← Адаб

Адаб · id 23802

المستطرف في كل فن مستظرف

شهاب الدين الأبشيهي

Полный текст (517 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وعن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : «إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه ووسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها» . وعنه: ما من قوم كان بينهم مشورة فحضر من اسمه محمدا أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلا كان خيرا لهم، وما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمد أو أحمد إلا قدس الله ذلك المنزل في كل يوم مرتين كل ذلك ببركة هذا الاسم الشريف. ومما جاء في مدح الأسماء منظوما: قال بعضهم في مليح اسمه إبراهيم: رأيت حبيبي في المنام معانقي ... وذلك للمهجور مرتبة عليا وقد رقّ لي من بعد هجر وقسوة ... وما ضرّ إبراهيم لو صدّق الرؤيا وفيه أيضا: لا زال بابك كعبة محجوجة ... وترابها فوق الجباه وسيم «١» حتى ينادى في البقاع بأسرها ... هذا المقام وأنت إبراهيم وفيه أيضا: يا سمّي الخليل إنّ فؤادي ... فيه من لوعة الغرام جحيم وعجيب يا قاتلي أنّ قلبي ... فيه نار وأنت فيه مقيم ولبعضهم في مليح اسمه عمر: يا أعدل الناس اسما كم تجور على ... فؤاد مضناك بالهجران والبين أظنّهم سرقوك القاف من قمر ... وأبدلوها بعين خيفة العين وفيه أيضا: ما عليهم في الهوى لو نظروا ... حين سمّوك فقالوا عمر أبدلوا قافك عينا غلطا ... أخطأوا ما أنت إلّا قمر ولبعضهم في مليح اسمه يوسف: يا من سبى الشعراء نمل عذاره ... النجم يشهد لي بأني مدنف صيّرت قلبي من صدودك فاطرا ... فامنن عليّ بزورة يا يوسف «٢» وللصفي الحلي فيمن اسمه داود: وثقت بأنّ قلبي من حديد ... وفيه على الهوى بأس شديد فلان على هواك ولا عجيب ... إذا داود لان له الحديد وله فيمن اسمه موسى: أتى موسى بآية خال خد ... حوته صوارم الحدق المراض فآية ذا بياض في سواد ... وآية ذا سواد في بياض فجاء بضدّ ما قد جاء موسى ... كليم الله في الحقب المواضي وللقيراطي في مليح اسمه بدر: سموه بدرا وذاك لمّا ... أن فاق في حسنه وتمّا وأجمع الناس إذا رأوه ... بأنه اسم على مسمى ولمؤلفه رحمه الله تعالى في قاضي القضاة علم الدين صالح البقليني: وعظ الأنام أمامنا الحبر الذي ... سكب العلوم كبحر فضل طافح فشفى القلوب بعلمه وبوعظه ... والعلم يشفي إن يكن من صالح وتوجهت مرة إلى بلناج لأجتمع بالحاج خليل بن منصور في ضرورة فلم أجده ولم يقم أحد من أخوته بقضاء ما توجهت بسببه فقلت: خصال خليل كلّهنّ حميدة ... وأوصافه تزري بكل جميل فلا خير في بلتاج إن لم يكن بها ... ولا خير في الدنيا بغير خليل

стр. 282

وقال آخر في مقبل: يا من تحجّب عن محب صادق ... ما زال عنه كلّ يوم يسأل من لي بيوم فيه تسمح باللقا ... ويقال لي هذا حبيبك مقبل ولبعضهم في مليح اسمه محسن: وأهيف يعلو على عشّاقه ... برتبة من الجمال نالها واسمه وهو العجيب محسن ... وكم دموع في الهوى أسالها صفي الدين الحلي في اسم حسين: حبيبي وافر والشوق منّي ... طويل والهوى عندي مديد وأعجب أنني أهوى حسينا ... وشوق في محبّته يزيد ومما قيل في أسماء النساء: في فاطمة: عجبت من فاتنة لم تزل ... لمرتجى الوصل لها فاطمة تنكر ما ألقاه من وجدها ... وهي بشوقي والجوى عالمة ابن مكانس في اسم عائشة: يا دهر خبّرني بحقك واشفني ... فسهام فكري في أمورك طائشة «١» أيحلّ أني في المحبة ميّت ... وحبيبتي من بعد موتي عائشة شمس الدين البديري في اسم حليمة: ولما رأتني في هواها متيّما ... أكابد من حرّ الغرام أليمه فجادت بطيب الوصل منها ولم تجر ... ومن أين تدري الجور وهي حليمه ولبعضهم في اسم بركة دو بيت: لمّا نصب الهوى لقلبي شركه ... ناديت وقلبي تارك من تركه يا قلب أفق ولا تمل لشركه ... تغنيك سنين ساعة من بركه مردوفا أيضا: لما نصب الهوى لقلبي شركه ... في كل طريق ناديت وقلبي تارك من تركه ... لو كان يفيق يا قلب أفق ولا تمل للشركه ... ما الشرك يليق تغنيك سنين ساعة من بركه ... عن كلّ صديق ولو تتبعت هذا المعنى لاحتجت إلى مجلدات ولكن فيما ذكرته كفاية والله الموفق وأسأله العناية وصلى الله على سيدنا ومحمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الخمسون فيما جاء في الأسفار والاغتراب وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الإقامة بدار الهوان وحب الوطن والحنين إليه أما ما جاء في الاسفار والحث على ترك الإقامة بدار الهوان . فقد قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا «٢» الآية. وفي الأثر: سافروا تغنموا، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو يعلم الناس رحمة الله للمسافر لأصبح الناس على ظهر سفر، وهو ميزان الأخلاق، إن الله بالمسافر رحيم» . ويقال: الحركة ولود والسكون عاقر. وقال حكيم: السفر يسفر «٣» عن أخلاق الرجال. وكان بعضهم يريد السفر فيمنعه والده إشفاقا عليه، فقال يوما:

стр. 283

ألا خلّني لشاني ولا أكن ... على الأهل كلّا إن ذا لشديد «١» تهيّبني ريب المنون ولم أكن ... لأهرب عمّا ليس منه محيد فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت رشيد فدعني أجول الأرض عمري لعلّه ... يسرّ صديق أو يغاظ حسود وقال رسول الله ﷺ : «عليكم بالدلجة «٢» فإن الأرض تطوى بالليل ولا تطوى بالنهار» . وقال كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يكره أن يسافر الرجل في غير رفقة، وقال ﷺ : «الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب» . وقال ﷺ : «إذا خرج ثلاثة في ركب فليؤمروا أحدهم» . وقيل: أغار حذيفة بن بدر على هجان النعمان بن المنذر بن ماء السماء وسار في ليلة مسافة ثماني ليال، فضرب به المثل، وقال قيس بن الحطيم: هممنا بالإقامة ثم سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر وسار ذكوان مولى عمر رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة في يوم وليلة. وقال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية وعافية، لأنك تحل كل يوم في محلة لم تحل فيها، وتعاشر قوما لم تعرفهم. ومما قيل في ترك الإقامة بدار الهوان: قال الفرزدق: وفي الأرض عن دار القلى متحوّل ... وكلّ بلاد أوطنتك بلاد «٣» وقال آخر: وما هي إلّا بلدة مثل بلدتي ... خيارهما ما كان عونا على دهر وقال آخر: وإذا البلاد تغيّرت عن حالها ... فدع المقام وبادر التحويلا ليس المقام عليك فرضا واجبا ... في بلدة تدع العزيز ذليلا وقال الصفي الحلي: تنقّل فلذّات الهوى في التنقّل ... ورد كلّ صاف لا تقف عند منهل «٤» ففي الأرض أحباب وفيها منازل ... فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل ولا تستمع قول امرىء القيس إنّه ... مضلّ ومن ذا يهتدي بمضلّل «٥» وقال عبد الله الجعدي: فإن تجف عني أو تزرني إهانة ... أجد عنك في الأرض الفريضة مذهبا ومما قيل في الوداع والفراق والشوق والبكاء: قال جرير: لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل وقيل لعمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان جدك صانعا في قوله فعلت ما لم أفعل؟ قال: كان يقلع عينيه حتى لا يرى مظعن أحبابه ثم أنشد يقول: وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقيه من ماء الحديد كبول «٦» قليل الموالي مسلم بجريرة ... له بعد نومات العيون ألبل «٧» يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل بأكبر منّي لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل وقال الشاعر: وما أم خشف طول يوم وليلة ... ببلقعة بيداء ظمآن صاديا «٨» تهيم ولا تدري إلى أين تبتغي ... مولهة حزنا تجوز الفيافيا

стр. 284

أضرّ بها حر الهجير فلم تجد ... لغلّتها من بارد الماء شافيا إذا أبعدت عن خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الجوانح طاويا «١» بأوجع مني يوم شدوّا حمولهم ... ونادى مناد البين أن لا تلاقيا وقال عبد العزيز الماجشون وهو من فقهاء المدينة: قال لي المهدي يا ماجشون ما قلت حين فارقت أحبابك؟ قال: قلت يا أمير المؤمنين: لله باك على أحبابه جزعا ... قد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا ما كان والله شؤم الدهر يتركني ... حتى يجرّعني من بعدهم جرعا «٢» إن الزمان رأى إلف السرور لنا ... فدبّ بالبين فيما بيننا وسعى فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهدا ... فلا زيادة شيء فوق ما صنعا فقال: والله لأعيننك فأعطاه عشرة آلاف دينار. وقال آخر: وقفت يوم النوى منهم على بعد ... ولم أودّعهم وجدا وإشفاقا إني خشيت على الأظعان من نفسي ... ومن دموعي إحراقا وإغراقا وقال عمر بن أحمد: أنى الرحيل فحين جدّ ترحلت ... مهج النفوس له عن الاجساد «٣» من لم يبت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تفتّت الاكباد وحكى بعضهم قال: دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعرا فقلنا له: أحسنت، فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال: ألمثلي يقال أحسنت، ففررنا منه فقال: أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت فقولوا أحسنت وان أنا أسأت فقولوا أسأت. فرجعنا إليه فأنشد يقول: لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو ... وحمّلوها وسارت بالدمّى الإبل «٤» وقلبّت بخلاف السجف ناظرها ... يرنو إلي ودمع العين ينهمل «٥» وودعت ببنان زانه عنم ... ناديت لا حملت رجلاك يا جمل «٦» يا حادي العيس عرّج كي أودعهم ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم أنقص مودّتهم ... يا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا فقلنا له: ماتوا. فقال: والله وأنا أموت! ثم شهق شهقة فإذا هو ميت رحمه تعالى. وقال آخر: لما علمت بأن القوم قد رحلوا ... وراهب الدير بالناقوس مشتغل شكبت عشري على رأسي وقلت له ... يا راهب الدير هل مرّت بك الإبل فحنّ لي وبكى ورقّ لي ورثى «٧» ... وقال لي يا فتى ضاقت بك الحيل إنّ الخيام التي قد جئت تطلبهم ... بالأمس كانوا هنا والآن قد رحلوا وقال الشيخ الأكبر سيدي محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: ما رحّلوا يوم ساروا البزّل العيسا ... إلا وقد حملوا فيها الطواويسا «٨» من كلّ فاتكة الألحاظ مالكة ... تخالها فوق عرش الدّر بلقيسا إذا تمشت على صرح الزّجاج ترى ... شمسا على فلك في حجر إدريسا أسقفة من بنات الروم عاطلة ... ترى عليها من الأنوار ناموسا «٩»

стр. 285

وحشية ما لها أنس قد اتخذت ... في بيت خلوتها للذكر ناووسا إن او مأت تطلب الإنجيل تحسبهم ... قساقسا أو بطاريقا شماميسا ناديت إذ رحلوا للبين ناقتها ... يا حادي العيس لا تحدو بها العيسا غيّبت أجناد صبري يوم بينهم ... على الطريق كراديسا كراديسا ساروا وأصبحت أنعي الربع بعدهمو ... والوجد في القلب لا ينفك مغروسا وقال آخر: ولما تبدتّ للرحيل جمالنا ... وجدّ بنا سيّر وفاضت مدامع تبدّت لنا مذعورة من خبائها ... وناظرها باللؤلؤ الرطب دامع أشارت بأطراف البنان وودّعت ... وأومت بعينيها متى أنت راجع فقلت لها والله ما من مسافر ... يسير ويدري ما به الله صانع فشالت نقاب الحسن من فوق وجهها ... فسالت من الطرف الكحيل مدامع وقالت إلهي كن لي عليه خليفة ... فيا ربّ ما خابت لديك الودائع وقال آخر: يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق ما أنصفتك دموعي وهي دامية ... ولا وفي لك قلبي وهو يحترق وقال البغدادي: قالت وقد نالها للبين أوجعه ... والبين صعب على الأحباب موقعه إجعل يديك على قلبي فقد ضعفت ... قواه عن حمل ما فيه وأضلعه واعطف عليّ المطايا ساعة فعسى ... من شقه الهوى بالبين يجمعه كأنني يوم ولّت حسرة وأسى ... غريق بحر يرى الشاطي ويمنعه وقال ابن البديري: قفا حاديا ليلى فإني وامق ... وتعجّلا يوما على من يفارق وزمّا مطاياها قبيل مسيرها ... ليلتذ منها بالتزود عاشق ولا تزجرا بالسوق أظعان عيسها ... فإن حبيبي للظعائن سائق ولما التقينا والغرام يذيبنا ... ونحن كلانا في التفكر غارق وقفنا ودمع العين يحجب بيننا ... تسارقني في نظرة وأسارق فلا تسألا ما حلّ بالبين بيننا ... ولا تعجبا أنّا مشوق وشائق وقال أيضا: تذكّرت ليلى حين شطّ مزارها «١» ... وعادت منازلها خليات بلقع «٢» بكرت عليها والقنا يقرع القنا ... وسمر العوالي للمنايا تشرّع وخالفت لوامي عليها وعذّلي ... وخالفت سهدي والخليّون هجّع ولم أستطع يوم النوى ردّ عبرة ... فؤادي أسى من حرّها يتقطع فقال خليلي إذ رأى الدمع دائما ... يفيض دما من مقلتي ليس يدفع لئن كان هذا الدمع يجري صبابة ... على غير ليلى فهو دمع مضيّع وقال آخر: مددت إلى التوديع كفا ضعيفة ... وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي فلا كان هذا آخر العهد منكمو ... ولا كان ذا التوديع آخر زادي وقال آخر: ولما وقفنا للوداع عشية ... وطرفي وقلبي دامع وخفوق

стр. 286

بكيت فأضحكت الوشاة شماتة ... كأني سحاب والوشاة بروق ولمؤلفه رحمه الله تعالى: يا سادة في سويد القلب مسكنكم ... وفي منامي أرى أني أعانقهم أو حشتمونا وعزّ الصبر بعدكمو ... يا من يعزّ علينا أن نفارقهم وقال آخر: لو أنّ مالك عالم بذرى الهوى ... ومحله من أضلع العشّاق ما عذب العشّاق إلّا بالهوى ... وإذا استغاثوا غاثهم بفراق وقال ابن الوردي: دهرنا أضحى ضنينا ... باللقا حتى ضنينا «١» يا ليالي الوصل عودي ... إجمعينا أجمعينا وقال الشريف الرضي: عللاني بذكرهم واسقياني ... وامزجا لي دمعي بكأس دهاق «٢» وخذا النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشّاق وقال آخر عند ذلك: قالوا أترقد إذ غبنا فقلت لهم ... نعم وأشفق من دمعي على بصري ما حقّ طرف هداني نحو حسنكمو ... أني أعذّبه بالدّمع والسهر وقال الموصلي: فسدت لطول بعادكم أحلامنا ... وعقولنا وجفا الجفون منام والطيف قد وعد الجفون بزورة ... يا حبّذا إن صحّت الأحلام ومما قيل في البكاء: قال الشاعر: رجوت طيف خياله ... وكيف لي بهجوع والذاريات جفوني ... والمرسلات دموعي وقال آخر: إرحم رحمت للوعتي ... وابعث خيالك في الكرى «٣» ودموع عيني لا تسل ... عن حالها يا ما جرى وقال آخر: إن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السّهد في كراها وينهى بدموع كأنّهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخدّ منها وقال آخر: يا قلب صبرا على الفراق ولو ... روّعت ممّن تحب بالبين وأنت يا دمع إن ظهرت بما ... أخفيه من قلبي سقطت من عيني وقال آخر: خاض العواذل في حديث مدامعي ... ممّا غدا كالبحر سرعة سيره خبّأته لأصون سرّ هواكمو ... حتى يخوضوا في حديث غيره وقال ابن المواز: رحت يوم الفراق أجري دموعي ... حسرة إذ قضى الفراق ببيني «٤» قيل كم إذا تجري دموعك تعمى ... أوقف الدمع قلت من بعد عيني وقال آخر: لما لبست لبعده ثوب الضّنى ... وغدوت من ثوب اصطباري عاريا

стр. 287

أجريت وقف مدامعي من بعده ... وجعلته وقف عليه جاريا وقال آخر: ولم أر مثلي غار من طول ليله ... عليه كأنّ الليل يعشقه معي وما زلت أبكي في دجى الليل صبوة ... من الوجد حتى ابيضّ من فيض أدمعي وقال الموصلي: عين أفاضت دموعي ... لطول صد وبين ووجنة الخدّ قالت ... رأيت غسلي بعيني وقال آخر: وما فارقت ليلى من مراد ... ولكن شقوة بلغت مداها بكيت نعم بكيت وكلّ إلف ... إذا ماتت حبيبته بكاها وفي بعض الكتب السماوية: إن مما عاقبت به عبادي أن ابتليتهم بفراق الأحبة. ومما جاء في الحنين إلى الوطن: أما محبة الوطن فمستولية على الطباع مستدعية أشد الشوق إليها. روي أن أبان قدم على النبي ﷺ فقال يا أبان كيف تركت مكة؟ قال: تركت الأذخر وقد أعذق والنمام وقد أورق «١» ، فاغرورقت عينا رسول الله ﷺ ، وقال بلال رضي الله تعالى عنه: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي أذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل «٢» وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى بلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة. ومن حب الوطن: ما حكي أن سيدنا يوسف ﵊ أوصى بأن يحمل تابوته إلى مقابر آبائه، فمنع أهل مصر أولياءه من ذلك، فلما بعث موسى ﵊ وأهلك الله تعالى فرعون لعنه الله حمله موسى إلى مقابر آبائه، فقبره بالأرض المقدسة. وأوصى الإسكندر رحمه الله تعالى أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلاد الروم حبا لوطنه. واعتل سابور ذو الأكتاف وكان أسيرا ببلاد الروم، فقالت له بنت الملك، وكانت قد عشقته، ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة وشمة من تراب اصطخر، فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب وقالت له: هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك، فشرب واشتم بالوهم فنفعه من علته. وقال الجاحظ: كان النفر في زمن البرامكة إذا سافر أحدهم أخذ معه من تربة أرضه في جراب يتداوى به، وما أحسن ما قال بعضهم: بلاد ألفناها على كلّ حالة ... وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن ونستعذب الأرض التي لا هوى بها ... ولا ماؤها عذب ولكنّها وطن ووصف بعضهم بلاد الهند، فقال: بحرها در وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر. وقال عبد الله بن سليمان في نهاوند: أرضها مسك، وترابها الزعفران، وثمارها الفاكهة، وحيطانها الشهد. وقال الحجاج لعامله على أصبهان: قد وليتك على بلدة حجرها الكحل، وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران. وكان يقال: البصرة خزانة العرب وقبة الإسلام لانتقال قبائل العرب إليها واتخاذ المسلمين بها وطنا ومركزا. وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما سواها بادية. وأنا أقول مصر كنانة الله في أرضه والسلام. ومما جاء في ذم السفر: قيل لرجل: السفر قطعة من العذاب، فقال: بل العذاب قطعة من السفر، وقال بعضهم: كل العذاب قطعة من السّفر ... يا ربّ فارددنا على خير الحضر وقيل لإعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم

стр. 288

الأوطان. ومرّ إياس بن معاوية بمكان، فقال: أسمع صوت كلب غريب، فقيل له: بم عرفت ذلك؟ قال: بخضوع صوته، وشدة نباح غيره. وأراد أعرابي السفر، فقال لامرأته: عدّي السنين لغيبتي وتصبّري ... وذري الشهور فإنّهنّ قصار فأجابته: فاذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنّهنّ صغار «١» فأقام وترك السفر. ويقال: رب ملازم لمهنته فاز ببغيته. وقال ابن الهيثم: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق وفيما ذكرته كفاية، وأسأل الله التوفيق والهداية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الحادي والخمسون في ذكر الغنى وحب المال والافتخار بجمعه قال الله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا «٢» . وقيل: الفقر رأس كل بلاء وداعية إلى مقت الناس، وهو مع ذلك مسلبة للمروءة مذهبة للحياء، فمتى نزل الفقر بالرجل لم يجد بدا من ترك الحياء ومن فقد حياءه فقد مروءته، ومن فقد مروءته مقت، ومن مقت ازدري به، ومن صار كذلك كان كلامه عليه لا له. وقال رسول الله ﷺ : «إنك إن تذر «٣» ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» «٤» . وفي الحديث: «لا خير فيمن لا يحب المال ليصل به رحمه، ويؤدي به أمانته، ويستغني به عن خلق ربه» . وقال علي كرم الله تعالى وجهه: الفقر الموت الأكبر. وقد استعاذ رسول الله ﷺ من الكفر والفقر وعذاب القبر. وقيل: من حفظ دنياه حفظ الأكرمين دينه وعرضه. قال الشاعر: لا تلمني إذا وقيت الأواقي ... بالأواقي لماء وجهي واقي «٥» وقال لقمان لابنه: يا بني أكلت الحنظل وذقت الصبر، فلم أر شيئا أمر من الفقر، فإن افتقرت فلا تحدث به الناس كيلا ينتقصوك، ولكن اسأل الله تعالى من فضله، فمن ذا الذي سأل الله فلم يعطه أو دعاه فلم يجبه أو تضرع إليه فلم يكشف ما به. وكان العباس رضي الله تعالى عنه يقول: الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس، وهو عندهم أعذب من الماء وأرفع من السماء وأحلى من الشهد وأزكى من الورد، خطؤه صواب وسيئاته حسنات وقوله مقبول، يرفع مجلسه ولا يملّ حديثه، والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب، وأثقل من الرصاص، لا يسلم عليه إن قدم ولا يسأل عنه إن غاب، إن حضر أردوه، وإن غاب شتموه، وطن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة. وقال بعضهم: طلبت الراحة لنفسي فلم أجد لها أروح من ترك ما لا يعنيها، وتوحشت في البرية فلم أر وحشة أقر من قرين السوء، وشهدت الزحوف وغالبت الأقران فلم أر قرينا أغلب للرجل من المرأة السوء، ونظرت إلى كل ما يذل القوي ويكسره فلم أر شيئا أذل له ولا أكبر من الفاقة. وكل مقل حين يغدو لحاجة ... إلى كلّ ما يلقى من الناس مذنب وكانت بنو عميّ يقولون مرحبا ... فلما رأوني معدما مات مرحب وقال آخر: المال يرفع سقفا لا عماد له ... والفقر يهدم بيت العزّ والشرف وقال آخر: جروح الليالي ما لهنّ طبيب ... وعيش الفتى بالفقر ليس يطيب

стр. 289

وحسبك أنّ المرء في حال فقره ... تحمّقه الأقوام وهو لبيب ومن يغترز بالحادثات وصرفها ... يبت وهو مغلوب الفؤاد سليب وما ضرّني إن قال أخطأت جاهل ... إذا قال كلّ الناس أنت مصيب وقال آخر: الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود بغير السيد المال وقال آخر: لعمرك إنّ المال قد يجعل الفتى ... سنيّا وأنّ الفقر بالمرء قد يزري وما رفع النفس الدنيّة كالغنى ... ولا وضع النفس النفيسة كالفقر وقال آخر: إذا قلّ مال المرء لانت قناته ... وهان على الأدنى فكيف الأباعد وقال ابن الأحنف: يمشي الفقير وكل شيء ضده ... والناس تغلق دونه أبوابها وتراه مبغوضا وليس بمذنب ... ويرى العداوة لا يرى أسبابها حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة ... خضعت لديه وحرّكت أذنابها وإذا رأت يوما فقيرا عابرا ... نبحت عليه وكشّرت أنيابها وقال آخر: فقر الفتى يذهب أنواره ... مثل اصفرار الشمس عند المغيب والله ما الإنسان في قومه ... إذا بلي بالفقر إلّا غريب وقال آخر: إن الدراهم في الموطن كلّها ... تكسو الرجال مهابة وجمالا فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السّلاح لمن أراد قتالا «١» وقال آخر: ما الناس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فكلّما انقلبت يوما به انقلبوا يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا وقال بعض الفرس: من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كذاب. وقال الكناني: أصبحت الدنيا لنا عبرة ... فالحمد لله على ذلكا قد أجمع الناس على ذمّها ... وما أرى منهم لها تاركا وقال الزمخشري: وإذا رأيت صعوبة في مطلب ... فاحمل صعوبته على الدينار وابعثه فيما تشتهيه فإنه ... حجر يليّن قوّة الأحجار قال الثوري رحمه الله تعالى: لأن أخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحب إليّ من أن أحتاج إلى لئيم «٢» . وفي هذا المعنى قال الشاعر: احفظ عرى مالك تحظى به ... ولا تفرّط فيه تبقى ذليل «٣» وإن يقولوا باخل بالعطا ... فالبخل خير من سؤال البخيل واحفظ على نفسك من زلة ... يرى عزيز القوم فيها ذليل

стр. 290

وأما ما جاء في الاحتراز على الأموال: فقد قالوا: ينبغي لصاحب المال أن يحترز ويحتفظ عليه من المطمعين والمبرطحين والمحترفين والموهمين والمتنسمين. فأما المطمعون: فهم الذين يتلقون أصحاب الأموال بالبشر والإكرام والتحية والإعظام إلى أن يأنسوا بهم ويعرفوهم بالمشاهدة، وربما قضوا ما قدروا عليه من حوائجهم إلى أن يألفوها ويحصل بينهم سبب الصداقة، ثم إن أحدهم يذكر لصاحب المال في معرض المقال أنه كسب فائدة كثيرة في معيشته، ثم يمشي معه في الحديث إلى أن يقول إني فكرت فيما عليك من المؤن والنفقات، وهذا أمر يعود ضرره في المستقبل إن لم تساعد بالمكاسب، وغرضي التقرب إليك ونصحك وخدمتك، وأريد أن أوجه إليك فائدة من المتجر بشرط أن لا أضع يدي لك على مال بل يكون مالك تحت يدك أو تحت يد أحد من جهتك. ويخرج له في صفة الناصحين المشفقين، فإذا أجابه إلى ذلك كان أمره معه على قسمين: إن ائتمنه، وجعل المال بيده أعطاه اليسير منه على صفة أنه من الربح، وطاول به الأوقات ودفع إليه في المدة الطويلة الشيء اليسير من ماله، ثم يحتج عليه ببعض الآفات ويدعي الخسارة، فإن لزمه صاحب المال قابحه، وبرطل من جملة المال صاحب جاه، فيدفعه ويقول هذا راباني، فإن روعي صاحب المال وفق بينهما على أن يكتب عليه ببقية المال وثيقة، فلا يستوفي ما فيها إلا في الآخرة، وإن هو لم يأتمنه وعول أن يكون القبض بيده، والمتاع مخزونا لديه، واطأ عليه البائعين والمشترين وحصل لنفسه وعمل ما يقول به، فإن حصل لصاحب المال أدنى ربح أوهمه أن مفاتيح الأرزاق بيده، وإن كسد المشتري أو رخص أحال الأمر على الأقدار وقال ليس لي علم بالغيب. ومن أشد المطمعين المتعرضون لصنعة الكيمياء وهم الطماعون المطمعون في عمل الذهب والفضة من غير معدنها، فيجب أن يحذر التقرب منهم والاستماع لهم في شيء من حديثهم، فإن كذبهم ظاهر، وذلك أنهم يوهمون الغير أنهم ينيلونهم خيرا ويطلعونهم على صنعتهم ابتداء منهم لا لحاجة، وهذا يستحيل. ويحتجون بأن ما يلجئهم إلى ذلك إلا عدم الامكان وتعذر المكان. فمنهم من يكون شوقه إلى أن يدخل إلى مكان ويترك عنده عدة لها قيمة، فيأخذها وينسحب. ومنهم من يشترط أن عمله لا ينتهي إلى مدة فيقنع في تلك المدة بالأكل غدوة وعشية وسبيله بعد ذلك إن كان معروفا قال: فسد عليّ العمل من جهة كيت وكيت، ويقول للذي ينفق عليه: هل لك في المعاودة؟ فإن حمله الطمع ووافقه كان هذا له أتم غرض، ثم يحتال آخر المدة على الفراق بأي سبب كان. وإن كان منكورا غافل صاحب المكان وخرج هاربا. ومن المطمعين قوم يجعلون في الجبال أمارات من ردم وحجر ويأتون إلى أصحاب الأموال ويقولون: إنا نعرف علم كنز فيه من الإمارات كيت وكيت ثم يوقفونهم على ورقة متصنعة ويقولون: نريد أن تأخذ لنا عدة تنفق علينا ومهما حصل من فضل الله تعالى لنا ولك، فيوافقهم على ذلك، ويطون نفسه على أن المدة تكون قريبة، فيعملون يوما أو يومين فيظهر لهم أكثر الامارات فيزداد طمعا ويعتقد الصحة، ثم يدرجونه إلى أن ينفق عليهم ما شاء الله تعالى، ويكون آخر أمرهم كصاحب الكيمياء. وإن كانوا منكورين ورغبتهم الطمعة في قماشه أو في العدة التي معه، فربما قتلوه هناك لأجل ذلك ومضوا، فهذا أمر المطمعين. وأما المبرطحون: فهم من الخونة والناس بهم أكثر غررا، وذلك أنهم إذا ندب صاحب المال أحد منهم لشراء حاجة سارع فيها واحتاط في جودتها وتوفير كيلها أو وزنها أو درعها ووضع من أصل ثمنها شيئا وزنه من عنده حتى يبيض وجهه عند صاحب المال، ويعتقد نصحه وأمانته ونجح مساعيه، وكذلك إن ندبه لشيء يبيعه استظهر واستجاد النقد ولا يزال هكذا دأبه حتى يلقي مقاليد أموره إليه فيستعطفه، ويفوز به، ثم يغير الحال الأول في الباطن. فينبغي لصاحب المال أن لا يغفل عنه. وأما المحترفون الموهمون: فهم الذين يتعرضون لذوي الأموال فيظهرون لهم الغنى والكفاية ويباسطونهم مباسطة الأصدقاء، ويعتمدون جودة اللباس ويستعملون كثيرا من الطيب، ثم إن أحدهم يذكر أنه يربح الأرباح العظيمة، فيما يعانيه ويذكر ذلك مع الغير، ولا يزال كذلك حتى يثبت ويستقر في ذهن صاحب المال أنه يكتسب في كل سنة الجمل الكثيرة من المال، وأنه لا يبالي إذا أنفق أو أكل أو شرب، فتشره نفس صاحب المال لذلك فيقول له على سبيل المداعبة يا فلان: تريد الدنيا كلها لنفسك. لم لا تشركنا في متاجرك هذه وأرباحك؟ فيقول له: أنت جبان يعز عليك إخراج الدينار، وتظن أنك إن أظهرته

стр. 291

خطف منك، ولا تدري أنه مثل البازي إن أرسلته أكل وأطعمك، وإن أمسكته لم يصد شيئا واحتجت إلى أن تطعمه، وإلا مات، وأنا والله لو كان عندي علم أنك تنبسط لهذا كنت فعلت معك خيرا كثيرا ولكن ما كان إلا هكذا، وما كان لا كلام فيه والعمل في المستأنف، فيشكره صاحب المال ويسأله أخذ المال فيمطله بتسليمه، فيزداد فيه رغبة إلى أن يسلمه إليه. فيكون حاله كحال المطمع إذا صار المال تحت يده. وأما المتنسمون: فهم أهل الرياء المظهرون التعفف والنسك ومجانبة الحرام ومواظبة الصلاة والصيام لكي يشتهر ذكرهم عند الخاص والعام، ثم يلقون ذوي الأموال بالبشر والاكرام والتلطف في المقال، ويمشون إلى أبواب الملوك على صفة التهاني بالأعياد، وربما يأتي معه بأحد من الأولاد، ويظهرون النزاهة والغنى، ويجعلون الدين سلما إلى الدنيا، وأكثر أغراضهم أن تودع عندهم الأموال وتفوض إليهم الوصايا، ويجلهم العوام، وتقبل شهادتهم الحكام وتندبهم الملوك إلى الوصايا والأموال، وهؤلاء أشر من اللصوص والقطاع، وذلك أن شهرة اللصوص والقطاع تدعو إلى الاحتراز منهم، وتشبه هؤلاء بأهل الخير يحمل الناس على الاغترار بهم. قال الشاعر: صلّى وصام لأمر كان أمّله ... حتى حواه فما صلّى ولا صاما وقيل: لا فقير أفقر من غني يأمن الفقر. قال الشاعر: ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر وأوصى بعض الحكماء ولده فقال له: يا بني عليك بطلب العلم، وجمع المال، فإن الناس طائفتان خاصة وعامة، فالخاصة تكرمك للعلم والعامة تكرمك للمال. وقال بعض الحكماء: إذا افتقر الرجل اتهمه من كان به موثقا، وأساء به الظن من كان ظنه حسنا. ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدا من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب بهاؤه، وما من خلة هي للغنى مدح إلا وهي للفقير عيب، فإن كان شجاعا سمي أهوج، وإن كان مؤثرا سمي مفسدا، وإن كان حليما سمي ضعيفا، وإن كان وقورا سمي بليدا، وإن كان لسنا سمي مهذارا، وإن كان صموتا سمي عييا. قال ابن كثير: الناس أتباع من دامت له نعم ... والويل للمرء إن زلّت به القدم المال زين ومن قلّت دراهمه ... حي كمن مات إلّا أنّه صنم لما رأيت إخلّائي وخالصتي ... والكل مستتر عنيّ ومحتشم أبدوا جفاء وإعراضا فقلت لهم ... أذنبت ذنبا فقالوا ذنبك العدم «١» وكان ابن مقلة وزيرا لبعض الخلفاء، فزوّر عنه يهودي كتابا إلى بلاد الكفار وضمنه أمورا من أسرار الدولة، ثم تحيل اليهودي إلى أن وصل الكتاب إلى الخليفة فوقف عليه، وكان عند ابن مقلة حظية هويت هذا اليهودي، فأعطته درجا بخطه، فلم يزل يجتهد حتى حاكى خطه ذلك الخط الذي كان في الدرج، فلما قرأ الخليفة الكتاب أمر بقطع يد ابن مقلة، وكان ذلك يوم عرفة، وقد لبس خلعة العيد ومضى إلى داره وفي موكبه كل من في الدولة، فلما قطعت يده وأصبح يوم العيد لم يأت أحد إليه ولا توجع له. ثم اتضحت القضية في أثناء النهار للخليفة أنها من جهة اليهودي والجارية فقتلهما أشر قتلة ثم أرسل إلى ابن مقلة أموالا كثيرة وخلعا سنية وندم من فعله واعتذر إليه، فكتب ابن مقلة على باب داره يقول: تحالف الناس والزمان ... فحيث كان الزمان كانوا عاداني الدهر نصف يوم ... فانكشف الناس لي وبانوا يا أيّها المعرضون عنّي ... عودوا فقد عاد لي الزمان ثم أقام بقية عمره يكتب بيده اليسرى. قال بعضهم: إنما قوة الظهور النقود ... وبها يكمل الفتى ويسود كم كريم أزرى به الدهر يوما ... ولئيم تسعى إليه الوفود والأطباء يعلمون أمراضا من علاجها اللعب بالدينار وشرب الأدوية والمساليق التي يغلى فيها الذهب.

стр. 292

قال الشاعر: إحرص على الدرهم والعين ... تسلم من العيلة والدّين «١» فقوة العين بإنسانها ... وقوة الإنسان بالعين «٢» واعلم أن القلب عمود البدن، فإذا قوي القلب قوي سائر البدن، وليس له قوة أشد من المال. وبالضد إذا ضعف الفقر ضعف له البدن. حكي أن ملكا رأى شيخا قد وثب وثبة عظيمة على نهر فتخطاه، والشاب يعجز عن ذلك، فعجب منه، فاستحضره، فحادثه في ذلك، فأراه ألف دينار مربوطة على وسطه. وقال لقمان لابنه: يا بني شيئان إذا أنت حفظتهما لا تبالي ما صنعت بعدهما، دينك لمعادك ودرهمك لمعاشك. والكلام في هذا المعنى كثير. وقد اقتصرت منه على النزر اليسير. وقد كان في الناس من يتظاهر بالغنى ويراه مروءة وفخرا. فمن ذلك: ما حكي عن أحمد بن طولون أنه دخل يوما بعض بساتينه فرأى النرجس وقد تفتح زهره فاستحسنه، فدعا بغدائه فتغدى، ثم دعا بشرابه فشرب، فلما انتشى قال: عليّ بألف مثقال من المسك، فنثره على أوراق النرجس «٣» . ولنذكر الآن نبذة من الذخائر والتحف. حكي الرشيد بن الزبير في كتابه الملقب بالعجائب والطرف: أن أبا الوليد ذكر في كتابه المعروف بأخبار مكة أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة عام الفتح في سنة ثمان من الهجرة، وجد في الجب الذي كان في الكعبة سبعين ألف أوقية من الذهب مما كان يهدى للبيت، قيمتها ألف ألف وتسعمائة ألف وتسعون ألف دينار. وباع زهرة التميمي يوم القادسية منطقة كان قد قتل صاحبها بثمانين ألف دينار، ولبس سلبه وقيمته خمسمائة ألف وخمسون ألفا. وأصاب رجل يوم القادسية راية كسرى فعوّض عنها ثلاثين ألف دينار، وكانت قيمتها ألف ألف دينار ومائتي ألف. ووجد المستورد بن ربيعة يوم القادسية أبريق ذهب مرصعا بالجوهر، فلم يدر أحد ما قيمته، فقال رجل من الفرس: أنا آخذه بعشرة آلاف دينار، ولم يعرف قيمته، فذهب إلى سعد بن أبي وقاص، فأعطاه إياه وقال: لا تبعه إلا بعشرة آلاف دينار، فباعه سعد بمائة ألف دينار. ولما أتت الترك إلى عبد الله بن زياد ببخارى في سنة أربع وخمسين كان مع ملكهم امرأته خاتون، فلما هزمهم الله تعالى أعجلوها عن لبس خفها فلبست إحدى فردتيه ونسيت الأخرى، فأصابها المسلمون، فقومت بمائتي ألف دينار. ولما فتح قتيبة بن مسلم بخارى في سنة تسع وثمانين وجد فيها قدر ذهب ينزل إليها بسلالم. ودفع مصعب بن الزبير حين أحس بالقتل إلى زياد مولاه فصا من ياقوت أحمر، وقال له انج به، وكان قد قوم ذلك الفص بألف ألف درهم، فأخذه زياد ورضه بين حجرين وقال: والله لا ينتفع به أحد بعد مصعب. وذكر مصعب بن الزبير أن بعض عمال خراسان في ولايته ظهر على كنز، فوجد فيه حلة كانت لبعض الأكاسرة مصوغة من الذهب مرصعة بالدر والجواهر، والياقوت الأحمر والأصفر والزبرجد، فحملها إلى مصعب بن الزبير، فخرج من قوّمها «٤» فبلغت قيمتها ألفي ألف دينار، فقال: إلى من أدفعها؟ فقيل: إلى نسائك وأهلك. فقال: لا، بل إلى رجل قدم عندنا يدا، وأولانا جميلا. ادع لي عبد الله بن أبي دريد، فدفعها إليه. ولما صار موجود عماد الدولة في قبضة أمير الجيوش وجد في جملته دملج ذهب فيه جوهرة حمراء كالبيضة وزنها سبعة عشر مثقالا، فأنفذها أمير الجيوش إلى المستنصر، فقومت بتسعين ألف دينار. ووجد في بستان العباس بن الحسن الوزير مما أعد له من آلة الشرب يوم قتل، سبعمائة صينية من ذهب وفضة، ووجد له مائة ألف مثقال عنبر. وترك هشام بن عبد الملك بعد موته اثني عشر ألف قميص وشي، وعشرة آلاف تكة حرير، وحملت كسوته لما حج على سبعمائة جمل، وترك بعد وفاته أحد عشر ألف ألف دينار، ولم تأت دولة بني العباس إلا وجميع

стр. 293

أولاده فقراء لا مال لواحد منهم، وبين الدولة العباسية ووفاة هشام سبع سنين. ولما قتل الأفضل بن أمير الجيوش في شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة، خلف بعده مائة ألف ألف دينار، ومن الدراهم مائة وخمسين أردبا وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج ودواة من الذهب قوم ما عليها من الجواهر واليواقيت بمائتي ألف دينار، وعشرة بيوت في كل بيت منها مسمار ذهب قيمته مائة دينار على كل مسمار عمامة لونا، وخلف كعبة عنبر يجعل عليه ثيابه إذا نزعها، وخلف عشرة صناديق مملوءة من الجوهر الفائق الذي لا يوجد مثله، وخلّف خمسمائة صندوق كبار لكسوة حشمه وخلف من الزبادي الصيني والبلور المحكم وسق مائة جمل، وخلّف عشرة آلاف معلقة فضة، وثلاثة آلاف معلقة ذهب، وعشرة آلاف زباية فضة كبار وصغار، وأربع قدور ذهبا كل قدر وزنها مائة رطل، وسبعمائة جام ذهبا بفصوص زمرد، وألف خريطة مملوءة دراهم خارجا عن الأرادب في كل خريطة عشرة آلاف درهم، وخلّف من الخدم والرقيق والخيل والبغال والجمال وحلى النساء ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، وخلّف ألف حسكة ذهبا وألفي حسكة فضة، وثلاثة آلاف نرجسة ذهبا، وخمسة آلاف نرجسة فضة، وألف صورة ذهبا وألف صورة فضة منقوشة عمل المغرب، وثلاثمائة تور ذهبا، وأربعة آلاف تور فضة، وخلّف من البسط الرومية والأندلسية ما ملأ به خزائن الإيوان وداخل قصر الزمرد، وخلّف من البقر والجاموس والأغنام ما يباع لبنه في كل سنة بثلاثين ألف دينار، وخلّف من الحواصل المملوءة من الحبوب ما لا يحصى. ولما احتوى الناصر على ذخائر قصر العاضد وجد فيه طبلا كان بالقرب من موضع العاضد محتفظا به، فلما رأوه سخروا منه، فضرب عليه إنسان فضرط، فضحكوا منه، ثم أمسكه آخر وضربه، فضرط فضحكوا عليه، فكسروه استهزاء وسخرية، ولم يدروا خاصيته، وكان الفائدة فيه أنه وضع للقولنج، فلما أخبروا بخاصيته ندموا على كسره. وقد جمعت الملوك من الأموال والذخائر والتحف كنوزا لا تحصى، وبعد ذلك ماتوا ونفذت ذخائرهم، وفنيت أموالهم، فسبحان من يدوم ملكه وبقاؤه. قال بعضهم: هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال فضمنت أنا هذا البيت وقلت: أيا من عاش في الدنيا طويلا ... وأفنى العمر في قيل وقال وأتعب نفسه فيما سيفنى ... وجمّع من حرام أو حلال هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال «١» وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه قد دلّ قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ٦ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ٧ «٢» على ذم الغنى إن كان سبب الطغيان. وسئل أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن الغنى والفقر فقال: وهل طغى من طغى من خلق الله إلا بالغنى وتلا هذه الآية المتقدمة. والمحققون يرون الغنى والفقر من قبل النفس لا في المال. وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يرون الفقر فضيلة. وحدث الحسن ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاما» ، فقال جليس للحسن: أمن الأغنياء أنا أو من الفقراء؟ فقال: هل تغديت اليوم؟ قال: نعم، قال: فهل عندك ما تتعشى به؟ قال: نعم. قال: فإذا أنت من الأغنياء. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان النبي ﷺ يبيت طاويا «٣» ليالي ما له ولا لأهله عشاء، وكان عامة طعامه الشعير، وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع،

стр. 294

وكان ﷺ يأكل خبز الشعير غير منخول. هذا وقد عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض، فأبى أن يقبلها صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول: «اللهم توفني فقيرا ولا تتوفني غنيا واحشرني في زمرة المساكين» . وقال جابر رضي الله تعالى عنه: دخل النبي ﷺ على ابنته فاطمة الزهراء ﵂، وهي تطحن بالرحى، وعليها كساء من وبر الإبل، فبكى وقال: «تجرعي يا فاطمة مرارة الدنيا لنعيم الآخرة» . قال الله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ٥ «١» . وقال ﷺ : «الفقر موهبة من مواهب الآخرة وهبها الله تعالى لمن اختاره، ولا يختار إلا أولياء الله تعالى» . وفي الخبر إذا كان يوم القيامة يقول الله لملائكته: أدنوا إلي أحبائي، فتقول الملائكة: ومن أحباؤك يا إله العالمين؟ فيقول: فقراء المؤمنين أحبائي، فيدنونهم منه، فيقول: يا عبادي الصالحين إني ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم عليّ ولكن لكرامتكم تمتعوا بالنظر إليّ وتمتعوا ما شئتم. فيقولون: وعزتك وجلالك لقد أحسنت إلينا بما زويت عنا منها، ولقد أحسنت بما صرفت عنا، فيأمر بهم، فيكرمون ويجبرون ويزفون إلى أعلى مراتب الجنان. وقال ﷺ : «هل تنصرون إلا بفقرائكم وضعفائكم، والذي نفسي بيده ليدخلن فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام، والأغنياء يحاسبون على زكاتهم» . وقال ﵊: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به لو أقسم على الله تعالى لأبره» ، أي لو قال اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئا. وقال ﵊: «إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به، الذين إذا استأذنوا على الأمير لا يؤذن لهم، وإن خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم. حوائج أحدهم تتلجلج في صدره، لو قسم نوره على الناس يوم القيامة لوسعهم» . وروي عن خالد بن عبد العزيز أنه قال: كان حيوة بن شريح من البكائين، وكان ضيق الحال جدا، فجلست إليه ذات يوم وهو جالس وحده يدعو، فقلت له: يرحمك الله لو دعوت الله تعالى ليوسع عليك في معيشتك، قال: فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فأخذ حصاة من الأرض وقال: اللهم اجعلها ذهبا، فإذا هي تبرة في كفه ما رأيت أحسن منها، قال: فرمى بها إليّ وقال: هو أعلم بما يصلح عباده، فقلت: ما أصنع بهذه؟ قال: انفقها على عيالك، فهبته والله أن أردها عليه. وقال عون بن عبد الله: صحبت الأغنياء فلم أجد فيهم أحدا أكثر مني هما لأني كنت أرى ثيابا أحسن من ثيابي ودابة أحسن من دابتي، ثم صحبت الفقراء بعد ذلك، فاسترحت. قال بعضهم: وقد يهلك الإنسان كثرة ماله ... كما يذبح الطاوس من أجل ريشه وقال عبد الله بن طاهر: ألم تر أن الدهر يهدم ما بنى ... ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى «٢» فمن سرّه أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا ينال به فقدا وكان من دعاء السلف رضي الله تعالى عنهم: «اللهم إني أعوذ بك من ذل الفقر وبطر الغنى» . وقيل: مكتوب على باب مدينة الرقة: ويل لمن جمع المال من غير حقه، وويلان لمن ورّثه لمن لا يحمده وقدم على من لا يعذره. ولما فتحت بلخ في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وجد على بابها صخرة مكتوب فيها: إنما يتبين الفقير من الغني بعد الانصراف من بين يدي الله تعالى أي: بعد العرض. قال الشاعر: ومن يطلب الأعلى من العيش لم يزل ... حزينا على الدنيا رهين غبونها «٣» إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها وقال آخر: ولا ترهبن الفقر ما عشت في غد ... لكلّ غد رزق من الله وارد وقال هارون بن جعفر الطالبي:

стр. 295

بوعدت همّتي وقورب مالي ... ففعالي مقصّر عن مقالي ما اكتسى الناس مثل ثوب اقتناع ... وهو من بين ما اكتسوا سربالي ولقد تعلم الحوادث أنّي ... ذو اصطبار على صروف الليالي وقال أعرابي: من ولد في الفقر أبطره الغنى، ومن ولد في الغنى لم يزده إلا تواضعا، فما أحسن الفقر وأكثر ثوابه وأعظم أجر من رضي به، وصبر عليه، اللهم اجعلنا من الصابرين برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الباب الثالث والخمسون في التلطف في السؤال وذكر من سئل فجاد روى الإمام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أعطوا السائل ولو جاء على فرس» . وما سئل ﵇ شيئا قط، فقال لا. وأتى إعرابي إلى علي رضي الله تعالى عنه، فسأله شيئا، فقال: والله ما أصبح في بيتي شيء فضل عن قوتي، فولى الإعرابي وهو يقول: والله ليسألنك الله عن موقفي بين يديك يوم القيامة، فبكى علي رضي الله تعالى عنه بكاء شديدا، وأمر برده، وقال يا قنبر: ائتني بدرعي الفلانية، فدفعها إلى الإعرابي، وقال: لا تخدعن عنها فطالما كشفت بها الكروب عن وجه رسول الله ﷺ ، فقال قنبر: يا أمير المؤمنين كان يجزيه عشرون درهما، فقال: يا قنبر والله ما يسرني أن لي زنة الدنيا ذهبا وفضة، فتصدقت به، وقبل الله مني ذلك، وإنه يسألني عن موقف هذا بين يدي. وقال علي رضي الله تعالى عنه: إن لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح. وقال مسلمة لنصيب: سلني. فقال: كفك بالعطية أبسط من لساني بالمسألة، فقال لحاجبه: إدفع إليه ألف دينار. وسأل رجل الحسن رضي الله تعالى عنه فقال له: ما وسيلتك؟ قال: وسيلتي أني أتيتك عام أول فبررتني، فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا، ثم وصله وأكرمه. ويقال: الكريم إذا سئل ارتاح واللئيم إذا سئل ارتاع. ولما وفد المهدي من الري إلى العراق امتدحه الشعراء، فقال أبو دلامة: إني نذرت لئن رأيتك قادما ... أرض العراق وأنت ذو وقر «١» لتصلينّ على النبيّ محمد ... ولتملأنّ دراهما حجري فقال المهدي: صلى الله على محمد، فقال أبو دلامة: ما أسرعك للأولى وأبطأك عن الثانية، فضحك وأمر له ببدرة، فصبت في حجره. وسمع الرشيد أعرابية بمكة تقول: طحنتنا كلاكل الأعوام ... وبرتنا طوارق الأيام «٢» فأتيناكمو نمدّ أكفّا ... لالتقام من زادكم والطعام فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا ... أيّها الزائرون بيت الحرام «٣» فبكى الرشيد، وقال لمن معه: سألتكم بالله تعالى إلا ما دفعتم إليها صدقاتكم، فألقوا عليها الثياب حتى وارتها كثرة، وملأوا حجرها دارهم ودنانير. وسأل اعرابي بمكة وأحسن في سؤاله، فقال: أخ في الله وجار في بلد الله وطالب خير من عند الله، فهل من أخ يواسيني في الله. قال الشاعر: ليس في كلّ وهلة وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذرا من تعذّر الإمكان وقال البصري: أضحت حوائجنا إليك مناخة ... معقولة برحابك الوصّال»

стр. 296

أطلق فديتك بالنجاح عقالها ... حتى تثور بنا بغير عقال وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: يا كميل مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم ويدلجوا في حاجة من هو نائم، فو الذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا خلق الله تعالى من ذلك السرور لطفا، فإذا نابته نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الابل. وقال لجابر بن عبد الله: يا جابر من كثرت نعم الله تعالى عليه كثرت حوائج الناس إليه، فإذا قام بما يجب لله فيها فقد عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم بما يجب لله فيها عرض نعمه لزوالها. وكان لبيد رحمه الله تعالى آلى على نفسه كلما هبت الصبا أن ينحر ويطعم، وربما ذبح العتاق «١» إذا ضاق الخناق، فخطب الوليد بن عتبة يوما فقال: قد علمت ما جعل أبو عقيل على نفسه فأعينوه على مروءته، ثم بعث إليه بخمس من الإبل وبهذه الأبيات: أرى الجزار يشحذ مديتيه ... إذا هبّت رياح بني عقيل طويل الباع أبلج جعبريّ «٢» ... كريم الجدّ كالسّيف الصقيل وفى ابن الجعبري بما نواه ... على العلات بالمال القليل فدعا لبيد بنتا له خماسية وقال: يا بنية إني تركت الشعر، فأجيبي الأمير عني فقالت: إذا هبّت رياح بني عقيل ... تداعينا لهبّتها الوليدا طويل الباع أبلج عبشمي «٣» ... أعان على مروءته لبيدا بأمثال الهضاب كأنّ رعيا ... عليها من بني حام قعودا أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا فعد إنّ الكريم له معاد ... وظنّي في ابن عتبة أن يعودا فقال: لقد أحسنت والله يا بنية لولا أنك سألت وقلت عد، فقالت: يا أبت إن الملوك لا يستحيا منهم في المسألة، فقال: والله لأنت في هذا أشعر مني. ووفد رجل من بني ضبة على عبد الملك، فأنشده: والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلّب ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب فاصبر لعادتك التي عوّدتنا ... أولا فأرشدنا إلى من نذهب فأمر له بألف دينار، فعاد إليه من قابل، وقال يا أمير المؤمنين: إن الروي لينازعني وإن الحياء يمنعني، فأمر له بألف دينار وقال: والله لو قلت حتى تنفد بيوت الأموال لأعطيتك. وقيل: إن رجلا عرض للمنصور، فسأله حاجة فلم يقضها، فعرض له بعد ذلك، فقال له المنصور: أليس قد كلمتني مرة قبل هذه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ولكن بعض الأوقات أسعد من بعض وبعض البقاع أعز من بعض، فقال: صدقت، وقضى حاجته وأحسن إليه. وروي أن أبا دلامة الشاعر كان واقفا بين يدي السفاح في بعض الأيام فقال له: سلني حاجتك. فقال: كلب صيد، فقال: أعطوه إياه، فقال: ودابة أصيد عليها، فقال: أعطوه دابة، فقال: وغلاما يقود الكلب ويصيد به. قال: أعطوه غلاما، قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه جارية، فقال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها. قال: أعطوه دارا تجمعهم، قال: فإن لم يكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعته عشر ضياع عامرة وعشرة ضياع غامرة، فقال: ما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: ما لا نبات فيها. قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني أسد، فضحك وقال: إجعلوها كلها عامرة. فانظر إلى حذقه بالمسألة، ولطفه فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فسهّل القضية، وجعل يأتي بمسألة بعد مسألة على ترتيب وفكاهة حتى سأل ما سأله، ولو سأل ذلك بديهة لما وصل إليه. وحكي عن المأمون أنه قال ليحيى بن أكثم يوما: سر بنا نتفرج، فسارا، فبينما هما في الطريق وإذا بمقصبة خرج منها رجل بقصبة للمأمون يتظلم له، فنفرت دابته، فألقته على الأرض صريعا، فأمر بضرب عنق ذلك الرجل، فقال يا أمير المؤمنين: إن المضطر يرتكب الصعب من الأمور وهو عالم به، ويتجاوز حد الأدب وهو كاره لتجاوزه، ولو

стр. 297

أحسنت الأيام مطالبتي لأحسنت مطالبتك ولأنت على ما لم تفعل أقدر مني على رد ما قد فعلت. قال: فبكى المأمون وقال: بالله أعد عليّ ما قلت، فأعاده، فالتفت المأمون إلى يحيى بن أكثم وقال: أما تنظر إلى مخاطبة هذا الرجل بأصغريه «١» ؟ والنبي ﷺ يقول: «المرء بأصغريه قلبه ولسانه» . والله لا وقفت لك إلا وأنا قائم على قدمي، فوقف وأمر له بصلة جزيلة واعتذر إليه، فلما همّ المأمون بالانصراف قال الرجل يا أمير المؤمنين: بيتان قد حضراني، ثم أنشد يقول: ما جاد بالوفر إلّا وهو معتذر ... ولا عفا قطّ إلّا وهو مقتدر وكلّما قصدوه زاد نائله ... كالنار يؤخذ منها وهي تستعر وقيل: إن بعض الحكماء لزم باب كسرى في حاجة دهرا، فلم يوصل إليه، فكتب أربعة أسطر في ورقة ودفعها للحاجب، فكان في السطر الأول: العديم لا يكون معه صبر على المطالبة، وفي السطر الثاني: الضرورة والأمل أقدماني عليك، وفي السطر الثالث: الانصراف من غير فائدة شماتة الأعداء، وفي السطر الرابع: أما نعم فمثمرة، وأما لا فمريحة. فلما قرأها كسرى دفع له في كل سطر ألف دينار. وحكي أن رجلا كان جارا لابن عبيد الله، فأصاب الناس قحط بالعراق حتى رحل أكثر الناس عنه، فعزم جار ابن عبيد الله على الخروج من البلاد في طلب المعيشة، وكانت له زوجة لا تقدر على السفر، فلما رأت زوجها تهيأ للسفر قالت له: إذا سافرت من الذي ينفق علينا؟ قال: إن لي على ابن عبيد الله دينار ومعي به أشهاد عليه شرعي، فخذي الأشهاد وقدميه إليه، فإذا قرأه أنفق عليك مما عنده حتى أحضر، ثم ناولها رقعة كتب فيها هذه الأبيات يقول: قالت وقد رأت الأحمال محدجة ... والبين قد جمّع المشكوّ والشاكي من لي إذا غبت في ذا المحل «٢» قلت لها ... الله وابن عبيد الله مولاك فمضت إليه المرأة وحكت له ما قال زوجها، وأخبرته بسفره، وناولته الرقعة، فقرأها، وقال: صدق زوجك، وما زال ينفق عليها ويواصلها بالبر والإحسان إلى أن قدم زوجها فشكره على فضله وإحسانه. وحكي أن مطيع بن أياس مدح معن بن زائدة بقصيدة حسنة، ثم أنشدها بين يديه، فلما فرغ من إنشاده أراد معن أن يباسطه، فقال يا مطيع: إن شئت أعطيناك وإن شئت مدحناك كما مدحتنا، فاستحيا مطيع من اختيار الثواب وكره اختيار المدح وهو محتاج، فلما خرج من عند معن أرسل إليه بهذين البيتين: ثناء من أمير خير كسب ... لصاحب نعمة وأخي ثراء ولكنّ الزمان برى عظامي ... ومالي كالدراهم من دواء فلما قرأها معن ضحك وقال: ما مثل الدراهم من دواء. وأمر له بصلة جزيلة ومال كثير. قال الشاعر: هززتك لا إنّي جعلتك ناسيا ... لأمري ولا إنّي أردت التقاضيا ولكن رأيت السيف من بعد سلّه ... إلى الهزّ محتاجا وإن كان ماضيا «٣» وقال آخر: ماذا أقول إذا رجعت وقيل لي ... ماذا لقيت من الجواد الأفضل إن قلت أعطاني كذبت وإن أقل ... بخل الجواد بماله لم يجمل «٤» فاختر لنفسك ما أقول فإنني ... لا بدّ أخبرهم وإن لم أسأل وقال آخر: لنوائب الدنيا خبأتك فانتبه ... يا نائما من جملة النوّام أعلى الصراط تزيل لوعة كربتي ... أم في المعاد تجود بالإنعام ومما يستحسن إلحاقه بهذا الباب: ذكر شيء مما جاء في ذم السؤال والنهي عنه: روي عن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الأشجعي

стр. 298

رضي الله تعالى عنه قال: كنّا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟ فبسطنا أيدينا وكنا حديثي عهد بالمبايعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام يا رسول الله نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وتقيموا الصلوات الخمس، وتطيعوا الله، وأسرّ كلمة خفية وهي: ولا تسألوا الناس شيئا، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا يناوله إياه، رواه مسلم. وقال رجل لابنه: إياك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه. وكان لقمان يقول لولده: يا بني إياك والسؤال فإنه يذهب ماء الحياء من الوجه، وأعظم من هذا استخفاف الناس بك. وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: لأن تدخل يدك فم التنين إلى المرفق خير لك من أن تبسطها إلى غني قد نشأ في الفقر. وقيل لأعرابي: ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم. وقال أبو محلم السعدي: إذا رماك الدهر في الضيق فانتجع ... قديم الغنى في الناس إنّك حامده «١» ولا تطلبنّ الخير ممّن أفاده ... حديثا ومن لا يورث المجد والده وقال رسول الله ﷺ : «مسألة الناس من الفواحش ما أحلّ من الفواحش غيرها» . وقال ﵊: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه» . قال الشاعر: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخفّ كل نوال وقال أحمد الأنباري: لموت الفتى خير من البخل للغنى ... وللبخل خير من سؤال بخيل لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق إنسانا بوجه ذليل وقال سلم الخاسر: إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله فلا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله ويقال: أحب الناس إلى الله من سأله وأبغض الناس إلى الناس من احتاج إليهم وسألهم، وفي هذا المعنى قيل: لا تسألنّ من ابن آدم حاجة ... وسل الذي أبوابه لا تحجب «٢» الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنيّ آدم حين يسأل يغضب وقال محمود الوراق: شاد الملوك قصورهم وتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... ياذا الضراعة طالبا من طالب وقال ابن دقيق العيد: وقائلة مات الكرام فمن لنا ... إذا عضّنا الدهر الشديد بنابه فقلت لها من كان غاية قصده ... سؤالا لمخلوق فليس بنابه إذا مات من يرجى فمقصودنا الذي ... ترجّينه باق فلوذي ببابه وقال بعض أهل الفضل: لما افتقرت لصحبي ما وجدتهمو ... لجأت لله لبّاني وأغناني واها على بذل وجهي للورى سفها ... فلو بذلت إلى مولاي والاني وسأل رجل رجلا حاجة فلم يقضها فقال: سألت فلانا حاجة أقل من قيمته، فردني ردا أقبح من خلقته. وسأل عروة مصعبا حاجة فلم يقضها فقال: علم الله تعالى أن لكل قوم شيخا يفزعون إليه وأنا أفزع منك «٣» .

стр. 299

ويقال: لا شيء أوجع للأخيار من الوقوف بباب الأشرار. وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: بلوت بني الدنيا فلم أر فيهم ... سوى من غدا والبخل ملء إهابه «١» فجردت من غمد القناعة صارما ... قطعت رجائي منهم بذبابه «٢» فلا ذا يراني واقفا في طريقه ... ولا ذا يراني قاعدا عند بابه غني بلا مال عن الناس كلّهم ... وليس الغنى إلّا عن الشيء لا به إذا ما ظالم استحسن الظلم مذهبا ... ولجّ عتوا في قبيح اكتسابه «٣» فكله إلى صرف الليالي فإنها ... ستبدي له ما لم يكن في حسابه «٤» فكم قد رأينا ظالما متمردا ... يرى النجم تيها تحت ظلّ ركابه «٥» فعمّا قليل وهو في غفلاته ... أناخت صروف الحادثات ببابه فأصبح لا مال ولا جاه يرتجى ... ولا حسنات تلتقي في كتابه وجوزي بالأمر الذي كان فاعلا ... وصبّ عليه الله سوط عذابه وقال آخر: لا تسألنّ إلى صديق حاجة ... فيحول عنك كما الزمان يحول واستغن بالشيء القليل فإنّه ... ما صان عرضك لا يقال قليل من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول وأخوك من وفّرت ما في كفّه ... ومتى علقت به فأنت ثقيل وقال آخر: ليس جودا أعطيته بسؤال ... قد يهزّ السؤال غير جواد إنما الجود ما أتاك ابتداء ... لم تذق فيه ذلّة التّرداد وقال آخر: لا تحسبن الموت موت البلى ... إنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكنّ ذا ... أخفّ من ذاك لذلّ السؤال وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: قنعت بالقوت من زماني ... وصنت نفسي عن الهوان خوفا من الناس أن يقولوا ... فضل فلان على فلان من كنت عن ماله غنيّا ... فلا أبالي إذا جفاني ومن رآني بعين نقص ... رأيته بالتي رآني ومن رآني بعين تم ... رأيته كامل المعاني والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الرابع والخمسون في ذكر الهدايا والتحف وما أشبه ذلك قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها «٦» فسرها بعضهم بالهدية. وقال ﷺ : «تهادوا تحابوا فانها تجلب المحبة وتذهب الشحناء» . وقال ﷺ : «الهدية مشتركة» . وقال ﷺ : «من

стр. 300

سألكم بالله فأعطوه ومن استعاذكم فأعيذوه ومن أهدى إليكم كراعا «١» فاقبلوه» . وكان ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها. وفي الأثر: الهدية تجلب المودة إلى القلب والسمع والبصر. ومن الأمثال: إذا قدمت من سفر فأهد أهلك ولو حجرا. وقال الفضل بن سهل: ما استرضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سلبت السخائم «٢» ولا دفعت المغارم، ولا استميل المحبوب، ولا توقي المحذور بمثل الهدية. وأتى فتح الموصلي بهدية وهي خمسون دينارا فقال: حدثنا عطاء، عن النبي ﷺ : أنه قال «من أتاه الله رزقا من غير مسألة ورده فكأنما رده على الله تعالى» . وأهدى رسول الله ﷺ هدية إلى عمر، فردها، فقال: يا عمر لم رددت هديتي؟ فقال رضي الله تعالى عنه: إني سمعتك تقول خيركم من لم يقبل شيئا من الناس. فقال: يا عمر إنما ذاك ما كان عن ظهر مسألة، فإما إذا أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك. وقالت أم حكيم الخزاعية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تهادوا فإنه يضاعف الحب ويذهب بغوائل «٣» الصدور» . ويقال: في نشر المهاداة طي المعاداة. ذكر أنواع الهدايا للخلفاء وغيرهم ممن قصرت به قدرته فاهدى اليسير وكتب معه مكاتبة يعتذر بها: أهدي إلى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ثمانية أشياء متباينة في يوم واحد. فيلة من ملك الهند، وجارية من ملك الترك، وفرس من ملك العرب، وجوهر من ملك الصين، واستبرق من ملك الروم، ودرة من ملك البحر، وجرادة من ملك النمل، وذرة من ملك البعوض. فتأمل ذلك، وقال: سبحان القادر على جمع الأضداد. وأهدى ملك الروم إلى المأمون هدية، فقال المأمون: أهدوا له ما يكون ضعفها مائة مرة ليعلم عز الإسلام ونعمة الله تعالى علينا، ففعلوا ذلك، فلما عزموا على حملها قال: ما أعز الأشياء عندهم؟ قالوا: المسك والسمور. وقال: وكم في الهدية من ذلك؟ قالوا: مائتا رطل مسكا ومائتا فروة سمور. وأهدت قطر الندى إلى المعتضد بالله في يوم نيروز في سنة اثنتين وثمانين ومائتين هدية كان فيها عشرون صينية ذهب في عشرة منها مشام عنبر وزنها أربعة وثمانون رطلا، وعشرون صينية فضة في عشر منها مشام صندل زنتها نيف وثلاثون رطلا، وخمس خلع وشي قيمتها خمسة آلاف دينار، وعملت شمامات ليوم النيروز بلغت النفقة عليها ثلاثة عشر ألف دينار. أهدى يعقوب بن الليث الصفار إلى المعتمد على الله هدية في بعض السنين من جملتها عشر بازات منها باز أبلق لم ير مثله، ومائة مهر، وعشرون صندوقا على عشر بغال فيهم طرائف الصين وغرائبه، ومسجد فضة بدرابزين يصلي فيه خمسة عشر إنسانا ومائة رطل من مسك، ومائة رطل عود هندي، وأربعة آلاف ألف درهم. وأهدت ثريا بنت الأوباري ملكة افرنجة وما والاها إلى المكتفي بالله في سنة ثلاث وسبعين ومائتين. خمسين سيفا وخمسين رمحا وعشرين ثوبا منسوجا بالذهب، وعشرين خادما صقلبيا، وعشرين جارية صقلبية، وعشر كلاب كبار لا تطيقها السباع، وست بازات، وسبع صقور، ومضرب حرير متلون بجميع الألوان كلون قوس قزح، يتلون في كل ساعة من ساعات النهار، وثلاثة أطيار من الأطيار الإفرنجية إذا نظرت إلى الطعام أو الشراب المسموم صاحت صياحا منكرا وصفقت بأجنحتها حتى يعلم ذلك، وخرزا يجذب النصول بعد نبات اللحم عليها بغير وجع، وحمارة وحشية عظيمة الخلقة في قدر البغل، وآذانها شبه آذان البغل، وهي مخططة تخطيطا عاما لجميع خلقتها. وأهدى قسطنطين ملك الروم إلى المستنصر بالله في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة هدية عظيمة اشتملت قيمتها على ثلاثين قنطارا من الذهب الأحمر كل قنطار منها عشرة آلاف دينار عربية قيمة ذلك ثلاثمائة ألف دينار عربية. وحكي أن الخيزران جارية المهدي كانت أديبة شاعرة، فعزم المهدي على شرب دواء، فأنفذت إليه جام بلور «٤» فيه شراب اختارته له مع وصيفة بكر بارعة الجمال، وكتبت إليه تقول: إذا خرج الإمام من الدواء ... وأعقب بالسلامة والشفاء

стр. 301

وأصلح حاله من بعد شرب ... بهذا الجام من هذا الطلاء «١» فينعم للتي قد أنفذته ... إليه بزورة بعد العشاء فسرّ بذلك ووقعت الجارية منه أعظم موقع، وزار الخيزران وأقام عندها يومين. وأهدى الصابي إلى عضد الدولة أسطر لابا في يوم المهرجان وكتب إليه يقول: أهدى إليك بنو الأملاك واحتفلوا ... في مهرجان جديد أنت تبليه لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شيء يدانيه لم يرض بالأرض يهديها إليك وقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه وأهدى رجل إلى المتوكل قارورة ذهب وكتب معها بأن الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلّت كانت أوقع وأنفع. وأهدى مرة أبو الهذيل إلى موسى بن عمران دجاجة ووصفها له بصفات جليلة، ثم لم يزل يذكرها، وكلما ذكر شيء بجمال أو سمن قال: هو أحسن أو أسمن من الدجاجة التي أهديتها إليكم، وإن ذكر حادث قال: ذلك قبل أن أهدي لكم الدجاجة بشهر، وما كان بين ذلك وبين إهداء الدجاجة إلا أيام قلائل، فصارت مثلا لمن يستعظم الهدية، ويذكرها «٢» . قال الشاعر: وإن امرأ أهدى إليّ صنيعة ... وذكّرنيها مرّة للئيم وقال سفيان الثوري: إذا أردت أن تتزوج فأهد للأم. وكان سفيان يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من أهديت إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها، فأهدى إليه صديق له ثيابا من ثياب مصر وعنده قوم، فذكروا الخبر، فقال: إنما ذلك فيما يؤكل ويشرب أما في ثياب مصر فلا. وكتب الحمدوني إلى جارية اسمها برهان، وقد حج مواليها، فقال: حجوا مواليك يا برهان واعتمروا ... وقد أتتك الهدايا من مواليك فأطرفيني بما قد أطرفوك به ... ولا تكن طرفتي غير المساويك ولست أقبل إلّا ما جلوت به ... ثنيتيك وما ردّدت في فيك وكتب بعضهم إلى صديقه وقد أهدى إليه هدية يسيرة يقول: تفضّل بالقبول عليّ إني ... بعثت بما يقلّ العبد عندك وأهدى بعضهم إلى صديقه هدية في يوم نيروز، وكتب إليه يقول: هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العبيد للسادة، وقدر الأمير يجل عما تحيط به المقدرة، وفي سؤدده ما يوجب التفضل ببسط المعذرة، وقد وجهت ما حضر علما بأنه لا يستكثر ما جل ولا يستقل لعبده ما قل، فإن رأى أن يتطول بقبول القليل كتطوله بإهداء الجزيل فعل، وجعل يقول: رأيت كثير ما يهدى إليكم ... قليلا فاقتصرت على الدعاء وبلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش يقع فيه ويقول: ظالم ولي المظالم، فأهدى إليه هدية فمدحه الأعمش بعد ذلك وقال: الحمد لله الذي ولي علينا من يعرف حقوقنا، فقيل له: كنت تذمه ثم الآن تمدحه، فقال: حدثني خيثمة عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها» . وقال عبد الملك بن مروان: ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها، الكتاب يدل على عقل كاتبه، والرسول يدل على عقل مرسله، والهدية تدل على عقل مهديها. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الخامس والخمسون في العمل والكسب والصناعات والحرف وما أشبه ذلك أما العمل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أفضل العمل أدومه وإن قل» . وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه:

стр. 302

قليل مدام عليه خير من كثير مملول. وفي التوراة: حرك يدك افتح لك باب الرزق. وكان إبراهيم بن أدهم «١» يسقي ويرعى ويعمل بالكراء ويحفظ البساتين والمزارع ويحصد بالنهار ويصلي بالليل. وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: ما ينفي عني حجة العلم؟ قال: العمل. وعنه ﷺ أنه قال: «الكيّس «٢» من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» . وقال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم سوءا أعطاهم الجدل ومنعهم العمل. وأنشد يقول: وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل وقال بعض الحكماء: لا شيء أحسن من عقل زانه حلم، ومن عمل زانه علم، ومن حلم زانه صدق. ودخل بعض الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين فقال له: عظني. فقال له الولي: بلغني رحمك الله أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم الموتى، فانظر ماذا تعرض على رسول الله ﷺ من عملك. فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه. وقيل: من جدّ وجد، وأنشدوا في المعنى: إنّي رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر وتقول العرب: فلان وثّاب على الفرص. وقال بعضهم: وإنّي إذا باشرت أمرا أريده ... تدانت أقاصيه وهان أشده وعن أنس رضي الله تعالى عنه: يتبع الميت ثلاث. فيرجع إثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ولا يرجع عمله. وقال بعضهم: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك والأركان جنود ولا يحارب الملك إلا بالجنود، ولا الجنود إلا بالملك. وقيل: الدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم، والعلم كله هباء إلا موضع العمل، والعمل كله هباء إلا موضع الإخلاص، هذا هو العمل. وأما الكسب: فقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ «٣» أي دروع من الحديد، وذلك أن داود ﵊ كان يدور في الصحاري فإذا رأى من لا يعرفه تحدث معه في أمر داود، فإذا سمعه عابه بشيء يصلحه من نفسه، فسمع يوما من يقول: إني لا أجد في داود عيبا إلا أنه يأكل من غير كسبه، فعند ذلك صلى داود ﵊ في محرابه وتضرع بين يدي الله تعالى وسأله أن يعلمه ما يستعين به على قوته، فعلمه الله تعالى صنعة الحديد وجعله في يده كالشمع، فاحترفها واستعان بها على أمره وصار يحكم منها الدروع. وقال رسول الله ﷺ : «جعل رزقي تحت ظل رمحي فكانت حرفته الجهاد» . وقال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب العبد المحترف» . وقال ﷺ : «إن الله تعالى يبغض العبد الصحيح الفارغ» . وقال ﵊: «من اكتسب قوته ولم يسأل الناس لم يعذبه الله تعالى يوم القيامة» . ولو تعلمون ما أعلم من المسألة لما سأل رجل رجلا شيئا وهو يجد قوت يومه، وليس عند الله أحب من عبد يأكل من كسب يده إن الله تعالى يبغض كل فارغ من أعمال الدنيا والآخرة. وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : «من بات كالّا في طلب الحلال أصبح مغفورا له» . وعن الحسن ﵀: كسب الدرهم الحلال أشد من لقاء الزحف. وقيل لمحمد بن مهران: إن ههنا أقواما يقولون نجلس في بيوتنا وتأتينا أرزاقنا، فقال: هؤلاء قوم حمقى إن كان لهم مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن فليفعلوا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة. وقال أيضا: إني لأرى

стр. 303

الرجل فيعجبني، فأقول: أله حرفة، فإن قالوا لا. سقط من عيني. واشترى سليمان وسقا من طعام وهو ستون صاعا فقيل له في ذلك فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها أطمأنت. قال بعضهم في السعي: خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إنّ الجلوس مع العيال قبيح وقيل: إن أول من صنع لسان الميزان عبد الله بن عامر، وكان الناس إنما يزنون بالشاهيني. وعن أنس ﵁ قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا يا رسول الله: سعّر لنا، فقال: إن الله الخالق القابض المسعر الرازق، وإن لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمته بها في أهل ولا مال. وأما ما جاء في العجز والتواني: فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: من أطاع التواني ضيع الحقوق، ومن العجز طلب ما فات مما لا يمكن استدراكه وترك ما أمكن مما تحمد عواقبه. قال الشاعر: على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا ومثله قوله: على المرء أن يسعى ويبذل نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر وقيل: احذر مجالسة العاجز، فإنه من سكن إلى عاجز أعداه من عجزه، وأمده من جزعه وعوده قلة الصبر، ونسّاه ما في العواقب، وليس للعجز ضدّ إلا الحزم. وقال بعض العلماء: من الخذلان مسامرة الأماني ومن التوفيق بغض التواني. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح» . وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: احرص على ما ينفعك، ودع كلام الناس فإنه لا سبيل إلى السلامة من ألسنة الناس. وقال علي رضي الله تعالى عنه: التواني مفتاح البؤس، وبالعجز والكسل تولدت الفاقة ونتجت الهلكة، ومن لم يطلب لم يجد وأفضى إلى الفساد. وقال حكيم: من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير. وقال بعض الحكماء: الحركة بركة والتواني هلكة والكسل شؤم، وكلب طائف خير من أسد رابض ومن لم يحترف لم يعتلف. وقيل: من العجز والتواني تنتج الفاقة. قال هلال بن العلاء الرّفاء هذين البيتين من جملة أبيات: كأنّ التّواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوّجها مهرا فراشا وطيئا ثم قال لها اتكي ... فإنكما لا بدّ أن تلدا الفقرا وقال آخر: توكل على الرحمن في الأمر كلّه ... ولا ترغبن في العجز يوما عن الطلب ألم تر أنّ الله قال لمريم ... وهزّي إليك الجذع يسّاقط الرّطب ولو شاء أن تجنيه من غير هزّه ... جنته ولكن كلّ رزق له سبب وسأل معاوية ﵁ سعيد بن العاص عن المروءة فقال: العفة والحرفة. وكان أيوب السختياني يقول: يا فتيان احترفوا فإني لا آمن عليكم أن تحتاجوا إلى القوم، يعني الأمراء. وقال رجل للحسن: إني أنشر مصحفي فاقرأه بالنهار كله، فقال: اقرأه بالغداة والعشي ويكون يومك في صنعتك وما لا بد منه. ومر رحمه الله تعالى بإسكاف، فقال يا هذا: اعمل وكل، فإن الله يحب من يعمل ويأكل ولا يحب من يأكل ولا يعمل. وقال أبو تمام: أعاذلتي ما أحسن الليل مركبا ... وأحسن منه في الملمّات راكبه ذريني وأهوال الزمان أقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه أرى عاجزا يدعى جليدا لقسمه ... ولو كلّف المقوى لكلّت مضاربه «١» وعفّا يسمى عاجزا بعفافه ... ولولا التقى ما أعجزته مذاهبه وليس بعجز المرء أخطأه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه وقال آخر: فلا تركن إلى كسل وعجز ... يحيل على المقادر والقضاء «٢»

стр. 304

وقال أعرابي: العاجز هو الشاب القليل الحيلة الملازم للأماني المستحيلة. ويقال: فلان يخدعه الشيطان عن الحزم، فيمثل له التواني في صورة التوكل، ويريه الهوينا بإحالته على القدر. وقال لقمان لابنه: يا بني إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد حقا وإذا ضجرت لم تصبر على حق. وقال أبو العتاهية: إذا وضع الراعي على الأرض صدره ... فحقّ على المعزى بأن تتبدّدا فالتواني: هو الكسل وتضييع الحزم وعدم القيام على مصالح النفس وترك التسبب والاحتراف والإحالة على المقادير، وهذا من أقبح الأفعال. وأما التأني: فطنه خلاف التواني، وهو الرفق ورفض العجلة والنظر في العواقب. وقد قيل: من نظر في عواقب الأمور سلم من آفات الدهور. ومما جاء في ذلك قوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ «١» . وقال رسول الله ﷺ : «من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الدنيا والآخرة» . وقال ﵊ لعائشة: «عليك بالرفق فإن الرفق لا يخالط شيئا إلا زانه ولا يفارق شيئا إلا شانه» . وفي التوراة: الرفق رأس الحكمة. وقالوا: العقل أصله التثبت وثمرته السلامة. ووجد على سيف مكتوبا: التأني فيما لا يخاف فوته أفضل من العجلة في إدراك الأمل. وقال بعض الحكماء: إذا شككت فاجزم وإذا استوضحت فاعزم. وقالوا: يد الرفق تجني ثمرة السلامة، ويد العجلة تغرس شجرة الندامة. وأنشدوا في ذلك: قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل وقالوا: التأنّي حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة. وقالوا: إذا لم يدرك الظفر بالرفق والتأنّي، فبماذا يدرك؟ وقال المهلب: أناة في عواقبها درك خير من عجلة في عواقبها فوت. وقالوا: من تأنّي نال ما تمنّى. والرفق مفتاح النجاح. وقال بعض الحكماء إياك والعجلة فإنها تكنّى أم الندامة، لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويحمد قبل أن يجرب ولن تصحب هذه الصفة أحدا إلا صحب الندامة وجانب السلامة. وأما الصناعات والحرف وما يتعلق بها: فقد روي عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عمل الأبرار من الرجال الخياطة، وعمل الأبرار من النساء الغزل» وكان ﷺ يخيط ثوبه ويخصف نعله «٢» ويحلب شاته، ويعلف ناضحه «٣» . وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان الحكيم خياطا، وقيل: كان إدريس ﵇ خياطا، ووقف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على خياط، فقال له: يا خياط ثكلتك الثواكل، صلّب الخيط ودقّق الدروز، وقارب الغروز، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الله الخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاط وخان فيه، واحذر السقاطات، فإن صاحب الثوب أحق بها، ولا تتخذ بها الأيادي وتطلب المكافأة» . وقال فيلسوف: إن من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع. وفي الحديث: «أكذب أمتي الصواغون الصباغون وكذب الدلّال مثل» . وقالوا: لكل أحد رأس مال ورأس مال الدلال الكذب «٤» . وقال عبد الرحمن بن شبل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «التجار هم الفجّار، فقيل: أليس الله تعالى قد أحل البيع: قال: نعم. ولكن يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيحنثون» . وقال الفضيل: بخس الموازين سواد في الوجه يوم القيامة، وإنما أهلكت القرون الأولى لأنهم أكلوا الربا وعطلوا الحدود ونقصوا الكيل والميزان. وقال مجاهد في قوله تعالى: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ » . قيل هم الحاكة والأساكفة. وقيل: إن حائكا سأل إبراهيم الحربي: ما تقول فيمن صلى العيد ولم يشتر ناطفا «٦» ما الذي يجب عليه؟ فتبسم إبراهيم، ثم قال: يتصدق بدرهمين، فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق.

стр. 305

وقيل لرجل: هل فيكم حائك؟ قال: لا. قيل: فمن ينسج لكم ثيابكم؟ قال: كلّ منا ينسج لنفسه في بيته. وكان أردشير بن بابك لا يرتضي لمنادمته ذا صناعة رديئة كحائك وحجام، ولو كان يعلم الغيب مثلا. وقال كعب: لا تستشيروا الحاكة، فإن الله تعالى سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم، لأن مريم ﵍ مرت بجماعة من الحياكين، فسألتهم عن الطريق فدلوها على غير الطريق، فقالت: نزع الله البركة من كسبكم. وقال أبو العتاهية: ألا إنّما التقوى هي العز والكرم ... وحبّك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا صحّح التقوى وإن حاك أو حجم وهذا ما أردناه سياقة في هذا الباب. والله الموفق للصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب السادس والخمسون في شكوى الزمان وانقلابه بأهله والصبر على المكاره والتسلي عن نوائب الدهر وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في شكوى الزمان وانقلابه بأهله روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: ما من يوم ولا ليلة ولا شهر ولا سنة إلا والذي قبله خير منه سمعت ذلك من نبيكم ﷺ . وكان معاوية رضي الله تعالى عنه يقول: معروف زماننا منكر زمان قد مضى، ومنكره معروف زمان لم يأت. وكانت ناقة رسول الله ﷺ العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي فسبقها، فشق ذلك على الصحابة ﵃، فقال ﷺ : «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من هذه الدنيا إلا وضعه» . وحكي عن شيخ من همدان قال: بعثني أهلي في الجاهلية إلى ذي الكلاع الحميري بهدايا، فمكثت شهرا لا أصل إليه، ثم بعد ذلك أشرف أشرافة من كوة، فخرّ له من حول القصر سجدا، ثم رأيته من بعد ذلك وقد هاجر إلى حمص واشترى بدرهم لحما، وسمطه خلف دابته وهو القائل هذه الأبيات: أف للدنيا إذا كانت كذا ... أنا منها في بلاء وأذى إن صفا عيش امرىء في صبحها ... جرعته ممسيا كأس الردى ولقد كنت إذا ما قيل من ... أنعم العالم عيشا قيل ذا وقال يونس بن ميسرة: لا يأتي علينا زمان إلا بكينا منه ولا يتولى عنا زمان إلا بكينا عليه. ومن ذلك قوله: ربّ يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه ومثله: وما مرّ يوم أرتجي فيه راحة ... فأخبره إلّا بكيت على أمسي ومن كلام ابن الأعرابي: عن الأيام عدّ فعن قليل ... ترى الأيام في صور الليالي وقال ﵁: ما قال الناس لشيء طوبى إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء. قال الشاعر: فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت أعهد ودخل داود ﵊ غارا، فوجد فيه رجلا ميتا وعند رأسه لوح مكتوب فيه، أنا فلان ابن فلان الملك عشت ألف عام، وبنيت ألف مدينة، وافتضضت ألف بكر، وهزمت ألف جيش، ثم صار أمري إلى أن بعثت زنبيلا من الدراهم في رغيف فلم يوجد، ثم بعثت زنبيلا من الجواهر فلم يوجد، فدققت الجواهر واستفيتها فمت مكاني، فمن أصبح وله رغيف وهو يحسب أن على وجه الأرض أغنى منه أماته الله كإماتتي. وذكر أن عبد الرحمن بن زياد لما ولي خراسان حاز من الأموال ما قدر لنفسه أنه إن عاش مائة سنة ينفق في كل يوم

стр. 306

ألف درهم على نفسه أنه يكفيه، فرؤي بعد مدة وقد احتاج إلى أن باع حلية مصحفه وأنفقها. وقال هيثم بن خالد الطويل: دخلت على صالح مولى منارة في يوم شات وهو جالس في قبة مغشاة بالسمور، وجميع فروشها سمور، وبين يديه كانون فضة يبخر فيه بالعود، ثم رأيته بعد ذلك في رأس الجسر وهو يسأل الناس. ولما قتل عامر بن إسماعيل مروان بن محمد ونزل في داره وقعد على فرشه، دخلت عليه عبدة بنت مروان فقالت: يا عامر: إن دهرا أنزل مروان عن فرشه وأقعدك عليه قد أبلغ في عظتك. وقال مالك بن دينار: مررت بقصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن: ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يغدر بصاحبك الزمان فنعم الدار تأوي كلّ ضيف ... إذا ما ضاق بالضيف المكان ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب وبه عجوز فسألتها عما كنت رأيت وسمعت، فقالت: يا عبد الله إن الله يغيّر ولا يتغيّر والموت غالب كل مخلوق، قد والله دخل بها الحزن وذهب بأهلها الزمان. وقال أبو العتاهية: لئن كنت في الدنيا بصيرا فإنّما ... بلاغك منها مثل زاد المسافر إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر وقال عبد الملك بن عمير: رأيت رأس الحسين ﵁ بين يدي ابن زياد في قصر الكوفة، ثم رأيت رأس زياد بين يدي المختار، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك، قال سفيان، فقلت له: كم كان بين أول الرؤوس وآخرها؟ قال: اثنتا عشرة سنة. إنّ للدّهر صرعة فاحذرنها ... لا تبيتنّ قد أمنت الشرورا قد يبيت الفتى معافى فيردى ... ولقد كان آمنا مسرورا وكان محمد بن عبد الله بن طاهر في قصره على الدجلة ينظر، فإذا هو بحشيش في وسط الماء وفي وسطه قصبة على رأسها رقعة، فدعا بها فإذا فيها مكتوب شعرا وهو للشافعي رضي الله تعالى عنه: تاه الأعيرج واستعلى به البطر ... فقل له خير ما استعملته الحذر أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخفّ سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال: فما انتفع بنفسه. وأعجب ما وجد في السير خبر القاهر أحد الخلفاء وقلعه من الملك وخروجه إلى الجامع في بطانة جبة بغير ظهارة، ومد يده يسأل الناس بعد أن كان ملكه لأقطار الأرض، فتبارك الله يعز من يشاء ويذل من يشاء. وقيل: كان لمحمد المهلبي قبل اتصاله بالسلطان حال ضعيف، فبينما هو في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الحرث والمحراث إلا أنه من أهل الأدب إذ أنشده يقول: ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن نفس حر ... تصدّق بالوفاة على أخيه قال: فرثى له رفيقه وأحضر له بدرهم ما سدّ به رمقه، وحفظ الأبيات وتفرقا، ثم ترقّى المهلبي إلى الوزارة، وأخنى الدهر على ذلك الرجل الذي كان رفيقه، فتوصل إلى إيصال رقعة إليه مكتوب فيها: ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقال مذكّر ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضنك عيش ... ألا موت يباع فأشتريه فلما قرأها نذكر، فأمر له بسبعمائة درهم ووقّع تحت رقعته: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ «١» . ثم قلّده عملا يرتزق منه.

стр. 307

ودخل مسلمة بن زيد بن وهب على عبد الملك بن مروان فقال له: أي الزمان أدركته أفضل، وأي الملوك أكمل؟ فقال: أما الملوك فلم أر إلا حامدا وذاما، وأما الزمان فيرفع أقواما ويضع آخرين، وكلهم يذكر أنه يبلي جديدهم ويفرق عديدهم ويهرم صغيرهم ويهلك كبيرهم. وقال حبيب بن أوس: لم أبك من زمن لم أرض خلّته ... إلّا بكيت عليه حين ينصرم «١» وقال آخر: يا معرضا عنّي بوجه مدبر ... ووجوه دنياه عليه مقبلة هل بعد حالك هذه من حالة ... أو غاية إلّا انحطاط المنزلة وقال عبد الله بن عروة بن الزبير: ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... بشّوا إليّ ورحبوا بالمقبل وبقيت في خلف كأنّ حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في المنزل «٢» وقال آخر في معناه: يا منزلا عبث الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرّق لا يجمع أين الذين عهدتهم بك مرة ... كان الزمان بهم يضر وينفع أيام لا يغشى لذكرك مربع ... إلّا وفيه للمكارم مرتع ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي الذين حياتهم لا تنفع وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: وإنّي رأيت الدهر منذ صحبته ... محاسنه مقرونة ومعايبه إذا سرّني في أوّل الأمر لم أزل ... على حذر من أن تذمّ عواقبه وقال بعضهم: ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزيّن بعضه ... بعضا ليدفع معور عن معور «٣» حلف الزمان ليأتين بمثلهم ... حنثت يمينك يا زمان فكفّر «٤» وكان يقال: إذا أدبر الأمر أتى الشر من حيث يأتي الخير. وكان يقال: بتقلب الدهر تعرف جواهر الرجال. ويقال: زمام العافية بيد البلاء ورأس السلامة تحت جناح العطب. وقال بعضهم: نحن في زمن لا يزداد الخير فيه إلا إدبارا والشر إلا إقبالا والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا، اضرب بطرفك حيث شئت هل تنظر إلا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدّل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بسمعه عن سماع المواعظ وقرا. وقال آخر: نحن في زمان إذا ذكرنا الموتى حييت القلوب، وإذا ذكرنا الأحياء ماتت القلوب «٥» . ويؤيد ذلك قوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر أخيه فيقول يا ليتني مكانه» . ويقال: لا يقاوم عز الولاية بذل العزل. بيت: ما من مسيء وإن طالت إساءته ... إلا ويكفيك يوم من مساويه وقال الأمين: يا نفس قد حقّ الحذر ... أين المفر من القدر كلّ امرىء مما يخا ... ف ويرتجيه على خطر من يرتشف صفو الزما ... ن يغص يوما بالكدر وقال بعضهم:

стр. 308

وقائلة ما بال وجهك قد نضت ... محاسنه والجسم بان شحوبه «١» فقلت لها هاتي من الناس واحدا ... صفا وقته والنائبات تنوبه «٢» وللأمير أبي علي بن منقذ: أما والذي لا يملك الأمر غيره ... ومن هو بالسرّ المكتّم أعلم لئن كان كتمان المصائب مؤلما ... لإعلانها عندي أشد وأعظم وبي كلّ ما يبكي العيون أقلّه ... وإن كنت منه دائما أتبسّم وقال علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه: وأيم الله ما كان قوم قط في خفض عيش فزال عنهم إلا بذنوب اقترفوها، لأن الله تعالى ليس بظلام للعبيد، ولو أن الناس حين ينزل بهم الفقر ويزول عنهم الغنى فزعوا إلى ربهم بصدق نياتهم لرد عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد. قال الشاعر: يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان وكفى بالقرآن واعظا. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ «٣» ، والله أعلم. الفصل الثاني في الصبر على المكاره ومدح التثبت وذم الجزع قد مدح الله تعالى الصبر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، وأمر به، وجعل أكثر الخيرات مضافا إلى الصبر، وأثنى على فاعله، وأخبر أنه معه، وحث على التثبت في الأشياء، ومجانبة الاستعجال فيها، فمن ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ١٥٣ «٤» . فبدأ بالصبر قبل الصلاة، ثم جعل نفسه مع الصابرين دون المصلين. قوله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ «٥» . وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا «٦» . وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا «٧» . وبالجملة، فقد ذكر الله الصبر في كتابه العزيز في نيف وسبعين موضعا. وأمر نبيه ﷺ به فقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ «٨» . وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار كثيرة، فمن ذلك قوله ﷺ : «النصر في الصبر» . وقوله ﵊: «بالصبر يتوقع الفرج» . وقوله: «الأناة من الله تعالى والعجلة من الشيطان، فمن هداه الله تعالى بنور توفيقه ألهمه الصبر في مواطن طلباته والتثبت في حركاته وسكناته، وكثيرا ما أدرك الصابر مرامه أو كاد، وفات المستعجل غرضه أو كاد» . وقال الأشعث بن قيس: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فوجدته قد أثر فيه صبره على العبادة الشديدة ليلا ونهارا، فقلت يا أمير المؤمنين: إلى كم تصبر على مكابدة هذه الشدة؟ فما زادني إلا أن قال: اصبر على مضض الإدلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الطاعات في البكر إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر وقلّ من جدّ في أمر يؤمّله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر فحفظتها منه وألزمت نفسي الصبر في الأمور، فوجدت بركة ذلك. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما يصيب المسلم من نصب «٩» ولا وصب «١٠» ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا حط الله بها من خطاياه» . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله بعبد الخير عجّل له العقوبة في

стр. 309

الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة» . وقال ﷺ : «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط» . رواه الترمذي، وقال حديث حسن. وعن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : «الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر، والصبر عند الصدمة الأولى، وعظم الأجر على قدر المصيبة، ومن استرجع «١» بعد مصيبته جدد الله له أجرها كيوم أصيب بها» . وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: احفظوا عني خمسا. اثنتين واثنتين وواحدة. لا يخافن أحدكم إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي أحد منكم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلم أن يقول لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد إذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق الصبر الأمور فسدت الأمور، وأيما رجل حبسه السلطان ظلما، فمات في حبسه مات شهيدا فإن ضربه فمات، فهو شهيد. وروي في الخبر لما نزل قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ «٢» . قال أبو بكر الصديق ﵁ يا رسول الله: كيف الفرح بعد هذه الآية؟ فقال رسول الله ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر، أليس تمرض، أليس يصيبك الأذى، أليس تحزن، قال: بلى يا رسول الله. قال: فهذا ما تجزون به يعني جميع ما يصيبك من سوء يكون كفّارة لك، وبهذا اتضح لك أن العبد لا يدرك منزلة الأخيار إلا بالصبر على الشدة والبلاء. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور «٣» بالأمس فقال أبو جهل لعنه الله: أيكم يقوم إلى سلا الجزور «٤» فيلقيه على كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فأخذه وأتى به، فلما سجد ﷺ وضع بين كتفيه السلا والفرث «٥» والدم، فضحكوا ساعة وأنا قائم انظر، فقلت: لو كان لي منعة لطرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق انسان، فأخبر فاطمة ﵂، فجاءت فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم فسبتهم، فلما قضى ﷺ الصلاة رفع يديه فدعا عليهم فقال: اللهم عليك بقريش، ثلاث مرات، فلما سمع القوم صوته ودعاءه ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته فقال: اللهم عليك بأبي جهل، وعتبة، وشيبة، وربيعة والوليد، وأمية بن خلف، فقال علي ﵁: والذي بعث محمدا بالحق رأيت الذين سماهم صرعى يوم بدر. وكان الصالحون يفرحون بالشدة لأجل غفران الذنوب لأن فيها كفارة السيئات ورفع الدرجات. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ثلاث من رزقهن فقد رزق خيري الدنيا والآخرة. الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء. وحكي أن امرأة من بني إسرائيل لم يكن لها إلا دجاجة، فسرقها سارق، فصبرت وردت أمرها إلى الله، ولم تدع عليه، فلما ذبحه السارق، ونتف ريشها نبت جميعهن في وجهه، فسعى في إزالته فلم يقدر على ذلك إلى أن أتى حبرا من أحبار بني إسرائيل، فشكا له، فقال: لا أجد لك دواء إلا أن تدعو عليك هذه المرأة، فأرسل إليها من قال لها: أين دجاجتك؟ فقالت: سرقت، فقال: لقد آذاك من سرقها. قالت: قد فعل، ولم تدع عليه. قال: وقد فجعك في بيضها. قالت هو كذلك، فما زال بها حتى أثار الغضب منها، فدعت عليه، فتساقط الريش من وجهه، فقيل لذلك الحبر: من أين علمت ذلك؟ قال: لأنها لما صبرت ولم تدع عليه انتصر الله لها، فلما انتصرت لنفسها ودعت عليه سقط الريش من وجهه. فالواجب على العبد أن يصبر على ما يصيبه من الشدة، ويحمد الله ويعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا، وأن المصائب والرزايا إذا توالت أعقبها الفرج والفرح عاجلا. ومن أحسن ما قيل في ذلك من المنظوم: وإذا مسّك الزمان بضر ... عظمت دونه الخطوب وجلّت وأتت بعده نوائب أخرى ... سئمت نفسك الحياة وملّت فاصطبر وانتظر بلوغ الأماني ... فالرّزايا إذا توالت تولّت

стр. 310

وإذا أوهنت قواك وجلّت ... كشفت عنك جملة وتخلّت ولمحمد بن بشر الخارجي: إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كلّ ما أرتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا ولزهير بن أبي سلمى: ثلاث يعز الصبر عند حلولها ... ويذهل عنها عقل كلّ لبيب خروج اضطرار من بلاد يحبّها ... وفرقة أخوان وفقد حبيب وقال بعضهم: عليك بإظهار التجلّد للعدا ... ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا أما تنظر الريحان يشمم ناضرا ... ويطرح في البيدا إذا ما تغيّرا ولابن نباتة: صبرا على نوب الزما ... ن وإن أبى القلب الجريح فلكلّ شيء آخر ... إمّا جميل أو قبيح وقال أبو الأسود وأجاد: وإنّ امرءا قد جرّب الدهر لم يخف ... تقلّب عصريه لغير لبيب وما الدهر والأيام إلا كما ترى ... رزيّة مال أو فراق حبيب ومن كلام الحكماء: ما جوهد الهوى بمثل الرأي، ولا استنبط الرأي بمثل المشورة، ولا حفظت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر، وما استنجحت الأمور بمثل الصبر. وقال نهشل: ويوم كأنّ المصطلين بحرّه ... وإن لم يكن نار قيام على الجمر صبرنا له صبرا جميلا وإنّما ... تفرّج أبواب الكريهة بالصبر قال ابن طاهر: حذّرتني وذا الحذر ... ليس يغني من القدر ليس من يكتم الهوى ... مثل من باح واشتهر إنما يعرف الهوى ... من على مره صبر نفس يا نفس فاصبري ... فاز بالصّبر من صبر وكان يقال: من تبصّر تصبّر. وكان يقال: إن نوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر. وكان يقال: لا دواء لداء الدهر إلا بالصبر. ولله در القائل: الدهر أدّبني والصبر ربّاني ... والفوت أقنعني واليأس أغناني وحنكتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي قد كان ينهاني وما أحسن ما قال محمود الوراق: إني رأيت الصبر خير معوّل ... في النائبات لمن أراد معوّلا «١» ورأيت أسباب القناعة أكدّت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا «٢» فإذا نبا بي منزل جاوزته ... وجعلت منه غيره لي منزلا وإذا غلا شيء عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا وقال بعضهم: إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة ... فأفرغ لها صبرا ووسّع لها صدرا فإن تصاريف الزمان عجيبة ... فيوما ترى يسرا ويوما ترى عسرا وقال بعضهم:

стр. 311

وما مسّني عسر ففوّضت أمره ... إلى الملك الجبّار إلّا تيسّرا وما أحسن ما قيل: الدهر لا يبقى على حالة ... لا بدّ أن يقبل أو يدبر فإن تلقّاك بمكروهة ... فاصبر فانّ الدهر لا يصبر ونقل عن محمد بن الحسن ﵀ قال: كنت معتقلا بالكوفة، فخرجت يوما من السجن مع بعض الرجال وقد زاد همي وكادت نفسي أن تزهق وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وإذا برجل عليه آثار العبادة قد أقبل عليّ ورأى ما أنا فيه من الكآبة فقال: ما حالك؟ فأخبرته القصة، فقال: الصبر الصبر، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الصبر ستر الكروب وعون على الخطوب» . وروي عن ابن عمه علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الصبر مطية لا تدبر وسيف لا يكل، وأنا أقول: ما أحسن الصبر في الدنيا وأجمله ... عند الإله وأنجاه من الجزع من شدّ بالصبر كفّا عند مؤلمه ... ألوت يداه بحبل غير منقطع فقلت: بالله عليك زدني، فقد وجدت بك راحة. فقال: ما يحضرني شيء عن النبي ﷺ . ولكني أقول: أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ومن ليس في كلّ الأمور له كفو لئن كان بدء الصبر مرّا مذاقه ... لقد يجتنى من بعده الثمر الحلو ثم ذهب، فسألت عنه، فما وجدت أحدا يعرفه ولا رآه أحد قبل ذلك في الكوفة، ثم أخرجت في ذلك اليوم من السجن، وقد حصل لي سرور عظيم بما سمعت منه وانتفعت به، ووقع في نفسي أنه من الأبدال الصالحين قيضه الله تعالى لي يوقظني ويؤدبني ويسليني. وقيل: إن رجلا كان يضرب بالسياط ويجلد جلدا بليغا، ولم يتكلم ويصبر ولم يتأوه، فوقف عليه بعض مشايخ الطريقة فقال له: أما يؤلمك هذا الضرب الشديد؟ فقال: بلى، قال: لم لا تصيح؟ فقال: إن في هؤلاء القوم الذين وقفوا عليّ صديقا لي يعتقد في الشجاعة والجلادة وهو يرقبني بعينه، فأخشى إن ضجيت يذهب ماء وجهي عنده ويسوء ظنه بي، فأنا أصبر على شدة الضرب وأحتمله لأجل ذلك. قال الشاعر: على قدر فضل المرء تأتي خطوبه ... ويحمد منه الصّبر مما يصيبه فمن قلّ فيما يلتقيه اصطباره ... لقد قلّ فيما يرتجيه نصيبه وقال رسول الله ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها: يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر ولم يكلفني إلا ما كلفوا به، فقال : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «١» . وإني والله لأصبرن كما صبروا. فطن النبي ﷺ لما صبر كما أمر أسفر وجه صبره عن ظفره ونصره، وكذلك الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين هم أولو العزم لما صبروا ظفروا وانتصروا، وقد اختلف أهل العلم فيهم على أقوال كثيرة، فقال مقاتل رضي الله تعالى عنه: هم نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويونس وأيوب صلوات الله عليهم، وقال قتادة: هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ويقال: ما الذي صبروا عليه حتى سماهم الله تعالى أولي العزم؟ فأقول: ذكر ما صبروا عليه. أما نوح ﵊: فقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان نوح ﵊ يضرب ثم يلف في لبد ويلقى في بيته يرون أنه قد مات، ثم يعود ويخرج إلى قومه ويدعوهم إلى الله تعالى، ولما أيس منهم ومن إيمانهم جاءه رجل كبير يتوكأ على عصاه ومعه ابنه، فقال لابنه: يا بني انظر إلى هذا الشيخ واعرفه ولا يغرك، فقال له ابنه: يا أبت مكّني من العصا، فأخذها من أبيه وضرب بها نوحا ﵊ ضربة شج بها رأسه، وسال الدم على وجهه، فقال: رب قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن يكن لك فيهم حاجة فاهدهم، وإلا فصبرني إلى أن تحكم، فأوحى الله تعالى إليه: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ٣٦ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ «٢» . قال: يا رب، وما الفلك؟ قال: بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه أهل طاعتي وأغرق أهل معصيتي، قال: يا رب، وأين الماء؟ قال: أنا على كل شيء قدير، قال: يا رب، وأين الخشب؟ قال: اغرس

стр. 312

الخشب، فغرس الساج «١» عشرين سنة. وكفّ عن دعائهم وكفّوا عن ضربه، إلا أنهم كانوا يستهزئون به، فلما أدرك الشجر، أمره ربه، فقطعها وجففها، وقال: يا رب كيف أتخذ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاث صور، وبعث الله له جبريل فعلمه، وأوحى الله تعالى إليه أن عجّل بعمل السفينة، فقد اشتد غضبي على من عصاني، فلما فرغت السفينة جاء أمر الله بانتصار نوح ونجاته، وإهلاك قومه، وعذابهم إلا من آمن معه. وفار التنور وظهر الماء على وجه الأرض، وقذفت السماء بأمطار كأفواه القرب، حتى عظم الماء وصارت أمواجه كالجبال، وعلا فوق أعلى جبل في الأرض أربعين ذراعا، وانتقم الله من الكافرين ونصر نبيه نوحا ﵊. وفي تمام قصته وحديث السفينة كلام مبسوط لأهل التفسير ليس هذا موضع شرحه وبسطه، فهذا زبدة صبر نوح ﵊ وانتصاره على قومه. وأما إبراهيم ﵊: فإنه لما كسر أصنام قومه التي كانوا يعبدونها، لم يروا في قتله ونصرة آلهتهم أبلغ من إحراقه، فأخذوه وحبسوه ببيت ثم بنوا حائزا كالحوش طول جداره ستون ذراعا في سفح جبل عال ونادى منادي ملكهم أن احتطبوا لإحراق إبراهيم ومن تخلف عن الاحتطاب أحرقه، فلم يتخلف منهم أحد، وفعلوا ذلك أربعين يوما ليلا ونهارا حتى كاد الحطب يساوي رؤوس الجبال، وسدوا أبواب ذلك الحائز، وقذفوا فيه النار، فارتفع لهبها حتى كان الطائر يمر بها فيحترق من شدة لهبها، ثم بنوا بنيانا شامخا، وبنوا فوقه منجنيقا، ثم رفعوا إبراهيم على رأس البنيان، فرفع إبراهيم ﵊ طرفه إلى السماء ودعا الله تعالى وقال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «٢» . وقيل: كان عمره يومئذ ستة وعشرين سنة، فنزل إليه جبريل ﵊، وقال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، فقال جبريل: سل ربك، فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. فقال الله تعالى: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ «٣» . فلما قذفوه فيها نزل معه جبريل ﵊، فجلس به على الأرض وأخرج الله له ماء عذبا. قال كعب: ما أحرقت النار غير أكتافه «٤» ، وأقام في ذلك الموضع سبعة أيام، وقيل: أكثر من ذلك، ونجاه الله تعالى، ثم أهلك نمرود وقومه بأخس الأشياء وانتقم منهم وظفر إبراهيم ﵊ بهم، فهذه ثمرة صبره على مثل هذه الحالة العظمى، ولم يجزع منها وصبر وفوّض أمره إلى الله تعالى في ذلك، وتوكل عليه ووثق به. ثم جاءته قصة ذبح ولده، وأمره الله تعالى بذلك فقابل أمره بالتسليم والامتثال، وسارع إلى ذبحه من غير إهمال ولا إمهال، وقصته مشهورة، وتفاصيل القصة في كتب التفسير مسطورة، فلما ظهر صدقه ورضاه ومبادرته إلى طاعة مولاه وصبره على ما قدره وقضاه عوّضه الله تعالى عن ذبح ولده أن فداه، واتخذه خليلا من بين خلقه واجتباه، وأما الذبيح صلوات الله وسلامه عليه، فإنه صبر على بلية الذبح. وتلخيصها أن الله تعالى لما ابتلى إبراهيم ﵊ بذبح ولده قال: إني أريد أن أقرب قربانا، فأخذ ولده والسكين والحبل، وانطلق، فلما دخل بين الجبال قال ابنه: أين قربانك يا أبت؟ قال: إنّ الله تعالى قد أمرني بذبحك، فانظر ماذا ترى. قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «٥» ، يا أبت أشدد وثاقي كي لا أضطرب واجمع ثيابك حتى لا يصل إليها رشاش الدم فتراه أمي فيشتد حزنها، وأسرع إمرار السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ وإذا لقيت أمي، فأقرأ السلام عليها، فأقبل إبراهيم ﵊ وعلى ولده يقبله ويبكي ويقول: نعم العون أنت يا بني على ما أمر الله تعالى، قال مجاهد: لما أمرّ السكين على حلقه انقلبت السكين، فقال يا أبت: اطعن بها طعنا. وقال السدي: جعل الله حلقه كصحيفة من نحاس لا تعمل فيها السكين شيئا، فلما ظهر فيهما صدق التسليم نودي أن يا إبراهيم هذا فداء ابنك، فأتاه جبريل ﵇ بكبش أملح، فأخذه وأطلق ولده وذبح الكبش، فلا جرم أن جعل الذبيح نبيا بصبره وامتثاله لأمره. وأما يعقوب ﵊: فإنه لما ابتلي بفراق ولده وذهاب بصره واشتداد حزنه قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ «٦» . وكذلك يوسف صلوات الله

стр. 313

وسلامه عليهم أجمعين لما ابتلاه الله تعالى بالقائه في ظلمة الجب وبيعه كما تباع العبيد، وفراقه لأبيه، وإدخاله السجن، وحبسه فيه بضع سنين، وأنه تلقى ذلك كله بصبره وقبوله، فلا جرم أورثهما صبرهما جمع شملهما واتساع القدرة بالملك في الدنيا مع ملك النبوة في الآخرة. وأما أيوب ﵊: فإنه ابتلاه الله تعالى بهلاك أهله وماله، وتتابع المرض المزمن والسقم المهلك حتى أفضى أمره إلى ما تضعف القوى البشرية من حمله. ولنذكر شيئا مختصرا من ذلك وهو أن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان يظلم الناس، فنهاه جماعة من الأنبياء عن الظلم وسكت عنه أيوب ﵊، فلم يكلمه ولم ينهه لأجل خيل كانت له في مملكته، فأوحى الله تعالى إلى أيوب ﵊ تركت نهيه عن الظلم لأجل خيلك، لأطيلن بلاءك، فقال إبليس لعنه الله: يا رب سلطني على أولاده وماله، فسلطه، فبث إبليس مردته من الشياطين، فبعث بعضهم إلى دوابه، ورعاتها، فاحتملوها جميعا وقذفوها في البحر، وبعث بعضهم إلى زرعه وجنّاته فأحرقوها، وبعث بعضهم إلى منازله وفيها أولاده وكانوا ثلاثة عشر ولدا وخدمه وأهله، فزلزلوها فهلكوا، ثم جاء إبليس إلى أيوب ﵊، وهو يصلي، فتمثل له في صورة رجل من غلمانه فقال: يا أيوب أنت تصلي ودوابك ورعاتك قد هبت عليها ريح عظيمة، وقذفت الجميع في البحر، وأحرقت زرعك وهدمت منازلك على أولادك وأهلك، فهلك الجميع، ما هذه الصلاة؟ فالتفت إليه وقال: الحمد لله الذي أعطاني ذلك كله، ثم قبله مني. ثم قام إلى صلاته، فرجع إبليس ثانيا، فقال: يا رب سلطني على جسده، فسلطه، فنفخ في إبهام رجله فانتفخ ولا زال يسقط لحمه من شدة البلاء إلى أن بقي أمعاؤه تبين وهو مع ذلك كله صابر محتسب مفوض أمره إلى الله تعالى، وكان الناس قد هجروه واستقذروه وألقوه خارجا عن البيوت من نتن ريحه، وكان زوجته رحمة بنت يوسف الصديق قد سلمت فترددت إليه متفقدة، فجاءها إبليس يوما في صورة شيخ ومعه سخلة «١» وقال لها: ليذبح أيوب هذه السخلة على اسمي فيبرأ، فجاءته، فأخبرته، فقال لها: إن شفاني الله تعالى لأجلدنك مائة جلدة. تأمريني أن أذبح لغير الله تعالى، فطردها عنه، فذهبت وبقي. ليس له من يقوم به، فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا أحد من الناس يتفقده خر ساجدا لله تعالى وقال: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ٨٣ «٢» ، فلما علم الله تعالى منه ثباته على هذه البلوى طوّل هذه المدة وهي على ما قيل ثمان عشرة سنة، وقيل غير ذلك، وإنه تلقى جميع ذلك بالقبول وما شكا إلى مخلوق ما نزل به. عاد الله تعالى بألطافه عليه، فقال تعالى: فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا «٣» . وأفاض عليه من نعمه، ما أنساه بلوى نقمه، ومنحه من أقسام كرمه أن أفتاه في يمينه تحلة قسمه، ومدحه في نص الكتاب، فقال تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ٤٤ «٤» . فلو لم يكن الصبر من أعلى المراتب وأسنى المواهب لما أمر الله تعالى به رسله ذوي الحزم وسمّاهم بسبب صبرهم أولي العزم، وفتح لهم بصبرهم أبواب مرادهم وسؤالهم ومنحهم من لدنه غاية أمرهم ومأمولهم ومرامهم، فما أسعد من اهتدى بهداهم واقتدى بهم، وإن قصر عن مداهم. وقيل: العسر يعقبه اليسر، والشدة يعقبها الرخاء، والتعب يعقبه الراحة، والضيق يعقبه السعة، والصبر يعقبه الفرج، وعند تناهي الشدة تنزل الرحمة، والموفق من رزقه صبرا وأجرا، والشقي من ساق القدر إليه جزعا ووزرا. ومما شنف السمع من نجح هذه الإشارة، وأتحف النفع في نهج هذه العبارة، ما روي عن الحسن البصري رضي الله تعالى عنه قال: كنت بواسط، فرأيت رجلا كأنه قد نبش من قبر، فقلت: ما دهاك يا هذا؟ فقال: أكتم علي أمري، حبسني الحجاج منذ ثلاث سنين، فكنت في أضيق حال، وأسوأ عيش، وأقبح مكان، وأنا مع ذلك كله صابر لا أتكلم، فلما كان بالأمس أخرجت جماعة كانوا معي، فضربت رقابهم، وتحدث بعض أعوان السجن أن غدا تضرب عنقي، فأخذني حزن شديد وبكاء مفرط، وأجرى الله تعالى على لساني فقلت: إلهي اشتد الضر وفقد الصبر وأنت المستعان، ثم ذهب من الليل أكثره، فأخذتني غشية، وأنا بين اليقظان والنائم إذ آتاني آت فقال لي: قم فصل ركعتين وقل: يا من لا يشغله شيء عن شيء، يا من

стр. 314

أحاط علمه بما ذرأ وبرأ وأنت عالم بخفيات الأمور ومحصي وساوس الصدور، وأنت بالمنزل الأعلى، وعلمك محيط بالمنزل الأدنى، تعاليت علوا كبيرا، يا مغيث أغثني، وفكّ أسري، واكشف ضري، فقد نفذ صبري، فقمت وتوضأت في الحال وصليت ركعتين وتلوت ما سمعته منه، ولم تختلف عليّ منه كلمة واحدة، فما تم القول حتى سقط القيد من رجلي ونظرت إلى أبواب السجن فرأيتها قد فتحت. فقمت، فخرجت ولم يعارضني أحد، فأنا والله طليق الرحمن، وأعقبني الله بصبري فرجا، وجعل لي من ذلك الضيق مخرجا، ثم ودعني وانصرف يقصد الحجاز. وفيما يروى عن الله تعالى أنه أوحى إلى داود ﵊، يا داود من صبر علينا وصل إلينا. وقال بعض الرواة: دخلت مدينة يقال لها: دقار، فبينما أنا أطوف في خرابها إذا رأيت مكتوبا بباب قصر خرب بماء الذهب واللازورد هذه الأبيات: يا من ألحّ عليه الهمّ والفكر ... وغيّرت حاله الأيام والغير «١» أما سمعت لما قد قيل في مثل ... عند الاياس فأين الله والقدر «٢» ثمّ الخطوب إذا أحداثها طرقت ... فاصبر فقد فاز أقوام بما صبروا «٣» وكلّ ضيق سيأتي بعده سعة ... وكلّ فوت وشيك بعده الظفر ولما حبس أبو أيوب في السجن خمس عشرة سنة ضاقت حيلته، وقلّ صبره، فكتب إلى بعض إخوانه يشكو إليه طول حبسه وقلة صبره، فرد عليه جواب رقعته يقول: صبرا أبا أيوب صبر مبرّح ... وإذا عجزت عن الخطوب فمن لها إنّ الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يملك حلّها صبرا فإن الصبر يعقب راحة ... ولعلّها أن تنجلي ولعلّها فأجابه أبو أيوب يقول: صبّرتني ووعظتني وأنا لها ... وستنجلي بل لا أقول لعلّها ويحلّها من كان صاحب عقدها ... كرما به إذ كان يملك حلّها فما لبث بعد ذلك أياما حتى أطلق مكرما: وأنشدوا: إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... إنّ الذي يكشف البلوى هو الله اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسنّ فإنّ الصانع الله إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ... فما ترى حيلة فيما قضى الله الفصل الثالث من هذا الباب في التأسي في الشدة والتسلي عن نوائب الدهر قال الثوري رحمه الله تعالى: لم يفقه عندنا من لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة. وقيل: الهموم التي تعرض للقلوب كفارات للذنوب. وسمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت عليه بالموت، فإن صاحب الدنيا لا بد أن يرى مكروها. وتقول العرب: ويل أهون من ويلين. وقال ابن عيينة: الدنيا كلها غموم، فما كان فيها من سرور فهو ربح. وقال العتبي: إذا تناهى الغم إنقطع الدمع بدليل أنك لا ترى مضروبا بالسياط ولا مقدما لضرب العنق يبكي. وقيل: تزوج مغنّ بنائحة فسمعها تقول: اللهم أوسع لنا في الرزق، فقال لها: يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن وقد أخذنا بطرفي ذلك، فإن كان فرح دعوني، وإن كان حزن دعوك. وقال وهب بن منبه: إذا سلك بك طريق البلاء سلك بك طريق الأنبياء. وقال مطرف: ما نزل بي مكروه قط فاستعظمته إلا ذكرت ذنوبي فاستصغرته. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يرفعه: «يود أهل العافية يوم القيامة أن لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله تعالى لأهل البلاء» . وروى أبو عتبة عن النبي ﷺ قال: «إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه.

стр. 315

قالوا: وما اقتناه؟ قال: لا يترك له مالا ولا ولدا» . ومر موسى ﵊ برجل كان يعرفه مطيعا لله قد مزقت السباع لحمه وأضلاعه وكبده ملقاة على الأرض، فوقف متعجبا، فقال: أي رب عبدك ابتليته بما أرى، فأوحى الله تعالى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فأحببت أن أبتليه لأبلغه تلك الدرجة. وكان عروة بن الزبير صبورا حين ابتلي. حكي أنه خرج إلى الوليد بن يزيد فوطىء عظما، فما بلغ إلى دمشق حتى بلغ به كل مذهب، فجمع له الوليد الاطباء، فأجمع رأيهم على قطع رجله، فقالوا له: اشرب مرقّدا، فقال: ما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى، فأحمى له المنشار، وقطعت رجله، فقال ضعوها بين يدي ولم يتوجع، ثم قال: لئن كنت ابتليت في عضو فقد عوفيت في أعضاء. فبينما هو كذلك إذ أتاه خبر ولده أنه أطلع من سطح على دواب الوليد، فسقط بينها فمات. فقال: الحمد لله على كل حال لئن أخذت واحدا لقد أبقيت جماعة. وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير، فسأله عن حاله وسبب ذهاب بصره فقال: خرجت مع رفقة مسافرين ومعي مالي وعيالي، ولا أعلم عبسيا يزيد ماله على مالي، فعرسنا في بطن واد، فطرقنا سيل، فذهب ما كان لي من أهل ومال وولد غير صبي صغير وبعير، فشرد البعير، فوضعت الصغير على الأرض ومضيت لآخذ البعير، فسمعت صيحة الصغير، فرجعت إليه فإذا رأس الذئب في بطنه وهو يأكل فيه، فرجعت إلى البعير، فحطم وجهي برجليه، فذهبت عيناي، فأصبحت بلا عينين ولا ولد ولا مال ولا أهل، فقال الوليد: إذهبوا إلى عروة ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه. وقيل: الحوادث الممضة «١» مكسبة لحظوظ جليلة، أما ثواب مدخر أو تطهير من ذنب أو تنبيه من غفلة أو تعريف لقدر النعمة. قال البحتري: يسلّي محمد بن يوسف على حبسه: وما هذه الأيام إلّا منازل ... فمن منزل رحب إلى منزل ضنك «٢» وقد دهمتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الابريز قبلك بالسّبك أما في نبي الله يوسف اسوة ... لمثلك محبوس عن الظلم والإفك «٣» أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك وقال علي بن الجهم لما حبسه المتوكل: قالوا حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند والحبس ما لم تغشه لدنيّة ... شنعاء نعم المنزل المتودّد بيت يجدد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد لو لم يكن في الحبس إلّا أنّه ... لا تستذلّك بالحجاب الأعبد غرّ الليالي باديات عوّد ... والمال عارية يعار وينفد ولكل حيّ معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عمّا يحمد لا يؤيسنك من تفرّج نكبة ... خطب رماك به الزمان الأنكد كم من عليل قد تخطّاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد «٤» صبرا فإن اليوم يعقبه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد قال: وأنشد إسحاق الموصلي في إبراهيم بن المهدي حين حبس: هي المقادير تجري في أعنّتها «٥» ... فاصبر فليس لها صبر على حال «٦»

стр. 316

يوما تريك خسيس الأصل ترفعه ... إلى العلاء ويوما تخفض العالي فما أمسى حتى وردت عليه الخلع السنية من المأمون ﵁، وقال إبراهيم بن عيسى الكاتب في إبراهيم بن المدني حين عزل. ليهن أبا إسحاق أسباب نعمة ... مجددة بالعزل والعزل أنبل شهدت لقد منّوا عليك وأحسنوا ... لأنك يوم العزل أعلى وأفضل وقال آخر: قد زاد ملك سليمان فعاوده ... والشمس تنحطّ في المجرى وترتفع وقال أبو بكر الخوارزمي لمعزول: الحمد لله الذي ابتلى في الصغير وهو المال، وعافى في الكبير وهو الحال: ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكنّ عارا أن يزول التجمّل «١» وقيل: المال حظ ينقص ثم يزيد، وظل ينحسر ثم يعود. وسئل بزرجمهر عن حاله في نكبته فقال: عولت على أربعة أشياء: أولها أني قلت القضاء والقدر لا بد من جريانهما، الثاني: أني قلت إن لم أصبر فما أصنع، الثالث: أني قلت قد كان يجوز أن يكون أعظم من هذا، الرابع: أني قلت لعل الفرج قريب، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الباب السابع والخمسون ما جاء في اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة والفرح والسرور ونحو ذلك مما يتعلق بهذا الباب فمما يليق بهذا الباب من كتاب الله قوله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً «٢» . وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ٢٨ «٣» . وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ «٤» . ويروى عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: لو كان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه. وقال ﵊: «عند تناهي الشدة يكون الفرج، وعند تضايق البلاء يكون الرخاء» . وقال علي ﵁، وعن النبي ﷺ : «أفضل عبادة أمتي انتظارها فرج الله تعالى» . وقال الحسن: لما نزل قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ٦ «٥» ، قال النبي ﷺ : «أبشروا فلن يغلب عسر يسرين» . ومن كلام الحكماء: إن تيقنت لم يبق هم. وقال أبو حاتم: إذا اشتملت على البؤس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكامنها الخطوب ولم نر لانكشاف الضرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب «٦» أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب «٧» وقال آخر: عسى الهمّ الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويغاث عان ... ويأتي أهله النائي الغريب «٨» وقال آخر: تصبّر أيها العبد اللبيب ... لعلك بعد صبرك ما تخيب وكل الحادثات إذا تناهت ... يكون وراءها فرج قريب وقال إبراهيم بن العباس: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج

стр. 317

ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنّها لا تفرج وقال آخر: لئن صدّع البين المشتّت شملنا ... فللبين حكم في الجموع صدوع «١» وللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللشمس من بعد الغروب طلوع وإن نعمة زالت عن الحرّ وانقضت ... فإنّ بها بعد الزوال رجوع فكن واثقا بالله واصبر لحكمه ... فإن زوال الشرّ عنك سريع ولنذكر نبذة ممن حصل له الفرج بعد الشدة: روي أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى صالح بن عبد الله عامله على المدينة المنورة، أن أخرج الحسن بن الحسن بن علي من السجن وكان محبوسا واضربه في مسجد رسول الله ﷺ خمسمائة سوط. فأخرجه إلى المسجد واجتمع الناس، وصعد صالح يقرأ عليهم الكتاب ثم نزل يأمر بضربه، فبينما هو يقرأ الكتاب إذ جاء علي بن الحسين ﵇، فأفرج له الناس حتى أتى إلى جنب الحسن، فقال يا ابن العم مالك ادع الله تعالى بدعاء الكرب يفرج الله عنك، قال: ما هو يا ابن العم؟ فقال: لا إله إلا الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان رب السموات ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، ثم انصرف عنه، وأقبل الحسن يكررهما فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل قال: أراه في سجنه مظلوما أخرجوه وأنا أراجع أمير المؤمنين في أمره، فأطلق بعد أيام وأتاه الفرج من عند الله تعالى. وقال الربيع: لما حبس المهدي موسى بن جعفر، رأى في المنام عليا رضي الله تعالى عنه وهو يقول: يا محمد فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٢٢ «٢» ، قال الربيع، فأرسل المهدي إليّ ليلا فراعني ذلك، فجئته، فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان حسن الصوت، فقص عليّ الرؤيا ثم قال: ائتني بموسى بن جعفر، فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه، وقال يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين يقرأ عليّ كذا فعاهدني أن لا تخرج عليّ ولا على أحد من ولدي، فقال: والله ما ذاك من شأني، فقال: صدقت، ثم قال يا ربيع أعطه ثلاث آلاف دينار ورده إلى أهله بالمدينة، قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا، فما أصبح إلا على الطريق. وقال إسماعيل بن بشار: وكلّ حر وإن طالت بليته ... يوما تفرّج غمّاه وتنكشف وقال مسلم بن الوليد: كنت يوما جالسا عند خياط بازاء منزلي فمر بي إنسان أعرفه، فقمت إليه وسلمت عليه وجئت به إلى منزلي لأضيفه وليس معي درهم بل كان عندي زوج أخفاف، فأرسلتها مع جاريتي لبعض معارفها فباعهما بتسعة دراهم واشترت بها ما قلته لها من الخبز واللحم، فجلسنا نأكل وإذا بالباب يطرق فنظرت من شق الباب وإذا بإنسان يسأل هذا منزل فلان؟ ففتحت الباب وخرجت، فقال أنت مسلم بن الوليد، قلت: نعم، واستشهدت له بالخياط على ذلك فأخرج لي كتابا وقال هذا من الأمير يزيد بن مزيد، فإذا فيه: قد بعثنا لك بعشرة آلاف درهم لتكون في منزلك وثلاثة آلاف درهم تتجمل بها لقدومك علينا، فأدخلته إلى داري وزدت في الطعام واشتريت فاكهة وجلسنا فأكلنا ثم وهبت لضيفي شيئا يشتري به هدية لأهله وتوجهنا إلى باب يزيد بالرقة فوجدناه في الحمام، فلما خرج استؤذن لي عليه فدخلت، فإذا هو جالس على كرسي وبيده مشط يسرح به لحيته فسلمت عليه فرد أحسن رد وقال: ما الذي أقعدك عنا؟ قلت: قلة ذات اليد وأنشدته قصيدة مدحته بها، قال: أتدري لم أحضرتك؟ قلت: لا أدري، قال: كنت عند الرشيد منذ ليال أحادثه فقال لي يا يزيد من القائل فيك هذه الأبيات: سلّ الخليفة سيفا من بني مضر ... يمضي فيخترق الأجسام والهاما كالدهر لا ينثني عمّا يهمّ به ... قد أوسع الناس إنعاما وإرغاما فقلت: والله لا أدري يا أمير المؤمنين، فقال سبحان الله، أيقال فيك مثل هذا ولا تدري من قاله؟ فسألت فقيل لي هو مسلم بن الوليد، فأرسلت إليك فانهض بنا إلى الرشيد فسرنا إليه واستؤذن لنا فدخلنا عليه فقبلت الأرض وسلمت فرد على السلام فأنشدته ما لي فيه من شعر، فأمر

стр. 318

لي بمائتي ألف درهم وأمر لي يزيد بمائة وتسعين ألف درهم وقال: ما ينبغي لي أن اساوي أمير المؤمنين في العطاء فانظر إلى هذا التيسير الجسيم بعد العسر العظيم. وما أحسن ما قيل: الأمن والخوف أيام مداولة ... بين الانام وبعد الضيق تتسع ولما وجه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق ليطلق أهل السجون ويقسم الأموال، ضيق على يزيد بن أبي مسلم فلما ولي يزيد بن عبد الملك الخلافة ولي يزيد بن أبي مسلم أفريقية، وكان محمد بن يزيد واليا عليها فاستخفى محمد بن يزيد فطلبه يزيد بن أبي مسلم وشدّد في طلبه فأتي به إليه في شهر رمضان عند المغرب وكان في يد يزيد بن أبي مسلم عنقود عنب فقال لمحمد بن يزيد حين رآه: يا محمد بن يزيد، قال: نعم، قال: طالما سألت الله أن يمكنني منك، فقال: وأنا والله طالما سألت الله أن يجيرني منك، فقال: والله ما أجارك ولا أعانك، وإن سبقني ملك الموت إلى قبض روحك سبقته، والله لا آكل هذه الحبة العنب حتى أقتلك. ثم أمر به فكتف ووضع في النطع وقام السياف فأقيمت الصلاة، فوضع العنقود من يده وتقدم ليصلي، وكان أهل أفريقية قد أجمعوا على قتله فلما رفع رأسه ضربه رجل بعمود على رأسه فقتله، وقيل لمحمد بن يزيد: اذهب حيث شئت فسبحان من قتل الأمير وفك الأسير. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: رأيت رسول الله ﷺ في النوم وهو يقول أطلق القاتل، فارتعت لذلك ودعوت بالشموع ونظرت في أوراق السجن وإذا ورقة إنسان ادّعي عليه بالقتل وأقرّ به، فأمرت بإحضاره فلما رأيته وقد ارتاع فقلت له: إن صدقتني أطلقتك، فحدثني أنه كان هو وجماعة من أصحابه يرتكبون كل عظيمة، وأن عجوزا جاءت لهم بامرأة فلمّا صارت عندهم صاحت الله الله وغشي عليها، فلما أفاقت قالت: أنشدك الله في أمري فإن هذه العجوزة غرتني وقالت إن في هذه الدار نساء صالحات وأنا شريفة، جدي رسول الله ﷺ وأمي فاطمة وأبي الحسين بن علي فاحفظوهم فيّ، فقمت دونها وناضلت عنها فاشتد عليّ واحد من الجماعة، وقال لا بد منها وقاتلني فقتلته، وخلصت الجارية من يده، فقالت: سترك الله كما سترتني وسمع الجيران الصيحة فدخلوا علينا فوجدوا الرجل مقتولا والسكين بيدي فأمسكوني وأتوا بي إليك وهذا أمري، فقال إسحاق: قد وهبتك لله ولرسوله فقال: وحق اللذين وهبتني لهما لا أعود إلى معصية أبدا. وأمر الحجاج بإحضار رجل من السجن فلما حضر أمر بضرب عنقه فقال: أيها الأمير أخرني إلى غد، قال وأي فرج لك في تأخير يوم واحد؟ ثم أمر برده إلى السجن فسمعه الحجاج في السجن يقول: عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر فقال الحجاج: والله ما أخذه إلا من كتاب الله وهو قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «١» وأمر بإطلاقه. وقال بعض جلساء المعتمد، كنا بين يديه ليلة فخفق رأسه بالنعاس فقال: لا تبرحوا، حتى أغفى سويعة، فغفا ساعة ثم أفاق جزعا مرعوبا وقال: امضوا إلى السجن وائتوني بمنصور الجمال، فجاءوا به فقال له: كم لك في السجن؟ قال: سنة ونصف، قال: على ماذا؟ قال: أنا جمال من أهل الموصل وضاق عليّ الكسب ببلدي فأخذت جملي وتوجهت إلى بلد غير بلدي لأعمل عليه فوجدت جماعة من الجند قد ظفروا بقوم غير مستقيمي الحال وهم مقدار عشرة أنفس وجدوهم يقطعون الطريق فدفع واحد منهم شيئا للأعوان فأطلقوه وأمسكوني عوضه وأخذوا جملي فناشدتهم الله فأبوا وسجنت أنا والقوم، فأطلق بعضهم ومات بعضهم وبقيت أنا فدفع له المعتمد خمسمائة دينار وأجرى له ثلاثين دينارا في كل شهر وقال: اجعلوه على جمالنا، ثم قال: أتدرون ما سبب فعلي هذا؟ قلنا: لا. قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقول أطلق منصورا الجمال من السجن وأحسن إليه. وأخذ الطاعون أهل بيت فسدّ بابه، ففضل فيه طفل يرضع لم يشعر به أحد ففتح الباب بعد شهر فوجدوا الطفل قد عطف الله عليه كلبة ترضعه مع جرو لها، فسبحان القادر على كل شيء لا إله غيره ولا معبود سواه. قال الشاعر: إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج وقال آخر: فلا تجزعن إن أظلم الدهر مرّة ... فإنّ اعتكار الليل يؤذن بالفجر

стр. 319

وقال آخر: لعمرك ما كلّ التعاطيل ضائرا ... ولا كلّ شغل فيه للمرء منفعه إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم لذّة الدّعه «١» فإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا ربّ ضيق في عواقبه سعه وقال الرياشي: ما اعتراني هم فأنشدت قول أبي العتاهية حيث قال: هي الأيام والغير ... وأمر الله ينتظر أتيأس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر إلّا سرّى عني وهبت ريح الفرج. ويروى أن سلطان صقلية أرق ذات ليلة ومنع النوم، فأرسل إلى قاعد البحر وقال له: انفذ الآن مركبا إلى أفريقية يأتوني بأخبارها، فعمد القائد إلى مقدم مركب وأرسله فلما أصبحوا إذا بالمركب في موضعه كأنه لم يبرح، فقال الملك لقائد البحر: أليس قد فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم، قد امتثلت أمرك وأنفذت مركبا فرجع بعد ساعة وسيحدثك مقدم المركب، فأمر بإحضاره فجاء ومعه رجل فقال له الملك: ما منعك أن تذهب حيث أمرت؟ قال: ذهبت بالمركب فبينما أنا في جوف الليل والرجال يجدفون إذا بصوت يقول: يا الله يا الله يا غياث المستغيثين يكررها مرارا، فلما استقر صوته في أسماعنا ناديناه مرارا لبيك لبيك وهو ينادي يا ألله يا ألله يا غياث المستغيثين، فجدفنا بالمركب نحو الصوت فلقينا هذا الرجل غريقا في آخر رمق من الحياة فطلعنا به المركب وسألناه عن حاله فقال: كنا مقلعين من أفريقية فغرقت سفينتنا منذ أيام وأشرفت على الموت وما زلت أصيح حتى أتاني الغوث من ناحيتكم، فسبحان من أسهر سلطانا وأرقه في قصره لغريق في البحر حتى استخرجه من تلك الظلمات الثلاث ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الوحدة، فسبحانه لا إله غيره ولا معبود سواه. وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك قال: أخبرني أبو الوليد الباجي عن أبي ذر قال: كنت أقرأ على الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين ببغداد جزأ من الحديث في حانوت رجل عطار، فبينما أنا جالس معه في الحانوت إذ جاء رجل من الطوافين ممن يبيع العطر في طبق يحمله على يده، فدفع إليه عشرة دراهم وقال له: أعطني بها أشياء سماها له من العطر فأعطاه إياها فأخذها في طبقه وأراد أن يمضي فسقط الطبق من يده فانكب جميع ما فيه فبكى الطواف وجزع حتى رحمناه فقال أبو حفص لصاحب الحانوت: لعلك تعينه على بعض هذه الأشياء، فقال سمعا وطاعة، فنزل وجمع له ما قدر على جمعه منها ودفع له ما عدم منها، وأقبل الشيخ على الطواف يصبره ويقول له لا تجزع فأمر الدنيا أيسر من ذلك فقال الطواف: أيها الشيخ ليس جزعي لضياع ما ضاع لقد علم الله تعالى أني كنت في القافلة الفلانية فضاع لي هميان «٢» فيه أربعة آلاف دينار ومعها فصوص قيمتها كذلك فما جزعت لضياعها حيث كان لي غيرها من المال، ولكن ولد لي ولد في هذه الليلة فاحتجنا لأمه ما تحتاج النفساء ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم فخشيت أن أشتري بها حاجة النفساء فأبقى بلا رأس مال، وأنا قد صرت شيخا كبيرا لا أقدر على التكسب، فقلت في نفسي أشتري بها شيئا من العطر فأطوف به صدر النهار فعسى أستفضل شيئا أسد به رمق أهلي ويبقى رأس المال أتكسب به، واشتريت هذا العطر فحين انكب الطبق علمت أنه لم يبق لي إلا الفرار منهم، فهذا الذي أوجب جزعي. قال أبو حفص وكان رجل الجند جالسا إلى جانبي يستوعب الحديث فقال للشيخ أبي حفص: يا سيدي أريد أن تأتي بهذا الرجل إلى منزلي، فظننا أن يعطيه شيئا، قال: فدخلنا إلى منزله فأقبل على الطواف وقال له: عجبت من جزعك، فأعاد عليه القصة فقال له الجندي: وكنت في تلك القافلة؟ قال: نعم وكان فيها فلان وفلان فعلم الجندي صحة قوله فقال: وما علامة الهميان وفي أي موضع سقط منك؟ فوصف له المكان والعلامة، قال الجندي إذا رأيته تعرفه، قال: نعم. فأخرج الجندي له هميانا ووضعه بين يديه فحين رآه صاح وقال: هذا همياني والله وعلامة صحة قولي أن فيه من الفصوص ما هو كيت وكيت ففتح الهميان فوجده كما ذكر، فقال الجندي خذ مالك بارك الله لك فيه. فقال الطواف إن هذه الفصوص قيمتها مثل الدنانير وأكثر فخذها وأنت في حل

стр. 320

منها ونفسي طيبة بذلك، فقال الجندي ما كنت لآخذ على أمانتي مالا، وأبى أن يأخذ شيئا ثم دفعها للطواف جميعها فأخذها ومضى ودخل الطواف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء، اللهم أغن فقرنا ويسر أمرنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وحكي: أن الملك ناصر الدولة من آل حمدان كان يشكو وجع القولنج حتى أعيا الأطباء دواؤه لم يجدوا له شفاء، فدسوا على قتله وأرصدوا له رجلا ومعه خنجر فلما كان في بعض دهاليز القصر وثب عليه ذلك الرجل وضربه بالخنجر فجاءت الضربة أسفل خاصرته فلم تخط المعى الذي فيه القولنج فخرج ما فيه من الخلط فعافاه الله تعالى وبرىء أحسن ما كان. وبضد هذا ما حكاه أبو بكر الطرطوشي قال: حدثنا القاضي أبو مروان الداراني بطرطوشة قال: نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية فأووا إلى دار خربة هناك فاستكنوا فيها من الرياح والأمطار واستوقدوا نارهم وسووا معيشتهم، وكان في تلك الخربة حائط مائل قد أشرف على الوقوع، فقال رجل منهم: يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط ولا يدخلن أحد في هذه البقعة فأبوا إلا دخولها فاعتزلهم ذلك الرجل وبات خارجا عنهم ولم يقرب ذلك المكان، فأصبحوا في عافية وحملوا على دوابهم، فبينما هم كذلك إذ دخل ذلك الرجل إلى الدار ليقضي حاجته فخر عليه الحائط فمات لوقته. قال وأخبرني أبو القاسم بن حبيش بالموصل قال: لقد جرت في هذه الدار وأشار إلى دار هناك، قضية عجيبة، قلت: وما هي؟ قال: كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخز، فاتفق أنه جعل جميع ما معه من الخز في خرج وحمله على حماره وسار مع القافلة، فلما نزلت القافلة أراد انزال الخرج عن الحمار فثقل عليه فأمر انسانا هناك فأعانه على إنزاله، ثم جلس يأكل فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه فسأله عن أمره فأخبره أنه من أهل الكوفة وأنه خرج لحاجة عرضت له بغير نفقة ولا زاد، فقال له الرجل: كن رفيقي آنس بك وتعينني على سفري ونفقتك ومؤنتك عليّ، فقال له الرجل: وأنا أيضا أختار صحبتك وأرغب في مرافقتك، فسار معه في سفره وخدمه أحسن خدمة إلى أن وصلا إلى تكريت، فنزل الرفقة خارج المدينة ودخل الناس إلى قضاء حوائجهم، فقال التاجر لذلك الرجل: احفظ حوائجنا حتى أدخل المدينة وأشتري ما نحتاج إليه، ثم دخل المدينة وقضى جميع حوائجه ورجع فلم يجد القافلة ولا صاحبه، ورحلت الرفقة ولم ير أحدا فظن أنه لما رحلت الرفقة رحل ذلك الخادم معهم فلم يزل يسير ويجد في السير في المشي إلى أن أدرك القافلة بعد جهد عظيم وتعب شديد، فسألهم عن صاحبه فقالوا ما رأيناه ولا جاء معنا ولكنه ارتحل على أثرك فظننا أنك أمرته، فكرّ الرجل راجعا إلى تكريت وسأل عن الرجل فلم يجد له أثرا ولا سمع له خبرا، فيئس منه ورجع إلى الموصل مسلوب المال فوصلها نهارا فقيرا جائعا عريانا مجهودا فاستحى أن يدخلها نهارا فتشمت به الأعداء، نعوذ بالله من شماتتهم، وخشي أن يحزن الصديق إذا رآه على تلك الحالة، فاستخفى إلى الليل ثم عاد إلى داره فطرق الباب فقيل له: من هذا؟ قال: فلان، يعني نفسه، فأظهروا له سرورا عظيما وحاجة إليه وقالوا: الحمد لله الذي جاء بك في هذا الوقت على ما نحن فيه من الضرورة والحاجة، فإنك أخذت مالك معك وما تركت لنا نفقة كافية، وأطلت سفرك واحتجنا وقد وضعت زوجتك اليوم والله ما وجدنا ما نشتري به شيئا للنفساء، فأتنا بدقيق ودهن نسرج به علينا فلا سراج عندنا، فلما سمع ذلك ازداد غما على غمه وكره أن يخبرهم بحاله فيحزنهم بذلك فأخذ وعاء للدهن ووعاء للدقيق وخرج إلى حانوت أمام داره وكان فيه رجل يبيع الدقيق والزيت والعسل ونحو ذلك، وكان البياع أطفأ سراجه وأغلق حانوته ونام، فناداه فعرفه فأجابه، وشكر الله على سلامته، فقال له: افتح حانوتك واعطنا ما نحتاج إليه من دقيق وعسل ودهن، فنزل البياع إلى حانوته وأوقد المصباح ووقف يزن له ما طلب، فبينما هو كذلك إذ حانت من التاجر التفاتة إلى قعر الحانوت فرأى خرجه الذي هرب به صاحبه فلم يملك نفسه أن وثب إليه والتزمه، وقال يا عدو الله ائتني بمالي، فقال له البياع: ما هذا يا فلان؟ والله ما علمتك متعديا وأنا أبدا ما جنيت عليك ولا على غيرك فما هذا الكلام، قال: هذا خرجي هرب به خادم كان يخدمني وأخذ حماري وجميع مالي، فقال البياع: والله ما لي علم غير أن رجلا ورد علي بعد العشاء واشترى مني عشاءه وأعطاني هذا الخرج فجعلته في حانوتي وديعة إلى حين يصبح، والحمار في دار جارنا والرجل في المسجد نائم، قال له: أحمل معي الخرج وامض بنا إلى الرجل فرفع الخرج على عاتقه ومضى معه إلى المسجد فإذا الرجل نائم في المسجد فوكزه برجله فقام الرجل مرعوبا، فقال مالك؛ قال: أين مالي يا خائن؟ قال: ها هو في خرجك فوالله ما أخذت منه ذرة، قال:
следующие страницы →