أنَّهُ (٦) قالَ: ((ما أدخلْتُ في كتابي " الجامعِ " إلاَّ ما صحَّ، وتركْتُ مِنَ الصِّحَاحِ لحالِ الطُّولِ)) (٧). ورُوِّيْنا عنْ مسلمٍ أنَّهُ قالَ: ((ليسَ كُلُّ شيءٍ عندي،

стр. 74

صحيحٍ وَضَعْتُهُ هاهُنا - يعني: في كتابِهِ (١) الصحيحِ - إنَّما وضعْتُ هَاهُنا مَا أجْمعُوا عليهِ)) (٢). قلتُ: أرادَ - واللهُ أعلمُ - أنَّهُ لَمْ يَضعْ في كتابِهِ إلاَّ الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ فيها شرائطَ الصحيحِ الْمُجْمَعِ عليهِ، وإنْ لَمْ يظهرْ اجتماعُها في بعضِها عندَ بعضِهِم (٣). ثُمَّ إنَّ أبا عبدِ اللهِ بنَ الأخرمِ الحافظَ قالَ: ((قَلَّمَا يَفُوتُ البخاريَّ ومسلماً ممَّا يَثْبُتُ مِنْ الحدِيْثِ)) (٤) يعني: في كتابَيْهِما. ولِقائلٍ أنْ يقولَ: ليسَ ذلكَ بالقليلِ، فإنَّ "المستدركَ على الصحيحينِ" للحاكمِ أبي عبدِ اللهِ كتابٌ كبيرٌ يشتملُ ممَّا فاتهما علىشيءٍ كثير وإنْ يكنْ عليهِ في بعضِهِ مقالٌ، فإنَّهُ يصفو لهُ منهُ صحيحٌ كثيرٌ. وقدْ قالَ البخاريُّ: ((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ)) (٥).

стр. 75

وجملةُ ما في كتابِهِ الصحيحِ سبعةُ آلافٍ ومئتانِ وخمسةٌ وسبعونَ حديثاً بالأحاديثِ المكرَّرَةِ. وقدْ قيلَ: إنَّها بإسقاطِ المكرَّرَةِ أربعةُ آلافِ حديثٍ (١)، إلاَّ أنَّ هذهِ العبارةَ قدْ يندرجُ تحتَها عندهم آثارُ الصحابَةِ والتابعينَ، وربَّما عُدَّ الحديثُ الواحدُ المرويُّ بإسنادينِ حديثينِ. ثُمَّ إنَّ الزيادةَ في الصحيحِ (٢) على ما في الكتابينِ (٣) يَتلقَّاهَا طالبُهَا ممَّا اشْتَمَلَ عليهِ أحدُ الْمُصَنَّفَاتِ المعتمدةِ المشتهرةِ (٤) لأئمّةِ الحديثِ كأبي داودَ السِّجْسِتانيِّ، وأبي عيسى التِّرمِذيِّ، وأبي عبدِ الرحمانِ النَّسائيِّ (٥) وأبي بكرِ بنِ خُزيمةَ، وأبي الحسنِ الدَّارَقُطنيِّ وغيرِهِم، منصوصاً على صحَّتِهِ فيها. ولا يكفي في ذلكَ مجرَّدُ كونِهِ موجوداً في كتابِ أبي داودَ، وكتابِ الترمذيِّ، وكتابِ النَّسائيِّ، وسائرِ مَنْ جمعَ في كتابِهِ بينَ الصحيحِ وغيرِهِ، ويكفي مجرَّدُ كونِهِ موجوداً في كتبِ مَنِ اشْتَرَطَ منهم الصحيحَ فيما جمَعَهُ ككتابِ ابنِ خُزَيمةَ، وكذلكَ ما يوجدُ في الكُتبِ المخرَّجَةِ على كتابِ البخاريِّ وكتابِ مسلمٍ، ك: كتابِ أبي عَوَانةَ الإسفرايينيِّ، وكتابِ أبي بكرٍ (٦) الإسماعيليِّ (٧)، وكتابِ أبي

стр. 76

بكرٍ البَرْقانيِّ، وغيرِها مِنْ تَتِمَّةٍ لمحذوفٍ أو زيادةِ شَرْحٍ في كثيرٍ مِنْ أحاديثِ "الصحيحينِ". وكثيرٌ من هذا موجودٌ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ " لأبي عبدِ اللهِ الْحُمَيديِّ (١). واعتنى الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ بالزيادةِ في عددِ الحديثِ الصحيحِ على ما في الصحيحينِ، وجَمَعَ ذلكَ في كتابٍ سمَّاهُ " المستدركَ " أودَعَهُ ما ليسَ في واحدٍ مِنَ " الصحيحينِ " ممَّا رآهُ على شرطِ الشيخينِ قدْ أخرجا عنْ رواتِهِ في كتابَيْهِما، أو على شرطِ البخاريِّ وَحْدَهُ، أو على شرطِ مسلمٍ وحدَهُ، وما أدَّى اجتهادُهُ إلى تصحيحهِ وإنْ لَمْ يكُنْ على شرطِ واحدٍ منهما (٢).

стр. 77

وهوَ واسعُ الخَطْوِ في شرطِ الصحيحِ، متساهِلٌ في

стр. 78

القضاءِ بهِ (١). فالأَوْلَى أنْ نتوسَّطَ (٢) في أمرِهِ فنقولَ: مَا حَكَمَ بصِحَّتِهِ وَلَمْ نَجِدْ (٣) ذلكَ فيهِ لغيرِهِ مِنَ الأئمَّةِ، إنْ لَمْ يكُنْ مِنْ قَبِيْلِ الصحيحِ فَهوَ مِنْ قَبيلِ الحسنِ يُحتجُّ بهِ ويُعْملُ بهِ، إلاَّ أنْ تظهرَ فيهِ عِلَّةٌ تُوجِبُ ضَعْفَهُ (٤) ويُقَاربُهُ في حُكْمِهِ " صحيحُ أبي حاتِمِ بنِ حِبَّانَ البُسْتِيِّ " (٥) ﵏ أجمعينَ- واللهُ أعلمُ.

стр. 79

الخامِسَةُ: الكتبُ الْمُخَرَّجَةُ (١) على كتابِ البخاريِّ أو كتابِ مسلمٍ ﵄ لَمْ يلتزمْ مصنِّفُوها فيها موافقَتَهما في ألفاظِ الأحاديثِ بعينِها مِنْ غيرِ زيادةٍ ونقصانٍ؛ لكونِهِم رَوَوْا تلكَ الأحاديثَ مِنْ غيرِ جهةِ البخاريِّ ومسلمٍ طَلَباً لِعُلُوِّ الإسنادِ، فحصلَ فيها بعضُ التفاوُتِ في الألفاظِ. وهكذا ما أخرجَهُ المؤلِّفُونَ في تصانيفِهِم المستَقِلَّة ك" السُّنَنِ الكَبِير " للبَيْهقيِّ، و " شرحِ السُّنَّةِ " لأبي محمدٍ البَغَوِيِّ، وغيرِهِما ممَّا (٢) قالوا فيهِ: ((أخرجهُ البخاريُّ أو مسلمٌ))، فلا يُسْتَفَادُ (٣) بذلكَ أكثرَ من أنَّ البخاريَّ أو مسلماً أخرجَ أصلَ ذلكَ الحديثِ، مَعَ احتِمالِ أنْ يكونَ بينهما تفاوُتٌ في اللَّفظِ، وربَّما كان تفاوتاً في بعضِ المعنى، فقدْ وجدْتُ في ذلكَ ما فيهِ بعضُ التَّفاوتِ مِنْ حيثُ المعنى. وإذا كانَ الأمرُ في ذلكَ على هذا فليسَ لكَ أنْ تنقُلَ حديثاً منها وتقولَ: هو على هذا الوجهِ في كتابِ البخاريِّ، أو كتابِ مسلمٍ، إلاَّ أنْ تُقَابِلَ لفظَهُ، أو يكونَ الذي خرَّجهُ قد قالَ: أخرجهُ البخاريُّ بهذا اللَّفظِ (٤). بخلافِ الكُتبِ المختصَرَةِ منَ الصحيحينِ، فإنَّ مصنِّفِيها نقلُوا فيها ألفاظَ الصحيحينِ أو أحدهما (٥)، غيرَ أنَّ " الجمعَ بينَ الصحيحينِ "

стр. 80

لِلحُمَيديِّ الأندلسيِّ منها يشتملُ على زيادةِ تتمَّاتٍ لبعضِ الأحاديثِ كما قدَّمنا ذكرَهُ (١)، فربَّما نَقَلَ مَنْ لا يُمَيِّزُ بعضَ ما يجدهُ فيهِ عنِ الصحيحينِ أو أحدِهما، وهو مخطِئٌ؛ لكونِهِ مِنْ تلكَ الزياداتِ (٢) التي لا وجودَ لها في واحدٍ (٣) مِنَ الصحيحينِ. ثُمَّ إنَّ التخاريجَ المذكورةَ على الكتابينِ يُستفادُ منها فائدتانِ (٤): إحداهُما: عُلُوُّ الإسنادِ. والثانيةُ: الزيادةُ في قدْرِ الصحيحِ لما يقعُ فيها مِنْ ألفاظٍ زائدةٍ وتَتِمَّاتٍ في بعضِ الأحاديثِ تُثْبِتُ (٥) صِحَّتَها بهذهِ التخاريجِ؛ لأنَّها واردةٌ بالأسانيدِ الثابتةِ في الصحيحينِ أو أحدِهِما وخارجةٌ مِنْ ذلكَ المَخْرَجِ الثابتِ، واللهُ أعلمُ. السادسةُ: ما أسنَدَهُ البخاريُّ ومسلمٌ – رحمهما اللهُ – في كتابَيْهِمَا بالإسنادِ المتَّصِلِ فذلكَ الذي حَكما بصحَّتِهِ بلا إشكالٍ. وأمَّا [المعلَّقُ وهو] (٦) الذي حُذِفَ مِنْ مبتدإِ إسنادِهِ واحدٌ أو أكثرُ، وأغلبُ ما وقَعَ ذلكَ في كتابِ البخاريِّ (٧) وهو في كتابِ

стр. 81

مسلمٍ قليلٌ جدّاً (١) ففي بعضِهِ نَظَرٌ. وينبغي أنْ نقولَ: ما كانَ مِنْ ذلكَ ونحوِهِ بلفظٍ فيهِ جَزْمٌ وحُكْمٌ بهِ على مَنْ عَلَّقَهُ عَنْهُ، فقدْ حَكَمَ بصِحَّتِهِ عَنْهُ (٢)، مثالُهُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ كَذا وكذا، قالَ ابنُ عبَّاسٍ: كذا، قالَ مجاهدٌ: كذا، قالَ عَفَّانُ: كذا، قالَ القَعْنَبِيُّ: كذا (٣)، روى أبو هريرةَ: كذا وكذا، وما أشبهَ ذلكَ مِنَ العباراتِ. فكلُّ ذلكَ حُكْمٌ

стр. 82

مِنْهُ على مَنْ ذَكرَهُ عنهُ بأنَّهُ (١) قدْ قالَ ذلكَ ورَوَاهُ؛ فلنْ يَسْتَجِيْزَ إطلاقَ ذلكَ إلاَّ إذا صحَّ عِندَهُ ذلكَ عنهُ، ثمَّ إذا كانَ الذي علَّقَ الحديثَ عنهُ دُوْنَ الصحابةِ فالحُكْمُ بصِحَّتِهِ يتوقَّفُ على اتِّصَالِ الإسنادِ بينَهُ وبينَ الصحابيِّ. وأمَّا ما لَمْ يَكُنْ في لفظِهِ جَزْمٌ وحُكْمٌ، مثلُ: رُويَ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ : كذا وكذا، أو رُويَ (٢) عنْ فلانٍ: كذا وكذا (٣) أو في البابِ عنِ النبيِّ ﷺ : كذا وكذا، فهذا وما أشْبَهَهُ مِنَ الألفاظِ ليسَ في شيءٍ منهُ (٤) حُكْمٌ منهُ (٥) بصحَّةِ ذلكَ عمَّنْ ذكَرَهُ عنهُ؛ لأنَّ مثلَ هذهِ العباراتِ تُستَعملُ في الحديثِ الضعيفِ أيضاً، ومعَ ذلكَ فإيرادُهُ لهُ في أثناءِ الصحيحِ مُشْعِرٌ بصِحَّةِ أصْلِهِ إشعاراً يُؤْنَسُ بهِ ويُرْكَنُ إليهِ، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ إنَّ ما يتقاعدُ مِنْ ذلكَ عنْ شَرطِ الصحيحِ قليلٌ (٦)، يوجَدُ في كتابِ البخاريِّ في مواضعَ مِنْ تراجمِ الأبوابِ دونَ مقاصِدِ الكتابِ وموضوعِهِ الذي يُشْعِرُ بهِ اسمُهُ الذي سمَّاهُ بهِ، وهوَ " الجامعُ المُسْنَدُ الصحيحُ المختصرُ مِنْ أُمورِ رسولِ اللهِ ﷺ وسُنَنِهِ وأيَّامِهِ ". وإلى الخصوصِ الذي بيَّناهُ يرجعُ مطلقُ قولِهِ: ((ما أدخلْتُ في كتابِ الجامعِ إلاَّ ما صحَّ)). وكذلكَ مُطْلَقُ قولِ الحافظِ أبي نَصْرٍ الوايليِّ السِّجْزِيِّ (٧): ((أجمعَ أهلُ العِلْمِ - الفقهاءُ (٨)

стр. 83

وغيرُهُم (١) – أنَّ رَجُلاً لَو حَلَفَ بالطَّلاَقِ أنَّ جميعَ ما في كتابِ البخاريِّ ممَّا رُويَ عنِ النبيِّ ﷺ قدْ صحَّ عنهُ، ورسولُ اللهِ ﷺ قالَهُ (٢) لا شَكَّ فيهِ أنَّهُ لا يَحْنَثُ (٣)، والمرأةُ بحالِها في حِبَالتِهِ (٤)) (٥). وكذلكَ ما ذكرَهُ أبو عبدِ اللهِ الْحُمَيديُّ في كتابِهِ " الجمعِ بينَ الصحيحينِ " من قولِهِ: ((لَمْ نجدْ مِنَ الأئمَّةِ الماضينَ – ﵃ أجمعينَ – مَنْ أفصَحَ لنا في جميعِ ما جمَعَهُ بالصِّحَّةِ إلاَّ هذينِ الإمامَيْنِ)) (٦). فإنَّما المرادُ بكلِّ ذلكَ مقاصدُ الكتابِ وموضوعُهُ ومتونُ الأبوابِ، دونَ التراجمِ ونحوُهَا؛ لأنَّ في بعضِها مَا ليسَ مِنْ ذلكَ قطعاً، مثلُ: قولِ البخاريِّ: ((بابُ مَا يُذكَرُ في الفَخِذِ، ويُروى عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وجَرْهَدٍ (٧)، ومحمدِ بنِ جَحْشٍ، عنِ النبيِّ ﷺ : الفَخِذُ عوْرَةٌ)) (٨)، وقولُهُ في أوَّلِ بابٍ من أبوابِ الغُسْلِ: ((وقالَ

стр. 84

بَهْزُ [بنُ حَكِيْمٍ] (١)، عنْ أبيهِ، عنْ جَدِّهِ، عنِ النبيِّ ﷺ اللهُ أحقُّ أنْ يُسْتَحيى منهُ)) (٢). فهذا قطعاً ليسَ مِنْ شرطِهِ؛ ولذلكَ (٣) لَمْ يورِدْهُ الحُمَيديُّ في " جمعهِ بينَ الصحيحينِ "، فاعلمْ ذلكَ فإنَّهُ مهمٌّ خافٍ، واللهُ أعلمُ (٤). السابعةُ: وإذا انتهى الأمرُ في مَعْرِفَةِ الصحيحِ إلى ما خرَّجَهُ الأئمَّةُ في تصانيفِهِم الكافلةِ ببيانِ ذلكَ كما سبقَ ذِكرُهُ، فالحاجَةُ ماسَّةٌ إلى التنبيه على أقسامِهِ باعتبارِ ذلكَ (٥): فأوَّلُها: صحيحٌ أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ جميعاً. الثاني: صحيحٌ انفَرَدَ بهِ البخاريُّ، أيْ: عنْ مسلمٍ. الثالثُ: صحيحٌ انفَرَدَ بهِ مسلمٌ، أيْ: عنِ البخاريِّ. الرابعُ: صحيحٌ على شرطِهِما لَمْ يُخَرِّجاهُ. الخامسُ: صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ لَمْ يخرِّجْهُ.

стр. 85

السادسُ: صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ لَمْ يُخَرِّجْهُ. السابعُ: صحيحٌ عندَ غيرِهما، وليسَ على شرطِ واحدٍ منهما. هذهِ أمَّهاتُ أقسامِهِ وأعلاهَا: الأوَّلُ وهو الذي يقولُ فيهِ أهلُ الحديثِ كثيراً: ((صحيحٌ متَّفَقٌ عليهِ)) يُطْلِقُونَ ذلكَ ويَعْنونَ بهِ اتِّفاقَ البخاريِّ ومسلمٍ، لا اتِّفاقَ الأمَّةِ (١) عليهِ، لكنَّ اتِّفَاقَ الأمَّةِ عليهِ لازمٌ منْ ذلكَ، وحاصِلٌ معهُ؛ لاتِّفاقِ (٢) الأمَّةِ على تلقِّي ما اتَّفَقا عليهِ بالقبولِ. وهذا القسمُ جميعُهُ مقطوعٌ بصِحَّتِهِ، والعِلْمُ اليقينيُّ النَّظريُّ واقعٌ بهِ، خلافاً لقولِ مَنْ نَفَى ذلكَ، مُحْتَجّاً بأنَّهُ لا يُفيدُ في أصلِهِ إلاَّ الظَّنَّ (٣)، وإنَّما تلقَّتْهُ الأمَّةُ (٤) بالقبولِ؛ لأنَّهُ يجبُ عليهمُ العملُ بالظَّنِّ، والظَّنُّ قَدْ يُخْطِئُ. وقدْ كنتُ أميلُ إلى هذا، وأحسبُهُ قويّاً ثُمَّ بانَ لي أنَّ المذهبَ الذي اخْتَرْناهُ أوَّلاً هوَ الصحيحُ؛ لأنَّ ظَنَّ مَنْ هوَ معصومٌ مِنَ الخطأِ لا يُخْطِئُ، والأمَّةُ في إجماعِها مَعْصومةٌ مِنَ الخطأِ، ولهذا كانَ الإجماعُ الْمُبْتَنَى (٥) على الاجتهادِ حُجَّةً مقطوعاً بها، وأكثرُ إجماعاتِ العلماءِ كذلكَ. وهذهِ نكتَةٌ نفيسةٌ نافعةٌ، ومِنْ فوائدِها: القولُ بأنَّ ما انفردَ بهِ البخاريُّ أو مسلمٌ مندرجٌ في قبيلِ ما يُقْطَعُ بصِحَّتِهِ؛ لتَلَقِّي الأمَّةِ كلَّ واحدٍ من كتابَيْهما بالقبولِ على الوجهِ الذي فصَّلناهُ مِنْ حالِهِما فيما سبقَ، سوى أحرفٍ يسيرةٍ (٦) تكلَّمَ عليها بعضُ أهلِ النَّقْدِ مِنَ الحفَّاظِ كالدَّارقطنيِّ وغيرِهِ، وهي معروفةٌ عِندَ أهلِ هذا الشأْنِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 86

الثامنةُ: إذا ظهرَ بما قدَّمناهُ انحصارُ طريقِ معرفةِ الصحيحِ والحسنِ الآنَ في مراجعةِ الصحيحينِ وغيرِهما مِنَ الكتبِ الْمُعتمَدةِ، فسبيلُ مَنْ أرادَ العملَ أو الاحتجاجَ بذلكَ إذا كانَ (١) ممَّنْ يسوغُ لهُ العملُ بالحديثِ أو الاحتجاجُ بهِ لذي مَذْهَبٍ أنْ يرجعَ إلى أصلٍ قدْ قابَلَهُ هو أو ثقةٌ غيرُهُ بأصولٍ صحيحةٍ متعدِّدةٍ (٢) مرويةٍ برواياتٍ متنوعةٍ (٣)؛ ليحصلَ لهُ بذلكَ – مَعَ اشتهارِ هذهِ الكتبِ وبُعْدِها عنْ أنْ تُقصَدَ بالتبديلِ والتحريفِ – الثقةُ بصِحَّةِ ما اتَّفَقَتْ عليهِ تلكَ الأصولُ، واللهُ أعلمُ.

стр. 87

النَّوْعُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْحَسَنِ (١) مِنَ الحَدِيْثِ رُوِّينا عَنْ أبي سُليمانَ الخطَّابيِّ ﵀ أنَّهُ قالَ - بعدَ حكايتِهِ -: إنَّ الحديثَ عِندَ أهلِهِ ينقسِمُ إلى الأقسامِ الثلاثةِ التي قدَّمنا ذِكْرَها: ((الحسَنُ: ما عُرِفَ مَخْرَجُهُ (٢) واشتَهَرَ رِجَالُهُ)) (٣) - قالَ -: ((وعليهِ مَدَارُ أكثَرِ الحديْثِ وهوَ الذي يَقْبَلُهُ (٤) أكثَرُ (٥) العلماءِ، ويستعمِلُهُ عامَّةُ الفقهاءِ)) (٦). ورُوِّينا عَنْ أبي عيسى التِّرمِذِيِّ ﵁ أنَّهُ يريدُ بالحسَنِ: ((أنْ لاَ يكونَ في إسنادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بالكَذبِ، ولاَ يكونَ حديثاً شاذّاً، ويُروَى مِنْ غيرِ وجهٍ نحوَ ذلكَ (٧)) (٨).

стр. 88

وقالَ بعضُ المتأخِّرينَ (١): ((الحديثُ الذي فيهِ ضَعْفٌ قريبٌ مُحتَملٌ هو الحديثُ الحسنُ، ويَصْلُحُ للعملِ بهِ)). قلتُ: كُلُّ هذا مُسْتَبْهَمٌ لا يَشْفِي الغليلَ، وليسَ فيما ذَكَرَهُ التِّرمذيُّ والخطَّابيُّ ما يَفْصِلُ الحسَنَ مِنَ الصحيحِ. وقدْ أمعَنْتُ (٢) النَّظَرَ في ذلكَ والبحثَ جامعاً بينَ أطرافِ كلامِهِم، ملاحظاً مواقعَ استعمالِهم؛ فتنَقَّحَ لي (٣) واتَّضَحَ أنَّ الحديثَ الحسَنَ قِسْمانِ (٤): أحدُهُما: الحديثُ الذي لا يخلو رجالُ إسنادِهِ مِنْ مستورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أهليَّتُهُ، غيرَ أنَّهُ ليسَ مُغَفَّلاً كثيرَ الخطأِ فيما يَرْويهِ، ولا هوَ متَّهَمٌ بالكذبِ في الحديثِ، أي: لَمْ يَظهرْ منهُ تَعمُّدُ (٥) الكذبِ في الحديثِ ولا سببٌ آخرُ مفسِّقٌ، ويكونُ متنُ الحديثِ معَ ذلكَ قد عُرِفَ بأنْ رُوِيَ مِثْلُهُ أو نحوُهُ مِنْ وجهٍ آخرَ أو أكثرَ، حتَّى اعتضَدَ بمتابعةِ مَنْ تابعَ راويَهُ على مثلِهِ، أو بما لَهُ مِنْ شاهِدٍ، وهوَ ورُودُ حديثٍ آخرَ بنحوِهِ، فيَخْرُجُ بذلكَ عَنْ أنْ يكونَ شاذّاً ومُنْكَراً. وكلامُ الترمِذِيِّ على هذا القسمِ يتَنَزَّلُ. القسمُ الثاني: أنْ يكونَ راوِيْهِ مِنَ المشهورينَ بالصدقِ والأمانةِ، غيرَ أنَّهُ لَمْ يبلغْ درجَةَ رجالِ الصحيحِ؛ لكونِهِ يقصُرُ عنهم في الحفظِ والإتقانِ، وهو معَ ذلكَ يرتفِعُ عَنْ

стр. 89

حالِ مَنْ يُعَدُّ ما ينفرِدُ بهِ مِنْ حديثِهِ مُنكراً، ويُعْتَبَرُ في كلِّ هذا معَ سلامةِ الحديثِ مِنْ أنْ يكونَ شاذّاً ومُنكَراً (١): سلاَمَتُهُ مِنْ أنْ يكونَ معلَّلاً. وعلى القسمِ الثاني يتَنَزَّلُ كلامُ الخطَّابيِّ. فهذا الذي ذكرناهُ جامعٌ لِمَا تفرَّقَ في كلامِ مَنْ بَلَغنا كلامُهُ في ذلكَ (٢)، وكأنَّ الترمذيَّ ذَكَرَ أحدَ نَوْعَيِ الحسَنِ، وذَكَرَ الخطَّابيُّ النوعَ الآخرَ، مُقْتصِراً كلُّ واحدٍ منهما على ما رأى أنَّهُ يُشْكِلُ، مُعْرِضاً عمَّا رأى أنَّهُ لا يُشْكِلُ أو أنَّهُ غَفَلَ عَنْ البعضِ وذهلَ (٣)، واللهً أعلمُ، هذا تأصيلُ ذلكَ، ونُوضِحُهُ بتنبيهاتٍ وتفريعاتٍ:

стр. 90

أحدُها: الْحَسَنُ يتقاصَرُ عَنِ الصحيحِ (١) في أنَّ الصحيحَ مِنْ شرطِهِ: أنْ يكونَ جميعُ رواتِهِ قَدْ ثَبَتَتْ عدالَتُهُم وضَبْطُهُم وإتقانُهُم؛ إمَّا بالنقلِ الصريحِ أو بطريقِ الاستفاضةِ عَلَى مَا سنبيِّنُهُ - إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى -، وذلكَ غيرُ مُشتَرَطٍ في الحسَنِ؛ فإنَّهُ يُكْتَفَى فيهِ بما سبقَ ذِكْرُهُ مِنْ مجيءِ الحديثِ مِنْ وجوهٍ، وغيرِ ذلكَ ممَّا تقدَّمَ شرحُهُ (٢). وإذا اسْتَبْعَدَ ذلكَ من الفقهاءِ الشافعيةِ مستبعدٌ ذَكَرْنا لهُ نصَّ الشافعيِّ ﵁ في مراسيلِ التابعينَ أنَّهُ يُقبَلُ منها المرسلُ الذي جاءَ نحوُهُ مسنَداً، وكذلكَ لو وافقَهُ مُرسلٌ آخرُ أرسلَهُ مَنْ أخذَ العلمَ عَنْ (٣) غيرِ رجالِ التابعيِّ (٤) الأوَّلِ في كلامٍ لهُ ذكرَ فيهِ وجوهاً

стр. 91

مِنَ الاستدلالِ على صِحَّةِ مَخرجِ المرسلِ بمجيئِهِ (١) مِنْ وجهٍ آخرَ (٢)، وذكرنا لهُ أيضاً ما حكاهُ الإمامُ أبو الْمُظَفَّرِ السَّمْعانيُّ وغيرُهُ عَنْ بعضِ (٣) أصحابِ الشافعيِّ مِنْ أنَّهُ تقبلُ روايةُ المستورِ وإنْ لَمْ تُقبلْ شهادةُ المستورِ (٤)؛ ولذلكَ وجهٌ متَّجِهٌ، كيفَ وإنَّا لَمْ نكْتَفِ في الحديثِ الحسَنِ بمجرَّدِ روايةِ المستورِ على ما سبقَ آنِفاً؟ واللهُ أعلمُ. الثاني: لعلَّ الباحثَ الفَهِمَ يقولُ: إنَّا نجدُ أحاديثَ محكوماً بضَعْفِها معَ كونِها قدْ رُويَتْ بأسانيدَ كثيرةٍ مِنْ وجوهٍ عديدةٍ، مثلُ حديثِ (٥): ((الأُذُنانِ مِنَ الرَّأسِ)) (٦)

стр. 92

ونحوِهِ، فهلاَّ جَعَلْتُم ذلكَ وأمثالَهُ مِنْ نوعِ الحسَنِ؛ لأنَّ بعضَ ذلكَ عَضَدَ بَعْضاً، كما قلتُم في نوعِ الحسَنِ على ما سبقَ آنفاً. وجوابُ ذلكَ أنَّهُ ليسَ كلُّ ضَعْفٍ في الحديثِ يزولُ بمجيئِهِ مِنْ وجوهٍ، بلْ ذلكَ يتفاوتُ: فمنهُ (١) ضَعْفٌ يُزيلُهُ ذلكَ، بأنْ يكونَ ضَعْفُهُ ناشئاً مِنْ ضَعْفِ حفظِ راويهِ مَعَ كونِهِ مِنْ أهلِ الصِّدقِ والديانةِ. فإذا رأينا ما رواهُ قدْ جاءَ مِنْ وجهٍ آخرَ، عَرَفنا أنَّهُ ممَّا قدْ حفظَهُ، ولَمْ يختلَّ فيهِ ضبطُهُ لهُ. وكذلكَ إذا كانَ ضَعْفُهُ مِنْ حيثُ الإرسالُ، زالَ بنحوِ ذلكَ، كما في المرسلِ الذي يُرسِلُهُ إمامٌ حافظٌ، إذ فيهِ ضَعْفٌ قليلٌ يزولُ بروايتِهِ منْ وجهٍ آخرَ، ومِنْ ذلكَ ضَعفٌ لا يزولُ بنحوِ ذلكَ لقوّةِ الضَّعْفِ وتقاعدِ هذا الجابرِ عَنْ جَبْرِهِ ومقاومَتِهِ، وذلكَ كالضَّعْفِ الذي ينشأُ مِنْ كونِ الراوي متَّهَماً بالكذِبِ أو كونِ الحديثِ شاذّاً. وهذهِ جملةٌ تفاصيلُها تُدْرَكُ بالمباشرةِ والبحثِ، فاعلمْ ذلكَ فإنَّهُ مِنَ النَّفائِسِ العزيزةِ، واللهُ أعلمُ (٢). الثالثُ: إذا كانَ راوي الحديثِ متأخِّراً عَنْ درجةِ أهلِ الحفظِ والإتقانِ غيرَ أنَّهُ مِنَ المشهورينَ بالصِّدْقِ والسِّتْرِ ورُوِيَ معَ ذلكَ حديثُهُ مِنْ غيرِ وجهٍ فقدِ اجتمعتْ لهُ القوَّةُ مِنَ الجهتينِ، وذلكَ يُرقِّي حديثَهُ مِنْ درجةِ الحسَنِ إلى درجةِ الصحيحِ. مثالُهُ: ((حديثُ محمّدِ بنِ عَمْرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي لأَمَرْتُهُم بالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاةٍ)) (٣). فمحمّدُ بنُ عمرِو بنِ علقَمةَ مِنَ المشهورينَ بالصِّدْقِ والصِّيانةِ (٤)، لكنَّهُ لَمْ يكنْ مِنْ أهلِ الإتقانِ،

стр. 93

حتَّى ضَعَّفَهُ بعضُهُم مِنْ جِهةِ سُوءِ حفظِهِ، ووثَّقَهُ بعضُهُم؛ لِصِدْقِهِ وجلالَتِهِ، فحديثُهُ مِنْ هذهِ الجهةِ حَسَنٌ، فلمَّا انضمَّ إلى ذلكَ كونُهُ رُويَ مِنْ أوجهٍ أُخَرَ (١)، زالَ بذلكَ ما كنَّا نخشاهُ عليهِ مِنْ جهةِ سوءِ حفظِهِ، وانجبرَ بهِ ذلكَ النقصُ اليسيرُ، فصحَّ هذا الإسنادُ والتحقَ بدرجةِ الصحيحِ (٢)، واللهُ أعلمُ. الرابعُ: كتابُ أبي عيسى التِّرمِذيِّ ﵀ أصلٌ في معرفةِ الحديثِ الحسَنِ، وهو الذي نَوَّهَ باسمِهِ وأكثرَ مِنْ ذِكْرِهِ في " جامِعِهِ ". ويوجدُ في متفرقاتٍ منْ كلامِ بعضِ مشايخِهِ، والطبقةِ التي قبلَهُ كأحمدَ بنِ حنبلٍ، والبخاريِّ، وغيرِهِما (٣) وتختلفُ النُّسَخُ مِنْ كتابِ الترمذيِّ في قولِهِ: ((هذا حديثٌ حسَنٌ))، أو ((هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ))، ونحوِ ذلكَ (٤). فيَنْبَغِي أنْ تُصَحِّحَ أصلَكَ بهِ (٥) بجماعةِ أصولٍ وتعتمدَ على ما اتَّفَقَتْ عليهِ. ونصَّ الدَّارَقطنيُّ في " سُنَنِهِ " على كثيرٍ مِنْ ذلكَ (٦). ومِنْ مظَانِّهِ (٧) " سننُ أبي

стр. 94

داودَ " السِّجستانيِّ (١) ﵀ رُوِّيْنا عنهُ أنَّهُ (٢) قالَ: ((ذكرْتُ فيهِ الصحيحَ، وما يُشْبِهُهُ ويُقَارِبُهُ)) (٣). ورُوِّيْنا عنهُ أيضاً ما معناهُ أنَّهُ يذكرُ في كلِّ بابٍ أصحَّ ما عَرَفَهُ في ذلكَ البابِ. وقالَ: ((ما كانَ في كتابي مِنْ حديثٍ فيهِ وَهْنٌ شديدٌ فقدْ بيَّنْتُهُ (٤) وما لَمْ أذكرْ فيهِ شيئاً فهوَ صالِحٌ، وبعضها أصحُّ مِنْ بعضٍ)) (٥). قلتُ: فعلى هذا ما وجدناهُ في كتابِهِ مذكوراً (٦) مطلقاً وليسَ في واحدٍ مِنَ الصحيحينِ، ولا نصَّ على صِحَّتِهِ أحدٌ ممَّنْ يُمَيِّزُ بينَ الصحيحِ والحسَنِ، عرَّفناهُ بأنَّهُ مِنَ الحسَنِ عندَ أبي داودَ (٧)، وقدْ يكونُ في ذلكَ ما ليسَ بحسنِ عندَ

стр. 95

غيرِهِ (١)، ولا مندرجٍ فيما حقَّقنا ضَبْطَ الحسَنِ بهِ على ما سبقَ، إذْ حكى أبو عبدِ اللهِ بنِ مَنْده (٢) الحافظُ: أنَّهُ سَمِعَ محمّدَ بنَ سَعْدٍ الباوَرْدِيَّ بمصرَ يقولُ: ((كانَ مِنْ مذهبِ أبي عبدِ الرحمانِ النَّسائيِّ أنْ يُخرِجَ عَنْ كلِّ مَنْ لَمْ يُجمَعْ على تركِهِ)) (٣)، قالَ ابنُ مَنْده: ((وكذلكَ أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ يأخذُ مأخَذهُ ويُخَرِّجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لَمْ يجدْ في البابِ غيرَهُ؛ لأنَّهُ أقوى عِنْدَهُ مِنْ رأي الرِّجالِ)) (٤)، واللهُ أعلمُ. الخامسُ: ما صارَ إليهِ صاحبُ " المصابيحِ " ﵀ مِنْ تقسِيْمِ أحاديثِهِ إلى نوعينِ: الصِّحَاحِ، والحِسَانِ، مُريداً بالصِّحَاحِ: ما وردَ في أحدِ الصحيحينِ أو فيهما، وبالحِسَانِ: ما أوردَهُ أبو داودَ والتِّرمذيُّ وأشباهُهما في تصانيفِهِم (٥)، فهذا اصطلاحٌ لا يُعْرَفُ، وليسَ الحسَنُ عِندَ أهلِ الحديثِ عبارةً عَنْ ذلكَ. وهذهِ (٦) الكُتُبُ تشتملُ على حَسَنٍ وغيرِ حَسَنٍ كما سَبَقَ بيانُهُ، واللهُ أعلمُ (٧).

стр. 96

السادسُ: كُتُبُ المسانِدِ (١) غيرُ مُلْتَحِقةٍ بالكتبِ الخمسةِ التي هيَ: " الصحيحانِ " و " سننُ أبي داودَ " و " سننُ النَّسائيِّ " و " جامعُ التِّرمذيِّ "، وما جَرَى مَجْرَاها في الاحتجاجِ بها والرُّكُونِ إلى ما يورَدُ فيها مُطلقاً، كـ " مُسْنَدِ أبي داودَ الطيالسيِّ " (٢) و " مُسْنَدِ عُبيدِ اللهِ بنِ موسى " (٣) و " مُسندِ أحمدَ بنِ حنبلٍ " (٤) و " مسندِ إسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ " (٥) و " مسندِ عَبْدِ بنِ حُمَيْدٍ " و " مسندِ الدَّارميِّ " (٦) و " مسندِ أبي يعلى

стр. 97

الموصلِيِّ " و " مسندِ الحسنِ بن سُفيانَ " و " مسندِ البزَّارِ أبي بكرٍ " (١)، وأشباهِها، فهذهِ عادتُهُم فيها أنْ يُخَرِّجُوا في مُسندِ كُلِّ صحابيٍّ ما رَوَوهُ مِنْ حديثِهِ غَيْرَ مُتَقيِّدينَ بأنْ يكونَ حديثاً محتَجّاً بهِ؛ فلهذا تأخَّرَتْ مرتبَتُها - وإنْ جَلَّتْ لِجلالةِ مؤلِّفيها - عنْ مرتبةِ الكُتُبِ الخمسةِ وما التحقَ بها مِنَ الكُتُبِ المصنَّفَةِ على الأبوابِ، واللهُ أعلمُ. السابعُ: قولُهُم: ((هذا (٢) حديثٌ صحيحُ الإسنادِ أو حسنُ الإسنادِ)) دونَ قولِهِم: ((هذا حديثٌ صحيحٌ أو حديثٌ حسَنٌ))؛ لأنَّهُ قَدْ يُقالُ: ((هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ)) ولا يصحُّ؛ لكونِهِ شاذّاً أو معلَّلاً غيرَ أنَّ المصنِّفَ المعتمدَ منهم إذا اقتصَرَ على قولهِ: إنَّهُ صحيحُ الإسنادِ ولَمْ يَذكرْ لهُ عِلَّةً، ولَمْ يَقدحْ فيهِ فالظاهِرُ منهُ الحكمُ لهُ بأنَّهُ صحيحٌ في نفسِهِ؛ لأنَّ عَدَمَ العلَّةِ والقادِحِ هوَ الأصلُ والظاهرُ (٣)، واللهُ أعلمُ.

стр. 98

الثامِنُ: في قولِ الترمذيِّ وغيرِهِ: ((هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) (١) إشكالٌ؛ لأنَّ الْحَسَنَ قاصِرٌ عَنِ الصحيحِ كما سبقَ إيضاحُهُ، ففي الْجَمْعِ بينهما في حديثٍ واحدٍ جَمْعٌ بينَ نَفْيِ ذلكَ القصورِ وإثباتِهِ؟! وجوابُهُ: أنَّ ذلكَ راجعٌ إلى الإسنادِ، فإذا رُويَ الحديثُ الواحدُ بإسنادينِ، أحدُهما إسنادٌ حَسَنٌ والآخرُ إسنادٌ صحيحٌ، استقامَ أنْ يقالَ فيهِ: إنَّهُ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، أي (٢) إنَّهُ حسَنٌ بالنسبةِ إلى إسنادٍ صحيحٌ بالنسبةِ إلى إسنادٍ آخرَ. على أنَّهُ غيرُ مُسْتَنكَرٍ أنْ يكونَ بعضُ مَنْ قالَ ذلكَ، أرادَ بالحسنِ معناهُ اللغويَّ، وهو ما تَمِيلُ إليهِ النَّفْسُ ولا يأباهُ القلبُ، دونَ المعنى الاصطلاحيِّ الذي نحنُ بصَدَدِهِ، فاعلمْ ذلكَ، واللهُ أعلمُ. التاسعُ: مِنْ أهلِ الحديثِ مَنْ لا يُفردُ نوعَ الحسَنِ ويجْعَلُهُ مُندرِجاً في أنواعِ الصحيحِ؛ لاندراجِهِ في أنواعِ مَا يُحتجُّ بهِ (٣)، وَهُوَ الظاهرُ مِنْ كلامِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ

стр. 99

الحافظِ في تصرفاتِهِ، وإليهِ يومئُ في تسميتِهِ كتابَ الترمذيِّ بـ" الجامعِ الصحيحِ " (١). وأطلقَ الخطيبُ أبو بكرٍ أيضاً عليهِ اسمَ الصحيحِ، وعلى كتابِ النَّسائيِّ. وذكرَ الحافظُ أبو طاهرٍ السِّلَفيُّ (٢) الكتبَ الخمسةَ (٣) وقالَ: ((اتَّفَقَ على صِحَّتِها علماءُ الشرقِ والغربِ)) (٤). وهذا تساهلٌ؛ لأنَّ فيها ما صرَّحُوا بكونِهِ ضعيفاً أو منكراً أو نحوَ ذلكَ مِنْ أوصافِ الضعيفِ. وصرَّحَ أبو داودَ فيما قدَّمْنا روايتَهُ عنهُ بانقسامِ ما في كتابِهِ إلى صحيحٍ وغيرِهِ، والترمذيُّ مُصَرِّحٌ فيما (٥) في كتابِهِ بالتمييزِ بينَ الصحيحِ والحسَنِ. ثُمَّ إنَّ مَنْ سَمَّى الحسَنَ صحيحاً لا يُنكِرُ أنَّهُ دونَ الصحيحِ الْمُقَدَّمِ الْمُبَيَّنِ أوَّلاً، فهذا إذنْ اختلافٌ في العبارةِ دونَ المعنى، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الثَّالِثُ مَعْرِفَةُ الضَّعِيْفِ مِنَ الحَدِيْثِ (٦)

стр. 100

كُلُّ حديثٍ لَمْ يَجتمعْ (١) فيهِ صفاتُ الحديثِ الصحيحِ، ولا صفاتُ الحديثِ الحسَنِ - المذكوراتُ فيما تقدَّمَ - فهو حديثٌ ضعيفٌ (٢). وأطنبَ أبو حاتِمِ بنِ حِبَّانَ البُسْتِيُّ في تقسيمِهِ، فبلغَ بهِ خمسينَ قسماً إلاَّ واحداً (٣)، وما ذكرتُهُ ضابطٌ جامعٌ لجميعِ ذلكَ. وسبيلُ مَنْ أرادَ البَسْطَ (٤) أنْ يَعْمَدَ إلى صفةٍ مُعَيَّنةٍ منها؛ فيجعلَ ما عُدِمَتْ فيهِ مِنْ غيرِ أنْ يَخلُفَها جابرٌ -على حسبِ ما تقرَّرَ في نوعِ الحسَنِ-: قسماً واحداً، ثُمَّ ما عُدِمَتْ فيهِ تلكَ الصفةُ معَ صفةٍ أخرى معيَّنةٍ: قسماً ثانياً، ثمَّ ما عُدِمَتْ فيهِ معَ صفتينِ معيَّنَتَيْنِ: قسماً ثالثاً، ... ، وهكذا إلى أن يستوفيَ (٥) الصفاتِ المذكوراتِ جُمَعَ (٦)، ثُمَّ يَعودَ ويُعيِّنَ مِنَ الابتداءِ صفةً غيرَ التي عيَّنها أوَّلاً، ويجعلَ ما عُدِمَتْ فيهِ وَحْدَها قِسْماً، ثُمَّ القسمَ الآخرَ ما عُدِمَتْ فيهِ مَعَ عدمِ صفةٍ أخرى، ولتكنِ الصفةُ الأخرى غيرَ الصفةِ الأولى المبدوءِ بها؛ لكونِ ذلكَ سبَقَ في أقسامِ عدمِ الصفةِ الأولى، وهكذا هَلُمَّ جَرّاً (٧) إلى آخرِ الصفاتِ.

стр. 101

ثُمَّ ما عُدِمَ فيهِ جميعُ الصفاتِ هوَ القسمُ الأَخِرُ (١) الأرذَلُ. وما كانَ مِنَ الصِّفاتِ لهُ شروطٌ، فاعملْ في شروطِهِ نحوَ ذلكَ، فتتضاعفَ بذلكَ الأقسامُ. والذي لهُ لقَبٌ خاصٌّ معروفٌ منْ أقسامِ ذلكَ: الموضوعُ، والمقلوبُ، والشاذُّ، والمعلَّلُ، والمضطربُ والمُرسلُ، والمنقطِعُ، والمُعضلُ - في أنواعٍ - سيأتي عليها الشرحُ إنْ شاءَ (٢) اللهُ تعالى. والملحوظُ فيما نورِدُهُ مِنَ الأنواعِ: عمومُ أنواعِ علومِ (٣) الحديثِ لا خصوصُ أنواعِ التقسيمِ الذي فرَغْنا الآنَ مِنْ أقسامِهِ (٤)، ونسألُ اللهَ ﵎ تعميمَ النَّفْعِ بهِ في الدارينِ، آمينَ. النَّوْعُ الرَّابِعُ مَعْرِفَةُ الْمُسْنَدِ (٥)

стр. 102

ذكرَ أبو بكرٍ الخطيبُ الحافظُ ﵀ أنَّ المسندَ عِندَ أهلِ الحديثِ: هوَ الذي اتَّصلَ إسنادُهُ مِنْ راويهِ إلى مُنتهَاهُ، وأكثرُ مَا يستعملُ ذلكَ فِيْمَا جاءَ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ دونَ مَا جاءَ عنِ الصحابةِ وغيرِهِم (١). وذكرَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ الحافظُ (٢) أنَّ المسندَ: ((مَا رُفِعَ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ خَاصَّةً. وَقَدْ يكونُ متَّصِلاً، مثلُ: ((مالكٍ، عنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ))، وقدْ يكونُ منقطعاً،

стр. 103

مثلُ: ((مالكٍ، عنْ الزهريِّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، عنْ رسولِ اللهِ ﷺ )). فهذا مسندٌ؛ لأنَّهُ قدْ أُسْنِدَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وهوَ منقطعٌ؛ لأنَّ الزُّهريَّ لَمْ يسمعْ مِنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵃ (١). وحكى أبو عُمَرَ عنْ قومٍ أنَّ المسندَ لا يقعُ إلاَّ عَلَى مَا اتَّصلَ مرفوعاً إلى النبيِّ ﷺ (٢). قلتُ: وبهذا قَطَعَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ ولَمْ يَذْكُرْ (٣) في كتابِهِ غيرَهُ (٤). فهذهِ أقوالٌ ثلاثةٌ مختلفةٌ (٥)، واللهُ أعلمُ (٦). النَّوْعُ الخَامِسُ مَعْرِفَةُ الْمُتَّصِلِ (٧)

стр. 104

ويقالُ فيهِ أيضاً: الموصولُ (١)، ومُطلقُهُ يقعُ على المرفوعِ والموقوفِ وهو الذي اتَّصَلَ إسنادُهُ، فكانَ (٢) كُلُّ واحِدٍ مِنْ رواتِهِ قَدْ سَمِعَهُ ممَّنْ فَوقَهُ حَتَّى ينتهِيَ إلى منتهاهُ. مثالُ المتَّصِلِ المرفوعِ مِنَ " الموطَّأِ ": ((مالكٌ، عنْ ابنِ شهابٍ، عنْ سالِمِ ابنِ عبدِ اللهِ، عنْ أبيهِ، عنْ رسولِ اللهِ ﷺ )) (٣)، ومثالُ المتَّصِلِ الموقوفِ: ((مالكٌ، عنْ نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ، عنْ عمرَ قولَهُ)) (٤)، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ السَّادِسُ مَعْرِفَةُ الْمَرْفُوعِ (٥) وهوَ ما أُضِيفَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ خاصَّةً، ولا يَقَعُ مُطلقُهُ على غيرِ ذلكَ نحوُ الموقوفِ على الصحابةِ وغيرِهِم (٦). ويدخُلُ في المرفوعِ: المتصلُ، والمنقطِعُ، والمرسَلُ، ونحوُها، فهو والمسندُ عندَ قومٍ (٧) سواءٌ، والانقطاعُ والاتصالُ يَدخلانِ عليهِما جميعاً.

стр. 105

وعندَ قومٍ يفترقانِ في أنَّ (١) الانقطاعَ والاتصالَ يدخلانِ على المرفوعِ ولا يقعُ المسندُ إلاَّ على المتَّصِلِ المضافِ (٢) إلى رسولِ اللهِ ﷺ . وقالَ الحافظُ أبو بكرِ بنِ ثابتٍ: ((المرفوعُ: ما أخبرَ فيهِ الصحابيُّ عنْ قولِ الرسولِ (٣) ﷺ أو فِعلِهِ)) (٤). فخصَّصَهُ بالصحابةِ، فَيَخْرُجُ (٥) عنهُ مُرسَلُ التابعيِّ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ (٦). قلتُ: ومَنْ جَعلَ مِنْ أهلِ الحديثِ: المرفوعَ في مقابلةِ المرسَلِ، فقدْ عَنَى بالمرفوعِ: المتصلَ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ السَّابِعُ مَعْرِفَةُ الْمَوْقُوْفِ (٧) وهوَ ما يُروَى عنِ الصحابَةِ ﵃ مِنْ أقوالِهِم، أو أفعالِهِم (٨) ونَحْوِها، فيُوقَفُ عَلَيْهِم ولا يُتَجَاوَزُ بهِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ (٩). ثُمَّ إنَّ منهُ ما يتَّصِلُ الإسنادُ فيهِ إلى الصحابيِّ

стр. 106

فيكونُ مِنَ (١) الموقوفِ الموصولِ. ومنهُ ما لا يتَّصلُ إسنادُهُ فيكُونُ مِنَ الموقوفِ غيرِ الموصولِ، على حَسَبِ ما عُرِفَ مِثْلُهُ في المرفوعِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، واللهُ أعلمُ. وما ذكرناهُ مِنْ تخصيصِهِ بالصحابيِّ، فذلكَ إذا ذُكِرَ الموقوفُ مطلقاً، وقدْ يُستعملُ مقَيَّداً في غيرِ الصحابيِّ (٢)، فيقالُ: ((حديثُ كذا وكذا، وقفَهُ فلانٌ على عطاءٍ أو علَى طاوسٍ أو نحوِ هذا))، واللهُ أعلمُ (٣). وموجودٌ في اصطلاحِ الفقهاءِ الْخُراسانيينَ تعريفُ الموقوفِ باسمِ (٤) الأثرِ (٥) قالَ (٦) أبو القاسمِ الفُوْرَانيُّ (٧) - منهم - فيما بَلَغَنا عنهُ: الفقهاءُ يقولونَ: ((الخبرُ: ما يُروى (٨) عنِ النبيِّ ﷺ ، والأثَرُ: ما يُرْوى (٩) عنِ الصحابةِ ﵃)) (١٠)).

стр. 107

النَّوْعُ الثَّامِنُ مَعْرِفَةُ الْمَقْطُوْعِ (١) وهوَ غيرُ المنقطعِ الذي يأتي ذكرُهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى، ويقالُ في جمعِهِ: المقاطِيعُ والمقاطِعُ (٢)، وهوَ ما جاءَ عنِ التابعينَ موقوفاً عليْهِم مِنْ أقواِلهِم أو أفعالِهِمْ (٣). قال الخطيبُ أبو بكرٍ الحافظُ في " جامِعِهِ ": ((مِنَ الحديثِ: المقطوعُ)) (٤)، وقالَ: ((المقاطِعُ: هيَ الموقوفاتُ على التابعينَ)) (٥). قلتُ: وقدْ وجدْتُ التعبيرَ بالمقطوعِ عنِ المنقطعِ غيرِ الموصولِ في كلامِ الإمامِ (٦) الشافعيِّ، وأبي القاسمِ الطبرانيِّ وغيرِهِما (٧)، واللهُ أعلمُ.

стр. 108

تَفْرِيْعَاتٌ أحدُها: قولُ الصَّحابيِّ: ((كُنَّا نَفْعَلُ كذا أو كنَّا نقولُ كذا)) (١) إنْ لَمْ يُضِفْهُ إلى زمانِ رسولِ اللهِ (٢) ﷺ فهوَ مِنْ قبيلِ الموقوفِ، وإنْ أضافَهُ إلى زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فالذي قَطَعَ بهِ أبو عبدِ اللهِ بنُ البَيِّعِ (٣) الحافظُ وغيرُهُ مِنْ أهلِ الحديثِ وغيرِهِم أنَّ ذلكَ مِنْ قبيلِ المرفوعِ (٤). وبَلَغَني عَنْ أبي بكرٍ البَرْقانيِّ أنَّهُ سألَ أبا بكرٍ الإسماعيليَّ الإمامَ عنْ ذلكَ فأنكرَ كونَهُ مِنَ المرفوعِ. والأوَّلُ هوَ الذي عَليْهِ (٥) الاعتمادُ؛ لأنَّ ظاهرَ ذلكَ مُشْعِرٌ بأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ اطَّلَعَ على ذلكَ وقرَّرَهُم عليهِ، وتقريرُهُ أحدُ وجوهِ السُّنَنِ المرفوعةِ؛ فإنَّها أنواعٌ منها: أقوالُهُ ﷺ ، ومنها: أفعالُهُ (٦)، ومنها: تقريرُهُ وسكوتُهُ عنِ الإنكارِ بعدَ اطِّلاعِهِ. ومِنْ

стр. 109

هذا القبيلِ قولُ الصحابيِّ: ((كُنَّا لا نرى بأساً بكذا ورسولُ اللهِ ﷺ فِيْنا، أو كانَ يقالُ: كذا وكذا على عهدِهِ، أو كانُوا يفعلونَ: كذا وكذا في حياتِهِ ﷺ )). فكلُّ ذلكَ وشبهُهُ مرفوعٌ مُسْنَدٌ مُخَرَّجٌ في كتبِ المساندِ (١). وذكرَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ فيما رُوِّيْناهُ عَنِ المغيرةِ بنِ شُعْبَةَ قالَ: ((كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَقْرَعُونَ بابَهُ بالأظافيرِ)) (٢): أنَّ هذا يتوهَّمُهُ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ الصَّنْعَةِ

стр. 110

مُسْنَداً - يعني: مرفوعاً - لِذِكْرِ رسولِ اللهِ ﷺ فيهِ وليسَ بِمُسْنَدٍ بلْ هوَ موقوفٌ (١). وذكرَ الخطيبُ أيضاً نحوَ ذلكَ في جامعِهِ (٢). قلتُ: بلْ هوَ مرفوعٌ كما سبقَ ذِكْرُهُ، وهوَ بأنْ يكونَ مرفوعاً أحرَى؛ لكونِهِ أحرَى باطِّلاعِهِ ﷺ عليهِ (٣)، والحاكمُ مُعْتَرِفٌ بكونِ ذلكَ مِنْ قبيل المرفوعِ، وقدْ كنَّا عَدَدْنا هذا فيما أخذناهُ عليهِ. ثُمَّ تأوَّلناهُ لهُ على أنَّهُ أرادَ أنَّهُ ليسَ بِمُسْندٍ لفظاً، بلْ هوَ موقوفٌ لفظاً، وكذلكَ سائرُ ما سبقَ موقوفٌ لفظاً، وإنَّما جعلناهُ مرفوعاً مِنْ حيثُ المعنى، واللهُ أعلمُ. الثاني: قولُ الصحابيِّ: ((أُمِرْنا بكذا (٤) أو نُهِيْنا عَنْ كذا)) مِنْ نوعِ المرفوعِ والمسنَدِ عندَ أصحابِ الحديثِ وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ (٥)، وخالفَ في ذلكَ فريقٌ منهم
следующие страницы →