← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23799

مقدمة ابن الصلاح معرفة أنواع علم الحديث - ت الفحل والهميم

ابن الصلاح

Полный текст (498 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

حِيْنَئذٍ (١). وقالَ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللهِ والَّذِيْنَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ﴾ (٢) الآيةَ. وفي نُصُوصِ السُّنَّةِ الشاهِدةِ بذلكَ كثرةٌ، منها حديثُ أبي سَعِيْدٍ المتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ؛ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((لا تَسُبُّوا أصْحابِي، فوَالَّذي نَفْسِي بيدِهِ، لوْ أنَّ أحَدَكُمْ أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً ما أدْرَكَ مُدَّ (٣) أحَدِهِمْ ولا نَصِيْفَهُ)) (٤). ثُمَّ إنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَعْدِيلِ جَمِيْعِ الصَّحَابَةِ (٥)، ومَنْ لاَبَسَ الفِتَنَ مِنْهُم فكذلكَ بإجْماعِ العلماءِ الَّذِينَ يُعْتَدُّ بهم في الإجماعِ، إحْساناً للظَّنِّ بهم ونَظَراً إلى ما تمهَّدَ لهم مِنَ المآثِرِ، وكأَنَّ اللهَ أتاحَ (٦) الإجماعَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ نَقَلَةَ الشَّرِيْعَةِ (٧)، واللهُ أعلمُ. الثَّالِثَةُ: أكْثَرُ الصَّحَابَةِ حَدِيثاً عَنْ رسُولِ اللهِ ﷺ أبو هُرَيْرَةَ (٨). رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بنِ أبي (٩) الحسَنِ، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وذَلِكَ مِنَ الظاهِرِ الذي لا يَخْفَى عَلَى

стр. 387

حَدِيْثِيٍّ، وهوَ أوَّلُ صَاحِبِ حديثٍ (١). بَلَغَنا عَنْ أبي بكرِ بنِ أبي داودَ السِّجسْتانِيِّ قالَ: ((رأيْتُ أبا هُرَيْرَةَ في النومِ وأنا بِسَجستانَ أُصَنِّفُ حديثَ أبي هُرَيْرَةَ، فقُلْتُ (٢): إنِّي لأُحِبُّكَ، فقالَ: أنا أوَّلُ صَاحِبِ حديثٍ كانَ في الدُّنْيا)). وَعَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أيضاً ﵁ قالَ: ((سِتَّةٌ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ أكثروا الروايةَ عنهُ وَعُمِّروا: أبو هُريرةَ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ، وجابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، وابنُ عبَّاسٍ، وأنَسٌ، وأبو هُرَيْرَةَ أكْثَرُهُمْ حديثاً وحَمَلَ عنهُ الثِّقاتُ)). ثُمَّ إنَّ أكثَرَ الصحابةِ فُتْيا تُرْوَى ابنُ عباسٍ. بَلَغَنا عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ قالَ: ((ليسَ أحَدٌ مِنْ أصْحابِ النبيِّ ﷺ يُرْوَى عنهُ في الفتْوى أكثرَ مِنِ ابنِ عَبَّاسٍ)). ورُوِّيْنا عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أيضاً أنَّهُ قِيلَ لهُ: ((مَنِ العَبادِلَةُ؟))، فقالَ: ((عبدُ اللهِ ابنُ عَبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو)). قيلَ لهُ: ((فابنُ مَسعودٍ؟))، قالَ: ((لا، ليسَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ مِنَ العبادلةِ)) (٣). قالَ الحافِظُ أحمدُ البَيْهَقِيُّ فيما رُوِّيْناهُ عنهُ وقرأْتُهُ بِخَطِّهِ: ((وهذا لأنَّ ابنَ مسعودٍ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ، وهؤلاءِ عاشُوا حَتَّى احتِيْجَ إلى عِلْمِهِمْ، فإذا اجْتَمَعُوا عَلَى شيءٍ قيلَ: هذا قَوْلُ العبادِلَةِ، أوْ: هذا فِعْلُهُمْ)) (٤). قُلْتُ: ويَلْتَحِقُ بابنِ مَسعودٍ في ذَلِكَ سائِرُ العبادِلَةِ الْمُسَمَّيْنَ بعبدِ اللهِ مِنَ الصحابةِ، وهُمْ نَحْوُ مِئَتَيْنِ وعِشْرِينَ نَفْساً (٥)، واللهُ أعلمُ. ورُوِّيْنا عَنْ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ المدينيِّ قالَ: ((لَمْ يَكُنْ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ أحَدٌ لهُ أصْحابٌ يَقُومونَ بقَوْلِهِ في الفِقْهِ إلاَّ ثَلاثَةٌ: عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ،

стр. 388

وابنُ عبَّاسٍ ﵃، كانَ لِكُلِّ رجلٍ مِنْهُم أصحابٌ يَقُومونَ بقَولِهِ ويُفْتونَ النَّاسَ)) (١)، وَرُوِّيْنا عَنْ مَسْروقٍ قالَ: ((وَجَدْتُ عِلْمَ أصْحابِ النبيِّ ﷺ انتهى إلى سِتَّةٍ: عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وأُبَيٍّ، وزيدٍ، وأبي الدَّرْداءِ، وعبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ. ثُمَّ انتهى عِلْمُ هَؤلاءِ السِّتَّةِ إلى اثْنَيْنِ: عليٍّ، وعبدِ اللهِ)) (٢). رُوِّيْنا نَحْوَهُ عَنْ مُطَرِّفٍ (٣) عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، لكنْ ذَكَرَ أبا موسَى بدَلَ أبي الدَّرْدَاءِ (٤). ورُوِّيْنا عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: ((كانَ العِلْمُ يُؤْخَذُ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ عُمَرُ، وعبدُ اللهِ، وزيدٌ، يُشْبِهُ عِلْمُ بعضِهِمْ بَعضاً، وكانَ يَقْتَبِسُ بَعضُهُمْ مِنْ بَعضٍ، وكانَ عليٌّ، والأشْعَريُّ، وأُبَيٌّ، يُشْبِهُ عِلْمُ بعضِهِمْ بَعضاً، وكانَ يَقْتَبِسُ بَعضُهُمْ مِنْ بَعضٍ)) (٥). ورُوِّيْنا عَنِ الحافِظِ أحمدَ البَيْهَقِيِّ أنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ الصَّحابَةَ في " رسالتِهِ " القديمةِ وأثْنَى عليهِمْ بما هُمْ أهلُهُ، ثُمَّ قالَ: ((وهُمْ فَوْقَنا في كُلِّ عِلْمٍ، واجْتِهادٍ، وَوَرَعٍ، وعَقْلٍ، وأمْرٍ اسْتُدْرِكَ بهِ عِلْمٌ واسْتُنْبِطَ بهِ، وآراؤُهُمْ لنا أحمدُ وأوْلَى بنا مِنْ آرَائِنا عِنْدَنا لأنْفُسِنا))، واللهُ أعلمُ. الرَّابِعَةُ: رُوِّيْنا عَنْ أبي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ عِدَّةِ (٦) مَنْ رَوَى عَنِ النبيِّ ﷺ ، فقالَ: ((ومَنْ يَضْبِطُ هذا؟ شَهِدَ مَعَ النبيِّ ﷺ حَجَّةَ الوداعِ أربعونَ ألِفاً، وشَهِدَ معهُ تَبُوكَ سَبعونَ ألفاً (٧). ورُوِّيْنا عَنْ أبي زُرْعَةَ أيضاً أنَّهُ قيلَ لهُ: ((ألَيْسَ يُقَالَ: حديثُ النبيِّ ﷺ أربَعةُ آلاَفِ حديثٍ؟))، قالَ: ((ومَنْ قالَ ذا؟ قَلْقَلَ اللهَ أنْيَابَهُ! هذا قولُ الزَّنَادِقَةِ، ومَنْ يُحْصِي حدِيثَ رسولِ اللهِ ﷺ ، قُبِضَ رسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ مِئَةِ ألْفٍ وأربَعَةَ عَشَرَ ألِفاً

стр. 389

مِنَ الصحابةِ مِمَّنْ رَوى عنهُ، وسَمِعَ منهُ، وفي روايةٍ مِمَّنْ رآهُ وسَمِعَ منهُ)). فقِيْلَ لهُ: يا أبا زُرْعَةَ! هؤلاءِ أينَ كانُوا وأينَ سَمِعُوا منهُ؟ قالَ: ((أهلُ المدينةِ، وأهلُ مَكَّةَ، ومَنْ بينَهُما، والأعرابُ، ومَنْ شَهِدَ معهُ حَجَّةَ الوداعِ كُلٌّ رآهُ وسَمِعَ منهُ بِعَرَفَةَ)) (١). قُلْتُ (٢): ثُمَّ إنَّهُ اخْتُلِفَ في عدَدِ طَبَقَاتِهِمْ وأصْنافِهِمْ، والنَّظَرُ في ذَلِكَ إلى السَّبْقِ بالإسْلامِ والهِجْرَةِ وشُهُودِ المشاهَدِ الفاضِلَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بآبَائِنا وأُمَّهَاتِنا وأنْفُسِنا هوَ ﷺ وجَعَلَهُمُ الحاكِمُ (٣) أبو عبدُ اللهِ اثْنَتَي عَشْرَةَ (٤) طَبَقَةً، ومنهُمْ مَنْ زادَ عَلَى ذَلِكَ، ولَسْنا نُطَوِّلُ بتفصِيلِ ذَلِكَ، واللهُ أعلمُ. الخامِسَةُ: أفْضَلُهُمْ عَلَى الإطْلاَقِ أبو بكرٍ، ثُمَّ عُمَرَ (٥)، ثُمَّ إنَّ جُمْهُورَ السَّلَفِ عَلَى تقدِيمِ عُثْمانَ عَلَى عليٍّ، وقَدَّمَ أهلُ الكُوفةِ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ عَلِيّاً عَلَى عُثْمانَ، وبهِ قالَ مِنْهُم: سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ (٦) أوَّلاً ثُمَّ رَجَعَ إلى تقديمِ عُثْمانَ (٧)، رَوَى ذَلِكَ عنهُ وعَنْهُم الخطَّابِيُّ (٨). ومِمَّنْ نُقِلَ عنهُ مِنْ أهلِ الحديثِ تقديمُ عليٍّ عَلَى عُثْمانَ مُحَمَّدُ بنُ إسْحاقَ ابنِ خُزَيْمةَ (٩). وتقديمُ عُثْمانَ هوَ الذي اسْتَقَرَّتْ عليهِ مَذاهِبُ أصْحابِ الحديثِ وأهلِ السُّنَّةِ (١٠)، وأمَّا أفضلُ أصْنافِهِمْ صِنْفاً فقَدْ قالَ أبو مَنْصورٍ

стр. 390

البغداديُّ التَّمِيميُّ: أصْحابُنا مُجْمِعونَ عَلَى أنَّ أفضَلَهم الخلفاءُ الأربَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ إلى تَمامِ العَشَرَةِ، ثُمَّ البَدْرِيونَ، ثُمَّ أصحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أهلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بالْحُدَيْبِيَةِ (١). قلتُ: وفي نصِّ القُرْآنِ تَفضيلُ (٢) السَّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المهاجِرِيْنَ والأنْصَارِ، وهُمُ الذِيْنَ صَلُّوا إلى القِبْلَتَيْنِ في قَوْلِ سَعِيْدِ بنِ المسيِّبِ (٣) وطائِفَةٍ (٤). وفي قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: هُمُ الذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ (٥). وعَنْ مُحَمَّدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ (٦) وعَطَاءِ بنِ يَسارٍ أنَّهُما قالاَ: هُمْ أهلُ بَدْرٍ (٧)، رَوَى ذَلِكَ عَنْهُما ابنُ عبدِ البرِّ فيما وَجَدْناهُ عنهُ، واللهُ أعلمُ. السَّادِسَةُ: اختَلَفَ السَّلَفُ في أوَّلِهِمْ إسْلاماً، فقيلَ: أبو بكرٍ (٨) الصِّدِّيقُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابنِ عباسٍ (٩)، وحَسَّانَ بنِ ثابتٍ (١٠)، وإبراهيمَ النَّخَعِيِّ (١١)،

стр. 391

وغيرِهِمْ (١). وقيلَ: عليٌّ أوَّلُ مَنْ أسلَمَ، رُوِيَ ذَلِكَ عنْ زيدِ بنِ أرْقَمَ (٢)، وأبي ذَرٍّ (٣)، والمقْدَادِ (٤) وغيرِهِمْ (٥). قالَ الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ: ((لا أعلمُ خِلافاً بَيْنَ أصحابِ التَّوارِيخِ (٦) أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ أوَّلُهُمْ إسْلاماً))، واسْتُنْكِرَ هذا مِنَ الحاكِمِ. وقيلَ: أوَّلُ مَنْ أسلمَ زيدُ بنُ حارِثَةَ. وذَكَرَ مَعْمَرٌ نحوَ ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ (٧). وقيلَ: أوَّلُ مَنْ أسلمَ خديجةُ أُمُّ المؤمِنينَ، رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ (٨)، وهوَ قَوْلُ قَتَادَةَ (٩)، ومُحَمَّدِ بنِ إسْحاقَ بنِ يَسارٍ (١٠)، وجماعةٍ. ورُوِيَ أيضاً عَنِ ابنِ عبَّاسٍ (١١). وادَّعَى الثَّعْلَبِيُّ المفَسِّرُ فيما رُوِّيْناهُ أو بَلَغَنا عنهُ اتِّفَاقَ العلماءِ عَلَى أنَّ أوَّلَ مَنْ أسلمَ خديجةُ، وأنَّ اختِلاَفَهُمْ إنَّما هوَ في أوَّلِ مَنْ أسْلمَ بعدَها. والأوْرَعُ (١٢) أنْ يُقَالَ: أوَّلُ مَنْ أسْلمَ مِنَ الرِّجالِ الأحرارِ: أبو بكرٍ، ومِنَ الصِّبْيانِ أو الأحداثِ: عليٌّ، ومِنَ النِّساءِ: خديجةُ، ومِنَ الموالِي: زيدُ بنُ حارِثةَ، ومِنَ العبيدِ: بلالٌ، واللهُ أعلمُ. السَّابعةُ: آخِرُهُمْ عَلَى الإطلاقِ موتاً: أبو الطُّفَيْلِ عامرُ بنُ واثِلَةَ (١٣)، ماتَ سنةَ مئةٍ مِنَ الهِجرةِ. وأمَّا بالإضافَةِ إلى النَّواحي، فآخِرُ مَنْ ماتَ مِنْهُم بالمدينةِ: جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، رواهُ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ قَتادةَ، وقيلَ: سَهْلُ بنُ سَعْدٍ (١٤)، وقيلَ: السَّائبُ ابنُ يَزيدَ (١٥)، وآخِرُ مَنْ ماتَ مِنْهُم بِمَكَّةَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وقيلَ: جابرُ بنُ عبدِ اللهِ.

стр. 392

وذَكَرَ عليُّ بنُ المدينيِّ أنَّ أبا الطُّفَيلِ بِمَكَّةَ ماتَ فهوَ إذَنْ الآخِرُ بها (١). وآخِرُ مَنْ ماتَ مِنْهُم بالبَصْرَةِ أنَسُ بنُ مالِكٍ. قالَ أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البرِّ: ((ما أعلمُ أحداً ماتَ بعدَهُ مِمَّنْ رَأَى رَسولَ اللهِ ﷺ إلاَّ أبا الطُّفَيلِ)) (٢). وآخِرُ مَنْ ماتَ مِنْهُم بالكُوفَةِ: عبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى، وبالشَّامِ: عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ، وقِيْلَ: بلْ أبو أُمامَةَ. وتَبَسَّطَ (٣) بعضُهُمْ فقالَ: ((آخِرُ مَنْ ماتَ مِنْ أصحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِصْرَ: عبدُ اللهِ بنُ الحارِثِ بنِ جَزْءٍ (٤) الزُّبَيْدِيُّ، وبِفِلَسْطِيْنَ (٥): أبو أُبَيِّ بنُ أُمِّ حَرَامٍ، وبِدِمَشْقَ: واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، وبِحِمْصَ: عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ (٦)، وباليَمامَةِ: الهِرْماسُ (٧) بنُ زَيادٍ، وبالْجَزِيْرَةِ (٨): العُرْسُ (٩) بنُ عَمِيْرَةَ (١٠)، وبإفْرِيقِيَّةَ (١١): رُوَيْفِعُ (١٢) بنُ ثابتٍ، وبالبادِيَةِ في الأعْرابِ: سَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، ﵃ أجمعينَ)). وفي بعضِ ما ذَكَرْناهُ خِلافٌ لَمْ نَذْكُرْهُ، وقولُهُ في رُوَيْفِعٍ بإفْرِيقِيَّةَ لا يَصِحُّ إنَّما ماتَ في حاضِرَةِ بَرْقَةَ (١٣) وقَبْرُهُ بها، ونَزَلَ سَلَمةُ إلى المدينةِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِلَيالٍ فَمَاتَ بها، واللهُ أعلمُ.

стр. 393

النَّوْعُ الْمُوَفِّي أرْبَعِينَ مَعْرِفَةُ التَّابِعِيْنَ (١) هذا وَمَعرفةُ الصحابةِ أصْلٌ أصِيْلٌ يُرْجَعُ إليهِ في معرفةِ المرسَلِ والمسْنَدِ. قالَ الخطيبُ الحافِظُ: ((التَّابِعِيُّ مَنْ صَحِبَ الصَّحَابِيَّ)) (٢). قُلتُ: ومطلقُهُ مَخْصُوصٌ بالتَّابِعِ بإحْسَانٍ، ويُقَالُ لِلْواحِدِ مِنْهُم: تابِعٌ وتابِعِيٌّ. وكَلامُ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ (٣) وغيرُهُ مُشْعِرٌ بأنَّهُ يَكْفِي فيهِ أنْ يسمَعَ مِنَ الصَّحابِيِّ أوْ يَلْقاهُ وإنْ لَمْ تُوجدْ الصُّحْبَةُ العُرْفِيَّةُ. والاكْتِفاءُ في هذا بِمُجَرَّدِ اللِّقَاءِ والرؤْيَةِ (٤) أقربُ منهُ في الصحابِيِّ نَظَراً إلى مُقْتَضى اللَّفْظَيْنِ فيهما (٥). وهذهِ مُهِمَّاتٌ في هذا النوعِ: إحْدَاها: ذَكَرَ الحافِظُ أبو عبدِ اللهِ أنَّ التَّابِعينَ عَلَى خَمْسَ عَشْرَةَ طَبَقَةً: الأُوْلَى: الَّذِينَ لَحِقُوا العَشَرَةَ: سَعيدُ بنُ المسَيِّبِ، وقيسُ بنُ أبي حازِمٍ، وأبو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ (٦)، وقيسُ بنُ عُبادٍ (٧)، وأبو سَاسَانَ حُضَيْنُ (٨) بنُ المنذِرِ،

стр. 394

وأبو وائِلٍ، وأبو رَجَاءِ العُطَارِدِيُّ (١) وغيرُهُمْ (٢). وعليهِ في بعضِ هؤلاءِ إنْكارٌ، فإنَّ سَعيدَ بنَ المسَيِّبِ ليسَ بهذهِ المثابةِ؛ لأنَّهُ وُلِدَ في خِلافةِ عُمَرَ، ولَمْ يَسْمَعْ مِنَ أكثَرِ العَشَرَةِ. وقدْ قالَ بعضُهُمْ: لا تَصِحُّ (٣) لهُ رِوايةٌ عَنْ أحَدٍ مِنَ العَشَرَةِ إلاَّ سَعْدَ ابنَ أبي وَقَّاصٍ (٤). قُلْتُ: وكانَ سَعْدٌ آخِرَهُمْ مَوْتاً. وذَكَرَ الحاكِمُ قبلَ كَلامِهِ المذكورِ: أنَّ سَعِيْداً أدْرَكَ عُمَرَ فَمَنْ بَعْدَهُ إلى آخِرِ العَشَرَةِ (٥)، وقالَ: ليسَ في جماعَةِ التَّابِعينَ مَنْ أدْرَكَهُمْ وسَمِعَ مِنْهُم غيرُ سَعِيدٍ، وقيسِ بنِ أبي حازِمٍ (٦)، وليسَ ذَلِكَ عَلَى ما قالَ كما ذَكَرْناهُ. نَعَمْ، قَيسُ بنُ أبي حازِمٍ سَمِعَ العَشَرَةَ ورَوَى عَنْهُم. وليسَ في التَّابِعينَ أحَدٌ رَوَى عَنِ العَشَرَةِ سِواهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ عبدُ الرَّحمانِ بنُ يُوسُفَ بنِ خِرَاشٍ (٧) الحافِظُ فيما رُوِّيْنا أوْ بَلَغَنا عنهُ. وعنْ أبي داودَ السِّجستانِيِّ أنَّهُ قالَ: رَوَى عَنِ التِّسْعَةِ ولَمْ يَرْوِ عَنْ عبدِ الرَّحْمانِ بنِ عَوْفٍ (٨).

стр. 395

ويَلِي هؤلاءِ: التَّابِعُونَ الَّذِينَ وُلِدُوا في حياةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أبْناءِ الصَّحابَةِ (١)، كَعَبْدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحَةَ، وأبي أُمامةَ أسْعَدَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ (٢)، وأبي إدْرِيْسَ الْخَوْلاَنِيِّ (٣) وغيرِهِمْ. الثَّانِيةُ: الْمُخَضْرَمُونَ (٤) مِنَ التَّابِعينَ هُمُ الَّذِيْنَ أدركوا الجاهِلِيَّةَ وحياةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأسْلَمُوا ولا صُحْبَةَ لهم، واحدُهُمْ مُخَضْرَمٌ -بِفَتْحِ الرَّاءِ- كأنَّهُ خُضْرِمَ، أي: قُطِعَ عَنْ نُظَرائِهِ الَّذِينَ أدْركُوا الصُّحْبَةَ وغيرَها. وذَكَرَهُمْ مُسْلِمٌ فَبَلَغَ بِهِمْ عِشْرينَ نَفْساً (٥)،

стр. 396

مِنْهُم: أبو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ، وسُوَيْدُ بنُ غَفَلةَ (١) الكِنْدِيُّ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ الأَوْدِيُّ، وعَبْدُ خَيْرِ بنُ يَزِيْدَ الْخَيْوَانِيُّ (٢)، وأبو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، وعبدُ الرحمانِ بنُ مَلٍّ (٣)، وأبو الحلالِ العَتَكِيُّ (٤): رَبيعةُ بنُ زُرارةَ. ومِمَّنْ لَمْ يَذْكُرْهُ مُسْلِمٌ مِنْهُم: أبو مُسْلِمٍ الْخَوْلاَنيُّ: عبدُ اللهِ بنُ ثُوَبٍ (٥)، والأحْنَفُ بنُ قَيسٍ، واللهُ أعلمُ (٦). الثَّالِثَةُ: مِنْ أكَابِرِ التَّابِعِينَ، الفُقَهاءُ السَّبْعَةُ (٧) مِنْ أهلِ المَديْنَةِ، وهم: سعيدُ ابنُ المُسيِّبِ، والقاسمُ بنُ مُحَمَّدٍ، وعُرْوَةُ بنُ الزبيرِ، وخارجةُ بنُ زَيدٍ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمانِ، وعبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ. رُوِّيْنا عَنِ الحافِظِ أبي عبدِ اللهِ أنَّهُ قالَ: ((هَؤلاءِ الفُقَهاءُ السَّبْعةُ عِنْدَ الأكْثرِ مِنْ عُلماءِ الحِجازِ)) (٨). ورُوِّيْنا عَنِ ابنِ المباركِ قالَ: ((كانَ فقهاءُ أهلِ المدينةِ الذِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ رأْيهِمْ سَبْعةً)) (٩)، فَذَكَرَ هَؤلاءِ إلاَّ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أبا سَلَمةَ بنَ عبدِ الرَّحمانِ، وذَكَرَ بَدَلَهُ سالِمَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ. ورُوِّيْنا عَنْ أبي الزِّنادِ تَسْمِيَتَهُمْ في كِتابِهِ عَنْهُم فَذَكَرَ هؤلاءِ إلاَّ أنَّهُ ذَكَرَ أبا بَكرِ بنَ عبدِ الرحمانِ بَدَلَ أبي سَلَمةَ وسَالِمٍ (١٠). الرَّابِعَةُ: وَرَدَ عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ قالَ: ((أفْضَلُ التَّابعينَ: سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ. فقيلَ لهُ: فَعَلْقَمَةُ والأسْودُ؟، فقالَ: سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ، والأسْودُ)) (١١).

стр. 397

وعنهُ أنَّهُ قالَ: ((لا أعلمُ في التَّابِعينَ مِثْلَ أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، وقيسِ بنِ أبي حازِمٍ)). وعنهُ أنَّهُ قالَ: ((أفْضَلُ التَّابِعينَ: قيسٌ، وأبو عُثْمانَ وعلقَمةُ، ومَسْرُوقٌ. هؤلاءِ كانوا فاضِلينَ ومِنْ عِلْيَةِ (١) التَّابِعينَ)). وأعْجَبَنِي ما وَجَدْتُهُ عَنِ الشَّيْخِ أبي عبدِ اللهِ بنِ خَفِيْفٍ الزَّاهِدِ الشِّيْرازِيِّ (٢) في كِتابٍ لهُ، قالَ: ((اخْتَلَفَ النَّاسُ في أفْضلِ التَّابِعينَ، فأهلُ المدينةِ يَقُولُونَ: سَعِيدُ ابنُ الْمُسَيِّبِ، وأهلُ الكُوفَةِ يَقُولُونَ: أُوَيْسٌ القَرَنِيُّ (٣)، وأهلُ البصرَةِ يَقُولُونَ: الحَسَنُ البَصْرِيُّ)) (٤). وبَلَغَنا عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ قالَ: ((ليسَ أحَدٌ أكثَرَ فَتْوى مِنَ الحسَنِ، وعَطَاءٍ، يَعْنِي: مِنَ التَّابِعينَ)). وقالَ أيضاً: ((كانَ عَطَاءٌ مُفْتِي مَكَّةَ والحَسَنُ مُفْتِي البَصْرَةَ، فهَذانِ أكْثَرَ النَّاسُ (٥) عَنْهُم رأْيَهُمْ)). وبَلَغَنا عَنْ أبي بكرِ ابنِ أبي داودَ قالَ: ((سَيِّدَتا التَّابِعِينَ مِنَ النِّسَاءِ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيْرِيْنَ، وعَمْرَةُ بنتُ عبدِ الرَّحْمانِ، وثالُثُتُهما - وليْسَتْ كَهُما - أُمُّ الدَّرْدَاءِ)) (٦)، واللهُ أعلمُ. الخامِسةُ: رُوِّيْنا عَنِ الحَاكِمِ (٧) أبي عبدِ اللهِ قالَ: ((طَبَقَةٌ تُعَدُّ في التَّابِعِينَ ولَمْ يَصِحَّ سَماعُ أحَدٍ (٨) مِنْهُم مِنَ الصحابةِ، مِنْهُم: إبراهيمُ بنُ سُوَيْدٍ النَّخَعِيُّ الفقيهُ - وليسَ بإبراهيمَ بنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ الفقيهِ (٩) -، وبُكَيرُ بنُ أبي السَّمِيطِ (١٠)، وبُكَيرُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ

стр. 398

الأشَجِّ، وذَكَرَ غيرَهُمْ))، قالَ: ((وطَبقةٌ عِدادُهُمْ عِنْدَ الناسِ في أتْباعِ التَّابِعِينَ وقدْ لَقوا الصَّحابةَ، مِنْهُم: أبو الزِّنادِ عبدُ اللهِ بنُ ذَكْوانَ لَقِيَ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ وأنَساً، وهِشامُ بنُ عُرْوَةَ وقدْ أُدْخِلَ عَلَى عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وموسَى بنُ عُقْبَةَ، وقدْ أدْرَكَ أنسَ بنَ مالكٍ، وأمَّ خالِدِ بنتَ خالدِ بنِ سَعيدِ بنِ العاصِ)) (١)، وفي بعضِ ما قالَهُ مَقَالٌ. قُلْتُ: وقومٌ عُدُّوا مِنَ التَّابعينَ وهم مِنَ الصَّحابةِ، ومِنْ أعجبِ ذَلِكَ عَدُّ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ النُّعْمانَ وسُوَيْداً ابني (٢) مُقَرَّنٍ المزَنِيَّ في التَّابعينَ عِنْدَ ما ذكَرَ الإخوةَ مِنَ التَّابعينَ (٣) وهما صَحابِيَّانِ مَعْروفانِ مَذْكُورانِ في الصحابةِ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الْحَادِي والأرْبَعُونَ مَعْرِفَةُ الأكَابِرِ الرُّوَاةِ (٤) عَنِ الأصَاغِرِ (٥) ومِنَ الفَائدةِ فيهِ ألاَّ يُتَوَهَّمَ كَونُ المرْوِيِّ عنهُ أكبرَ أوْ أفضلَ مِنَ الراوي نَظَراً إلى أنَّ الأغلبَ كَوْنُ المرْوِيِّ عنهُ كذلكَ فيُجْهَلُ بذلكَ مَنْزِلَتُهما. وقدْ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالتْ: ((أمرَنا رسُولُ اللهِ ﷺ أنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلهمُ)) (٦).

стр. 399

ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى أضْرُبٍ: منها: أنْ يَكونَ الرَّاوي أكبَرَ سِنّاً وأقْدَمَ طَبَقةً مِنَ الْمَرْوِيِّ عنهُ، كالزُّهْرِيِّ، ويحيى ابنِ سعيدٍ الأنصارِيِّ، في روايَتِهما عَنْ مالِكٍ، وكأبي القاسِمِ عُبَيْدِ اللهِ (١) بنِ أحمدَ الأزْهَرِيِّ - مِنَ المتَأَخِّرينَ، أحَدِ شُيُوخِ الخطيبِ - رَوَى عَنِ الخطيبِ في بعضِ تَصَانِيفِهِ، والخطيبُ إذْ ذاكَ في عُنْفُوانِ شَبَابِهِ وطَلَبِهِ. ومنها أنْ يَكُونَ الرَّاوي أكبَرَ قَدْراً مِنَ المَرْوِيِّ عنهُ بأنْ يَكونَ حافِظاً عالِماً والمَرْوِيُّ عنهُ شَيخاً راوِياً فَحَسْبُ، كمالِكٍ في روايتِهِ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، وأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، وإسْحاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ في روايَتِها عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (٢) بنِ مُوْسَى (٣)، في أشباهٍ لِذَلِكَ كَثيرَةٍ. ومنها: أنْ يَكونَ الرَّاوِي أكبرَ مِنَ الوَجْهَينِ جَمِيعاً، وذلكَ كَرِوايةِ كثيرٍ مِنَ العُلَماءِ والحُفَّاظِ عَنِ أصْحابِهِمْ وتَلاَمِذَتِهِمْ، كَعَبْدِ الغَنِيِّ الحافِظِ في روايتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ الصُّوْرِيِّ (٤) وكَرِوايةِ أبي بكرٍ البَرْقانيِّ عنْ أبي بكرٍ الخطيبِ، وكروايةِ الخطيبِ عنْ أبي نَصْرِ بنِ ماكولا، ونظائِرُ ذلكَ كثيرةٌ. وينْدَرِجُ تحتَ هذا النوعِ ما يُذكَرُ مِنْ رِوايةِ

стр. 400

الصَّحابِيِّ عَنِ التَّابِعِيِّ، كرِوايةِ العَبادِلَةِ وغَيرِهِمْ (١) مِنَ الصَّحابَةِ عَنْ كَعْبِ الأحبَارِ. وكذلكَ روايةُ التَّابِعيِّ عَنْ تابِعِ التَّابِعِ، كما قَدَّمناهُ مِنْ روايةِ الزُّهْرِيِّ والأنصَارِيِّ عَنْ مالِكٍ، وكَعَمْرِو بنِ شُعَيْبِ (٢) بنِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ لَمْ يَكُنْ مِنَ التَّابِعِينَ، وَرَوَى عنهُ أكْثَرُ مِنْ عِشْرينَ نَفْساً مِنَ التَّابِعينَ جَمَعَهمْ عبدُ الغَنِيِّ بنُ سَعيدٍ الحافِظُ في كُتَيِّبٍ لهُ. وقرأْتُ بخَطِّ الحافِظِ أبي مُحَمَّدٍ (٣) الطَّبَسِيِّ (٤) في تخريجٍ لهُ قالَ: ... ((عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ ليسَ بتَابِعِيٍّ وقدْ رَوَى عنهُ نَيِّفٌ وسَبْعُونَ رَجُلاً مِنَ التَّابِعينَ)) (٥)، واللهُ أعلمُ.

стр. 401

النَّوْعُ الثَّانِي والأَرْبَعُونَ مَعْرِفَةُ الْمُدَبَّجِ (١) ومَا عَدَاهُ (٢) مِنْ رِوَايَةِ الأقْرَانِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ

стр. 402

وَهُمُ المتَقَارِبُونَ في السِّنِّ والإسْنادِ. ورُبَّما اكْتَفَى الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ فيهِ بالتَّقارُبِ في الإسنادِ، وإنْ لَمْ يوجَدْ التقارُبُ في السِّنِّ (١). اعْلَمْ أنَّ رِوايَةَ القَرِينِ عَنِ القَرِيْنِ تَنْقَسِمُ: فَمِنْها الْمُدَبَّجُ، وهوَ أنْ يَرْوِيَ القَرِينانِ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما عَنِ الآخَرِ. مِثَالُهُ في الصَّحَابةِ: عائشَةُ وأبو هُرَيرةَ رَوَى كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما عَنِ الآخَرِ. وفي التَّابعينَ: رِوايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ وروايةُ عمرَ عنِ الزهريِّ. وفي أتباعِ التابعينَ: روايةُ مالكٍ عنِ الأوزاعيِّ، وروايةُ الأوزاعيِّ عنْ مالكٍ. وفي أتباعِ الأتباعِ: روايةُ (٢) أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ عنْ عليِّ بنِ المدينيِّ وروايةُ عليٍّ عنْ أحمدَ. وذكرَ الحاكمُ في هذا روايةَ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ عنْ عبدِ الرزاقِ، وروايةَ عبدِ الرزاقِ عنْ أحمدَ (٣) وليسَ هذا بمرضيٍّ. ومنها غيرُ المدبَّجِ (٤)، وهوَ أن يرويَ أحدُ القرينَينِ عَنِ الآخَرِ ولايرويَ الآخرُ عنهُ فيما نعلمُ. مثالُهُ: روايةُ سليمانَ التَّيْمِيِّ عن مِسْعَرٍ (٥)، وهما قرينانِ، ولانعلمُ لِمسْعَرٍ روايةً عنِ التَّيْمِيِّ. ولذلكَ أمثالٌ كثيرةٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 403

النَّوْعُ الثَّالِثُ والأَرْبَعُوْنَ مَعْرِفَةُ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ مِنَ العُلَمَاءِ وَالرُّوَاةِ (١) وذَلِكَ إحدى مَعَارِفِ أهْلِ الحدِيْثِ الْمُفْرَدَةِ بالتَّصْنِيفِ. صَنَّفَ فيها عَلِيُّ بنُ المدينيِّ، وأبو عبدِ الرَّحْمَانِ النَّسَوِيُّ (٢) وأبو العبَّاسِ السَّرَّاجُ (٣) وغَيْرُهُمْ. فَمِنْ أَمْثِلَةِ الأخَوَيْنِ مِنَ الصَّحَابةِ: عبدُ اللهِ بنُ مَسْعودٍ، وعُتبةُ بنُ مَسْعُودٍ هما أَخَوانِ. زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ويَزِيْدُ بنُ ثابِتٍ أخَوَانِ. عَمْرُو بنُ العاصي (٤) وهِشَامُ بنُ العاصِي أخَوانِ (٥). ومِنَ التَّابِعينَ (٦): عَمْرُو بنُ شُرَحْبِيْلَ أبو مَيْسَرةَ، وأخُوهُ أرقَمُ بنُ شُرَحْبِيْلَ، كِلاهُما مِنْ أفَاضِلِ أصْحابِ ابنِ مَسعودٍ. هُزَيْلُ بنُ شُرَحْبِيلَ وأرْقَمُ بنُ شُرَحْبِيلَ أخَوَانِ آخَرَانِ مِنْ أصْحابِ ابنِ مَسْعُودٍ (٧) أيضاً. ومِنْ أمْثِلَةِ ثَلاَثَةِ الإِخوَةِ: سَهْلٌ، وعَبَّادٌ، وعُثْمانُ، بَنُو حُنَيْفٍ (٨) إخْوَةٌ ثَلاَثَةٌ. عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، وعُمَرُ، وشُعَيْبٌ، بَنُو شُعَيْبِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصي إخْوَةٌ ثَلاثةٌ.

стр. 404

ومِنْ أمْثِلَةِ الأرْبَعَةِ: سُهَيْلُ بنُ أبي صالحٍ السَّمَّانِ (١) الزَّيَّاتِ (٢)، وإخْوَتُهُ: عبدُ اللهِ - الذي يُقالُ لهُ: عَبَّادٌ -، ومُحَمَّدٌ، وصَالِحٌ. ومِنْ أمْثِلَةِ الْخَمْسَةِ (٣): ما نَرْوِيْهِ عَنِ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ، قالَ سَمِعْتُ أبا عليٍّ الحسَيْنَ بنَ عليٍّ الحافِظَ غيرَ مَرَّةٍ يَقُولُ: ((آدَمُ بنُ عُيَيْنَةَ، وعِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، ومُحَمَّدُ بنُ عُيَيْنَةَ، وسُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، وإبْرَاهِيمُ بنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثُوا عَنْ آخِرِهِمْ)) (٤). ومِثَالُ السِّتَّةِ (٥): أوْلادُ سِيْرِيْنَ سِتَّةٌ تَابِعِيُّونَ وَهُمْ: مُحَمَّدٌ، وأَنَسٌ، ويَحْيَى، ومَعْبَدٌ، وحَفْصَةُ، وكَرِيمةُ، ذَكَرَهُمْ هَكَذا أبو عبدِ الرَّحْمانِ النَّسَوِيُّ ونَقَلْتُهُ مِنْ كِتابِهِ بخطِّ الدَّارَقُطنيِّ - فيما أحسِبُ -. ورُوِيَ ذَلِكَ أيضاً عَنْ يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ، وهَكَذا ذَكَرَهُمْ الحاكِمُ في كِتابِ " المعرفةِ " (٦) لكِنْ ذَكَرَ فيما نَرْوِيْهِ مِنْ " تارِيخِهِ " بإسْنادِنا عنهُ أنَّهُ سَمِعَ أبا عليٍّ الحافِظَ يَذْكُرُ بَنِي سِيْرِيْنَ خَمْسَةَ إخْوَةٍ، مُحَمَّدُ بنُ سِيْرِيْنَ (٧)، وأَكْبَرُهُمْ مَعْبَدُ بنُ سِيْرِيْنَ، ويَحْيَى بنُ سِيْرِيْنَ، وخالِدُ بنُ سِيْرِيْنَ (٨)، وأنَسُ بنُ سِيْرِيْنَ، وأصْغَرُهُمْ حَفْصَةُ بنتُ سِيْرِيْنَ. قُلْتُ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ (٩)، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ: أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: ((لَبَّيْكَ حَقّاً حَقّاً تَعَبُّداً ورِقّاً)) (١٠).

стр. 405

وهذهِ غَريبةٌ عَايَا بها بعضُهُمْ فقالَ: أيُّ ثَلاَثَةِ إخْوَةٍ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ؟. ومِثَالُ السَّبْعَةِ (١): النُّعْمانُ بنُ مُقَرِّنٍ، وإخْوَتُهُ مَعْقِلٌ، عَقِيْلٌ، وسُوَيْدٌ، وسِنانٌ، وعَبْدُ الرَّحمانِ، وسَابِعٌ لَمْ يُسَمَّ لنا (٢)، بَنُو مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّونَ سَبْعَةُ إخْوَةٍ هاجَرُوا وصَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، ولَمْ يُشَارِكْهُمْ (٣) - فِيْمَا ذَكَرَهُ ابنُ عبدِ البرِّ (٤) وجماعَةٌ - في هذهِ المكرُمَةِ غيرُهُمْ. وقَدْ قيلَ: إنَّهُمْ شَهِدُوا الخنْدَقَ كُلُّهُمْ (٥). وقَدْ يَقَعُ في الإخْوَةِ ما فيهِ خِلافٌ في مِقْدارِ عَدَدِهِمْ. ولَمْ نُطَوِّلْ بِمَا زادَ عَلَى (٦) السَّبْعَةِ لِنَدْرَتِهِ ولِعَدَمِ الحاجَةِ إليهِ في غَرَضِنا هاهنا (٧)، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الرَّابِعُ والأرْبَعُونَ مَعْرِفَةُ رِوَايَةِ الآبَاءِ عَنِ الأبْناءِ (٨)

стр. 406

ولِلْخَطيبِ الحافِظِ في ذَلِكَ كِتابٌ (١) رُوِّينا فيهِ عنِ العبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ عَنِ ابنهِ الفضلِ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ((جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَينِ بِالْمُزْدَلِفةِ)) (٢). ورُوِّيْنا فيهِ عَنْ وائِلِ بنِ داودَ، عَنِ ابنِهِ بكرِ بنِ وائلٍ - وهُما ثِقَتانِ (٣) - أحاديثَ منها عَنِ ابنِ عُيَينةَ، عَنْ وائِلِ بنِ داودَ، عَنِ ابنِهِ بكرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعيدِ بنِ المسَيِّبِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : ((أخِّرُوا الأحْمالَ فإنَّ اليَدَ مُعَلَّقَةٌ (٤) والرِّجْلَ مُوْثَقَةٌ)) (٥). قالَ الخطيبُ: ((لا يُرْوَى عَنِ النبيِّ ﷺ فيما نعلمُهُ إلاَّ مِنْ جِهَةِ بكرٍ وأبيهِ)).

стр. 407

_________ = - وأخرجه أبو طاهر المخلّص في فوائده ل (٩ / ب) و (١٨٨ / أ)، وأبو القاسم ابن الجراح في المجلس السابع من أماليه ٢/ ١، وأبو محمد المخلدي في فوائده (٢٨٥/ ١ / ٢) عن وائل ابن داود، عن ابنه بكر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعاً. كما في السلسلة (١١٣٠) والتعليقات على المقنع ٢/ ٥٣٥. - وروي عن سفيان بن عيينة، فاختلف عليه فيه: فأخرجه أبو داود في المراسيل (٢٩٤) من طريق أحمد ابن عبدة، عن سفيان، عن وائل أو بكر - هكذا على الشك - عن الزهري مرسلاً. - ورواه من سبق في الفقرة الثانية على ذلك النحو عن سفيان، من طريق عبد الله بن عمران العابدي عن سفيان به. - قلنا: العابدي هذا ذكره ابن حبان في ثقاته ٨/ ٣٦٣، وقال: ((يخطئ ويخالف)) وعلى هذا فليس هو ممن لا يحتمل تفرده بوصل هذا الحديث، فإن في حفظه شيئاً، زيادة على أنه قد خالف أحمد بن عبدة الثقة (تقريب التهذيب ٧٤) الذي رواه عن سفيان مرسلاً. ثم إن ابن عيينة من المكثرين المشهورين بكثرة تلامذته، فَلِمَ ينفرد بوصل هذه السنة العزيزة العابديُّ هذا دون عامة أصحاب سفيان؟ لذا قال البزار - وإليه المفزع في معرفة المفاريد - بعد أن رواه (١٠٨١) من طريق قيس بإسنادين اثنين: ((لا نعلم روى بكر إلا هذا بهذا الإسناد)). وقال الطبراني: ((لَمْ يروه عن الزهري إلا بكر)). - وطريق قيس بن ربيع ضعيف بسبب ضعفه، قال الحافظ في التقريب (٥٥٧٣): ((صدوق، تغير لمَّا كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به)). وانظر: تهذيب الكمال ٦/ ١٣٣ (٥٤٩٢)، لذا قال الهيثمي في المجمع ٣/ ٢١٦ بعد أن نسبه إلى البزار والطبراني في الأوسط: ((وفيه قيس بن ربيع، وثَّقه شعبة والثوري، وفيه كلام))، وقال في ٨/ ١٠٩ بعد نسبته إلى أبي يعلى: ((وفيه الحسين بن علي بن الأسود وقيس بن الربيع، وقد وثِّقا وفيهما ضعف)). - فمن هذا يتبين أن المحفوظ رواية أحمد بن عبدة، عن الزهري مرسلاً، ولذا قال الإمام الترمذي في علله الكبير (٧٠٦): ((سألت محمداً عن هذا الحديث فلم يعرفه، وقال: أنا لا أكتب حديث قيس بن الربيع، ولا أروي عنه)). وضعَّف إسناده البيهقي في الكبرى ٦/ ١٢٢. وبهذا يظهر خطأ العلامة محدث الشام الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ بتصحيحه الحديث في صحيح الجامع (٢٢٨)، وفي الصحيحة (١١٣٠). - وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب ﵁ موقوفاً عليه، أخرجه البيهقي في الكبرى ٦/ ١٢١ - ١٢٢. وبه يتقوَّى القول بضعف رواية من وصله مرفوعاً، والله أعلم.

стр. 408

ورُوِّيْنا فيهِ عَنْ مُعْتَمِرِ بنِ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي أبي، قالَ: حَدَّثَتْنِي أنتَ عَنِّي عَنْ أيُّوبَ، عَنِ الحسَنِ، قالَ: وَيْحٌ (١): كَلِمَةُ رَحْمَةٍ. وهذا ظَرِيفٌ (٢) يَجْمَعُ أنواعاً. ورُوِّيْنا فيهِ عَنْ أبي عُمَرَ حَفْصِ بنِ عُمَرَ الدُّوْرِيِّ الْمُقْرِئِ عَنِ ابنِهِ أبي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ حَفْصٍ سِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثاً أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أكثَرُ ما رُوِّيْناهُ (٣) لأبٍ، عنِ ابنِهِ. وآخِرُ (٤) ما رُوِّيْناهُ مِنْ هذا النَّوْعِ وأقْرَبُهُ عَهْداً ما حَدَّثَنِيهِ أبو الْمُظَفَّرِ عبدُ الرَّحِيمِ بنُ الحافِظِ أبي سَعْدٍ الْمَروزِيِّ بها - رَحِمَهُما اللهُ - مِنْ لَفْظِهِ قالَ: أنْبَأنِي والِدِي عَنِّي فيما قرأْتُ بِخَطِّهِ قالَ: حَدَّثَني وَلَدِي أبو الْمُظَفَّرِ عبدُ الرَّحيمِ مِنْ لَفْظِهِ وأصْلِهِ، فَذَكَرَ بإسْنادِهِ عَنْ أبي أُمامةَ: أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((أحْضِرُوا مَوائِدَكُمُ البَقْلَ، فإنَّهُ مَطْرَدَةٌ للشَّيْطانِ مَعَ التَّسْمِيَةِ)) (٥)!. وأمَّا الحديثُ الذي رُوِّيْناهُ عَنْ (٦) أبي بكرٍ الصِّدِّيْقِ، عَنْ عائِشَةَ، عَنْ رسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ((في الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ))، فَهُوَ غَلَطٌ مِمَّنْ رَوَاهُ (٧)، إنَّما هُوَ عَنْ أبي بكرِ بنِ أبي عَتِيقٍ، عَنْ عائِشَةَ (٨) وهوَ عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحمانِ بنِ أبي الصِّدِّيْقِ. وهَؤلاءِ (٩) هُمُ الذينَ قالَ فيهم موسى بنُ عُقْبَةَ:

стр. 409

((لا نَعرِفُ أربعةً أدْرَكُوا النبيَّ ﷺ هُمْ وأبْناؤُهُمْ إلاَّ هؤلاءِ الأربعةَ))، فَذَكَرَ أبا بكرٍ الصِّدِّيْقَ، وأباهُ، وابنَهُ عبدَ الرَّحْمانِ، وابنَهُ مُحَمَّداً أبا عَتِيقٍ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الْخَامِسُ والأرْبَعُونَ مَعْرِفَةُ رِوَايَةِ الأبْناءِ عَنِ الآبَاءِ (١) ولأبي نَصْرٍ الوَايلِيِّ (٢) الحافِظِ في ذَلِكَ كِتابٌ (٣) وأهَمَّهُ ما لَمْ يُسَمَّ فيهِ الأبُ أو الْجَدُّ، وهوَ نَوْعَانِ: أحَدُهُما: رِوايةُ الابنِ عَنِ الأبِ عَنِ الْجَدِّ، نحوُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ. ولهُ بهذا الإسْنادِ نُسْخَةٌ كَبيرَةٌ أكثَرُها فِقْهِيَّاتٌ جِيَادٌ (٤). وشُعَيبٌ هوَ ابنُ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ (٥). وقَدْ احْتَجَّ أكْثَرُ أهْلِ الحديْثِ (٦) بحديثِهِ حَمْلاً لِمُطْلَقِ الْجَدِّ فيهِ عَلَى الصَّحابِيِّ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ دُونَ ابنِهِ مُحَمَّدٍ والِدِ شُعَيبٍ ظَهَرَ لهم مِنْ إطْلاقِهِ (٧) ذَلِكَ.

стр. 410

ونَحْوُ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، رَوَى بهذا الإسْنَادِ نُسْخَةً كَبيرةً (١) حَسَنَةً، وجَدُّهُ هوَ مُعاوِيَةُ بنُ حَيْدَةَ القُشَيْرِيُّ (٢). وطَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ (٣)، عَنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وجَدُّهُ عَمْرُو بنُ كَعْبٍ اليَامِيُّ (٤)، ويُقالُ: كَعْبُ بنُ (٥) عَمْرٍو. ومِنْ أطْرَفِ (٦) ذَلِكَ (٧)، رِوايةُ أبي الفَرَجِ عبدِ الوهابِ التَّمِيْمِيِّ الفقيهِ الحنْبَلِيِّ. وكانَتْ لهُ ببغْدادَ في جامِعِ المنصُورِ حَلْقَةً للوَعْظِ والفتوَى - عَنْ أبيهِ في تِسْعَةٍ مِنْ آبائِهِ نسَقاً، أخْبَرَنِي بذلكَ الشَّيْخُ أبو الحسَنِ مُؤَيّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عليٍّ النَّيْسَابُورِيُّ بِقِرَاءَتِي عليهِ بها، قالَ: أخبَرَنا أبو مَنْصُورٍ عبدُ الرَّحمانِ بنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْبانِيُّ في كِتابِهِ إلينا، قالَ: أخبَرَنا الحافِظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ، قالَ: حَدَّثَنا عبدُ الوهابِ بنُ عبدِ العزِيزِ بنِ الحارِثِ بنِ أسَدِ بنِ اللَّيْثِ بنِ سُلَيْمانَ بنِ الأسْوَدِ بنِ سُفْيانَ بنِ يَزِيْدَ بنِ أُكَيْنَةَ بنِ عبدِ اللهِ التَّمِيْمِيُّ مِنْ لَفْظِهِ قالَ: سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ أبي يَقُولُ، سَمِعْتُ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ، وقَدْ سُئِلَ عَنِ الحنَّانِ المنَّانِ، فقالَ: ((الحنَّانُ الذي يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أعْرضَ عنهُ، والمنَّانُ الذي يَبْدَأُ بالنَّوالِ قبلَ السُّؤَالِ)) (٨). آخِرُهُمْ أُكَيْنةُ - بالنُّونِ - وهوَ السَّامِعُ عليّاً ﵁. حَدَّثَني أبو الْمُظَفَّرِ عبدُ الرَّحِيمِ ابنُ الحافِظِ أبي سَعْدٍ السَّمعانِيِّ بمرْوِ الشَّاهجانِ عَنْ أبي النَّضَرِ (٩) عَبْدِ الرَّحمانِ بنِ عبدِ الجبَّارِ

стр. 411

الفَامِيِّ (١)، قالَ: سَمِعْتُ السَّيِّدَ أبا القَاسِمِ مَنْصُورَ بنَ مُحَمَّدٍ العَلَوِيَّ، يقُولُ: الإسْنادُ بعضُهُ عَوَالٍ وبعضُهُ مَعالٍ. وقَوْلُ الرَّجُلِ: ((حَدَّثَني أبي عنْ جَدِّي)) مِنَ المعَالِي (٢). الثَّاني: روايةُ الابنِ عَنْ أبيهِ دونَ الْجَدِّ وذلكَ بابٌ واسِعٌ، وهوَ نحوُ روايةِ أبي العُشَرَاءِ (٣) الدَّارميِّ عَنْ أبيهِ، عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ وحديثُهُ معروفٌ (٤). وقَدِ اختَلَفُوا فيهِ، فالأشْهَرُ أنَّ أبا العُشَرَاءِ هوَ أسَامةُ بنُ مالِكٍ بنِ قِهْطَمٍ، وهوَ فيما نقلْتُهُ منْ خَطِّ البَيْهَقِيِّ وغيرِهِ بكسرِ القافِ، وقيلَ: قِحْطَمٌ - بالحاءِ (٥) - وقيلَ: هوَ عُطَارِدُ بنُ بَرْزٍ - بتسكينِ الرَّاءِ -، وقيلَ: بتحريكِهَا أيضاً، وقيلَ: ابنُ بَلْزٍ (٦) - باللامِ -، وفي اسْمِهِ واسْمِ أبيهِ مِنَ الخِلافِ غيرُ ذَلِكَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 412

النَّوْعُ السَّادِسُ والأَرْبَعُونَ مَعْرِفَةُ مَنِ اشْتَرَكَ في الرِّوَايَةِ عَنْهُ رَاوِيَانِ (١) مُتَقَدِّمٌ وَمُتَأَخِّرٌ تَبَايَنَ (٢) وَقْتُ وَفَاتَيْهِما تَبَايُناً شَدِيْداً فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا أَمَدٌ بَعِيْدٌ وإنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا غَيْرَ مَعْدُودٍ مِنْ مُعَاصِرِي الأَوَّلِ وَذَوِي طَبَقَتِهِ (٣) ومِنْ فَوائدِ ذَلِكَ تَقْرِيرُ حَلاوَةِ عُلُوِّ الإسْنادِ في القُلُوبِ. وقَدْ أفْرَدَهُ الخطيبُ الحافِظُ في كِتابٍ حَسَنٍ سَمَّاهُ كِتابَ: " السَّابِقِ واللاَّحِقِ ". ومِنْ أمثَلتِهِ أنَّ مُحَمَّدَ بنَ إسْحَاقَ الثَّقَفِيَّ السَّرَّاجَ النَّيْسَابُوريَّ رَوَى عنهُ البُخَارِيُّ الإمامُ في " تاريخِهِ " ورَوَى عنهُ أبو الحسِيْنِ (٤) أحمدُ بنُ مُحَمَّدٍ الخفَّافُ (٥) النَّيْسَابُوريُّ وبَيْنَ وفَاتَيْهِما مئةٌ وسبعٌ وثلاثُونَ سَنَةً أو أكْثَرُ، وذَلِكَ أنَّ البُخَارِيَّ ماتَ سَنَةَ سِتٍّ وخَمْسِينَ ومِئَتَينِ، وماتَ الخفَّافُ سَنَةَ ثَلاثٍ وتِسْعِيْنَ وثلاثِ مئةٍ، وقيلَ: ماتَ في سنةِ أربعٍ أوْ خمسٍ وتِسعينَ وثلاثِ مئةٍ (٦). وكذلكَ مالِكُ بنُ أنَسٍ الإمامُ: حَدَّثَ عنهُ الزُّهْرِيُّ وزَكَرِيّا بنُ دُوَيدٍ (٧) الكِنْدِيُّ وبَيْنَ وفَاتَيْهِما مِئةٌ وسَبْعٌ وثلاثُونَ سَنَةً أوْ أكْثَرُ إذْ

стр. 413

ماتَ مالِكُ بنُ أنَسٍ سنةَ تِسْعٍ وتسعينَ ومئةٍ، وماتَ الزُّهْرِيُّ سنةَ أربعٍ وعِشرينَ ومئةٍ. ولَقَدْ حَظِيَ مالِكٌ بكَثيرٍ مِنْ هذا النوعِ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ السَّابِعُ والأَرْبَعُونَ مَعْرِفَةُ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلاَّ رَاوٍ وَاحِدٌ (١) مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ (٢) ولِمُسْلِمٍ فيهِ كِتابٌ لَمْ أرَهُ (٣)، ومِثَالُهُ مِنَ الصَّحابةِ: وَهْبُ بنُ خَنْبَشٍ (٤) وهوَ في كِتَابَي الحاكِمِ وأبي نُعَيْمٍ الأصْبهانِيِّ في " معرفَةِ عُلُومِ الحديثِ ": هَرِمُ بنُ خَنْبَشٍ، وهوَ روايةُ دَاودَ الأوْدِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ وذلكَ خَطَأٌ صحابيٌّ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ الشَّعْبِيِّ. وكذلكَ عامِرُ بنُ شَهْرٍ، وعُرْوةُ بنُ مُضَرِّسٍ (٥)، ومُحَمَّدُ بنُ صَفْوانَ الأنْصَارِيُّ، ومُحَمَّدُ بنُ صيْفِيِّ الأنصارِيُّ (٦) - وليْسا بواحِدٍ وإنْ قالَهُ بعضُهُمْ - صَحابِيُّونَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُم غيرُ الشَّعْبِيِّ (٧). وانفرَدَ (٨) قيسُ بنُ أبي حازِمٍ بالروايةِ عَنْ أبيهِ. وعَنْ دُكَيْنِ بنِ سعيدٍ الْمُزَنِيِّ،

стр. 414

والصُّنَابِحِ (١) بنِ الأعْسَرِ، ومِرْدَاسِ (٢) بنِ مالِكِ الأسَلمِيِّ، وكُلُّهُمْ صَحابةٌ. وقُدَامةُ بنُ عبدِ اللهِ الكِلابيُّ مِنْهُم، لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ أيْمَنَ بنِ نابِلٍ. وفي الصَّحابةِ جَماعَةٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُم غيرُ أبنائِهِمْ، مِنْهُم: شَكَلُ (٣) بنُ حُمَيْدٍ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ ابنِهِ شُتَيْرٍ (٤)، ومِنْهُم الْمُسَيِّبِ بنُ حَزْنٍ (٥) القُرَشِيُّ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ ابنِهِ سَعيدِ بنِ المسَيِّبِ، ومُعَاوِيةُ بنُ حَيْدَةَ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ ابنِهِ حَكيمٍ والِدُ بَهْزٍ، وقُرَّةُ بنُ إياسٍ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ ابنِهِ مُعاوِيةَ، وأبو ليْلَى الأنصَارِيُّ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ ابنِهِ عبدِ الرَّحمانِ بنِ أبي لَيْلَى. ثُمَّ إنَّ الحاكِمَ (٦) أبا عبدِ اللهِ حَكَمَ في " المدخلِ إلى كِتابِ الإكلِيلِ " (٧) بأنَّ أحَداً مِنْ هذا القَبِيلِ لَمْ يُخَرِّجْ عنهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ في " صَحِيحهما "، وأُنْكِرَ ذَلِكَ عليهِ ونُقِضَ عليهِ بإخْراجِ (٨) البُخَارِيِّ في " صحيحهِ " حديثَ قيسِ بنِ أبي حازِمٍ عَنْ مِرْداسٍ الأسْلَمِيِّ: ((يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأوَّلُ فالأوَّلُ)) (٩)، ولا رَاوِيَ لهُ غيرُ قَيْسٍ. وبإخْرَاجِهِ بلْ بإخْرَاجِهِما حديثَ المسَيِّبِ بنِ حَزْنٍ في وَفَاةِ أبي طَالِبٍ (١٠) مَعَ أنَّهُ لا رَاوِيَ لهُ غيرُ ابنِهِ، وبإخْرَاجِهِ حديثَ الحسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بنِ تَغْلِبَ: ((إنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ والذي أدَعُ أحبُّ إليَّ)) (١١)، ولَمْ يَرْوِ عَنْ عَمْرٍو غيرُ الحسَنِ. وكَذَلِكَ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في

стр. 415

"صَحيحِهِ" حديثَ رافِعِ بنِ عَمْرٍو الغِفَارِيِّ، ولَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ عبدِ اللهِ بنِ الصَّامِتِ (١)، وحديثَ أبي رِفَاعةَ العَدَوِيِّ ولَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ حُمَيْدِ بنِ هِلاَلٍ العَدَوِيِّ (٢)، وحديثَ الأغَرِّ الْمُزَنِيِّ: ((إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي)) (٣)، ولَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ أبي بُرْدَةَ في أشْياءَ كَثِيْرَةٍ عِنْدَهُما في كِتابَيْهِما عَلَى هذا النَّحْوِ، وذَلِكَ دَالٌّ عَلَى مَصِيرِهِما إلى أنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَجْهُولاً مَرْدُوداً بِرِوايةِ واحِدٍ عنهُ، وقَدْ قَدَّمْتُ هذا في النَّوعِ الثَّالِثِ والعِشْرِينَ. ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْ أبي عُمَرَ بنِ عبدِ البرِّ الأندلسِيِّ وِجَادَةً، قالَ: ((كُلُّ مَنْ لَمْ يرْوِ عنهُ إلاَّ رَجُلٌ واحِدٌ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَجْهُولٌ إلاَّ أنْ يَكُونَ رَجُلاً مَشْهُوراً في غيرِ حَمْلِ العِلْمِ كاشْتِهارِ مالِكِ بنِ دِينارٍ بالزُّهْدِ، وعَمْرِو بنِ مَعْدِيْ كَرِبٍ بالنَّجْدَةِ)) (٤). واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ يُوجدُ في بعضِ مَنْ ذَكَرْنا تَفَرُّدُ راوٍ واحِدٍ عنهُ خِلافٌ في تَفَرُّدِهِ، ومِنْ ذَلِكَ قُدَامَةُ بنُ عبدِ اللهِ، ذَكَرَ ابنُ عبدِ البرِّ أنَّهُ رَوَى عنهُ أيضاً حُمَيْدُ بنُ كِلاَبٍ (٥)، واللهُ أعلمُ. ومِثَالُ هذا النَّوعِ في التَّابعينَ: أبو العُشَراءِ الدَّارِمِيُّ لَمْ يَرْوِ عنهُ - فيما نَعْلَمُ (٦) - غيرُ حَمَّادِ بنِ سَلَمةَ. ومَثَّلَ الحاكِمُ لهذا النَّوعِ في التَّابعينَ بـ: مُحَمَّدِ بنِ أبي سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ وذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ الزُّهْرِيِّ فِيْمَا يُعْلَمُ (٧)، قالَ: وكَذَلِكَ تَفَرَّدَ الزُّهْرِيُّ عَنْ نَيِّفٍ وعِشْرِينَ رَجُلاً مِنَ التَّابعينَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُم غيرُهُ، وكَذَلِكَ عَمْرُو بنُ دِيْنارٍ تَفَرَّدَ عَنْ جَماعةٍ مِنَ التَّابعينَ، وكَذَلِكَ يَحْيَى بنُ سَعِيْدٍ الأنْصَارِيِّ، وأبو إسْحاقَ السَّبِيْعِيُّ، وهِشَامُ بنُ عُرْوَةَ وغيرُهُمْ (٨)، وسَمَّى الحاكِمُ مِنْهُم في بعضِ المواضِعِ فيمَنْ تَفَرَّدَ عَنْهُم عَمْرُو بنُ

стр. 416

دينارٍ: عبدَ الرَّحمانِ بنَ مَعْبَدٍ، وعبدَ الرَّحمانِ بنَ فَرُّوخٍ (١)، وفِيْمَنْ تَفَرَّدَ عَنْهُم الزُّهْرِيُّ عَمْرَو بنَ أبانَ بنِ عُثْمانَ، وسِنانَ بنَ أبي سِنانٍ الدُّؤَلِيَّ. وفيْمَنْ تَفرَّدَ عنهُمْ يَحْيَى (٢): عبدَ اللهِ بنَ أنيسٍ الأنصاريَّ. ومثَّلَ في أتْباعِ التَّابِعينَ بالمِسْوَرِ بنِ رِفَاعةَ القُرَظِيِّ وذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَرْوِ عنهُ غيرُ مالِكٍ. وكذلكَ تَفَرَّدَ مالِكٌ عَنْ زُهَاءِ عَشَرةٍ مِنَ شُّيُوخِ المدينةِ (٣). قُلْتُ: وأخْشَى أنْ يَكُونَ الحاكِمُ في تَنْزِيلِهِ بَعضِ مَنْ ذَكَرَهُ بالْمَنْزِلَةِ التي جَعَلَهُ فيها، مُعْتَمِداً عَلَى الحِسْبانِ والتَّوَهُّمِ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الثَّامِنُ والأَرْبَعُوْنَ مَعْرِفَةُ مَنْ ذُكِرَ بأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ نُعُوْتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَظَنَّ مَنْ لاَ خِبْرَةَ لَهُ بِهَا أَنَّ تِلْكَ الأَسْمَاءَ أَو النُّعُوْتَ لِجَمَاعَةٍ مُتَفَرِّقِيْنَ (٤) هذا فنٌ عويصٌ والحاجةُ إليه حاقَّةٌ، وفيهِ إظهارُ (٥) تدليس المدلِّسينَ؛ فإنَّ أكثرَ ذلكَ إنما نَشَأَ منْ (٦) تَدليسهم. وَقَدْ صَنَّفَ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ الحافظُ المِصريُّ (٧) وغيُرُه في ذلكَ (٨). مثالُهُ: مُحَمَّدُ بنُ السَّائبِ الكلبيُّ صاحبُ التَّفسيرِ هوَ أبو النّضْرِ الذي رَوَى عنهُ

стр. 417

مُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ بنِ يَسارٍ حديثَ تَميمٍ الدَّاريِّ (١)، وَعديِّ بنِ بَدَّاءٍ (٢)، وهو حمَّادُ بنُ السائبِ الذي روى عنهُ أبو أسامةَ حديثَ: ((ذكاةُ كلِّ مَسْكٍ دِباغُهُ)) وهو أبو سعيدٍ الذي يروي عنهُ عَطيَّةُ العوْفيُّ التَّفسيرَ يُدَلِّسُ بهِ موهماً أنَّهُ أبو سعيدٍ الخُدْريُّ. ومثالُهُ أيضاً: سالِمٌ الرَّاوي عن أبي هُريرةَ وأبي سعيدٍ الخُدْريِّ وعائشةَ ﵃ هوَ سالِمٌ أبو عبد اللهِ المَدينيُّ، وهوَ سالِمٌ مَوْلَى مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحدَثَانِ (٣) النَّصْريِّ (٤)، وهوَ سالِمٌ مولَى شَدَّادِ بنِ الهادِ النَّصْرِيِّ، وهوَ في بعضِ الرِّواياتِ مُسَمًّى بـ: سالِمٍ مَوْلَى النَّصْرِيِّيْنَ، وفي بعضِها بـ: سالِمٍ مولَى الْمَهْرِيِّ، وهوَ في بَعْضِها سالِمٌ سَبَلاَنُ، وفي بعضِها أبو عبدِ اللهِ مولَى شَدَّادِ بنِ الهادِ، وفي بعضِها سالِمٌ أبو عبدِ اللهِ الدَّوْسِيُّ، وفي بعضِها سالِمٌ مولَى دَوْسٍ، ذكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ عبدُ الغنيِّ بنُ سَعيدٍ (٥). قُلْتُ: والخطيبُ الحافِظُ يَرْوِي في كُتُبهِ عَنْ أبي القاسِمِ الأزْهَرِيِّ، وعَنْ عُبيدِ اللهِ (٦) ابنِ أبي الفَتْحِ الفارِسِيِّ، وعَنْ عُبيدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ عُثمانَ الصَّيْرَفِيِّ، والجميعُ شَخْصٌ واحِدٌ مِنْ مَشَايخِهِ. وكذلكَ يَرْوِي عَنِ الحسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الخَلاَّلِ، وعنِ الحسَنِ بنِ أبي

стр. 418

طالبٍ، وعَنْ أبي مُحَمَّدٍ الخَلاَّلِ، والجميعُ عبارةٌ عَنْ واحِدٍ (١). ويَرْوِي أيضاً عَنْ أبي القاسِمِ التَّنُوخِيِّ (٢)، وعَنْ عليِّ (٣) بنِ الْمُحَسِّنِ (٤)، وعَنِ القَاضِي أبي القاسِمِ عليِّ بنِ الْمُحَسِّنِ التَّنُوخِيِّ، وعَنْ عليِّ بنِ أبي عليٍّ (٥) الْمُعَدَّلِ، والجميعُ شخصٌ واحِدٌ. ولهُ مِنْ ذَلِكَ الكثيرُ، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ التَّاسِعُ والأرْبَعُونَ مَعْرِفَةُ الْمُفْرَدَاتِ الآحَادِ مِنْ أسْمَاءِ الصَّحَابَةِ ورُوَاةِ الْحَدِيْثِ وَالعُلَمَاءِ وَأَلْقَابِهِمْ وكُنَاهُمْ (٦) هذا نوعٌ مَليحٌ عَزيزٌ (٧) يُوجَدُ في كُتُبِ الحفَّاظِ المصَنَّفَةِ في الرِّجالِ، مَجمُوعاً مُفَرَّقاً (٨) في أوَاخِرِ أبْوَابِها، وأُفْرِدَ أيضاً بالتَّصْنِيفِ، وكِتابُ أحمدَ بنِ هَارُونَ البِرْدِيجِيِّ البَرْذَعِيِّ الْمُتَرَجَمُ بـ" بالأسْماءِ المفردةِ " مِنْ أشْهَرِ كِتَابٍ في ذَلِكَ. ولَحِقَهُ في كَثِيرٍ منهُ اعْتِرَاضٌ واسْتِدْرَاكٌ مِنْ غيرِ واحِدٍ مِنَ الحفَّاظِ، مِنْهُم: أبو عبدِ اللهِ بنُ بُكَيْرٍ.

стр. 419

فَمِنْ ذَلِكَ ما وَقَعَ في كونِهِ ذَكَرَ أسماءً كثيرةً عَلَى أنَّها آحَادٌ وهيَ مَثَانٍ ومَثَالِثٌ. وأكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وعلى ما فَهِمْنا مِنْ شَرْطِهِ لا يلْزِمُهُ ما يُوجدُ مِنْ ذَلِكَ في غيرِ أسماءِ الصَّحابةِ والعُلَماءِ ورُوَاةِ الحديثِ، ومِنْ ذَلِكَ أفْرَادٌ ذَكَرَها اعْتُرِضَ عليهِ فيها بأنَّها ألْقَابٌ لا أسَامِي، منها: - الأجْلَحُ الكِنْدِيُّ، إنَّمَا هُوَ لَقَبٌ لِجَلَحَةٍ (١) كَانتْ بهِ، واسْمُهُ يَحْيَى، ويَحْيَى كَثيرٌ. - ومنها: صُغْدِيُّ (٢) بنُ سِنانٍ، اسْمُهُ عُمَرُ، وصُغْدِيٌّ لَقَبٌ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَهُمْ صُغَدِيٌّ غيرُهُ. وليسَ يَرِدُ هذا عَلَى ما ترجمْتُ بهِ هذا النَّوعَ، والحَقُّ أنَّ هذا فَنٌّ يَصْعُبُ الحُكْمُ فيهِ، والحاكِمُ فيهِ عَلَى خَطَرٍ مِنَ الخَطَأ والانْتِقَاضِ؛ فإنَّهُ حَصْرٌ في بابٍ واسِعٍ شَديدِ الانْتِشَارِ. فَمِنْ أمْثِلَةِ ذَلِكَ المسْتَفَادِةِ: - أجْمَدُ (٣) بنُ عُجَيَّانَ الْهَمْدَانِيُّ - بالجيمِ - صَحابيٌّ ذَكَرَهُ ابنُ يُونُسَ، وعُجَيَّانُ كُنَّا نَعْرِفُهُ بالتَّشْديدِ عَلَى وَزِنِ عُلَيَّانَ. ثُمَّ وَجدْتُهُ بخطِّ ابنِ الفُرَاتِ - وهوَ حُجَّةٌ - عُجْيَانَ - بالتَّخفيفِ - عَلَى وَزنِ سُفْيانَ. - أَوْسَطُ بنُ عَمْرٍو البَجَلِيُّ، تابِعِيٌّ. - تَدُومُ بنُ صُبْحٍ (٤) الكَلاَعيُّ عَنْ تُبَيْعِ بنِ عامِرٍ الكَلاَعيِّ، ويُقَالُ فيهِ: يَدُومُ - بالياءِ - وصَوابُهُ - بالتَّاءِ المثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ -. - جُبَيْبُ بنُ الحارِثِ صَحَابِيٌّ - بالجيمِ وبالباءِ الموحَّدَةِ المكرَّرَةِ. - جِيْلاَنُ بنُ فَرْوَةَ - بالجيمِ المكْسُورةِ - أبو الجَلْدِ (٥) الأخْبَارِيُّ تابعيٌّ. - الدُّجيْنُ بنُ ثابتٍ: - بالجيمِ مُصَغَّراً -.

стр. 420

- أبو الغُصْنِ، قيلَ: إنَّه جُحَا المعروفُ، والأصحُّ أنهُ غيرُهُ (١). - زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ (٢) التابعيُّ الكبيرُ (٣). - سُعَيْرُ بنُ الخِمْسِ (٤)، انْفَردَ في اسْمِهِ واسْمِ أبيهِ. - سَنْدَرٌ الْخَصِيُّ مَوْلَى زِنْبَاعِ الْجُذَامِيُّ لهُ صُحْبَةٌ (٥). - شَكَلُ بنُ حُمَيْدٍ الصَّحابِيُّ - بفَتْحَتَيْنِ -. - شَمْعُونُ بنُ زَيْدٍ أبو رَيْحانَةَ-بالشِّيْنِ المنقوطةِ والعَينِ المهملةِ، ويُقَالُ: بالغينِ المعجمةِ -. قالَ أبو سَعيدِ بنِ يُونُسَ: وهوَ عِنْدِي أصَحُّ، أحَدُ الصَّحَابةِ الفُضَلاءِ. - صُدَيُّ بنُ عَجْلانَ أبو أُمامَةَ الصَّحابِيُّ. - صُنَابِحُ بنُ الأعْسَرِ الصَّحَابِيُّ، ومَنْ قالَ فيهِ: صُنابِحِيٌّ فَقَدْ أخْطأَ (٦). - ضُرَيْبُ بنُ نُقَيْرِ بنِ سُمَيْرٍ - بالتَّصْغِيْرِ - فيها كُلُّها، أبو السَّلِيْلِ (٧) القَيْسِيُّ البَصْريُّ، رَوَى عَنْ مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ وغيرِها، ونُقَيْرٌ أبوهُ - بالنُّونِ والقافِ - وقيلَ: بالفاءِ واللامِ: نُفَيْلٌ. - عَزْوانُ بنُ زَيْدٍ الرَّقَاشِيُّ - بعينٍ غيرِ مُعجمةٍ، عَبْدٌ صَالِحٌ تَابِعِيٌّ (٨). - قَرثَعٌ الضَّبِّيُّ - بالثَّاءِ المثَلَّثةِ -. - كَلَدَةُ بنُ حَنْبَلٍ - بفتحِ اللاَّمِ - صَحابِيٌّ.

стр. 421

- لُبَيُّ بنُ لَبَا الأسدِيُّ الصَّحابِيُّ - باللاَّمِ فيهما، والأوَّلُ مُشَدَّدٌ مُصَغَّرٌ عَلَى وِزَانِ أُبَيٍّ، والثَّاني مُخَفَّفٌ مُكَبَّرٌ عَلَى وَزْنِ عَصًا - فاعْلِمْهُ فإنَّهُ يُغْلَطُ فيهِ. - مُسْتَمِرُّ بنُ الرَّيَّانِ، رَأَى أنَساً (١). - نُبَيْشَةُ الخَيْرِ (٢)، صَحَابِيٌّ. - نَوْفٌ البِكَالِيُّ (٣)، تَابِعِيٌّ، مِنْ بِكَالٍ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرٍ - بكسرِ الباءِ وتخفيفِ الكَافِ، وغَلَبَ عَلَى ألسِنَةِ أهلِ الحديثِ فيهِ فَتْحُ الباءِ وتَشْدِيْدُ الكافِ. - وَابِصَةُ بنُ مَعْبَدٍ الصَّحَابِيُّ. - هُبَيْبُ بنُ مُغْفِلٍ، مصغَّرٌ - بالباءِ الموحَّدةِ المكرَّرةِ - صَحابِيٌّ، ومُغْفِلٌ - بالغينِ المنقُوطَةِ السَّاكِنةِ -. - هَمَذَانُ - بَرِيْدُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ -: ضَبَطَهُ ابنُ بُكَيْرٍ وغيرُهُ -بالذَّالِ المعجمةِ-، وضَبَطَهُ بعضُ مَنْ ألَّفَ عَلَى كِتابِ البِرْدِيْجِيِّ - بالدَّالِ المهملَةِ وإسكانِ الميمِ -. وأمَّا الكُنى الْمُفْرَدَةُ، فمِنها: - أبو العُبَيْدَيْنِ - مُصَغَّرٌ مُثَنًّى - واسمُهُ: معاويةُ بنُ سَبْرَةَ (٤) منْ أصحابِ ابنِ مسعودٍ، لهُ حديثانِ أو ثلاثةٌ. - أبو العُشَراءِ الدَّارِميُّ، وقدْ سَبَقَ. - أبو الْمُدِّلَّةِ - بكسرِ الدَّالِ المهملةِ وتشديدِ اللامِ (٥)، ولَمْ يُوقَفُ عَلَى اسْمِهِ، رَوَى عنهُ الأعمشُ وابنُ عُيَيْنَةَ وجماعَةٌ، ولا نَعْلَمُ أحَداً تابَعَ أبا نُعَيْمٍ الحافظَ في قَولِهِ (٦):

стр. 422

إنَّ اسْمَهُ: عُبَيْدُ اللهِ (١) بنُ عبدِ اللهِ المدَنِيُّ (٢). - أبو مُرَايَةَ العِجْلِيُّ، عَرَفْناهُ بضمِّ الميمِ وبعدَ الألِفِ ياءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تحتُ واسْمُهُ: عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، تابِعِيٌّ، رَوَى عنهُ قَتَادَةُ. -أبو مُعَيْدٍ- مُصَغَّرٌ، مخَفَّفُ الياءِ -حَفْصُ بنُ غَيْلانَ الْهَمْدانِيُّ، عَنْ مَكْحُولٍ وغيرِهِ. وأمَّا الأفْرَادُ مِنَ الألْقَابِ فَمِثَالُها: - سَفِيْنَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الصَّحَابةِ، لَقَبٌ (٣) فَرْدٌ، واسْمُهُ: مِهْرانُ عَلَى خِلافٍ فيهِ. - مِنْدَلُ (٤) بنُ عليٍّ، وهوَ بكسرِ الميمِ (٥) عَنِ الخطيبِ وغيرِهِ، ويقُولُونَهُ كثيراً بفتْحِها، وهوَ لَقَبٌ، واسْمُهُ: عَمْرٌو. - سُحْنُونُ (٦) بنُ سعيدٍ التَّنوخِيُّ القَيْرَوانِيُّ - صاحِبُ " المدوَّنَةِ " - عَلَى مَذْهَبِ مالِكٍ، لَقَبٌ فَرْدٌ، واسْمُهُ: عبدُ السَّلامِ. - ومِنْ ذَلِكَ مُطَيَّنٌ (٧) الحضْرَمِيُّ.

стр. 423

- ومُشْكُدَانَةُ (١) الْجُعْفِيُّ في جَماعَةٍ آخَرِينَ سَنَذْكُرُهُمْ في نوعِ الألْقَابِ - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى -، واللهُ أعلمُ. النَّوْعُ الْمُوَفِّي خَمْسِيْنَ مَعْرِفَةُ الأَسْمَاءِ وَالكُنَى (٢) كُتُبُ الأسْماءِ والكُنَى كَثِيرةٌ، منها: كِتابُ عليِّ بنِ المدينيِّ، وكِتابُ مُسْلِمٍ، وكِتابُ النَّسائيِّ، وكِتابُ الحاكِمِ الكبيرِ أبي أحمدَ الحافِظِ، ولابنِ عبدِ البرِّ في أنواعٍ منهُ كُتُبٌ لَطِيفةٌ رائِقَةٌ (٣). والمرادُ بهذهِ التَّرْجمةِ بيانُ أسْماءِ ذَوِي الكُنَى. والمصنِّفُ في ذَلِكَ يُبَوِّبُ كِتابَهُ عَلَى الكُنَى مُبَيِّناً أسْماءَ أصْحابِها. وهذا فَنٌّ مَطْلُوبٌ لَمْ يَزَلْ أهلُ العِلْمِ بالحديثِ يُعْنَونُ بهِ ويَتَحَفَّظُونَهُ ويَتَطَارَحُونَهُ فيما بَيْنَهُمْ ويَتَنَقَّصُونَ (٤) مَنْ جَهِلَهُ وقدْ ابْتَكَرْتُ فيهِ تَقْسِيماً حَسَناً، فأقُولُ: أصْحَابُ الكُنَى فيها عَلَى ضُرُوبٍ: أحَدُها: الذِينَ سُمُّوا بالكُنَى فأسْماؤُهُمْ كُناهُمْ لا أسْماءَ لهُمْ غيرُها، ويَنْقَسِمُ هَؤُلاءِ (٥) إلى قِسْمَينِ: أحَدُهُما: مَنْ لهُ كُنيةٌ أخْرَى سِوَى الكُنْيَةِ التي هيَ اسْمُهُ، فَصَارَ كأنُّ للكُنِيةِ كُنيةً،

стр. 424

وذَلِكَ طريفٌ عَجيبٌ (١). هذا كأبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمانِ (٢) بنِ الحارِثِ بنِ هِشَامٍ المخْزُومِيِّ أحَدِ فُقَهَاءِ المدينةِ السَّبْعةِ وكانَ يُقَالُ لهُ: ((راهِبُ قُرَيْشٍ))، اسْمُهُ: أبو بَكْرٍ، وكُنْيَتُهُ: أبو عبدِ الرَّحمانِ. وكذلكَ أبو بكرِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ (٣) عَمْرِو بنِ حَزْمٍ الأنْصَاريُّ، يُقَالُ: إنَّ اسْمَهُ: أبو بكرٍ، وكُنْيَتُهُ: أبو مُحَمَّدٍ، ولا نَظِيْرَ لِهَذَينِ في ذَلِكَ، قالَهُ الخطيبُ. وقَدْ قيلَ: إنَّهُ لا كُنيةَ لابنِ حَزْمٍ (٤) غيرُ الكُنيةِ التي هيَ (٥) اسْمُهُ. الثَّاني مِنْ هَؤُلاءِ: مَنْ لا كُنْيَةَ لهُ غيرُ الكُنيةِ التي هيَ اسْمُهُ. مِثَالُهُ: أبو بِلالٍ الأشْعَرِيُّ الرَّاوي عَنْ شَرِيْكٍ وغيرِهِ، رُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: ليسَ لي اسْمٌ؛ اسْمِي وكُنْيَتِي واحِدٌ (٦). وهَكَذا أبو حَصِيْنِ بنُ يَحْيَى بنِ سُلَيْمانَ الرَّازِيُّ -بفتحِ الحاءِ-. روَى عنهُ جَماعَةٌ مِنْهُم: أبو حاتِمٍ الرَّازيُّ، وسَأَلَهُ: هَلْ لكَ اسمٌ؟ فقَالَ: لا، اسْمِي وكُنْيَتِي واحِدٌ (٧). الضَّرْبُ الثَّانِي: الذِينَ عُرِفُوا بِكُناهُمْ ولَمْ يُوقَفْ عَلَى أسْمائِهِمْ ولا عَلَى حالِهِمْ فيها، هلْ هي (٨) كُناهُمْ أوْ غيرُها؟ مِثَالُهُ مِنَ الصَّحَابةِ: - أبو أُنَاسٍ -بالنُّونِ- الكِنانِيُّ، ويُقَالُ: الدِّيْلِيُّ (٩) مِنْ رَهْطِ أبي الأسْودِ الدِّيْلِيِّ، ويُقَالُ فيهِ: الدُّؤَلِيُّ - بالضَّمِّ والهمزةُ مفتوحَةٌ - في النَّسَبِ عِنْدَ بعضِ أهلِ العربِيَّةِ، ومَكْسُورَةٌ عِنْدَ بعضِهِمْ عَلَى الشُّذُوذِ فيهِ (١٠).

стр. 425

- وأبو مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . - وأبو شَيْبَةَ الْخُدْرِيُّ الذي ماتَ في حِصَارِ القُسْطَنْطِيْنِيَّةِ ودُفِنَ هُنَاكَ مَكانَهُ. ومِنْ غيرِ الصَّحَابةِ: - أبو الأَبْيَضِ الرَّاوِي عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ (١). - أبو بكرِ بنُ نافِعٍ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ، رَوَى عنهُ مالِكٌ وغيرُهُ. - أبو النَّجِيبِ مَوْلَى عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ (٢) - بالنُّونِ المفتوحةِ في أوَّلِهِ، وقيلَ: بالتَّاءِ المضمومةِ باثنتينِ مِنْ فوقُ (٣) -. - أبو حَرْبِ بنِ أبي الأسْودِ الدِّيلِيُّ (٤). - أبو حَرِيْزٍ الْمَوْقِفِيُّ (٥)، والْمَوْقِفُ مَحَلَّةٌ بِمِصْرَ. روَى عنهُ ابنُ وَهْبٍ وغيرُهُ، واللهُ أعلمُ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الذِيْنَ لُقِّبُوا بالكُنَى ولَهُمْ غيرُ ذَلِكَ كُنًى وأسْماءٌ، مِثَالُهُ: - عليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁، يُلَقَّبُ بأبي تُرَابٍ، ويُكْنَى أبا الحسَنِ. - أبو الزِّنادِ عبدِ اللهِ بنِ ذَكْوَانَ، كُنْيَتُهُ: أبو عبدِ الرَّحمانِ، وأبو الزِّنَادِ لَقَبٌ. وذَكَرَ الحافِظُ أبو الفَضْلِ (٦) الفَلَكِيُّ - فيما بَلَغَنا عنهُ - أنَّهُ كانَ يَغْضَبُ مِنْ أبي الزِّنادِ وكانَ عالِماً مُفْتَناً (٧). - أبو الرِّجَالِ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمانِ الأنصَارِيُّ، كُنْيَتُهُ: أبو عبدِ الرَّحْمانِ، وأبو الرِّجالِ لَقَبٌ لُقِّبَ بهِ؛ لأنَّهُ كانَ لهُ عَشَرَةُ أوْلادٍ كُلُّهُمْ رِجالٌ.
следующие страницы →