← Адаб

Адаб · id 23802

المستطرف في كل فن مستظرف

شهاب الدين الأبشيهي

Полный текст (517 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يوما تريك خسيس الأصل ترفعه ... إلى العلاء ويوما تخفض العالي فما أمسى حتى وردت عليه الخلع السنية من المأمون ﵁، وقال إبراهيم بن عيسى الكاتب في إبراهيم بن المدني حين عزل. ليهن أبا إسحاق أسباب نعمة ... مجددة بالعزل والعزل أنبل شهدت لقد منّوا عليك وأحسنوا ... لأنك يوم العزل أعلى وأفضل وقال آخر: قد زاد ملك سليمان فعاوده ... والشمس تنحطّ في المجرى وترتفع وقال أبو بكر الخوارزمي لمعزول: الحمد لله الذي ابتلى في الصغير وهو المال، وعافى في الكبير وهو الحال: ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكنّ عارا أن يزول التجمّل «١» وقيل: المال حظ ينقص ثم يزيد، وظل ينحسر ثم يعود. وسئل بزرجمهر عن حاله في نكبته فقال: عولت على أربعة أشياء: أولها أني قلت القضاء والقدر لا بد من جريانهما، الثاني: أني قلت إن لم أصبر فما أصنع، الثالث: أني قلت قد كان يجوز أن يكون أعظم من هذا، الرابع: أني قلت لعل الفرج قريب، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الباب السابع والخمسون ما جاء في اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة والفرح والسرور ونحو ذلك مما يتعلق بهذا الباب فمما يليق بهذا الباب من كتاب الله قوله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً «٢» . وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ٢٨ «٣» . وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ «٤» . ويروى عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: لو كان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه. وقال ﵊: «عند تناهي الشدة يكون الفرج، وعند تضايق البلاء يكون الرخاء» . وقال علي ﵁، وعن النبي ﷺ : «أفضل عبادة أمتي انتظارها فرج الله تعالى» . وقال الحسن: لما نزل قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ٦ «٥» ، قال النبي ﷺ : «أبشروا فلن يغلب عسر يسرين» . ومن كلام الحكماء: إن تيقنت لم يبق هم. وقال أبو حاتم: إذا اشتملت على البؤس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكامنها الخطوب ولم نر لانكشاف الضرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب «٦» أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب «٧» وقال آخر: عسى الهمّ الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويغاث عان ... ويأتي أهله النائي الغريب «٨» وقال آخر: تصبّر أيها العبد اللبيب ... لعلك بعد صبرك ما تخيب وكل الحادثات إذا تناهت ... يكون وراءها فرج قريب وقال إبراهيم بن العباس: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج

стр. 317

ضاقت فلمّا استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنّها لا تفرج وقال آخر: لئن صدّع البين المشتّت شملنا ... فللبين حكم في الجموع صدوع «١» وللنجم من بعد الرجوع استقامة ... وللشمس من بعد الغروب طلوع وإن نعمة زالت عن الحرّ وانقضت ... فإنّ بها بعد الزوال رجوع فكن واثقا بالله واصبر لحكمه ... فإن زوال الشرّ عنك سريع ولنذكر نبذة ممن حصل له الفرج بعد الشدة: روي أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى صالح بن عبد الله عامله على المدينة المنورة، أن أخرج الحسن بن الحسن بن علي من السجن وكان محبوسا واضربه في مسجد رسول الله ﷺ خمسمائة سوط. فأخرجه إلى المسجد واجتمع الناس، وصعد صالح يقرأ عليهم الكتاب ثم نزل يأمر بضربه، فبينما هو يقرأ الكتاب إذ جاء علي بن الحسين ﵇، فأفرج له الناس حتى أتى إلى جنب الحسن، فقال يا ابن العم مالك ادع الله تعالى بدعاء الكرب يفرج الله عنك، قال: ما هو يا ابن العم؟ فقال: لا إله إلا الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان رب السموات ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، ثم انصرف عنه، وأقبل الحسن يكررهما فلما فرغ صالح من قراءة الكتاب ونزل قال: أراه في سجنه مظلوما أخرجوه وأنا أراجع أمير المؤمنين في أمره، فأطلق بعد أيام وأتاه الفرج من عند الله تعالى. وقال الربيع: لما حبس المهدي موسى بن جعفر، رأى في المنام عليا رضي الله تعالى عنه وهو يقول: يا محمد فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ٢٢ «٢» ، قال الربيع، فأرسل المهدي إليّ ليلا فراعني ذلك، فجئته، فإذا هو يقرأ هذه الآية، وكان حسن الصوت، فقص عليّ الرؤيا ثم قال: ائتني بموسى بن جعفر، فجئته به فعانقه وأجلسه إلى جانبه، وقال يا أبا الحسن رأيت أمير المؤمنين يقرأ عليّ كذا فعاهدني أن لا تخرج عليّ ولا على أحد من ولدي، فقال: والله ما ذاك من شأني، فقال: صدقت، ثم قال يا ربيع أعطه ثلاث آلاف دينار ورده إلى أهله بالمدينة، قال الربيع: فأحكمت أمره ليلا، فما أصبح إلا على الطريق. وقال إسماعيل بن بشار: وكلّ حر وإن طالت بليته ... يوما تفرّج غمّاه وتنكشف وقال مسلم بن الوليد: كنت يوما جالسا عند خياط بازاء منزلي فمر بي إنسان أعرفه، فقمت إليه وسلمت عليه وجئت به إلى منزلي لأضيفه وليس معي درهم بل كان عندي زوج أخفاف، فأرسلتها مع جاريتي لبعض معارفها فباعهما بتسعة دراهم واشترت بها ما قلته لها من الخبز واللحم، فجلسنا نأكل وإذا بالباب يطرق فنظرت من شق الباب وإذا بإنسان يسأل هذا منزل فلان؟ ففتحت الباب وخرجت، فقال أنت مسلم بن الوليد، قلت: نعم، واستشهدت له بالخياط على ذلك فأخرج لي كتابا وقال هذا من الأمير يزيد بن مزيد، فإذا فيه: قد بعثنا لك بعشرة آلاف درهم لتكون في منزلك وثلاثة آلاف درهم تتجمل بها لقدومك علينا، فأدخلته إلى داري وزدت في الطعام واشتريت فاكهة وجلسنا فأكلنا ثم وهبت لضيفي شيئا يشتري به هدية لأهله وتوجهنا إلى باب يزيد بالرقة فوجدناه في الحمام، فلما خرج استؤذن لي عليه فدخلت، فإذا هو جالس على كرسي وبيده مشط يسرح به لحيته فسلمت عليه فرد أحسن رد وقال: ما الذي أقعدك عنا؟ قلت: قلة ذات اليد وأنشدته قصيدة مدحته بها، قال: أتدري لم أحضرتك؟ قلت: لا أدري، قال: كنت عند الرشيد منذ ليال أحادثه فقال لي يا يزيد من القائل فيك هذه الأبيات: سلّ الخليفة سيفا من بني مضر ... يمضي فيخترق الأجسام والهاما كالدهر لا ينثني عمّا يهمّ به ... قد أوسع الناس إنعاما وإرغاما فقلت: والله لا أدري يا أمير المؤمنين، فقال سبحان الله، أيقال فيك مثل هذا ولا تدري من قاله؟ فسألت فقيل لي هو مسلم بن الوليد، فأرسلت إليك فانهض بنا إلى الرشيد فسرنا إليه واستؤذن لنا فدخلنا عليه فقبلت الأرض وسلمت فرد على السلام فأنشدته ما لي فيه من شعر، فأمر

стр. 318

لي بمائتي ألف درهم وأمر لي يزيد بمائة وتسعين ألف درهم وقال: ما ينبغي لي أن اساوي أمير المؤمنين في العطاء فانظر إلى هذا التيسير الجسيم بعد العسر العظيم. وما أحسن ما قيل: الأمن والخوف أيام مداولة ... بين الانام وبعد الضيق تتسع ولما وجه سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد إلى العراق ليطلق أهل السجون ويقسم الأموال، ضيق على يزيد بن أبي مسلم فلما ولي يزيد بن عبد الملك الخلافة ولي يزيد بن أبي مسلم أفريقية، وكان محمد بن يزيد واليا عليها فاستخفى محمد بن يزيد فطلبه يزيد بن أبي مسلم وشدّد في طلبه فأتي به إليه في شهر رمضان عند المغرب وكان في يد يزيد بن أبي مسلم عنقود عنب فقال لمحمد بن يزيد حين رآه: يا محمد بن يزيد، قال: نعم، قال: طالما سألت الله أن يمكنني منك، فقال: وأنا والله طالما سألت الله أن يجيرني منك، فقال: والله ما أجارك ولا أعانك، وإن سبقني ملك الموت إلى قبض روحك سبقته، والله لا آكل هذه الحبة العنب حتى أقتلك. ثم أمر به فكتف ووضع في النطع وقام السياف فأقيمت الصلاة، فوضع العنقود من يده وتقدم ليصلي، وكان أهل أفريقية قد أجمعوا على قتله فلما رفع رأسه ضربه رجل بعمود على رأسه فقتله، وقيل لمحمد بن يزيد: اذهب حيث شئت فسبحان من قتل الأمير وفك الأسير. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: رأيت رسول الله ﷺ في النوم وهو يقول أطلق القاتل، فارتعت لذلك ودعوت بالشموع ونظرت في أوراق السجن وإذا ورقة إنسان ادّعي عليه بالقتل وأقرّ به، فأمرت بإحضاره فلما رأيته وقد ارتاع فقلت له: إن صدقتني أطلقتك، فحدثني أنه كان هو وجماعة من أصحابه يرتكبون كل عظيمة، وأن عجوزا جاءت لهم بامرأة فلمّا صارت عندهم صاحت الله الله وغشي عليها، فلما أفاقت قالت: أنشدك الله في أمري فإن هذه العجوزة غرتني وقالت إن في هذه الدار نساء صالحات وأنا شريفة، جدي رسول الله ﷺ وأمي فاطمة وأبي الحسين بن علي فاحفظوهم فيّ، فقمت دونها وناضلت عنها فاشتد عليّ واحد من الجماعة، وقال لا بد منها وقاتلني فقتلته، وخلصت الجارية من يده، فقالت: سترك الله كما سترتني وسمع الجيران الصيحة فدخلوا علينا فوجدوا الرجل مقتولا والسكين بيدي فأمسكوني وأتوا بي إليك وهذا أمري، فقال إسحاق: قد وهبتك لله ولرسوله فقال: وحق اللذين وهبتني لهما لا أعود إلى معصية أبدا. وأمر الحجاج بإحضار رجل من السجن فلما حضر أمر بضرب عنقه فقال: أيها الأمير أخرني إلى غد، قال وأي فرج لك في تأخير يوم واحد؟ ثم أمر برده إلى السجن فسمعه الحجاج في السجن يقول: عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر فقال الحجاج: والله ما أخذه إلا من كتاب الله وهو قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ «١» وأمر بإطلاقه. وقال بعض جلساء المعتمد، كنا بين يديه ليلة فخفق رأسه بالنعاس فقال: لا تبرحوا، حتى أغفى سويعة، فغفا ساعة ثم أفاق جزعا مرعوبا وقال: امضوا إلى السجن وائتوني بمنصور الجمال، فجاءوا به فقال له: كم لك في السجن؟ قال: سنة ونصف، قال: على ماذا؟ قال: أنا جمال من أهل الموصل وضاق عليّ الكسب ببلدي فأخذت جملي وتوجهت إلى بلد غير بلدي لأعمل عليه فوجدت جماعة من الجند قد ظفروا بقوم غير مستقيمي الحال وهم مقدار عشرة أنفس وجدوهم يقطعون الطريق فدفع واحد منهم شيئا للأعوان فأطلقوه وأمسكوني عوضه وأخذوا جملي فناشدتهم الله فأبوا وسجنت أنا والقوم، فأطلق بعضهم ومات بعضهم وبقيت أنا فدفع له المعتمد خمسمائة دينار وأجرى له ثلاثين دينارا في كل شهر وقال: اجعلوه على جمالنا، ثم قال: أتدرون ما سبب فعلي هذا؟ قلنا: لا. قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقول أطلق منصورا الجمال من السجن وأحسن إليه. وأخذ الطاعون أهل بيت فسدّ بابه، ففضل فيه طفل يرضع لم يشعر به أحد ففتح الباب بعد شهر فوجدوا الطفل قد عطف الله عليه كلبة ترضعه مع جرو لها، فسبحان القادر على كل شيء لا إله غيره ولا معبود سواه. قال الشاعر: إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج وقال آخر: فلا تجزعن إن أظلم الدهر مرّة ... فإنّ اعتكار الليل يؤذن بالفجر

стр. 319

وقال آخر: لعمرك ما كلّ التعاطيل ضائرا ... ولا كلّ شغل فيه للمرء منفعه إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء فاغتنم لذّة الدّعه «١» فإن ضقت فاصبر يفرج الله ما ترى ... ألا ربّ ضيق في عواقبه سعه وقال الرياشي: ما اعتراني هم فأنشدت قول أبي العتاهية حيث قال: هي الأيام والغير ... وأمر الله ينتظر أتيأس أن ترى فرجا ... فأين الله والقدر إلّا سرّى عني وهبت ريح الفرج. ويروى أن سلطان صقلية أرق ذات ليلة ومنع النوم، فأرسل إلى قاعد البحر وقال له: انفذ الآن مركبا إلى أفريقية يأتوني بأخبارها، فعمد القائد إلى مقدم مركب وأرسله فلما أصبحوا إذا بالمركب في موضعه كأنه لم يبرح، فقال الملك لقائد البحر: أليس قد فعلت ما أمرتك به؟ قال: نعم، قد امتثلت أمرك وأنفذت مركبا فرجع بعد ساعة وسيحدثك مقدم المركب، فأمر بإحضاره فجاء ومعه رجل فقال له الملك: ما منعك أن تذهب حيث أمرت؟ قال: ذهبت بالمركب فبينما أنا في جوف الليل والرجال يجدفون إذا بصوت يقول: يا الله يا الله يا غياث المستغيثين يكررها مرارا، فلما استقر صوته في أسماعنا ناديناه مرارا لبيك لبيك وهو ينادي يا ألله يا ألله يا غياث المستغيثين، فجدفنا بالمركب نحو الصوت فلقينا هذا الرجل غريقا في آخر رمق من الحياة فطلعنا به المركب وسألناه عن حاله فقال: كنا مقلعين من أفريقية فغرقت سفينتنا منذ أيام وأشرفت على الموت وما زلت أصيح حتى أتاني الغوث من ناحيتكم، فسبحان من أسهر سلطانا وأرقه في قصره لغريق في البحر حتى استخرجه من تلك الظلمات الثلاث ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الوحدة، فسبحانه لا إله غيره ولا معبود سواه. وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك قال: أخبرني أبو الوليد الباجي عن أبي ذر قال: كنت أقرأ على الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين ببغداد جزأ من الحديث في حانوت رجل عطار، فبينما أنا جالس معه في الحانوت إذ جاء رجل من الطوافين ممن يبيع العطر في طبق يحمله على يده، فدفع إليه عشرة دراهم وقال له: أعطني بها أشياء سماها له من العطر فأعطاه إياها فأخذها في طبقه وأراد أن يمضي فسقط الطبق من يده فانكب جميع ما فيه فبكى الطواف وجزع حتى رحمناه فقال أبو حفص لصاحب الحانوت: لعلك تعينه على بعض هذه الأشياء، فقال سمعا وطاعة، فنزل وجمع له ما قدر على جمعه منها ودفع له ما عدم منها، وأقبل الشيخ على الطواف يصبره ويقول له لا تجزع فأمر الدنيا أيسر من ذلك فقال الطواف: أيها الشيخ ليس جزعي لضياع ما ضاع لقد علم الله تعالى أني كنت في القافلة الفلانية فضاع لي هميان «٢» فيه أربعة آلاف دينار ومعها فصوص قيمتها كذلك فما جزعت لضياعها حيث كان لي غيرها من المال، ولكن ولد لي ولد في هذه الليلة فاحتجنا لأمه ما تحتاج النفساء ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم فخشيت أن أشتري بها حاجة النفساء فأبقى بلا رأس مال، وأنا قد صرت شيخا كبيرا لا أقدر على التكسب، فقلت في نفسي أشتري بها شيئا من العطر فأطوف به صدر النهار فعسى أستفضل شيئا أسد به رمق أهلي ويبقى رأس المال أتكسب به، واشتريت هذا العطر فحين انكب الطبق علمت أنه لم يبق لي إلا الفرار منهم، فهذا الذي أوجب جزعي. قال أبو حفص وكان رجل الجند جالسا إلى جانبي يستوعب الحديث فقال للشيخ أبي حفص: يا سيدي أريد أن تأتي بهذا الرجل إلى منزلي، فظننا أن يعطيه شيئا، قال: فدخلنا إلى منزله فأقبل على الطواف وقال له: عجبت من جزعك، فأعاد عليه القصة فقال له الجندي: وكنت في تلك القافلة؟ قال: نعم وكان فيها فلان وفلان فعلم الجندي صحة قوله فقال: وما علامة الهميان وفي أي موضع سقط منك؟ فوصف له المكان والعلامة، قال الجندي إذا رأيته تعرفه، قال: نعم. فأخرج الجندي له هميانا ووضعه بين يديه فحين رآه صاح وقال: هذا همياني والله وعلامة صحة قولي أن فيه من الفصوص ما هو كيت وكيت ففتح الهميان فوجده كما ذكر، فقال الجندي خذ مالك بارك الله لك فيه. فقال الطواف إن هذه الفصوص قيمتها مثل الدنانير وأكثر فخذها وأنت في حل

стр. 320

منها ونفسي طيبة بذلك، فقال الجندي ما كنت لآخذ على أمانتي مالا، وأبى أن يأخذ شيئا ثم دفعها للطواف جميعها فأخذها ومضى ودخل الطواف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء، اللهم أغن فقرنا ويسر أمرنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وحكي: أن الملك ناصر الدولة من آل حمدان كان يشكو وجع القولنج حتى أعيا الأطباء دواؤه لم يجدوا له شفاء، فدسوا على قتله وأرصدوا له رجلا ومعه خنجر فلما كان في بعض دهاليز القصر وثب عليه ذلك الرجل وضربه بالخنجر فجاءت الضربة أسفل خاصرته فلم تخط المعى الذي فيه القولنج فخرج ما فيه من الخلط فعافاه الله تعالى وبرىء أحسن ما كان. وبضد هذا ما حكاه أبو بكر الطرطوشي قال: حدثنا القاضي أبو مروان الداراني بطرطوشة قال: نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال دانية فأووا إلى دار خربة هناك فاستكنوا فيها من الرياح والأمطار واستوقدوا نارهم وسووا معيشتهم، وكان في تلك الخربة حائط مائل قد أشرف على الوقوع، فقال رجل منهم: يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط ولا يدخلن أحد في هذه البقعة فأبوا إلا دخولها فاعتزلهم ذلك الرجل وبات خارجا عنهم ولم يقرب ذلك المكان، فأصبحوا في عافية وحملوا على دوابهم، فبينما هم كذلك إذ دخل ذلك الرجل إلى الدار ليقضي حاجته فخر عليه الحائط فمات لوقته. قال وأخبرني أبو القاسم بن حبيش بالموصل قال: لقد جرت في هذه الدار وأشار إلى دار هناك، قضية عجيبة، قلت: وما هي؟ قال: كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ممن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخز، فاتفق أنه جعل جميع ما معه من الخز في خرج وحمله على حماره وسار مع القافلة، فلما نزلت القافلة أراد انزال الخرج عن الحمار فثقل عليه فأمر انسانا هناك فأعانه على إنزاله، ثم جلس يأكل فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه فسأله عن أمره فأخبره أنه من أهل الكوفة وأنه خرج لحاجة عرضت له بغير نفقة ولا زاد، فقال له الرجل: كن رفيقي آنس بك وتعينني على سفري ونفقتك ومؤنتك عليّ، فقال له الرجل: وأنا أيضا أختار صحبتك وأرغب في مرافقتك، فسار معه في سفره وخدمه أحسن خدمة إلى أن وصلا إلى تكريت، فنزل الرفقة خارج المدينة ودخل الناس إلى قضاء حوائجهم، فقال التاجر لذلك الرجل: احفظ حوائجنا حتى أدخل المدينة وأشتري ما نحتاج إليه، ثم دخل المدينة وقضى جميع حوائجه ورجع فلم يجد القافلة ولا صاحبه، ورحلت الرفقة ولم ير أحدا فظن أنه لما رحلت الرفقة رحل ذلك الخادم معهم فلم يزل يسير ويجد في السير في المشي إلى أن أدرك القافلة بعد جهد عظيم وتعب شديد، فسألهم عن صاحبه فقالوا ما رأيناه ولا جاء معنا ولكنه ارتحل على أثرك فظننا أنك أمرته، فكرّ الرجل راجعا إلى تكريت وسأل عن الرجل فلم يجد له أثرا ولا سمع له خبرا، فيئس منه ورجع إلى الموصل مسلوب المال فوصلها نهارا فقيرا جائعا عريانا مجهودا فاستحى أن يدخلها نهارا فتشمت به الأعداء، نعوذ بالله من شماتتهم، وخشي أن يحزن الصديق إذا رآه على تلك الحالة، فاستخفى إلى الليل ثم عاد إلى داره فطرق الباب فقيل له: من هذا؟ قال: فلان، يعني نفسه، فأظهروا له سرورا عظيما وحاجة إليه وقالوا: الحمد لله الذي جاء بك في هذا الوقت على ما نحن فيه من الضرورة والحاجة، فإنك أخذت مالك معك وما تركت لنا نفقة كافية، وأطلت سفرك واحتجنا وقد وضعت زوجتك اليوم والله ما وجدنا ما نشتري به شيئا للنفساء، فأتنا بدقيق ودهن نسرج به علينا فلا سراج عندنا، فلما سمع ذلك ازداد غما على غمه وكره أن يخبرهم بحاله فيحزنهم بذلك فأخذ وعاء للدهن ووعاء للدقيق وخرج إلى حانوت أمام داره وكان فيه رجل يبيع الدقيق والزيت والعسل ونحو ذلك، وكان البياع أطفأ سراجه وأغلق حانوته ونام، فناداه فعرفه فأجابه، وشكر الله على سلامته، فقال له: افتح حانوتك واعطنا ما نحتاج إليه من دقيق وعسل ودهن، فنزل البياع إلى حانوته وأوقد المصباح ووقف يزن له ما طلب، فبينما هو كذلك إذ حانت من التاجر التفاتة إلى قعر الحانوت فرأى خرجه الذي هرب به صاحبه فلم يملك نفسه أن وثب إليه والتزمه، وقال يا عدو الله ائتني بمالي، فقال له البياع: ما هذا يا فلان؟ والله ما علمتك متعديا وأنا أبدا ما جنيت عليك ولا على غيرك فما هذا الكلام، قال: هذا خرجي هرب به خادم كان يخدمني وأخذ حماري وجميع مالي، فقال البياع: والله ما لي علم غير أن رجلا ورد علي بعد العشاء واشترى مني عشاءه وأعطاني هذا الخرج فجعلته في حانوتي وديعة إلى حين يصبح، والحمار في دار جارنا والرجل في المسجد نائم، قال له: أحمل معي الخرج وامض بنا إلى الرجل فرفع الخرج على عاتقه ومضى معه إلى المسجد فإذا الرجل نائم في المسجد فوكزه برجله فقام الرجل مرعوبا، فقال مالك؛ قال: أين مالي يا خائن؟ قال: ها هو في خرجك فوالله ما أخذت منه ذرة، قال:

стр. 321

فأين الحمار وآلته؟ قال: هو عند هذا الرجل الذي معك، فعفا عنه وخلى سبيله ومضى بخرجه إلى داره فوجد متاعه سالما فوسع على أهله وأخبرهم بقصته فازداد سرورهم وفرحهم وتبركوا بذلك المولود فسبحان من لا يخيب من قصده ولا ينسى من ذكره. ولنلحق بهذا الباب ذكر شيء مما جاء في التهنئة والبشائر. كتب بعضهم إلى أخيه وقد أتاه خبرا استبشر به: سمعت عنك خبرا سارا كتب في الألواح وامتزج بالأرواح، وعد في جملة البشائر العظام، وجرى في العروق وتمشى في العظام. وكان خالد بن عبد الله القسري أخا هشام بن عبد الملك من الرضاع وكان يقول له: إني لأرى فيك آثار الخلافة ولا تموت حتى تليها، فقال له: إن أنا وليتها فلك العراق فلما ولى أتاه فقام بين الصفين، وقال يا أمير المؤمنين أعزك الله بعزته وأيدك بملائكته وبارك لك فيما ولاك ورعاك فيما استرعاك وجعل ولايتك على أهل الإسلام نعمة وعلى أهل الشرك نقمة، لقد كانت الولاية إليك أشوق منك إليها، وأنت لها أزين منها لك، وما مثلها ومثلك إلا كما قال الأحوص هذه الأبيات: وإن الدرّ زاد حسن وجوه ... كان للدرّ حسن وجهك زينا وتزيدنّ أطيب الطيب طيبا ... إن تمسّسه أين مثلك أينا ودخل على المهدي أعرابي فقال له: فيم جئت؟ قال: أتيتك برسالة قال: هاتها. قال: أتاني آت في منامي فقال: إئت أمير المؤمنين فأبلغه هذه الأبيات: لكم أرث الخلافة من قريش ... تزفّ إليكمو أبدا عروسا إلى هارون تهدى بعد موسى ... تميس وما لها أن لا تميسا «١» فقال المهدي: يا غلام، عليّ بالجواهر، فحشا فاه حتى كاد ينشق، ثم قال: اكتبوا هذه الأبيات واجعلوها في بخانق صبياننا. قال إبراهيم الموصلي في تهنئة الرشيد بالخلافة: ألم تر أنّ الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها تلبّست الدنيا جمالا بملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها وغنّاه بهما من وراء الحجاب، فوصله بمائة ألف دينار ويحيى بخمسين ألفا. ودخل عطاء بن أبي صيفي على يزيد بن معاوية وهو أول من جمع بين التهنئة والتعزية، فقال: رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله قضى معاوية نحبه فغفر الله ذنبه، ووليت الرئاسة وكنت أحق بالسياسة، فاحتسب عند الله أعظم الرزية واشكر الله على أعظم العطية. ومر عمر بن هبيرة بعد إطلاقه من السجن بالرقة، فإذا امرأة من بني سليم على سطح لها تحادث جارة لها ليلا وهي تقول: لا والذي أسأله أن يخلص عمر بن هبيرة مما هو فيه ما كان كذا، فرمى إليها بصرة فيها مائة دينار وقال: قد خلص الله عمر بن هبيرة، فطيبي نفسا وقري عينا. والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثامن والخمسون في ذكر العبيد والاماء والخدم وفيه فصلان الفصل الأول في مدح العبيد والاماء والاستيصاء بهم خيرا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «أول من يدخل الجنة شهيد وعبد أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (رفعه) : إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه فله أجره مرتين» . وكان زيد بن حارثة خادما لخديجة رضي الله تعالى عنها، اشتري لها بسوق عكاظ، فوهبته لرسول الله ﷺ ، فجاءه أبوه يريد شراءه منه، فقال رسول الله ﷺ إن رضي بذلك فعلت، فسئل زيد فقال: ذل الرق مع صحابة رسول الله ﷺ أحب إليّ من عز الحرية مع مفارقته. فقال رسول الله ﷺ إذا اختارنا اخترناه، فأعتقه وزوجه أم أيمن، وبعدها زينب بنت جحش. وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان آخر كلام

стр. 322

رسول الله ﷺ : «أوصيكم بالصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي. وعن ابن مسعود الأنصاري قال: ضربت غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا: «اعلم يا أبا مسعود إن الله أقدر عليك منك عليه» . فالتفت فإذا هو النبي ﷺ ، فقلت يا رسول الله: هو حر لوجه الله تعالى، فقال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار. وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كم تعفو عن الخادم؟ ثم أعاد عليه فصمت، فلما كانت الثالثة قال له: أعفو عنه كل يوم سبعين مرة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حدثني أبو القاسم نبي التوبة ﷺ «من قذف مملوكه وهو بريء مما قال جلد له يوم القيامة حدا» . وقيل: أراد رجل بيع جاريته فبكت، فقال لها: مالك؟ فقالت: لو ملكت منك ما ملكت مني ما أخرجتك من يدي، فأعتقها وتزوجها. وقال أبو اليقظان: إن قريشا لم تكن ترغب في أمهات الأولاد حتى ولدن ثلاثة هم خير أهل زمانهم، علي بن الحسين والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه أتى ببنات يزدجرد بن شهريار بن كسرى مسبيات، فأراد بيعهن فأعطاهن للدلال ينادي عليهن بالسوق، فكشف عن وجه إحداهن فلطمته لطمة شديدة على وجهه فصاح: واعمراه، وشكا إليه، فدعاهن عمر وأراد أن يضربهن بالدرة، فقال علي رضي الله تعالى عنه يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قال: «أكرموا عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر» . إن بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوموهن، فقومهن وأعطاه أثمانهن، وقسمهن بين الحسن بن علي ومحمد بن أبي بكر وعبد الله بن عمر، فولدن هؤلاء الثلاثة. وقيل: إستبق بنو عبد الملك فسبقوا مسلمة وكان ابن أمة، فتمثل عبد الملك بقول عمرو العبدي: نهيتكموا أن تحملوا فوق خيلكم ... هجينا لكم يوم الرهان فيدرك «١» فتعثر كفّاه ويسقط سوطه ... ويخدر ساقاه فما يتحرك وهل يستوي المرآن هذا ابن حرّة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرّك «٢» فقال له مسلمة: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين ليس هذا مثلي، ولكن كما قال ابن المعمر هذه الأبيات: فما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناهم بأرماحنا قسرا فما زادنا فيها السباء مذلة ... ولا كلّفت خبزا ولا طبخت قدرا وكم قد ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا «٣» ويأخذ ريّان الطعان بكفّه ... فيوردها بيضا ويصدرها حمرا فقبل رأسه وعينيه وقال: أحسنت يا بني ذاك والله أنت، وأمر له بمائة ألف درهم مثل ما أخذ السابق والله أعلم. الفصل الثاني في ذم العبيد والخدم روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بئس المال في آخر الزمان المماليك» . وقال مجاهد: إذا كثرت الخدم كثرت الشياطين. وقال لقمان لابنه: لا تأمنن امرأة على سرّ ولا تطأ خادما تريدها للخدمة. ووصف بعضهم عبدا فقال: يأكل فارها «٤» ويعمل كارها ويبغض قوما ويحب نوما. وقيل لبعضهم: ألك غلام؟ فقال: ومالي غلام فادعوا به ... سوى من أبوه أخو عمتي وقال أكثم: الحر حر وإن مسه الضرّ ... والعبد عبد وإن ألبسته الدرّ ودعا بعض أهل الكوفة إخوانه وله جارية فقصرت فيما ينبغي لهم من الخدمة فقال: إذا لم يكن في منزل المرء حرّة ... رأى خللا فيما تولّى الولائد

стр. 323

فلا يتخذ منهنّ حرّ قعيدة ... فهنّ لعمر الله بئس القعائد وكان لرجل غلام من أكسل الناس، فأرسله يوما يشتري له عنبا وتينا، فأبطأ عليه حتى عيل صبره، ثم جاء بأحدهما فضربه وقال: ينبغي لك إذا استقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين، فمرض الرجل، فأمر الغلام أن يأتيه بطبيب، فغاب ثم جاء بالطبيب ومعه رجل آخر، فسأله عنه فقال: أما ضربتني وأمرتني أن أقضي حاجتين في حاجة، فجئتك بالطبيب، فإن شفاك الله تعالى، وإلا حفر لك هذا قبرك، فهذا طبيب وهذا حفّار. وقيل: كان عمرو الأعجمي يلي حكم السند، فكتب إلى موسى الهادي: إن رجلا من أشراف أهل الهند من آل المهلب ابن أبي صفرة اشترى غلاما أسود فرباه وتبناه، فلما كبر وشب اشتد به هوى مولاته فراودها عن نفسها، فأجابته، فدخل مولاه يوما على غفلة منه من حيث لا يعلم، فإذا هو على صدر مولاته، فعمد إليه فجب ذكره وتركه يتشحط في دمه، ثم أدركته عليه رقة وندم على ذلك فعالجه إلى أن برىء من علته، فأقام الغلام بعدها مدة يطلب أن يأخذ ثأره من مولاه ويدبر عليه أمرا يكون فيه شفاء غليله، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل والآخر يافع كأنهما الشمس والقمر، فغاب الرجل يوما عن منزله لبعض الأمور فأخذ الأسود الصبيين فصعد بهما على ذروة سطح عال، فنصبهما هناك وجعل يعللهما بالمطعم مرة وباللعب أخرى إلى أن دخل مولاه، فرفع رأسه فرآه في شاهق مع الغلام فقال: ويلك عرضت ابني للموت، قال: أجل والله الذي لا يحلف العبد بأعظم منه لئن لم تجب ذكرك مثل ما جببتني لأرمين بهما، فقال: الله الله يا ولدي في تربيتي لك، قال: دع هذا عنك، فو الله ما هي إلا نفسي وإني لأسمح بها في شربة ماء، فجعل يكرر عليه ويتضرع له، وهو لا يقبل ذلك ويذهب الوالد يريد الصعود إليه، فيدليهما من ذلك الشاهق، فقال: أبوهما: ويلك، فاصبر حتى أخرج مدية وأفعل ما أمرت، ثم أسرع وأخذ مدية فجب نفسه وهو يراه، فلما رأى الأسود ذلك رمى الصبيين من ذلك الشاهق فتقطعا، وقال: إن جبك لنفسك ثأري، وقتل أولادك زيادة فيه، فأخذ الأسود وكتب بخبره لموسى الهادي، فكتب موسى لصاحب السند عمرو الأعجمي بقتل الغلام، وقال: ما سمعت بمثل هذا قط، وأمر أن يخرج من مملكته كل أسود، فما ترى أردأ من العبيد ولا أقل خيرا منهم. وأكثرهم رداءة المولدون لو أحسنت إلى أحدهم الدهر كله بكل ما تصل يدك إليه أنكره، كأن لم ير منك شيئا، وكلما أحسنت إليه تمرّد، وإن أسأت إليه خضع وذل وقد جربت أنا ذلك كثيرا. وما أحسن ما قيل: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا «١» وقيل: إن العبد إذا شبع فسق، وإن جاع سرق. وكان جدي لأمي يقول: شر المال تربية العبيد، والمولدون منهم ألأم من الزنوج وأردأ، لأن المولد لا يعرف له أبا وربما يعرف الزنجي أبويه. ويقال في المولد: بغل لأنه مجنس والبغل تكون أمه فرسا وأبوه حمارا، وبالعكس فلا تثق بمولد لأنه قل أن يكون فيه خير وإن كان فذاك نادر والنادر لا حكم له، وأنا أستغفر الله العظيم وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب التاسع والخمسون في أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم وذكر غرائب من عوائدهم وعجائب من أكاذيبهم للعرب أوابد وعوائد كانوا يرونها فضلا، وقد دل على بعضها القرآن العظيم وأكذب الله دعاويهم فيها، فمن ذلك قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ١٠٣ «٢» . قال أهل اللغة: البحيرة ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان الأخير ذكرا بحروا أذنها أي شقوا أذنها وامتنعوا من ذكاتها ولا تمنع من ماء ولا مرعى. وكان الرجل إذا أعتق عبدا وقال هو سائبة فلا عقد بينهما ولا ميراث. وأما الوصيلة ففي الغنم، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلا يذبح الذكر لآلهتهم. وأما الحام، فالذكر من الإبل، كانت العرب إذا نتج من صلب الفحل

стр. 324

عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وقال تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «١» ، فالخمر ما خامر العقل، ومنه سميت الخمر خمرا، والميسر القمار، والأنصاب حجارة كانت لهم يعبدونها وهي الأوثان واحدها نصب، والأزلام سهام كانت لهم مكتوب على بعضها أمرني ربي وعلى بعضها نهاني ربي، فإذا أراد الرجل سفرا أو أمرا يهتم به ضرب بتلك القداح فإذا خرج الأمر مضى لحاجته وإذا خرج النهي لم يمض. ومن أوابدهم وأد البنات أي دفنهن أحياء، كانوا في الجاهلية إذا رزق أحدهم أنثى وأدها وإذا بشر بها ضاق صدره وكظم وجهه وهو قوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ٥٨ «٢» . وقال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ «٣» . وقد قيل: إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار. وبمكة جبل يقال له: أبو دلامة كانت قريش تئد فيه البنات. وقيل: إن صعصعة جد الفرزدق كان يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل. وفاخر الفرزدق رجلا عند بعض خلفاء بني أمية فقال: أنا ابن محي الموتى، فأنكر الرجل ذلك، فقال: إن الله تعالى يقول: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً «٤» . وأما الرفادة في الحج: فكانت خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم إلى قصي، فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيوف الله، وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا وكانوا يخرجون ذلك كل عام من أموالهم، فيدفعونه إليهم. وقيل: أول من أقام الرفادة عبد المطلب وهو الذي حفر بئر زمزم وكانت مطمومة، واستخرج منها الغزالين الذهب اللذين عليهما الدر والجوهر وغير ذلك من الحلى وسبعة أسياف وخمسة دروع سوابغ، فضرب من الأسياف باب الكعبة وجعل أحد الغزالين الذهب صفائح الذهب وجعل الآخر في الكعبة. واعلم وفقني الله وإياك إنه لم يسمع بعجب «٥» أعظم من عجب سعيد بن زرارة وعبد الله بن زياد التميمي وابن سماك الأسدي الذين ضرب بهم المثل. فأما سعيد بن زرارة فقيل: إنه مرت به امرأة فقالت له: يا عبد الله كيف الطريق إلى مكان كذا، فقال لها: يا هنتاه مثلي يكون من عبيد الله؟ وأما عبد الله بن زياد التميمي، فقيل: إنه خطب الناس بالبصرة فأحسن وأوجز، فنودي من نواحي المسجد كثّر الله فينا مثلك، فقال: لقد كلفتم الله شططا. وأما ابن سماك، فإنه أضل راحلته فالتمسها فلم توجد فقال: والله لئن لم يرد راحلتي عليّ لا صليت له أبدا. فوجدت وقد تعلق زمامها ببعض أغصان الشجر، فقيل له: قد رد الله عليك راحلتك فصل. فقال: إنما كانت يميني يمينا قصدا. فانظر رحمك الله إلى هذا العجب كيف ذهب بهم حتى أفضى بهم إلى الكفر وصاروا حديثا مستبشعا ومثلا بين العالمين مستشنعا، نعوذ بالله من الخذلان المؤدي إلى النيران ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. حكي عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه قيل له: كيف وجدت منزلك بالعراق؟ قال: خير منزل إن الله أظفرني بأناس بلغني الأمل فيهم، وأعانني على الانتقام منهم، فكنت أتقرب إليه بدمائهم، فقيل له: من هم؟ فذكر هؤلاء الثلاثة وذكر حديثهم ولا محالة أنها من محاسن الحجاج، وإن قلّت في جنب سيئاته. والله تعالى أعلم. ذكر أديان العرب في الجاهلية: كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكانت اليهودية في نمير وبني كنانة وبني الحرث بن كعب وكندة، وكانت المجوسية في بني تميم منهم زرارة بن عدي وابنه علي وكان تزوج ابنته ثم ندم، ومنهم الأقرع بن حابس كان مجوسيا. وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الجزيرة وكانت بنو حنيفة اتخذوا في الجاهلية صنما من حيس «٦» فعبدوه دهرا طويلا، ثم أدركتهم مجاعة فأكلوه. وقد قيل: إن أول من غيّر الحنيفية عمرو بن لحي أبو خزاعة، وهو أنه رحل إلى الشام فرأى العماليق يعبدون الأصنام، فأعجبه ذلك، فقال: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟ قالوا: هذه أصنام نستمطرها فتمطرنا،

стр. 325

ونستنصرها فتنصرنا. فقال: أعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. وقيل: إن أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل، وسبب ذلك أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حتى ضاقت عليهم وتفرقوا في البلاد، وما من أحد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، وأفضى ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحسنوه من الحجارة، ثم خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه من دين إسماعيل، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلال. وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل، وأيضا اتخذوا أسافا ونائلة على موضع زمزم فينحرون عندها ويطعمون. وكان أساف ونائلة رجلا وامرأة، فوقع أساف على نائلة في الكعبة فمسخهما الله حجرين. واتخذ أهل كل دار في دراهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل سفرا تمسح به حين يركب، وكان ذلك آخر ما يصنع إذا توجه إلى سفره. وإذا قدم من سفره بدأ به قبل أن يدخل إلى أهله. واتخذت العرب الأصنام وانهمكوا على عبادتها وكانت لقريش وبني كنانة العزى، وكان حجابها بني شيبة. وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان حجابها بني مغيث من ثقيف. وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم. وأما يغوث ويعوق ونسر، فقيل إنهم كانوا أسماء أولاد آدم ﵊ وكانوا أتقياء عبادا فمات أحدهم فحزنوا عليه حزنا شديدا، فجاءهم الشيطان وحسن لهم أن يصوروا صورته في قبلة مسجدهم ليذكروه إذا نظروه، فكرهوا ذلك، فقال: اجعلوه في مؤخر المسجد، ففعلوا وصوره من صفر ورصاص. ثم مات آخر، ففعلوا ذلك إلى أن ماتوا كلهم، فصورهم هناك، وأقام من بعدهم على ذلك إلى أن تركوا الدين وحسن لهم الشيطان عبادة شيء غير الله، فقالوا له: من نعبد؟ قال: آلهتكم المصورة في مصلاكم فعبدوها إلى أن بعث الله نوحا ﵊، فنهاهم عن عبادتها، فقالوا: كما أخبر الله عنهم: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً «١» الآية. ولما عم الطوفان الأرض طمها وعلا عليها التراب زمانا طويلا، فأخرجها الشيطان لمشركي العرب فعبدوها. وذكر الواحدي في الوسيط أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح عليهما الصلاة والسلام، فسول الشيطان لقومهم بعد موتهم أن يصوروا صورهم ليكون أنشط وأشوق للعبادة كلما رأوهم ففعلوا، ثم نشأ بعدهم قوم جهال بالأحوال فحسن لهم عبادتها. وأن من سبقهم من قومهم عبدوها فسموها بأسمائهم. وقال الواقدي: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر، والله تعالى أعلم أي ذلك كان. ذكر أوابدهم: الرتم: شجر معروف كانت العرب إذا خرج أحدهم إلى سفر عمد إلى شجرة منه فيعقد غصنا منها، فإذا عاد من سفره ووجده قد انحل قال: قد خانتني امرأتي، وإن وجده على حالته قال: لم تخني. الرئيمة: ناقة كانت العرب إذا مات واحد منهم عقلوا ناقته عند قبره وسدوا عينيها حتى تموت. يزعمون أنه إذا بعث من قبره ركبها. التعمية والتفقئة: كان الرجل إذا بلغت إبله ألفا قلع عين الفحل. يقولون إن ذلك يدفع عنها العين، فإذا ازدادت على الألف فقأ عينه الأخرى. العرداء: يصيب الإبل شبه الجرب، كانوا يكوون السليمة ويزعمون أن ذلك يبرىء داء العر. ضرب الثور عن البقر، كانت البقر إذا امتنعت عن الشرب ضربوا الثور، يزعمون أن الجن يركبون الثيران فيصدون البقر عن الشرب. الهامة: كانوا يزعمون أن الإنسان إذا قتل ولم يؤخذ بثأره يخرج من رأسه طائر يسمى الهامة وهو كالبومة، فلا يزال يصيح على قبره: «اسقوني» إلى أن يؤخذ بثأره. وكان للعرب مذاهب في الجاهلية في النفس وتنازع في كيفياتها، فمنهم من زعم أن النفس هي الدم وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم الإنسان الذي منه نفسه. وقالوا: إن الميت لا يوجد فيه الدم وإنما يوجد في الحياة مع الحرارة والرطوبة، لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة، فإذا مات ذهبت حرارته وحل به اليبس والبرودة. وطائفة منهم يزعمون أن النفس طائر ينشط من جسم الإنسان إذا مات أو قتل، ولا يزال متصورا في صورة الطائر يصرخ

стр. 326

على قبره مستوحشا له وفي ذلك يقول بعضهم: سلّط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام ثم جاء الإسلام، والعرب ترى صحة أمر الهام، حتى قال النبي ﷺ «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هام» . وزعموا أن هذا الطائر يكون صغيرا ويكبر حتى يصير كضرب من البوم ويتوحش ويصرخ، ويوجد في الديار المعطلة والنواويس ومصارع القتلى، ويزعمون أن الهامة لا تزال عند ولد الميت لتعلم ما يكون من خبره فتخبر الميت. والصفر زعموا أن الإنسان إذا جاع عض على شر سرفه الصفر وهي حية تكون في البطن. تثنية الضربة: زعموا أن الحية تموت في أول ضربة، فإذا ثنيت عاشت. الغيلان والتغول للعرب: في الغيلان والتغول أخبار وأقاويل، يزعمون أن الغول يتغول لهم في الخلوات في أنواع الصور فيخاطبونها وتخاطبهم، وزعمت طائفة من الناس أن الغول حيوان مشؤوم وأنه خرج منفردا لم يستأنس وتوحش، وطلب القفار، وهو يشبه الإنسان والبهيمة ويتراءى لبعض السفار «١» في أوقات الخلوات وفي الليل. وحكي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رآه في سفره إلى الشام فضربه بالسيف. وقال الجاحظ: الغول كل شيء يتعرض للسيارة ويتلون في ضروب من الصور والثياب وفيه خلاف، وقالوا: إنه ذكر وأنثى إلا أن أكثر كلامهم أنه أنثى. وأما القطرب في قولهم، فهو نوع من الأشخاص المتشيطنة يعرف بهذا الاسم فيظهر في أكناف اليمن وصعيد مصر في أعاليه، وربما أنه يلحق الإنسان فينكحه، فيدود دبره فيموت. وربما نزا على الإنسان وأمسكه فيقول أهل تلك النواحي التي ذكرناها: أمنكوح هو أو مذعور؟ فإن كان قد نكحه أيسوا منه، وإن كان قد ذعر سكن روعه وشجع قلبه، وإذا رآه الإنسان وقع مغشيا عليه، ومنهم من يظهر له فلا يكترث به لشهامته وثبات قلبه «٢» . ذكر الهواتف: أما الهواتف: فقد كانت كثرت في العرب وكان أكثرها أيام ولد سيدنا رسول الله ﷺ وإن من حكم الهواتف أن تهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي. ومن عجيب ما حكي من أمر الهواتف: ما حكاه أبو عمرو بن العلاء قال: خرجنا حجاجا، فصاحبنا رجل وجعل يقول في طريقه: ليت شعري هل بغت علي. فلما انصرفنا من مكة قالها في بعض الطريق، فأجابه صوت في الظلام: نعم نعم مع حجية. وهو رجل أحمر ضخم في قفاه كية. فسكت الرجل، فلما سرنا إلى البصرة أخبرنا ذلك الرجل قال: دخل جيراني يسلمون عليّ فإذا فيهم رجل أحمر ضخم في قفاه كية، فقلت لأهلي من هذا؟ قالت: رجل كان ألطف جيراننا بنا، فجزاه الله خيرا، فسألتها عن اسمه، فقالت حجية، فقلت: إلحقي بأهلك. وأما بكاء المقتول، فكانت النساء لا يبكين المقتول حتى يؤخذ بثأره فإذا أخذ بثأره بكينه. وأما رمي السن، فكانوا يزعمون أن الغلام إذا ثغر، فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه، وقال: أبدليني بأحسن منها، فإنه يأمن من على أسنانه العوج والفلج. وأما خضاب النحر، فكانوا إذا أرسلوا الخيل على الصيد، فسبق واحد منها خضبوا صدره بدم الصيد علامة. وأما نصب الراية: فكانت العرب تنصب الرايات على أبواب بيوتها لتعرف بها. وأما جز النواصي «٣» : فكانوا إذا أسروا رجلا ومنّوا عليه، وأطلقوه جزوا ناصيته. وأما الالتفات: فكانوا يزعمون أن من خرج في سفر والتفت وراءه لم يتم سفره، فإن التفت تطيروا له. وكانوا يقولون: من علق عليه كعب الأرنب لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أن الجن تهرب من الأرانب لأنها تحيض وليست من مطايا الجن. ويزعمون أن المرأة إذا أحبت رجلا وأحبها ثم لم يشق عليها رداءه وتشق عليه برقعها فسد حبهما. ويزعمون أن الرجل إذا قدم قرية، فخاف وباءها، فوقف على بابها قبل أن يدخلها ونهق كما تنهق الحمير لم يصبه وباؤها. ويزعمون أن الحرقوص وهو دويبة أكبر من البرغوث تدخل في فروج الأبكار فتفتضهن.

стр. 327

ويزعمون أن الرجل إذا ضل، فقلب ثيابه اهتدى. وكانوا يزعمون أن الناقة إذا نفرت وذكر اسم أمها فإنها تسكن. وكانت لهم خرزة يزعمون أن العاشق إذا حكها وشرب ما يخرج منها صبر وتسمى السلوان. ونكاح المقت من سنتهم وهو أن الرجل إذا مات قام ولده الأكبر فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له بها حاجة زوجها لبعض أخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون المال «١» . ولهم حكايات عجيبة وأحوال غريبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الستون في الكهانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والطيرة والفراسة والنوم والرؤية وما أشبه ذلك أما الكهانة: فكانت فاشية في الجاهلية حتى جاء الإسلام، فلم يسمع فيه بكاهن، وكان ذلك من معجزات النبوة وآياتها وللكهنة أخبار. فمنهم: سطيح، ورد عليه عبد المسيح وهو يعالج الموت وأخبره على ما يزعمون بما جاء لأجله، وذلك أن الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، فلما أصبح أعلم كسرى بذلك، فتصبّر كسرى تشجعا، ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ورؤساء مملكته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمع وزراءه ورؤساء مملكته فأخبرهم بالخبر، فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران وارتجاس الإيوان فازدادوا غما على غمهم، فكتب كسرى كتابا إلى النعمان بن المنذر: أما بعد: فوجه إليّ رجلا عالما بما أريد أن أسأله عنه. فوجه إليه عبد المسيح الغساني، فقال له كسرى أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرني الملك فإن كان عندي علم منه وإلا أخبرته بمن يعلمه به، فأخبره بما رآه الموبذان، فقال: علم ذلك عند كاهن يسكن مشارف الشام يقال له سطيح. قال: فأته فاسأله عما سألتك وائتني بالجواب، فركب عبد المسيح وتوجه إلى سطيح فوجده قد أشرف على الضريح، فسلم عليه وحياه ولم يخبر عبد المسيح بما جاء بسببه غير أنه أنشده شعرا يذكر فيه أنه جاء برسالة من قبل ملك العجم ولم يذكر له السبب فرفع رأسه، وقال: عبد المسيح على جمل يسيح إلى سطيح، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وفاض وادي سماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما ولا العجم لعبد المسيح مقاما، يرتفع أمر العرب وأظن أن وقت ولادة محمد قد اقترب، يملك منهم ملوكا وملكات بعدد الشرافات وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه، فثار عبد المسيح إلى راحلته وعاد فأخبر كسرى بذلك. وحكي ... أن ربيعة بن مضر اللخمي رأى مناما هاله فأراد تفسيره فقال له أهل مملكته: ما يفسره لك إلّا شق وسطيح فأحضرهما، وقال لسطيح إني رأيت مناما هالني فإن عرفته فقد أصبت تفسيره، فقال: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض نهمة فأكل منها كل ذات جمجمة، فقال له الملك: ما أخطأت شيئا، ما تفسيره، قال: ليهبطن بأرضك الحبش وتملك ما بين أبين إلى جرش، فقال الملك: إن هذا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضي من السنين ثم يقتتلون بها أجمعين ويخرجون منها هاربين، قال: ومن ذا الذي يملك بعدهم؟ قال: أراه ذا يزن يخرج عليهم من عدن فما يترك منهم أحدا باليمن. قال الملك: فيدوم ذلك أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي يأتيه الوحي من العلي، قال: وممن يكون هذا النبي؟ قال: من ولد عدنان بن فهر بن مالك بن النضر يكون في قومه الملك إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ويسعد فيه المحسنون ويشقى المسيئون. قال: أو حق ما تخبر؟ قال: والشفق والقمر إذا اتسق أن ما أنبأتك به لحق. ثم دعا بشق فقال مثل ما قال سطيح. ومن ذلك ما حكي أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن

стр. 328

عبد مناف إلى المفاخرة، فقال له هاشم: أفاخرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة، فرضي أمية بذلك وجعل بينهما الخزاعي الكاهن حكما، فخبأوا له شيئا وخرجا إليه ومعهما جماعة من قومهما فقالوا: قد خبأنا لك خبيا فإن علمته تحاكمنا إليك، وإن لم تعلمه تحاكمنا إلى غيرك. فقال لقد خبأتم لي كيت وكيت، قالوا: صدقت أحكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس أيهما أشرف بيتا ونسبا، فقال: والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو طائر وما اهتدى بعلم مسافر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر ولأمية أواخر، فأخذ هاشم الإبل ونحرها وأطعمها من حضر وخرج أمية إلى الشام وأقام بها عشر سنين، ويقال إنها أول عداوة وقعت بين بني هاشم وبني أمية. وحكي ... أن هند بنت عتبة بن ربيعة كانت تحت الفاكه بن المغيرة «١» وكان الفاكه من فتيان قريش وكان له بيت ضيافة خارجا عن البيوت تغشاه الناس من غير إذن، فخلا البيت ذات يوم واضطجع فيه هو وهند، ثم نهض لحاجة فأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه، فلما رأى هندا رجع هاربا، فلما نظره الفاكه دخل عليها فضربها برجله وقال لها: من هذا الذي خرج من عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا قط وما انتبهت حتى أنبهتني، قال: فارجعي إلى بيت أبيك وتكلم الناس فيها فقال أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك الكلام فإن يكن الرجل صادقا دسيّت عليه من يقتله لينقطع كلام الناس، وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن. فقالت له: لا والله ما هو علي بصادق. فقال له: يا فاكه إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج أبوها في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة، فلما شارفوا البلاد قالوا: غدا نرد على هذا الرجل فتغيرت حالة هند فقال لها أبوها: إني أرى حالك قد تغير وما هذا إلا لمكروه عندك، فقالت: لا والله، ولكن أعرف أنكم تأتون بشرا يخطىء ويصيب ولا آمنه أن يسمني «٢» بسيما تكون علي سبّة «٣» . فقال لها: لا تخشي فسوف أختبره، فصفر لفرسه حتى أدلى ثم أدخل في إحليله حبة حنطة وربطه فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم، ونحر لهم فلما تغدوا قال له عتبة: قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئة نختبرك بها، قال: خبأتم لي ثمرة في كمرة. قال: إني أريد أبين من هذا. قال: حبة بر في إحليل مهر، قال: فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يأتي إلى كل واحدة منهن ويضرب بيده على كتفها ويقول لها: انهضي حتى بلغ هندا فقال: انهضي غير رسحاء «٤» ولا زانية وستلدين ملكا اسمه معاوية، فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها، فجذبت يدها من يده وقالت: إليك عني فو الله إني لأحرص أن يكون ذلك من غيرك. فتزوجها أبو سفيان فولدت منه أمير المؤمنين معاوية رضي الله تعالى عنه. وأما القيافة: فهي على ضربين قيافة البشر وقيافة الأثر. فأما قيافة البشر فالاستدلال بصفات أعضاء الإنسان وتختص بقوم من العرب يقال لهم بنو مدلج، يعرض على أحدهم مولود في عشرين نفرا فيلحقه بأحدهم. وحكي عن بعض أبناء التجار أنه كان في بعض أسفاره راكبا على بعيره يقوده غلام أسود فمر بهؤلاء القبيلة فنظر إليه واحد منهم وقال: ما أشبه الراكب بالقائد، قال ولد التاجر: فوقع في نفسي من ذلك شيء فلما رجعت إلى أمي ذكرت لها القصة فقالت: يا ولدي إن أباك كان شيخا كبيرا ذا مال وليس له ولد فخشيت أن يفوتنا ما له فمكنت هذا الغلام من نفسي فحملت بك، ولولا أن هذا شيء ستعلمه غدا في الدار الآخرة لما أعلمتك به في الدنيا. وأما قيافة الأثر فالاستدلال بالأقدام والحوافر والخفاف وقد اختص به قوم من العرب أرضهم ذات رمل إذا هرب منهم هارب أو دخل عليهم سارق تتبعوا آثار قدمه حتى يظفروا به. ومن العجب أنهم يعرفون قدم الشاب من الشيخ والمرأة من الرجل والبكر من الثيب والغريب من المستوطن. ويذكر أن في قطبة وثغر البرلس أقواما بهذه الصفة وقد وقعت من قريش حين خرج النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار على صخر صلد وأحجار صم ولا طين ولا تراب تبين فيه الأقدام فحجبهم الله تعالى عن نبيه ﷺ بما كان من نسيج العنكبوت وما لحق القائف من الحيرة، وقوله: إلى ههنا انتهت الأقدام. هذا ومعهم الجماعة من قريش

стр. 329

أبصارهم سليمة ولولا أن هناك لطيفة لا يتساوى الإنسان فيها يعني في علمها لما استأثر بعلم ذلك طائفة دون أخرى. وقيل القيافة لبني مدلج في أحياء مضر. واختلف رجلان من القافة في أمر بعير وهما بين مكة ومنى فقال أحدهما: هو جمل، وقال الآخر: هي ناقة، وقصدا يتبعان الأثر حتى دخلا شعب بني عامر فإذا بعير واقف فقال أحدهما لصاحبه: أهو ذا؟ قال: نعم، فوجداه خنثى فأصابا جميعا. ومنهم من كان يخط الرمل في الأرض ويقول فيوافق قوله ما يأتي بعد. وقال رجل شردت لي إبل فجئت إلى خراش فسألته عنها، فأمر بنته أن تخط لي في الأرض فخطت ثم قامت فضحك خراش ثم قال: أتدري قيامها لأي شيء؟ قلت: لا، قال: قد علمت أنك تجد إبلك وتتزوجها، فاستحيت ثم خرجت فوجدت إبلي ثم تزوجتها. وخرج عمرو بن عبد الله بن معمر ومعه مالك بن خراش الخزاعي غازيين، فمرا بامرأة وهي تخط للناس في الأرض فضحك منها مالك هزوا وقال: ما هذا؟ فقالت: أما والله لا تخرج من سجستان حتى تموت ويتزوج عمرو هذا زوجتك فكان كما ذكرت. وأما الزجر والعرافة: فأحسنه ما روي أن كسرى أبرويز بعث إلى النبي ﷺ حين بعث زاجرا ومصورا، فقال للزاجر: أنظر ما ترى في طريقك وعنده، وقال للمصور: ائتني بصورته، فلما عاد إليه أعطاه المصور صورته ﷺ فوضعها كسرى على وسادته ثم قال للزاجر: ماذا رأيت؟ قال: ما رأيت ما أزجر به إلا أنه سيعلوا أمره عليك لأنك وضعت صورته على وسادتك. وبعث صاحب الروم إلى النبي ﷺ رسولا وقال له: أنظر إليه ومل إلى جانبه وانظر إلى ما بين كتفيه حتى ترى الخاتم والشامة، فقدم الرسول فرأى النبي ﷺ على نشز عال واضعا قدميه في الماء وعن يمينه علي ﵁ فلما رآه رسول الله ﷺ قال له: تحول فانظر ما أمرت به، فنظر الرسول فلما رجع إلى صاحبه أخبره الخبر، فقال: ليعلون أمره وليملكن ما تحت قدمي، فتفاءل بالنشز العلو وبالماء الحياة. وقال المدايني وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان، حين أتاها، فخرج هاربا ونزل بقرية من قرى الصعيد، فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان فقال للرسول: ما اسمك؟ قال: طالب بن مدرك، فقال: أواه ما أظن أني أرجع إلى الفسطاط. فمات ولم يرجع. وكانت نائلة بنت عمار الكلبي تحت معاوية فقال لفاختة بنت قرظة: اذهبي فانظري إليها، فذهبت ونظرت فقالت: ما رأيت مثلها ولكني رأيت تحت سرتها خالا ليوضعن معه رأس زوجها في حجرها فطلقها معاوية، وتزوجها بعده رجلان حبيب ابن مسلمة والنعمان بن بشير فقتل أحدهما ووضع رأسه في حجرها. وبينما مروان بن محمد جالس في إيوانه يتفقد الأمور إذ تصدعت زجاجة من الإيوان فوقعت منها الشمس على منكب مروان، وكان هناك عراف وقيل قياف، فقام فتبعه ثوبان مولى مروان فسأله فقال: صدع الزجاج صدع السلطان ستذهب الشمس بملك مروان بقوم من الترك أو خراسان ذلك عندي واضح البرهان، فما مضى غير شهرين حتى مضى ملك مروان. وروي المدايني أن عليا ﵁ بعث معقلا، في ثلاثة آلاف ليقيم بالرقة وذلك في وقعة صفين، فسار حتى نزل الحديبية فبينما هو ذات يوم جالسا إذ نظر إلى كبشين ينتطحان فجاء رجلان فأخذ كل واحد منهما كبشا فذهب به، فقال شداد بن أبي ربيعة الخثعمي الزاجر: إنكم لتصرفون من موجهكم هذا لا تغلبون ولا تغلبون أما ترى الكبشين كيف انتطحا حتى حجز بينهما فتفرقا ولا فضل لأحدهما على الآخر. وحكي: أن الاسكندر ملك بعض البلاد فدخل فيها فوجد امرأة تنسج ثوبا فلما رأته قالت له: أيها الملك قد أعطيت ملكا ذا طول وعرض ثم دخل عليها بعد ذلك فقالت: ستعزل من الملك، قال: فغضب عند ذلك فقالت له: لا تغضب فإنك في المرة الأولى دخلت علي والشقة بيدي أدير طولها وعرضها، ودخلت علي الآن والشقة في يدي أريد قطعها لأني قد فرغت من نسجها فلا تغضب فإن النفوس تعلم أشياء بعلامات. قال الراوي: فكان كذلك. وحكي: أن سيف بن ذي يزن لما استنجد كسرى على قتال الحبشة بعث إليه بجيش عظيم، فخرج إليهم ملك الحبشة وهو مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة، وكان بين عينيه ياقوتة حمراء بعلاقة من الذهب على تاجه تضيء كالنور وهو على فيل عظيم، قال: وكان في عسكر ذي يزن رجل يقال له زهير فتأمل ذلك منه ثم قال لأميره

стр. 330

اصبر لتنظر ما يكون من أمره، فقال فتحول مسروق من الفيل إلى جمل فقال: أصبر، فتحول بعد ذلك إلى فرس ثم إلى بغل ثم إلى حمار وكأنه أنف من مقاتلتهم على شيء من ذلك إلا على حمار لما أنه استصغرهم وأستحقرهم، وتفرس ذلك الرجل فيه من الانتقال من أعلى إلى أدنى وقال: إحملوا عليهم فإن ملكهم قد ذهب فإنه انتقل من كبير إلى صغير فحملوا عليهم فكسروهم وقتل الملك. وحكي: أنه كان عراف من الطرقيين ببغداد يخبر بما يسأل عنه فلم يخطىء فسأله رجل عن شخص محبوس هل ينطلق، قال: نعم ويخلع عليه. قال: فقلت له: بأي شيء عرفت ذلك؟ فقال: إنك لما سألتني التفت يمينا وشمالا فوجدت رجلا على ظهره قربة ماء ففرغها ثم حملها على كتفه فأولت الماء بالمحبوس وتفريغه بالانطلاق، ووضعها على كتفه بالخلعة، قال: وكان الأمر كذلك. وأما الفأل: فقد روي أن النبي ﷺ كان يحب الفأل الصالح والاسم الحسن. وروي أنه ﷺ لما نزل المدينة على كلثوم دعا غلامين له يا بشار ويا سالم فقال ﷺ لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: أبشر يا أبا بكر فقد سلمت لنا الدار. وقال الأصمعي: سألت ابن عون عن الفأل فقال: هو أن يكون مريض فيسمع يا سالم أو طالب حاجة فيسمع يا واجد وما أشبه ذلك. وأما الطيرة: فقد كان ﷺ يحب الفأل ويكره الطيرة. وقيل: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: من عرض له من هذه الطيرة شيء، فليقل اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعنه ﷺ أنه قال: ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له. وعن ابن عباس ﵄ (رفعه) : من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر «١» . وعن أبي هريرة ﵁: من أتى كاهنا فصدقه فيما يقول أو أتى امرأته حائضا في دبرها فقد برىء مما نزل على محمد ﷺ . وأنشد المبرد هذه الأبيات يقول: لا يعلم المرء ليلا ما يصبّحه ... إلا كواذب ما يجري به الفال والفال والزجر والكهان كلّهم ... مضللون ودون الغيب أقفال وقال لبيد: لعمري ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع وقال آخر: تعلّم أنّه لا طير إلّا ... على متطير وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير «٢» وكانت العرب تتطير بأشياء كثيرة منها العطاس. وسبب تطيرهم منه أن دابة يقال لها العاطوس كانوا يكرهونها وكانوا إذا أرادوا سفر خرجوا من الغلس والطير في أوكارها على الشجر فيطيرونها، فإن أخذت يمينا أخذوا يمينا وإن أخذت شمالا أخذوا شمالا «٣» . ومنه قول امرىء القيس: وقد اغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السيل من عل والعرب أعظم ما يتطيرون منه الغراب، فالقول فيه أكثر من أن يطلب عليه شاهد ويسمونه حاتما لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير بصرا، وفيه يقول بعضهم: إذا ما غراب البين صاح فقل له ... ترفّق رماك الله يا طير بالبعد لأنت على العشّاق أقبح منظر ... وأبشع في الأبصار من رؤية اللّحد تصيح ببين ثم تعثر ماشيا ... وتبرز في ثوب من الحزن مسودّ

стр. 331

متى صحت صحّ البين وانقطع الرجا ... كأنّك من يوم الفراق على وعد وأعرض بعضهم عن الغراب وتطير بالإبل، وسبب ذلك لكونها تحمل أثقال من ارتحل. وفي ذلك قال بعضهم مفردا أجاد: زعموا بأن مطيّهم سبب النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب وقالوا: من تطير من شيء وقع فيه. وحكي عن إبراهيم بن المهدي قال: أرسل إلى محمد بن زبيدة «١» في ليلة من ليالي الصيف مقمرة يقول: يا عم إني مشتاق إليك فاحضر الآن عندنا، فجئته وقد بسط له على سطح زبيدة وعنده سليمان بن أبي جعفر وجاريته نعيم فقال لها: غنينا شيئا فقد سررت بعمومتي فغنت وهي تقول هذه الأبيات: همو قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه «٢» بني هاشم كيف التواصل بيننا ... وجند أخيه سيفه ونجائبه قال: فغضب وتطير وقال لها ما قصتك ويحك انتبهي وغني ما يسرني. فغنت تقول: كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأكثر حزما منك ضرّج بالدم فقال لها: ويحك ما هذا الغناء في هذه الليلة غنيّ غيره فغنت تقول هذه الأبيات: ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء تبكي فراقهم عيني فأرّقها ... إنّ التفرّق للمشتاق بكّاء قال: فانتهرها وقال لها: قومي إلى لعنة الله فقالت: والله يا مولاي لم يجر على لساني غير هذا وما ظننت إلا أنك تحبه. ثم إنها قامت من بين يديه وكان بين يديه قدح بلور وكان أبوه يحبه فأصابه طرف ردائها فانكسر. قال إبراهيم بن المهدي: فالتفت إلي وقال: يا عمي أرى أن هذا آخر أمرنا، فقلت: كلا بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك فسمعت هاتفا يقول: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ «٣» . فقال لي: أسمعت ما سمعت يا عم؟ فقلت: ما سمعت شيئا وما هذا إلا توهم فإذا الصوت قد علا فقال: يا عم إذهب إلى بيتك فمحال أن يكون بعد هذا اجتماع. قال: فانصرفت من عنده وكان هذا آخر عهدي به. وخرج أبو الشمقمق مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلد الموصل، فلما أراد الدخول إليها اندق لواؤه في أول درب منها فتطير لذلك فأنشده أبو الشمقمق يقول: ما كان مندّق اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مبذّلا لكنّ هذا الرمح ضعّف متنه ... صغر الولاية فاستقلّ الموصلا فسر خالد وأمر لأبي الشمقمق بعشرة آلاف درهم. ودخل الحجاج الكوفة متوجها إلى عبد الملك فصعد المنبر فانكسر تحت قدمه فعلم أنهم قد تطيروا له بذلك، فالتفت إلى الناس قبل أن يحمد الله تعالى فقال: شاهت الوجوه وتبت الأيدي وبؤتم بغضب من الله إذا انكسر عود جذع ضعيف تحت قدم أسد شديد تفاءلتم بالشؤم، وإني على أعداء الله تعالى لأنكد من الغراب الأبقع وأشأم من يوم نحس مستمر، وإني لأعجب من لوط وقوله: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ إليك «٤» ، فأي ركن أشد من الله تعالى أو ما علمتم ما أنا عليه من التوجه إلى أمير المؤمنين وقد وليت عليكم أخي محمد بن يوسف وأمرته بخلاف ما أمر به رسول الله ﷺ معاذا في أهل اليمن فإنه أمره أن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وقد أمرته أن يسيء إلى محسنكم وأن لا يتجاوز عن مسيئكم، وأنا أعلم أنكم تقولون بعدي لا أحسن الله له الصحابة، وأنا معجل لكم الجواب لا أحسن الله عليكم الخلافة، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم. وخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد فأول من استقبله أعور فضربه وأمر بحبسه، ثم ذهب للصيد فاصطاد صيدا كثيرا فلمّا عاد استدعى بالأعور فأمر له بمال فقال: لا حاجة لي به ولكن ائذن لي في الكلام، فقال: تكلم، فقال: أيها الملك إنك تلقيتني فضربتني وحبستني وتلقيتك

стр. 332

فصدت وسلمت فأينا أشأم صباحا على صاحبه؟ فضحك منه وأمر له بصلة. وحكي أيضا أن صاحب قرطبة أصابه وجع فأمر بعض جواريه أن تغنيه ليلهو عن وجهه فقالت: هذي الليالي علمنا أن ستطوينا ... فشعشعينا بماء المزن واستقينا قال: فتطير من ذلك وأمرها بالانصراف ولم يقم بعد ذلك غير خمسة أيام ومات. وحكي: أن نور الدين محمودا وهمام الدين ركبا في يوم عيد وخرجا للتفرج، فتجاولا في الكلام ثم قال محمودا: يا من درى هل نعيش إلى مثل هذا اليوم؟ فقال له همام الدين: قل هل نعيش إلى آخر هذا الشهر، فإن العام كثير. قال: فأجرى الله على منطقهما ما كان مقدرا في الأزل فمات أحدهما قبل تمام الشهر ومات الآخر قبل تمام العام. وأما الفراسة: فقد قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ٧٥ «١» . وقال رسول الله ﷺ «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» . وقال علي رضي الله تعالى عنه: ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه. وقيل: أشار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على علي رضي الله تعالى عنه بشيء فلم يعمل به، ثم ندم فقال: يرحم الله ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق. وحكى أبو سعيد الخراز أنه كان في الحرم فقير ليس عليه إلا ما يستر عورته فأنفت نفسي منه، فتفرس ذلك مني فقرأ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ «٢» فندمت واستغفرت الله في قلبي فتفرس ذلك أيضا فقرأ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ «٣» . وحكي عن الشافعي ومحمد بن الحسن أنهما رأيا رجلا فقال أحدهما: إنه نجار وقال الآخر: إنه حداد، فسألاه عن صنعته فقال: كنت حدادا وأنا الآن نجار. وحكي أن شخصا من أهل القرآن سأل بعض العلماء مسألة فقال له: إجلس فإني أشم من كلامك رائحة الكفر، فاتفق بعد ذلك أنه سافر السائل فوصل إلى القسطنطينية فدخل في دين النصرانية قال من رآه: ولقد رأيته متكئا على دكة وبيده مروحة يروح بها عليه، فقلت: السلام عليكم يا فلان، فسلم علي وتعارفنا ثم قلت له بعد ذلك: هل القرآن باق على حاله أم لا؟ فقال: لا أذكر منه إلا آية واحدة وهي قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ٢ «٤» . قال: فبكيت عليه وتركته وانصرفت. وكان الحسن بن السقاء من موالي بني سليم ولم يكن في الأرض أحزر منه، كان ينظر إلى السفينة فيحزر ما فيها فلا يخطىء وكان حزره للمكيول والموزون والمعدود سواء. كان يقول في هذه الرمانة كذا وكذا حبة وزنتها كذا وكذا ويأخذ العود الآس فيقول فيه كذا وكذا ورقة فلا يخطىء. وقالوا: إذا رأيت الرجل يخرج بالغداة ويقول لشيء وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى «٥» فاعلم أن في جواره وليمة ولم يدع إليها، وإذا رأيت قوما يخرجون من عند قاض وهم يقولون وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا «٦» ، فاعلم أن شهادتهم لم تقبل. وإذا قيل للمتزوج صبيحة البناء على أهله: كيف ما تقدمت عليه؟ فقال: الصلاح خير من كل شيء، فاعلم أن امرأته قبيحة، وإذا رأيت إنسانا يمشي ويلتفت، فاعلم أنه يريد أن يحدث. وإذا رأيت فقيرا يعدو ويهرول فاعلم أنه في حاجة غني. وإذا رأيت رجلا خارجا من عند الوالي وهو يقول يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «٧» فاعلم أنه صفع. ويقال: عين المرء عنوان قلبه. وكانوا يقولون عظم الجبين يدل على البله، وعرضه يدل على قلة العقل وصغره يدل على لطف الحركة، وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد، والعين المتوسطة في حجمها دليل الفطنة، وحسن الخلق والمروءة، والتي يطول تحديقها يدل على السمع، والإذن الكبيرة المنتصبة تدل على حمق وهذيان، وكانت الفرس تقول إذا فشا الموت في الوحوش دل على ضيقة، وإذا فشا في الفأر دل على الخصب، وإذا نعق غراب فجاوبته دجاجة عمر الخراب، وإذا قوقت دجاجة فجاوبها غراب خرب العمار. والله أعلم بكل شيء عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا أو عنده مفاتح الغيب

стр. 333

لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. وأما النوم والسهر وما جاء فيهما: فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الرسول الله ﷺ أنه قال: «أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل» . وروي أن أم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قالت: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن صاحب النوم يجيء يوم القيامة مفلسا، وكان زمعة بن صالح ليلا طويلا فإذا أسحر نادى أهله: يا أيها الركب المعرّسونا ... أكلّ هذا الليل ترقدونا «١» فيتواثبون بين باك وداع ومتضرع فإذا أصبح نادى: عند الصباح يحمد القوم السرى. (وأنشدوا) : يا أيها الراقد كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد وخذ من الليل وساعاته ... حظّا إذا ما هجع الرقّد من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد قل لذوي الألباب أهل التقى ... قنطرة الحشر لكم موعد وقيل: أن نومة الضحى تورث الغم والخوف، ونومة العصر تورث الجنون. وأنشد بعضهم: ألا إن نومات الضحى تورث الفتى ... غموما ونومات العصير جنون وعن العباس بن عبد المطلب أنه مرّ يوما بابنه وهو نائم نومة الضحى فوكزه برجله وقال له: قم لا أنام الله عينك أتنام في ساعة يقسم الله تعالى فيها الرزق بين العباد؟ أو ما سمعت ما قالت العرب أنها مكسلة مهزلة منسية للحاجة. والنوم على ثلاثة أنواع: نومة الخرق ونومة الخلق ونومة الحمق، فنومة الخرق نومة الضحى ونومة الخلق هي التي أمر النبي ﷺ بها أمته فقال: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل «٢» ، ونومة الحمق النومة بعد العصر لا ينامها إلا سكران أو مجنون. وكان هشام بن عبد الملك يقول لولده: لا تصطبح بالنوم فإنه شؤم ونكد. وقال الثوري لطبيب: دلني على شيء إذا أردت النوم جاءني، فقال: ادهن رأسك وأكثر من ذلك واتق الله. وكان طاوس يقول: لأن تختلف السياط على ظهري أحب إليّ من أن أنام يوم الجمعة، والإمام يخطب. وكان شداد بن أوس يتلوى على فراشه كالحبة على المقلى ويقول: اللهم إن النار منعتني النوم. وأنشدوا في المعنى: غيرت موضع مرقدي ... يوما ففارقني السكون قل لي فأوّل ليلتي ... في حفرتي أنى أكون وأنشد أبو دلف: أمالكتي ردّي عليّ رقاديا ... ونومي فقد شرّدته عن وساديا أما تتقين الله في قتل عاشق ... أمتّ الكرى عنه فأحيا اللياليا وأنشد أبو غانم الثقفي: رقدت رقاد الهيم حتى لو انني ... يكون رقادي مغنما لغنيت «٣» فقيل: لمن هذا؟ فقال: لرقاد من رقاد العرب. وقيل: إن نوم عبود يضرب به المثل، وكان عبود هذا عبدا أسود قيل إنه نام اسبوعا وقيل إنه تماوت على أهله وقال اندبوني لأعلم كيف تندبوني إذا أنا مت فسجي ونام وندب فإذا هو قد مات. وأما الرؤيا: فقد قيل فيها أقاويل وهو أنهم قالوا: إن النوم هو اجتماع الدم وانحداره إلى الكبد، ومنهم من رأى أن ذلك هو سكون النفس وهدوء الروح. ومنهم من زعم أن ما يجده الإنسان في نومه من الخواطر إنما هو من الأطعمة والأغذية والطبائع. وذهب جمهور الأطباء إلى أن الأحلام

стр. 334

من الأخلاط وأن ذلك بقدر مزاج كل واحد منها وقوته، فالذي يغلب عليه الصفراء يرى بحورا وعيونا ومياها كثيرة ويرى أنه يسبح ويصيد سمكا، ومن غلبت على مزاجه السوداء رأى في منامه أجداثا وأمواتا مكفنين بسواد وبكاء وأشياء مفزغة، ومن غلب على مزاجه الدم رأى الخمر والرياحين وأنواع الملاهي والثياب المصبغة. والذي يقع عليه التحقيق أن الرؤيا الصالحة كما قد جاء جزء من ستين جزء من النبوة، وكان النبي ﷺ أول ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. والرؤيا على ضربين فمنهم من يرى رؤيا فتجيء على حالها لا تزيد ولا تنقص، ومنهم من يرى الرؤيا في صورة مثل ضرب له. فمن ذلك ما حكي: أن النبي ﷺ رأى في الجنة غرفا فقال: لمن هذه؟ فقيل لأبي جهل بن هشام فقال: ما لأبي جهل والجنة والله لا يدخلها أبدا. قال: فأتاه عكرمة ولده مسلما، فتأولها به وكذلك تأول في قتل الحسين لما رأى أن كلبا أبقع «١» يلغ في دمه، وكان ذلك بعد رؤياه ﵊ بخمسين عاما. وكذلك حين قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: «إني رأيت كأني رقيت أنا وأنت درجا في الجنة فسبقتك بدرجتين ونصف، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله أقبض بعدك بسنتين ونصف. ورأت عائشة رضي الله تعالى عنها سقوط ثلاثة أقمار في حجرتها فأولها أبوها بموته وموت النبي ﷺ وموت عمر رضي الله تعالى عنهما ودفنهم في حجرتها فكان الأمر كذلك. وحكي: أن أم الشافعي رضي الله تعالى عنه لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من فرجها وانقض بمصر ثم تفرق في كل بلد قطعة، فأول بعالم يكون بمصر وينتشر علمه بأكثر البلاد فكان كذلك. وحكي أيضا: أن عاملا أتى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: رأيت الشمس والقمر اقتتلا، فقال له عمر: مع من كنت؟ قال: مع القمر، فقال: مع الآية الممحوة والله لا وليت لي عملا فعزله. ثم اتفق أن عليا رضي الله تعالى عنه وقع بينه وبين معاوية ما وقع فكان ذلك الرجل مع معاوية. وأما من مهر في تعبير الرؤيا فهو ابن سيرين. جاءه رجل فقال له: رأيت كأني أسقي شجرة زيتون زيتا، فاستوى جالسا فقال: ما التي تحتك؟ قال: علجة اشتريتها، وفي رواية جارية، وأنا أطأها فقال: أخاف أن تكون أمك فكشف عنها فوجدها أمه. وجاءه رجل فقال: رأيت كأن في يدي خاتما أختم به فروج النساء وأفواه الرجال، فقال له: أنت مؤذن تؤذن بالليل فتمنع الرجال والنساء من الأكل والوطء. وجاءه رجل فقال: رأيت جارة لي قد ذبحت في بيت من دارها، فقال: هي امرأة نكحت في ذلك البيت، وكانت امرأة لصديق ذلك الرجل فاغتم لذلك ثم بلغه أن الرجل قدم في تلك الليلة وجامع زوجته في ذلك البيت. وجاءه رجل معه جراب فقال له: رأيت في النوم كأني أسد الزقاق سدا وثيقا شديدا، فقال له: أنت رأيت هذا؟ قال: نعم، فقال لمن حضره: ينبغي أن يكون هذا الرجل يخنق الصبيان وربما تكون في جرابه آلة الخنق، فوثبوا عليه وفتشوا الجراب فوجدوا فيه أوتارا وحلقا فسلموه إلى السلطان. وجاءته امرأة وهو يتغدى فقالت له: رأيت في النوم كأن القمر دخل في الثريا، ونادى مناد من فوق أن ائت ابن سيرين فقصي عليه، فتقلصت يده وقال: ويلك كيف رأيت هذا؟ فأعادت عليه فقال لأخته: هذه تزعم أني أموت لسبعة أيام وأمسك يده على فؤاده وقام يتوجع ومات بعد سبعة أيام. وجاءه رجل فقال: رأيت كأني آخذ البيض وأقشره فآكل بياضه وآلقي صفاره، فقال: إن صدق منامك فأنت نباش الموتى فكان ذلك. وحكي: أن ابن سيرين رأى الجوزاء قد تقدمت على الثريا فجعل يوصي، وقال: يموت الحسن وأموت بعده. وهو أشرف مني فمات الحسن ومات بعده بمائة يوم. وحكي: أن رجلا رأى عيسى ﵇ فقال له: يا نبي الله صلبك حق، قال: نعم، فعبره على بعضهم، فقال تكذب رؤياك بقوله تعالى: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ «٢» . ولكن هو عائد على الرائي فكان كذلك. وأتى ابنة مغيث آت في المنام فقال لها: لك البشيرى بولد ... أشبه شيء بالأسد إذا الرجال في كبد

стр. 335

تغالبوا على بلد ... كان له حظ الأسد فولدت المختار بن أبي عبيد وذلك في عام الهجرة. وقال رجل لسعيد بن المسيب: رأيت كأني بلت خلف المقام أربع مرات. قال: كذبت لست صاحب هذه الرؤيا، قال: هو عبد الملك، فقال: يلي أربعة من صلبه الخلافة. وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: رأيت عليا رضي الله تعالى عنه في المنام فقال لي: ناولني كتبك فناولته إياها فأخذها وبددها فأصبحت أخا كآبة، فأتيت الجعد فأخبرته فقال: سيرفع الله شأنك وينشر علمك. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: من رآني في منامه فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: رأيت كأن رأسي قد قطع وأنا أنظر إليه فضحك رسول الله ﷺ وقال: بأي عين كنت تنظر إلى رأسك فلم يلبث رسول الله ﷺ أن توفي وأولوا رأسه بنبيه ونظره إليه باتباع سنته. وقال رجل لعلي بن الحسين: رأيت كأني أبول في يدي، فقال: تحتك محرم فنظروا فإذا بينه وبين امرأته رضاع. وقال أبو حنيفة ﵁: رأيت كأني نبشت قبر رسول الله ﷺ فضممت عظامه إلى صدري فهالني ذلك فسألت ابن سيرين، فقال: ما ينبغي لأحد من أهل هذا الزمان أن يرى هذه الرؤيا، قلت: أنا رأيتها. قال: إن صدقت رؤياك لتحيين سنة نبيك ﷺ . وقال النبي ﷺ الرؤيا الصالحة بشارة للمؤمن بما له عند الله من الكرامة في الدنيا والآخرة. وعن ابن عمر ﵄ قال: تضرعت إلى ربي سنة أن يريني أبي في النوم حتى رأيته وهو يمسح العرق عن جبينه، فسألته فقال: لولا رحمة الله لهلك أبوك. إنه سألني عن عقال بعير للصدقة، فسمع بذلك عمر بن عبد العزيز فصاح وضرب بيده على رأسه وقال: فعل هذا بالتقي الطاهر فكيف بالمقترف عمر بن عبد العزيز. ﵃ أجمعين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله صحبه وسلم. الباب الحادي والستون في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى بلوغ المقاصد والتيقظ والتبصر الحيلة من فوائد الآراء المحكمة وهي حسنة ما لم يستبح بها محظور، وقد سئل بعض الفقهاء عن الحيل في الفقه فقال: علمكم الله ذلك فإنه قال: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ «١» وكان ﷺ إذا أراد غزوة، ورّى بغيرها «٢» ، وكان يقول: «الحرب خدعة» . ولما أراد عمر ﵁ قتل الهرمزان استسقى ماء فأتوه بقدح فيه ماء، فأمسكه في يده واضطرب فقال له عمر لا بأس عليك حتى تشربه، فألقى القدح من يده فأمر عمر بقتله: فقال: أو لم تؤّمني؟ قال: كيف أمنتك. قال: قلت لا بأس عليك حتى تشربه وقولك لا بأس عليك أمان ولم أشربه، فقال عمر: قاتلك الله أخذت مني أمانا ولم أشعر. وقيل: كان دهاة العرب أربعة، كلهم ولدوا بالطائف: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع. وكان يقال: الحاجة تفتح أبواب الحيل. وكان يقال: ليس العاقل الذي يحتال للأمور إذا وقع فيها، بل العاقل الذي يحتال للأمور أن لا يقع فيها. وقال الضحاك بن مزاحم لنصراني: لو أسلمت، فقال: ما زلت محبا للإسلام إلا أنه يمنعني منه حبي للخمر، فقال: أسلم واشربها، فلما أسلم قال له: قد أسلمت، فإن شربتها حديناك وإن ارتددت قتلناك، فاختر لنفسك، فاختار الإسلام وحسن إسلامه، فأخذه بالحيلة. وقيل: دليت من السماء سلسلة في أيام داود ﵊ عند الصخرة التي في وسط بيت المقدس، وكان الناس يتحاكمون عندها فمن مد يده إليها وهو صادق نالها ومن كان كاذبا لم ينلها إلى أن ظهرت فيهم الخديعة، فارتفعت، وذلك أن رجلا أودع رجلا جوهرة، فخبأها في مكانه في عكازة، ثم إن صاحبها طلبها من الذي أودعها عنده فأنكرها، فتحاكما عند السلسلة، فقال المدعي: اللهم إن كنت صادقا فلتدن مني السلسلة، فدنت منه فمسها، فدفع المدعى عليه العكازة للمدعي وقال: اللهم إن كنت تعلم أني رددت الجوهرة إليه، فلتدن مني السلسلة، فدنت منه فمسّها، فقال الناس: قد سوت السلسلة بين الظالم والمظلوم، فارتفعت بشؤم الخديعة، وأوحى الله تعالى إلى داود ﵊: «أن احكم بين الناس بالبينة واليمين» . فبقي ذلك إلى قيام الساعة.

стр. 336

وكان المختار بن أبي عبيدة الثقفي من دهاة ثقيف وثقيف دهاة العرب، قيل: أنه وجه إبراهيم بن الأشتر إلى حرب عبيد الله بن زياد، ثم دعا برجل من خواصه، فدفع إليه حمامة بيضاء وقال له: إن رأيت الأمر عليكم فأرسلها، ثم قال للناس: إني لأجد في محكم الكتاب، وفي اليقين والصواب أن الله ممدكم بملائكة غضاب صعاب، تأتي في صور الحمام تحت السحاب. فلما كادت الدائرة تكون على أصحابه عمد ذلك الرجل إلى الحمامة، فأرسلها، فتصايح الناس: الملائكة الملائكة وحملوا، فانتصروا وقتلوا ابن زياد. وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: خرجت امرأتان ومعهما صبيان فعدا الذئب على صبي إحداهما فأكله، فاختصما في الصبي الباقي إلى داود ﵊ فقال: كيف أمركما؟ فقصتا عليه القصة، فحكم به للكبرى منهما، فاختصما إلى سليمان ﵊ فقال: ائتوني بسكين أشق الغلام نصفين لكل منهما نصف، فقالت الصغرى أتشقه يا نبي الله؟ قال: نعم، قالت: لا تفعل ونصيبي فيه للكبرى، فقال: خذيه، فهو ابنك، وقضى به لها «١» . وجاء رجل إلى سليمان بن داود ﵊، وقال: يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي، فلا أعرف السارق، فنادى الصلاة جامعة، ثم خطبهم وقال في خطبته: وإن أحدكم ليسرق أوز جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح الرجل رأسه، فقال سليمان: خذوه، فهو صاحبكم. وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة، وكان شابا جميلا، فأرسلت إليهما أن يحضرا عندها، فحضرا وجلست بحيث تراهما وتسمع كلامهما، فلما رأى المغيرة ذلك الشاب، وعاين جماله علم أنها تؤثره عليه، فأقبل على الفتى وقال: لقد أوتيت جمالا، فهل عندك غير هذا؟ قال: نعم. فعدد محاسنه ثم سكت. فقال له المغيرة: كيف حسابك مع أهلك؟ قال: ما يخفى عليّ منه شيء وإني لأستدرك منه أدق من الخردل. فقال المغيرة: لكني أضع البدرة في بيتي، فينفقها أهلي على ما يريدون فلا أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها. فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إليّ من هذا الذي يحصي علي مثقال الذرة، فتزوجت المغيرة. وبلغ عضد الدولة أن قوما من الأكراد يقطعون الطريق، ويقيمون في جبال شامخة ولا يقدر عليهم، فاستدعى بعض التجار ودفع إليه بغلا عليه صندوقان فيهما حلوى مسمومة كثيرة الطيب في ظروف فاخرة، ودنانير وافرة، وأمره أن يسير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية لإحدى نساء الأمراء، ففعل التاجر ذلك، وسار أمام القافلة، فنزل القوم، فأخذوا الأمتعة والأموال، وانفرد أحدهم بالبغل، وصعد به الجبل، فوجد به الحلوى، فقبح على نفسه أن ينفرد بها دون أصحابه، فاستدعاهم، فأكلوا على مجاعة، فماتوا عن آخرهم، وأخذ أرباب الأموال أموالهم. وأتي لبعض الولاة برجلين قد اتهما بسرقة، فأقامهما بين يديه، ثم دعى بشربة ماء، فجيء له بكوز، فرماه بين يديه، فارتاع أحدهما وثبت الآخر، فقال للذي ارتاع: اذهب إلى حال سبيلك، وقال للآخر: أنت أخذت المال، وتلذذت به، وتهدده فأقر، فسئل عن ذلك، فقال: إن اللص قوي القلب، والبريء يجزع ولو تحرك عصفور لفزع منه. وقصد رجل الحج، فاستودع إنسانا مالا، فلما عاد طلبه منه، فجحده المستودع، فأخبر بذلك القاضي أياسا، فقال: أعلم بأنك جئتني؟ قال: لا، قال: فعد إليّ بعد يومين، ثم إن القاضي إياسا بعث إلى ذلك الرجل، فأحضره، ثم قال له: إعلم أنه قد تحصلت عندي أموال كثيرة لأيتام وغيرهم وودائع للناس وإني مسافر سفرا بعيدا وأريد أن أودعها عندك لما بلغني من دينك وتحصين منزلك، فقال: حبا وكرامة. قال: فاذهب وهيىء موضعا للمال وقوما يحملونه، فذهب الرجل وجاء صاحب الوديعة، فقال له القاضي إياس: امض إلى صاحبك، وقل له إدفع إليّ مالي وإلا شكوكتك للقاضي أياس، فلما جاء، وقال له ذلك دفع إليه ماله واعتذر إليه، فأخذه وأتى إلى القاضي إياس وأخبره. ثم بعد ذلك أتى الرجل ومعه الحمالون لطلب الأموال التي ذكرها له القاضي، فقال له القاضي بعد أن أخذ الرجل ماله منه: بدا لي ترك السفر امض لشأنك لا أكثر الله في الناس مثلك. ولما أراد شيرويه قتل أبيه ابرويز قال إبرويز للداخل عليه ليقتله: إني لأدلك على شيء فيه غناك لوجوب حقك عليّ. قال: وما هو؟ قال: الصندوق الفلاني فلما قتله وذهب إلى شيرويه وأخبره الخبر، فأخرج الصندوق فإذا فيه حق فيه حب، ورقعة مكتوب فيها: من تناول منه حبة

стр. 337

واحدة افتض عشرة أبكار. وكان لشيرويه غرام في الباه، فتناول منه حبة فهلك من ساعته، فكان أبرويز أول مقتول أخذ بثأره من قاتله. ولما بايع الرشيد لأولاده الثلاثة بولاية العهد تخلف رجل مذكور من الفقهاء، فقال له الرشيد: لم تخلفت؟ فقال: عاقني عائق، فقال: اقرأوا عليه كتاب البيعة، فقال يا أمير المؤمنين: هذه البيعة في عنقي إلى قيام الساعة، فلم يفهم الرشيد ما أراد، وظن أنه إلى قيام الساعة يوم الحشر، وما أراد الرجل إلا قيامه من المجلس. وقال المغيرة بن شعبة: لم يخدعني غير غلام من بني الحرث بن كعب، فإني ذكرت امرأة منهم لأتزوجها، فقال: أيها الأمير لا خير لك فيها، فقلت: ولم؟ قال: رأيت رجلا يقبلها، فاعرض عنها، فتزوجها الفتى، فلمته، وقلت ألم تخبرني أنك رأيت رجلا يقبلها؟ قال: نعم رأيت أباها يقبلها. وأتى رجل إلى الأحنف، فلطمه، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: جعل لي جعل على أن ألطم سيد بني تميم، فقال: لست بسيدهم عليك بحارثة بن قدامة، فإنه سيدهم، فمضى إليه، فلطمه، فقطعت يده. وقال الشعبي: وجهني عبد الملك إلى ملك الروم، فقال لي: من أهل بيت الخلافة أنت؟ قلت: لا، ولكني رجل من العرب، فكتب إلى عبد الملك رقعة ودفعها إليّ، فلما قرأها عبد الملك قال لي: أتدري ما فيها؟ قلت: لا، قال فيها: «العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف يولون أمرهم غيره» . قال: أتدري ما أراد بهذا؟ قلت: لا، قال: حسدني عليك، فأراد أن أقتلك، فقلت: إنما كبرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يترك شيئا إلا سألني عنه، وأنا أجيبه، فبلغ ملك الروم ما قاله عبد الملك للشعبي. فقال: لله أبوه ما عدا ما في نفسي. ولما ولّى عبد الملك بن مروان أخاه بشرا الكوفة، وكان شابا ظريفا غزلا، بعث معه روح بن زنباع وكان شيخا متورعا، فثقل على بشر مرافقته، فذكر ذلك لندمائه، فتوصل بعض ندمائه إلى أن دخل بيت روح بن زنباع ليلا في خفية، فكتب على حائط قريب في مجلسه هذه الأبيات: يا روح من لبنيّات وأرملة ... إذا نعاك لأهل المغرب الناعي إن ابن مروان قد حانت منيّته ... فاحتل بنفسك يا روح بن زنباع فتخوف من ذلك وخرج من الكوفة، فلما وصل إلى عبد الملك أخبره بذلك، فاستلقى على قفاه من شدة الضحك، قال: ثقلت على بشر وأصحابه، فاحتالوا لك. ومن الحيل الطريفة: ما حكي أن النبي ﷺ لما فتح خيبر وأعرس بصفية، وفرح المسلمون جاءه الحجاج بن علاط السلمي، وكان أول من أسلم في تلك الأيام وشهد خيبر، فقال يا رسول الله: إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة ولي مال متفرق عند تجار مكة، فأذن لي يا رسول الله في العود إلى مكة عسى أسبق خبر إسلامي إليهم، فإني أخاف إن علموا بإسلامي أن يذهب جميع مالي بمكة، فأذن لي لعلي أخلصه، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أحتاج إلى أن أقول، فقال له رسول الله ﷺ : قل، وأنت في حل، قال الحجاج: فخرجت، فلما انتهيت إلى الثنية ثنية البيضاء وجدت بها رجالا من قريش يتسمعون الأخبار، وقد بلغهم أن رسول الله ﷺ سار إلى خيبر، فلما أبصروني قالوا: هذا لعمر الله عنده الخبر، أخبرنا يا حجاج، فقد بلغنا أن القاطع يعنون محمدا ﷺ قد سار إلى خيبر، قال: قلت إنه سار إلى خيبر وعندي من الخبر ما يسركم، قال: فأحدقوا حول ناقتي يقولون إيه يا حجاج؟ قال: فقلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وأسر محمد وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقتلونه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم. قال: فصاحوا بمكة قد جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم، فيقتل بين أظهركم. قال: فقلت: أعينوني على جمع مالي من غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر، فأغنم من ثقل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك، فقاموا معي، فجمعوا لي مالي كأحسن ما أحب، فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أقبل عليّ حتى وقف إلى جانبي، وأنا في خيمة من خيام التجار، فقال: يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟ قال: فقلت وهل عندك حفظ لما أودعه عندك من السر؟ فقال: نعم والله قال: قلت: استأخر عني حتى ألقاك على خلاء، فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت على الخروج، لقيت العباس، فقلت له: احفظ عليّ حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى أن يتبعوني، فاكتم علي ثلاثة أيام، ثم قل ما شئت. قال: لك عليّ ذلك. قال: قلت والله ما تركت ابن أخيك إلا عروسا على ابنة ملكهم يعني صفية، وقد افتتح خيبر، وغنم ما فيها، وصارت له ولأصحابه. قال: أحق ما تقول يا حجاج؟ قال: قلت أي

стр. 338

والله، ولقد أسلمت، وما جئت إلا مسلما لآخذ مالي خوفا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاثة، فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: فلما كان في اليوم الرابع لبس العباس حلة له وتخلق بالطيب، وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله هو التجلد لحر المصيبة، قال: كلا والذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيهم، فأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما وأخذ ماله وانطلق ليلحق محمدا وأصحابه ليكون معهم. قالوا: تفلت عدو الله أما والله لو علمنا به لكان لنا وله شأن. قال: ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك، فتوصل الحجاج بفطنته واحتياله إلى تخليصه وتحصيل ماله. ولما اجتمعت الأحزاب على حرب رسول الله ﷺ عام الخندق، وقصدوا المدينة، وتظاهروا وهم في جمع كثير وجم غفير من قريش وغطفان، وقبائل العرب وبني النضير، وبني قريظة من اليهود، ونازلوا رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين، واشتد الأمر، واضطرب المسلمون، وعظم الخوف على ما وصفه الله تعالى في قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ١٠ هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً ١١ «١» . فجاء نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله: إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له رسول الله: خذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة: قد علمتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، فإن البلد بلدكم وبه أموالكم، وأبناؤكم، ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه وأموالهم، وأولادهم ونساؤهم بغير بلدكم، وليسوا مثلكم لأنهم إن رأوا فرصة اغتنموها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديهم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا، قالوا: أشرت بالرأي، ثم أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب: وكان إذ ذاك قائد المشركين من قريش ومن معه من كبراء قريش: قد علمتم ودي لكم، وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر وأحببت أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموه عليّ. قالوا: نعم، قال: اعلموا أن معشر يهود بني قريظة قد ندموا على ما فعلوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه يقولون: إنّا قد ندمنا على نقض العهد الذي بيننا وبينك، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، فنسلمهم إليك، فتضرب رقابهم، ثم نكون معك على من بقي منهم، فنستأصلهم، فأرسل يقول نعم. فإن بعث إليكم يهود بني قريظة يلتمسون منكم رهائن من رجالكم، فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا، ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم، فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان رءوس بني غطفان إلى بني قريظة يقولون لهم: إنّا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر، فاعتدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ فيما بيننا وبينه، فأرسلوا يقولون لهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنّا نخشى إن دهمتكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجال في بلدنا ولا طاقة لنا به، فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة يقولون: إنّا لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال، فاخرجوا وقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل: إن الكلام الذي ذكره نعيم بن مسعود لحق، وما يريد القوم إلا أن تقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك شمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان إنّا لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم، فخذل الله تعالى بينهم، وأرسل عليهم الريح، فتفرقوا وارتحلوا. وكان هذا من لطف الله تعالى أن ألهم نعيم بن مسعود هذه الفتنة وهداه إلى اليقظة التي عمّ نفعها وحسن وقعها. وأما ما جاء في التيقظ والتبصر في الأمور: فقد قالت الحكماء: من أيقظ نفسه وألبسها لباس

стр. 339

التحفظ أيس عدوه من كيده له وقطع عنه أطماع الماكرين به. وقالوا: اليقظة حارس لا ينام وحافظ لا ينسام، وحاكم لا يرتشي، فمن تدرع بها أمن من الاختلال والغدر والجور والكيد والمكر. وقيل: إن كسرى أنو شروان كان أشد الناس تطلعا في خفايا الأمور، وأعظم خلق الله تعالى في زمانه تفحصا وبحثا عن أسرار الصدور، وكان يبث العيون على الرعايا والجواسيس في البلاد ليقف على حقائق الأحوال، ويطلع على غوامض القضايا، فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب، والمصلح فيجازيه الإحسان، ويقول: متى غفل الملك عن تعرف ذلك، فليس له من الملك إلا اسمه، وسقطت من القلوب هيبته. وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في ليلة من الليالي يطوف يتفقد أحوال المسلمين، فرأى بيتا من الشعر مضروبا، لم يكن قد رآه بالأمس، فدنا منه، فسمع فيه أنين امرأة، ورأى رجلا قاعدا، فدنا منه وقال له: من الرجل؟ فقال له: رجل من البادية قدمت إلى أمير المؤمنين لأصيب من فضله، قال: فما هذا الأنين؟ قال: امرأة تتمخض قد أخذها الطلق قال: فهل عندها أحد؟ قال: لا، فانطلق عمر فجاء إلى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بنت فاطمة الزهراء ﵄: هل لك في أجر قد ساقه الله تعالى لك؟ قالت: وما هو؟ قال: امرأة تتمخض ليس عندها أحد. قالت: إن شئت، قال: فخذي معك ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن، وائتني بقدر وشحم وحبوب. فجاءت به، فحمل القدر، ومشت خلفه حتى أتى البيت، فقال: ادخلي إلى المرأة، ثم قال للرجل: أوقد لي نارا، ففعل، فجعل عمر ينفخ النار ويضرمها والدخان يخرج من خلال لحيته حتى أنضجها وولدت المرأة، فقالت أم كلثوم ﵂: بشّر صاحبك يا أمير المؤمنين بغلام، فلما سمعها الرجل تقول يا أمير المؤمنين ارتاع وخجل، وقال: واخجلتاه منك يا أمير المؤمنين أهكذا تفعل بنفسك؟ قال: يا أخا العرب: من ولي شيئا من أمور المسلمين ينبغي له أن يتطلع على صغير أمورهم وكبيره، فإنه عنها مسؤول، ومتى غفل عنها خسر الدنيا والآخرة. ثم قام عمر ﵁، وأخذ القدر من على النار وحملها إلى باب البيت، وأخذتها أم كلثوم، وأطعمت المرأة، فلما استقرت وسكنت طلعت أم كلثوم، فقال عمر ﵁ للرجل: قم إلى بيتك وكل ما في البرمة، وفي غد ائت إلينا، فلما أصبح جاءه، فجهزه بما أغناه به وانصرف. وكان ﵁ من شدة حرصه على تعرف الأحوال وإقامة قسطاس العدل وإزاحة أسباب الفساد وإصلاح الأمة يعس «١» بنفسه، ويباشر أمور الرعية سرا في كثير من الليالي، حتى أنه في ليلة مظلمة خرج بنفسه فرأى في بعض البيوت ضوء سراج، وسمع حديثا، فوقف على الباب يتجسس، فرأى عبدا أسود قدامه إناء فيه مزر وهو يشرب ومعه جماعة، فهمّ بالدخول من الباب، فلم يقدر من تحصين البيت، فتسور على السطح ونزل إليهم من الدرجة، ومعه الدرة، فلما رأوه قاموا، وفتحوا الباب وانهزموا فأمسك الأسود، فقال له يا أمير المؤمنين: قد أخطأت وإني تائب، فاقبل توبتي، فقال: أريد أن أضربك على خطيئتك. فقال يا أمير المؤمنين: إن كنت قد أخطأت في واحدة، فأنت قد أخطأت في ثلاث: فإن الله تعالى قال: وَلا تَجَسَّسُوا «٢» وأنت تجسست، وقال تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها «٣» وأنت أتيت من السطح، وقال تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها «٤» ، وأنت دخلت وما سلمت، فهب هذه لهذه، وأنا تائب إلى الله تعالى على يدك أن لا أعود، فاستتابه، فاستحسن كلامه. وله رضي الله تعالى عنه وقائع كثيرة مثل هذه. وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قد سلك طريق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ذلك، وكان زياد بن أبيه يسلك مسلك معاوية في ذلك حتى نقل عنه أن رجلا كلمه في حاجة له وجعل يتعرف إليه ويظن أن زيادا لا يعرفه، فقال: أنا فلان ابن فلان فتبسم زياد وقال له: أتتعرف إليّ، وأنا أعرف بك منك بنفسك؟. والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأعرف أمك، وأعرف جدك وجدتك، وأعرف هذه البردة التي عليك وهي لفلان، وقد أعارك إياها. فبهت الرجل وارتعد، حتى كاد يغشى عليه. ثم جاء بعدهم من اقتدى بهم وهو: عبد الملك بن مروان، والحجاج، ولم يسلك بعدهما ذلك الطريق،

стр. 340

واقتفى آثار ذلك الفريق إلا المنصور ثاني خلفاء بني العباس ولي الخلافة بعد أخيه السفاح، وهي في غاية الاضطراب فنصب العيون، وأقام المتطلعين، وبث في البلاد والنواحي من يكشف له حقائق الأمور والرعايا، فاستقامت له الأمور، ودانت له الجهات ولقد ابتلي في خلافته بأقوام نازعوه، وأرادوا خلعه، وتمردوا عليه، وتكاثروا، فلولا أن الله تعالى أعانه بتيقظه وتبصره ما ثبت له في الخلافة قدم، ولا رفع له مع قصد أولئك القاصدين علم، لكنه بث العيون فعرف من انطوى على خلافه فعالجه باتلافه، واطلع على عزائم المعاندين فقطع رؤوس عنادهم بأسيافه، وكان بكمال يقظته يتلقى المحذور بدفعه دون رفعه، ويعاجل المخوف بتفريق شمله قبل جمعه، فذلت له الرقاب ولانت لخلافته الصعاب، وقرر قواعدها وأحكمها بأوثق الأسباب. فمن آثار يقظته وفطنته ما نقله عنه عقبة الأزدي قال: دخلت مع الجند على المنصور فارتابني، فلما خرج الجند أدناني وقال لي: من أنت؟ فقلت: رجل من الأزد، وأنا من جند أمير المؤمنين قدمت الآن مع عمر بن حفص. فقال: إني لأرى لك هيبة وفيك نجابة، وإني أريدك لأمر وأنا به معنّى، فإن كفيتنيه رفعتك، فقلت: إني لأرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين. فقال: أخف نفسك واحضر في يوم كذا. قال: فغبت عنه إلى ذلك اليوم، وحضرت، فلم يترك عنده أحدا، ثم قال لي: اعلم أن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيد ملكنا واغتياله ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف بلادهم، فخذ معك عينا «١» من عندي، وألطافا «٢» ، وكتبا، واذهب حتى تأتي عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فاقدم عليه متخشعا، والكتب على ألسنة أهل تلك القرية والألطاف من عندهم إليه، فإذا رآك، فإنه سيردك ويقول لا أعرف هؤلاء القوم، فاصبر عليه وعاوده وقل له: قد سيروني سرا، وسيروا معي ألطافا وعينا، وكلما جبهك، وأنكر أصبر عليه، وعاوده، واكشف باطن أمره، قال عقبة: فأخذت كتبه والعين والألطاف، وتوجهت إلى جهة الحجاز حتى قدمت على عبد الله بن الحسن، فلقيته بالكتب، فأنكرها ونهرني وقال: ما أعرف هؤلاء القوم قال عقبة: فلم أنصرف، وعاودته القول وذكرت له اسم القرية وأسماء أولئك القوم، وأن معي ألطافا، وعينا، فأنس بي، وأخذ الكتب وما كان معي. قال عقبة: فتركته ذلك اليوم، ثم سألته الجواب، فقال: أما كتاب، فلا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فاقرئهم السلام وأخبرهم أن ابني محمدا وإبراهيم خارجان لهذا الأمر وقت كذا وكذا، قال عقبة: فخرجت من عنده، وسرت حتى قدمت على المنصور فأخبرته بذلك، فقال لي المنصور: إني أريد الحج، فإذا صرت بمكان كذا وكذا وتلقاني بنو الحسن وفيهم عبد الله، فإني أعظمه وأكرمه وأرفعه، وأحضر الطعام، فإذا فرغ من أكله، ونظرت إليه، فتمثل بين يدي، وقف قدامه، فإنه سيصرف وجهه عنك، فدر حتى تقف من ورائه واغمز ظهره بإبهام رجلك حتى يملأ عينيه منك، ثم انصرف عنه، وإياك أن يراك وهو يأكل. ثم خرج المنصور يريد الحج حتى إذا قارب البلاد تلقاه بنو الحسن، فأجلس عبد الله إلى جانبه وحادثه، فطلب الطعام للغداء فأكلوا معه، فلما فرغوا أمر برفعه، فرفع، ثم أقبل على عبد الله بن الحسن وقال: يا أبا محمد قد علمت أن مما أعطيتني من العهود والمواثيق أنك لا تريدني بسوء ولا تكيد لي سلطانا، قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين. قال عقبة: فلحظني المنصور بعينه، فقمت حتى وقفت بين يدي عبد الله بن الحسن، فأعرض عني، فدرت من خلفه وغمزت ظهره بإبهام رجلي، فرفع رأسه وملأ عينيه مني ثم وثب حتى جثى بين يدي المنصور وقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله. فقال له المنصور: لا أقالني الله إن لم أقتلك، وأمر بحبسه وجعل يتطلب ولديه محمد وإبراهيم ويستعلم أخبارهما. قال علي الهاشمي صاحب غدائه، دعاني المنصور يوما فإذا بين يديه جارية صفراء، وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها: ويلك إصدقيني، فو الله ما أريد إلا الألفة، ولئن صدقتيني لأصلن رحمه ولأتبعن البر إليه. وإذا هو يسألها عن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وهي تقول: لا أعرف له مكانا، فأمر بتعذيبها، فلما بلغ العذاب منها أغمي عليها، فقال: كفوا عنها، فلما رأى أن نفسها كادت تتلف قال: ما دواء مثلها؟ قالوا: شم الطيب وصب الماء البارد على وجهها وأن تسقى السويق، ففعلوا بها ذلك، وعالج المنصور بعضه بيده، فلما أفاقت سألها عنه، فقالت: لا أعلم، فلما رأى إصرارها على الجحود قال لها: أتعرفين فلانة الحجامة، فلما سمعت منه ذلك تغيّر وجهها وقالت: نعم يا أمير المؤمنين تلك من بني سليم قال:

стр. 341

صدقت. هي والله أمتي إبتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر، وكسوة شتائها وصيفها من عندي سيرتها، وأمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أحوالكم وأخباركم، ثم قال لها: أتعرفين فلانا البقال؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين هو في بني فلان، قال: صدقت هو والله غلامي دفعت إليه مالا، وأمرته أن يبتاع به ما يحتاج إليه من الأمتعة، وأخبرني أن أمة لكم يوم كذا وكذا جاءت إليه بعد صلاة المغرب تسأله حناء، وحوائج، فقال لها: ما تصنعين بهذا؟ قالت: كان محمد بن عبد الله بن الحسن في بعض الضياع بناحية البقيع، وهو يدخل الليلة، وأردنا هذا ليتخذ النساء ما يحتحن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب. فلما سمعت الجارية هذا الكلام من المنصور ارتعدت من شدة الخوف، وأذعنت له بالحديث وحدثته بكل ما أراد. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثاني والستون في ذكر الدواب والوحوش والطير والهوام والحشرات وما أشبه ذلك مرتبا على حروف المعجم (حرف الهمزة) : (الأسد) من السباع، والأنثى أسدة، وله أسماء كثيرة، فمن أشهرها: أسامة، والحرث، وقسورة، والغضنفر، وحيدرة، والليث، والضرغام. ومن كناه: أبو الأبطال، وأبو شبل، وأبو العباس، وهو أنواع. منها ما وجهه وجه إنسان، وشكل جسده كالبقر، وله قرون سود نحو شبر، ومنها ما هو أحمر كالعناب وغير ذلك، وتلده أمه قطعة لحم، وتستمر تحرسه ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه فينفخ فيه، فتنفرج أعضاؤه وتتشكل صورته، ثم ترضعه، وتستمر عيناه مغلوقة سبعة أيام، ثم تفتتح ويقيم على تلك الحالة بين أبيه وأمه إلى ستة أشهر، ثم يتكلف الكسب بعد ذلك وله صبر على الجوع والعطش وعنده شرف نفس يقال أنه لا يعاود فريسته، ولا يأكل من فريسة غيره، ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب وفي ذلك يقول بعضهم: سأترك حبّكم من غير بغض ... وذاك لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه وإذا أكل نهش نهشا، وريقه قليل جدا، ولذلك يوصف بالبخر «١» ، وعنده شجاعة وجبن وكرم، فمن شجاعته الإقدام على الأمور، وعدم الإكتراث بالغير، ومن جبنه: أنه يفر من صوت الديك والسنور، والطست، ويتحير عند رؤية النار. ومن كرمه: أنه لا يقرب المرأة خصوصا إذا كانت حائضا. وقيل: أربع عيون تضيء بالليل، عين الأسد، وعين النمر، وعين السنور، وعين الأفعى. وروي أنه لما تلا رسول الله ﷺ : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ١ «٢» قال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم يعني نفسه، فقال رسول الله ﷺ : اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك ينهشه، فخرج مع أصحابه في عير «٣» إلى الشام حتى إذا كانوا بمكان يقال له الزرقاء، زأر الأسد، فجعلت فرائصه ترتعد، فقالوا له: من أي شيء ترتعد فرائصك، فو الله ما نحن وأنت إلا سواء؟ فقال: إن محمدا دعا عليّ: وو الله ما أظلّت السماء من ذي لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء، فلم يدخل يده فيه، ثم جاء النوم، فحاطوا أنفسهم بمتاعهم، وجعلوه بينهم، وناموا، فجاء الأسد يتهمس وشمهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه، فضغطه ضغطة كانت إياها، فسمع وهو بآخر رمق يقول: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس. ولبعضهم في الأسد: عبوس شموس مصلخد مكابد ... جريء على الأقران للقرن قاهر «٤» براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضى في وجهه الشرّ ظاهر «٥»

стр. 342

يديل بأنياب حداد كأنّها ... إذا قلّص الأشداق عنها خناجر فائدة: إذا أقبلت على واد مسبع، فقل أعوذ بدانيال والجب من شر الأسد، وسبب ذلك على ما قيل: إن يختنصر رأى في نومه أن هلاكه يكون على يد مولود، فجعل يأمر بقتل الأطفال، فخافت أم دانيال عليه، فجاءت إلى بئر، فألقته فيه، فأرسل الله له أسدا يحرسه، وقيل: إن بختنصر توهم ذلك في دانيال، فضرى له أسدين وجعلهما في الجب وألقاه عليهما، فلم يؤذياه، وصار يبصبصان حوله، ويلحسانه، فأقام ما شاء الله تعالى أن يقيم، ثم اشتهى الطعام والشراب، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء بالشأم أن إذهب إلى أخيك دانيال بجب كذا بمكان كذا. قال أرمياء: فسرت إلى ذلك الموضع، فلما وقفت على رأس الجب ناديته، فعرفني فقال: من أرسلك إليّ؟ قلت: أرسلني الله إليك بطعام وشراب، فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من قصده، والحمد لله الذي من وثق به لا يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا وبالصبر نجاة وغفرانا، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تسوء ظنوننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا. قال: ثم صعد به أرمياء من الجب، وأقام عنده مدة، ثم فارقه ورجع. وحكي أن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام مرّ بقبر دانيال ﵊، فسمع منه صوتا يقول: سبحان من تعزز بالقدرة وقهر العباد بالموت. قال بعض الصالحين: من قال هذه الكلمات استغفر له كل شيء. وحكي أن إبراهيم بن أدهم كان في سفره ومعه رفقة، فخرج عليهم الأسد، فقال لهم: قولوا أللهم احرسنا بعينك التي لا تنام واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، فلا نهلك وأنت رجاؤنا يا ألله يا ألله يا ألله. قال: فولى الأسد هاربا. وقيل: لما حمل نوح ﵊ في سفيننه من كل زوجين اثنين قال أصحابه: كيف نطمئن ومعنا الأسد؟ فسلّط الله عليه الحمى، وهي أول حمّى نزلت في الأرض، ثم شكوا إليه العذرة، فأمر الله تعالى الخنزير، فعطس فخرج منه الفأر، فلما كثر زاد ضرره، فشكوا ذلك لنوح ﵊، فأمر الله الأسد، فعطس، فخرج منه الهر، فحجب الفأر عنهم، ويحرم أكل السبع لنهيه ﵊ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. خواصه: فمن خواصه أن صوته يقتل التماسيح، وشحمه من طلى به يده لم يقربه سبع، ومرارة الذكر منه تحل المعقود، ولحمه ينفع من الفالج، وإذا وضعت قطعة من جلده في صندوق لم يقربه سوس ولا أرضة، وإذا وضع على جلد غيره من السباع تساقط شعره، وهو من الحيوان الذي يعيش ألف سنة على ما ذكر «١» ، وعلامة ذلك كثرة سقوط أسنانه. (الإبل) قيل: ما خلق الله شيئا من الدواب خيرا من الإبل. إن حملت أثقلت، وإن سارت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت أشبعت. وفي الحديث: «الإبل عز لأهلها والغنم بركة، والخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» ، وهي من الحيوان العجيب، وإن كان عجبه قد سقط لكثرة مخالطته الناس، وقد أطاعها الله للآدمي وغيره حتى قيل: إن قطارا كان ببعض حبله دهن، فمرت فأرة، فجذبته، فسار معها القطار بواسطة جذبها له، وهي مراكب البر، ولذلك قرنها الله تعالى بالسفن فقال تعالى: وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ٢٢ «٢» . ولما كانت مراكب البر والبر فيه ما ماؤه قليل، وما ماؤه كثير جعل الله تعالى لها صبرا على العطش حتى قيل: إنه يرتع ظمؤها إلى عشر. وفي الحديث: «لا تسبوا الإبل فإنها من نفس الله تعالى أي مما يوسع به على الناس» . حكاه ابن سيده. والذي يعرف: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن. قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: ليس لشيء من الطحول مثل ما للجمل عند هيجانه، فإنه يسوء خلقه، فيظهر زبده، ويقل رغاؤه فلو حمّل عليه ثلاثة أضعاف عادته حمل، ويقل أكله، ويخرج له عند رغائه شقشقة لا تعرف من أي شيء هي من أجزائه، وهو من الأحرار حتى قيل: إنه لا ينزو لا على أمه ولا على أخته حتى قيل: إن بعض العرب ستر ناقته بثوب ثم أرسل عليها ولدها، فلما عرف ذلك عمد إلى إحليله، فأكله، ثم حقد على صاحبه حتى قتله، وليس له مرارة، ولذلك كثر صبره. وقيل: يوجد على كبده شيء رقيق يشبه المرارة ينفع الغشاوة في العين كحلا، وفي معدته قوة حتى أنها تهضم الشوك وتستطيبه، ويحل أكله بالنص والاجماع، وأما

стр. 343

تحريم يعقوب ﵊ أكلها فباجتهاد منه، وذلك أنه كان يسكن البوادي، فاشتكى عرق النسا، فلم يجد ما يلائمه إلا ترك أكل لحومها، فلذلك حرمها. وأما انتقاض الوضوء بأكل لحمها، فاختلف العلماء في ذلك، فهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض، وعليه الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي، وابن عباس، وأبو الدرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وجماهير التابعين، وبه أخذ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، وخالف في ذلك أحمد وإسحاق، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر، وابن خزيمة، واختاره البيهقي، وهو مذهب الشافعي القديم. خواصه: قال ابن زهير وغيره: أكل لحمه يزيد في الباه «١» وفي الإنعاظ بعد الجماع، وبوله يفيق السكران، ووبره إذا أحرق وذر على دم سائل قطعه، وقراده إذا ربط على كم عاشق يزول عشقه. (الأرضة) بفتح الهمزة والراء دويبة صغيرة كنصف العدسة تأكل الخشب والورق، ولما كان فعلها في الأرض أضيف اسمها إليها. قال القزويني: إذا أتى على الأرضة سنة نبت لها جناحان طويلان تطير بهما، ويقال: إنها الدابة التي دلّت الجن على موت سليمان ﵊، ومن شأنها أنها تبني لنفسها بيتا من عيدان تجمعها مثل بيت العنكبوت مخرطا من أسفله إلى أعلاه، وله في إحدى جهاته باب مربع، ومنه تعلم الأوائل وضع النواويس لموتاهم، والنمل عدوها، وهو أصغر منها، فيأتي من خلفها ويحتملها ويمشي بها إلى حجره لأنه إذا أتاها مستقبلا لا يغلبها. (الأرنب) حيوان شبه العناق قصير اليدين طويل الرجلين يطأ الأرض على مؤخر قدميه، وهو اسم يطلق على الذكر والأنثى وله شدة شبق وربما تسفد وهي حبلى، ويكون عاما ذكرا وعاما أنثى. ومن عجائبها أنها تنام وعيناها مفتوحتان، فيأتي الصياد، فيظنها مستيقظة. قيل: من رأى أرنبا عند خروجه من بيته أول ما يخرج أو رآه عند قيامه من نومه، واصطبح به لم تقض له حاجة في ذلك اليوم. ومن عجيب أمره أن تحمل الأنثى منه باثنين وثلاثة وأربعة، ولا تلد إلا تحت الأرض خوفا على أولادها من الإنسان، وتحفر تحت الأرض الحفائر القوية حتى أنها تخرب الجدران، وعند ولادتها ينتحل شعرها وهي تحضن الأولاد إلى عشرين يوما، ومن طبعه أنه أبله، وفيه قوة وشدة وفي سفاده حالة نزوة يصرخ الذكر والأنثى كالسنانير، فإذا وقع منه الإنزال وقع على الأرض قليل الحركة، وعند سفاده تدير له وجهها فإذا ملكها بعد ذلك فإنها تجري به وهو راكب عليها ويجري معها. فائدة: ذكر ابن الأثير في الكامل أن صديقا له أصطاد أرنبا وله أنثيان وذكر وفرج «٢» . وقيل: التقطت الأرنب تمرة فاختلسها الثعلب، فأكلها، فانطلقا يتخاصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا حسل، فقال: سميعا دعوت. قالت: أتيناك لنختصم قال: عادلا وحكيما. قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت: إني وجدت تمرة حلوة قال: فكليها. قالت: اختلسها الثعلب. قال: لنفسه بغى الخير. قالت: فلطمته. قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني. قال: اقتص. قالت: فاقض بيننا. قال: قد قضيت، فذهبت أقواله أمثالا. ومن ذلك ما حكي أن عدي بن أرطأة أتى شريحا القاضي في مجلس حكمه، فقال له: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: فاسمع مني. قال: للاستماع جلست. قال: إني تزوجت امرأة. قال: بالرفاه والبنين، قال: فشرط أهلها أن لا أخراجها من بينهم، قال: أوف لهم بالشرط. قال: فأنا أريد الخروج. قال: الشرط أملك. قال: أريد أن أذهب. قال: في حفظ الله. قال: فاقض بيننا. قال: قد فعلت. قال: فعلى من قضيت؟ قال: على ابن أمك. قال: بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالك. الخواص: قال الجاحظ من علق عليه كعب أرنب لم تضره عين ولا سحر، وأكل دماغه يبرىء من الارتعاش العارض من البرد، وإن شربت المرأة الحامل أنفحة الذكر، ولدت ذكرا، وإن شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى، وإن علقت عليها زبلها لم تحمل، والأرنب البحري من السموم فلا يحل أكله. (سقنقور) دابة شكلها كالوزغة إذا أخذت وسلخت وملحت وشربت منها مقدار مثقال زاد في الباه وهو من الأشياء النفيسة عند أهل الهند يقال: إنه يهدى إليهم فيذبحونه بسكين من الذهب، ويحشونه من ملح مصر، فإذا وضعوا منه مثقالا على لحم أو بيض نفع نفعا عظيما. (الأفعى) الأنثى من الحيات والذكر أفعوان، وهو يعيش

стр. 344

ألف سنة على ما يقال، ويعرف بالشجاع، والأسود، وهو أشر الحيات وأشرها حيات وأفاعي سجستان، ومن عجيب ما يحكى عنها أنها لدغت إنسانا في رجله فانصدعت جبهته. وحكي أنها نهشت ناقة وفصيلها يرضع، فمات قبل أمه، وقيل: لما دخل شبيب بن شبة على المنصور قال له: يا شبيب أدخلت سجستان؟ فقال له: نعم. قال: صف لي أفاعيها. قال: يا أمير المؤمنين، هي دقائق الأعناق، صغار الأذناب، مقلصة الرؤوس، رقش برش، كأنما كسين أعلام الحبرات، كبارهن حتوف، وصغارهن سيوف. وقيل: إنها تتدفن في التراب أربعة أشهر في البرد «١» ، ثم تخرج، وقد أظلمت عيناها فتمر بشجر الرازيانج وهو الشمر الأخضر، فتحك عينيها به، فيرجع إليها بصرها، فسبحان من ألهمها ذلك. وقال الزمخشري: إذا عميت الأفعى بعد ألف سنة ألهمها الله تعالى أن تأتي البساتين وتلقي نفسها على هذه الشجرة، وتحك عينيها بها فتبصر. وقيل: إذا قطع ذنبها عاد كما كان «٢» وإذا قلع نابها عاد بعد ثلاثة أيام، وهي أعدى عدو للإنسان، وقال بعضهم: رأيت حية قد ابتلعت كبشا عظيم القرنين، فجعلت تضرب به الحجارة يمينا ويسارا حتى كسرت القرنين، وابتلعته وقرنيه والله تعالى أعلم، وقيل: إذا قطع ذنب الحية تعيش إن سلمت من الذر، وقيل: إن بالحبشة حيات لها أجنحة تطير بها، وقيل: إن جلدها ينسلخ عنها في كل سنة مرة وقيل: إن الجلد لا ينسلخ، وإنما الذي ينسلخ قشر فوق الجلد، وغلاف يخلق لها كل عام، وهي تبيض على عدد أضلاعها. أي ثلاثين بيضة، فيجتمع عليها النمل، فيفسدها بقدرة الله تعالى إلا نادرا. ومن عجيب أمرها أنها لا ترد الماء ولا ترده ولكنها إذا شمّت رائحة الخمر، فلا تكاد تصبر عنه مع أنه سبب هلاكها لأنها إذا شربت سكرت، فتعرضت للقتل، والذكر لا يقيم في الموضع، وإنما تقيم الأنثى لأجل فراخها حتى تكتسب قوة، فإذا قويت أخذتهم وانسابت، فأي حجر وجدته دخلت فيه، وأخرجت صاحبه منه، وعينها لا تدور وإذا قلعت عادت. ومن عجيب أمرها أنها تهرب من الرجل العريان وتفرح بالنار وتقرب منها، وتحب اللبن حبا شديدا، وإذا دخلت بصدرها في حجر لا يستطيع أقوى الناس على إخراجها منه، ولو قطعت قطعا وليس لها قوائم ولا أظفار وإنما تقوى بظهرها لكثرة أضلاعها. وحكى عمر بن يحيى العلوي قال: كنا في طريق مكة، فأصاب رجلا منا استسقاء، فاتفق العرب أن سرقوا منا، فطار جمال على أحدها ذلك الرجل قال: ثم بعد أيام جمعتنا المقادير، فوجدته قد برىء، فسألناه عن حاله، فقال: إن العرب لما أخذوني جعلوني في أواخر بيوتهم، فكنت في حالة أتمنى فيها الموت، وبينما أنا كذلك إذ اتوا يوما بأفاعي اصطادوها وقطعوا رؤوسها وأذنابها وشووها بعد ذلك، فقلت: في نفسي: هؤلاء اعتادوها، فلا تضرهم، فلعلي إن أكلت منها مت، فاسترحت، فاستطعمتهم، فأطعموني واحدة، فلما استقرت في بطني أخذني النوم، فنمت نوما ثقيلا، ثم استيقظت، وقد عرقت عرقا شديدا، واندفعت طبيعتي نحو مائة مرة، فلما أصبحت وجدت بطني قد ضمر، وقد انقطع الألم، فطلبت منهم مأكولا، فأكلت، وأقمت عندهم أياما، فلما نشطت، ووثقت من نفسي بالحركة أخذت في الطريق مع بعضهم وأتيت الكوفة. فائدة: قيل إن الريحان الفارسي لم يكن قبل كسرى، وإنما وجد في زمانه، وسببه أن كسرى كان ذات يوم جالسا في بعض متفرجاته إذا جاءته حية، فانسابت بين يديه، وتمرغت وصارت تتقلّب مثل الذي يشتكي، فأراد بعض الجند قتلها، فمنعهم الملك، ثم قال لهم: انظروا أمرها، فلما سمعت ذلك انسبات بين يديه، فأمرهم أن يتبعوها إلى المكان الذي تريده، قال: فجاءت إلى بئر وصارت تنظر فيه قال: فنظروا فإذا فيه حية عظيمة وعلى ظهرها عقرب أسود فنخسها بعضهم برمح، فقتلها، وتركوها ورجعوا، فأخبروا الملك بذلك، فلما كان الغد جاءت الحية للملك وفي فمها بزر فنثرته بين يدي الملك، وذهبت، فقال الملك: إنها أرادت مكافأتنا اجعلوه في الأرض لننظر ما يكون من أمره قال: ففعلوا ذلك، فطلع منه الريحان قال فلما انتهى أمره أتوا به إلى الملك قال وكان به زكام، فشمه فبرىء. لطيفة: من غريب ما اتفق لعماد الدولة أنه لما ملك شيراز اجتمع عليه أصحابه وطلبوا منه مالا، ولم يكن

стр. 345

عندهم ما يرضيهم به، فاغتم لذلك ونام مستلقيا على قفاه مفكرا في ذلك، وإذا بحية عظيمة خرجت من سقف ذلك المجلس ودخلت في سقف آخر قال: فطلب سلما وصعد لينظر المكان الذي خرجت منه، فلما رآه وجد كوة فنظر في داخلها، فإذا هي مطمورة، فدخلها، فوجد فيها صندوقا فيه خمسمائة ألف دينار، فأمر بإخراجه وإنفاقه على عسكره. ومن ألطف ما اتفق له أيضا: أنه كان بتلك البلد خياط أطروش، وكان الملك الذي قبله قد أودع عنده وديعة مال قال، فطلبه عماد الدولة ليخيط له على عادته لأنه هو الذي يخيط للملوك قال: فتوهم الاطروش أنه غمز عليه بسبب الوديعة فلما حضر بين يدي عماد الدولة قال له: إن فلانا الملك لم يدع عندي سوى اثني عشر صندوقا، ولم أدر ما فيها، فأمر بإحضارها، فأحضرها فأخذها عماد الدولة، ووسع بها على جنده، وتعجب من هاتين القضيتين فكانت هذه الأسباب من دلائل السعادة له. وأمر النبي ﷺ بقتل الحيات بعد أن تنذر ثلاث مرات، وقيل: ثلاث أيام، وأما سكان البيوت، فالإنذار لها متعين. وفي الحديث: «من قتل حية فكأنما قتل مشركا ومن لبس خفا فلينفضه، ومن آوى إلى فراشه فلينظفه» . الخواص: يقال أن دمها يجلو البصر وقلبها إذا علق على إنسان لا يؤثر فيه السحر وضرسها إذا علق على من به وجع الضرس سكن. الأيمن للأيمن والأيسر للأيسر، ولحمها قال بقراط الحكيم: من أكله أمن من الأمراض الصعبة. (الأنيس) وتسميه الرماة الأنيسة لأنه من طيور الواجب عندهم وهو طير له لون حسن غذاؤه الفاكهة ومأواه الأنهار والبساتين والغياض وله صوت حسن كالقمري. (الأوز) طير السباحة وفراخة تخرج من البيضة تسبح. الخواص: في جوفه حصاة تنفع المبطون ودهنه ينفع من ذات الجنب وداء الثعلب إذا طلي به، ولسانه ينفع لقطار البول وغذاؤه جيد إلا أنه بطيء الهضم. (الإيل) بتشديد الياء المسكورة ذكر الوعل وله أسماء باختلاف اللغات، وهو يشبه بقر الوحش وإذا خاف من الصياد رمى بنفسه من رأس الجبل ولا يتضرر بذلك، وإذا لسعته حية ذهب إلى البحر فأكل السرطان فيشفى. خواصه: إن السمك يحب رؤيته وهو يحب ذلك، ولذلك أكثر ما يكون بقرب البحر والصيادون يعرفون ذلك، فيلبسون جلده ليراهم السمك، فيأتي لهم وهو مولع بأكل الحيات وربما لسعته، فتسيل دموعه تحت محاجر عينيه حتى تصير نفرتين من كثرة ذلك، ثم تجمد تلك الدموع فتصير كالشمع، فتؤخذ وتجعل دواء للسم، وهو الذي يسمى بالبنزهير الحيواني، وأجوده الأصفر، وأكثر ما يكون ببلاد الهند والسند وفارس وإذا وضع على لسعة الحيات أبرأها وإن وضعه الملسوع في فيه نفعه، وهذا الحيوان لا تنبت قرناه إلا بعد سنتين وينبتان في أول الأمر مستقيمين، ثم بعد ذلك يحصل فيهما التشعب ولا يزال يزيد إلى ست سنين، فحينئذ يصيران كنخلتين، ثم بعد ذلك يلقيهما في كل سنة مرة، ثم ينبتان. قال أرسطو: وهذا النوع يصاد بالصفير والأصوات المطربة، فإنه يحب الطرب والصيادون يشغلونه بذلك ويأتونه من ورائه، فإذا رأوه قد استرخت أذناه وثبوا عليه، وقرنه مصمت وإحليله من عصب لا عظم فيه ولا لحم وهو من الحيوان الذي يزيد في السمن، فإذا حصل له ذلك فر من مكانه خوفا من الصيادين وحكمه حل أكله. الخواص: إذا بخر بقرنه البيت طرد الهوام التي فيه، وإذا أحرق واستاك به الذي به صفرة الاسنان زال ذلك عنه، ومن علق عليه شيء منه ذهب نومه، ومن خواصه: أن دمه يفتت الحصاة التي بالمثانة شربا، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (حرف الباء الموحدة) : (باز) كنيته أبو الأشعث وهو من أشد الحيوان تكبرا، وأضيقها خلقا، قال القزويني: إنها لا تكون إلا أنثى وذكرها من غيرها إما من جنس الحدأة أو الشواهين، ولأجل ذلك تختلف ألوانها وهو أصناف منها البازي، والباشق، والشاهين، والبيدق، والبقر، والبازي آخرها مزاجا لأنه لا يصبر على العطش، فلذلك لا يفارق الماء والأشجار المتسعة والظل والظليل، وهو خفيف الجناح سريع الطيران تكثر أمراضه من كثرة طيرانه، لأنه كلما طار انحط لحمه وهزل، وأحسن أنواعه ما قلّ ريشه، واحمرت عيناه مع حدة فيهما قال الشاعر: لو استضاء المرء في إدلاجه ... بعينه كفته عن سراجه «١»

стр. 346

ودونه الأزرق الأحمر العينين والأصفر دونهما. ومن صفاته المحمودة: أن يكون طويل العنق، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، شديد الانحطاط من الجو، غليظ الذراعين مع قصر فيهما. لطيفة: من عجيب أمره أن الرشيد خرج ذات يوم للصيد، فأرسل بازا، فغاب قليلا ثم أتي وفي فمه سمكة، فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك، فقال مقاتل يا أمير المؤمنين: روينا عن جدك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن الجو معمور بأمم مختلفة الخلق، وفيه دواب تبيض وتفرخ على هيئة السمك لها أجنحة ليست بذوات ريش، فأجاز مقاتلا على ذلك وأكرمه. (باله) «١» سمكة عظيمة. قال القزويني: يقال إن طولها يبلغ خمسمائة ذراع، وقال غيره: خمسون، ويقال لها: العنبر وهي تظهر في بعض الأحايين لأصحاب المراكب، فإذا رأوها طبلوا بالطبول حتى أنها تنفر لأن لها جناحين كالقناطر إذا نشرتها أغرقتهم، فإذا بغت على حيوان البحر وزاد شرها أرسل الله عليها سمكة نحو الذراع تلتصق بأذنها ولا خلاص لها منها، فتنزل إلى قعر البحر وتضرب رأسها به حتى تموت ثم تطفو بعد ذلك، فيقذفها الريح إلى الساحل، فيأخذها أهله ويشقون جوفها ويستخرجون منها العنبر. (ببغاء) هي أصناف كثيرة منها الأخضر والرمادي والأصفر والأبيض يتخذها الملوك والرؤساء لحسن لونها وصوتها وفصاحتها. حكي: أنه أهدي لمعز الدولة درة بيضاء سوداء الرجلين والمنقار ويقال إن نوعا منها يقرأ القرآن. الخواص: من أكل لسانها تفصح وإذا جفف دمها وجعل بين الصديقين حصلت بينهما الخصومة وزبلها يخلط بماء الحصرم ويكتحل به ينفع من الرمد وظلمة البصر. (بج ع) : طائر أبيض اللون يميل إلى الصفرة طويل المنقار كبير البطن أكثر أكله السمك. (بج) : طائر لطيف يأوي أطراف الماء وهو خلقة شريفة لم يوجد غالبا إلا اثنين فقط. (براق) : هو الدابة التي ركبها النبي ﷺ وهو دون البغل وفوق الحمار أبيض اللون. (برذون) : نوع من الخيل دون الفرس العربي وفي الحديث أن النبي ﷺ ركبه وكذا عمر رضي الله تعالى عنه فلما ركبه عمر جعل يتخلخل به فنزل عنه وضرب وجهه وقال: لا أعلم والله علمك هذه الحيلاء ولم يركب برذونا قبله ولا بعده وكنيته أبو الأخطل لطول ذنبه وأنشد السراج الوراق في ذم البراذين «٢» يقول: لصاحب الأحباس برذونة ... بعيدة العهد عن القرط إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطي تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنّما تكتب بالقبطي الخواص: إذا شربت امرأة دمه لم تحبل أبدا وزبله يخرج المشيمة والجنين الميت وإذا جفف وذر منه على من به الرعاف انقطع رعافه وكذا الجرح. (برغوث) : تفتح منه الباء وتضم وكنيته أبو طامر وأبو عدي وأبو وثاب وهو يثب إلى ورائه. حكي: أنه يعرض له الطيران كالنمل وهو يطيل السفاد ويبيض ويفرخ وأصله أولا من التراب لا سيما في الأماكن المظلمة وسلطانه في أواخر الشتاء وأول فصل الربيع ويقال أنه على صورة الفيل وله أنياب وخرطوم، وقال بعضهم دبيبها من تحتي أشد من عضها وليس ذلك بدبيب ولكن البرغوث خبيث يستلقي على ظهره ويرفع قوائمه فيزغزغ بها فيظن من لا علم له أنه يمشي تحت جنبيه وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يفلي ثوبه فيلتقط البراغيث ويدع القمل، فقال له انس في ذلك فقال: أبدأ بالفرسان وأكر على الرجالة وأنشد أعرابي: ليل البراغيث أعياني وأنصبني ... لا بارك الله في ليل البراغيث كأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوء أغاروا في المواريث وقال أبو الرماح الازدي: تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بوادي الغضى ليلي عليّ يطول تؤرقني حدب قصار أذلة ... وإن الذي يؤذينه لذليل

стр. 347

إذا جلت بعض الليل منهنّ جولة ... تعلقن في رجليّ حيث أجول إذا ما قتلناهن أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهنّ قتيل ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلة ... وليس لبرغوث عليّ سبيل وقال ابن أيبك الصفدي: أشكو إلى الرحمن ما نالني ... من البراغيث الخفاف الثقال تعصبوا بالليل لما دروا ... أنّي تقنّعت بطيف الخيال ولا يسب البرغوث لما ورد أن النبي ﷺ سمع رجلا يسب برغوثا فقال لا تسبه فإنه أيقظ نبيا إلى الصلاة الفجر. فائدة: سئل مالك عن البرغوث من يقبض روحه فقال أله نفس، قيل: نعم. قال الله: يتوفى الانفس حين موتها. ولقد شكا عامل افريقية إلى عمر بن عبد العزيز شر الهوام فكتب إليه إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقرأ وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ «١» . الآية. وقال حنين بن إسحاق الحيلة في دفع البرغوث أن تأخذ شيئا من الكبريت فتدخن به في البيت فإنها تفر من ذلك وقيل يرش البيت بماء السذاب، وقيل: مشاق المراكب يحرق في البيت مع قشور النارنج. (بعوض) : قيل إنه أكثر أعضاء منه فإن للفيل أربعة أرجل وللبعوض ستة ويزيد عليه بأربعة أجنحة وله خرطوم مجوف نافذ فإذا طعن به جسد إنسان استقي الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم ومما ألهمه الله تعالى أنه إذا جلس على عضو انسان يتبع مسام العروق فإنها أرق وأسرع له في إخراج الدم وعنده شره في مصه حتى قيل إنه لا يمص شيئا فيتركه باختياره إلى أن ينشق أو يطار. ومن عجيب أمره أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع فيتركه طريحا. وقال الجاحظ من علم البعوض إن وراء جلد الجاموس دما وأن ذلك الدم غذاء لها وأنها إذا طعنت في ذلك الجلد الغليظ نفذ فيه خرطومها مع ضعفه ولو أنك طعنت فيه بمسلات شديدة المتن رهيفة الحد لانكسرت فسبحان من رزقها على ضعفها بقوته وقدرته. قال بعضهم: أقول لنازل البستان طوبى ... لعيشك لم تشك فيه البعوض يململه فليس له قرار ... ويثخنه فليس له نهوض حماه قرصه وطنينه أن ... يبيت وعينه فيها غموض كأنك حين تهدى بالأغاني ... تكر وفي مسامعك العروض ومن الحكم التي أودعها الله تعالى إياها أن جعل الله فيها قوة الحافظة والفكر وحاسة اللمس والبصر والشم ومنفذ الغذاء وجوفا وعروقا ومخا وعظاما فسبحان من قدر فهدى ولم يترك شيئا سدى. وقال الزمخشري في تفسير سورة البقرة في ذلك: يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ من تلك العظام النّحّل «٢» ويرى خرير الدم في أوداجها ... متنقلا من مفصل في مفصل ويرى وصول غذا الجنين ببطنها ... في ظلمة الأحشا بغير تمقّل «٣» ويرى مكان الوطء من أقدامها ... في سيرها وحثيثها المستعجل ويرى ويسمع حسّ ما هو دونها ... في قاع بحر مظلم متهوّل امنن عليّ بتوبة تمحو بها ... ما كان منّي في الزمان الأول (بغل) : معروف وكنيته أبو قموص وأبو حرون وله كنى غير ذلك كثيرة وهو مركب من الفرس والحمار ولذلك صار له صلابة الحمار وعظم الخيل وهو عقيم لا نسل له. روى ابن عساكر في تاريخ دمشق عن علي كرم الله وجهه أنها كانت تتناسل فدعا عليها إبراهيم الخليل لأنها كانت تسرع في نقل الحطب لنار المنجنيق فقطع الله نسلها وهو أشر الطباع لأنه تجاذبه الاعراق المتضادة والاخلاق المتباينة والعناصر المتباعدة، ومن العجيب أن كل عضو فرضته منه كان بين الفرس والحمار. الخواص: يقال إن حافر البغلة السوداء ينفع لطرد الفار

стр. 348

إذا بخر به البيت وإذا سحق حافره بعد حرقه وخلط بدهن الآس وجعل على رأس الاقرع نبت شعره وزبله إذا شمه المزكوم زال زكامه على ما ذكر. (بقر) : هو حيوان شديد القوة خلقه الله تعالى لمنفعة الإنسان وهو أنواع الجواميس وهي أكثر ألبانا وكل حيوان انائه أرق أصواتا من ذكوره إلا البقر وأنثاه يضربها الفحل في السنة مرة وإذا اشتد شبقها تركت المرعى وذهبت وإذا طلع عليها الفحل التوت تحته إذا أخطأ المجرى لشدة صلابة ذكره. قال المسعودي رأيت بالري البقر تحمل كالبعير فتبرك على ركبتيها ثم تثور بالحمل. (عجيبة) : حكي في الأحياء إن شخصا كان له بقرة وكان يشوب لبنها بالماء ويبيعه، فجاء السيل في بعض الأودية وهي واقفة ترعى فمر عليها فغرقها، فجلس صاحبها يندبها فقال له بعض بنيه: يا أبت لا تندبها فإن المياه التي كنا نخلطها بلبنها اجتمعت فغرقتها. فائدة: ذكر ابن الفضل في كتابه عن وهب ابن منبه أنه قال؛ لما خلق الله تعالى الأرض ماجت واضطربت كالسفينة، فخلق الله تعالى ملكا في نهاية العظم والقوة وأمره أن يدخل تحتها ويجعلها على منكبيه فدخل وأخرج يدا من المشرق ويدا من المغرب وقبض على أطراف الأرض وأمسكها ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق الله تعالى صخرة من ياقوتة حمراء في وسطها سبعة آلاف ثقب فخرج من كل ثقب بحر لا يعلم عظمه إلا الله تعالى ثم أمر الصخرة أن تدخل تحت قدمي الملك ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق الله تعالى ثورا عظيما يقال له كيوثاء له أربعة آلاف عين ومثلها أنوف وآذان وأفواه وألسنة وقوائم ما بين كل قائمتين منها مسيرة خمسمائة عام، وأمر الله تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة وحملها على ظهره وقرونه ثم لم يكن للثور قرار فخلق الله تعالى حوتا يقال له يهموت ثم أمره الله تعالى أن يدخل تحته ثم جعل الحوت على ماء ثم جعل الماء على الهواء ثم جعل الهواء على ماء أيضا ثم جعل الماء على الثرى على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق. الخواص: شحم البقر إذا خلط بزرنيخ أحمر طرد العقارب وإذا طلي به إناء اجتمعت البراغيث إليه وإذا شرب لبنها زاد في الانعاظ وقرنها إذا سحق وجعل في طعام صاحب الحمى فأكله زالت الحمى ومرارتها إذا خلطت بماء الكراث نفعت من البواسير طلاء وإذا طلي به على الأثر الأسود في البدن ازاله وخصية الفحل إذا جففت وسحقت وجعلت في عسل وأكلت فإنها تزيد في الباه وشعرها إذا أحرق واستيك به نفع من وجع الأسنان وإذا خلط مع السكنجيين وشرب نفع من الطحال على ما ذكر. (بومة) : وكنيتها أم الخراب وأم الصبيان ومن طبعها أن تدخل على كل طير في وكره وتأكل أفراخه ولمعاداة الطيور لها يجعلها الصيادون في أشراكهم حتى يقع عليها الطير ونقل المسعودي عن الجاحظ أن البومة لا تخرج بالنهار خوفا من العين لأنها تظن أنها حسناء وهي أصناف وكلها تحب الخلوة بنفسها. الخواص: من خواصها أنها تنام بإحدى عينيها والأخرى مفتوحة فإذا أخذت المفتوحة وجعلت تحت فص خاتم، فمن لبسه لم ينم ما دام في يده وعكسها المغموضة وإذا أردت معرفة ذلك فألقهما في الماء فالراسبة للنوم والطافية لليقظة وإذا أخذ قلب البومة وجعل على اليد اليسرى من المرأة وهي نائمة تحدثت بجميع ما فعلته في نومها. (بوقير) : طير أبيض يأتي منه في كل سنة طائفة إلى جبل بالصعيد يقال له جبل الطير، فيه كوة، فتدخل من تلك الكوة فيمسك منها شيء فإن أمسكت واحدة كان ذلك العام متوسط الخصب، وإن أمسكت اثنتين كان كثير الخصب، وإن لم تمسك شيئا كانت السنة مجدبة وأهل تلك الناحية تعرف ذلك وهذا الجبل بالقرب من بلدة مارية أم إبراهيم ولد النبي ﷺ . (حرف التاء) : (تمساح) : حيوان عجيب على صورة الضب له فم واسع وفيه ستون نابا، وقيل: ثمانون وبين كل نابين سن صغيرة وهي انثى في ذكر إذا أطبق فمه على شيء لا يفلته حتى يخلعه من موضعه وله لسان طويل وظهر كالسلحفاة ولا يعمل الحديد فيه وله أربعة أرجل وذنب طويل وهو لا يوجد إلا بنيل مصر. وقال المسافرون: أنه يوجد ببحر الهند وطوله في الغالب ستة أذرع إلى عشرة في عرض ذراعين أو ذراع ويقيم في البحر تحت الماء أربعة أشهر لا يظهر وذلك في زمن الشتاء ويتغوط من فيه في الغالب، ويحصل في فيه الدود فيؤذيه فيلهمه الله تعالى فيخرج إلى بعض الجزائر ويفتح فاه فيرسل الله تعالى له طيرا يقال له القطقاط فيدخل في فيه فيأكل ما فيه من الدود فيحصل له راحة فعند ذلك يطبق فمه على الطير ليأكله فيضربه بريشتين خلقهما الله تعالى في جناحيه كريشة الفصاد فيؤلمه فيفتح فاه فيخرج ولذلك يضرب به المثل فيقال جازاه مجازاة التمساح،

стр. 349

وزعم بعض الباحثين عن أحوال التمساح أن له ستين نابا وستين عرقا ويسفد ستين مرة ويبيض ستين بيضة ويحضن ذلك ستين يوما ويعيش ستين سنة فإذا أفرخ فما صعد الجبل صار ورلا وما نزل البحر صار تمساحا» وفكه الأسفل لا يستطيع تحريكه لأن فيه عظما متصلا بصدره وإذا أراد السفاد أخذ انثاه وطلع بها إلى البر وقلبها وجامعها فإذا قضى حاجته قلبها ثانيا لأنه لو تركها على تلك الحالة بقيت حتى تموت وما ذلك إلا أنها لا تستطيع الانقلاب ليبوسة ظهرها وصلابته، وقد سلط الله تعالى عليه أضعف الحيوان وهو كلب الماء يقال أنه يتبلط بالطين ويغافل التمساح ويقذف بنفسه في فيه فيبتلعه لنعومته فإذا حصل في جوفه ذاب ما عليه من سخونة بطنه فيعمد إلى أمعائه فيقطعها ويقطع مراق بطنه فيقتله. الخوص: عينه تشد على من به رمد اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى وشحمه إذا قطر في أذن من به صم نفعه. (تنين) : ضرب من الحيات وهو طويل كالنخلة السحوق وجسده كالليل أحمر العينين لهما بريق واسع الفم والجوف يبتلع الحيوان وأول أمره يكون حية متمردة ثم تطغى وتتسلط على حيوان البر فيستغيث منها فيأمر الله تعالى ملكا فيحملها ويلقيها في البحر فتقيم فيه مدة ثم تتسلط على حيوانه أيضا فيستغيث منها إلى ربه فيأمر الله تعالى بإلقائها في النار فيعذب بها الكافرين وقيل يأمر الله تعالى بإلقائها على يأجوج ومأجوج. وروى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة ولو أن تنينا نفخ على الأرض ما نبتت فيها خضراء. (حرف الثاء) : (ثعلب) : وهو معروف ذو مكر وخديعة وله حيل في طلب الرزق. فمن ذلك أنه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده وحيلته هذه لا تتم على كلب الصيد. ومن حيلته إنه إذا تعرض للقنفذ نفش القنفذ شوكه فيسلح هو عليه فيلم شوكه فيقبض على مراق بطنه ويأكله وسلحه أنتن من سلح الحبارى. ومن لطيف أمره أنه إذا تسلطت عليه البراغيث حملها وجاء إلى الماء وقطع قطعة من صوفه وجعلها في فيه ونزل في الماء والبراغيث تطير قليلا قليلا حتى تجتمع في تلك الصوفة فيلقيها في الماء ويخرج. وفروه أدفى الفراء وفيه الأبيض والرمادي وغير ذلك، وذكر في عجائب المخلوقات أنه أهدى إلى أبي منصور الساماني ثعلب له جناحان من ريش إذا قرب الإنسان منه نشرهما وإذا بعد لصقهما. لطيفة: ذكر ابن الجوزي في آخر كتاب الأذكياء والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء عن الشعبي أنه قال: مرض الأسد فعادته السباع والوحوش ما خلا الثعلب فنم عليه الذئب فقال الأسد: إذا حضر فأعلمني فلما حضر الثعلب أعلمه الذئب بذلك وكان قد أخبر بما قاله الذئب فقال الأسد: أين كنت يا أبا الفوارس؟ قال: كنت أتطلب لك الدواء. قال: وأي شيء أصبته؟ قال: قيل لي خرزة في عرقوب أبي جعد. قال: فضرب الأسد بيده في ساق الذئب فأدماه ولم يجد شيئا فخرج ودمه يسيل على رجله وانسل الثعلب فمر به الذئب فناداه: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر ما يخرج منك فإن المجالس بالإمانات. وقيل: خرج الأسد والثعلب والذئب يتصيدون فاصطادوا حمار وحش وضبا وغزالا ثم جلسوا يقتسمون فقال الأسد للذئب اقسم علينا فقال حمار الوحش لي والغزال لأبي الحرث والضب للثعلب فضربه الأسد في رأسه فرضخها فقال الثعلب: أنا أقسم حمار الوحش لأبي الحرث يتغدى به والغزال لأبي الحرث يتعشى به والضب لأبي الحرث يتنقل به فيما بين ذلك فقال له الأسد: لله درك من فرضي، ما أعلمك بالفرائض من علمك هذا. قال: علمني التاج الأحمر الذي ألبسه هذا، وأشار إلى الذئب. وحكي: أن الثعلب مر في السحر بشجرة فرأى فوقها ديكا فقال له: أما تنزل نصلي جماعة؟ فقال: إن الإمام نائم خلف الشجرة فأيقظه فنظر الثعلب فرأى الكلب فضرط وولى هاربا فناداه: أما تأتي لنصلي؟ فقال: قد انتفض وضوئي فاصبر حتى أجدد لي وضوءا وأرجع. ومن العجيب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله والثعلب يصيد القنفذ فيأكله والقنفذ يصيد الأفعى فيأكلها والأفعى تصيد العصفور والعصفور يصيد الجراد والجراد يصيد الزنابير والزنابير تصيد النحل والنحل تصيد الذباب والذباب يصيد البعوض والبعوض يصيد النمل والنمل يأكل كل ما تيسر من صغير وكبير فتبارك الله الذي أتقن ما صنع.

стр. 350

الخواص: رأسه إذا ترك في برج حمام هرب الحمام منه ونابه يشهد على الصبي بحسن خلقه ومرارته ت جعل منها في أنف المصروع يبرأ ولحمه ينفع من اللقوة والجذام وخصيته تشد على الصبي تنبت أسنانه وفروه أنفع شيء للمربوط ودمه إذا جعل على رأس أقرع نبت شعره إذا كان دون البلوغ، وطحاله يشد على من به وجع الطحال يبرأ. (ثعبان) : هو الكبير من الحيات ذكرا كان أو انثى وهو عجيب الشأن في هلاك بني آدم يلتوي على ساق الإنسان فيكسرها وليس له عدو إلا النمس ولولا النموس لأكلت الثعابين أهل مصر. لطيفة: قيل إن عبد الله بن جدعان كان في ابتداء أمره صعلوكا وكان شريرا يفتك ويقتل وكان أبوه يعقل عنه فضجر من ذلك وأراد قتله فخرج هاربا على وجهه فتوصل لجبل فوجد فيه شقا فدخل فيه فوجد في صدره شيئا كهيئة الثعبان فدنا منه وقال لعله يثب علي فيقتلني وأستريح، قال: فدنا منه فوجده مصنوعا من ذهب وعيناه ياقوتتان ثم وجد من داخله بيتا فيه جثث طوال بالية على أسرة الذهب والفضة وعند رؤسهم لوح مكتوب فيه تاريخهم وإذا بهم رجال من جرهم وفي وسط البيت كوم من الياقوت الأحمر والزمرد والذهب والفضة واللؤلؤ فأخذ منه قدر ما يحمل وعلم الشق وذهب إلى قومه فأغناهم ورجع فلم يدر مكان الشق قال رسول الله ﷺ : لقد كنت أستظل بجفنة عند عبد الله بن جدعان من الهجير، قالت عائشة: يا رسول الله.. هل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: لا، لأنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. (حرف الجيم) : (جراد) : حيوان معروف وليس له جهة مخصوصة وإنما يكون هائما هاربا وإذا أراد أن يبيض ذهب إلى بعض الصخور فضربها بذنبه فتنفرج له فيلقي بيضه فيها وله ستة أرجل وطرفا أرجله كالمنشار وهو ألوان عديدة وفيه خلقة عشرة من الجبابرة وجه فرس وعينا فيل وعنق ثور وقرنا إيّل وصدر أسد وبطن عقرب وجناحا نسر وفخذ جمل ورجلا نعامة وذنب حية وهو من الحيوان الذي ينقاد إلى رئيسه كالعسكري إذا طار أميره تتابع خلفه. وفي الحديث أن جرادة وقعت بين يدي رسول الله ﷺ فإذا مكتوب على جناحها بالعبرانية نحن جند الله الأكبر ولنا تسعة وتسعون بيضة ولو تمت لنا المائة لأكلنا الدنيا بما فيها فقال ﵊: «اللهم اقتل كبارها وأمت صغارها وأفسد بيضها وسد أفواهها عن مزارع المسلمين وعن معايشهم إنك سميع الدعاء» قال: فجاء جبريل فقال: إنه قد استجيب لك في بعضها. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر وإن أول هلاك هذه الأمة الجراد فإذا هلك الجراد تتابعت الأمم مثل الدر إذا قطع سلكه. قيل: كان طعام يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام الجراد وقلوب الشجر وكان يقول: من أنعم منك يا يحيى وقد أجمع المسلمون على أكل لحمه ومن خواصه إن الإنسان إذا تبخر به نفعه من عسر البول. (جرو) : بكسر الجيم وفتحها وضمها وهو الصغير من أولاد الكلاب والسباع، وقد كان ﷺ أمر بقتل الكلاب وسببه أن جبريل ﵇ وعده ليأتيه فتأخر، قال: فلقيه النبي ﷺ بعد ذلك فقال: ما أخرك عن وعدك فقال: ما تأخرت ولكن لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب فأمر بقتلها وروى مسلم والطبراني عن خولة بزيادة ولفظها أن جروا دخل تحت سرير في بيته ﷺ فمات فمكث النبي ﷺ أياما لا يأتيه الوحي قال: لعله حدث في البيت شيء فخرج للمسجد فنزل عليه الوحي قالت خولة فقمت للبيت فوجدت الكلب تحت السرير. عجيبة: حكي أن رجلا لم يولد له ولد فكان يأخذ أولاد الناس فيقتلهم فنهته زوجته عن ذلك وقالت: يؤاخذك الله بذلك فقال: لو آخذ لفعل في يوم كذا وصار يعدد أفعاله لها فقالت له: إن صاعك لم يمتلىء ولو امتلأ آخذك قال: فخرج ذات يوم وإذا بغلامين يلعبان ومعهما جرو فأخذهما الرجل ودخل البيت فقتلهما وطرد الجرو قال: فطلبهما أبوهما فلم يجدهما فانطلق إلى نبي لهم فأخبره بذلك فقال: ألهما لعبة كانا يلعبان بها قال: جرو كلب قال: ائتني به فأتاه به فجعل خاتمه بين عينيه ثم قال له: اذهب خلفه فأي بيت دخله ادخل معه فإن أولادك فيه قال: فجعل الجرو يجوب الدروب والحارات حتى دخل بيت القاتل فدخل الناس خلفه وإذا بالغلامين متعفران بدمهما وهو قائم يحفر لهما مكانا يدفنهما فيه فأمسكوه وأتوا به لنبيهم فأمر بصلبه فلما رأته زوجته على الخشبة قالت: ألم أحذرك من هذا اليوم فتقول ما تقول، الآن امتلأ صاعك. وسيأتي الكلام على الكلب في حرف الكاف إن شاء الله تعالى. (جعل) : دويبة معروفة تسمى أبا جعران والزعقوق يعض البهائم في وجهها فتهرب منه وهو أكبر من الخنفساء

стр. 351

شديد السواد في بطنه لون حمرة وللذكر قرنان. يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس قيل إنه يتولد من أخثائها ومن شأنه جمع الروث وادخاره ومن عجيب أمره أنه إذا شم الورد مات ويعيش بعوده للروث، وله جناحان لا يكادان يريان إلا إذا طار، وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا وهو يمشي القهقرى ومن طبعه أنه يحرس النيام فإذا قام أحدهم يتغوط تبعه ليأكل من رجيعه وذلك من شدة شهوته للغائط. (حرف الحاء) : (حجل) : طير فوق الحمامة أغبر اللون أحمر المنقار والرجلين يسمى دجاج البر وهو صنفان نجدي وتهامي، النجدي أغبر والتهامي أبيض وله شدة الطيران وإذا تقاتل ذكران تبعت الأنثى الغالب. له شدة شبق وأفراخه تخرج من البيض كاسية ويعمر في الغالب عشرين سنة وإذا قوي على غيره أخذ بيضه فحضنه ومن سر الله تعالى أنه إذا أفرخ ذلك البيض تبع الفرخ أمه التي باضته ومن طبعه أنه يخدع غيره في قرقرته ولذلك يتخذه الصيادون في أشراكهم. غريبة: قيل أن أبا نضر بن مروان أكل مع بعض مقدمي الأكراد فأتى على سماطه بحجلتين مشويتين فلما رآها ضحك فقال: مم تضحك قال: كنت أقطع الطريق في عنفوان شبابي فمر بي تاجر فأخذته فلما أردت قتله تضرع إلي فلم أقيله، فلما علم أنه لا بد لي من قتله التفت يمينا وشمالا فرأى حجلتين كانتا بقربنا فقال: اشهدا لي أنه قاتلي ظلما فقتلته، فلما رأيت هاتين الحجلتين تذكرت حمقه في استشهاده بهما فقال أبو نصر والله لقد شهدتا عليك عند من أقادك بالرجل ثم أمر به فضربت عنقه. الخواص: لحمها جيد معتدل الهضم، ومرارتها تنفع الغشاوة في العين، وإذا سعط بها إنسان في كل شهر مرة جاد ذهنه وقل نسيانه وقوي بصره. (حدأة) : بكسر الحاء وفتح الدال مع همزة. أخس الطير وتبيض بيضتين وربما باضت ثلاثا وتحضن عشرين يوما ومن ألوانها الأسود والرمادي وهي لا تصيد إلا خطفا وفي طبعها أنها تقف في الطيران وهي أحسن الطير مجاورة لأنها إذا جاعت لا تأكل أفراخ جارها ويقال إنها طرشاء وفي طبعها أنها لا تخطف من الجهة اليمنى لأنها عسراء وهي سنة ذكر وسنة أنثى كالأرنب. (عجيبة) : روى الحافظ السلفي في فضائل الأعمال أن عاصم بن أبي النجود شيخ القراء في زمانه قال: أصابتني خصاصة فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة فخرجت من منزله إلى الجبانة فصليت ما شاء الله ثم وضعت رأسي على الأرض وقلت: يا سامع الأصوات يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك، قال: فو الله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فإذا بحدأة قد طرحت كيسا أحمر فقمت فأخذته فإذا فيه ثمانون دينارا وجوهرة ملفوفة في قطن قال فاتجرت بذلك واشتريت لي عقارا وتزوجت. الخواص: مرارتها تجفف في الظل وتنقع في إناء زجاج فمن لسع قطر منها في ذلك الموضع واكتحل مخالفا لجهة اللسع ثلاثة أميال أبرأته ودسمها إذا خلط بقليل من المسك وماء الورد وشرب على الريق نفع من ضيق النفس وإذا وضع في بيت لم تدخله حية ولا عقرب. (حرباء) : دويبة صغيرة على هيئة السمك ورأسها تشبه رأس العجل إذا رأت الإنسان انتفشت وكبرت ولها أربعة أرجل وسنام كهيئة الجمل ولها كنى كثيرة منها أم قرة ويقال لها جمل اليهود وهي أبدا تطلب الشمس فمن أجل ذلك يقال أنها مجوسية وتستقبلها بوجهها وتدور معها كيفما دارت فإذا غابت الشمس أخذت في كسبها ومعاشها ويقال إن لسانها طويل نحو ذراع وهو مطوي في حلقها فذلك تخطف به ما بعد عنها من الذباب وتبتلعه والأنثى من هذا النوع تسمى أم حبين ويقال أن الصبيان ينادونها أم حبين انشري برديك إن الأمير ناظر إليك وضارب بسوطه جنبيك فإذا ازدادوا عليها نشرت جناحيها وانتصبت على رجليها فإذا ازدادوا عليها أيضا نشرت أجنحة أحسن من تلك ملونة وإذا مشت تطأطىء برأسها وتتلون ألوانا ولذا يقال يتلون كالحرباء. (حمار أهليّ) : معروف ليس في الحيوان من ينزو على غير جنسه إلا هو والفرس ونزوه بعد تمام ثلاثين شهرا وكنيته أبو محمود وأبو جحش وغير ذلك وهو أنواع فمنه ما هو لين الأعطاف سريع الحركة ومنه ما هو بضد ذلك ويوصف بالهداية إلى سلوك الطريق. لطيفة: في الحديث عن النبي ﷺ أنه لما فتح خيبر أصاب حمارا أسود فكلمه فقال: ما اسمك فقال: يزيد بن شهاب أخرج الله تعالى من نسل جدي ستين حمارا كلها لا يركبها إلا نبي ولم يبق من الأنبياء غيرك وكنت أتوقعك لتركبني وأنا عند يهودي يجيع بطني ويضرب ظهري وكنت أعثر به عمدا فسماه النبي ﷺ يعفورا وقال له: أتشتهي

стр. 352

الإناث؟ قال: لا. وكان ﷺ يركبه في حوايجه وإذا أراد حاجة عند إنسان أرسله إليه فيدفع الباب برأسه فيخرج صاحب البيت فيعرفه ويقضي حاجته. فلما مات النبي ﷺ ذهب إلى بئر كانت لأبي الهيثم فتردى فيها جزعا على النبي ﷺ فكانت قبره وقيل هذا الحديث منكر وقد ذكره السهيلي في التعريف والإعلام وللناس في ذمه ومدحه أقوال متباينة بحسب الأغراض. فمن مدحه أن أبا صفوان وجد راكبا على حمار فقيل له في ذلك فقال: عير هي من نسل الأكراد يحمل الرحل ويبلغ العقبة ويمنعني أن أكون جبارا في الأرض وقال آخر: وأقل الدواب مؤنة وأكثرها معونة وأخفضها مهوى وأقربها مرتعا وكان حمار أبي يسارة مثلا في الصحة والقوة وهو حمار أسود حمل الناس عليه من منى إلى المزدلفة أربعين سنة وكان خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي يختاران ركوب الحمار ويجعلان أبا يسارة قدوة لهما وحجة. ومن ذمه ما نقل عن عبد الحميد الكاتب أنه قال: لا تركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يدك وإن كان بليدا أتعب رجلك وقيل: ما ينبغي لمركب الدجال أن يكون مركبا للرجال. وقال أعرابي: الحمار بئس المطية إن أوقفته أدلى وإن تركته ولى كثير الروث قليل الغوث سريع إلى الفرارة بطيء في الغارة لا توقى به الدماء ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء، قال الزمخشري: إنّ الحمار ومن فوقه ... حماران شرّهما الرّاكب ومن العرب من لا يركبه أبدا ولو بلغت به الحاجة والجهد. قيل: كان لرجل بالبادية حمار وكلب وديك فالديك يوقظه للصلاة والكلب يحرسه إذا نام والحمار يحمل أثاثه إذا رحل قال: فجاء الثعلب فأكل الديك فقال: عسى أن يكون خيرا ثم أصيب الكلب بعد ذلك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عسى أن يكون خيرا ثم جاء الذئب فبقر بطن الحمار فقال: عسى أن يكون خيرا، قال: ثم إن جيرانه من الحي أغير عليهم فأخذوا فأصبح ينظر إلى منازلهم وقد خلت، فقيل له: إنما أخذوا بأصوات دوابهم فقال: إنما كانت الخيرة في هلاك ما عندي فمن عرف لطف الله رضي بفعله. (حمام) : هو أنواع كثيرة والكلام في الذي ألف البيوت وهو قسمان أحدهما بري وهو الذي يوجد في القرى والآخر أهلي وهو أنواع وأشكال فمنه الرواعب والمراعيش والشداد والغلاب والمنسوب ومن طبعه أنه يطلب وكره ولو كان في مسافة بعيدة ولأجل ذلك يحمل الأخبار ومنه من يقطع عشرة فراسخ في يوم واحد وربما صيد وغاب عن وطنه عشر سنين وهو على ثبات عقله وقوة حفظه حتى يجد فرصة فيطير ويعود إلى وطنه وسباع الطير تطلبه أشد الطلب وخوفه من الشاهين أشد من غيره وهو أطير منه لكن إذا أبصره يعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد والشاة إذا رأت الذئب والفأر إذا رأى الهر ومن طبعه أنه لا يريد إلا ذكره إلى أن يهلك أو يفقد أحدهما ويحب الملاعبة والتقبيل ويسفد لتمام أربعة أشهر ويحمل أربعة عشر يوما ويبيض بيضتين ويحضن عشرين يوما ويخرج من إحدى البيضتين ذكر والأخرى أنثى واتخاذها في البيوت لا بأس به غير أنه لا يجوز تطييرها والاشتغال بها والارتقاء بها على الأسطحة وعليه حمل أهل العلم قوله ﵊: «شيطان يتبع شيطانة حين رأى شخصا يتبع حمامة» ، فإن لم يحصل شيء مما ذكر جاز اتخاذها، قال رسول الله ﷺ : «اتخذوا الحمام في بيوتكم فإنها تلهي الجن عن صبيانكم واللعب بها من عمل قوم لوط» . وقال النخعي: من لعب بالحمام لم يمت حتى يذوق ألم الفقر ولم يوجد شيء أبله من الحمام، فإنه تؤخذ أفراخه، فتذبح في مكان ثم يعود في ذلك المكان ويبيض فيه ويفرخ. وقال الجاحظ: وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمامة قد تبتاع بخمسمائة دينار، ولم يبلغ ذلك القدر شيء من الطير وغيره، وهو الهادر الذي جاوز الغاية قالوا: ولو دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة ولو حدثت أن برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار لكان ذلك سمرا، وقد تباع البيضة الواحدة من بيض ذلك الحمام بخمسة دنانير، والفرخ بعشرين، فمن كان له زوج منه قام في الغلة مقام ضيعة وأصحابه يبنون من أثمانه الدور والحوانيت وهو مع ذلك ملهى عجيب ومنظر أنيق. الخواص: دمه ينفع الجراحات العارضة للعين والغشاوة، ويقطع الرعاف ويبرىء حرق النار إذا خلط بالزيت منه، وزبل الأحمر ينفع للسع العقرب إذا وضع عليه وإذا شرب منه مقدار درهمين مع ثلاثة دراهم دار صيني نفع من الحصاة. (حرف الخاء) : (الخطاف) : أنواع كثيرة، فمنه نوع دون العصفور رمادي اللون يسكن ساحل البحر ومنه ما لونه أخضر

стр. 353

وتسميه أهل مصر الخطار، ونوع طويل الأجنحة رقيق يألف الجبال ونوع أصفر يألف المساجد يسميه الناس السنونو، وزعم بعضهم أنه الطير الأبابيل، ويقال: أن آدم ﵊ لما أهبط إلى الأرض حصل له وحشة، فخلق الله له هذا الطير يؤنسه، فلأجل ذلك لا تجدها تفارق البيوت وهي تبني بيتها في أعلى مكان بالبيت وتحكم بنيانه وتطينه، فإن لم تجد الطين ذهبت إلى البحر فتمرغت في التراب والماء وأتت فطينته وهي لا تزبل داخله بل على حافته أو خارجا عنه وعنده ورع كثير لأنه وإن ألف البيوت لا يشارك أهلها في أقواتهم ولا يلتمس منهم شيئا، ولقد أحسن واصفه حيث يقول: كن زاهدا فيما حوته يد الورى ... تبقى إلى كلّ الانام حبيبا وانظر إلى الخطاف حرّم زادهم ... أضحى مقيما في البيوت ربيبا ومن شأنه أنه لا يفرخ في عش عتيق بل يجدد له عشا وأصحاب اليرقان يلطخون أفراخه بالزعفران، فيذهب، فيأتي بحجر اليرقان، ويلقيه في عشه لتوهمه أن اليرقان حصل لأولاده وهو حجر صغير فيه خطوط يعرفه غالب الناس فعند ذلك يأخذه من به اليرقان ويحكه ويستعمله ومن عجيب أمره أنه يكاد يموت من صوت الرعد وإذا عمي ذهب إلى شجرة يقال لها عين شمس فيتمرغ فيها، فيفيق من غشوته ويفتح عينيه. لطيفة: قيل: إن خطافا وقف على قبة سليمان وتكلم مع خطافة، وراودها عن نفسها، فامتنعت، فقال لها: تتمنعين مني ولو شئت قلبت هذه القبة. قال: فسمع سليمان، فدعاه وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا نبي الله إن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم. الخواص: مرارته تسود الشعر ولحمه يورث السهر وقلبه يهيج الباه إذا أكل جافا ودمه يسكن الصداع. (خفاش) : طير يوجد في الأماكن المظلمة وذلك بعد الغروب وقبل العشاء لأنه لا يبصر نهارا ولا في ضوء القمر وقوته البعوض، وهذا الوقت هو الذي يخرج فيه البعوض أيضا لطلب رزقه، فيأكله الخفاش، فيتسلط طالب رزق على طالب رزق وهو من الحيوان الشديد الطيران. قيل إنه يطير الفرسخين في ساعة وهو يعمر مثل النسر وتعاديه الطيور فتقتله، لأنه قيل إن عيسى ﵊ لما سأله النصارى في طير لا عظم فيه صنع لهم ذلك بإذن الله تعالى فهي تكرهه لأنه مباين لخلقتها ومن طبعه الحنو على ولده حتى قيل إنه يرضعه وهو طائر. (خنزير) : حيوان معروف وله كنى كثيرة منها أبو جهم وأبو زرعة وأبو دلف وهو مشترك بين البهيمة والسبع لأنه ذو ناب ويأكل العشب والعلف وهو كثير الشبق حتى قيل أنه يجامع الأنثى وهي سائرة فيرى في مشيها ستة أرجل، فيتوهم الرائي أنه حيوان بستة أرجل وليس كذلك والذكر مثله، فمن غلب استقل بالنزو على الأنثى وتحرك أذنابها في زمن هيجانها وتطأطىء رأسها وتغير أصواتها وتحمل من نزوة واحدة، وتحمل ستة أشهر وتضع عشرين ولدا وينزو الذكر إذا بلغ ستة أشهر، وقيل: أربعة باختلاف البلاد وقيل: ثمانية، وإذا بلغت الأنثى خمس عشرة سنة لا تحمل، وهذا الجنس أفسد الحيوان والذكر أقوى الفحول وليس لذوات الأربع ما للخنزير في نابه من القوة حتى قيل إنه يضرب به السيف والرمح فينقطع ما لاقاه وإذا التقى ناباه من الطول مات لأنهما حينئذ يمنعانه من الأكل. ومن عجيب أمره أنه يأكل الحيات ولا يؤثر فيه سمها وإذا عض كلبا سقط شعره، وإذا مرض وأطعم السرطان يفيق، ومن عجيب أمره أنه إذا ربط على ظهره حمار وبال الحمار وهو على ظهره مات ولا يسلخ جلده إلا بالقلع مع شيء من لحمه على ما ذكروا. (خنفساء) : دويبة تتولد من عفونات الأرض وبينها وبين العقرب مودة، وكنيتها أم فسو، لأن كل من وضع يده عليها يشم رائحة كريهة. فائدة: قيل إن رجلا رأى خنفساء، فقال: ما يصنع الله بهذه، فابتلاه الله تعالى بقرحة عجز الأطباء فيها، فبينما هو ذات يوم إذا بطرقي يقول من به وجع كذا إلى أن قال: من به قرحة، فخرج إليه ذلك الرجل فلما رأى ما به. قال: ائتوني بخنفساء، فضحك منه الحاضرون، فقال: ائتوه بالذي يطلب، فأتوه بها، فأخذها، فأحرقها، وأخذ رمادها، وجعل منه على تلك القرحة فبرئت، فعلم ذلك المقروح أن الله تعالى ما خلق شيئا سدى وأن في أخس المخلوقات أهم الأدوية، فسبحان القادر على كل شيء. الخواص: إذا قطعت رؤوس الخنافس وجعلت في برج الحمام كثر الحمام في ذلك البرج والاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر ويجلو الغشاوة والبياض، وإذا بخر المكان بورق الدلب هربت منه الخنافس على ما ذكر. (خيل) : جماعة الأفراس وسميت بذلك لأنها تختال في مشيتها، وهي من الحيوان المشرف، ولقد مدحها الله تعالى

стр. 354

ووصى بها النبي ﵊، فقال: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» . وقال: «عليكم بإناث الخيل، فإن ظهورها عز وبطونها كنز» ، وروي عن ابن عباس أو علي ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لما أراد الله تعالى خلق الخيل أوحى إلى الريح الجنوب، وقال: إني خالق منك خلقا، فاجتمعي، فاجتمعت، فأتى جبريل، فأخذ منها قبضة، فخلق الله منها فرسا كميتا، وقال: خلقتك عربيا وفضلتك على سائر البهائم، فالرزق بناصيتك، والغنائم تقاد على ظهرك، وبصهيلك أرهب المشركين وأعز المؤمنين، ثم وسمه بغرة وتحجيل، فلما خلق الله تعالى آدم قال: يا آدم اختر أي الدابتين: الفرس أو البراق، فقال: الفرس يا رب، فقال الله تعالى: اخترت عزك وعز أولادك، وفي الحديث: «ما من فرس إلا ويقول في كل يوم: اللهم من جعلتني له فاجعلني أحب أهله إليه» . وقيل: الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وهي المغزو عليها، وفرس لك وهي التي تسابق عليها، وفرس للشيطان وهي التي جعلت للخيلاء. وفي الحديث: «إن الملائكة لا تحضر شيئا من اللهو إلا في مسابقة الخيل وملاعبة الرجل أهله» . ولقد سابق النبي ﷺ على الخيل، وقيل: إن الذكر من الخيل أقوى من الأنثى، ولا يرد علينا ركوب جبريل في قصة موسى وفرعون الأنثى لأن ذلك من حكمة الله تعالى حتى تبعتها أحصنهم، فأغرقوا لأن الحصان إذا رأى الحجرة تبعها، وقيل: إن الله تعالى أمر نبيه موسى ﵊ أن يعبر البحر فعبره، وهم خلفه، فأعمى أعينهم عن الماء، فكانوا يرون بلقعا، والخيل تراه ماء، فلولا دخول جبريل البحر بفرسه لما دخلت خيلهم، وهي أصناف منها: الصافنات، وهي التي إذا ربطت في مكان وقفت على إحدى رجليها وقلبت بعض الأخرى في الوقوف، وقيل غير ذلك وكانت الصافنات ألف فرس لسليمان ﵊، فعرضها يوما ففاتته الصلاة، قيل صلاة العصر، فأمر بعقرها فعوضه الله عنها الريح، فكانت فرسه وقيل: إنما عقرها على وجه القربى كالهدي وقيل: إن الفرس لا يحب الماء الصافي ولا يضرب فيه بيده كما يضرب بها في الماء الكدر، فرحا به، فإنه يرى شخصه في الماء الصافي فيفزعه، ولا يراه في الماء الكدر، وقد قيل في الحث على حب الخيل: أحبّوا الخيل واصطبروا عليها ... فإنّ العزّ فيها والجمالا إذا ما الخيل ضيّعها أناس ... ربطناها فأشركت العيالا نقاسمها المعيشة كل يوم ... وتكسبنا الأباعر والجمالا «١» (حرف الدال) : (دابة) : اسم لكل ما دب على الأرض وأما التي ذكرها الله تعالى في سورة سبأ، فقيل: الأرضة، وقيل السوسة، وسبب ذلك أن سليمان ﵊ كان قد أمر الجن ببناء صرح فبنوه، ودخل فيه وأراد أن يصفو له يوم واحد من دهره، فدخل عليه شاب، فقال له: كيف دخلت من غير استئذان؟ فقال: أذن لي رب البيت، فعلم سليمان أن رب البيت هو الله تعالى، وإن الشاب ملك الموت أرسل ليقبض روحه فقال: سبحان الله هذا اليوم طلبت فيه الصفاء فقال: طلبت ما لم يخلق قال: وكان قد بقي من بناء المسجد الأقصى بقية، فقال له: يا أخي يا عزرائيل أمهلني حتى يفرغ قال ليس في أمر ربي مهلة قال: فقبض روحه، وكان من عادته الانقطاع في التعبد شهرين وثلاثة، ثم يأتي، فينظر ما صنعت الجن، فلما قبض كان متوكئا على عصاه، واستمر ذلك مدة، والجن تتوهم أنه مشرف عليها، فتعمل كل يوم بقدر عشرة أيام حتى أراد الله ما أراد، فسلط على العصا الأرضة فأكلتها، فخرّ ميتا، فتفرقت الجن عنه، وقيل إن واحدا منهم مر عليه، فسلم، فلم يجبه فدنا منه، فلم يجد له نفسا، فحركه، فسقطت العصا، فإذا هو ميت. قال: وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة، والعصا التي اتكأ عليها من خرنوب قال الله تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ «٢» . قال: فشكرت الجن الأرضة حتى قيل أنهم كانوا يأتونها بالماء حيث كانت. وأما الدابة التي من أشراط الساعة، فاختلف في أمرها، فقيل: تخرج من الصفا، وهو الصحيح، وقيل: من الطائف، وقيل من الحجر وطولها ستون ذراعا ذات قوائم، وهي مختلفة الألوان وذلك في ليلة يكون الناس مجتمعين بمنى أو سائرين إلى منى ومعها عصا موسى وخاتم سليمان لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تلحق المؤمن، فتضربه بالعصا فتكتب في وجهه مؤمن وتدرك الكافر، فتسمه بالخاتم وتكتب في وجهه كافر. وروي أنها

стр. 355

تخرج إذا انقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقل الخير. (داجن) : وهو ما يربيه الناس في البيوت من صغار الغنم والحمام وال دج اج وغير ذلك، وفي حديث الأفك: ما نعلم لها قضية غير أنها جارية حديثة السن تعجن وتنام فتأتي الداجن، فتأكل العجين. (دب) : من السباع وكنيته أبو جهل وأبو جهينة وغير ذلك، ولا يخرج زمن الشتاء حتى يطيب الهواء وإذا جاع يمص يديه ورجليه، فيندفع جوعه، وهو كثير الشبق وينعزل بأنثاه، وتضع جروا واحدا، وتصعد به إلى أعلى شجرة خوفا عليه من النمل لأنها تضعه قطعة لحم، ثم لا تزال تلحسه وترفعه في الهواء حتى تنفرج أعضاؤه وتخشن ويصير له جلد، وفي ولادتها صعوبة وربما ماتت منها وقد تلده ناقص الخلق شوقا منها للسفاد وهي من الحيوان الذي يدعو الإنسان للفعل به، وقيل: إن الدب يقيم أولاده تحت شجرة الجوز، ثم يصعد فيرمي بالجوز إليها إلى أن تشبع، وربما قطع من الشجر الغصن العتل الضخم الذي لا يقطع إلا بالفأس، والجهد، ثم يشد به على الفارس فلا يضرب أحدا إلا قتله. (دجاجة) : وكنيتها أم ناصر الدين وأم الوليد وغير ذلك، وإذا هرمت لم يبق لبيضها مح، وتوصف بقلة النوم. قيل أن نومها بقدر ما تتنفس وعندها خوف في الليل، ولأجل ذلك تطلب وقت الغروب مكانا عاليا وتخشى الثعلب. قيل إنها إذا رأته ألقت نفسها إليه من شدة الخوف ولا تخشى من بقية السباع، وقيل: يعرف الذكر من الأنثى بإمساك منقاره، فإن تحرك فذكر وإلا فأنثى، ومن الدجاج ما يبيض في اليوم مرتين وهو من أسباب موتها ويستكمل خلق البيضة في بطن الدجاجة في عشرة أيام، وفي الحديث أن النبي ﷺ أمر باتخاذ الغنم للأغنياء وباتخاذ الدجاج للفقراء، ومن العجيب في صنعة الله تعالى أن خلق الفروج من البياض، وجعل الصفار غذاء له كما خلق الطفل من المني وجعل دم الحيض غذاء له، فتبارك الله أحسن الخالقين. الخواص: لحم الدجاج الفتي يزيد في العقل ويصفي اللون، ويزيد في المني ويقيم الباه والمداومة عليه تورث النقرس والبواسير على ما ذكر. (دج) : طير كبير أغبر يكون بساحل البحر كثيرا وبالقرب من الإسكندرية والناس يصطادونه ويأكلونه. (دود) : إسم جنس، ومنه دود القز ويقال لها الهندية. ومن عجيب أمرها أنها تكون أولا مثل بزر التين ثم تصير دودا، وذلك في أوائل فصل الربيع ويكون عند خروجه مثل الذر في قدره ولونه، ويخرج في الأماكن الدافئة إذا كان مصرورا في حق، وربما تأخر خروجه فتجعله النساء تحت ثديهن بصرته، فيخرج وغذاؤه ورق التوت الأبيض. قال: ولا يزال يكبر حتى يصير بقدر أصبع، وينتقل السواد إلى البياض وكل ذلك في مدة ستين يوما. قال: ثم يأخذ في النسج بما يخرجه من فيه إلى أن ينفذ ما في جوفه ثم يخرج شيئا كهيئة الفراش له جناحان لا يسكنان من الاضطراب، وعند خروجه يهيج إلى السفاد ويلصق الذكر مؤخره إلى مؤخر الأنثى ويلتحمان مدة، ثم يفترقان. قال ويكون قد فرش لهما خرقة بيضاء فينشران البزر عليها، ثم يموتان هذا إذا أريد منهما البزر وإن أريد الحرير تركا في الشمس بعد فراغهما من النسج، فيموت وهو سريع العطب حتى إنه ليخشى عليه من صوت الرعد والعطاس ومس المرأة الحائض والرجل الجنب، ورائحة الدخان والحر الشديد والبرد الشديد، ونحو ذلك قال أبو الفتح البستي: ألم تر أن المرء طول حياته ... معنّى بأمر لا يزال يعالجه كذلك دود القزّ ينسج دائما ... ويهلك غمّا وسط ما هو ناسجه وقال آخر: يفنى الحريص بجمع المال مدّته ... وللحوادث ما يبقى وما يدع كدودة القزّ ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع (ديك) : وكنيته أبو حسان وأبو حماد وغير ذلك، ويسمى الأنيس والمؤانس ومن طبعه لا يألف زوجة واحدة، وهو أبله الطبيعة لأنه إذا سقط من بيت أصحابه لا يهتدي إلى الرجوع إليه، وفيه من الخصال الحميدة ما لا يحصر منها أنه يساوي بين أزواجه في الطعمة، ويذكر الله تعالى في الليل حتى قيل إنه ليوقته ويقسمه، وربما لا يخرم في توقيته، وفي الصحيح: إذا سمعتم صياح الديك، فاذكروا الله تعالى، فإنه يصيح بصياح ديك العرش. وروى الغزالي عن ميمون بن مهران أن لله ملكا تحت العرش على صورة الديك، فإذا مضى ثلث الليل الأول
следующие страницы →