← Адаб

Адаб · id 23802

المستطرف في كل فن مستظرف

شهاب الدين الأبشيهي

Полный текст (517 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فنظرت، فإذا أنا ببكر قائم عندي، وبكري إلى جانبي، فأنخته وركبته وجنّبت بكري، فلما سرت قدر عشرة أميال لاحت لي القافلة، وانفجر الفجر، ووقف البكر، فعلمت أنه قد حان نزولي فتحولت إلى بكري وقلت: يا أيها البكر قد أنجيت من كرب ... ومن هموم تضلّ المدلج الهادي «١» ألا تخبّرني بالله خالقنا ... من ذا الذي جاد بالمعروف في الوادي وارجع حميدا فقد بلّغتنا مننا ... بوركت من ذي سنام رائح غادي فالتفت البكر إليّ وهو يقول: أنا الشجاع الذي ألفيتني رمضا ... والله يكشف ضرّ الحائر الصادي «٢» فجدت بالماء لما ضنّ حامله ... تكرّما منك لم تمنن بإنكاد فالخير أبقى وإن طال الزمان به ... والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد هذا جزاؤك مني لا أمنّ به ... فاذهب حميدا رعاك الخالق الهادي فعجب الرشيد من قوله وأمر بالقصة والأبيات، فكتبت عنه، وقال: لا يضيع المعروف أين وضع، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته القصد من الهجاء الوقوف على ملحه وما فيه من ألفاظ فصيحة ومعان بديعة، لا التشفي بالأعراض والوقوع فيها. وليس الهجاء دليلا على إساءة المهجو ولا صدق الشاعر فيما رماه به، فما كل مذموم بذميم، وقد يهجى الإنسان بهتانا وظلما أو عبثا أو ارهابا. قال المتوكل لأبي العيناء: كم تمدح الناس وتذمهم، قال: ما أحسنوا وأساءوا. وقد رضي الله تعالى على عبد من عبيده فمدحه، فقال: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ «٣» ، وغضب على آخر، فقال: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ١٣ «٤» قيل الزنيم: الملصق بالقوم وليس منهم. وقال دعبل في المأمون بعد البيعة له وقتل الأمين. إنّي من القوم الذين همو همو ... قتلوا أخاك وشرفّوك بمقعد شادوا لذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد «٥» فقال المأمون: ما أبهته «٦» ليت شعري متى كنت خاملا، وفي حجر الخلافة ربيت وبدرّهما غذيت. ولما قتل جعفر بن يحيى بكى عليه أبو نواس، فقيل له: أتبكي على جعفر وأنت هجوته؟ فقال: كان ذلك لركوب الهوى، وقد بلغه والله أني قلت: ولست وإن أطنبت «٧» في وصف جعفر ... بأول إنسان خري في ثيابه فكتب: يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه. ومن العبث بالهجو ما روي أن الحطيئة همّ بهجاء، فلم يجد من يستحقه فقال: أبت شفتاي اليوم إلّا تكلّما ... بسوء فلا أدري لمن أنا قائله أرى بي وجها قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله وعبث بأمه فقال: تنحّي فاجلسي عنّا بعيدا ... أراح الله منك العالمينا أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدّثينا حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسر الصالحينا وقال رجل: ما أبالي أهجيت أم مدحت، فقال له الأحنف: أرحت نفسك من تعب الكرام. وأنا أقول: إنما يخشى من الهجو من يخاف على عرضه وأما من لا يخاف

стр. 247

على عرضه فقد يستوي عنده المدح والذم وبئس الرجل ذاك. وكان الرجل من نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟ يقول: من نمير وأمال بها عنقه، فلما هجاهم جرير بقوله: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا صار إذا قيل لأحدهم: ممن الرجل: يقول من بني عامر، وما لقيت قبيلة من العرب بهجو ما لقيت نمير بهجو جرير. وهجا ابن سام رجلا فقال: يا طلوع الرقيب من غير إلف ... يا غريما أتى على ميعاد يا ركودا في وقت غيم وصيف ... يا وجوه التّجار يوم كساد وقصد ابن عيينة قبيصة المهلبي، واستماحه «١» . فلم يسمح له بشيء «٢» ، فانصرف مغضبا، فوجه إليه داود بن يزيد بن حاتم، فترضاه، وأحسن إليه، فقال في ذلك: داود محمود وأنت مذّمم ... عجبا لذاك وأنتما من عود ولربّ عود قد يشقّ لمسجد ... نصفا وباقيه لحشّ «٣» يهودي فالحشّ أنت له وذاك بمسجد ... كم بين موضع مسلح «٤» وسجود هذا جزاؤك يا قبيص لأنّه ... جادت يداه وأنت قبل حديد وله هجاء في خالد: أبوك لنا غيث يغيث بوبله ... وأنت جراد لست تبقي ولا تذر له أثر في المكرمات يسرنا ... وأنت تعفّي دائما ذلك الأثر «٥» وقال المبرد في حقه: لم يجتمع لأحد من المحدثين في بيت واحد هجاء رجل ومدح أبيه إلّا له. ولما قعد حماد عجرد لتأديب ولد الأمين، قال بشار بن برد: قل للأمين جزاك الله صالحه ... لا يجمع الله بين السخل والذيب «٦» السخل يعلم أن الذئب آكله ... والذئب يعلم ما بالسخل من طيب فشاعت الأبيات، فأمر الأمين بإخراج حماد. وقال رجل لأخيه لأبويه «٧» : لأهجونك هجاء يدخل معك في قبرك، قال: كيف تهجوني وأبوك أبي، وأمك أمي؟ قال أقول: بني أمية هبّوا طال نومكمو ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الماء والعود فدخل يعقوب على المهدي، فأخبره أن بشارا هجاه، فاغتاظ المهدي وانحدر إلى البصرة لينظر في أمرها، فسمع أذانا في ضحى النهار فقال: انظروا ما هذا، وإذا به بشار وهو سكران، فقال له: يا زنديق عجب أن يكون هذا من غيرك، ثم أمر به فضربه سبعين سوطا حتى أتلفه بها وألقي في سفينة، فقال: عين الشمقمق تراني حيث يقول: إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينة فلما مات ألقيت جثته في الماء، فحمله الماء، فأخرجه إلى الدجلة، فجاء بعض أهله، فحملوه إلى البصرة، وأخرجت جنازته، فما تبعه أحد، وتباشر عامة الناس بموته لما كان يلحقهم من الأذى منه. وخاصم أبو دلامة رجلا، فارتفعا إلى عافية القاضي، فلما رآه أبو دلامة أنشد يقول: لقد خاصمتني دهاة الرجال ... وخاصمتها سنّة وافيه فما أدحض الله لي حجّة ... ولا خيبّ الله لي قافيه ومن خفت من جوره في القضاء ... فلست أخافك يا عافيه

стр. 248

فقال عافية: لأشكونك إلى أمير المؤمنين ولأعلمنه أنك هجوتني. قال له أبو دلامة: إذا والله يعزلك. قال: ولم؟ قال: لأنك لا تعرف الهجاء من المدح، قال: فبلغ ذلك المنصور، فضحك وأمر له بجائزة. ودخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن علي، وعيسى بن موسى والعباس بن محمد، وجماعة من بني هاشم، فقال له المهدي: والله لئن لم تهج واحدا ممن في هذا البيت لأقطعن لسانك. فنظر إلى القوم وتحير في أمره، وجعل ينظر إلى كل واحد، فيغمزه بأن عليه رضاه، قال أبو دلامة، فازددت حيرة، فما رأيت أسلم لي من أن أهجو نفسي، فقلت: ألا أبلغ لديك أبا دلامة ... فلست من الكرام ولا كرامه جمعت دمامة وجمعت لؤما ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه إذا لبس العمامة قلت قردا ... وخنزيرا إذا نزع العمامه فضحك القوم ولم يبق منهم أحدا إلا أجازه. وقال ابن الأعرابي: إن أهجى بيت قاله المحدثون قول محمد بن وهب في محمد بن هاشم: لم تند كفاك من بذل النوال كما ... لم يند سيفك مذ قلّدته بدم «١» وهجا بعضهم القمر، فقال: يهدم العمر ويوجب أجرة المنزل «٢» ويشجب الألوان، ويقرض الكتان، ويضل الساري ويعين السارق ويفضح العاشق. ولابن منقذ في أبي طليب المصري وقد احترقت داره: أنظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قسرا إلى الأقدار بالأقدار ما أوقد ابن طليب قط بداره ... نارا وكان خرابها بالنّار «٣» وكان للوجيه بن صورة المصري دلال الكتب، دار بمصر موصوفة بالحسن فاحترقت، فقال فيها ابن المنجم: أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنّار فيها وهجة تتضرّم فما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لمّا استبطأته جهنّم وقد أحسن الأديب كمال الدين علي بن محمد بن المبارك الشهير بابن الأعمى في ذم دار كان يسكنها حيث قال: دار سكنت بها أقلّ صفاتها ... أن تكثر الحشرات في جنباتها الخير عنها نازح متباعد ... والشر دان من جميع جهاتها من بعض ما فيها البعوض عدمته ... كم أعدم الأجفان طيب سناتها «٤» وتبيت تسعدها براغيث متى ... غنّت لها رقصت على نغماتها رقص بتنقيط ولكن قافه ... قد قدّمت فيه على أخواتها وبها ذباب كالضباب يسد عين ... الشمس ما طربي سوى غنّاتها أين الصوارم والقنا من فتكها ... فينا وأين الأسد من وثباتها وبها من الخطّاف ما هو معجز ... أبصارنا عن وصف كيفياتها وبها خفافيش تطير نهارها ... مع ليلها ليست على عاداتها «٥» وبها من الجرذان ما قد قصّرت ... عنه العتاق الجرد في حملاتها «٦» وبها خنافس كالطنافس أفرشت ... في أرضها وعلت على جنباتها لو شمّ أهل الحرب منتن فسوها ... أردى الكماة الصيد عن صهواتها «٧» وبنات وردان وأشكال لها ... مما يفوت العين كنه ذواتها

стр. 249

أبدا تمص دماءنا فكأنها ... حجّامة لبدت على كاساتها وبها من النمل السليماني ما ... قد قلّ ذرّ الشمس عن ذراتها ما راعني شيء سوى وزغانها ... فتعوذوا بالله من لدغاتها «١» سجعت على أوكارها فظننتها ... ورق الحمام سجعن في شجراتها وبها زنابير تظن عقاربا ... حر السموم أخف من زفراتها وبها عقارب كالأقارب رتّع ... فينا حمانا الله لدغ حماتها كيف السبيل إلى النجاة ولا نجاة ... ولا حياة لمن رأى حيّاتها منسوجة بالعنكبوت سماؤها ... والأرض قد نسجت على آفاتها فضجيجها كالرعد في جنباتها ... وترابها كالرمل في خشناتها والبوم عاكفة على أرجائها ... والدود يبحث في ثرى عرصاتها «٢» والجنّ تأتيها إذا جنّ الدّجى ... تحكي الخيول الجرد في حملاتها والنار جزء من تلهّب حرها ... وجهنم تعزى إلى لفحاتها شاهدت مكتوبا على أرجائها ... ورأيت مسطورا على جنباتها لا تقربوا منها وخافوها ولا ... تلقوا بأيديكم إلى هلكاتها أبدا يقول الداخلون ببابها ... يا ربّ نجّ الناس من آفاتها قالوا إذا ندب الغراب منازلا ... يتفرّق السّكان من ساحاتها وبدارنا ألفا غراب ناعق ... كذب الرواة فأين صدق رواتها صبرا لعلّ الله يعقب راحة ... للنفس إذ غلبت على شهواتها دار تبيت الجنّ تحرس نفسها ... فيها وتندب باختلاف لغاتها كم بت فيها مفردا والعين من ... شوق الصباح تسح من عبراتها «٣» وأقول يا ربّ السموات العلا ... يا رازقا للوحش في فلواتها أسكنتني بجهنّم الدنيا ففي ... أخراي هب لي الخلد في جناتها واجمع بمن أهواه شملي عاجلا ... يا جامع الأرواح بعد شتاتها ولبعضهم في بلّان «٤» : أشكوا إلى الله بلانا «٥» بليت به ... مسّت أنامله ظهري فأدماني فلا يدلّك تدليكا بمعرفة ... ولا يسرّح تسريحا بإحسان وللشيخ شمس الدين البدوي في بلّان أيضا: وبلان له ظهر يباهي ... به حدّ الشفار المرهفات هرى جسمي فألبسه نجيعا ... على حلل الستور السابلات ورام يلين أعضائي برفق ... فأيبسها وكسر فوقحاتي «٦» ولم أنظر له أبدا حميلا ... وذلك من عظيم المهلكات وأعمى مقلتي بصنان إبط ... يفوح به على كل الجهات «٧» فلا تجعل إلهي مثل هذا ... يغسّلني إذا حانت وفاتي ولبعضهم في حمام: وحمّام دخلناه لأمر ... حكى سقرا وفيها المجرمونا

стр. 250

فيصطرخوا يقولوا أخرجونا ... فإن عدنا فإنا ظالمونا وللشريف أبي يعلى الهاشمي البغدادي في نظام الملك يهدده بالهجاء يقول: أيجمل يا نظام الملك أنّي ... أعاود من ذراك كما قدمت وأصدر عن حياضك «١» وهي نهب ... بأفواه السقاة وما وردت «٢» يدل على فعالك سوء حالي ... ويخبر عن نوالك إن كتمت «٣» إذا استخبرت ماذا نلت منه ... وقد عمّ الورى كرما سكتّ وممن عرض بالهجو في شعره الخوارزمي قال في أبي جعفر: أبا جعفر لست بالمنصف ... ومثلك إن قال قولا يفي فإن أنت أنجزت لي ما وعدت ... وإلا هجيت وأدخلت في وقد علم الناس ما بعد في ... فغط الحديث ولا تكشف ومدح السراج الورّاق إنسانا فلم يجزه فكتب يعرض له بالهجاء ويهدده، يقول: أعد مدحي عليّ وخذ سواه ... فقد أتعبتني يا مستريح ولا تغضب إذا أنشدت يوما ... سواه وقيل لي هذا صحيح «٤» وله أيضا يقول: أعد مدحا كذبت عليك فيه ... وقد عوفيت بالحرمان عنه ولكنّي سأصدق فيك قولا ... فلا يصعب عليك الحقّ منه وقال بعضهم في حجّاج قدموا ولم يهدوا إليه شيئا: مضوا ليحجّوا والوجوه كأنّها ... تكاد لفرط البشر أن توضح السّبلا وعادوا كأنّ القار فوق وجوههم «٥» ... فلا مرحبا بالقادمين ولا سهلا وجاءوا وما جادوا بعود أراكة «٦» ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا «٧» وقال آخر: إذا رمت هجوا في فلان تصدني ... خلائق قبح عنه لا تتزحزح تجاوز قدر الهجو حتى كأنّه ... بأقبح ما يهجى به المرء يمدح وهجا بعضهم امرأة فقال: لها جسم برغوث وساق بعوضة ... ووجه كوجه القرد بل هو أقبح تبرّق عينيها إذا ما رأيتها ... وتعبس في وجه الضجيع وتكلح لها منظر كالنار تحسب أنها ... إذا ضحكت في أوجه الناس تلفح إذا عاين الشيطان صورة وجهها ... تعوّذ منها حين يمسي ويصبح ولبعضهم في عظيم أنف: لك وجه وفيه قطعة أنف ... كجدار قد دعّموه ببغله وهو كالقبر في المثال ولكن ... جعلوا نصفه على غير قبله وفيه أيضا: رأينا للزكي جدار أنف ... يضاهي في تشامخه الجبالا تصدّى للهلال لكي يراه ... فلولا عظمه لرأى الهلالا ولصفي الدين الحلي:

стр. 251

رأى فرسي اصطبل عيسى فقال لي ... [قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي] به لم أذق طعم الشعير كأنني ... [بسقط اللوى بين الدخول فحومل] تقعقع من برد الشتاء أضالعي ... [لما نسجتها من جنوب وشمأل «١» ] وله أيضا: ليهنك إنّ لي ولدا وعبدا ... سواء في المقال وفي المقام فهذا سابق من غير سين ... وهذا عاقل من غير لام «٢» وله في طبيب يدعى إسحاق: مباضع إسحق الطبيب كأنّها ... لها بفناء العالمين كفيل معوّدة أن لا تسلّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل وله في أحمق طويل اللسان: لو أنّ قوّة وجهه في قلبه ... قنص الأسود وجندل الأبطالا أو كان طول لسانه بيمينه ... أفنى الكنوز وأنفذ الأموالا وهجا أعرابي رجلا ثم مدحه فقال: إنيّ مدحتك من فساد قريحتي ... وعلمت أن المدح فيك يضيع لكن رأيت المسك عند فساده ... يدني إلى بيت الخلا فيضوع قيل لبعضهم: ما تقول في فلان وفلان؟ قال: هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما. وقيل لرجل: كيف وجدت فلانا؟ قال: طويل اللسان في اللؤم قصير الباع في الكرم، وثابا على الشر منّاعا للخير. وسمع أعرابي قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً «٣» . فانتفض، ثم سمع قوله تعالى: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «٤» . فقال: الله أكبر هجانا ثم مدحنا، وكذلك قال الشاعر: هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح وقال أبو زيد العبدي: ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إنّ الكلاب طويلة الأعمار وقال المتوكل لأبي العيناء: ما بقي أحد في المجلس إلّا هجاك، وذمك غيري فقال: إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها الباب الرابع والاربعون في الصدق والكذب وفيه فصلان الفصل الأول في الصدق قال الله تعالى مبشرا للصادقين: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ «٥» وقال تعالى: وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ «٦» فمدحهم وبين لهم المغفرة والأجر العظيم. وقال عمر ﵁: عليك بالصدق وإن قتلك. وما أحسن ما قيل في ذلك: عليك بالصدق ولو أنّه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد وابغ رضا المولى فأغبى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد وقال إسماعيل بن عبيد الله: لما حضرت أبي الوفاة جمع بنيه، فقال لهم: يا بني عليكم بتقوى الله وعليكم بالقرآن، فتعاهدوه، وعليكم بالصدق حتى لو قتل أحدكم قتيلا، ثم سئل عنه أقرّ به. والله ما كذبت كذبة قط مذ قرأت القرآن.

стр. 252

وعن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ : بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه، وصدق حديثه. وقيل: لكل شيء حلية وحلية النطق الصدق. وقال محمود الوراق: الصدق منجاة لأربابه ... وقربة تدني من الرب وقيل: الصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المروءة، فلا تتم هذه الثلاثة إلا به. وقال أرسطاطاليس: أحسن الكلام ما صدق فيه قائله، وانتفع به سامعه. وقال المهلب بن أبي صفرة: ما السيف الصارم في يد الشجاع بأعزّ له من الصدق. وكان يقال على الصدوق: فلان وقف لسانه على الصدق. ويقال: الصدق محمود من كل أحد إلا من الساعي. ويقال: لو صدق عبد فيما بينه وبين الله تعالى حقيقة الصدق لاطلع على خزائن الغيب، ولكان أمينا في السماوات والأرض. وقيل: من لزم الصدق وعوّد لسانه به وفق. ويقال: الصدق بالحر أحرى. وقال عتبة بن أبي سفيان: إذا اجتمع في قلبك أمران لا تدري أيهما أصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك، فخالفه، فإن الصواب أقرب إلى مخالفة الهوى. وقال أرسطاطاليس: الموت مع الصدق خير من الحياة مع الكذب. وكان نقش خاتم ذي يزن، «وضع الخد للحق عز» . وامتدح ابن ميادة جعفر بن سليمان، فأمر له بمائة ناقة، فقبل يده، وقال: والله ما قبلت يد قرشي غيرك إلا واحد، فقال: أهو المنصور؟ قال: لا والله، قال: فمن هو؟ قال: الوليد بن يزيد. قال: فغضب، وقال: والله ما قبلتها لله تعالى، فقال: والله ولا يدك ما قبلتها لله تعالى، ولكن قبلتها لنفسي، فقال: والله لا ضرك الصدق عندي أعطوه مائة أخرى. وقال عامر العدواني في وصيته: إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا، يعني من لزم الصدق وعوّد لسانه وفق، فلا يكاد ينطق بشيء يظنه إلا جاء على ظنه. وخطب بلال لأخيه امرأة قرشية، فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم، كنا عبدين، فأعتقنا الله تعالى، وكنا ضالين، فهدانا الله تعالى، وكنا فقيرين، فأغنانا الله تعالى، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله تعالى، وإن تردونا، فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته، ومشاهده ومكانه من رسول الله ﷺ ، فزوجوا أخاه، فزوجوه، فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله ﷺ وتترك ما عدا ذلك، فقال: مه يا أخي صدقت فأنكحك الصدق. وخطب الحجّاج فأطال، فقام رجل، فقال: الصلاة، فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه زعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال: إن أقر بالجنون خلّيته «١» ، فقيل له، فقال: معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني. فبلغ ذلك الحجاج، فعفا عنه لصدقه. الفصل الثاني من هذا الباب في الكذب وما جاء به قال الله تعالى في الكاذبين: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ «٢» وقال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «٣» . وقال رسول الله ﷺ : «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وتحروا الصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة» . وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كذب العبد كذبة تباعد الملكان عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به» . ويقال: راوي الكذب أحد الكذابين. ويقال: رأس المآثم الكذب وعمود الكذب البهتان «٤» . وقيل: أمران لا ينفكان من الكذب، كثرة المواعيد، وشدة الاعتذار. وقال الحسن في قوله تعالى: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ «٥» . وهي لكل واصف كذب إلى يوم القيامة. وقال الأصمعي: قلت لكذاب أصدقت قط؟ قال: لولا أني أخاف أصدق في هذا لقلت لك لا، فتعجب. وقال محمود بن أبي الجنود: لي حيلة فيمن ينمّ ... وليس في الكذّاب حيلة

стр. 253

من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة ويقال: فلان أكذب من لمعان السراب، ومن سحاب تمّوز «١» وكان بفارس محتسب يعرف بجراب الكذب، وكان يقول: إن منعت الكذب انشقت مرارتي، وإني والله لأجد به مع ما يلحقني من عاره من المسرة ما لا أجده بالصدق مع ما ينالني من نفعه. وقال فيلسوف: من عرف من نفسه الكذب لم يصدّق الصادق فيما يقوله. ولبعضهم: حسب الكذوب من البلية ... بعض ما يحكى عليه فمتى سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه وأضاف «٢» صيرفي قوما، فأقبل يحدثهم، فقال بعضهم: نحن كما قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ «٣» . وعن عبد الله بن السدي قال: قلت لابن المبارك حدثنا حديثا، قال: ارجعوا، فلست أحدثكم، فقيل له: إنك لم تحلف، فقال: لو حلفت لكفّرت وحدثتكم، ولكن لست أكذب، فكان هذا أحب إلينا من الحديث. وقال مجاهد: يكتب على ابن آدم كل شيء حتى أنينه في سقمه، وحتى أن الصبي ليبكي، فتقول له أمه: أسكت وأشتري لك كذا، ثم لا تفعل، فتكتب كذبة. وقال الفضيل: ما من مضغة «٤» أحب إلى الله تعالى من اللسان إذا كان صدوقا، ولا مضغة أبغض إلى الله تعالى من اللسان إذا كان كذوبا. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «أعظم الخطايا اللسان الكذوب» . قال الشاعر: لا يكذب المرء إلّا من مهانته ... أو فعله السوء أو من قلّة الأدب لبعض جيفة كلب خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب ولما نصب معاوية رضي الله تعالى عنه ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء وجعل الناس يسلمون على معاوية، ثم يسلمون على يزيد، حتى جاء رجل، ففعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين اعلم إنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف ساكت، فقال معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال: أخاف الله تعالى إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال جزاك الله خيرا عما تقول، ثم أمر له بألوف، فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب، فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم أن هذا من شرار خلق الله تعالى، ولكنهم استوثقوا من الأموال بالأبواب، والأقفال، فلسنا نطمع في إخراجها إلا بما سمعت، فقال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها. وقيل: إن الكذب يحمد إذا وصل بين المتقاطعين أو أصلح بين الزوجين، ويذم الصدق إذا كان غيبة. وقد رفع الحرج عن الكاذب في الحرب، وعن المصلح بين المرء وزوجه. وكان المهلب في حرب الخوارج يكذب لأصحابه يقوي بذلك جأشهم، فكانوا إذا رأوه مقبلا إليهم، قالوا: جاءنا بكذب. وقال يحيى بن خالد: رأينا شارب خمر نزع ولصا أقلع وصاحب فواحش رجع، ولم نر كذابا صار صادقا. وكان عمر بن معد يكرب مشهورا بالكذب. وقيل لخلف الأحمر وكان شديد التعصب لليمن: أكان ابن معد يكرب يكذب؟ فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال. قيل: إن بلالا لم يكذب مذ أسلم رضي الله تعالى عنه، والحمد لله وحده. الباب الخامس والاربعون في بر الوالدين وذم العقوق وذكر الأولاد وما يجب لهم وعليهم وصلة الرحم والقرابات وذكر الأنساب وفيه فصول الفصل الأول في بر الوالدين وذم العقوق قال الله تعالى:

стр. 254

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «١» . وقال تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «٢» . وقال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ «٣» . وقال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ٢٣ وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ٢٤ «٤» . وعن علي رضي الله تعالى عنه: لو علم الله شيئا في العقوق أدنى من أف لحرمه، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل، فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار. وقيل: إنّ رضا الرب في رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين. وحكى أبو سهل عن أبي صالح، عن أبي نجيح، عن ربيعة، عن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من حج عن والده بعد وفاته كتب الله لوالده حجة وكتب له براءة من النار» . وقال رسول الله ﷺ : «إياكم وعقوق الوالدين فإن ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجد ريحها عاق» . وكان رجل من النساك يقبّل كل يوم قدم أمه، فأبطأ يوما على إخوانه، فسألوه، فقال: كنت أتمرغ في رياض الجنة، فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات، وبلغنا أن الله تعالى كلم موسى ﵇ ثلاثة آلاف وخمسمائة كلمة فكان آخر كلامه، يا رب أوصني قال: أوصيتك بأمك حسنا، قال له سبع مرات. قال حسبي، ثم قال: يا موسى ألا إن رضاها رضاي، وسخطها سخطي. وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه لابن مهران: لا تأتين أبواب السلاطين، وإن أمرتهم بمعروف أو نهيتهم عن منكر، ولا تخلون بامرأة وإن علمتها سورة من القرآن، ولا تصحبن عاقا، فإنه لن يقبلك وقد عق والديه. وقال فيلسوف: من عقّ والديه عقه ولده. وقال المأمون: لم أر أحدا أبر من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ على بره له أنه كان لا يتوضأ إلا بماء سخن، فمنعهم السجان من الوقود في ليلة باردة، فلما أخذ يحيى مضجعه قام الفضل إلى قمقم نحاس فملأه ماء وأدناه من المصباح، فلم يزل قائما وهو في يده إلى المصباح حتى استيقظ يحيى من منامه. وقيل: طلب بعضهم من ولده أن يسقيه ماء، فلما أتاه بالشربة نام أبوه، فما زال الولد واقفا بالشربة في يده إلى الصباح حتى استيقظ أبوه من منامه. وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن لي أما بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، فهل أديت حقها؟ قال: لا. لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وتتمنى فراقها. وقال ابن المنكدر: بت أكبس رجل أبي وبات آخر يصلي ولا يسرني ليلته بليلتي. وقيل: إن محمد بن سيرين كان يكلم أمه كما يكلم الأمير الذي لا ينتصف منه. وقيل لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنه: إنك من أبر الناس ولا تأكل مع أمك في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي يدها ما تسبق عيناها إليه، فأكون قد عققتها. الفصل الثاني في الأولا وحقوقهم وذكر النجباء والأذكياء والبلداء والأشقياء قال رسول الله ﷺ : «الولد ريحانة من الجنة» . وقال الفضل: ريح الولد من الجنة. وكان يقال: ابنك ريحانتك سبعا ثم حاجبك سبعا، ثم عدو أو صديق. وعن ابي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قلت لسيدي رسول الله ﷺ : يا رسول الله هل يولد لأهل الجنة؟ قال: والذي نفسي بيده إن الرجل يشتهي أن يكون له ولد، فيكون حمله ووضعه وشبابه الذي ينتهي إليه في ساعة واحدة. وقيل: من حق الولد على والده أن يوسع عليه حاله كي لا يفسق. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبّحه وتذكره. وقال رضي الله تعالى عنه: أكثروا من العيال، فإنكم لا تدرون بمن ترزقون. وقال شبيب بن شبة: ذهب اللذات إلا من ثلاثة: شم الصبيان، وملاقاة الأحزان، والخلوة مع النسوان. ودخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب، فقال: انبذها عنك، فإنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء ويورثن الضغائن. قال: لا تقل يا عمرو ذلك. فو الله ما مرّض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على

стр. 255

الاخوان إلا هن. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنك حببتهن إليّ. وقيل لرجل: أي ولدك أحب إليك؟ قال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ، وغائبهم حتى يحضر. وقال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية: إن ولدت غلاما فلك حكمك، فلما ولدت قالت: حكمي أن تطعم سبعة أيام كل يوم على ألف خوان من فالوذج، وإن تعق بألف شاة «١» ، ففعل لها ذلك. وغضب معاوية على يزيد، فهجره، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين أولادنا ثمار قلوبنا وعماد ظهورنا، ونحن لهم سماء ظليلة وأرض ذليلة وبهم نصول على كل جليلة، فإن غضبوا فأرضهم، وإن سألوا فأعطهم، وإن لم يسألوا فابتدئهم، ولا تنظر إليهم شزرا، فيلموا حياتك ويتمنوا وفاتك. فقال معاوية: يا غلام إذا رأيت يزيد فاقرأه السلام، واحمل إليه مائتي ألف درهم، ومائتي ثوب، فقال يزيد: من عند أمير المؤمنين؟ فقيل له: الأحنف. فقال يزيد بن معاوية: عليّ به، فقال: يا أبا بحر كيف كانت القصة؟ فحكاها له، فشكر صنيعه، وشاطره الصلة. حكى الكسائي أنه دخل على الرشيد يوما فأمر بإحضار الأمين والمأمون ولديه، قال: فلم يلبث قليلا أن أقبلا ككوكبي أفق يزينهما هداهما ووقارهما وقد غضّا أبصارهما «٢» حتى وقفا في مجلسه، فسلما عليه بالخلافة، ودعوا له بأحسن الدعاء، فاستدناهما، وأسند محمدا عن يمينه وعبد الله عن يساره، ثم أمرني أن ألقي عليهما أبوابا من النحو، فما سألتهما شيئا إلا أحسنا الجواب عنه، فسره ذلك سرورا عظيما، وقال كيف تراهما؟ فقلت: أرى قمريّ أفق وفرعين شامة ... يزينهما عرق كريم ومحتد سليلي أمير المؤمنين وحائزي ... مواريث ما أبقى النبي محمد يسدّان أنفاق النفاق بشيمة ... يزينهما حزم وسيف مهنّد ثم قلت: ما رأيت- أعز الله أمير المؤمنين- أحدا من أبناء الخلافة ومعدن الرسالة وأغصان هذه الشجرة الزلالية آدب منهما ألسنا، ولا أحسن ألفاظا، ولا أشد اقتدارا على الكلام روية وحفظا منهما، أسأل الله تعالى أن يزيد بهما الإسلام تأييدا وعزا، ويدخل بهما على أهل الشرك ذلا وقمعا. وأمّن الرشيد على دعائه، ثم ضمهما إليه، وجمع عليهما يديه، فلم يبسطهما حتى رأيت الدموع تنحدر على صدره، ثم أمرهما بالخروج وقال: كأني بهما وقد دهم القضاء، ونزلت مقادير السماء، وقد تشتّت أمرهما، وافترقت كلمتهما بسفك الدماء، وتهتك الستور «٣» . وكان يقال بنو أمية دن خل أخرج الله منه زقّ عسل، يعني عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. وسب أعرابي ولده وذكر له حقه، فقال: يا أبتاه إن عظيم حقك عليّ لا يبطل صغير حقي عليك. قال سيدي عبد العزيز الديريني رحمه الله تعالى: أحب بنيتي ووددت أني ... دفنت بنيتي في قاع لحد وما بي أن تهون عليّ لكن ... مخافة أن تذوق الذلّ بعدي فإن زوّجتها رجلا فقيرا ... أراها عنده والهم عندي وإن زوّجتها رجلا غنيّا ... فيلطم خدّها ويسبّ جديّ سألت الله يأخذها قريبا ... ولو كانت أحبّ الناس عندي وقال هارون بن علي بن يحيى المنجم: أرى ابني تشابه من علي ... ومن يحيى وذاك به خليق «٤» وإن يشبههما خلقا وخلقا ... فقد تسري إلى الشبّه العروق وقال أبو النصر مولى بني سليم: ونفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل وقال الحسن بن زيد العلوي:

стр. 256

قالوا عقيم «١» لم يولد له ولد ... والمرء يخلفه من بعده الولد فقلت من علقت بالحرب همته ... عاف النساء ولم يكثر له عدد وكان الزبير بن العوام ﵁ يرقص ولده ويقول: أزهر من آل بني عتيق مبارك من ولد الصّديق ألذّه كما ألذّ ريقي وكانت إعرابية ترقص ولدها وتقول: يا حبذا ريح الولد ... ريح الخزامى في البلد «٢» أهكذا كلّ ولد ... أم لم يلد مثلي أحد وكان أعرابي يرقص ولده ويقول: أحبّه حبّ الشحيح ماله قد ذاق طعم الفقر ثم ناله إذا أراد بذله بدا له وكان لإعرابي امرأتان، فولدت احداهما جارية والأخرى غلاما، فرقصته أمه يوما وقالت معايرة لضرتها: الحمد لله الحميد العالي ... أنقذني العام من الجوالي من كل شوهاء كشن بالي ... لا تدفع الضيم عن العيال فسمعتها ضرتها فأقبلت ترقص ابنتها وتقول: وما عليّ أن تكون جاريه ... تغسل رأسي وتكون الفاليه وترفع الساقط من خماريه ... حتى إذا ما بلغت ثمانيه أزّرتها بنقبة يمانيه ... أنكحتها مروان أو معاويه أصهار صدق ومهور غاليه قال: فسمعها مروان، فتزوجها على مائة ألف مثقال، وقال إن أمها حقيقة أن لا يكذب ظنها ويخان عهدها، فقال معاوية: لولا مروان سبقنا إليها لأضعفنا لها المهر ولكن لا نحرم الصلة، فبعث إليها بمائتي ألف درهم والله أعلم. ومما جاء في الأولاد البلداء القليلي التوفيق: قيل: نظر أعرابي إلى ولد له قبيح المنظر، فقال له: يا بني إنك لست من زينة الحياة الدنيا. وقال رجل لولده وهو في المكتب: في أي سورة أنت؟ قال: لا أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد، فقال: لعمري من كنت أنت ولده، فهو بلا ولد، وأرسل رجل ولده يشتري له رشاء للبئر طوله عشرون ذراعا، فوصل إلى نصف الطريق، ثم رجع فقال: يا أبت عشرون في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك يا بني. وكان لرجل من الأعراب ولد اسمه حمزة، فبينما هو يوما يمشي مع أبيه إذا برجل يصيح بشاب يا عبد الله، فلم يجبه ذلك الشاب، فقال: ألا تسمع؟ فقال: يا عم كلنا عبيد الله، فأي عبد تعني، فالتفت أبو حمزة إليه وقال: يا حمزة ألا تنظر إلى بلاغة هذا الشاب؟ فلما كان من الغد إذا برجل ينادي شابا يا حمزة، فقال حمزة بن الأعرابي كلنا حماميز الله، فأي حمزة تعني، فقال له أبوه ليس يعنيك يا من أخمد الله به ذكر أبيه. وكان لمحمد بن بشير الشاعر ابن جسيم، فأرسله في حاجته، فأبطأ عليه، ثم عاد ولم يقضها، فنظر إليه ثم قال: عقله عقل طائر ... وهو في خلقة الجمل فأجابه: مشبه بك يا أبي ... ليس لي عنك منتقل ومما جاء في صلة الرحم: قال رسول الله ﷺ : «صلة الرحم منهاة للولد مثراة للمال» . وقيل: وجد حجر حين حفر إبراهيم الخليل ﵇ أساس البيت، مكتوب عليه بالعبرانية، أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها اسما من أسمائي، فمن

стр. 257

وصلها وصلته ومن قطعها بتته أي قطعته «١» . وقال رسول الله ﷺ : «أعجل الخير ثوابا صلة الرحم» . وحدثنا أبو سهل عن صالح بن جرير بن عبد الحميد عن منصور، عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه كعب الأحبار أنه قال: والذي فلق البحر لموسى بن عمران إن في التوراة لمكتوبا، يا ابن آدم اتق ربك وبر والديك وصل رحمك، أزد في عمرك، وأيسر لك في يسيرك، وأصرف عنك عسيرك. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفىء غضب الرب جلّ وعلا، وصلة الرحم تزيد في العمر» . وذكر تمام الحديث. الفصل الثالث من هذا الباب في ذكر الأنساب والأقارب والعشيرة قال عمر ﵁: تعلموا أنسابكم تعرفوا بها أصولكم، فتصلوا بها أرحامكم. وقيل: لو لم يكن من معرفة الأنساب إلا اعتزازها من صولة الأعداء، وتنازع الأكفاء، لكان تعلمها من أحزم الرأي، وأفضل الثواب، ألا ترى إلى قول قوم شعيب ﵇ حيث قالوا: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ «٢» ، فأبقوا عليه لرهطه. وقال عمر ﵁: تعلموا العربية، فإنها تزيد في المروءة، وتعلموا النسب، فربّ رحم مجهولة قد وصلت بعرفان نسبها. وسئل عيسى ﵇: أي الناس أشرف؟ فقبض قبضتين من تراب، وقال: أي هاتين أشرف؟ ثم جمعهما وطرحهما، وقال: الناس كلهم من تراب إن أكرمكم عند الله أتقاكم. كان أبو كبشة جد رسول الله ﷺ من قبل أمه، فلما خالف رسول الله ﷺ دين قريش قالوا: نزعه عرق أبي كبشة، حيث خالفهم في عبادة الشعرى «٣» . وقال خالد بن عبد الله القشيري: سألت واصل بن عطاء عن نسبه فقال: نسبي الإسلام الذي من ضيعه، فقد ضيع نسبه، ومن حفظه فقد حفظ نسبه، فقال خالد: وجه عبد وكلام حرّ. ومن كلام علي كرم الله وجهه: أكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، فإنك بهم تصول وبهم تطول وهم العدة عند الشدة، أكرم كريمهم وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورك، ويسر عن معسرهم. وكان يقال: إذا كان لك قريب، فلم تمش إليه برجلك ولم تعطه من مالك، فقد قطعته. ويقال: حق الأقارب إعظام الأصغر للأكبر، وحنو الأكبر على الأصغر. قال رسول الله ﷺ : «حق كبير الأخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده» . قال بعضهم: وإذا رزقت من النوافل ثروة ... فامنح عشيرتك الأداني فضلها واعلم بأنك لم تسوّد فيهم ... حتى ترى دمث الخلائق سهلها الباب السادس والاربعون في الخلق وصفاتهم وأحوالهم وذكر الحسن والقبيح والقصر والألوان والثياب وما أشبه ذلك وفيه فصول الفصل الأول في الحسن ومحاسن الاخلاق وإلى سيدنا محمد رسول الله ﷺ ينتهي الحسن

стр. 258

والجمال. كان سيدنا محمد ﷺ : ربعة من القوم لا بائنا من طول ولا تقتحمه عين من قصر، أبيض اللون مشربا بحمرة، أدعج العينين «١» ، مفلج الثنايا «٢» ، دقيق المسربة «٣» ، أزهر الجبين «٤» ، واضح الخد «٥» ، أقنى الأنف «٦» ، كأن عنقه إبريق فضّة، ظاهر الوضاءة يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، شثن «٧» الكفين مسبّح القدمين «٨» ، واسع الصدر، من لبّته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر، غير أشعر الذراعين والمنكبين، لم يبلغ شيبه في رأسه ولحيته عشرين شعرة، ضخم الكراديس «٩» ، أنور المتجرد، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، بين كتفيه خاتم النبوة، كأنه زر حجلة أو بيض حمامة، لونه كلون جسده، أبلج الوجه، حسن الخلق وسيما قسيما في جبينه زجج وفي عينيه دعج، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد وأحسنهم وأكملهم من قريب، كأنما منطقه خرزات نظم يتحدرن. قال أنس ﵁: ما رأيت من ذي لمة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ . ومدحه ﷺ حسان بن ثابت ﵁ فقال: وأحسن منك لم تر قطّ عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرّأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء اللهم صل وسلم عليه واجعله شفيعا لمن يصلي عليه. وقال ﷺ : «ما حسن الله خلق عبد وخلقه إلا استحيا أن يطعم لحمه النار» . وقد كان المتوكل ﵀ من أحسن الخلفاء العباسية وجها وأبهاهم منظرا. وكان مصعب بن الزبير من أحسن الناس وجها. حكي إنه كان جالسا بفناء داره يوما بالبصرة، إذ جاءت امرأة فوقفت تنظر إليه، فقال لها: ما وقوفك يرحمك الله؟ فقالت: طفىء مصباحنا، فجئنا نقتبس من وجهك مصباحا. وقيل لإعرابية ظريفة: ما بال شفتيك مشققة؟ فقالت: إن التين إذا حلا تشقق والورد يتشقق إذا مسه الندى. وكانت لبابة بنت عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم من أجمل الناس وجها، وكانت عند الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فكانت تقول: ما نظرت وجهي في مرآة مع إنسان إلا رحمته من حسن وجهي، إلا الوليد، فكنت إذا نظرت إلى وجهي مع وجهه رحمت وجهي من من حسن وجهه. قال الشاعر: ولو أنها في عهد يوسف قطّعت ... قلوب رجال لا أكفّ نساء وقال كثير: لو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها ومما جاء في محاسن الخلق منظوما على الترتيب من الفرق إلى القدم: ما قيل في الشعر: كان يقال من تزوج امرأة أو اتخذ جارية فليتحسن من شعرها، فإن الشعر الحسن أحد الوجهين. قال بكر بن النطاح: بيضاء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه وهو وجه أسحم «١٠» فكأنّها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم

стр. 259

وللمتنبي: نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا «١» وله أيضا: لبسن الوشي «٢» لا متجملات ... ولكن كي يصّن به الجمالا وضفّرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا وقال الصفدي: لولا شفاعة شعره في صبه ... ما كان زار ولا أزال سقاما لكن تنازل في الشفاعة عنده ... فغدا على أقدامه يترامى وقال ابن الصائغ: ثنى غصنا ومدّ عليه فرعا ... كحظي حين أطلب منه وصلا ويميله على الأرداف منه ... فلم أر مثل ذاك الفرع أصلا وقال آخر: أرخى ثلاثا يوم حمامه ... ذوائبا تعبق منها الغوال «٣» فقلت والقصد ذؤاباته ... واسهري في ذي الليالي الطوال وقال آخر: بدت ثريا قرطها وشعرها ... متصل بكعبها كما ترى يا عجبا لشعرها لما ابتدى ... من الثريا فانتهى إلى الثرى وقال ابن المعتز: توارت عن الواشي بليل ذوائب ... لها من محيا واضح تحته فجر يغطّى عليها شعرها بظلامه ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ومما قيل في الأصداغ: قال ابن المعتز: ريم يتيه بحسن صورته ... عبث النعاس بلحظ مقلته وكأنّ عقرب صدغه وقفت ... لمّا دنت من ورد وجنته وقال العادلي: وعهدي بالعقارب حين تشتو ... يخفف لدغها ويقلّ ضرّا فما بال الشتاء أتى وهذي ... عقارب صدغها تزداد شرّا وقال آخر: وما ضره نار بخديه ألهبت ... ولكن بها قلب المحب يعذب عناقيد صدغيه بخديّه تلتوي ... وأمواج رد فيه بخصريه تلعب شربت الهوى صرفا زلالا وإنّما ... لواحظه تسقي وقلبي يشرب (ومما قيل في مدح العذار) . قال أبو فراس بن حمدان: يا من يلوم على هواه جهالة ... انظر إلى تلك السوالف تعذر حسنت وطاب نسيمها فكأنها ... مسك تساقط فوق خد أحمر وقال محمد بن وهب: صدودك والهوى هتكا استتاري ... وساعدني البكاء على اشتهاري وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري ولم أخلع عذارا فيك إلّا ... لما عاينت من خلع العذار «٤»

стр. 260

وقال آخر: ومعذّر رقّت حواشي خده ... فقلوبنا وجدا عليه رقاق لم يكس عارضه السواد وإنّما ... نفضت عليه سوادها الأحداق وقال آخر: ومهفهف راقت نضارة وجهه ... والعين تنظر منه أحسن منظر أصلى بنار الخد عنبر خاله ... فبدا العذار دخان ذاك العنبر وقال آخر: أصبحت سلطان القلوب ملاحة ... وجمال وجهك للبرية عسكر طلعت طلائع وجنتيك مغيرة ... بالنصر يقدمها اللؤاء الأخضر وقال آخر: يا ذا الذي خط العذار بخّده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا «١» ما صح عندي أن لحظك صارم ... حتى حملت بعارضيك حمائلا «٢» وقال آخر: من لا رأى كعبة الحسن التي حرست ... بالنمل حيث مقام النحل في فمه «٣» فلينظر النمل أضحى فوق عارضه ... يطوف سبعا وسبعا حول مبسمه وقال بدر الدين الدماميني: تحّدث ليل عارضه بأني ... سأسلوه وينصرم المزار فأشرق صبح غّرته ينادي ... حديث الليل يمحوه النهار وقال: سيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء: على وجنتيه جنة ذات بهجة ... ترى لعيون الناس فيها تزاحما حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان العذار حمى حمى وقال ابن نباتة: وبمهجتي رشأ يميس قوامه ... فكأنه نشوان من شفتيه «٤» شغف العذار بخدّه ورآه قد ... نعست لواحظه فدبّ عليه وقال الموصلي: لحديث نبت العارضين حلاوة ... وطلاوة هامت بها العشاق فإذا نهاني المرء قلت ترّفقوا ... فإليكم هذا الحديث يساق وقال آخر: أصبحت مكسورا بسهم لحاظه ... ومقيدا من صدغه ولسانه حتى بدا سيف العذار مجردا ... فخشيت يقتلني وذا من شأنه ومما قيل في الجبين والحواجب: قال خالد الكاتبّ: لها من ظباء الرمل عين مريضة ... ومن ناضر الريحان خضرة حاجب ومن يانع الأغصان قدّ وقامة ... ومن حالك الحبر اسوداد الذوائب وقال آخر: غزاني الهوى في جيشه وجنوده ... وهبّ علي الجيش من كلّ جانب بميسرة أجنادها أعين المها ... وميمنة تقضي بزجّ الحواجب وقال آخر: أيا قمرا تبسّم عن أقاح ... ويا غصنا يميل مع الرياح جبينك والمقبّل والثنايا ... صباح في صباح في صباح

стр. 261

ومما قيل في العيون: قال الأصمعي: ما وصف أحد العيون بمثل ما وصف أحمد بن الرقاع في قوله: وكأنها دون النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم «١» وسنان أقصده النعاس تلاعبت ... في جفنه سنة وليس بنائم وقال ابن المعتز: عليم بما تحت العيون من الهوى ... سريع بكسر اللحظ والقلب جازع فيجرح أحشائي بعين مريضة ... كما لان متن السيف والحدّ قاطع وقال الأخطل: ولا تلمم بدار بني كليب ... ولا تقرب لها أبدا رحالا ترى فيها بوارق مرهفات ... يكدن يكدن بالحرق الرجالا وقال أبو فراس وأحسن. وبيض بألحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفا واستللن خناجرا تصدين لي يوما بمنعرج اللوى ... فغادرن قلبي بالتصبر غادرا سفرن بدورا والتقين أهلة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا وقال آخر: ومريض جفن ليس يصرفه طرفه ... نحو امرىء إلا رماه بحتفه قد قلت إذ أبصرته متمايلا ... والردف يجذب خصره من خلفه يا من يسلم خصره من ردفه ... سلّم فؤاد محبّه من طرفه وقال أبو هتان: أخو دنف رمته فأقصدته ... سهام من جفونك لا تطيش «٢» فواتك لا يقال سوى احورار ... بهن ولا سوى الأهداب ريش أصبن فؤاد مهجته فأضحى ... سقيما لا يموت ولا يعيش كئيبا إن ترحّل عنه جيش ... من البلوى أناخ به جيوش وقال آخر: جاءوا إليه بالتعاويذ والرّقى ... فصبّوا عليه الماء من شدّة النكس وقالوا به من أعين الجن نظرة ... ولو أنصفوا قالوا به أعين الأنس وقال عز الدين الموصلي: لها عين لها غزو وغزل ... مكحلّة ولي عين تباكت وحاكت في فعائلها المواضي ... فيا لك مقلة غزلت وحاكت وقال برهان الدين القيراطي: شبّه السيف والسنان بعيني ... من لقتلي بين الأنام استحلّا فأتى السيف والسنان وقالا ... حدّثا دون ذاك حاشى وكلّا وله أيضا: بأبي أهيف المعاطف لدن ... حسد الأسمر المثقف قدّه «٣» ذو جفون مذ رمت منها كلاما ... كلمتني سيوفهن بحّده وقال الشيخ عز الدين الموصلي: يا مقلة الحبّ مهلا ... فقد أخذت بثارك وأنت يا وجنتيه ... لا تحرقيني بنارك وقال ابن الصائغ: لمثلي من لواحظها سهام ... لها في القلب فتك أيّ فتك

стр. 262

إذا رامت تشكّ به فؤادا ... يموت المستهام بغير شكّ وقال الصلاح الصفدي: يا عاذلي على عين محجبة ... خف سحر ناظرها فالسحر فيه خفي «١» وخذ فؤادي ودعه نصب مقلتها ... لا ترم نفسك بين السهم والهدف وقال الآخر: بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه إن متّ ما لي سواه خصم ... لأنّه قاتلي بعينه وقال آخر: سهام الجفن كم قتلت لنفس ... مبرّأة من السلوى زكية فما أقوى جفونك وهي مرضى ... وأقدرها على قتل البرية ومما قيل في الخال: للصلاح الصفدي: بروحي خدّه المحمر أضحى ... عليه شامة شرط المحبه كأن الحسن يعشقه قديما ... فنقّطه بدينار وجبّه ولابن الصائغ: بروحي أفدي خاله فوق خدّه ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال تبارك من أخلى من الشعر خدّه ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخال للشيخ جمال الدين بن نباتة: لله خال على خد الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبث أورثته حبّة القلب القتيل به ... وكان عهدي بأنّ الخال لا يرث وقال آخر: يا سالبا قمر السماء جماله ... ألبستني في الحزن ثوب سمائه أحرقت قلبي فارتمى بشرارة ... علقت بخدّك فانطفت في مائه للشيخ تقي الدين بن حجة: قلت للخال إذ بدا ... في نقا جيده السعيد فزت يا عبد قال لي ... أنا عبد لكل جيد «٢» وقال ابن أيبك: في الجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسك أشتهي شمّها حسبته لما بدا خالها ... وجدته من حسنها عمّها وقال الحسين بن الضحاك: يا صائد الطير كم ذا ... باللحظ تضني وتسبي نصبت نقطة خال ... فصدت طائر قلبي ومما قيل في الخدود: قال ابن المعتز: صل بخدي خديك تلق عجيبا ... من معان يحار فيها الضمير فبخديك للربيع رياض ... وبخّديّ للدموع غدير «٣» وقال آخر: ورد الخدود ونرجس اللحظات ... وتصافح الشفتين في الخلوات شيء أسر به وأعلم أنّه ... وحياته أحلى من اللذات ومما قيل في الثغور: قال يوسف بن مسعود الصواف: بروحي من ولى فولى بمهجتي ... وولى منامي وهو كالوصل شارد

стр. 263

حمى ثغره مني بسيف لحاظه ... وحتّام يحمي ثغره وهو بارد وقال آخر: أنفقت كنز مدامعي في ثغره ... وجمعت فيه كل معنى شارد وطلبت منه جزاء ذلك قبلة ... فمضى وراح تغزلي في البارد وقال آخر: رأى ثغر من أهوى عذولي فقال لي ... ولم يدر أن اللوم في خده يغري شغلت بهذا وارتبطت بحسنه ... وأحسن ما كان الرباط على ثغر وقال ابن ريان: لاحت على مبسمه المشتهى ... ثلاث شامات غدت في التثام لا تعجبوا إن كثرت حوله ... فالمنهل العذب كثير الزحام ومما قيل في حسن الحديث: قال البحتري: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الّدر حسنا ولا قطه «١» فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه «٢» وقال ابن الرومي: يمسي ويصبح معرضا فكأنّه ... ملك عزيز قاهر سلطانه ليست إساءته بناقصة له ... درّ يساقطه إليّ لسانه وما أحسن هذه الأبيات: وهي من طارف الشعر ووافره وناقده وجيد الكلام وبارع الوصف: وكلّ حديث الناس إلا حديثها ... رجيع وفيما حدثتك الطرائف جرحن بأعناق الظباء وأعين ال ... جآذر وارتجت بهن الروادف رجحن بأرداف ثقال وأسوق ... جزال وأعضاء عليها المطارف ومما قيل في رقة البشرة: قال ابن المعتز: نضت عنها القيمص لصبّ ماء ... فورّد خدّها فرط الحياء «٣» وقابلت الهواء وقد تعرت ... بمعتدل أرقّ من الهواء «٤» ومدت راحة كالماء منها ... إلى ماء عتيد في إناء «٥» فلما أن قضت وطرا وهمّت ... على عجل إلى أخذ الرداء رأت شخص الرقيب على تدان ... فأسبلت الظلام على الضياء «٦» فغاب الصبح منها تحت ليل ... وظلّ الماء يقطر فوق ماء وقال آخر: تغيّر عن مودته وحالا ... وكان مواصلا فطوى الوصالا وعلّمه التدلل كيف هجري ... فليت الوصل كان له دلالا ترى من فوق حقويه قضيبا ... إذ ما حركته خطاه مالا «٧» وقال بشار: وما ظفرت عيني غداة لقيتها ... بشيء سوى أطرافها والمحاجر كحوراء من حور الجنان غريرة ... يرى وجهه في وجهها كلّ ناظر «٨»

стр. 264

ومنه أخذ أبو نواس قوله: نظرت إلى وجهه نظرة ... فأبصرت وجهي في وجهه وقال آخر: توهمه قلبي فأصبح خدّه ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر ومر بفكري جسمه فجرحته ... ولم ار جسما قط تجرحه الفكر وقال آخر: سقى الله روضا قد تبدى لناظر ... به شادن كالغصن يلهو ويمرح وقد نضحت خداه من ماء ورد ... وكل إناء بالذي فيه ينضح وقال آخر: وأهيف خدّه كسي احمرارا ... وحاز الحسن فهو بلا شبيه فلو أخجلته بالقول جهدي ... لحمرة خدّه ما بان فيه «١» ومما قيل في التقبيل: لمظفر الأعمى: قبلته فتلظى جمر وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق وجال بينهما ماء ولا عجب ... لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق وقال آخر: سألته في ثغره قبلة ... فقال ثغري لم يجز لثمه فهاكها في الخد واقنع بها ... ما قارب الشيء له حكمه وقال صاحب حماة: قال الذي تيمني ... قولوا لمن خبّلته يروم مني قبلة ... لو مات ما قبلته وللشيخ عز الدين الموصلي: كالزرد المنظوم أصداغه ... وخدّه كالورد لما ورد بالغت في اللثم وقبلته ... في الخد تقبيلا يفكّ الزرد وقال آخر: رأيت الهلال على وجهه ... فلم أدر أيهما أنور سوى أن ذاك بعيد المزار ... وهذا قريب لمن ينظر وذاك يغيب وذا حاضر ... وما من يغيب كمن يحضر ونفع الهلال قليل لنا ... ونفع الحبيب لنا أكثر وقال ابن صابر: قبلّت وجنته فألفت جيده ... خجلا وماس بعطفه المياس فانهلّ من خديه فوق عذاره ... عرق يحاكي الطلّ فوق الآس «٢» فكأنني استقطرت ورد خدوده ... بتصاعد الزفرات من أنفاسي وقال آخر: قبّلت رجل حبيبي ... فازورّ واحمرّ خدّا وقال تلثم رجلي ... لقد تنازلت جدّا فقلت ما جئت بدعا ... ولا تجاوزت حدّا رجل سعت بك نحوي ... حقوقها لا تؤدى «٣» ومما قيل في الوجه الحسن:

стр. 265

قال ابن نباتة: إنسية في مثال الجن تحسبها ... شمسا بدت بين تشريق وتغميم شقّت لها الشمس ثوبا من محاسنها ... فالوجه للشمس والعينان للريم وقال عبد الله بن أبي خبيص: تصدّ من غير علة ... بالعزّ أضحت مذلّة كأنها حين تدنو ... شمس عليها مظلّة وان أضاءت بليل ... تفوق نور الأهلّة وقال آخر: أقسم بالله وآياته ... ما نظرت عيني إلى مثله ولا بدا وجهه طالعا ... إلّا سألت الله من فضله «١» وقال آخر: أقيمي مكان البدر إن أفل البدر ... وقومي مقام الشمس قد أمّها الفجر ففيك من الشمس المنيرة نورها ... وليس لها منك التبسّم والثّغر وقال عمر بن أبي ربيعة: ذات حسن إن تغب شمس الضحى ... فلنا من وجهها عنها خلف أجمع الناس على تفضيلها ... وهواهم في سوى هذا اختلف أخذ أبو تمام هذا المعنى فرده إلى المدح فقال: لو أن إجماعنا في فضل سؤدده ... في الدين لم يختلف في الأمة اثنان وقال آخر: يا مفردا في الحسن والشكل ... من دلّ عينيك على على قتلي البدر من شمس الضحى نوره ... والشمس من نورك تستملي وقال آخر: ففي أربع منيّ حلت منك أربع ... فما أنا أدري أيها هّاج لي كربي أوجهك في عيني أم الريق في فمي ... أم النطق في سمعي أم الحبّ في قلبي فلما سمعه إسحاق بن يعقوب الكندي قال هذا تقسيم فلسفي وجعله العلوي خمسة فقال: وفي خمسة منيّ حلت منك خمسة ... فريقك منها في فمي طيّب الرشف ووجهك في عيني ولمسك في يدي ... ونطقك في سمعي وعرفك في أنفي «٢» وقال ابن نباتة: أيها العاذل الغبيّ تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب وتعجّب لطرة وجبين ... إنّ في الليل والنهار عجائب وقال محمود المخزومي: رأيتك في الشمس المنيرة غدوة ... فكنت على عينيّ أبهى من الشمس لأنك تزهو إن بدا الليل بهجة ... وشمس الضحى ليست تضيء إذا تمسي ومما قيل في البنان المخضبّ: قال ابن الرومي: وقفت وقفة بباب الطاق ... ظبية من من مخدرات العراق «٣» بنت سبع وأربع وثلاث ... أسرت قلب صبّها المشتاق قلت من أنت يا غزال فقالت ... أنا من لطف صنعة الخلّاق لا ترم وصلنا فهذا بنان ... قد صبغناه من دم العشّاق

стр. 266

وقال الراضي بالله: قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها ... في خدّها وقد اعتلقت خطابها فظننت أن بنانها من فضة ... قطفت بنور بنفسج عنّابها وقال آخر: لما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنّا بدمع ناطق فرقن بين محاجر ومعاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق وقال آخر: ولما تلاقينا رأيت بنانها ... مخضبة تحكي عصارة عندم فقلت خضبت الكفّ بعدي أهكذا ... يكون جزاء المستهام المتيّم فقالت وأذكت في الحشى لاعج الجوى ... مقالة من بالوّد لم يتبرم بكيت دما يوم النوى فمسحته ... بكفيّ فاحمرّت بناني من دمي وقال آخر: دنوت عشية التوديع منّي ... ولي عينان بالدمّ تجريان فلم يمسحن إكراما جفوني ... ولكن رمن تخضيب البنان ومما قيل في النحور: قال دعبل: أتاح لك الهوى بيضا حسانا ... تباهى بالعيون وبالنحور نظرت إلى النحور فكدت تقضي ... فكيف إذا نظرت إلى الخصور ومما قيل في نعت النهود: قال العباس بن الأحنف: والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الضعيف الوالد جال الوشاح على قضيب زانه ... تفاح صدر ما حوته ناهد وقال عمرو بن كلثوم: تراك إذا دخلت على خلاء ... قد امتدت عيون الكاشحينا «١» لنهد مثل حقّ العاج حسنا ... حصينا من أكف اللامسينا «٢» وقال آخر: صدور فوقهن حقاق عاج ... ودرّ زانه حسن اتساق يقول الناظرون إذا رأوه ... أهذا الحلي من هذي الحقاق وما تلك الحقاق سوى ثدي ... جعلن من الحقاق على وفاق نواهد لا يعدّ لهن عيب ... سوى منع المحب من العناق وقال آخر: لقد فتكت عيون الغيد فينا ... ببيض مرهفات وهي سود وتطعننا القدود إذا التقينا ... بسمر من أسنّتها النهود ومما قيل في المعاصم: قال عمر بن أبي ربيعة: حسروا الوجوه بأذرع ومعاصم ... ورنوا بنجل للقلوب كوالم «٣» حسروا الأكمّة عن سواعد فضة ... فكأنما انتصبت متون صوارم ومما قيل في اعتدال القوام: قال صلاح الدين الصفدي: تقول له الأغصان مذ هزّ عطفه ... أتزعم أنّ اللّين عندك ما ثوى فقم نحتكم للروض عند نسيمه ... لتقضي على من مال منا إلى الهوى وقيل: ليس لأحد من شعراء العرب في نعت محاسن

стр. 267

النساء من الأوصاف البارعة مع جودة السبك ورقة اللفظ ما لذي الرمة حتى كأنه حضري من أهل المدن لا من أهل الوبر. وقال آخر: ومحكم أعطافه ... في قتل صب ما غوى فاعجب لعادل قدّه ... في النفس يحكم بالهوى وقال آخر: ومهفهف عني يميل ولم يمل ... يوما إليّ فصحت من ألم الجوى لم لا تميل إليّ يا غصن النقا ... فأجاب كيف وأنت من أهل الهوى ومما قيل في الساق: قال ذو الرمّة: لم أنسه إذ قام يكشف عامدا ... عن ساقه كاللؤلؤ البرّاق لا تعجبوا إن قام فيه قيامتي ... إنّ القيامة يوم كشف السّاق وقال آخر: جاءت بساق أبيض أملس ... كلؤلؤ يبدو لعشّاقها وقال ابن منقذ: بدر ولكنّه قريب ... ظبي ولكنّه أنيس إن لم يكن قدّه قضيبا ... فما لأعطافه تميس «١» ومما قيل في مشي النساء: قال بعضهم: يهززن للمشي أطرافا مخضّبة ... هزّ الشمال ضحى عيدان نسرين أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي الرجال فزاد المتن في اللين» وقال آخر: يمشين مشي قطا البطاح تأودا «٣» ... قبّ البطون «٤» رواجح الأكفال «٥» فكأنهن إذا أردن زيارة ... يقلعن أرجلهنّ من أوحال ومما قيل في العناق وطيبه: لابن المعتز: ما أقصر الليل على الرافد ... وأهون السقم على العائد كأننّي عانقت ريحانة ... تنفسّت في ليلها البارد فلو ترانا في قميص الدّجى ... حسبتنا في جسد واحد وقال آخر: وموشح نازعت فضل وشاحه ... وأعرته من ساعديّ وشاحا بات الغيور يشقّ جلدة وجهه ... وأمال أعطافا عليّ ملاحا وقال ابن المعدل: أقول وجنح الدّجى مسبل ... واللّيل في كلّ فج يد ونحن ضجيعان في مسجد ... فلله ما ضمنّا المسجد أيا غد إن كنت لي محسنا ... فلا تدن من ليلتي يا غد ويا ليلة الوصل لا تقصري ... كما ليلة الهجر لا تنفد وقال آخر: ليل رقيق الطرتين تظلمّت ... كواكبه من بدره المتألق «٦»

стр. 268

لهونا بغزلان الصريمة تحته ... نميت الهوى ما بين صدر ومرفق قال ابن المعتز: وكم عناق لنا وكم قبل ... مختلسات حذار مرتقب نقر العصافير وهي خائفة ... من النواطير يانع الرطب وقال ديك الجن: ومعدولة مهما أمالت ازارها ... فغصن وأما قدّها فقضيب لها القمر الساري شقيق وإنها ... لتطلع أحيانا له فيغيب أقول لها والليل مرخ سدوله ... وغصن الهوى غضّ النّبات رطيب لأنت المنى يا زين كل مليحة ... وأنت الهوى أدعى له فأجيب وقال آخر: يا ليل دم لي لا أريد براحا ... حسبي بوجه معذبي مصباحا حسبي بمضحكه إذا استضحكته ... مستغنيا عن كل نجم لاحا طوّقته طوق العناق بساعد ... وجعلت كفّي للثام وشاحا هذا هو اليوم النعيم فخلنا ... متعانقين فلا نريد براحا وقال آخر: ولم أنس ضمّي للحبيب على رضا ... ورشفي رضابا كالرحيق المسلسل ولا قوله لي عند تقبيل خدّه ... تنقّل فلذّات الهوى في التنقّل ومما قيل في السمن: قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي ﵁ يقول: ما رأيت سمينا عاقلا إلا محمد بن الحسن. قال الشاعر: لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن ... لكنني أعشق السّمر المهازيلا إني امرؤ أركب المهر المضمّر في ... يوم الرهاب وغيري يركب الفيلا ومما قيل في مدح الألوان والثياب: مدح البياض: قال رسول الله ﷺ : «البياض نصف الحسن» . وكان ﷺ أبيض أزهر اللون مشربا بحمرة. قال الشاعر: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأول ومما قيل في مدح السواد: قيل لبعضهم: ما تقول في السواد؟ قال: النور في السواد. أراد بذلك نور العينين في سوادهما. وقال بعضهم: قالوا تعشّقتها سوداء قلت لهم ... لون العوالي ولون المسك والعود إني امرؤ ليس شأن البيض مرتفعا ... عندي ولو خلت الدنيا من السود وقال الحيقطان: لئن كنت جعد الرأس اللون فاحم ... فأنّي بسيط الكف والعرض أزهر «١» وإن سواد اللون ليس بضائري ... إذا كنت يوم الروع بالسيف أخطر دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون فقال: إنك لنعم الخليفة الأسود، فقال إبراهيم: نعم، فتمثل المأمون ببيت نصيب، فقال: إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق ثم قال يا عم: أخرجنا الهزل إلى الجد، فأنشد إبراهيم: ليس يزري السواد بالرجل الشهم ... ولا بالفتى الأريب الأديب إن يكن للسواد فيك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي وقال آخر: لام العواذل في سوداء فاحمة ... كأنّها في سواد القلب تمثال

стр. 269

وهام في الخال أقوام وما علموا ... أنّي أهيم بشخص كله خال «١» وقيل لمدني: كيف رغبتم في السواد؟ فقال: لو وجدنا بيضاء لسوّدناها. وقال آخر: يكون الخال في خد قبيح ... فيكسوه الملاحة والجمالا فكيف يلام ذو عشق على من ... يراها كلّها في الخد خالا وقال آخر: فاستحسنوا الخال في خد فقلت لهم ... إنّي عشقت مليحا كلّه خال وقال أبو حاتم المدني ينشد: ومن يك معجبا ببنات كسرى ... فإنّي معجبا ببنات حام «٢» وتفاخرت حبشية ورومية، فقالت الرومية: أنا حبة كافور، وأنت عدل فحم «٣» ، فقالت الحبشية: أنا حبة مسك، وأنت عدل ملح. وقد قال الشاعر: أحب لحبّها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب وقال آخر: أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده لا شكّ إذ لونكما واحد ... أنّكما من طينة واحده ومما قيل في الصفرة: قال الشاعر: أصفراء كان الهجر منك مزاحا ... ليالي كان الود منك مباحا كأنّ نساء الحي ما دمت فيهم ... قباحا فلمّا غبت صرن ملاحا «٤» وقال آخر: قالوا به صفرة شانت محاسنه ... فقلت ما ذاك من عيب به نزلا عيناه مطلوبة في ثار من قتلت ... فلست تلقاه إلّا خائفا وجلا ومما قيل في طول اللحية: قيل: إن اللحية الطويلة عش البراغيث. ونظر يزيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة تلتف على صدره وإذا هو خاضب «٥» ، فقال له: يا هذا إنك من لحيتك في مؤنة، فقال: أجل، ولذلك أقول: لها درهم للدهن في كل جمعة ... وآخر للحنّاء ينتدبان ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لأصبح في حافاتها الحمنان «٦» وقال إسحاق بن خلف في قصير طويل اللحية: ماشيت داود فاستضحكت من عجب ... كأنّه والد يمشي بمولود ما طول داود إلا طول لحيته ... يظن داود فيها غير موجود وقال ابن المقفع: تأملت أسواق العراق فلم أجد ... دكاكينهم إلّا عليها المواليا جلوسا عليها ينفضون لحاءهم ... كما نفضت عجف البغال المخاليا «٧» ومما جاء في عظم الخلقة والطول والقصر: قيل: خرب القهنذر «٨» فبرزت منه جماجم أموات، فتصدعت جمجمة فانتشرت أسنانها، فوزن السن منها. فكان وزنها أربعة أرطال، فأتي بها إلى ابن المبارك، فجعل يقلبها ويتعجب من عظمتها، ثم قال:

стр. 270

إذا ما تذكرت أجسامهم ... تصاغرت النفس حتى تهون وأراد ملك الروم أن يباهي أهل الإسلام فبعث إلى معاوية رجلين أحدهما طويل والثاني قصير شديد القوة، فدعا للطويل بقيس بن سعد بن عبادة فنزع قيس سراويله ورمى بها إليه، فلبسها الطويل فبلغت ثدييه، فلاموا قيسا على نزع السراويل، فقال: أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود وكي لا يقولوا خان قيس وهذه ... سراويل عاد أحرزتها ثمود وإليّ من القوم اليمانين سيّد ... وما الناس إلا سيد ومسود ثم دعا معاوية للرجل الشديد في قوته بمحمد بن الحنفية، فخيره بين أن يقعد فيقيمه أو يقوم فيقعده، فغلبه في الحالتين وانصرفا مغلوبين. وقيل: كان سلمة بن مرة الناموسي أسر امرأ القيس بن النعمان اللخمي الملك، وكان الناموسي قصيرا مقتحما، واللخمي طويلا جسيما، فقالت بنت امرىء القيس: يا هذا القصير أطلق أبي، فسمعه سلمة بن مرة، فقال: لقد زعمت بنت امرىء القيس أنني ... قصير وقد أعيا أباها قصيرها وربّ طويل قد نزعت سلاحه ... وعانقته والخيل تدمى نحورها وقالوا: عظم اللحية يدل على البله وعرضها على قلة العقل وصغرها على لطف الحركة، وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد، والعين المتوسطة في حجمها تدل على الفطنة، وحسن الخلق والمروءة، والتي يطول تحديقها تدل على الحمق، والتي تكسر طرفها تدل على خفة وطيش. والشعر على الأذن يدل على جودة السمع، والأذن الكبيرة المنتصبة تدل على حمق وهذيان. ومما قيل في القبح والدمامة: أراد رجل أن يكتب كتابا لبعض أصحابه فلم يجد من يرسله معه إلا رجلا وحش الصورة بشع المنظر، فلم يقدر على تحليته لفرط دمامته، فكتب إلى صاحبه يأتيك بهذا الكتاب آية على آيات الله تعالى وقدره، فدعه يذهب إلى نار الله وسقره. ومر أبو الأسود الدؤلي بمجلس لبني بشير فقال: بعض فتيانهم كأن وجهه وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاقها. وقال الجاحظ: ما أخجلني قط إلا امرأة مرت بي إلى صائغ، فقالت له: اعمل مثل هذا، فبقيت مبهوتا، ثم سألت الصائغ، فقال: هذه المرأة أرادت أن أعمل صورة شيطان. فقلت: لا أدري كيف أصوره، فأتت بك إليّ لأصوره على صورتك. وفي الجاحظ يقول الشاعر: لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلّا دون قبح الجاحظ رجل ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو العمى في عين كلّ ملاحظ ولو أنّ مرآة جلت تمثاله ... ورآه كان له كأعظم واعظ وقال الأصمعي: رأيت بدوية من أحسن الناس وجها ولها زوج قبيح، فقلت: يا هذه أترضين أن تكوني تحت هذا؟ فقالت: يا هذا لعله أحسن فيما بينه وبين ربه، فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربي، فجعله عذابي، أفلا أرضى بما رضي الله به. وحج مخنث، فرأى رجلا قبيح الوجه يستغفر، فقال: يا حبيبي ما أراك أن تبخل بهذا الوجه على جهنم. وقال بعضهم لرجل: طلع لي دمل في أقبح المواضع، فقال له: كذبت هذا وجهك ليس فيه شيء. وخرج رجل قبيح الوجه إلى المتجر، فدخل اليمن، فلم ير فيها أحسن منه وجها، فقال: لم أر وجها حسنا ... منذ دخلت اليمنا فيا شقاء بلدة ... أحسن من فيها أنا وخطب رجل عظيم الأنف امرأة، فقال لها: قد عرفت أني رجل كريم المعاشرة محتمل المكاره، فقالت: لا شك في احتمالك المكاره مع حملك هذا الأنف أربعين سنة. وقال الشاعر في رجل كبير الأنف: لك وجه وفيه قطعة أنف ... كجدار قد أدعموه ببغله وهو كالقبر في المثال ولكن ... جعلوا نصبه على غير قبله

стр. 271

وقال آخر: لك أنف من أنوف ... أنفت منه الأنوف «١» أنت في القدس تصلّي ... وهو في البيت يطوف ومما جاء في الثقلاء: قال مطيع بن إياس: قلت لعباس أخينا ... يا ثقيل الثقلاء أنت في الصيف سموم «٢» ... وجليد في الشتاء أنت في الأرض ثقيل ... وثقيل في السماء ومما جاء في الملابس وألوانها والعمائم ونحوها: قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ «٣» . وقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ «٤» . وقال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» . وقال ﷺ : «تعمموا تزدادوا جمالا» . وقال ﷺ : «العمائم تيجان العرب» . وكان الزبير بن العوام يقاتل يوم بدر وعليه عمامة صفراء، فنزلت الملائكة، وعليهم عمائم صفر قد أرخوها. وبعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، فتخلف عن الجيش، وأتى إلى رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء من خز، فنقضها رسول الله ﷺ وعممه بيده وأسدلها بين كتفيه قدر شبر، وقال: هكذا اعتم يا ابن عوف. وبعث ملك الروم إلى النبي ﷺ جبة ديباج، فلبسها ثم كساها عثمان. وكان سعيد بن المسيب يلبس الحلة بألف درهم ويدخل المسجد، فقيل له في ذلك، فقال: إني أجالس ربي. وقيل: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة. وقيل: البس البياض والسواد، فإن الدهر هكذا بياض نهار وسواد ليل: ومما قيل في لبس السواد قول أبي قيس: رأيتك في السواد فقلت بدرا ... بدا في ظلمة الليل البهيم وألقيت السواد فقلت شمس ... محت بشعاعها ضوء النجوم وقدم تاجر إلى المدينة يحمل من خمر العراق، فباع الجميع إلا السود، فشكا إلى الدارمي ذلك، وكان الدارمي قد نسك وتعبد، فعمل بيتين، وأمر من يغني بهما في المدينة، وهما هذان البيتان: قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بزاهد متعبّد قد كان شمّر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد قال: فشاع الخبر في المدينة أن الدارمي رجع عن زهده وتعشق صاحبة الخمار الأسود، فلم يبق في المدينة مليحة إلا اشترت لها خمارا أسود، فلما أنفذ التاجر ما كان معه رجع الدارمي إلى تعبده وعمد إلى ثياب نسكه فلبسها. وقال آخر في لابسة الأحمر: وشمس من قضيب في كثيب ... تبدّت في لباس جلناري سقتني ريقها صرفا وحيّت ... بوجنتها فهاجت جلّ ناري وقال آخر في لابسة ثوب خمري: في ثوبها الخمري قد أقبلت ... بوجنة حمراء كالجمر فملت سكرا حين أبصرتها ... لا تنكروا سكري من الخمر وقال الصنوبري في لابسة أخضر: وجارية أدّبتّها الشطاره ... ترى الشمس من حسنها مستعاره بدت في قميص لها أخضر ... كما ستر الورق الجلناره فقلت لها ما اسم هذا اللباس ... فأبدت جوابا لطيف العباره شققنا مرائر قوم به ... فنحن نسمّيه شقّ المراره وقال حكيم لابنه: إياك أن تلبس ما يديم الملك نظره إليك به، واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا الأحمق أو ملك. وعليك بالبياض. وقيل: لباس البخلاء الاستبرق لطول بقائه، ولباس المترفين السندس لقلة بقائه، ولباس المقتصدين الديباج لتوسط بقائه.

стр. 272

وقال بعض الأمراء لحاجبه: أدخل عليّ عاقلا، فأتاه برجل، فقال: بم عرفت عقله؟ فقال: رأيته يلبس الكتان في الصيف والقطن في الشتاء. والملبوس في الحر، والجديد في البرد. وقيل: كان لأبرويز عمامة طولها خمسون ذراعا إذا اتسخت ألقاها في النار فيحترق الوسخ ولا تحترق، وكان له رداء حسن يتلون كل ساعة وسراويل مجوهرة، وتكة من أنابيب الزمرد. وقيل: الأقبية لباس الفرس، والقراطق لباس الهند، والأزر لباس العرب. وسئل بعض العرب عن الثياب، فقال: الصفر أشكل، والحمر أجمل، والخضر أقبل، والسود أهول، والبيض أفضل. وقال أفلاطون: الصبغ الشقائقي، والروائح الزعفرانية تسكن الغضب، والصبغ الياقوتي والروائح الوردية تحرك السرور، وإذا قرب اللون الأحمر إلى اللون الأصفر تحركت القوة العشقية، وإذا مزجت الحمرة بالصفرة تحركت القوة الغريزية، وإذا مزجت التفاحية بالحمرة تحركت الطبائع كلها. وكان مصعب بن الزبير يقول: لكل شيء راحة، وراحة البيت كنسه، وراحة الثوب طيه. وقال بعض الأعراب: رأيت في البصرة برودا كأنها نسجت بأنواع الربيع. ودخل بعض العذريين على معاوية وعليه عباءة، فازدراه، فقال يا أمير المؤمنين: إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها. ومما قيل فيمن رذل لبسه وعرف نفسه: قال الأصمعي: رأيت أعرابيا فاستنشدته، فأنشدني أبياتا، وروى أخبارا، فتعجبت من جماله وسوء حاله، فسكت سكتة ثم قال: أأخيّ إن الحادثا ... ت عركنني عرك الأديم لا تنكرن أن قد رأيت ... أخاك في طمري عديم «١» إن كان أثوابي رثاث ... فإنّهنّ على كريم قال بعضهم وقيل للشافعي رحمه الله تعالى: عليّ ثياب لو تقاس جميعها ... بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا وفيهنّ نفس لو يقاس ببعضها ... نفوس الورى كانت أجلّ وأكبرا وما ضرّ نصل السيف إخلاق غمده ... إذا كان عضبا حيث وجّهه برى «٢» ودخل بعضهم على الرشيد فازدراه، فأنشده: ترى الرجل الخفيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور ويعجبك الطرير فتبتليه ... فيخلف ظنّك الرجل الطرير لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير يصرّفه الصبي بغير وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا عار عليه ولا نكير فإن أك في شراركمو قليلا ... فإنّي في خياركمو كثير ويقال: كل ما تشتهيه نفسك والبس ما تشتهيه الناس وقد نظمه من قال: إنّ العيون رمتك إذ فاجأتها ... وعليك من مهن الثياب لباس أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... واجعل لباسك ما اشتهته الناس وفي هذا القدر كفاية والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب السابع والأربعون في التختم والحلى والمصوغ والطيب والتطيب وما أشبه ذلك ما جاء في التختم: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتختم في يمينه، وقبض ﵊ والخاتم في يمينه.

стр. 273

قال بعض من مدحه ﵊: كف الرسالة ليس يخفى حسنها ... وتمام حسن الكفّ لبس الخاتم وذكر السلامي أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يمينه، والخلفاء بعده، فنقله معاوية رضي الله تعالى عنه إلى اليسار، وأخذ الأموية بذلك، ثم نقله السفاح إلى اليمين، فبقي إلى أيام الرشيد رضي الله تعالى عنه، فنقله إلى اليسار، وأخذ الناس بذلك. وعن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ «تختموا بخواتيم العقيق، فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام عليه ذلك» . وبلغ عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أن ابنه اشترى فص خاتم بألف دينار، فكتب إليه عزمت عليك إلا ما بعت خاتمك بألف دينار وجعلتها في بطن جائع، واستعمل خاتما من ورق «١» وانقش عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه. وكان خاتم علي ﵁ من ورق، ونقشه: نعم القادر الله. وكان لأبي نواس خاتمان أحدهما عقيق مربع وعليه مكتوب: تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما والآخر حديد صيني عليه: أشهد أن لا إله إلا الله مخلصا، وأوصى عند موته أن يغسل الفص ويجعل في فمه. قال جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنه: ما افتقرت يد تختمت بخاتم فيروزج. وقيل: الخواتم أربعة: الياقوت للعطش، والفيروزج للمال، والعقيق للسنة، والحديد الصيني للحرز. وقيل للخوف، والله أعلم. ذكر ما جاء في الحلى: قيل: إن قرطي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية كان فيهما درتان كبيض الحمام لم ير مثلهما، ولم يدر قيمتهما. وقال محمد: بعثني يوسف بن عمر إلى هشام بياقوتة حمراء يخرج طرفاها من كفي، كانت للرائقة جارية خالد بن عبد الله القسري اشترتها بثلاثة وسبعين ألف دينار، وحبة لؤلؤ أعظم ما يكون من الحب، فدخلت عليه بهما فقال: اكتب معك بوزنهما، فقلت يا أمير المؤمنين: هما أعظم من أن يكتب بوزنهما، فقال: صدقت: وبعث معاوية إلى عائشة رضي الله تعالى عنها طوقا من ذهب فيه جوهرة قومت بمائة ألف دينار، فقسمته بين أزواج النبي ﷺ ، وكان ملك العرب كلما مرت عليه سنة من سني ملكه زيدت في تاجه خرزة، وكان يقال لها خرزات الملك. ذكر ما جاء في الطيب والتطيب: قال رسول الله ﷺ : «أطيب الطيب المسك» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب «٢» في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم. وعن سهل بن سعد يرفعه: «إن في الجنة لمرعى من مسك مثل مراعي دوابكم هذه» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فنام فعرق فجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ وقال: يا أم سليم: ما هذا الذي تصنعين؟ فقالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب رائحة الطيب. وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لو كنت تاجرا ما اخترت على العطر إن فاتني ريحه لم يفتني ربحه. وناول المتوكل فتى فارة المسك فقال: لئن كان هذا طيبنا وهو طيب ... لقد طيّبته من يديك الأنامل وأهدى عبد الله بن جعفر لمعاوية قارورة من الغالية، فسأله: كم أنفق عليها، فذكر مالا جزيلا، فقال: هذه غالية فسميت بذلك. وشمها مالك بن سليمان بن خارجة من أخته هند بنت أسماء فقال: علميني كيف تصنعين طيبك؟ فقالت: لا أفعل، تريد أن تعلمه جواريك، هو لك مني كلما أردته، ثم قالت: والله إني ما تعلمته إلا من شعرك حيث تقول: أطيب الطيب عرف أم أبان ... فار مسك بعنبر مسحوق قال أبو قلابة: كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف جيران الطريق أنه مر من طيب ريحه، وعن الحسن بن زيد الهاشمي، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلي جسده، فإذا مرّ في الطريق قال الناس: أمرّ ابن عباس أم مر المسك؟

стр. 274

وعنه، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين أحرم والغالية على صدغيه كأنها لزقة. وقال أبو الضحى: رأيت على رأس الزبير من المسك ما لو كان لي لكان رأس مالي. وقيل: لما بنى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بفاطمة بنت عبد الملك، أسرج في مسارجه تلك الليلة بالغالية. وقال الشعبي: الرائحة الطيبة تزيد في العقل. وقال علي كرم الله تعالى وجهه: تشمموا النرجس ولو في العام مرة، فإن في قلب الإنسان حالة لا يزيلها إلا النرجس. وكان الشعبي يقول: إذا ورد الورد صدر البرد. وكانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستحبون إذا قاموا من الليل أن يمسوا لحاهم بالطيب. وكان من اختلف في طرقات المدينة وجد عرفا طيبا، قيل: ولذلك سميت طيبة. وأقول: والله ما طابت طيبة إلا بالقلب الطاهر ﷺ وما أحسن ما قيل: إذا لم أطب في طيبة عند طيب ... به طيبة طابت فأين أطيب وقيل: إن فارة المسك دويبة شبيهة بالخشف تصاد لسرتها، فإذا صادها الصياد عصب السرة بعصابة شديدة، فيجتمع فيها دمها ثم يذبحها، ثم يأخذ السرة فيدفنها في الشعير حتى يستحيل الدم المجتمع فيها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام نتنا. وقد يوجد جرذان سود يقال لها فارات المسك ليس عندها إلا رائحة لازمة لها. وحكي أن العنبر يأتي على طفاوة الماء لا يدري أحد معدنه، فلا يأكله شيء إلا مات ولا ينقره طائر إلا بقي منقاره فيه، ولا يقع عليه حيوان إلا نصلت أظفاره فيه، والتجار والعطارون ربما وجدوا أظفارا فيه. وقال الزمخشري عفا الله عنه: سمعت ناسا من أهل مكة يقولون: هو من زبد بحر سرنديب. وأجود العنبر الأشهب، ثم الأزرق، وأدونه الأسود. وفي حديث ابن عباس ﵄: ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء نثره البحر. وأما العود، فأجوده المندلي وهو منسوب إلى مندل قرية من قرى الهند. وأجوده أصلبه وامتحان رطبه أن تطبع فيه نقش الخاتم، فإن انطبع، فرطب وإلا فلا، ومن خصائصه أن رائحته تطبع في الثوب أسبوعا فلا يقمل ما دامت فيه. وأما الكافور فهو ماء شجر بجزيرة الكافور يخزونه بالحديد، فإذا خرج ظاهرا وضربه الهواء انعقد كالصموغ الجامدة على الأشجار، وأما الند فمصنوع وهو العود المستقطر والعنبر واللبان: لو كنت أحمل جمرا حين زرتكم ... لم ينكر الكلب أنّي صاحب الدار لكن أتيت وريح المسك يقدمني ... والعنبر الندّ مشبوب على النار وكانت ملوك الفرس تأمر برفع الطيب أيام الورد. وكان المتوكل يلبس أيام الورد الثياب الموردة ويفرش الورد في مجلسه، ويطيب جميع آلاته بالورد. وقال الحسن بن سهل: أمهات الرياحين تقوى بأمهات الطيب، فالنرجس يقوى بالورد، والورد يقوى بالمسك، والبنفسج يقوى بالعنبر، والريحان يقوى بالكافور، والنسرين يقوى بالعود. وقال جالينوس: المسك يقوي القلب، والعنبر يقوي الدماغ، والكافور يقوي الرئة، والعود يقوي المعدة، والغالية تحل الزكام، والصندل يحل الأورام. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تردوا الطيب فإنه طيب الريح خفيف المحمل» . تبخر بعض الأمراء وعنده أعرابي، ففرطت من الأمير ريح خفيفة، فأراد أن يعلم هل فطن بها الأعرابي أم لا؟ فقال: ما أطيب هذا المثلث! قال: نعم، ولكنك ربعتها. وقال الأحنف: إن شم رائحة المسك يحيي القلب. وقال سلمة لابن عباس وعنده جعفر بن سليمان: ما شمّت أنفي من ريح مسك شممته من الناس إلا ريح كفك أطيب. فأمر له بألف دينار، ومائة مثقال مسك، ومائة مثقال عنبر «١» ، والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثامن والاربعون في الشباب والصحة والعافية وأخبار المعمرين وما أشبه ذلك وفيه فصول الفصل الأول في الشباب وفضله روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما بعث الله نبيا إلا شابا ولا أوتي العلم عالما إلا شابا، ثم تلا

стр. 275

هذه الآية: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ ٦٠ «١» . وقد أخبر الله تعالى به، ثم آتى يحيى بن زكريا الحكمة. وقال تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا «٢» . وقال تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ «٣» . وقال تعالى: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ «٤» . وقال تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ «٥» . وقال أنس رضي الله تعالى عنه: قبض رسول الله ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وقد قدم رسول الله ﷺ أسامة بن زيد على جميع الأنصار وكبار المهاجرين على حداثة سنه، وعتاب بن أسيد ولّاه مكة وبها أكابر قريش، وعبد الله بن عباس على جلالة قدره وحفظه من العلم. وقال بعض البلغاء: الشباب باكورة الحياة، وأطيب العيش أوائله كما أن أطيب الثمار بواكيرها. والشباب أبلغ الشفعاء عند النساء وأكثر الوسائل لقلوبهن. ولذلك قال الشاعر: أحلى الرجال مع النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهنّ خدودا وما بكت العرب على شيء ما بكت على الشباب، ولو لم يكن هذا الشباب حميدا وزمانه حبيبا لوسامة صورته وبهجة منظره وجمال خلقته واعتدال قامته لما جاور الله في جنات خلده الشباب، كما قال رسول الله ﷺ : «جردا مردا أبناء ثلاثين» . وقد جاء في ذلك أشياء كثيرة ليس هذا موضع بسطها. الفصل الثاني في الشيب وفضله أول من شاب سيدنا إبراهيم الخليل ﵊. وفي الخبر أن الله تعالى يقول: «الشيب نوري وأنا أستحي أن أحرقه بناري» . وعن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: جاء رجلان إلى النبي ﷺ شيخ وشاب، فتكلم الشاب قبل أن يتكلم الشيخ، فقال ﵊: «كبّر كبّر» . وبهذه الرواية: من وقر كبيرا لكبر سنه آمنه الله من فزع يوم القيامة. وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى تعالى وعزتي وجلالي وفاقة خلقي إليّ أني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذبهما» . ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: أبكي ممن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله. وقال: من بلغ ثمانين من هذه الأمة حرمه الله على النار. وقال: إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات. وقيل: كان الرجل فيمن كان قبلكم لا يحتلم حتى يبلغ ثمانين سنة. وقال ابن وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم ابن مائتي سنة، فبكته الانس والجن لحداثة سنه. وقال النخعي: كان يقال إذا بلغ الرجل أربعين سنة على خلق لم يتغير عنه حتى يموت. وعن ابن عباس ﵄ رفعه: «من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار» . وعن أنس ﵁ قال: قال ملك الموت لنوح ﵊، يا أطول النبيين عمرا كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل في بيت له بابان، فقام وسط البيت ساعة ثم خرج من الباب الثاني. ويقال: أطع أكبر منك ولو بليلة. وقال عبد العزيز بن مروان: من لم يتعظ بثلاث لم ينته بشيء: الإسلام، والقرآن، والشيب. قال الشاعر: يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يجب ما عذر من يعمر بنيانه ... وعمره منهدم يخرب وقال الشعبي: الشيب علة لا يعاد منها ومصيبة لا يعزى عليها، وقال الفرزدق: ويقول كيف يميل مثلك للظبا ... وعليك من عظم المشيب عذار والشيب ينقص في الشباب كأنّه ... ليل يصيح بعارضيه نهار وقال أبو دلف في بياض اللحية: تكوّنني همّ لبيضاء نابته ... لها بغضة في مضمر القلب ثابته ومن عجب أنّي إذا رمت قصّها ... قصصت سواها وهي تضحك نابته

стр. 276

وقال أيضا: أرى شيب الرجال من الغواني ... بمبلغ شيبهن من الرّجال وقال ابن المعتز: فظللت أطلب وصلها بتذلّل ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي قيل: صاح شاب بشيخ أحدب، بكم ابتعت هذا القوس يا عماه؟ فقال: يا بني إني أعطيتها بغير ثمن. ومر رجل أشمط «١» بامرأة عجيبة في الجمال، فقال: يا هذه إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلا فأعلمينا. فقالت كأنك تخطبني؟ قال: نعم، فقالت: إن فيّ عيبا، قال: وما هو؟ قالت: شيب في رأسي، فثنى عنان دابته، فقالت: على رسلك، فلا والله ما بلغت عشرين سنة ولا رأيت في رأسي شعرة بيضاء، ولكنني أحببت أن أعلمك أني أكره منك مثل ما تكره مني، فأنشد، ويقال إنه لابن المعتز: رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر وقال آخر: سألتها قبلة يوما وقد نظرت ... شيبي وقد كنت ذا مال وذا نعم فأعرضت ومالت وهي قائلة ... لا والذي أوجد الأشياء من عدم ما كان لي في بياض الشيب من أرب ... أفي الحياة يكون القطن حشو فمي وقال آخر: قالت أرى مسكة الشعر البهيم غدت ... كافورة قد أحالتها يد الزمن فقلت طيب بطيب والتنقّل في ... معادن الطيب أمر غير ممتهن قالت صدقت وما أنكرت ذاك بذا ... ألمسك للشم والكافور للكفن «٢» وقال آخر: قالت آراك خضبت الشيب قلت لها ... سترته عنك يا سمعي ويا بصري فقهقهت ثم قالت من تعجبها ... تكاثر الغش حتى صار في الشعر وقال ابن نباتة: تبسّم الشيب بوجه الفتى ... يوجب سحّ الدمع من جفنه وكيف لا يبكي على نفسه ... من ضحك الشيب على ذقنه وقال ابن المعتز: فما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شامل وكان المأمون يتمثل بقول الشاعر: رأت وضحا في الرأس مني فراعها ... فريقان مبيض به وبهيم «٣» تفاريق شيب في السواد لوامع ... فيا حسن ليل لاح فيه نجوم ويقال في الرجل: إذا شاب ليله عسعس وصبحه تنفس: إذا نازع الشيب الشباب فأصلتا ... بسيفيهما فالشيب لا شكّ غالب وقال آخر: ألا إن شيب العبد من نقرة القفا ... وشيب كرام الناس شيب المفارق وقال العتبي: قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إنّ الشباب جنون برؤه الكبر وقال علي بن ربيع: كبرت ودقّ العظم مني وعقني ... بنيّ وزالت عن فراشي العقائد وأصبحت أعشى أخبط الأرض بالعصا ... يقودونني بين البيوت الولائد «٤» وقال آخر: عريت من الشباب وكنت غصنا ... كما يعرى من الورق القضيب ونحت على الشباب بدمع عيني ... فما نفع البكاء ولا النحيب

стр. 277

فيا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب وقال ابن النقيب: وكم كان من عين عليّ وحافظ ... وكم كان من واش لها ورقيب فلما بدا شيبي اطمأنّت قلوبهم ... ولم يحفظوني واكتفوا بمشيبي وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ما شبهت الشباب إلا كشيء كان في كمي فسقط. قال الشاعر: شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناك حتى يؤذنا بذهاب لم يبلغا المعشار من حقّيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب وقال الجاحظ: أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت في زمن الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب «١» ومما جاء في الخضاب: قال ﷺ : «عليكم بالخضاب فإنه أهيب لعدوكم وأعجب لنسائكم» . وعن أبي عامر الأنصاري ﵁: رأيت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يغير بالحناء والكتم. وقيل: خضاب الحناء يصفي البصر ويذهب بالصداع ويزيد في البهاء. تسوّد أعلاها وتأبى أصولها ... وليس إلى رد الشباب سبيل وقيل: وفد عبد المطلب بن هاشم على سيف بن ذي يزن. فقال له: لو خضبت شعرك، فلما رجع إلى مكة اختضب. فقالت امرأته نبيلة: ما أحسن هذا لو دام. فقال: ولو دام لي هذا الخضاب حمدته ... وكان بديلا من خليل قد انصرم تمتّعت منه والحياة قصيرة ... ولا بدّ من موت نبيلة أو هرم وقال آخر: يا خاضب الشيب الذي ... في كلّ ثالثة يعود إن الخضاب إذا نضا ... فكأنه شيب جديد «٢» فدع المشيب وما يري ... د فلن يعود كما تريد وقال محمود الوراق: فما منك الشباب ولست منه ... إذا سامتك لحيتك الخضابا الفصل الثالث في العافية والصحة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية» . وعنه ﷺ أنه قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له ألم أصح بدنك وأروك بالماء البارد» ؟ وقال علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ٨ «٣» . هو الأمن والصحة والعافية. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يسأل الله العباد عن الأبدان والأسماع والأبصار فيم استعملوها وهو أعلم بذلك. وقال ابن عيينة: من تمام النعمة طول الحياة في الصحة والأمن والسرور. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية. وقال قبيصة بن ذؤيب: كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجرة في مرضه: يا أهل النعم لا تستقلوا شيئا من النعم مع العافية. ويقال: البحر لا جوار له، والملك لا صديق له، والعافية لا ثمن لها «٤» . قال ابن الرومي: إذا ما كساك الدهر سربال صحة ... ولم تخل من قوت يحلّ ويقرب فلا تغبطن أهل الكثير فإنّما ... على قدر ما يعطيهم الدهر يسلب ويقال: صحة الجسم أوفر القسم. وذكر بعضهم العافية فقال: وأي وطاء وأي عطاء. وقال حكيم: إن كان شيء فوق الحياة، فالصحة وإن كان شيء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت، فالمرض وإن كان شيء مثل الموت فالفقر.

стр. 278

وقال علي رضي الله تعالى عنه: ما المبتلي الذي اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء. وقيل: إن فأرة البيوت رأت فأرة الصحراء في شدة ومحنة، فقالت لها: ما تصنعين ههنا؟ اذهبي معي إلى البيوت التي فيها أنواع النعيم والخصب، فذهبت معها وإذا صاحب البيت الذي كانت تسكنه قد هيأ لها الرصد لبنة تحتها شحمة، فاقتحمت لتأخذ الشحمة فوقعت عليها اللبنة فحطمتها، فهربت الفأرة البرية وهزت رأسها متعجبة وقالت: أرى نعمة كثيرة وبلاء شديدا إلا وإن الفقر والعافية أحب إليّ من غنى يكون فيه الموت، ثم فرت إلى البرية. وكان عند رومي خنزير فربطه إلى أسطوانة ووضع العلف بين يديه ليسمنه، وكان بجنبه أتان لها جحش، وكان ذلك الجحش يلتقط من العلف ما يتناثر، فقال لأمه: يا أماه ما أطيب هذا العلف لو دام. فقالت له: يا بني لا تقربه، فإن وراءه الطامة الكبرى «١» ، فلما أراد الرومي أن يذبح الخنزير ووضع السكين على حلقه جعل يضرب وينفخ، فهرب الجحش وأتى إلى أمه، وأخرج لها أسنانه وقال: ويحك يا أماه أنظري هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف فاقلعيه. فما أحسن القنع مع السلامة، والله أعلم بالصواب. الفصل الرابع في أخبار المعمرين في الجاهلية والإسلام قال الحسن رضي الله تعالى عنه: أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمر. وقال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أطولكم أعمارا في الإسلام إذا سدّدوا» . وزعموا أن تبعا الفزازي كان من المعمرين، وأنه دخل على بعض خلفاء بني أمية، فسأله عن عمره، فقال: عشت أربعمائة وعشرين سنة في فترة عيسى بن مريم ﵇ في الجاهلية، وستين في الإسلام. قال له: أخبرني عما رأيت في سالف عمرك قال: رأيت الدنيا ليلة في أثر ليلة ويوما في أثر يوم، ورأيت الناس بين جامع مال مفرق ومفرق مال مجموع، وبين قوي يظلم وضعيف يظلم، وصغير يكبر وكبير يهرم، وحي يموت وجنين يولد، وكلهم بين مسرور بموجود ومحزون بمفقود. وقد قال ابن الجوزي: إن آدم ﵇ عاش ألف سنة، وعاش ابنه شيث تسعمائة سنة، وعاش ابنه مهلاييل ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة، وعاش ابنه إدريس ثلاثمائة وخمسا وتسعين سنة، وعاش ابنه هود تسعمائة واثنتين وستين سنة، وعاش ابنه متوشلخ تسعمائة وستين سنة، وأما ابنه نوح ﵇، فروي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: عاش نوح ﵇ ألفا وأربعمائة وخمسين عاما. وأما الخضر ﵇ واسمه خضرون فهو أطول بني آدم عمرا. وذكر أن لقمان ﵇ عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. وكانت العرب لا تعد من الأعمار إلا ما بلغ مائة وعشرون سنة فما فوقها. وعاش أكثم بن صيفي ثلاثمائة وستين سنة وأدرك الإسلام، وعاش سطيح سبعمائة سنة، وعاش قس بن ساعدة الأيادي سبعمائة سنة، وكان من حكماء العرب. وعاش لبيد بن ربيعة الشاعر مائة وعشرين سنة، وأدرك الإسلام. وعاش دريد بن الصمة مائة وسبعين سنة حتى سقط حاجباه على عينيه وأدرك الإسلام ولم يسلم. ومن المعمرين عدي بن حاتم الطائي وزهير بن جنادة عاشا مائتين وعشرين سنة. ومن المعمرين ذو الأصابع العذري عاش مائتين وعشرين سنة، وهو أحد حكماء العرب في الجاهلية. ومن المعمرين: عمرو بن معديكرب الزبيدي، ومن المعمرين: عبد المسيح بن نفيلة عاش ثلاثمائة وعشرين سنة وأدرك الإسلام، وقد رأيت رجلا من أهل محلة مسير بالغربية، وذكر أنه بلغ من العمر مائة وأربعين سنة، وإن امرأته بلغت من العمر كذلك، ولقد رأيت منه ما لم أر من بعض شبان هذا العصر في القوة وشدة البأس، ورأيت له ولدا شيخا هو أشد قوة من ولده، وذلك في صفر سنة تسع وعشرين وثمانمائة، والله أعلم. الباب التاسع والأربعون في الأسماء والكنى والألقاب وما استحسن منها فأشرف الأسماء وأعظمها بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «٢» .

стр. 279

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ : «من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالا له ولاسمه عن أن يداس كان عند الله من الصديقين، وخفف عنه وعن والديه العذاب وإن كانا مشركين» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يرن إبليس لعنه الله قط إلا ثلاث رنات، رنة حين لعن وأخرج من ملكوت السموات والأرض. ورنة حين ولد محمد ﷺ ، ورنة حين أنزلت سورة الحمد وفي أولها بسم الله الرحمن الرحيم. وعن رسول الله ﷺ : «لا يرد دعاء أوله بسم الله الرحمن الرحيم، وإن أمتي يأتون يوم القيامة يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فتثقل حسناتهم في الميزان. فتقول الأمم: ما أثقل موازين أمة محمد، فتقول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ابتداء كلامهم ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى لو وضعت في كفة الميزان ووضعت سيئات الخلق في كفة لرجحت كفة الأسماء» . وأما الأسماء والكنى: ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «أحب أسمائكم إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة، وينبغي أن تنادي من لا تعرف اسمه بعبارة لطيفة لا يتأذى بها ولا يكون فيها كذب كقولك يا فقيه، يا أخي، يا فقير، يا سيدي، يا صاحب الثوب الفلاني أو البغل الفلاني أو الفرس الفلاني أو السيف الفلاني وما أشبه ذلك» . ودخل عبادة على المتوكل وبين يديه جام من ذهب فيه ألف مثقال، فقال له: أسألك عن شيء إن أجبتني عنه ابتداء من غير أن تفكر فلك الجام بما فيه، فقال: سل يا أمير المؤمنين، قال أسألك عن شيء له اسم ولا كنية له، وعن شيء له كنية ولا اسم له، قال: المنارة، وأبو رياح، فعجب المتوكل وأعطاه الجام بما فيه. وقيل: لعثمان «ذو النورين» ﵁ لأنه هو ورقية كانا أحسن زوجين في الإسلام، وقيل: لأنه تزوج برقية ثم بأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ ، ولم يوجد من تزوج بابنتي نبي غيره. وكان قتادة بن النعمان الأنصاري رضي الله تعالى عنه أصيب في عينه يوم أحد فسقطت على خده فردها رسول الله ﷺ ، فكانت أحسن وأصح من الأخرى، فكانت تعتل أي ترمد عينه الباقية، ولا تعتل عينه المردودة، فقيل له: ذو العينين. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: كنيت بهرة صغيرة كنت أحملها في حجري فألعب بها، وكان رسول الله ﷺ يقول: يا أبا هريرة، واختلف في اسمه، فقيل: عبد الرحمن، وقيل عبد شمس، وقيل عمير، وقيل سليمان. وقال الشعبي رضي الله تعالى عنه كنيت الدجال أبو يوسف. ذو الشهرة أبو دجانة الأنصاري رضي الله تعالى عنه كان له شهرة يلبسها بين الصفين. ذو الرياستين الفضل بن سهل لأنه دبّر أمر السيف والقلم وولي رياسة الجيوش والدواوين، ودخل عليه شاعر يوم المهرجان وبين يديه الهدايا، فقال: واليوم يوم المهرجان ... هديتي فيه اللسان لك دولتان حديثة ... وقديمة ورياستان لك في الورى من هاشم ... نبت وبيت خسروان علم الخليفة كيف أن ... ت فصرت في هذا المكان فأمر له بجميع الهدايا. المطيبون بنو عبد مناف وبنو أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب، ونعيم بن مرة، والحارث بن فهر غمسوا أيديهم في خلوق «١» ثم تحالفوا. شيبة هو عبد المطلب لقب بشيبة كانت في رأسه حين ولد، قال حذافة: بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه يضيء ظلام الليل كالقمر البدر، وقيل له: عبد المطلب لأن عمه المطلب مر به في سوق مكة مردوفا له «٢» فجعلوا يقولون: من هذا الذي وراءك فيقول: عبد لي. سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه اسمه عبد الله ولقباه العتيق والصديق لجماله وتصديقه بخبر الإسراء أو لأنه من صدّق رسول الله ﷺ . سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه لقب بالفاروق لأنه قال يوم أسلم:

стр. 280

لا يعبد الله اليوم سرا، فظهر به الإسلام، وفرق بين الحق والباطل. الكامل سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، لأنه كان يكتب ويحسن الرمي والعوم. طلحة بن عبد الله رضي الله تعالى عنه كان يقال له طلحة الخير، وطلحة الفياض، وطلحة الطلحات لسخائه. رشح الحجر، وأبو الريان عبد الملك بن مروان لقب بذلك لبخله وبخره. عكة العسل سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه. الحبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه لقب بذلك لعلمه، كان يقال له: مرة الحبر ومرة البحر. الأشدق عمرو بن سعيد لأنه كان مائل الشدق. الفيّاض عكرمة بن ربعي لقب بذلك لسخائه. المصطلق خزيمة بن سعد الخزاعي قيل له المصطلق لحسن صوته وشدته، وكان أول من غنى من خزاعة. راح يكذب لقب به المهلب لأنه كان يضع الحديث أيام الخوارج فيحدث به، فإذا رأوه قالوا: راح يكذب. واصل الغزّال كان يكثر الجلوس في سوق الغزّالين وكان يتتبع العجائز فيتصدق عليهم ولم يكن غزّالا. سليمان التميمي كان داره ومسجده في بني تميم ولم يكن منهم وهو شيباني. أبو عمرو الشيباني لم يكن من بني شيبان، وإنما كان يعلم يزيد بن مزيد الشيباني. اليزيدي كان يعلم يزيد بن منصور الحميري فنسب إليه. ذو القروح امرؤ القيس كان ملك الروم كساه العباءة المسمومة فقرحته، وقالوا: لم تكن الكنى لأحد من الأمم إلا العرب، وهي مفاخرهم، وقال بعضهم: أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسودة اللقب وقيل في قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً «١» أي كنياه، ولما ضرب موسى ﵊ البحر ولم ينفلق أوحى الله تعالى إليه أن كنه، فقال: انفلق أبا خالد، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. وأما الألقاب: فقد قال الله تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ «٢» . سماه الله تعالى فسوقا. واتفق العلماء رضي الله تعالى عنهم على جواز ذلك على وجه التعريف لمن لا يعرف إلا بذلك. كالأعمش والأعمى والأعرج والأحول والأفطس والأقرع ونحو ذلك، وقلّ من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب. ولم يزل في الأمم كلها يجري في المخاطبات والمكاتبات من غير نكير. غير أنها كانت تطلق على حسب الموسومين، وأما ما استحسن من تلقيب السفلة بالألقاب العلية حتى زال الفضل وذهب التفاوت وانقلب النقص والشرف شرعا واحدا فمنكر، وهب أن العذر مبسوط في ذلك، فما العذر في تلقيب من ليس من الدين في دبير ولا قبيل ولا له فيه ناقة ولا فصيل بل هو محتو على ما يضاد الدين، وينافي كمال الدين وشرف الإسلام، وهي لعمر الله الغصة التي لا تساغ والغبن الذي يعجز الصبر دونه فلا يستطاع. نسأل الله تعالى إعزاز دينه وإعلاء كلمته، وأن يصلح فسادنا ويوقظ غافلنا. الرجل يكنى باسم ولده والمرأة كذلك، وإذا كنوا من لم يكن له ولد فعلى جهة التفاؤل وبناء الأمر على رجاء أن يعيش فيولد له، وقد يكنون بما يلائم المكنى من غير الأولاد كقول رسول الله ﷺ في علي رضي الله تعالى عنه أبو تراب، وذلك أنه نام في غزوة ذي العشيرة، فذهب به النوم، فجاء رسول الله ﷺ وهو متمرغ في التراب، فقال له: اجلس أبا تراب، وكان أحب أسمائه إليه. وكقولهم أبي لهب لحمرة خديه ولونه. وقال الزمخشري رحمه الله تعالى: وسمعتهم يكنون الكبير الرأس، والعمامة بأبي الرأس وأبي العمامة، وسمعت العرب ينادون الطويل اللحية يا أبا الطويلة، وسمعت عرب البحيرة يكنون بأسماء بناتهم، كأبي زهو، وأبي سلطانة، وأبي ليلى ونحو ذلك، ولا حرج في ذلك، وقد تكنى جماعة من أفاضل الصحابة بأبي فلانة منهم سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان له ثلاث كنى أبو عمرو، وأبو عبد الله، وأبو ليلى، ومنهم أبو أمامة، وأبو رقية تميم الداري، وأبو كريمة المقداد بن معد يكرب، وكثير من الصحابة ومن التابعين رضوان الله عليهم أجمعين: أبو عائشة مسروق بن الأجدع، وكان لأنس أخ صغير وله نغير «٣» يلعب به فمات، فدخل رسول الله ﷺ فرآه حزينا، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: مات نغيره، فقال: يا أبا عمير ما فعل النّغير. ونظر المأمون إلى غلام حسن في الموكب، فسأله عن اسمه، فقال: لا أدري، فقال: تسميّت لا أدري فإنّك لا تدري ... بما فعل الحب المبرّح في صدري

стр. 281

وعن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : «إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه ووسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها» . وعنه: ما من قوم كان بينهم مشورة فحضر من اسمه محمدا أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلا كان خيرا لهم، وما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمد أو أحمد إلا قدس الله ذلك المنزل في كل يوم مرتين كل ذلك ببركة هذا الاسم الشريف. ومما جاء في مدح الأسماء منظوما: قال بعضهم في مليح اسمه إبراهيم: رأيت حبيبي في المنام معانقي ... وذلك للمهجور مرتبة عليا وقد رقّ لي من بعد هجر وقسوة ... وما ضرّ إبراهيم لو صدّق الرؤيا وفيه أيضا: لا زال بابك كعبة محجوجة ... وترابها فوق الجباه وسيم «١» حتى ينادى في البقاع بأسرها ... هذا المقام وأنت إبراهيم وفيه أيضا: يا سمّي الخليل إنّ فؤادي ... فيه من لوعة الغرام جحيم وعجيب يا قاتلي أنّ قلبي ... فيه نار وأنت فيه مقيم ولبعضهم في مليح اسمه عمر: يا أعدل الناس اسما كم تجور على ... فؤاد مضناك بالهجران والبين أظنّهم سرقوك القاف من قمر ... وأبدلوها بعين خيفة العين وفيه أيضا: ما عليهم في الهوى لو نظروا ... حين سمّوك فقالوا عمر أبدلوا قافك عينا غلطا ... أخطأوا ما أنت إلّا قمر ولبعضهم في مليح اسمه يوسف: يا من سبى الشعراء نمل عذاره ... النجم يشهد لي بأني مدنف صيّرت قلبي من صدودك فاطرا ... فامنن عليّ بزورة يا يوسف «٢» وللصفي الحلي فيمن اسمه داود: وثقت بأنّ قلبي من حديد ... وفيه على الهوى بأس شديد فلان على هواك ولا عجيب ... إذا داود لان له الحديد وله فيمن اسمه موسى: أتى موسى بآية خال خد ... حوته صوارم الحدق المراض فآية ذا بياض في سواد ... وآية ذا سواد في بياض فجاء بضدّ ما قد جاء موسى ... كليم الله في الحقب المواضي وللقيراطي في مليح اسمه بدر: سموه بدرا وذاك لمّا ... أن فاق في حسنه وتمّا وأجمع الناس إذا رأوه ... بأنه اسم على مسمى ولمؤلفه رحمه الله تعالى في قاضي القضاة علم الدين صالح البقليني: وعظ الأنام أمامنا الحبر الذي ... سكب العلوم كبحر فضل طافح فشفى القلوب بعلمه وبوعظه ... والعلم يشفي إن يكن من صالح وتوجهت مرة إلى بلناج لأجتمع بالحاج خليل بن منصور في ضرورة فلم أجده ولم يقم أحد من أخوته بقضاء ما توجهت بسببه فقلت: خصال خليل كلّهنّ حميدة ... وأوصافه تزري بكل جميل فلا خير في بلتاج إن لم يكن بها ... ولا خير في الدنيا بغير خليل

стр. 282

وقال آخر في مقبل: يا من تحجّب عن محب صادق ... ما زال عنه كلّ يوم يسأل من لي بيوم فيه تسمح باللقا ... ويقال لي هذا حبيبك مقبل ولبعضهم في مليح اسمه محسن: وأهيف يعلو على عشّاقه ... برتبة من الجمال نالها واسمه وهو العجيب محسن ... وكم دموع في الهوى أسالها صفي الدين الحلي في اسم حسين: حبيبي وافر والشوق منّي ... طويل والهوى عندي مديد وأعجب أنني أهوى حسينا ... وشوق في محبّته يزيد ومما قيل في أسماء النساء: في فاطمة: عجبت من فاتنة لم تزل ... لمرتجى الوصل لها فاطمة تنكر ما ألقاه من وجدها ... وهي بشوقي والجوى عالمة ابن مكانس في اسم عائشة: يا دهر خبّرني بحقك واشفني ... فسهام فكري في أمورك طائشة «١» أيحلّ أني في المحبة ميّت ... وحبيبتي من بعد موتي عائشة شمس الدين البديري في اسم حليمة: ولما رأتني في هواها متيّما ... أكابد من حرّ الغرام أليمه فجادت بطيب الوصل منها ولم تجر ... ومن أين تدري الجور وهي حليمه ولبعضهم في اسم بركة دو بيت: لمّا نصب الهوى لقلبي شركه ... ناديت وقلبي تارك من تركه يا قلب أفق ولا تمل لشركه ... تغنيك سنين ساعة من بركه مردوفا أيضا: لما نصب الهوى لقلبي شركه ... في كل طريق ناديت وقلبي تارك من تركه ... لو كان يفيق يا قلب أفق ولا تمل للشركه ... ما الشرك يليق تغنيك سنين ساعة من بركه ... عن كلّ صديق ولو تتبعت هذا المعنى لاحتجت إلى مجلدات ولكن فيما ذكرته كفاية والله الموفق وأسأله العناية وصلى الله على سيدنا ومحمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الخمسون فيما جاء في الأسفار والاغتراب وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الإقامة بدار الهوان وحب الوطن والحنين إليه أما ما جاء في الاسفار والحث على ترك الإقامة بدار الهوان . فقد قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا «٢» الآية. وفي الأثر: سافروا تغنموا، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم الناس رحمة الله للمسافر لأصبح الناس على ظهر سفر، وهو ميزان الأخلاق، إن الله بالمسافر رحيم» . ويقال: الحركة ولود والسكون عاقر. وقال حكيم: السفر يسفر «٣» عن أخلاق الرجال. وكان بعضهم يريد السفر فيمنعه والده إشفاقا عليه، فقال يوما:

стр. 283

ألا خلّني لشاني ولا أكن ... على الأهل كلّا إن ذا لشديد «١» تهيّبني ريب المنون ولم أكن ... لأهرب عمّا ليس منه محيد فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت رشيد فدعني أجول الأرض عمري لعلّه ... يسرّ صديق أو يغاظ حسود وقال رسول الله ﷺ : «عليكم بالدلجة «٢» فإن الأرض تطوى بالليل ولا تطوى بالنهار» . وقال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يكره أن يسافر الرجل في غير رفقة، وقال ﷺ : «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» . وقال ﷺ : «إذا خرج ثلاثة في ركب فليؤمروا أحدهم» . وقيل: أغار حذيفة بن بدر على هجان النعمان بن المنذر بن ماء السماء وسار في ليلة مسافة ثماني ليال، فضرب به المثل، وقال قيس بن الحطيم: هممنا بالإقامة ثم سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر وسار ذكوان مولى عمر رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة في يوم وليلة. وقال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية وعافية، لأنك تحل كل يوم في محلة لم تحل فيها، وتعاشر قوما لم تعرفهم. ومما قيل في ترك الإقامة بدار الهوان: قال الفرزدق: وفي الأرض عن دار القلى متحوّل ... وكلّ بلاد أوطنتك بلاد «٣» وقال آخر: وما هي إلّا بلدة مثل بلدتي ... خيارهما ما كان عونا على دهر وقال آخر: وإذا البلاد تغيّرت عن حالها ... فدع المقام وبادر التحويلا ليس المقام عليك فرضا واجبا ... في بلدة تدع العزيز ذليلا وقال الصفي الحلي: تنقّل فلذّات الهوى في التنقّل ... ورد كلّ صاف لا تقف عند منهل «٤» ففي الأرض أحباب وفيها منازل ... فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل ولا تستمع قول امرىء القيس إنّه ... مضلّ ومن ذا يهتدي بمضلّل «٥» وقال عبد الله الجعدي: فإن تجف عني أو تزرني إهانة ... أجد عنك في الأرض الفريضة مذهبا ومما قيل في الوداع والفراق والشوق والبكاء: قال جرير: لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل وقيل لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان جدك صانعا في قوله فعلت ما لم أفعل؟ قال: كان يقلع عينيه حتى لا يرى مظعن أحبابه ثم أنشد يقول: وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقيه من ماء الحديد كبول «٦» قليل الموالي مسلم بجريرة ... له بعد نومات العيون ألبل «٧» يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل بأكبر منّي لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل وقال الشاعر: وما أم خشف طول يوم وليلة ... ببلقعة بيداء ظمآن صاديا «٨» تهيم ولا تدري إلى أين تبتغي ... مولهة حزنا تجوز الفيافيا

стр. 284

أضرّ بها حر الهجير فلم تجد ... لغلّتها من بارد الماء شافيا إذا أبعدت عن خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الجوانح طاويا «١» بأوجع مني يوم شدوّا حمولهم ... ونادى مناد البين أن لا تلاقيا وقال عبد العزيز الماجشون وهو من فقهاء المدينة: قال لي المهدي يا ماجشون ما قلت حين فارقت أحبابك؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين: لله باك على أحبابه جزعا ... قد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا ما كان والله شؤم الدهر يتركني ... حتى يجرّعني من بعدهم جرعا «٢» إن الزمان رأى إلف السرور لنا ... فدبّ بالبين فيما بيننا وسعى فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا ... فلا زيادة شيء فوق ما صنعا فقال: والله لأعيننك فأعطاه عشرة آلاف دينار. وقال آخر: وقفت يوم النوى منهم على بعد ... ولم أودّعهم وجدا وإشفاقا إني خشيت على الأظعان من نفسي ... ومن دموعي إحراقا وإغراقا وقال عمر بن أحمد: أنى الرحيل فحين جدّ ترحلت ... مهج النفوس له عن الاجساد «٣» من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتّت الاكباد وحكى بعضهم قال: دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعرا فقلنا له: أحسنت، فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال: ألمثلي يقال أحسنت، ففررنا منه فقال: أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت فقولوا أحسنت وان أنا أسأت فقولوا أسأت. فرجعنا إليه فأنشد يقول: لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو ... وحمّلوها وسارت بالدمّى الإبل «٤» وقلبّت بخلاف السجف ناظرها ... يرنو إلي ودمع العين ينهمل «٥» وودعت ببنان زانه عنم ... ناديت لا حملت رجلاك يا جمل «٦» يا حادي العيس عرّج كي أودعهم ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم أنقص مودّتهم ... يا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا فقلنا له: ماتوا. فقال: والله وأنا أموت! ثم شهق شهقة فإذا هو ميت رحمه تعالى. وقال آخر: لما علمت بأن القوم قد رحلوا ... وراهب الدير بالناقوس مشتغل شكبت عشري على رأسي وقلت له ... يا راهب الدير هل مرّت بك الإبل فحنّ لي وبكى ورقّ لي ورثى «٧» ... وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل إنّ الخيام التي قد جئت تطلبهم ... بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا وقال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: ما رحّلوا يوم ساروا البزّل العيسا ... إلا وقد حملوا فيها الطواويسا «٨» من كلّ فاتكة الألحاظ مالكة ... تخالها فوق عرش الدّر بلقيسا إذا تمشت على صرح الزّجاج ترى ... شمسا على فلك في حجر إدريسا أسقفة من بنات الروم عاطلة ... ترى عليها من الأنوار ناموسا «٩»

стр. 285

وحشية ما لها أنس قد اتخذت ... في بيت خلوتها للذكر ناووسا إن او مأت تطلب الإنجيل تحسبهم ... قساقسا أو بطاريقا شماميسا ناديت إذ رحلوا للبين ناقتها ... يا حادي العيس لا تحدو بها العيسا غيّبت أجناد صبري يوم بينهم ... على الطريق كراديسا كراديسا ساروا وأصبحت أنعي الربع بعدهمو ... والوجد في القلب لا ينفك مغروسا وقال آخر: ولما تبدتّ للرحيل جمالنا ... وجدّ بنا سيّر وفاضت مدامع تبدّت لنا مذعورة من خبائها ... وناظرها باللؤلؤ الرطب دامع أشارت بأطراف البنان وودّعت ... وأومت بعينيها متى أنت راجع فقلت لها والله ما من مسافر ... يسير ويدري ما به الله صانع فشالت نقاب الحسن من فوق وجهها ... فسالت من الطرف الكحيل مدامع وقالت إلهي كن لي عليه خليفة ... فيا ربّ ما خابت لديك الودائع وقال آخر: يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق ما أنصفتك دموعي وهي دامية ... ولا وفي لك قلبي وهو يحترق وقال البغدادي: قالت وقد نالها للبين أوجعه ... والبين صعب على الأحباب موقعه إجعل يديك على قلبي فقد ضعفت ... قواه عن حمل ما فيه وأضلعه واعطف عليّ المطايا ساعة فعسى ... من شقه الهوى بالبين يجمعه كأنني يوم ولّت حسرة وأسى ... غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه وقال ابن البديري: قفا حاديا ليلى فإني وامق ... وتعجّلا يوما على من يفارق وزمّا مطاياها قبيل مسيرها ... ليلتذ منها بالتزود عاشق ولا تزجرا بالسوق أظعان عيسها ... فإن حبيبي للظعائن سائق ولما التقينا والغرام يذيبنا ... ونحن كلانا في التفكر غارق وقفنا ودمع العين يحجب بيننا ... تسارقني في نظرة وأسارق فلا تسألا ما حلّ بالبين بيننا ... ولا تعجبا أنّا مشوق وشائق وقال أيضا: تذكّرت ليلى حين شطّ مزارها «١» ... وعادت منازلها خليات بلقع «٢» بكرت عليها والقنا يقرع القنا ... وسمر العوالي للمنايا تشرّع وخالفت لوامي عليها وعذّلي ... وخالفت سهدي والخليّون هجّع ولم أستطع يوم النوى ردّ عبرة ... فؤادي أسى من حرّها يتقطع فقال خليلي إذ رأى الدمع دائما ... يفيض دما من مقلتي ليس يدفع لئن كان هذا الدمع يجري صبابة ... على غير ليلى فهو دمع مضيّع وقال آخر: مددت إلى التوديع كفا ضعيفة ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي فلا كان هذا آخر العهد منكمو ... ولا كان ذا التوديع آخر زادي وقال آخر: ولما وقفنا للوداع عشية ... وطرفي وقلبي دامع وخفوق
следующие страницы →